 أقلام حرة

أحزاب تخشبت فماتت

اياد الزهيرييقول الأمام علي (ع) (لا تكن ليناً فتعصر ولا صلباً فتكسر). هذا المبدأ كما يجري على الأشياء، يجري على الأنسان في سلوكه مع الأخرين، وهو المبدأ الذي ينطبق في عالم السياسه، وكما أن السياسي الحاذق الذي يجنب بلاده النزاعات والحروب، حيث ينحني قليلاً أمام رياح التهديدات العاتيه من قبل قوى لا عهد لبلده بها. كذلك الحال يجري على الأحزاب، وخاصه التي قطعت شوطاً طويلاً في العمل السياسي، ومرت بعهود مختلفه، وتعاملت مع سياسات حكم متباينة . هذا المشوار الطويل لهذه الأحزاب يرتب عليها ضرورة التغير الذي تفرضه قوانين الحياة، وتغير الظروف والسياسات على المستوى المحلي والدولي، لأن الجمود سوف يجعلك هزيلآً ضعيفأً أتجاه التحولات التي تجري في محيطك، وبالتالي يجعلك قاصراً باللحاق بالتطورات الجاريه على كل المستويات، وعندما يكون جمودك سبباً لعدم الأستجابه لمتطلبات الزمن والحياة، عندها سيغادرك الأخرون، حتى لو كان قريباً منك، لذلك هُجرت الكثير من الأحزاب من قبل أصدقاءها ومناصريها لأنها عادت عصيه على التغير، ومجارات التحول في الحياة السياسيه .

موضوع بحثنا هو بعض الأحزاب في الساحه العراقيه، ممن أصابها حاله من التخشب في سلوكها السياسي، مما أفقدها المرونه الكافيه والضروريه لمجارات متطلبات العمل السياسي الذي يتطلب ديناميكيه عاليه بسبب تسارع الأحداث، وتطور الأفكار، وزيادة المتطلبات من قبل الأتباع، ومن قبل الشركاء السياسين، ومن هذه الأحزاب التي تعرضت لهذا الداء هم الأحزاب الأسلاميه مثل (حزب الدعوه الأسلاميه، ومنظمة العمل الأسلامي، والمجلس الأعلى الأسلامي) . والأمر لا يتوقف على الأحزاب الأسلاميه فقط بل يشمل الأمر حتى الأحزاب العلمانيه ومنها الحزب الشيوعي العراقي، وأحزاب عراقيه أنقرضت بسبب حالة التخشب هذه من أمثال الحزب الوطني الديمقراطي بقيادة الجادرجي و وحزب الأستقلال، وحزب النهضه، والحزب الدستوري والكثير من الأحزاب العراقيه التي ولدت وماتت وكانت أعمارها قصيره بسبب هذا المرض المزمن الذي أصابها جميعها . فلو أخذنا أمثله ومنها الحزب الشيوعي الفرنسي، وهو من الأحزاب الكبيره في فرنسا، وحتى على مستوى أوربا حيث نشاهده وقد حل نفسه في ثمانينيات القرن الماضي، حيث شكل بدلاً عن ذلك جبهه وطنيه تضم اليسار الفرنسي تحت مسمى الجبهه الأشتراكيه، والتي بأتحادها فازت بفوز مرشحها الرئيس ميتران، ويذلك تجاوزت أزمتها السياسيه الخانقه. طبعأً لو دققنا في سبب هذا التحول لرأينا أن جمود الأفكار الماركسيه لدى معتنقيه، والأمساك بقوالب المباديء الحديديه العصيه على التغير، كما ما أصاب الحزب من أنسدادات في سلوكه السياسي وعجزه لملاحقة التغيرات في المجتمع الفرنسي، وعدم أنسجامه مع نمط الحياة الجديده وما طرأ من تغيرات في الأنماط الأقتصاديه وخاصه أقتصاديات السوق، وحتى على مستوى العقائد لم يتطور مع ما أصاب العالم من تطور معرفي كبير، فبقى متقولب بقوالب ماركس وأنجلس ذات الطبيعه الحديديه، وهذا سكرتير الحزب روجيه غارودي وقد غادر الحزب الى غير رجعه بسبب تحوله الى الأسلام لأعتقاده بعدم صلاحية أفكاره، والتي بسببها خرج من الحزب عام 1970م، والحاله نفسها تكررت مع الحزب الشيوعي الروسي الذي وبسبب تصلد أفكاره وعدم مراجعة طريقة نشاطه، وأعادة النظر في متبنايته الفكريه والسياسيه قادت الى تفكك البلد الذي يقوده وهو الأتحاد السوفيتي، وهناك تجارب كثيره لأحزاب عربيه وقد تجاوزها الزمن كالحزب القومي السوري و وحزب البعث العربي الأشتراكي بشقيه العراقي والسوري، وبسبب حالة الجمود الفكري والممارسات القمعيه التي تدار من قِبل شخص دكتاتوري لا يقبل بالرأي الآخر، ولم يمتلك المرونه الكافيه لمجارات الأحداث المحليه والدوليه، وبسبب تعنت قياداته، أدى الى خسارته لموقعه لقيادة العراق، وتعرض البعث السوري الى هزه عنيفه كادت أن تعصف به، ومازال في مرحلة الخطر التي تهدد وجوده، أما بالنسبه للأحزاب الأسلاميه في العراق فهي تعيش اليوم أضعف حالاتها بسبب الكثير من الأخطاء القاتله ومنها تمسك القيادات المسنه في مراكزها القياديه، وأتباع نفس الأساليب القديمه اليوم في قيادتهم للسلطه كما هي الأساليب في أيام المعارضه، كما أن القصور بالنظره، وعدم معالجت الأخطاء، وعدم مرونة القيادات في تبادل الأدوار، وفقدانهم لديناميكية العمل السياسي أوقعهم في حاله من التصلب منعهم من متابعة التطورات الحاصله بالبلد والعالم ولم يتمكنوا من عبور المصدات التي وضعها لهم خصومهم سواء كان الخصم المحلي أو الأمريكي المحتل، فتشقق الحزب وأنشطاره الى حزب الدعوه الأسلاميه، وحزب الدعوه تنظيم العراق و وجند الأمام وغيره، والأمر نفسه ينطبق على المجلس الأعلى الأسلامي، حيث هو كغيره من التنظيمات السياسيه العراقيه هو الآخر تعثر في الكثير من حركته وتعرض لأنقسامات كثيره سواء على مستوى الأشخاص أو على مستوى خروج تنظيمات مستقله عنه مثل منظمة بدر بقيادة هادي العامري وأنشقاق عمار الحكيم عنه وتشكيل تنظيم مستقل عن المجلس الأعلى تحت مسمى تيار الحكمه. أن العقل الحزبي العراقي لم يرتقي الى ثقافة التأقلم والتغير مع الأحداث، ولم تتمتع قياداته بجرئة المراجعه لسلوكهم السياسي، وغياب ثقافة النقد الذاتي فيما بينهم، كما أنهم وضعوا حجر عثره أمام صعود الطاقات الشابه، كما منعوا تدفق الأفكار الجديده للأحزابهم . كل ذلك أدى الى ضمور وجودهم، وتلاشي مواقعهم في الساحه السياسيه والشعبيه . هذه الأسباب قادت الى أفول نجوم كثير من الأحزاب القوميه والأسلاميه واليساريه الكبيره، كما هناك شاهد حي لتجربة الحزب الشيوغي الصيني الذي نجى كحزب من حالة الأنهيار التي تعرضت له الأحزاب الشيوعيه في بلدان أخرى كالحزب الشيوعي الفيتنامي وأحزاب شيوعيه في أمريكا اللاتينيه، والحزب الأم (الحزب الشيوعي في الأتحاد السيوفيتي) وبسبب ما أبداه قادة الحزب الشيوعي الصيني من مرونه، وقدره على الأقلمه أتجاه التحولات العصريه، هي من أنقذته من التدحرج نحو الهاويه، متمثلاً بما قام به الزعيم ماو تسي تونغ بالثوره الثقافيه، وما قام به من بعده الشخصيه القياديه (دينغ شياو بينغ ) من أصلاحات أقتصاديه بعيدة المدى، كانت هي الأساس بصعود المارد الأقتصادي الصيني الآن، وفي هذه الأجراءات الشجاعه، والذكيه، جنب الحزب الشيوعي الصيني ما أصاب غيره من أشقاءه من الأحزاب الشيوعيه في مناطق أخرى من العالم، حيث تجمدت الدماء في شرايين أجساد أحزابهم، فمنهم من مات سريرياً، ومنهم من حملوه الى مقبرة الموتى، فلم يبقى الا أسمه.

 

أياد الزهيري

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4950 المصادف: 2020-03-25 11:16:14