 أقلام حرة

الجماهير والثورة

علي المرهجتؤسس الجماهير الثائرة أو المنتفضة ثورتها أو انتفاضتها على مطالب حقيقية، أهمها الخدمات الأساسية: الصحية والتربوية والتعليمية وخراب البنى التحتية، ليأتي بعدها الفساد السياسي والإداري وضعف الأجهزة الرقابية والقضائية في عدم تمكنها من محاسبة الفاسدين...

لكن حينما تثور الجماهير وتنتفض فلا قدرة لسلطة على ردّها إن كانت سلطة فاسدة، لأن انتفاضة الجماهير بعد حدوثها ستكون فعلاً ثورياً تحكمه العاطفة وحركية الفرد وسط الجمع. إنها "عدوى الإنفعالات" كما يصفها (غوستاف لوبون) في كتابه (سيكولوجيا الجماهير)، "وهي آراء ومعتقدات تنتشر بواسطة آلية العدوى وليس بواسطة المحاجة العقلانية إلّا في القليل النادر"، لأمر الذي يجعل هذا الجمع يتحرك وفقاً لاندفاعة وجدانية يغيب فيها العقل الفردي ويحضر فيها الفعل الجماعي الذي يُكون الفرد فيه جزءاً من كل لدرجة يغيب فيها العقل الفردي، نجد فيه كل قدسيات الزمن (الماضي) المؤتلف مع السلطة قد سقطت أصنامه وفق مقتضيات حركية الجماهير المنتفضة أو الثائرة.

في الثورة تهديم لأصنام سبقت، ولربما، يصنع الثوار لصناماً جديدة تحل محل الأصنام القديمة!، فهذا أمر وارد الحدوث، إن لم يكن من قبيل تحصيل الحاصل.

حينما ينتصر الثوار سيخلقون قيماً جديدة، بل وحتى أيديويولوجيا جديدة تهدم الأيديولوجيا القديمة وتُقوضها بالكامل - في الغالب، أو تُؤسس على أنقاضها أيديولوجيا جديدة يسعى منظروها لترميم العلاقة بين الجديد والقديم بما يجعل من ثورتهم أو انتفاضتهم تبدو وكأنها هضم لأيديولوجيات سبقت ليخرج مفكروا الثورة برؤية لا تفقد صلتها بالماضي لتتقاطع معه تقاطعاً تاماً، إنما هي (قطع ووصل) بعبارة محمد عابد الجابري، القطع مع الماضي (التراث) وأيديولوجيته، يعني أن لا نجعل من فكرنا نسخة منه، بمعنى أن لا نُنتج أيديولوجيا لا جديد فيها ولا ابداع سوى استنساخ تجربة الماضي، لأننا وفق هذا الحال ينطبث علينا المثل القائل (بدلنا علاوي بعليوي) أو (عادة ريمه لعادتها القديمة).

إذن ينبغي علينا حينما نروم تغييراَ أن نعمل على تجاوز سطوة الماضي (التراث) بكل أيديولوجياتها السكونية كي لا نجعل من أنفسنا وكأنا "كائنات تراثية" بتعبير الجابري، نعيش الحاضر وأعيننا وآذانتا مشدودة للماضي.

تحدثنا عن القطع مع أيديولوجيا الماضي، الأمر الذي يدعونا للوصل معه لا الانقطاع التام، والوصل هنا يعني فهم التراث وأيديولوجياته منطق الزمكان، أي فهم الحدث التاريخي ونزعاته الأيديولوجية وفق متغيراته في زمنه.

إذن، فمهمة الجماهير المنتفضة او الثائرة هي تنظيم العلاقة بين مخزون الذاكرة (الماضي)، وفعل الحدث (الحاضر)، وأفق الطموح (المستقبل) بما يجعل من ثورتهم او انتفاضتهم فعلاً مقبولاً في وسطهم الاجتماعي.

ولا تتحقق هذه المقبولية في حال استمرار الدعوة والعمل على تقويض القديم لمجرد انه قديم، ولا تستمر فقط لأنها تنزع نحو التغيير بالكامل، ففي كلا هذين المسعيين - مع افتراض حُسن النية - سوء تقدير  وخراب بعد قصد تعمير.

فلطالما "أصبحت الفكرة الشعبية تفرض نفسها على الطبقات الاجتماعية العُليا حتى لو كانت عبثية...، وهذا التأثير الذي تُمارسه الطبقات الاجتماعية الدُنيا على الطبقات العُليا غريب فعلاً" كما يقول (لوبون) في كتابه (سيكولوجيا الجماهير)...

(أبو التكتك علم) مثال لقول (لوبون) هذا.

 

ا. د. علي المرهج

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4823 المصادف: 2019-11-19 01:15:21