 أقلام حرة

شذرات في الشخصيه العراقيه (5)

اياد الزهيريتطرقنا في الحلقات السابقه الى دوافع واسباب حالة التمرد والمشاكسه والازدواجيه للشخصيه العراقيه، وقد اشبعناها بعدد من الامثله، ولكن في هذه الحلقه الفت القاريء الى ظاهرة الجدل في المجتمع العراقي وهي ظاهره مستفحله وتكاد تلمسها في مكان العمل والبيت والمقهى والشارع والمكتب .طبعا هذه الظاهره ليست بالظاهره الجديده، بل هي قديمه، وقد بدأت جذورها من الاختلاف السياسي في زمن السقيفه، وهو بالحقيقه يمكن تصنيفه بانه ايديولوجي حيث اختلط فيه الديني بالسياسي، حتى أتخذ له أشكال مختلفه، طور يأخذ شكلاً عنفياً، ومرةً يأخذ شكل مناظرات وحوارات بين مدرستين مختلفتين في التوجه السياسي، وقمة هذه المناظرات كانت في الزمن العباسي حيث عقدت له الجلسات التي بعضها يحضرها الخليفه والكتاب والعلماء وتجري المناظرات بينهم وقد سجل الكثير منها والآن هي الان جزء من تراثنا الأدبي والديني والفلسفي، وأقول الفلسفي لان هذه الحوارات وقد ادخل لها العنصر الفلسفي كأداة استخدمت بالجدل بين المتحاورين، وقد استخدم المتكلمون المنطق اليوناني بكل مدارسه الفلسفية وهو منطق أسس أساساً لإدارة الحوارات الجدليه بين المتناظرين.طبعاً علينا الاشاره الى نقطه هامه وجوهريه الا وهي الرغبه في الغلبه وهي عنصر هام في كينونة الشخصيه العربيه، ولا ننسى تباريهم في الشعر العربي، وهو شعر غالباً ما يكون بالهجاء والمديح والحرب.لاشك ان اسلوب المناظرات يعتبر حاله متقدمه في مقابلة الخصم ومحاولة الانتصار عليه كلامياً، بدل ماكانت حربياً في ساحات الوغى حيث اداة الصراع هو السيف والرمح، في حيث في الجدل تكون الكلمه بدل السيف، كما ان الجدل أخذ منحى ديني وسياسي، أخذ كذلك منحى أدبي ولغوي حيث انقسم العراقيون الى مدرستين لغويتين وهي مدرسة البصره ومدرسة الكوفه، وهذا الانقسام اللغوي لم يحدث الا في العراق، وقد علل الجاحظ بشكل عام ان سبب جدلية العراقيين هو أنهم أهل نظر وفطنه، هذا من جانب ومن جانب آخر ان العراقي تتسم نفسيته بسمة الانفه والعنفوان، وهي أيضاً من صفات البدوي المرتبطه بمبدأ الفخر الذي يداعب مخيلته دائما، حتى أننا العراقيون عندنا مثل يقول (شيم المعيدي وخذ عباته) ولهذا لا يمكنك ان تقنع العراقي بالقوه، بل يمكنك ان تلتمس منه الطاعه والتسليم لك بالموادعه والتحشيم، والذي يثبت ذلك هو ان قسوة كل الحكام الذين حكموا العراقيين لم تجعلهم يرضخون بل يزدادون عناداً وتمرد، لذى تحبذ الطريقه الديمقراطيه المؤطره بالنظام المشفوع بقوة القانون في سياسة العراقيين.

في السنوات الاخيره رجعت ظاهرة الجدل الى السطح وبقوه بسبب الحريه المتاحه وفسح المجال للأحزاب السياسيه بالعمل الحزبي، كل هذا فتح الباب على مصراعيه للجدل البيزنطي في الشارع العراقي، وأقول بيزنطي لان أكثره جدل عنيف لا يستند الى العلميه، وتغيب فيه كل أسس الحوار الصحيح، حتى أن المبالغة ولغة التعميم هي السائده فيه، كما أن ظاهرة انحسار القراءه عند الجمهور عزز من الظاهره الجدليه، حتى أجعل جدلهم، جدل من أجل الجدل، لانه يلبي فيهم رغبة المشاكسه والانتصار على الخصم.هناك نقطه مهمه وهي غايه في الاهميه من ناحية تغذية الاتجاه الجدلي عند العراقيين الا وهو كثرة نسبة البطاله بين صفوفهم الذي جلب ظاهرة كثرة المقاهي، حتى أصبحت مقهى بجانب أخرى .هذه المقاهي أخذت دور حلبات المصارعه بين المتصارعين، فترى الأصوات العاليه والكلمات النابيه، والتي تصل في كثير من الأحيان الى الاشتباك بالايدي، وهناك عامل مهم أخر زاد من تكريس هذه الظاهره الجدليه، ولكني أختصرها بشيء من الإيجاز لان تفسير دوافعها عميقه وتحتاج الى شرح كثير الا وهو ان العراقي شخصيه لا تهوى العمل، وتميل الى الاسترخاء أو أختيار أسرع الطرق كسباً، ولذلك يميل الكثير منهم الى العمل التجاري، ومن أدوات العمل التجاري هو قوة الأقناع , وهذا يستدعي لسانآ حاذقآ وطليقآ .كما ان البدوي يمتهن الغزو ويحتقر المهن، وحتى لو دخل عالم المهن فانه يقتصر على مهنه ويحتقر الاخرى، فمثلاً يفتخر العراقي بزراعة الحنطه والشعير ويحتقر زراعة الخضراوات حتى يسمي زارع الخضراوات بالحساوي، كما يحتقر الأعمال اليدويه، وهذا هو ما جعل المهن اليدويه سابقاً تنحصر عند اليهود والصابئه .على العموم ان أحتقار العراقي لكثير من المهن ساهم بشكل كبير في أيجاد نسبة بطاله عاليه بين أبناءه .البطاله لا شك تجعل الإنسان يشعر بالتهميش واللاجدوى اجتماعياً، لذى تراه يشترك في أي نقاش يدور بحضوره لكي يثبت أنه ذو شأن وفعال، فيشترك بمناسبة وبغير مناسبه، وأحياناً تكون مشاركته تتصف بالعنف، وهذا يعتمد بمدى أحساسه بالخواء النفسي وأنه أنسان غير ذي جدوى.وبما ان الموضوع ذو شجون ومتشابك أحب أن أضيف عامل المناخ كعامل مساهم في تضخم ظاهرة الجدل، حيث المناخ الحار يميل فيه الإنسان الى الكسل، والكسل يدفع الى البطاله والتجمع، والسكون حاله تدعو الى الضجر والكآبه، ولكسر هذه الرتابه، يلجأ الأنسان الى الحديث كمحاولة وقائيه.من الشعور بالفراغ ,نستنتج من ذلك أن من يكون حاداً في جدله تكشف عن حاله متأزمه يعيشها المتحدث، وأن هناك الكثير من المكبوتات في نفسه المتعبه بأثقال المشاعر التي تجرحه نفسياً.نكتفي الى هذا الحد وهناك تتمه أنشاء الله.

 

أياد الزهيري

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4918 المصادف: 2020-02-22 02:11:41