 أقلام حرة

الخوف بين الحاكم والمحكوم

راجي العواديالخوف نوعان: خوف (المحكوم) من بطش الحاكم وخوف (الحاكم) من ثورة المحكوم، مع ان الحاكم يخاف اكثر مما يخاف المحكوم ...من الطبيعي أن يخاف الشعب من الحاكم، لانه يسعى للاستمرار في حكمه أطول وقت ممكن، لذا يلجأ الى خيارات، اما يقمع الشعب او يلهيه او يخرسه، ولكل خيار تفصيل موجز، فلكي يستمر الحاكم في الحكم  فإنه يعطي الضوء الأخضر لأجهزة أمنه لقمع المعارضين والتنكيل بهم وايداعهم في السجون، ولا يأْلوا جهدًا لزرع (دولة الخوف) في نفوس الشعب ويتجلى هذا الخوف بالإفراج عن بعض المعتقلين لكي ينشروا بين أهليهم ومنْ حولهم ما حدث لهم من أهوال التعذيب، او يلجأ الحاكم الى الهاء الشباب ببرامج دينية او رياضية، كالحملة الايمانية التي روج لها نظام صدام فترة التسعينيات من القرن المنصرم، في وقت كانت الاجهزة الامنية تراقب المصلين في الجوامع وتكتب التقارير عنهم وتمنع زيارة الاربعين ف(جمع المتناقضين)، كما اهتم المقبور عدي بالرياضة كثيرا لامور اعلامية لا غير، اما خرس الالسن، فهو الخيار الاشد قساوة، فصدام بكل جبروته كان يخاف من مجرد كلمة لان الكلمة لها تاثيرها ودورها بالتوعية والتاثير اذا كانت تعتمد على الحجة، فبزمن صدام (اذا تحجي تموت) حتى بدى الشارع العراقي مرهوب وهذا السيناريو يتكرر عند جميع الحكام بغض النظر عن المكان والزمان ولا احد منهم استغنى عنه، صحيح الايام الاولى للحاكم لسان حاله يقول (تكلموا ما تريدون، محد يسمعكم لو تموتون) او ان المسؤولين يضعون قطنا في اذانهم حتى لا يسمعون، لكن الحالة بمرور الزمن تتغير بعد ان يدرك الحاكم ان الكلام اشد وقعا من السيف فيرجح العمل بمقولة اذا تحجي تموت .

ان اصرار السلطة الحاكمة على اعادة انتاج نفسها ولجوئها الى تخويف المواطنين، كان بهدف بقاءهم في السلطة فترة اطول بغض النظلر عن الانجاز هو جوهر الازمات والمشاكل وانقسام المجتمع، لكن الشعب عندما يتصاعد خوفه من الحاكم وأجهزته القمعية سيصل حتما في يوم ما إلى نقطة عليا بمستقيم ثم يتحول الى منحنى وياخذ بالهبوط سريعا، ويصبح تخويف الشعب بلا قيمة ولا فائدة، والعجيب أنه مع وصول الشعب إلى هذه النقطة يبدأ الخوف يتسرب إلى الحاكم بمعنى (يبدأ خوفُ الحاكم على حكمه حينما يتخلصُ الشعبُ من خوفه)

نقول العلاقة بين الطرفين (الحاكم والمحكوم) يجب ان تقوم على اساس العدل، فالحاكم عليه أن يحترم شعبه، ويحترم رغباته وإرادته، ويسعى إلى تحقيق آماله دون خوف او توجس من ثورة الشعب عليه، والشعب يجب أن يعبر عن رأيه بحرية ويحدد مطالبه دون خوف من بطش الحاكم أو طغيان أجهزته الأمنية، هنا فقط تكون العلاقة بين الطرفين علاقة طبيعية، ولكن من تعود على الظلم لا يستطيع أن يفهم العدل.

رحم الله ابن طاووس صاحب المقولة الشهيرة (الكافر العادل افضل من المسلم الجائر) لان الحاكم الظالم المسلم اسلامه لنفسه وظلمه على الرعية، واما الكافر العادل فكفره على نفسه وعدله يشمل به الرعية .

وقد قال محمد عبده الحاكم الظالم سخط من الله على الشعب، بمعنى ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

 

م. راجي العوادي

اكاديمي وكاتب وصحفي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4922 المصادف: 2020-02-26 01:25:21