 أقلام حرة

انتهى الدرس يا أخي

عصمت نصاردرج الخطباء والمعلمون والكتّاب على إنهاء ما بدأوه، واستفاضوا في شرحه ودرسه، بكتابة كلمة تم أو انتهى. و لعلّ ما قصدوه من ذلك هو تنبيه القارئ وحثّه على وجوب استيعابه ما فات وتفهمه وتدبره، أو العمل بمقتضى ما قنع به. وعلى الرغم من كثرة أصحاب المنابر وقادة الفكر والمهذبين والوعاظ، فقليل من المتلقيين هو الذي يعي ويستجيب، الأمر الذي دفع الفيلسوف الصيني (لاو تسو) إلى القول:  بأن الطبيعة خير معلم، وذلك لأن حجتها يبرهن الواقع المعيش على صدقها، ومن ثم لا حاجة للإنسان لمن يرشده ويعظه أو يحذره ويهديه.

ومن أقواله :

 "من يعي فعل الطبيعة ومن يستوعب تجارب الإنسان هو الذي يفلح في بلوغ الكمال، فمن يعرف أسرار الطبيعة وقوانينها يعيش تبعا لدستورها، ومن يتتبع خبرات الإنسان يكمل معارفه ويضيف عليها ما غاب وخفي عنها، والإنسان الصادق هو الذي يجعل من التجربة معيارا للتحسين والتقبيح، وأداة وميزانا لتقييم الماضي وتقويم الحاضر والتخطيط للمستقبل ".

وعلى مقربة من ذلك، نجد ابن خلدون يعتبر التاريخ كتاب العبر، فمن جهله لم يحسن اختيار مبدأه ولا سبيل لمسلكه، ومن لم يتعظ ويعتبر من أخبار السابقين لن يحسن قراءة حاضره ولا استشراف مستقبله، ويترك للمصادفة خبره وآخره؛ فالتاريخ فن من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، ولا يتساوى في فهمه العلماء والجهال، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو بذلك أصيل في الحكمة وعريق.

ولما كانت أيامنا خالية ممّن نثق في علمه، ونسلم برجاحة عقله، ونشهد له بالدربة والدراية، والمهارة في التدبير والإدارة، كان لزاماً علينا أن نتخذ من الواقعات معلماً، ومن الوقائع درساً، ولكننا لم نفعل، سواء كنا حكاماً أو محكومين، قادة للرأي أو تابعين.

فإذا ما سألنا الثائرين عن آليات التطبيق، وعن أولويات الغايات في التحقيق:

أجابونا بهتاف "يسقط ويعيش وفلول ومرشد وصراع بين الإخوان والجيش"

 وإذا ما عرضنا نفس السؤال على النخبة والرأي العام القائد للثورة:

نجدهم يتحدّثون عما ينبغي أن يكون، وسمات المدن الفاضلة وخصائص الأمم الراقية.

وعلى النقيض من ذلك تماما، نجد الرأي العام التابع (العوام والسوقة والدهماء) يجيبون:

نريد أماناً واستقراراً وخبزاً وعدالة وكرامة وحرية.

أما الفصيل الثالث، وهو الأخطر، ويمثله أصحاب المصالح، ونجد على رأسهم المتأسلمين - الذين رفعوا شعار الحاكمية لله وتطبيق شرع الله وأستاذية العالم وبعث الخلافة الإسلامية - لم يحسنون أيضاً قراءة التاريخ، ولم يعوا قوانين الطبيعة، فعبثاً يفعلون، إذ أرادوا التغيير عن طريق منطق الإطاحة بالأغيار، وصورت لهم أوهامهم بأنهم قادرون على مراوغة البيت الأبيض والتحالف معه إلى حين، وفاتهم أن خبرتهم السياسية لا تمكنهم من قراءة ما يخططه الغرب، وما يسعى لتحقيقه، ودفعتهم مطامعهم إلى التنازل عن كل شيء إشباعاً لشهوة الترأس والسلطة والحكم. ومن الغريب أن نجد هذا الفصيل من المتأسلمين لا يحاول هدم أركان الدولة فحسب، بل العبث أيضاً بعقل الأمة، ويبدو ذلك في القرار الذي أصدره وزير التربية والتعليم الذي همش فيه الدراسات الفلسفية والنفسية والاجتماعية، وجعلها مواد اختيارية أي على الطالب المفاضلة بينها لدراسته دون البعض الآخر، ولم يعي الوزير المبجل أن هذه المواد مجتمعة تساهم في بناء عقلية وشخصية الطلاب، لتوجه ميولهم، وتقوم سلوكهم، وتصقل ملكاتهم وتنظم ولاءاتهم وانتماءاتهم، فقد أدرك الشيخ حسن العطار ومن بعده الإمام محمد عبده، ومصطفى عبد الرازق وتلاميذه أن دراسة المعارف الفلسفية ومباحثها العقليّة أفضل الآليات التعليمية للارتقاء بذهن الطالب والانتقال به من طور الحفظ والتحصيل، إلى طور النقد والإبداع، لذا حرص سعد زغلول على إدراج المواد الفلسفية عام (1907) في المقررات الدراسيّة في المرحلة الثانوية، ويعد المتخصصون هذا العام عام الفكر والاستنارة في تاريخ التعليم المصري، علما بأن المعارف الفلسفية الإسلامية كانت تدرس في المعاهد الأزهرية وفي مدرسة دار العلوم منذ العقد الثامن من القرن التاسع عشر، وذلك لأن قادة الرأي قد أدركوا أن العلوم النقلية أحوج ما تكون للعلوم العقلية لتوضيحها وتجديدها.

ومن ثم لا أجد تبريراً لما فعله هذا الوزير سوى أنه غير مدرك لعواقب قراراته، فإذا ما تجرأ الجاهل ووصف دراسة الفلسفة بأنها مجرّد لغو لا فائدة فيه، فإننا نذكره بأن الأمم التي أخذت موقفا عدائياً من العلوم العقلية المتمثلة في الفلسفة، قد حكم عليها التاريخ بالتخلف والاضمحلال والانحدار الحضاري، وتفشى فيها التطرف والعنف والتسلط والاستبداد، وافتقر قادتها إلى آليات التحاور والتساجل البناء، وسهل على الطامعين فيها الاستيلاء على ثرواتها والهيمنة على مقدراتها والقضاء على طموحاتها.

ولا ريب في أن كل المذاهب المنغلقة شأن الجماعات المتأسلمة التي ينتمي إليها الوزير تجهل هذه الفضائل وهاتيك الخصائص، وعليه يمكن وصف هذا العام بأنه عام الظلمة والجهالة وفي التاريخ عبرة.

 وحسبي ألا أطيل فقد انتهى الدرس ..... يا أخي وهاهى أسئلة الامتحان:

 هل غيبة القائد هى علة إخفاق ثورتنا ؟ أم كثرة المتآمرين ؟

هل يجب على الثورات العمل وفق فقه الأولويات عند مطالبتها بالغايات؟

 هل القمع والعنف يصلحان الآن لفرض الأمر الواقع؟

هل نجح المشروع الإسلامي في ثورات الربيع العربي في البرهنة على أن الإخوان خير أمة أخرجت للناس؟

هل ما زال الاشتراكيون الثوريون وجماعة 6 إبريل، والمغيبون من حزب الكنبة، والمندفعون من شبيبة الأولتراس،  يستطيعون المفاضلة بين حكم الإخوان ودونه؟ هل ينجح صفوة الثوار وقادة الرأي في استرجاع اللحظة التاريخية التي جمعت المصريين على قلب رجل واحد لتطالب من جديد (عدالة، حرية، كرامة إنسانية) هل يمكننا الشك في أن الجيش والشعب إيد واحدة؟ وإذا كان هذا صحيحاً، فمن هو الشيطان الماكر؟

وإلى متى يشعر المصريون بأنهم غرباء في بلدهم؟

 

بقلم: د. عصمت نصار

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4884 المصادف: 2020-01-19 01:44:21