 أقلام حرة

الزَمَنُ الوُجُوديُّ والزَمَنُ الحُضوريُّ

اختلف الفلاسفةُ والعُلَماءُ في تَعريفِ الزَّمَنِ وتحديدهِ . وقال البعضُ أَنَّ الزمانَ وهمٌ تصنَعُهُ عُقُولُنا؛ فالزمانُ عندَهُم وهمٌ لاحقيقةَ لهُ.

فَهَل الزمان وهمٌ لاواقعيةَ لهُ، ولاوجود خارجيَّ لهُ؟ هناكَ من تحدَّثَ عن زَمَنٍ فيزيائيٍّ ومَيَّزَ بينَهُ وبينَ الزمن السيكولوجي. فيزياء نيوتن تحدثت عن زمنٍ مطلق وثابت، وعندما جاء البرت اينشتاين بنظريته في النسبية الخاصة، نسفَ فكرةَ الزمان المطلق التي قال بها اسحق نيوتن، وتحدثَ عن الزمن كبعدٍ رابع من ابعاد المكان.

الزمان عند الفيلسوف الكندي هو: (مدةُ الحركةِ أو هوَ عددُ الحركةِ)، وعرّفَهُ ارسطو بأنَّهُ مقدارُ الحركةِ، واعتبرهُ ارسطو من المقولات العشر، بل هو احدى المقولات العرضية التسع؛ فالزمانُ عَرَضٌ عندَ ارسطو.

وتحدثَ ابنُ سينا عن الزمن في كتاب الطبيعيات، وذكر الاراء المتعددةَ في الزمان، وقالَ :(فمنهم من نفى الزمن، ومنهم من اعتبرهُ وهماً ولاوجود له البتة، ومنهم من جعل له وجودا في الاعيان الخارجة، ومنهم من جعله امرا واحدا، ومنهم من جعله نسبة ما على جهةٍ ما). وامّا اوغسطين فقد اشار الى معضلة الزمان وعدم قدرته على تحديده وفهمه . جاء في كتاب اوغسطين (الاعترافات): (اذا لم يطرح عليَّ احدٌ هذا السؤال فانيّ اعرفُ ماالزمان؟، لكن بمجرد مايطرح عليّ السؤال وافكر في الاجابةِ عنهُ اشعر بانني لااعرف الجواب) . ولنفس المعضلة اشار باسكال ان الزمان لانحتاج الى تعريفه لاننا نحس به .

الزمنُ الوُجوديُّ والزمن الحضوريُّ

قد يكونُ مصطلَح (الزمن الوجودي) مستخدما ولكن بمعنىً اخرلابالمعنى الذي استخدمُهُ الان، فانا استخدم الزمنَ الوجوديَّ، وأعني بهِ الزَمَنَ الغيابي، والزمن الغيابي هو (الماضي والمستقبل، والحاضر كذلك اذا غفلنا عنه ولم نشعر به، ولم نعِيَهُ)؛ لان الماضي تصرمت اناتهُ ولحظاتهُ، والمستقبل لم يتشكل بعد فهما زمنان غائبان . والزمن الحضوريّ هو الزمن الحاضر، اللحظة التي نعيشها هي الزمن الحضوري. وقد استخدم الكاتب الكندي (Eckhart Tolle) تعبيرينِ هما: " زمن الساعة" و" الزمن السايكولوجي"، ويقصد بزمن الساعة هو ماعبرت عنه بالزمن الوجودي الغيابي، ويقصد بالزمن السايكولوجي " الاحساس بالزمن " .

القران والزمن الحضوري

القران الكريم استخدم لفظتي الشهود والحضور للتعبير عن هذا الزمان، فالله تعالى يقول:

(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ).البقرة : الاية 185.

ففي الايةِ الكريمةِ زمنان، زمنٌ حُضوريٌّ شهوديٌّ لمن شهدَ الشهرَ وكانَ حاضراً، وزمن وجوديٌّ غيابِيٌّ للمسافر والمريض. المسافر والمريض الزمن الوجودي يكتنفهما لانه ظرفٌ، ولكنهما خارج التكليف؛ لانهما لم يعيشا زمن الشهر حضورياً وشهوديّاً.

وكذلك العصاة والذين لم يطيعوا اللهَ في صيامِ الشهر، الزمن الوجودي يحتويهم ويكتنفهم رغماً عنهم، ولكنَّهم لايعيشونَ الزمن الشهوديّ الحضوري؛ لينالوا بركاتِ الشهر.

وقوله تعالى: (أمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).البقرة: 133.

الموت حضر عند يعقوب عليه السلام؛ فهو عليه السلام يعيش الزمن الحضوري للموت، اما الذين حوله فيعيشون الزمن الوجودي الغيابي؛ فالموت غائب عنهم، وهم في غفلةٍ منهُ، كما جاء في قوله تعالى :

(لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ).ق: الاية: 22.

فالمُحتَضَر يعيش الزمان الحضوري للموت، وقد كان سابقاً يعيش في غفلةٍ من الموت؛ لانه يعيش الزمانَ الوجوديَّ الغَيابيَّ .

وفي قوله تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ).ال عمران: الاية: 30. كل نفسٍ تجد اعمالَها حاضرةً؛ لانها في ذلك اليوم تعيش الزمن الحضوريَّ، وقد كانت في الدنيا لاتحس باعمالها؛ لانها في الزمن الغيابي .

وقوله تعالى:( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ). البقرة: الاية: 143.

الرسول (ص) شاهدٌ على امتهِ، والله تعالى يريد من الامة ان تكون شاهدة وحاضرة لاامة غائبة عن مسرحِ الاحداثِ.

خصائصُ الزمنينِ الوجوديِّ والحضوريِّ

الزمن الوجودي هو الذي ينقسم الى اجزاء واناتٍ، ينقسمُ الى ماضٍ وحاضرٍ(مع غياب الوعي)، ومستقبل . امّا الزمن الحضوري، الذي هو وعي الكائنِ بوجودهِ، زمن حضور اللحطة الراهنة ووعيها فهو زمنٌ واحدٌ وغير قابلٍ للانقسامِ تماماً كالصفرِ في الاعدادِ غير قابل للقسمة. في الصلاة هناك زمن وجودي، هوعددُ الدقائق التي تستغرقها الصلاة، امّا زمنُها الحُضوريُّ فهو غير قابل للانقسام ولازمن له .

مثل حلم النائم يرى مدنا واماكن بعيدة في زمنه الحضوري الذي لازمان له، ولكن المراقبين للنائم يرونَ انَّ حلمه لم يستغرق وقتاً؛ لانهم يقيسون زمنه الحضوريّ بازمنتهم الوجوديّة الغيابيّة. والنبي (ص) وهو يتلقى الوحي يعيش الزمن الحضوري، الذي يدرك الوحي باجهزة اخرى وقوى اخرى غير السمع الظاهر والبصر الظاهرامّا المحيطونَ بالنبيِّ (ص) فيعيشون زمنهم الوجودي الغيابي.والزمن الوجودي زمنٌ قسريٌّ مفروضٌ يسري على كلِّ الوجود بلا ارادةٍ من الموجودات، في الزمن الوجودي يسري علينا الزمن رغماً عنّا. امّا الزمن الحضوري نحن مختارون، وصانعون للحدث، ولسنا مقهورون للزمان . يقول علي عليه السلام: (قهر عباده بالموت والفناء) وهذا حديثٌ عن الزمن الوجوديِّ القاهر، اما في الزمن الحضوري فنحن حاضرون ونمتلكٌ ارادتنا ووعينا، ونحن نصنع الاحداث والانجازات بهذا الحضور والزمن الشهوديِّ .

الحضارة والزمنُ الحُضوريُّ

تحدث المفكرُ الجزائريُّ مالك بن نبيّ، وتحدث غيرهُ ممن نظّرَ للحضارةِ عن دخول الزمن كمُكَوّنٍ من مكوناتِ المُركب الحضاري . مالك بن نبيّ يرى ان المركب الحضاريّ مكون من زمنٍ وترابٍ وانسانٍ، ودور الدين في الحضارة هو دور الصاعق او الشرارة التي تُرَكِّب بين هذه المكونات .

هنا مالك بن نبيّ وغيرهُ مِمَن نَظّرَ للحضارةِ يَعنُون بالزمن الزمن الحضوري اي: وعيُ الزمن؛ لانه هو الذي يصنعُ الحضارة؛ لان الحضارة مشتقةٌ من الحضور.

هناك فرقٌ بين وجودِ الامةِ وحضورها، الامة الموجودة في زمنها الوجوديّ غير واعيةٍ لزمنها وعصرها، فلاحضور لها بين الامم، وان كان لديها وجوداً ماديّاً فيزيائياً.

الامم الحاضرةُ والشاهدةُ هي التي تنهضُ على اكتافها الحضارات، وهي التي تصنع الاحداث؛ لانها تعيش زمنها الحضوري .

الحضور والغياب في غيبة القائد

في غيبة الامام المهدي عليه السلام، هناك غَيابٌ وحضور، الامامُ حاضرٌ وشاهدٌ يعيشُ زمنهُ الحضوريّ، والامّةُ هي الغائبةُ لانها تعيش الزمن الوجودي الغيابي .

الامّة بحاجةٍ الى ان تخرجَ من زمنها الغيابي وتعيش حالة الحضور.

البعض غارقٌ في زمنهِ الغيابيّ، ويبحث عن علاماتِ الظهور، ويطبق الروايات التي تتحدث عن الشخصيات المُمَهِّدة للظهور، ويطبقُ الرواياتِ على شخصياتٍ معينة ويوقت، لماذا؛ لانه يعيش زمنه الغيابي، ولايعيش زمنه الحضوري ولحظته الراهنة .

بدلا منالاستغراقِ في المستقبل وتطبيق الرواياتِ على شخصيّاتٍ معيّنةٍ، علينا ان نتتعرف على واجباتنا في عصرِ الغيبةِ، ونعملُ على ايجاد ارضيّة تمهد للظهور .

 

زعيم الخيرالله

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4925 المصادف: 2020-02-29 00:53:08