غياث المرزوقإِنَّ بَيْنَ يَدَيِ ٱلْسَّاعَةِ ٱلْهَرْجَ.

قِيلَ: وَمَا ٱلْهَرْجُ؟ قَالَ: ٱلْكَذِبُ وَٱلْقَتْلُ [أَيْضًا].

قَالُوا: أَكْثَرَ مِمَّا نَقْتُلُ ٱلْآنَ؟

قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ [أَعْدَاءً]، وَلٰكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا!

الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ

قبلَ كُلِّ شَيءٍ، أيَّتُهَا القارئةُ الحَصِيفَةُ وأيُّهَا القارئُ الحَصِيفُ، لا بُدَّ لِي منْ أنْ أسْتَهِلَّ فَحْوَاءَ هذا القسمِ الثَّانِيَ عَشَرَ والأخيرِ (وليسَ الآخِرَ، بَتًّا وحَتْمًا مُتَحَتِّمًا) منْ هذا المقالِ، لا بُدَّ أنْ أسْتَهِلَّهُ بالتعبيرِ منْ أعْمَاقِ القَلْبِ عن مَدَى الشُّكْرِ والشُّكْرَانِ والتقديرِ لِكُلٍّ من الأخَوَاتِ الحَبِيبَاتِ المَعْنِيَّاتِ والإخْوةِ الأحِبَّاءِ المَعْنِيِّينَ، وقدْ سَاهَمْنَ وقدْ سَاهَمُوا أيَّمَا مُسَاهَمَةٍ بالعَزْمِ والحَزْمِ، ودُونَمَا تَوَانٍ أوْ تَهَاوُنٍ، بِكَمٍّ لافِتٍ من التعليقِ والتعقيبِ والتقريرِ والتنقيبِ والتذكيرِ والتصويبِ، وغَيْرِهِ وغَيْرِهِ، كَمٍّ لافِتٍ للعِيَانِ ليسَ لَهُ إلاَّ عَيْنُ الإثْرَاءِ في مَادَّةِ الفَحْوَاءِ كَيْفًا وكَيْفِيَّةً إثْرَاءً مباشرًا أوْ لامباشرًا، بالرَّغْمِ منْ أنَّهَا مَادَّةٌ لَمْ تُكْتَبْ، كَمَا تَرَيَانِ، هكذا كَمَا يُمْلِيهِ تَقْلِيدُ الكِتَابَةِ السَّائِدُ إمْلاءً بحُدُودِ، أوْ حتَّى بقُيُودِ، كُلٍّ من الشَّكْلِ المَنْضُودِ والمَتْنِ المَعْضُودِ عَلى ذلك النَّحْوِ «الرَّسْمِيِّ» والسَّطْحِيِّ السَّمِيِّ والسُّمِّيِّ الذي تَنْحُوهُ عَنْوَةً، منْ دَاخِلٍ جَلِيٍّ أو منْ خَارِجٍ خَفيٍّ، جُلُّ الصَّحَائفِ والمَجَلاتِ والدَّوْرِيَّاتِ والدُّورِ العربيَّةِ (الخَاصَّةِ والعَامَّةِ مِنْهَا، عَلى حَدٍّ سَوَاءٍ)، إنْ لَمْ نَقُلْ كُلَّهَا مُجْتَمِعَةً ودُونَ سِوَاهَا كذلك دُونَمَا الاِسْتِثْنَاءِ، تَنْحُوهُ عَنْوَةً نَامُوسًا «مُقَدَّسًا ومُكَلَّلاً» للعَديدِ من الكُسَّابِ «مُنَزَّلاً» من السَّمَاءِ، وفَانُوسًا «مُهَجًّسًا ومُدَلَّلاً» للعَبِيدِ من الكُتَّابِ «مُحَلَّلاً» لِلإمَاءِ، في آلِيَّاتِ أوْ إوَالِيَّاتِ النَّشْرِ العربيِّ بالذاتِ – ومَا أدْرَاكُمَا، مَا أدْرَاكُمَا، مَا آلِيَّاتُ أوْ إوَالِيَّاتُ النَّشْرِ العربيِّ بالذاتِ، مَا أدْرَاكُمَا في هذهِ الدُّنْيَا قبلَ أنْ يَسْتَبِيئَهَا اسْتِبَاءَةً عِزْرَائِيلُ المَمَاتِ؟  

كَما قلتُ في القسمِ الآنِفِ منْ هذا المقالِ (أيْ في القسمِ الحَادِيَ عَشَرَ منهُ بالذاتِ)، وخاصَّةً في مَعْرِضِ الكَلامِ عن ارتكابِ الخَطَأِ الفَادِحِ نَوْعًا جَرَّاءَ إجْرَاءِ ذلك «التَّحليلِ السِّياسيِّ» الاِنتقائيِّ والاِصطفائيِّ مُنَمَّقًا بفَيْضٍ، أوْ بفُيُوَضٍ، منْ بلاغيَّاتِ اللِّسَانِ التَّخْيِيريِّ التي تَنْجُمُ عنْ ذلك الحَمَاسِ المُفْتَعَلِ بالزَّيْفِ والإيهَامِ (أيِ الحَمَاسِ فوقَ-الثوريِّ Hyper-Revolutionary Fervour) عَلى كُلٍّ من المُسْتَوَيَيْنِ الجَمْعِيِّ والفَرْدِيِّ، وفي مَعْرِضِ الكَلامِ كذاك حتَّى عن ازْدِيَادِ فَدَاحَةِ هذا الخَطَأِ النَّوْعِيِّ أكثرَ فأكثرَ حَائِدًا حينمَا يَصْدُرُ هكذا «تحليلٌ سياسيٌّ» عنْ مَصْدَرٍ مَرْبُوصٍ ومَحْسُوبٍ عَلى «اليسارِ العربيِّ» الماركسيِّ أوِ اللاماركسيِّ أوْ حتَّى الـ«مَا بَيْنَ بَيْنَ»، إنَّ مُجَرَّدَ التركيزِ وخَالِصَ التشديدِ المُتَعَمَّدَيْنِ عَلى «أسْرَارِ التَّفَوُّقِ والتَّمَيُّزِ» في المشهدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ السُّودَانيِّ أوْ حتَّى عَلى «أسْبَابِ الإخْفَاقِ والإحْبَاطِ» في سَائِرِ مَا خَلاهُ منْ مشاهِدَ ثوريَّةٍ شَعْبِيَّةٍ عربيَّةٍ قدْ تأجَّجتْ منْ قبلُ في المُقَابِلِ، ليسَ لَهُمَا، والحَالُ، إلاَّ أنْ يدخُلا في إطاراتِ ذلك الزَّخْمِ الرِّوَائِيِّ، أو «الشِّعْرِيِّ»، الدِّعَائيِّ والدِّعَاوِيِّ الذي تختصُّ بهِ وسَائلُ الإعلامِ الغَنِيَّةُ عن التعريفِ في الشَّرْقِ حتَّى قبلَ الغَرْبِ – منْ حيثُ قُدْرَتُهَا الوَلائِيَّةُ كُلاًّ عَلى الإشْهَارِ، إشْهَارِ فَرْدٍ أوْ جَمَاعَةٍ في حِينٍ، ومنْ حيثُ قُدْرَتُهَا العَدَائِيَّةُ كُلاًّ كذاك عَلى الإغْمَارِ، إغْمَارِ هذا الفردِ أوْ هذهِ الجَمَاعَةِ، أوْ حتَّى عَلى الإفْنَاءِ، إفْنَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا إفْنَاءً كُلِّيًّا، في حِينٍ آخَرَ. فهَا هو، مثلاً لا حَصْرًا، مثالُ الباحثِ الجَامعيِّ (الماركسيِّ) جلبير الأشقر، في مقالِهِ المُطَرَّزِ في الخِتَامِ تطريزًا شِعْرِيًّا زَيَّادِيًّا «ارفعوا أيديكمْ عنْ شعبِنا في السُّودانِ!» (القدس العربي، 11 حزيران 2019)، هَا هو يناقضُ نفسَهُ بنفسِهِ حتَّى في سِيَاقِ الجُمْلَةِ ذاتِهَا، إنْ لَمْ نَقُلْ في سِيَاقِ الفِقْرَةِ أوْ حتَّى المَقَالَةِ كُلِّهَا، هُنا وهُناك منْ صَفَحَاتِ ذاك المِنْبَرِ المَعْنِيِّ أوْ حتَّى منْ صَفَحَاتِ هذا المِنْبَرِ بالذاتِ. فبعدَ تقريظٍ إغراقيٍّ لافتٍ كانَ قدْ أسْبَغَهُ أيَّمَا إسْبَاغٍ عَلى الدَّورِ التَّنْظِيمِيِّ والرَّأْيِيِّ الذي تقومُ بِهِ الآنَ «قيادةُ» ذلك الائتلافِ المورفولويِّ المُسَمَّى بـ«قوى (إعلانِ) الحريةِ والتغييرِ»، بوَصْفِهَا منْ حيثُ التنظيمُ السِّياسِيُّ والرَّأْيُ البرنامجيُّ الجَلِيُّ، قيادةً «أثبتت أنَّها حقًّا متفوِّقةٌ عَلى كافَّةِ القياداتِ التي عرفتها السَّيْرُورَةُ الثوريَّةُ الإقليميَّةُ حتَّى يومِنَا [هذا]»، نَرَاهُ يُعْلِنُ إعْلانَ المُشَارِكِ الفِعْلِيِّ في حُشُودِ الحَرَاكِ الشَّعْبِيِّ السُّودَانِيِّ بالعَيْنِ عنْ كَثَبٍ أنَّ هذهِ القيادةَ ذاتَهَا قدْ «تمكَّنتْ، في وجهِ الأسلحةِ الناريَّةِ التي استخدمتْهَا قواتُ القمعِ في ارتكابِهَا مجزرةَ فضِّ الاعتصامِ السِّلْمِيِّ، تمكَّنتْ منْ أنْ تُشْهِرَ سِلاحَ الإضرابِ العامِّ والعصيانِ المدنيِّ [الأعَمِّ]». تُرَى كيفَ يتراءَى للنَّاظِرِ أنَّ قيادةً ثوريَّةً منْ هكذا نوعٍ (ولا رَيْبَ، لا رَيْبَ، في كُلِّ خُطْوَةٍ إيجَابيَّةٍ كانتْ، ومَا زالتْ، تخطُوهَا في مَسَارِ هذا الحَرَاكِ الشَّعْبِيِّ، كَمَا سُوجِلَ وكَمَا شُدِّدَ عَلَيْهِ أكثرَ منْ مرَّةٍ قبلاً، حتَّى لا يُسَاءَ الظَّنُّ، هَا هُنَا)، تُرَى كيفَ يتراءَى لهذا النًّاظِرِ أنَّهَا تولَّتْ إشهارَ هذا السِّلاحِ، أعْنِي «سلاحَ الإضرابِ العامِّ والعصيانِ المدنيِّ [الأعَمِّ]»، وقدْ تولَّتْ إشهَارَهُ بالفِعْلِ (أوْ، عَلى الأقلِّ بادئَ ذِي بَدْءٍ، بالقَولِ المُعَوَّلِ عَلَيْهِ بالتوثيقِ دُونَ الفِعْلِ ذاتِهِ) حُشُودُ الثائراتِ السُّودانيَّاتِ أنفسِهِنَّ والثائرينَ السُّودانيِّينَ أنفسِهِمْ طُرًّا، حتَّى قبلَ أنْ لجأتْ في مطلعِ هذا الشهرِ، شهرِ حزيرانَ، عَنَاصِرُ لاإنْسِيَّةٌ مَا دُونَ-بَهيمِيَّةٌ منْ «قواتِ الدعمِ السريعِ» (أو منْ «ميليشياتِ الجَنْجَويدِ» تلك الشَّبِيهَةِ بـ«الشَّبِّيحَةِ»، سَابقًا)، بالإيعازِ «العربيِّ» المَرْئِيِّ  وبالإشرافِ الغربيِّ اللَّامَرْئِيِّ، مثلَمَا أُشِيرَ إليهِمَا في مَوْضِعٍ آخَرَ، حتَّى قبلَ أنْ لجأتْ عَنَاصِرُ لاإنْسِيَّةٌ مَا دُونَ-بَهيمِيَّةٌ كهذهِ إلى ارتكابِ تلك الجَرَائِرِ النَّكْرَاءِ والمَجَازِرِ الشَّنْعَاءِ بحَقِّ مَنْ كُنَّ يعْتَصِمْنَ، ومَنْ كانوا يعْتَصِمُونَ، اعْتِصَامًا سِلْمِيًّا في الخَارجِ منْ مَقَرِّ الدِّفَاعِ بالذاتِ، مِمَّا أسْفَرَ عنْ عَشَراتٍ من القَتْلى قابلةٍ للزِّيَادَةِ حَتْمًا وعنْ مِئَاتٍ من الجَرْحَى كذاك قابلةٍ للنُّقْصَانِ لكيمَا تزدادَ العَشَرَاتُ الأولى أكثرَ فأكثرَ (بِمَا فِيهَا حَالاتٌ مُوَثَّقةٌ من الإغْيَابِ والاغتصابِ القَسْرِيَّيْنِ، كذلك) – هذا عَدَا أنَّ هؤلاءِ الثائراتِ الصِّنْدِيدَاتِ لمْ يكنَّ راغباتٍ وأنَّ هؤلاءِ الثائرينَ الصَّنَاديدَ لمْ يكونوا راغبينَ، بَتَّةً، في إيقافِ ذينك «الإضرابِ العامِّ والعصيانِ المدنيِّ [الأعَمِّ]» حتَّى حينَمَا أعلنَ عنْ هذا الإيقافِ قادةٌ منْ «قوى (إعلانِ) الحريةِ والتغييرِ» بعدَ أيَّامٍ ثلاثةٍ، أوْ يزيدُ أوْ ينقصُ، مِمَّا حَدَا بِهِنَّ وبِهِمْ (أيْ بالثائراتِ وبالثائرينَ هؤلاءِ) كُلاًّ إلى الانجِرَارِ تلقائيًّا في التظاهُرِ النَّهَاريِّ وإلى حتَّى الاستمرَارِ تَشْيَائِيًّا في التظاهُرِ اللَّيْلِيِّ، عِلاوةً عَلَيْهِ، وعَلى الرَّغْمِ الرَّغِيمِ منْ لجُوءِ رَعَادِيدِ ذلك «المجلسِ العسكريِّ الانتقاليِّ»، أو «الانقلابيِّ» بالعُرْفِ المُعَارِضِ بالأصَحِّ، إلى قَطْعِ إرسَالاتِ الشَّبَكَةِ الدُّوَلِيَّةِ في طُولِ البلادِ وعَرْضِهَا بحُجَّةِ، لا بَلْ بأُحْبُولَةِ، أنَّهَا إرسَالاتٌ دِسَاسٌ تمثِّلُ «تهديدًا للأمنِ القوميِّ»، وأنَّهَا إرسَالاتٌ أدَسُّ تُسَهِّلُ «تبديدًا للصَّالِحِ الوطنيِّ»، كذلك. يَعْنِي ذلك عَنْيًا جَلِيًّا أنَّ دَافِعَ، أوْ دَوَافعَ، مَا أُشِيرَ إلَيْهِ أكثرَ منْ مَرَّةٍ كذاك قَبْلَئِذٍ بـ«المَنَابِ الإنسَانيِّ الجَمْعِيِّ» Collective Human Agency، وعَلى الأخَصِّ حينمَا يكونُ هذا المَنَابُ مُدَجَّجًا بقُوَّةِ الإرادَةِ الإنسَانيَّةِ الجَامِعَةِ، لا يأبَهُ، أوْ لا تأبَهُ، والحَالُ النفسيُّ-الاجتماعيُّ، بأيٍّ منْ تلك الإعلاناتِ «التَّرْشِيدِيَّةِ»، أوْ تلك الإشْعَارَاتِ «التَّوْجِيهِيَّةِ»، عنْ إيقافِ تأجُّجِ الثَّورانِ الشَّعْبِيِّ، مَهْمَا كانتْ أمثالُ هذهِ الإعلاناتِ وهذهِ الإشْعَارَاتِ بَادِرَةً منْ «قادةٍ» مدنيِّينَ نَاصِحِينَ ومَانِحِينَ، ولا يأبَهُ، أوْ لا تأبَهُ، فَضْلاً عنهُ، حتَّى بأيٍّ منْ تلك الفَرَمَانَاتِ «التَّهْدِيدِيَّةِ»، أوْ تلك القَرَارَاتِ «الوَعِيدِيَّةِ»، في قَطْعِ الإرسَالِ الإلكترونيِّ، مَهْمَا كانتْ أشكالُ هذهِ الفَرَمَانَاتِ وهذهِ القَرَارَاتِ صَادرةً عنْ «قادةٍ» عسكريِّينَ كَابِحِينَ وكَاسِحِينَ.

وللمشهدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ الجَزَائِرِيِّ، مُتَجَلِّيًا، بدَوْرِهِ هو الآخَرُ، في كُلٍّ منْ تجلِّيَاتِ هذا «اللاأَبْهِ» وهذا «اللااِلْتِفَاتِ» وهذا «اللااِكْتِرَاثِ»، ومُتَبَدِّيًا منْ ثَمَّ في كلٍّ مِمَّا يُقَابِلُهَا، عَلى النَّقِيضِ، منْ تَبَدِّيَاتِ الأَبْهِ والاِلْتِفَاتِ والاِكْتِرَاثِ منْ أجلِ تأريثِ الجِذاءِ من الثَّوَرَانِ الشَّعْبِيِّ مُسْتَدَامًا (بأيٍّ منْ تفعيلاتِهِ السِّلْمِيَّةِ في التَّظاهُرِ أوْ الاِحتجَاجِ أوْ حتَّى مُجَرَّدِ الاِعتصَامِ – ولَمْ يَزَلْ يَجْتَرِحُ المُعْجِزاتِ في التَّخَلُّصِ منْ رُمُوزِ النِّظَامِ البيروقراطِيِّ العَسْكَرِيِّ القَمِيءِ وَاحِدًا تِلْوَ الآخَرِ)، ولهذا المشهدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ أنْ يبرُزَ إلى حَيِّزِ الوُجُودِ مثالاً واقعيًّا مَحْسُوسًا بِجَانِحَيْهِ المُتَوَازِيَيْنِ والمُتَوَازِنَيْنِ كـ«كُلٍّ واحِدٍ مُتَوحِّدٍ» على كلٍّ منْ ذلك الانجِرَارِ التَّلْقَائِيِّ إلى تَحْشِيدِ الحَرَاكِ السِّلميِّ كَمًّا وكَيْفًا على مستوياتِ «العَامَّةِ» منْ جَمَاهِيرِ الشَّعْبِ الجَزَائِرِيِّ الفِرْنَاسيِّ بِجُلِّ أطْيَافِهَا الثَّرَّةِ مِمَّن ثَارتِ ومَا زَالتْ تَثُورُ، منْ ناحِيةٍ أولى، وذلك الاستمرَارِ التَّشْيَائِيِّ في مُضَاعَفَةِ هذا التَّحْشِيدِ بالكَمِّ والكَيْفِ كذاك، إضَافَةً إلى ذلك كُلِّهِ، على مستوى «الخَاصَّةِ» من جَمَاهِيرِ هذا الشَّعْبِ الفِرْنَاسيِّ الخِنْذِيذِ بكُلِّ طَيْفِهَا الثَّرِّ، عَلى الأثَرِّ، من الطالباتِ الثَّائِرَاتِ والطُلابِ الثَّائِرِينَ، من ناحِيةٍ ثانيةٍ. وهكذا، وقدْ قاربَ تَسْيَارُ هذا الحَرَاكِ السِّلميِّ منْ نِهايةِ أسْبُوعِهِ التاسِعَ عَشَرَ دُونَمَا حَدٍّ زَامِنٍ أوْ مُزَمِّنٍ، ودُونَمَا أيِّ شَيْءٍ يُذْكَرُ مِنْ قَبِيلِ وُجُودِ مَنْ «يَقُودُهُ» مِنْ قَادَةٍ مَعْنِيِّينَ مُعَيَّنِينَ، عَلى الأقَلِّ عَلى غِرَارِ أولئك القَادَةِ المَعْنِيِّينَ المُعَيَّنِينَ منْ «قوى (إعلانِ) الحريةِ والتغييرِ» في المشهدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ السُّودَانِيِّ النَّظِيرِ – كمَا ذُكِرَ، فإنَّ مَا نَرَاهُ الآنَ رَأيَ العَيْنِ البَصَرِيَّةِ والعَيْنِ العَقْلِيَّةِ منْ هذا المشهدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ الجَزَائِرِيِّ المُنَاظِرِ قدْ بَرْهَنَ، ولمْ يَفْتَأْ يُبَرْهِنُ، للعَالَمِ كٌلِّهِ تلك المَقُولَةَ الثَّوْرِيَّةَ التي قِيلتْ عَلى ألْسِنِةِ الكثيرِ من المُحَلِّلِينَ السِّيَاسِيِّينَ اليَسَارِيِّينَ (الماركسيِّينَ أوِ اللاماركسيِّينَ أوْ حتَّى «مَا بَيْنَ-البَيْنِيِّينَ») بأنَّ الثَّوَرَانَ الشَّعْبِيَّ، بأيٍّ منْ تفعيلاتِهِ السِّلْمِيَّةِ المُشَارِ إليهَا قَبْلَ قَلِيلٍ، إنَّمَا هو ثَوَرَانٌ «دَفْعِيٌّ عَفْوِيٌّ» Spontaneously Impulsive، بِطَبْعِهِ وتَطَبُّعِهِ، كَمَا يَسْتَعِيرُ هؤلاءِ المُحَلِّلُونَ السِّيَاسِيُّونَ في تَوْصِيفِهِم هذا منِ اصْطلاحَاتِ مَا يُسَمَّى بـ«عِلْمِ النَّفْسِ الحُشُودِيِّ (أوِ الجَمَاهِيريِّ)» Crowd Psychology، وقدْ كانَ من رُوَّادِهِ اللامِعِينَ الأوائلِ عَالِمُ النَّفْسِ الاجتمَاعِيُّ الفرنسيُّ شارل-ماري غوسْتاف لو بون (1841-1931). بصَرِيحِ الكلامِ، هَا هُنا، الثَّوَرَانُ الشَّعْبِيُّ ثَوَرَانٌ «دَفْعِيٌّ عَفْوِيٌّ»، بِطَبْعِهِ وتَطَبُّعِهِ، بمَعنَى أنَّهُ لا يَحْتَاجُ إلى بَوَادِرِ أيَّةِ إرْهَاصَةٍ «لادَفْعِيَّةٍ لاعَفْوِيَّةٍ» بَادِرَةٍ، عَلى العَكْسِ، بُدُورًا منْ أيَّةِ «قِيَادَةٍ تَنْظِيمِيَّةٍ» تُحَاوِلُ أنْ تَرْكَبَ أمْوَاجَ هذا الثَّوَرَانِ الشَّعْبِيِّ مَرْكبًا قِيَادِيًّا (ثوريًّا) تَنْظِيمِيًّا، فتسْعَى منْ ثَمَّ وَرَاءَ توجِيهِ دَفَّتَيْهِ إلى المَصِيرِ وبِالمَسَارِ اللذينِ تُريدُ منْهُمَا هكذا «قِيَادَةٌ تَنْظِيمِيَّةٌ»، لا إلى المَصِيرِ وبِالمَسَارِ اللذينِ تُريدُ منْهُمَا جَمَاهِيرُ الشَّعْبِ ذَاتُهَا وذَوَاتُهَا، مَهْمَا حَاوَلَتْ هكذا «قِيَادَةٌ تَنْظِيمِيَّةٌ» أنْ تَتَشَدَّقَ للآنَامِ برُمَّتِهَا، ومَهْمَا حَاوَلَتْ أنْ تَتَنَطَّعَ في تَشَدُّقِهَا هذا بأنَّهَا لا تَحْمِلُ بينَ طّيَّاتِ طَوَايَاهَا أيًّا منْ رَغَائبِ هذهِ الإرادةِ القِيَادِيَّةِ (الثوريَّةِ) التَّنْظِيمِيَّةِ. عَلى الخِلافِ المنطقيِّ منْ كُلِّ ذلك، فإنَّ المُحَلِّلَ السِّيَاسِيَّ اليَسَارِيَّ الماركسيَّ التَّقْلِيدِيَّ، أوِ «المُحَنَّطَ» بالذَّاتِ، مثلَمَا يَحْلُو للبَعْضِ منْ أمْثَالِهِ اسْتِحْضَارُ هكذا نَعْتٍ نَاجِمٍ عنْ مَنْطُوقِ مَا يُعْرَفُ بـ«النَّقْدٍ الذَاتِيٍّ» Autocriticism، إنْ كانَ يدَّعِيهِ بالفِعْلِ مَنْطُوقًا تَقَدُّمِيًّا بنَحْوٍ أوْ بآخَرَ، فإنَّ هذا المُحَلِّلَ السِّيَاسِيَّ ذَاتَهُ لَهُوَ الذي يُؤْمِنُ إيمَانًا رَاسِخًا رُسُوخًا إلى حَدِّ «التَّحَنُّطِ»، في حَدِّ ذَاتِهِ، بضَرُورَةِ الحُضُورِ القِيَادِيِّ (الثوريِّ) التَّنْظِيمِيِّ في قرينةِ هذا الثَّوَرَانِ الشَّعْبِيِّ المُتَحَدَّثِ عنهُ، هَا هُنا، لماذا؟ – لأنَّهُ يُؤْمِنُ إيمَانًا رَاسِخًا رُسُوخًا إلى حَدٍّ أشدَّ «تَحَنُّطًا» حتَّى بضَرُورَةِ الوُجُودِ القِيَادِيِّ (الثوريِّ) التَّنْظِيمِيِّ في سِيَاقِ ذاك الثَّوَرَانِ القَائِمِ بالقِيَامِ الجَسَدِيِّ والرُّوحِيِّ كُلاًّ وكُلِّيًّا عَلى طَيْفٍ مُحَدَّدٍ منْ أطْيَافِ جَمَاهِيرِ الشَّعْبِ، والحَالُ هذهِ، طَيْفٍ مُحَدَّدٍ جِدِّ خَاصٍّ يُطَبِّقُهُ تطبيقًا ويُبَوِّبُهُ تبويبًا، ويُعَرِّفُهُ تعريفًا منْ ثَمَّ بـ«الطبقةِ العاملةِ»، أوْ بـ«الطبقةِ الكادحة»، أوْ بـ«البروليتاريا» بالحَافِ، إذا أرَادَ أنْ يَتفَذْلَكَ بَعْضَ الشيءِ. وهذا الإيمَانُ الرَّاسِخُ بالرُّسُوخِ إلى الحَدِّ الأشدِّ «تَحَنُّطًا» حتَّى يعُودُ بتاريخِهِ التَّلِيدِ والعَتِيدِ، عَلى أقلِّ تقديرٍ، إلى أوائلِ التِّسْعِينِيَّاتِ من القرنِ التاسِعَ عَشَرَ، هذا إنْ لَمْ نُرِدْ أنْ نَذَهَبَ في التنقيبِ الزَّمَانِيِّ أبعدَ منْ باكورةِ أعْمَالِ فلاديمير لينين (1870-1924) حينمَا كانَ في ربيعهِ الثالثِ والعشرينَ، عَلى وَجْهِ التَّحْديدِ، ألا وهي كُرَّاسُهُ الشَّهيرُ الذي يحملُ العنوانَ الاِسْتِفْهَامِيَّ، عنْ قَصْدٍ، هكذا: «مَنْ هُمْ «أصْدِقَاءُ» الشَّعْبِ؟» What the ‘Friends of the People’ Are، ذلك الكُرَّاسُ الذي يشيرُ، بالمُخْتصَرِ الشَّدِيدِ المُفيدِ، إلى مَدَى أهميَّةِ التكوينِ الأُسِّيِّ لأسَاسِ «حِزْبٍ قِيَادِيٍّ (ثوريٍّ) تَنْظِيمِيٍّ» يهدفُ، قبلَ كلِّ شيءٍ، إلى تَوْعِيَةِ هذا الطَّيْفِ المُحَدَّدِ والجِدِّ خَاصٍّ من العمَّالِ الكادِحينَ تَوْعِيَةً بالواقعِ المَرِيرِ الذي يرزحُونَ تحتَ نيرِهِ بسببٍ منِ استغلالِ ثَمَرَاتِ أتْعَابِهِم استغلالاً سَافرًا منْ لَدُنْ فَلٍّ مُعَيَّنٍ منْ أنْجَاسِ الرأسماليَّةِ التقليديَّةِ المَنَاكيدِ الذين كانوا يتظاهرُونَ بالنقيضِ منْ كلِّ هذا، حِينَذَاك: وهؤلاءِ الأنْجَاسُ «الشَّعْبَوِيُّونَ» المَنَاكيدُ ليسُوا في شَيْءٍ منْ أصْدِقَاءِ الشَّعْبِ الحَقيقيِّينَ، بتاتًا – وكانَ ذاك، معَ الاحترَامِ الكُلِّيِّ لكلِّ مَا تستحقُّهُ الطبقةُ المَعْنِيَّةُ منْ حَقٍّ فرديٍّ وجَمْعِيٍّ ومنْ عَدَالةٍ اجتمَاعيَّةٍ، كانَ ذاك في زمنٍ كانَ مُسْتَوى مَا يُدْعى بـ«الوَعْيِ الجَمْعِيِّ» Collective Consciousness، في أدْنَى مُسْتَوَيَاتِهِ (سَأعُودُ، بِشَيْءٍ من التَّفْصِيلِ، إلى هذهِ النقطةِ الهَامَّةِ، عَمَّا قليلٍ). منْ هُنا، ونحنُ هُنا الآنَ نتحدَّثُ عنْ شَعْبٍ جَزَائِرِيٍّ أوْ شَعْبٍ سُودَانِيٍّ أوْ شَعْبٍ لِيبِيٍّ أوْ شَعْبٍ يَمَانِيِّ أوْ شَعْبٍ  سُورِيٍّ، إلى آخِرِهِ، إلى آخِرِهِ، بأكْمَلِهِ وبكافَّةِ أطْيَافِهِ الجَمَاهِيرِيَّةِ «العَامَّةِ» و«الخَاصَّةِ» بالفحْوَائَيْنِ المقْصُودَيْنِ (بمَا فيهَا ذلك الطَّيْفُ المُحَدَّدُ والجِدُّ خَاصٍّ من العمَّالِ الكادِحينَ)، ونحنُ هُنا الآنَ نتحدَّثُ عنْ كُلٍّ منْ هذِهِ الشُّعُوبِ وقدِ ارتقتْ إلى مُسْتَوًى لافتٍ للانتبَاهِ منْ هذا «الوَعْيِ الجَمْعِيِّ» بوُجُودِهَا المَسْلوبِ، مُسْتَوًى لافتٍ لَمْ تَكُنْ قدِ ارتقتْ إليهِ منْ قبلُ سِوَاهَا من الشُّعُوبِ الأُخْرَى، فإنَّ ذاك المُحَلِّلَ السِّيَاسِيَّ اليَسَارِيَّ الماركسيَّ التَّقْلِيدِيَّ، أوِ «المُحَنَّطَ» بالذَّاتِ، إنَّمَا يُخَاطِبُ الذَّاتَ أوِ الآخَرَ بلسَانٍ أيديولوجيٍّ ليسَ لَهُ إلاَّ يُوَلِّدَ حَيِّزًا هَائلاً بينَ الرُّوحِ الفَرْدِيِّ الكامِنِ في هذا اللسَّانِ الأيديولوجيِّ وبينَ الرُّوحِ الجَمْعِيِّ الكَنينِ الذي تنطوي عَلَيْهِ مشيئةُ الجَمَاهيرِ بِدَفْقِهَا اللُّجِّيِّ: ذلك لأنَّ الجَمَاهيرَ، في يقينِهِ، تتأسَّسُ في «جَمَاهيرِ» العمَّالِ الكادِحينَ، وتتقدَّسُ بالتالي في قُدْسِيَّةِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مُسَمًّى لهذهِ «الجَمَاهيرِ»، ولا جَمَاهيرَ غَيْرُ هذهِ «الجَمَاهيرِ». وهكذا، فإنَّ ثَمَّةَ فارقًا جِدَّ مُهِمٍّ بينَ نَوْعِ التَّفَكُّرِ «الشَّعْبِيِّ» Popular الذي يأخذُ بعَيْنِ الاعتبارِ عُمُومَ أطيَافِ الشَّعْبِ بكُلِّيَّتِهَا (بمَا فيهَا طَيْفُ العمَّالِ الكادِحينَ بجُزْئِيَّتِهِ) وبينَ نَوْعِ التَّفَكُّرِ «الشَّعْبَوِيِّ» Populist الذي يأخذُ بلُبِّ الحُسْبَانِ خُصُوصَ طَيْفِ العمَّالِ الكادِحينَ بجُزْئِيَّتِهِ، ويدَّعي في الآنِ ذَاتِهِ الاِهتمَامَ بعُمُومِ أطيَافِ الشَّعْبِ بكُلِّيَّتِهَا، مَثَلُهُ تمامًا كمَثَلِ ذلك الفارقِ المُهِمِّ جِدًّا بينَ شَكْلِ التَّصَوُّرِ «التَّجْرِيبِيِّ» Empirical الذي يعتني بتجربةِ الواقعِ صُورةً كمَا هي كائنةٌ بتَعْمِيميَّتِهَا وبينَ شَكْلِ التَّصَوُّرِ «التَّجْرِيبَوِيِّ» Empiricist الذي يهتمُّ بتجربةِ الواقعِ صورةً كما هي مُكَوَّنةٌ بتَبْعِضِيَّتِهَا – وليتَ ذاك المُحَلِّلَ السِّيَاسِيَّ اليَسَارِيَّ الماركسيَّ التَّقْلِيدِيَّ، أوِ «المُحَنَّطَ» بالذَّاتِ، لَيْتَهُ يَعِي لماذا كانَ جوزيف ستالين (1878-1953) ذَاتُهُ يُخَاطَبُ، حِينًا بعدَ حِينٍ، باسْتِهْجَانِيَّةِ هذا المُصْطَلَحِ الأخيرِ مَنْعُوتًا بعبَارَاتٍ من مثلِ «التَّجْرِيبَوِيُّ الحَرُونُ»، إيحَاءً بِحِرَانِ الجَحِيشِ والبِغَالِ!

يَسْتَتْبِعُ مِمَّا تقدَّمَ، إذنْ، أنَّ قرَارَ أيَّةِ قيادةٍ ثوريَّةٍ يَسَارِيَّةٍ تَسِيرُ تَسْيَارًا جَسَدِيًّا وَ/أوْ رُوحِيًّا مُوَازِيًا لتَسْيَارِ الثَّورانِ الشَّعْبِيِّ في السُّودَانِ (أوْ في أيِّمَا بلدٍ عربيٍّ، أوْ لاعربيٍّ، آخَرَ ثائرٍ في هذا الأوَانِ، كمثلِ الجزائرِ أوْ حتَّى كمثلِ جزيرةِ هونغ كونغ، بقَدْرِ مَا يَخُصُّهَا الأمْرُ، كذلك) إنَّمَا هو قرَارٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى مَا يُقِرُّهُ الشَّعْبُ الثَّائِرُ إقرَارًا، أوَّلاً وآخِرًا، بمَا يقتضِيهِ في قَرَارَتِهِ منْ ذلك الكُمُونِ العَامِليِّ التأليفيِّ والتَّوْحِيدِيِّ الذي تَصَدَّى لَهُ بالبَحْثِ وبالتَّنْقِيبِ الجَادَّيْنِ عَالِمُ الاجتماعِ الفرنسيُّ، إميل دوركايم، في كتابِهِ الشهيرِ «تقسيمُ الشُّغْلِ الاجتماعيِّ» De la Division du Travail Social، ذلك الكُمُونِ العَامِليِّ الذي سَمَّاهُ تَسْمِيَةً اصطلاحِيَّةً بـ«الوَعْيِ الجَمْعِيِّ» (أوْ، بالحَرِيِّ، بِـ«الضَّمِيرِ الجَمْعِيِّ» Conscience Collective، حَسْبَمَا يعْنِيهِ الأصْلُ الفرنسيُّ أيضًا)، والذي عَرَّفَهُ منْ ثَمَّ بكُلٍّ منْ غَرَزِيَّتِهِ وعُضْوِيَّتِهِ في إطارِ فِعْلِهِ النفسَانيِّ الوَاعِي (أو المُضْمِرِ)، من طَرَفٍ أوَّلَ، وفي إطارِ تَجَلِّيهِ بهَيْئَاتِ شُغْلٍ اجتماعيٍّ قابلةٍ للتَّهَيُّؤِ تأليفيًّا وتوحيديًّا، من طَرَفٍ آخَرَ. وهكذا، بصَريحِ الكَلامِ عنْ تَسْيَارِ الثَّورانِ الشَّعْبِيِّ في السُّودَانِ بالذاتِ، فإنَّ هذا القرَارَ القياديَّ الثوريَّ المُتَكَلَّمَ عنهُ، هَا هُنَا، إنْ هو، قبلَ أيِّ شيءٍ آخَرَ، إلاَّ قرَارٌ مَرْهُونٌ بِإقرَارِ، أوْ بإقرَارَاتِ، هذا «الوَعْيِ الجَمْعِيِّ»، أو هذا «الضَّمِيرِ الجَمْعِيِّ»، سَوَاءً كانَ فِعْلُهُ النفسَانيُّ الوَاعِي (أو المُضْمِرُ) غَرَزِيًّا أمْ عُضْوِيًّا، وليسَ بالغِرَارِ العَكْسِيِّ – وليسَ ثَمَّةَ أوضَحُ، منْ هذا الخُصُوصِ، مِمَّا قدْ صَرَّحَ بِهِ عَيْنُ الأمينِ العَامِّ لـ«الحزبِ الشيوعيِّ السُّودَانيِّ»، محمد مختار الخطيب عَيْنِهِ، قبلَ سُوَيعَاتٍ (منْ كتابَةِ هذهِ «العَيْنِ» الأخِيرَةِ) قائلاً بحَرْفِيَّتِهِ، عَلى المَلَأِ الأدْنَى، هكذا: «فالشعبُ [السُّودَانِيُّ] هو الذي انتفضَ وصنعَ التغييرَ، والكلمةُ الأعلى لهُ، بعدَ أنْ أسقطَ نظامَ الرأسماليةِ الطفيليةِ الذي جثمَ على صدرهِ ثلاثينَ عامًا. [...] والكلُّ يعلمُ أنَّ الشعبَ [السُّودَانِيَّ] صنعَ الانتفاضةَ تحريرًا لإرادتهِ المغتصبةِ [...] وهدفَ لفترةٍ انتقاليةٍ تؤسِّسُ دولةً مدنيةً ديمقراطيةً [...] وقدْ أدركتِ الجماهيرُ بحسِّهَا الثوريِّ كلَّ المراوغاتِ في تسليمِ السُّلطةِ، مِمَّا دعَاهَا إلى الاستجابةِ للاضرابِ حفاظًا عَلى [سَيْرُورَةِ] الانتفاضةِ». وإنْ دَلَّ هذا التصريحُ عَلى شيءٍ، بعدَ مُضِيِّ كَمٍّ من الزَّمَانِ لافِتٍ للانتباهِ «المَحَلِّيِّ» والدُّوَلِيِّ، فإنَّهُ يدُلُّ عَلى ضَرُورةِ اتِّخَاذِ المَوْقِفِ الصَّحِيحِ والصِّحِّيِّ إزَاءَ أيٍّ من هذهِ الثوراتِ الشَّعْبِيَّةِ العربيَّةِ، أو اللاعربيَّةِ، وقدْ طَفِقَتْ تَشُبُّ بالفِعْلِ شُبُوبًا سِلْمِيَّ الفُؤادِ والمُحَيَّا في أنْحَاءٍ مُتَبَايِنَةٍ عِدَّةٍ منْ هذهِ الدُّنْيَا، ألا وهو: الوُقُوفُ الآنَفِيُّ، بكلِّ الجَوارِحِ والجَوَانِحِ كُلِّهَا، إلى جَانِبِ تلك الإرْهَاصَاتِ الحَقيقيَّةِ التي ليسَ لَهَا سِوَى أنْ تنبثقَ انبثاقًا غَرَزِيًّا وَ/أوْ عُضْوِيًّا عنْ شتَّى مَنَابِعِ «الوَعْيِ الجَمْعِيِّ»، أو «الضَّمِيرِ الجَمْعِيِّ»، مَهْمَا كانتْ طبيعةُ الوُقُوفِ اللاحِقيِّ إلى جَانِبِ تلك الإسْنَادَاتِ الواقعيَّةِ التي تقترنُ اقترَانًا بشكلٍ أوْ أكثرَ منْ أشكالِ التمثيلِ السياسيِّ، أوْ حتَّى منْ أشكالِ التَّبَنِّي اللاسياسيِّ، منْ لَدُنْ أيَّتِمَا جهةٍ كانتْ. فَفِيمَا لَهُ مِسَاسٌ بالصِّرَاعِ شِبْهِ الحَتْمِيِّ حَولَ أشكالِ التمثيلِ السياسيِّ في المشهدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ السُّودَانيِّ دُونَ غيرِهَا، عَلى أقلِّ تَخْمِينٍ، ثَمَّةَ فارقٌ مبدَئيٌّ لَهُ دَلالَةٌ اِسْتِقْبَالِيَّةٌ (كَيْلا نقولَ «تنبُّئِيَّةٌ» أوْ حتَّى «تكهُّنِيَّةٌ»، هَا هُنا) من الأهميَّةِ والخُطُورَةِ بمَكَانٍ، ثَمَّةَ فارقٌ مبدَئيٌّ بينَ الوُقُوفِ إلى جَانِبِ شَعْبٍ ثائرٍ مُعَيَّنٍ، كمثلِ الشَّعْبِ السُّودَانيِّ، يَسْعَى إلى تمثيلهِ السِّيَاسِيِّ ائتلافٌ مورفولوجيٌّ مُعَيَّنٌ، كمثلِ «قوى (إعلانِ) الحريةِ والتغييرِ»، وبينَ الوُقُوفِ (العَكْسِيِّ) إلى جَانِبِ ائتلافٍ مورفولوجيٍّ مُحَدَّدٍ، كمثلِ «قوى (إعلانِ) الحريةِ والتغييرِ»، يسْعَى إلى تمثيلِ شَعْبٍ ثائرٍ مُحَدَّدٍ، كمثلِ الشَّعْبِ السُّودَانيِّ، تمثيلاً سِيَاسِيًّا. وعَلى الرَّغْمِ منْ أنَّ هكذا فارقًا مبدَئيًّا قدْ يتبدَّى للناظرِ بالعَيْنِ البَصَرِيَّةِ، لا بالعَيْنِ العَقْلِيَّةِ، فارقًا «ظاهريًّا» وفارقًا «سَطْحِيًّا» للوهلةِ الأولى، إلاَّ أنَّهُ سُرْعَانَ مَا يشتدُّ عُمْقًا وسُرْعَانَ مَا يَحْتَدُّ غَوْرًا حينمَا يتأتَّى الحَدِيثُ (حتَّى الحَدِيثُ العَابِرُ) عنْ وُجُودِ تلك الأعْدَادِ غيرِ القليلةِ، بَتَّةً، منْ سَائِرِ أنواعِ الاِئتلافاتِ المورفولوجيَّةِ الأصليَّةِ وشِبْهِ الأصليَّةِ والفرعيَّةِ وشِبْهِ الفرعيَّةِ (وحتَّى شِبْهِ شِبْهِ الفرعيَّةِ) الأُخرى والأُخْرَيَاتِ هناك في المشهدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ السُّودَانيِّ، في حَدِّ ذاتِهِ. وأخُصُّ بالذِّكْرِ، في هذا السِّيَاقِ الشَّائكِ جدًّا جدًّا، عَلى الأدْنَى تلك الاِئتلافاتِ المورفولوجيَّةَ التي تتولَّى (أوْ، بالقَمِينِ، تدَّعِي بأنَّهَا تتولَّى) زِمَامَ الرِّعَايَةِ انْضِواءً تَحْتَ رَايَةِ ذلك الاِئتلافِ المورفولوجيِّ المَعْنِيِّ تَسْمِيَةً بائتلافِ «قوى (إعلانِ) الحريةِ والتغييرِ» منذُ أنْ أعْلَنَتْهُ تَسْمِيَةً فِعْلِيَّةً في اليومِ الأوَّلِ منْ شهرِ كانونَ الثاني منْ هذا العَامِ (2019)، وأخُصُّها بالذِّكْرِ اقتضَابًا عَلى النَّحْوِ التالي: أوَّلاً، «تجمُّع المهنيين السُّودانيين» الذي تُكَوِّنُهُ تَجَمُّعَاتٌ جُلُّهَا منْ مَعَاشِرِ الصِّحَافيِّينَ والمُحَامِينَ والطِّبَابِيِّينَ، وجُلُّ قادتِهَا كذاك أشخَاصٌ مَغْمُورُونَ عَلى الصَّعِيدِ الشَّعْبِيِّ، تحديدًا؛ ثانيًا، «تحالف قوى الإجماع الوطني» الذي تُشَكِّلُهُ تَحَالُفَاتٌ مِمَّا لا يَنْزُرُ عنْ سَبْعَةَ عَشَرَ حِزْبًا «لايَسَاريًّا» تتخلَّلُهَا أرْبَعَةُ أحْزَابٍ من «اليَسَارِ الماركسيِّ» أو «اليَسَارِ اللاماركسيِّ» أو الـ«مَا بَيْنَ بَيْنَ»؛  ثالثًا، «تكتُّل نداء السُّودان» الذي تُجَسِّدُهُ تَكَتُّلاتٌ منْ مُخْتَلِفِ الأطْيَافِ الوطنيةِ ضَامَّةً بذاك تنظيمَاتٍ مَدَنِيَّةً مُسَالِمَةً وحَرَكَاتٍ شَعْبِيَّةً مُسَلَّحَةً، عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛ رابعًا (وأخيرًا، وليسَ آخِرًا)،  «التجمُّع الاتحادي المعارض» الذي تُجَسِّمُهُ تَجَمُّعَاتٌ مِمَّا يَرْبُو عنْ ثمَاني فَصَائلَ اتِّحَادِيَّةٍ لا تَرُومُ التَّدَخُّلَ في شؤونِ أيٍّ من الأحْزَابِ الأُخرى، إلى آخِرِهِ، إلى آخِرِهِ – نَاهِيكُمَا، بالطَّبْعِ، عنْ أنَّ بقاءَ هكذا إعلانٍ مفتُوحًا لكُلِّ مَنْ يُرِيدُ أنْ يُصيبَ مِنَ النظامِ الأتوقراطيِّ العسكريِّ المَقِيتِ المَقَاتِلَ كُلَّهَا ليسَ لَهُ إلاَّ أنْ يُخَلِّقَ، والحَالُ هذهِ، نوعَيْنِ مِمَّا يُمْكِنُ أنْ نُسَمِّيَهُ بـ«الخِلافِ السَّبَبِيِّ التَّعَاوُرِيِّ» Alternately Causative Discordance، نوعَيْنِ، أقُولُ، منْ هذا «الخِلافِ» عَلى أقلِّ تقديرٍ: ثَمَّ خِلافٌ سَبَبِيٌّ تَعَاوُرِيٌّ بينَ كلٍّ منْ هَاتِهِ الاِئتلافاتِ المورفولوجيَّةِ وبينَ ذاتِ «المجلسِ العسكريِّ الانقلابيِّ» في مَسْألَةِ الاِخْتِلاءِ الثنائيِّ حَوْلَ التَّبَاحُثِ والتَّفَاوُضِ، منْ جَانبٍ أوَّلَ، وثَمَّ خِلافٌ سَبَبِيٌّ تَعَاوُرِيٌّ كذاك بينَ هذا الاِئتلافِ المورفولوجيِّ السِّينِيِّ وبينَ ذاك الاِئتلافِ المورفولوجيِّ العَيْنِيِّ في قَضِيَّةِ الاِخْتِلاءِ الأُحَادِيِّ حَوْلَ التخطيطِ والتدبيرِ، وبالأخصِّ فِيمَا يخُصُّ هكذا خِلافًا سَبَبِيًّا تَعَاوُرِيًّا فِيمَا بينَ أحْزَابِ «اليَسَارِ الماركسيِّ» و«اليَسَارِ اللاماركسيِّ» والـ«مَا بَيْنَ بَيْنَ» ذَوَاتِهَا، منْ جَانبٍ آخَرَ.

يُعْجِبُنِي كثيرًا كُلُّ شَيْءٍ، وآنَ الآنَ للحَقِّ عَلى شَفِيرِ هذا «الشِّقِّ» أنْ يُقَالَ، يُعْجِبُنِي كثيرًا كُلُّ شَيْءٍ من اليَسَارِ الماركسيِّ الحَقِيقِيِّ الحَقِيقِ في الآلِ والمَآلِ، خَلا، حَقًّا، أيِّ شَيْءٍ يَتَشَيَّأُ بالقُوَّةِ، دَعْكُمَا مِنْ تَشَيُّئِهِ بالفِعْلِ، عنْ أولئك الزَّاعِمِينَ والمَزْعُومِينَ عَليهِ منْ سَائِرِ الاِزدواجِيِّينَ والاِنتهازيِّينَ والاِنهزاميِّينَ والاِنكسارِيِّينَ والاِنكشارِيِّينَ، ومنْ سَائِرِ أمْثَالِهِمْ كذاك، بطبيعةِ الحَالِ. بَيْدَ أنَّ من الأغلاطِ الجِسَامِ، الجِسَامِ اللواتي يرتكبُهَا هذا اليَسَارُ الماركسيُّ الحَقِيقِيُّ الحَقِيقُ، وترتكبُهَا كذلك سَائِرُ «مُشْتقَّاتِهِ» ارْتِكابًا لاوَاعِيًا في بلادِ الغربِ بالذاتِ (بِمَا فيها حتَّى تلك «المُشْتقَّاتُ» الأصليَّةُ والفرعيَّةُ والفرعيَّةُ-الفرعيَّةُ، وهْيَ تظهرُ حِينًا بعدَ حِينٍ بانضوائِهَا البَيِّنِ تحتَ لِوَاءِ اليَسَارِ التروتسكيِّ، أوِ اليَسَارِ الأَنَارْكِيِّ، أوْ أيٍّ منْ أمثالِهِمَا، كذلك)، من الأغلاطِ الجِسَامِ مَا يَتَكَمَّنُ في الاِختلاقِ الوَاعِي، عَلى النَّقِيضِ، لذلك البَوْنِ الأيديولوجيِّ شَاسِعًا شُسُوعًا إلى حَدٍّ لا يقبلُ المِرَاءَ ولا يقبلُ الجِدَالَ، فِيمَا يبدُو، بينَ «الثِّقَالِ» منْ تلك الآثامِ والشُّرُورِ التي تتخصَّصُ بِهَا أنظمةُ الرأسماليَّةِ التقليديَّةِ نَهْجًا مُنْتَهَجًا (بأيٍّ منْ شَكْلَيْهَا «البَرَّانِيَّيْنِ» المُكَمِّلَيْنِ لِبَعْضِهِمَا البَعْضِ، شَكْلِهَا الليبراليِّ الاِتِّبَاعِيِّ، أو القَدِيمِ، وشَكْلِهَا الليبراليِّ المُحْدَثِ، أو الجَدِيدِ)، مُنْتَهَجًا في ذلك العَالَمِ «الديمقراطيِّ» المصنَّفِ «عَالَمًا أوَّلَ»، خاصَّةً، منْ جِهةٍ أولى، وبينَ «الخِفَافِ» منْ تلك الآثامِ والشُّرُورِ ذَوَاتِهَا التي تتعمَّمُ بِهَا أنظمةُ الرأسماليَّةِ التقليديَّةِ-التقليديَّةِ (المُنْضَوِيَةِ) نَحْوًا مُنْتَحًا بشَكْلٍ «دَوْلِيٍّ-مَرْكَزِيٍّ» سَارِدٍ، أوْ بالعَكْسِ «مَرْكَزِيٍّ-دَوْلِيٍّ» سَادِرٍ، شَكْلٍ آخَرَ ثالثٍ يُسَمَّى تَسْمِيَةً قَرْنِيَّةً خَاصَّةً بـ«رأسماليَّةِ الدولةِ» State Capitalism، مُنْتَحًا في هذا العَالَمِ الأتوقراطِيِّ المصنَّفِ «عَالَمًا ثَالِثًا»، عَامَّةً، منْ جِهةٍ أُخْرَى. وهكذا، عَلى سبيلِ التمثيلِ لا التحصيرِ، في أثناءِ تأجِيجِ تلك التَّدَاعِيَاتِ الإقليميَّةِ والعَالَمِيَّةِ التي تَأَتَّتْ عنْ حَرْبِ الخَلِيجِ الأولى عامَ 1991، تَأَتَّتْ في الضَّرَّاءِ لا في السَّرَّاءِ، وفي إبَّانِ تَهْجِيجِ تلك المُظَاهَرَاتِ الغربيَّةِ التي قِيمَ بِهَا احْتِجَاجًا وسَخَطًا عَلى شَنِّ هذهِ الحَربِ البربريَّةِ الشَّعْواءِ (وعَلى الأخصِّ تَهْجِيجَ تلك المُظَاهَرَاتِ التي قِيمَ بِهَا في فرنسا وإنكلترا دُونَ غيرِهِمَا، إبَّانَئِذٍ، في كافَّةِ الأطرَافِ والآنَاءِ)، لَمْ يَلْبَثِ المُتَظَاهِرُونَ، ولَمْ تَلْبَثِ المُتَظَاهِرَاتُ، منْ ذاك اليَسَارِ الماركسيِّ الحَقِيقِيِّ الحَقِيقِ أنْ رَفَعُوا يَافِطَاتِهِمْ وعَقَائِرَهُمْ، وأنْ رَفَعْنَ يَافِطَاتِهِنَّ وعَقَائِرَهُنَّ، بأعْلَى مِمَّا تُطيقُ الأيَادِي والحَنَاجِرُ تنديدًا شَدِيدًا بأمريكا جورج هربرت بوش (الأبِ)، وكذاك بكُلٍّ منْ تلك الحَلِيفَاتِ منْ بلادِ «الغُرْبَانِ» ومنْ بلادِ «المُسْتَغْرِبِينَ» قَاطِبَةً، مِنْ زَاوِيَةٍ أولى، وتأييدَا وتسْنيدًا أشدَّ منهُ بشدِيدٍ، منْ ثَمَّ، لعِرَاقِ صدام حسين (الآبِ والاِبْنِ والرُّوحِ المُقَدَّسِ، ذاك الذي «تحَدَّى، بالمُفْرَدِ، أيَّمَا تَحَدٍّ» أرَاهِيطَ الأبَالِيسِ، «جَمْعًا مَجْمُوعًا»، من الغَرْبِ الإمبرياليِّ المُدَنَّسِ)، دُونَمَا تَطَرُّقٍ إلى أيَّةٍ من تيك الخَصِيمَاتِ والغَرِيمَاتِ الشُّؤْمَيَاتِ الأُخْرَيَاتِ منْ بلادِ «العُرْبَانِ» ومنْ بلادِ «المُسْتَعْرِبِينَ» بَتَاتًا، منْ زَاوِيةٍ أُخْرَى، كذلك – وذلك فيمَا يُمْكنُ أنْ نَدْعُوَهُ الآنَ، منْ هذهِ الزَّاويةِ الأَخِيرَةِ بالذاتِ، بـ«المُقَابِلِ المَوْضُوعِيِّ» Objective Contradictive، حَسْبَمَا يَدُلُّ عَليهِ المفهُومُ النَّظِيرُ دَلَالاً خَفِيًّا في خَفَايَا الاِستدلالِ المنطقيِّ، وحَسْبَمَا يُسْتَأْنَسُ بِهِ استئناسًا جَلِيًّا كذاك بمَا يُدْعَى دُعَاءً نَحْتِيًّا أجَلَّ بِـ«المُعَادِلِ المَوْضُوعِيِّ» Objective Correlative، يُدْعَى في كُلٍّ من مَجَالِ النقدِ الفنيِّ الآلْسْتُونِيِّ (نَسْبًا إلى الرَّسَّامِ والشَّاعِرِ الأمريكيِّ المَغْمُورِ واشِنْتُون آلْسْتُون (1779-1843) ومَجَالِ النقدِ الأدبيِّ الإلْيُوتِيِّ (عَزْوًا إلى الشَّاعِرِ والنَّاقِدِ الأمريكيِّ-البريطانيِّ المَشْهُورِ توماس سْتيرْنْز إلْيُوت (1888-1965)). صَحِيحٌ أنَّهُ، في مَرَاحِلِ طُغْيَانِ أنظمةِ الرأسماليَّةِ التقليديَّةِ طُغْيَانًا بتَوَحُّشِهَا وتَحَوُّشِهَا الجَارِفَيْنِ، أنَّ عَلى البشريَّةِ جَمْعَاءَ أنْ تختارَ بينَ «الاِنتقالِ الدَّلِيلِ إلى النِّظَامِ الاِشتراكيِّ» وبينَ «الاِنْخِزَالِ الذَّلِيلِ إلى المَشَاعِ البَرْبَرِيِّ»، كمَا كانَ المُعَلِّمَانِ الصَّدِيقَانِ كارل ماركس (1818-1883) وفريدْريك إنْغِلْز (1820-1895) يُحَذِّرَانِ الآنَامَ، عَلى الدَّوَامِ، تَحْذِيرًا منْ مَغَبَّاتِ هذا الطُّغْيَانِ الرأسماليِّ التقليديِّ الذَّمِيمِ والدَّمِيمِ، وكمَا كانتْ كذلك عَيْنُ التلميذةِ الصَّدُوقَةِ روزا لَكْسِمْبُورْغ (1871-1919) تُؤَكِّدُ تَأْكِيدًا، بالمِرَارِ والتَّكْرَارِ، عَلى هكذا تحذيرٍ دُونَمَا كَلالٍ، أوْ مَلالٍ، منْ خِلالِ مَنْشُورَاتِ كُرَّاسِهَا الشَّهِيرِ بالعنوانِ الجَهْرِيِّ «أزْمَةُ الديمقراطيةِ الاِجتماعيَّةِ في ألمانيا» Die Krise der Deutschen Sozialdemokratie، والأكثرِ شُهْرةً كذاك بالعنوانِ السِّرِّيِّ «كُرَّاسُ يونْيوس» Junius-Broschüre (والاِسمُ «يونْيوس»، أوْ «جونْيوس»، عَلى فكرَةٍ، هو الاِسمُ القَلَمِيُّ المُسْتَعَارُ الذي كانتْ روزا لَكْسِمْبُورْغ تستخدمُهُ لِذَاتِهَا تلميحًا تفاؤليًّا إلى مؤسِّس الجمهوريَّةِ الرُّومَانيَّةِ الأولى، لوشْيوس جونْيوس بروتوس (545-509 ق.م.)). ولٰكِنَّهُ صَحِيحٌ كذاك، لا بَلْ أصَحُّ بكَثِيرٍ، أنَّهُ، في أطْوَارِ عُدْوَانِ أنظمةِ الإمبرياليَّةِ الحَدِيثَةِ عُدْوَانًا بتَوَغُّلِهَا وتَغَوُّلِهَا العَارِمَيْنِ، وفي أطْوَارِ بُغْيَانِ أنظمةِ الفاشيَّةِ «الحَثِيثَةِ» بُغْيَانًا بتَوَغُّلِهَا وتَغَوُّلِهَا الأشَدِّ عُرَامًا، أنَّ عَلى هذهِ البشريَّةِ جَمْعَاءَ كذلك ألاَّ تختارَ إلاَّ المَوْقفَ الرَّافِضَ رَفْضًا قَطْعِيًّا لِكُلٍّ من «الاِنْبِيَاعِ اللَّكِيعِ لِلنِّظَامِ الإمبرياليِّ البَرْبَرِيِّ» و«الاِنْصِيَاعِ الوَضِيعِ لِلنِّظَامِ الفاشيِّ الهَمَجِيِّ»، كمَا كانَ الرَّاحِلُ الفَذُّ إدوارد سعيد يُنَبِّهُ «اليَسَارَ» الغَرْبِيَّ (حتَّى قَبْلَ «اليَسَارِ» الشَّرْقِيِّ) بالذاتِ، عَلى اختلافِ تَحَزُّبَاتِهِ وعَلى ائتِلافِ تَكَتُّلاتِهِ، تَنْبِيهًا مُسْتَدِيمًا منْ مَطَبَّاتِ هذا الوُقُوفِ «المَبْدَئِيِّ» التَّقَلْقُلِيِّ السَّقِيمِ والخَمِيمِ، هذا الوُقُوفِ «المَبْدَئِيِّ» التَّقَلْقُلِيِّ بينَ شَرَّيْنِ شِرِّيرَيْنِ لا يَنِيَانِ يَجْنِفَانِ بكُلِّ الشُّرُورِ، وكلٌّ بأُسْلُوبِهِ السُّلُوكِيِّ اللاإنْسَانِيِّ واللاأخْلاقِيِّ المَسْعُورِ، جَنَفًا جَنُوفًا عن الحَقِّ الفَرْدِيِّ والجَمْعِيِّ وعن العَدَالَةِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ أنَّى تَوَاجَدَا (إنْ تَوَاجَدَا، فِعْلِيًّا) في هذهِ الدُّنْيَا، وعَلى حِسَابِ أيٍّ منْ تلك الجَمَاهِيرِ التي ثارتْ، ومَا زالتْ تَثُورُ، منْ أجلِ هذا الحَقِّ ومنْ أجْلِ هذهِ العَدَالَةِ، ولَوْ بالإتْيَانِ والمَأْتَاةِ بَدْءًا بالحُدُودِ الدُّنْيَا، كبدايةٍ لحَاضِرٍ جَديدٍ وبدايةٍ لمستقبلٍ مَجيدٍ – وقدْ أعَادَ إدوارد سعيد ذاتُهُ هذا التَّنْبِيهَ بنَحْوٍ حتَّى أكثرَ اسْتِدَامَةً في مُسْتَهلِّ إحْدَى رَائِعَاتِ مُحَاضَرَاتِهِ الرِّيثِيَّةِ (نِسْبَةً إلى جون تشارلْز وُولْشَامْ ريث (1889-1971)، بوَصْفِهِ أوَّلَ مُديرٍ عَامٍّ مُؤَهَّلٍ بجَدَارَةٍ لهَيْئةِ الإذَاعةِ البريطانيَّةِ BBC، الغَنِيَّةِ عن التَّعْرِيفِ)، تلك المُحَاضَرَةِ التي ظَهَرتْ بتَرْتِيبِهَا السَّادِسِ والأخِيرِ تحتَ العنوانِ الدَّالِّ «الآلِهَةُ التي تفشلُ دَائمًا» Gods That Always Fail، في كُتَيِّبِهِ الشَّهِيرِ جَامِعًا هذهِ المُحَاضَرَاتِ كُلَّهَا، وحَامِلاً كذاك عنوانَ المُحَاضَرَةِ الأولى الأكثرَ دَلالّةً، «تَمَثُّلاتُ المُثَقَّفِ» Representations of the Intellectual – وفيمَا يلي، هَا هُنَا أدْنَاهُ، بِضْعَةٌ منْ أمثلةٍ مَلْمُوسَةٍ عَلى هذا الوُقُوفِ «المَبْدَئِيِّ» التَّقَلْقُلِيِّ بينَ الشَّرَّيْنِ الشِّرِّيرَيْنِ المَعْنِيَّيْنِ بالذَّاتِ، أمثلةٍ مَلْمُوسَةٍ مُسْتَقَاةٍ منْ صَفَحَاتِ ذلك المِنْبَرِ المَعْنِيِّ بالذَّوَاتِ:

هكذا وُقُوفٌ «مَبدَئِيٌّ» تَقَلْقُلِيٌّ لا يَخْتَلِفُ بَتَّةً، منْ حيثُ الجَوْهَرُ، عنْ مَوْقِفِ البَاحِثِ الجَامِعِيِّ «اليَسَارِيِّ الماركسيِّ» جلبير الأشقر لَدَى تَرْوِيجِهِ الدِّعَائِيِّ والدِّعَاوِيِّ الجِدِّ وَاضِحٍ، عَلى لِسَانِهِ بالذَّاتِ، لقوَّةِ إيرانَ «الجمهوريةِ الإسلاميَّةِ» بالفَرْضِ الكِفَائِيِّ والكِفَاوِيِّ أوْ، بأدْنَاهُ، بفَرضِ العَيْنِ، ولقدرَتِهَا «عَلى إشْعَالِ منطقةِ الخَلِيجِ بأسْرِهَا» قُدَّامَ المَشْرِقَيْنِ وقُدَّامَ المَغْرِبَيْنِ، رَغْمَ الصَّوَابِ في كلامِهِ الانتقادِيِّ عنْ أمريكا بذَاتِ الذَّاتِ وعنْ سِيَاسَةِ «البَلْطَجَةِ»، أوْ بالقَمينِ سِيَاسَةِ «الخُوَّةِ»، التي تَسُوسُهَا «مُتَعَنْطِزَةً» وتُسَيِّسُهَا «مُتَمَضْرِطَةً»، عَلى أكثرَ منْ صَعِيدٍ، في تلك الفَلاةِ (انْظُرَا، مثلاً، مَقَالَهُ: «ترامب، كثورٍ في متجرِ خزفٍ»، القدس العربي، 14 أيار 2019). وهكذا وُقُوفٌ «مَبدَئِيٌّ» تَقَلْقُلِيٌّ لا يَفْتَرِقُ البَتَّةَ أيضًا، منْ حيثُ الأسَاسُ، عنْ مَوْقِفِ الكاتبِ الإعْلامِيِّ «اليَسَارِيِّ اللاماركسيِّ» فيصل القاسم إزَاءَ تَدْوِيرِهِ الدِّعَائِيِّ والدِّعَاوِيِّ الأوْضَحِ منْ آنِفِهِ، منْ لَدُنْهُ هو الآخَرُ، لوَضْعِ اللائِمَةِ، كُلِّ اللائِمَةِ كُلِّهَا، عَلى أولئك الآمِرِينَ مِمَّنِ اصْطَنَعُوا الطُّغَاةَ العُتَاةَ، لا عَلى هؤلاءِ المَأْمُورِينَ من الطُّغَاةِ العُتَاةِ المُصْطَنَعِينَ أنفسِهِم بالإثْبَاتِ والدَّلِيلِ، ولاتِّهَامِ كُلِّ مُحَلِّلٍ، أوْ مُعَلِّقٍ، سِيَاسِيٍّ يلُومُ هؤلاءِ المَأْمُورِينَ الأوَاخِرَ لَوْمًا دُونَ أولئك الآمِرِينَ الأوَائلِ بالخِدَاعِ والتَّضْلِيلِ، رَغْمَ السَّدَادِ في حَدِيثِهِ المَلامِيِّ عنْ أولئك الآمِرِينَ الأوَائلِ، في حَدِّ ذَوَاتِهِمْ، بوَصْفِهِمْ سَبَبَ البَلاءِ والبَلْوَى كُلِّهِمَا، في مَقَامٍ أسْبَقَ منْ مَقَامِ طُغَاتِهِمْ (انْظُرَا، مثلاً، مَقَالَهُ: «لا تلوموا كلابَ الصيدِ بلْ لوموا أصحابَها»، القدس العربي، 10 أيار 2019). وهكذا وُقُوفٌ «مَبدَئِيٌّ» تَقَلْقُلِيٌّ لا يَتَبَايَنُ بَتًّا كذلك، في لُبَابِهِ، عنْ مَوْقِفِ النَّاقِدِ الأَدَبِيِّ «اليَسَارِيِّ الماركسيِّ-اللاماركسيِّ» صبحي حديدي جَرَّاءَ تَدْوِيلِهِ الدِّعَائِيِّ والدِّعَاوِيِّ الأشَدِّ وُضُوحًا منْ آنِفَيْهِ، منْ طَرَفِهِ هو الآخَرُ، لِلسَّمَاحِ لنفسِهِ (وهو مُحِقٌّ كُلَّ الحَقِّ في ذلك) بإدَانَةِ «العُرْبَانِ» في المَمْلكاتِ والإمَارَاتِ منْ منطقةِ الخَلِيجِ، كمثلِ آل خليفة وأمثالِ «الآلاتِ» الآخَرِينَ، بِمَا فَعَلُوهُ في تلك «الورشةِ الاقتصاديةِ المَنَامِيَّةِ» منْ أفْعَالٍ في التَّحْرِيفِ والتَّسْريعِ الكَارِثِيَّيْنِ منْ مَسَارِ الشَّعْبِ الفلسطينيِّ نَحْوَ مَصِيرٍ مَجْهُولِ الهُوِيَّةِ لا مُؤدًّى لَهُ إلاَّ إلى الهَاوِيَةِ، ولِعَدَمِ السَّمَاحِ لنفسِهِ منْ ثَمَّ، في المُقَابلِ المُدَاهِنِ أيَّمَا مُدَاهَنَةٍ، بإدَانَةِ «العَرَبِ» و«المُسْتَعْرِبينَ» منْ أزلامِ «القياداتِ الفلسطينيَّةِ» أنْفسِهِمْ من البَائدينَ كياسر عرفات ومن السَّائدِينَ كمحمود عباس، عَلى حَدٍّ سِوًى، عَلى الأقلِّ بَدْءًا مِمَّا سَبَّبُوهُ منْ كوارثَ أفظَعَ جَرَّاءَ الرُّضُوخِ لتوقيعِ اتِّفَاقِيَّاتٍ هَوَانِيَّةٍ، كاتِّفَاقِ مُعَسكر داوود واتِّفَاقِيَّةِ أوسْلو، ومَا شَابَهَ ذلك، ظَانِّينَ أنَّهُمْ سَيَحْصُلُونَ عَلى مَا خَالُوهُ منِ امتيازاتٍ منْ خلالِ «بُنُودِ السَّلامِ» لِعَجْزِهِمْ عنْ حُصُولِهِمْ إيَّاهَا مِنْ خلالِ الحُرُوبِ الضِّرَامِ – وهناك من المُحَلِّلِينَ والمُعَلِّقينَ السِّيَاسيِّينَ مِمَّنْ هُمْ عَلى يَقِينٍ تَامٍّ منْ أنَّهُ لَوْ كانَ ياسر عرفات عَلى قَيْدِ الحَيَاةِ، في هذا الزَّمَانِ، الزَّمَانِ المَوَاتِ، لكانَ قدْ أوْصَلَ الشَّعْبَ الفلسطينيَّ إلى جَحِيمٍ أسْوَأَ بكثيرٍ مِمَّا يفعلُهُ الآنَ بِهِ «عُرْبَانُ» الخَلِيجِ أولئك «الآلاتُ»، بحُضُورِ «شَخْصِيَّةِ» المِهْرَجَانِ العَجِيِّ الدَّاشِرِ جارد كوشنر، صِهْرِ دونالد ترامب الهَكَّةِ الأدْشَرِ– وهناك كذاك من المُحَلِّلِينَ والمُعَلِّقينَ السِّيَاسيِّينَ مِمَّنْ هُمْ عَلى يَقِينٍ أتَمَّ منْ أنَّهُ لَوْ كانَ شارل ديغول عَلى قَيْدِ الحَيَاةِ، هو الآخَرُ الذي يُدَوِّلُ لَهُ صبحي حديدي «اليَسَارِيُّ الماركسيُّ-اللاماركسيُّ» عَلى الغِرَارِ الدِّعَائِيِّ والدِّعَاوِيِّ ذاك عَلى اعتبارِهِ بالحَرْفِ الحَدِيدِيِّ « مُحرِّرَ فرنسا من الاحتلالِ النازيِّ»، لَوْ كانَ شارل ديغول عَلى قَيْدِ الحَيَاةِ بضَمِيرٍ إنْسَانِيٍّ حَقِيقِيٍّ كضَمِيرِ نْعُوم تشومسكي، مثلاً لا حَصْرًا، لَهَزِئَ كُلَّ الهَزْءِ وكُلَّ الهُزُوءِ وكُلَّ المَهْزَأَةِ كُلِّهَا منْ هكذا تدويلٍ دِعَائِيٍّ ودِعَاوِيٍّ لشَيْءٍ لَمْ يَقُمْ بِهِ بَتَاتًا، في وَاقِعِ الأمْرِ، بَلْ قَامَ بِهِ أولئك الجُنُودُ الذينَ جُلِبُوا عَنْوَةً منْ أرْحَامِ المُسْتَعْمَرَاتِ، أيَّامَذاك، وأغلبُهُمْ كانوا منْ آنَامِ الجَزَائرِ والمَغْرِبِ، عَلى وَجْهِ التَّحْدِيدِ، أولئك الجُنُودُ الذينَ أُرْغِمُوا عَلى الخَوْضِ في غِمَارِ حَرْبٍ لَمْ يكونوا، في الأصْلِ، يُرِيدُونَ الخَوْضَ في غِمَارِهَا، منْ قريبٍ أوْ بعيدٍ، أولئك الجُنُودُ الذينَ قاتلوا النَّازِيِّينَ بِبَأْسٍ شدِيدٍ كَانَ الفَصْلَ الحَاسِمَ والفَيْصَلَ المَحْسُومَ في مَسْألَةِ «الانْتِصَارِ»، وكانَ الرَّأيُ الفرنسيُّ العَامُّ قَدْ أَجْحَفَ، عنْ قَصْدٍ وعنْ عَمْدٍ، بحَقِّهِ أيَّمَا إجْحَافٍ منْ أمَامِ كُلِّ المَدَائنِ والأمْصَارِ، أولئك الجُنُودُ الذينَ قاتلوا النَّازِيِّينَ بأشدِّ مَا أُوتُوا منْ ذلك البَأْسِ الشدِيدِ لأنَّهُمْ كانُوا قَدْ خُدِعُوا وقَدْ وُعِدُوا باسْتِقْلالِ بلادِهِمْ، في المُقَابلِ الأَعَزِّ والأغْلَى، فكانوا يقاتلونَ النَّازِيِّينَ بأشدِّ مَا أُوتُوا منْ ذلك البَأْسِ الشدِيدِ وكأنَّهُمْ كانوا يقاتلونَهُمْ منْ أجْلِ تَحْرِيرِ بلادِهِمْ، ليسَ إلاَّ (انْظُرَا، مثلاً، مَقَالَيْهِ: «المنامة: طنينُ آلِ خليفة في ورشةِ آلِ ترامب»، القدس العربي، 27 حزيران 2019؛ «اليمينُ الفرنسيُّ بينَ مطرقةِ ماكرون وسندانِ ديغول»، القدس العربي، 13 حزيران 2019). حتَّى طَاقِمُ التَّحْريرِ المَعْنِيُّونَ، طاقِمُ تَحْرِيرِ هذهِ «القدس العربي» الذينَ يدَّعُونَ باسْتِحْسَانِ «الاِستقلالِ السِّيَاسيِّ» عنْ سَائرِ الطُّيُوفِ من «اليَسَارِ» وعنْ كافَّةِ الصُّنُوفِ من «اليَمينِ» وعنْ مُجْمَلِ المَعْطُوفِ واللامَعْطُوفِ منْ رُفُوفِ أوْ منْ دُفُوفِ الـ«مَا بَيْنَ بَيْنَ»، حتَّى طَاقِمُ التَّحْريرِ المَعْنِيُّونَ هؤلاءِ، والأنْكى منْ ذلك كُلِّهِ، لا يتردَّدُونَ ولا حتَّى يتلكَّؤونَ في اسْتِنْفَارِ مَلَكَاتِ «المَوْهُوبِينَ» منْهُمْ، إنْ كانَ ثَمَّةَ بينَهُمْ «مَوْهُوبُونَ» حَقًّا، في السَّبْكِ الكلاميِّ الإعْلاميِّ المَبْتُورِ لأحْقَرِ مَا يُمْكِنُ أنْ يكونَ نَعْتًا نَمُوذَجًا للمَوْقِفِ «المَبدَئِيِّ» التَّقَلْقُلِيِّ المَسْتُورِ مَا بينَ هذا وذاك المُبْتَدأِ المُبْتَدَى ومَا بينَ هٰذاك المُنْتَهَى من السُّطورِ، ترويجًا دِعَائِيًّا  ودِعَاوِيًّا جَلِيًّا لِمَا يُمْلَى عَليهِمْ من الطُّغَاةِ العُتَاةِ من «العُرْبَانِ» المُمَوِّلِينَ، وتَسْحِيجًا كِنَائِيًّا وكِنَاوِيًّا خَفِيًّا لِمَا يُتْلَى عَليهِمْ من الطُّغَاةِ العُتَاةِ من «العُرْبَانِ» اللامُمَوِّلِينَ، تَرَيَانِهِمْ (أيْ تَرَيَانِ طَاقِمَ التَّحْريرِ المَعْنِيِّينَ هؤلاءِ) يجْرُؤُونَ بالجَرَاءَةِ المُشْتَرَاةِ، إبَّانَ «الحُرُوبِ الدَّاحِسِيَّةِ والغَبْرَائِيَّةِ حَوْلَ انْبِثَاقِ الهِلالِ»، يجْرُؤُونَ عَلى شَنِّ الهُجُومِ المَنْظُومِ عَلى «العُرْبَانِ» في المَمْلكاتِ والإمَارَاتِ بالـ«آلِ» والـ«آلِ»، يجْرُؤونَ (وهُمْ، لاكْتِمَالِ المَهَازِلِ، مُصِيبُونَ) عَلى شَنِّهِ بالحِجَاجِ والتَّحَجُّجِ أنَّ هذهِ «الآلاتِ» لَمْ تَفْتَأْ تُعَجِّلُ بالخُطَى نَحْوَ ذلك «التَّطْبِيعِ» الذَّلِيلِ، ولا يتجَرَّؤُونَ، كَمَا الفِئْرَانِ، بأيِّ تَجَرُّؤٍ عَلى شَنِّهِ، في المُقَابِلِ الأنْكَى، عَلى «الآلاتِ» من «العُرْبَانِ» في الدُّويْلاتِ بالذَّوَاتِ وهُنَّ «المُطَبِّعَاتُ» الأُولَيَاتُ، بلا مُنَازِعٍ، معَ تلك الدُّوَيْلَةِ التي يَدْعُونَهَا «إسرائيل». كَمَا نَوَّهَتْ إحدى المُعَلِّقَاتِ الفَطِينَاتِ عَمَّا مَعْنَاهُ هُنَا، لا أظنُّ أنَّ هناك «مُحَلِّلاً سِيَاسِيًّا»، أوْ «كاتبًا صِحَافِيًّا»، عربيًّا شريفًا في أيِّ طَاقِمِ تَحْرِيرٍ عربيٍّ لأيَّةِ صَحِيفةٍ رَسْمِيَّةٍ عربيَّةٍ، حتَّى لَوْ شَهِدَتْ كلُّ مَعَاشِرِ الإِنْسِ والجِنِّ عَلى «شَرَفِهِ»، من المَسْجِدِ الحَرَامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصَى –  والافتتاحِيَّاتُ منْ طَاقِمَ التَّحْريرِ المَعْنِيِّ اللواتي تَدُلُ عَلى هذا التَّنْوِيهِ بالبُرهَانِ القَطْعِيِّ أيَّمَا تَدْلِيلٍ لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى!

وفي الأخيرِ، تستمرُّ أمريكا ترامب في الالتذاذِ باللَّعِبِ اللامرئيِّ معَ إيرانَ الخامنئي (لا الخميني، كما يغرِّدُ المَسْطُولُ الأوَّلُ)، تستمرُّ أمريكا في تلعيبِ إيرانَ عَلى أحبالٍ لامرئيَّةٍ كذاك ثَمَنًا لتَسْلِيمِ الأولى الأخيرةَ العراقَ «عَلى طَبَقٍ منْ ذَهَبٍ، أوْ منْ فِضَّةٍ»، كمَا يَحْلَوْلِي للكثيرِ من المُحَلِّلِينَ السِّيَاسِيِّينَ والكَتَبَةِ الصِّحَافِيِّينَ استعْمَالُ هذا التعبيرِ العُبُودِيِّ قلبًا وقالبًا. وهذا الالتذاذُ باللَّعِبِ اللامرئيِّ، ها هُنا، إنْ هو إلاَّ شكلٌ من أشكالِ النُّزوعِ إلى التلاعبِ بالتباسيَّةِ الدالِّ اللاواعي، كأمرٍ مقضيٍّ، نزوعٌ من العسيرِ جدًّا فَصْلُهُ فَصْلاً كُلِّيًّا عنْ جِنسانيَّةِ كلٍّ من الملتذِّ اللاعبِ والملتذِّ الملعوبِ بهِ (ترامب والخامنئي، والحالُ هذهِ، على الترتيبِ)، نزوعٌ سمَّاهُ المُحَلِّلُ النفسانيُّ الفرنسيُّ جاك لاكانُ تسميةً بالنَّحْتِ المُركَّبِ Jouissance، باللغةِ الفرنسيَّة، وسمَّيتُه، بدوري، تسميةً بالنَّحْتِ المُركَّبِ «الرَّعِبُ»، باللغةِ العربيَّةِ، لكيْ يُوِحيَ إيْحَاءً بكُلٍّ منْ دلالةِ «الرَّعْشَةِ» ودلالةِ «اللَّعِبِ» في آنٍ واحدٍ – وكأنَّ ترامب والخامنئي، بالتعبيرِ النفسانيِّ الصَّريحِ، يُمَارِسَانِ الجنسَ الذُّهَانِيَّ ممارسةً «رَعِبِيَّةً» عَلى الطريقةِ الإنجيليَّةِ-الصَّفويَّةِ (الشِّيعِيَّةِ)، لأنَّ منْ مقتضيَاتِ هذا الالتذاذِ باللَّعِبِ اللامرئيِّ أنْ يشتدَّ الانجذابُ الجنسيُّ الذُّهَانِيُّ كلَّمَا احتدَّ العداءُ (المرئيُّ) بينَ الملتذِّ اللاعبِ والملتذِّ الملعوبِ بهِ، تمامًا كمَا ينعتُ عَلَنًا كلٌّ من المَعْنِيَّيْنِ الآخرَ نَعْتًا تكفيريًّا استهجانيًّا بـ«الشَّيطانِ الأكبرِ»، أوْ بـ«الشَّيطانِ الأعظمِ»، وكلٌّ في الآنِ ذاتِهِ يلتذُّ التذاذًا «رَعِبِيًّا» بما يكتسبُهُ اكتسابًا ماديَّا و/أو معنويًّا منْ جرَّاءِ ذلك كلِّهِ، في آخرِ المَطافِ (كاجتياح إيرانَ لأربعٍ من العواصمِ العربيَّةِ حتَّى الآنِ، ومكتسباتُ أمريكا منْ «صَفقَتِهَا» لمْ تعدْ خافيةً على أحدٍ، في هذا الأوَانِ). وفي الأخيرِ، من جهةٍ أخرى، تستمرُّ أمريكا ترامب في الالتذاذِ باللَّعِبِ المرئيِّ معَ تركيا أردوغانَ، تستمرُّ أمريكا في تلعيبِ تركيا عَلى أحبالٍ مرئيَّةٍ كذاك ثَمَنًا لتَنْدِيبِ الأولى الأخيرةَ على شمالِ سوريا إشباعًا لمآربِهَا التوسُّعيَّةِ، ولتَسْخيرِهَا منْ ثمَّ الأغلبَ و«الأقوى» منْ فصائلِ المعارضةِ السوريَّةِ، ولتَحْويلِهَا فضلاً عنْ ذلك كلِّهِ إلى فصائلَ مرتزقةٍ مأجورةٍ لا تختلفُ، منْ حيثُ المبدأُ الهمجيُّ والبربريُّ، عن «الكتائبِ الحَميدِيَّةِ» حينذاك، فصائلَ مرتزقةٍ مأجورةٍ لا تستخدمُها تركيا أردوغانَ القوميِّ الفاشيِّ منْ أجلِ تحريرِ الشَّعبِ السُّوريِّ منْ إجرامِ النظامِ الأسديِّ الطائفيِّ الفاشيِّ، هو الآخَرُ، بلْ منْ أجلِ القضاءِ على الشعبِ الكرديِّ بدلاً منهُ، بدءًا منْ وَحَدَاتِ الحزبَيْنِ الكرديَّيْنِ الشهيرَيْن، الأصلِ «حزبُ العمالِ الكردستانيِّ» PKK، والفرعِ «حزبُ الاتحادِ الديمقراطيِّ» PYD، ذينك الحزبَيْنِ اللذين لا ينيَانِ يقُضَّانِ مضجعَ «السلطانِ العثمانيِّ الجديدِ» في اليَقَاظِ وفي المنام – الجِمَاعُ الجنسيُّ بينَ ترامب وأردوغانَ، هَا هُنا، لا يحيدُ عنْ سَابقهِ كثيرًا (خصُوصًا وأنَّ الأوَّلَ مشهُورٌ بصِفَتِهِ «هَبِّيشَ» إباحيَّاتٍ من الدرجةِ الأولى)، الجِمَاعُ الجنسيُّ بينَهُمَا لا يحيدُ كثيرًا خَلا أنهُ جِمَاعٌ عُصَابيٌّ يمارسُهُ الاِثنانِ ممارسةً «رَعِبِيَّةً» عَلى الطريقةِ الإنجيليَّةِ-العثمانِيَّةِ (السُّنِّيَّةِ)، نظرًا لأنَّ هذا الالتذاذَ باللَّعِبِ المرئيِّ لا يقتضي احتدادَ العداءِ (المرئيِّ) بينَ الملتذِّ اللاعبِ والملتذِّ الملعوبِ بهِ، في هذهِ الحَالِ. والطُّغاةُ العُتاةُ المُصْطَنَعُونَ من «العُرْبَانِ» و«العَرَبِ» و«المُسْتَعْرِبينَ»، طُغاةُ التهدُّمِ لا التقدُّمِ، منْ طرفِهِمْ، ليسَ لهُمْ إلاَّ أنْ يمارسُوا الجِمَاعَ الجنسيَّ الذُّهَانِيَّ و/أو العُصَابيَّ فيمَا بينَهُمْ ممارسةً «رَعِبِيَّةً» مرئيَّةً و/أو لامرئيَّةً عَلى الطريقةِ الوَهَّابِيَّةِ السَّلَفِيَّةِ أو الخَلَفِيَّةِ (المُحْدَثَةِ)، حَسْبَمَا يَنْتَوِيهِ حَالُ التظاهُرِ بـ«العَداوةِ»، تارةً أولى، وحَسْبَمَا يَبْتَنِيهِ حَالُ التَّمَظْهُرِ بـ«الصَّداقةِ»، تارةً أخرى. بَيْدَ أنَّهُمْ، رغمَ ذٰلِكَ ٱلْغَبَاءِ ٱلْقَهْرِيِّ ٱلْتَّكْرَارِيِّ الذي يتَّصِفُونَ بهِ جَميعًا، ولا رَيْبَ فيهِ، بَيْدَ أنَّهُمْ مُخْلِصُونَ بـ«الذَّكَاءِ» المُقَابلِ كُلَّ الإخلاصِ العَضُودِ لِمَا يَرْمِي إليهِ بيتُ المتَنَبِّي المُغَمَّسُ بإكْسِيرِ الخُلُودِ: «وَمِنَ العَداوَةِ مَا يَنَالُكَ نَفْعُهُ / وَمِنَ الصَّدَاقَةِ مَا يَضُرُّ وَيُؤْلِمُ». وليسَ لهُمْ، في ذاك، منْ كُلِّ هذا التَّجامُعِ الجنسيِّ الذُّهَانِيِّ و/أو العُصَابيِّ، وليسَ لهُمْ منْ كلِّ هذا التظاهُرِ بـ«العَداوةِ»، أوْ منْ كلِّ هذا التَّمَظْهُرِ بـ«الصَّداقةِ»، سوى التَّسَانُدِ واالتَّعَاضُدِ الجِمَاعِيَّيْنِ الحَمِيمَيْنِ فيمَا بينَهُمْ سَعْيًا وَرَاءَ الاِبتكارِ اللاإنسانيِّ واللاأخلاقيِّ، لا بلْ سَعْيًا وَرَاءَ الاِبتكارِ مَا دُونَ-الحَيَوانيِّ ومَا دُونَ-البهيميِّ، لأحدثِ الأسَاليبِ وأنجعِهَا وأكثرِهَا دَمَويَّةً ووَحْشِيَّةً وحُوشِيَّةً وبربريَّةً منْ أجلِ القَمْعِ والسَّحْقِ «النِّهَائِيَّيْنِ» لكلِّ ثَوَرَانٍ شَعْبِيٍّ يهدِّدُ وُجُودَهُمْ ويَهُزُّ كِيَانَهُمْ ويُقَوِّضُ عُروشَهُمْ، في أيِّ صُقْعٍ منْ أصْقَاعِ هذا العَالَمِ العَرَبيِّ الرَّثِيمِ – فالطاغيةُ المصطنَعُ عبد الفتاح السيسي، من جَانِبِهِ، يُضَاعِفُ منْ حَالاتِ الاعتقالِ والإخْفاءِ القَسْرِيِّ والقتلِ الفُجَائيِّ بالعَشَرَاتِ وبالمئاتِ، بلا توقُّفٍ، وبالأخَصِّ بعدَ أنْ لَقِيَ الرئيسُ الأسبقُ محمد مرسي حَتْفَهُ وهو في قفصِ الاتَّهَامِ، ذلك الحَتْفَ الذي سَيَبْقَى وَصْمَةَ عَارٍ وخِزْيٍ في جَبِينِ هذا النظامِ السيسيِّ الفاشيِّ إلى أنْ يأتيَ آنُ زَوَالِهِ بسَواعِدِ المصريَّاتِ والمصريِّين، لا مَحَالَ – والطاغيةُ الأكثرُ اصْطناعًا بشار الأسد، منْ طرفِهِ، يُوَاصِلُ، بالسِّلاحِ والعَتادِ الرُّوسِيًّيْنِ جَوًّا والإيرانيَّيْنِ برًّا، يُوَاصِلُ التفنُّنَ، دُونَمَا انقطاعٍ، في ارتكابِ المَجَازرِ تلوَ المجَازرِ في الشَّمَالِ والشَّمَالِ الغربيِّ منْ سُوريا، ووَسْطَ صَمتٍ قُبُوريٍّ في كلٍّ من العَالَمِ الغربيِّ «الديمقراطيِّ» والعَالَمِ الشرقيِّ الأوتوقراطيِّ، ووَسْطَ بُزوغِ إرهَاصَاتٍ من الثَّوَرَانِ الشَّعْبِيِّ هُنَا وهُناكَ رَغْمَ كُلِّ ذلك – وثَمَّةَ قتلٌ في ليبيا اللَّهِيفَةِ بالجُملةِ منْ لَدُنِ الحَفْتَرِيِّينَ، وثَمَّةَ قتلٌ وقتلٌ في اليَمَنِ «اللاسعيدِ» بالجُملةِ والمُفَرَّقِ منْ قِبَلِ الحُوثِيِّينَ، وثمة قتلٌ وقتلٌ وقتلٌ في غزَّةَ الحَزينةِ حتَّى بالوصَايةِ المُثْلَى، وبالوصَايةِ اللامُثْلَى، وعلى أيْدِي الإسْرَائيليِّينَ وألْسِنَةِ العَبَّاسِيِّينَ المُنَسِّقِينَ الأمْنِيِّينَ الفَتْحَاوِيِّينَ القادمينَ من أوْسَاطِ «اليَسَارِيِّينَ الماركسيِّينَ» و«اليَسَارِيِّينَ اللاماركسيِّينَ» و«اليَسَارِيِّينَ الماركسيِّينَ-اللاماركسيِّينَ»، إلى آخرِهِ، إلى آخِرِهِ.

مَرَّةً أُخْرَى، يُعْجِبُنِي كثيرًا كُلُّ شَيْءٍ، وآنَ الآنَ للحَقِّ عَلى شَفِيرِ هذا «الشِّقِّ» أنْ يُقَالَ، يُعْجِبُنِي كثيرًا كُلُّ شَيْءٍ من اليَسَارِ الماركسيِّ الحَقِيقِيِّ الحَقِيقِ في الآلِ والمَآلِ، خَلا، حَقًّا، أيِّ شَيْءٍ يَتَشَيَّأُ بالقُوَّةِ، دَعْكُمَا مِنْ تَشَيُّئِهِ بالفِعْلِ، عنْ أولئك الزَّاعِمِينَ والمَزْعُومِينَ عَليهِ منْ سَائِرِ الاِزدواجِيِّينَ والاِنتهازيِّينَ والاِنهزاميِّينَ والاِنكسارِيِّينَ والاِنكشارِيِّينَ، ومنْ سَائِرِ أمْثَالِهِمْ كذاك، بطبيعةِ الحَالِ.  ولا أسْفَلَ، لا أسْفَلَ، منْ هؤلاءِ، ولا أفْسَلَ، لا أفْسَلَ، منْهُمْ (ومنهُنَّ، تَبْعًا بالإيحَاءِ والإيمَاءِ) سِوَى أولئك «المُتَمَرْكِسِينَ» و«المُتَمَرْكِسَاتِ»، أولئك «المُتَأَدْلِجِينَ» و«المُتَأَدْلِجَاتِ»، أولئك المُتَذَبْذِبِينَ والمُتَذَبْذِبَاتِ تَذَبْذُبًا ليسَ ثَمَّ بَعْدَهُ، وليسَ ثَمَّ  قَبْلَهُ، منْ تَذَبْذُبٍ في المُنَاوَرَاتِ وفي المُحَاوَرَاتِ وفي المُؤَازَرَاتِ بَيْنَ أنْجَاسِ النظامِ الطُّغْيَانيِّ العُرْبَانِيِّ والعِبْرَانِيِّ والغُربَانيِّ وأذْنَابِهِمْ وبَيْنَ أرْجَاسِ الظَّلامِ «الإسلاميِّ» والإيرانيِّ والعُثْمَانِيِّ وأرْبَابِهِمْ – هذا إنْ لَمْ نَقُلْ أيَّ شيءٍ آخَرَ عنْ سَفَالَتِهِمْ وسَفَالَتِهِنَّ وعنْ فَسَالَتِهِمْ وفَسَالَتِهِنَّ، وهُمْ يتشدَّقُونَ وهُنَّ يتشدَّقْنَ بعباراتِ «النقدِ الثوريِّ البَنَّاءِ والعَمَّادِ» وعباراتِ «النقدِ الثوريِّ النَّصَّاحِ والجَدَّادِ»، و«الحَرْبُ مَسْألَةُ القَطِيعِ لِمَنْ يَدُكُّونَ الجِيَادَ»، و«الحَرْبُ خَاتِمَةُ الجُنُونِ، وَبِالجُنُونِ يُحِيلُهَا السِّمْسَارُ مَائِدَةَ الجَرَادِ»، و«طَبِيعَةٌ ثَكْلَى، وَإرْمٌ لا تَقِرُّ بِمُسْتَقَرٍّ أوْ عِمَادٍ»، ومَا إلى هذا مِنْ صَخْرَةٍ في وَادٍ، ومَا إلى ذاك مِنْ حُفْرَةٍ في مِهَادٍ!

[انتهى القسم الثاني عشر والأخير من هذا المقال، وليس الآخر]

 

غياث المرزوق –  بلفاست

 

 

رند الربيعيكما نعلم.. ان مؤشر الفشل والنجاح لوزارة التربية يأتي من خلال التزام مديرياتها العامة المشرفة، وتطبيقها للقوانين والتعليمات الوزارية الخاصة بالامتحانات.

انقل لسيادتكم مشاهدات بعض المراقبين، بدءا من أوامر تكليف المدرسين بالمراقبة وبعض المحاضرين ممن لهم خدمة اكثر من ثلاث سنوات...

اولا:- هناك مدرسون لاتسمح حالتهم الصحية بالمراقبة لمدة ثلاث ساعات متتالية، لاعذار صحية او العمر، فسمح القانون باعفاءهم في حالة وجود بديل، ولا يسمح خلاف ذلك! وفعلا تمت الموافقة وصدرت الأوامر الإدارية باسم المراقب الجديد، وهي فرصة لزرع الثقة بمدرسين شباب...

لكن بعد اسبوع يُفاجأ هؤلاء بالغاء أوامر الموافقة، بحجة (يمنع المحاضر من المراقبة)!

في حين انه راقب في مدرسته التي يحاضر فيها في اثناء اداء إمتحانات الصفوف غير المنتهية، وشارك في وضع الاسئله لطلابه،

و اشترك بفحص الدفاتر الامتحانية.

فما الفرق بين الحالين؟

و بخاصة الشعور بخيبة المحاضرين وتفسيرهم بعدم ثقة الوزارة بهم!!!

ثانيا:- عدم صلاحية مراكز اداء الامتحانات الوزارية، من حيث الخدمة، والاثاث، والتهوية او التكييف، مما يزيد معاناة الطلبة

و المراقبين على حدٍ سواء.

ثالثا:- على الرغم من صرف مخصصات مالية لشراء ماء شرب وتبريده .، لم يلمس الطالب ذلك، وما يُقدّم لا يمكن شربه، لانه كان عرضةً للشمس وليس للتبريد!

و الأنكى من ذلك تحصل هذه الخروقات امام انظار المشرفيين التربويين دون تحريك ساكن، فوجودهم وعدم وجودهم سواء.

رابعا:- هدر مال عام دون مسوغ قانوني، يتمثل في:-

* طباعةالاسئلة الامتحانية غير المستوفية لشروط الجودة في الحجم والترتيب، وبخاصة اسئلة مادة اللغة الانكليزية.

* عدد نسخ مغلف الاسئلة يحوي (١٧٠) نسخة بينما عدد الممتحنين في المركز كان (٩٢) طالبا فقط، ماذا عن بقية المراكز؟

* عدد مراقبي المركز، الذي تمّ رصده بهذه الخروقات (٢٤) مراقبا بينما قاعات الامتحان (٦) فقط!

فالفائض عن الحاجة (١٢) مراقبا...

خامسا:- ما ذنب الطالب الذي موقع جلوسه قرب النافذة، اي تحت اشعة الشمس مباشرة، ولمدة ثلاث ساعات متواصلة... ماذا يحصل له؟ هل في تغيير موقع جلوسه يسبب خرقا للتعليمات؟

سادسا:- من جملة التعليمات الامتحانية، الابتعاد عن كل ما يثير حفيظة الممتحن ويشوش او يشتت افكاره في اثناء اداءه الامتحان، لكن للاسف ما يحصل خلاف ذلك، سواء بالكلام او الفعل، ولا دور فعال لمدير المركز او للمشرف التربوي.

وماخفي وما لم تقع عليه عين الراصد، ربما يكون اعظم

 

رند الربيعي

                                       

 

عبد الرضا حمد جاسمالنقاش بِناء أو إعادة بناء أو ترميم بناء فهو تطوير في طريق التطور. كل الكائنات الحيه تفكر والانسان الأكثر منها فهو العاقل الذي وظف قدراته العقلية والعضلية على ابتكار الادوات التي مكنته من تأمين احتياجاته وأمنه. صرف الانسان بفعل النطق الكثير من الوقت من عمره القصير الطويل في التواصل للتعبير عن ذاته وتبادل المواقف والافكار والتعاون والاحتكاك مع الغير من المؤيدين له او المعارضين... هذا التواصل الذي أسفر عن مفاهيم ومعايير ورؤى وقيم ساهمت في تطوره وأراد توثيق ذلك فاخترع الكتابة او ابتكرها او طورها وبذلك استطاع ان يدخل التاريخ ويدونه.

تذوق الانسان الجمال فزادت رغبته للأبداع في كل المجالات ومنها رغبته في الفهم والتأثير والبحث والاستنتاج والربط والتحقيق والتدقيق والاستفسار بعكس الكائنات الاخرى حاول ويحاول، نجح وسينجح في دراسة الطبيعة وافتراض قوانينها وتحقق من الكثير من هذه الفرضيات ليسخرها لراحته او لخدمته. عاش بين كائنات اقوى منه ومنها اطول عمرا منه، بعضها متوحش طامع به متلذذ لكنه انتصر على اغلبها وطوعها واستفاد من الاخر ولا يزال.

أمّْنَ ما يمده بالحياة من غذاء وحماية فأهتم بمحيطه القريب النباتي والحيواني فأوجد الاسلحة اللازمة لذلك مما يحيط به ومن ثم انطلق الابداع والتطوير بوتيرة متسارعة لان العدو قاسي سواء كان الطبيعة او الموجدين فيها الطامعين به...لقد أمن حمايته سواء بالقوة او الابتعاد وتأسيس مواطن بسيطة في الاراضي السهلة القريبة من المياه واستخدم النقاش كسلاح تطوير ودفاع

انتبه لما يحيط به من نباتات وحيوانات فأختار منها ما يناسبه وحَسّنَ طرق الاستفادة منها ونَظّمَ زراعة ما يمكنه من العيش في كل الظروف المناخية ودَجّنَ الحيوانات وقَسّمَها الى منتجه وحاميه ومعاونه له في أعماله وتنقلاته...استقر نوعما وزادت اعداده فزادت الحاجة للتفكير والعمل المشترك فكان النقاش وتبادل الآراء والشرح والاقناع والاقتناع.

من هنا بدء النقاش وبدأت الافكار وبداء الانسان يحرك خياله ويحسب للقادمات ويضع الخطط ويراقب النتائج بحرص شديد لأنها تمس حياته ومستقبله. طَوّرَ ادوات الحماية الى ادوات انتاج ووزع العمل وميز بين امكانيات وقابليات الموجودين العضلية والعقلية من هنا كانت حلقات النقاش والتفكير والاقتراحات التي كانت جميعها تحت ضغط ظروف قاسية. وكانت هادئة ومثمرة فأوجد الاتفاق والتنسيق.

الانسان كائن رئيسي يفكر ويخطط وهو متشابه فسيولوجياً ودراسة أي عضو من اعضاء جسمه في اي مكان يعني كل الناس ويمثل نفس العضو عند البشر وتم بذلك الاستفادة منه في عمليات نقل الأعضاء.لكن البشر مختلفين في خريطتهم الوراثية ومنها بصمة الاصابع وصنف الدم والقدرات العقلية او الذهنية والعضلية...واهمها الذهنية والاكثر فيها التحليلية لذلك يقال لو نظر شخصان الى شيء واحد لميزاه بشكل مختلف.عليه لم تتطابق وجهات النظر والتصورات فاضطروا للنقاش وتجميع الخواطر والرؤى للخروج بمعتقدات ومفاهيم تسير وفقها حياتهم بسلام وامان....وكان النقاش يتّخلف احيانا عن ضغط الطبيعة ومرات اخرى يتقدمها وكان مسعى الانسان دائما ليسبق الطبيعة ويهيئ لذلك ما يلزم...لذلك استمرت الافكار بالتناسل وانتاج الجديد المناسب لما يعيشه البشر.

برز من بين البشر المتميزون الذين كانوا بالأعم يتعرضون لمواقف مختلفة بين التقدير والاحترام حد التقديس وبين الاذلال حد الذبح. ومن ذلك كانوا ضحايا دائماً من محبيهم واعدائهم ولذلك كانوا علامات فارقه في مسيرة الحياة التي ازدادت صخباً.

ليس كل من انتبه الى ما ينتجه احتكاك حجر بحجر(شرارة) وليس كل من لاحظ ذلك فسره او فكر بالاستفادة منه وليس كل من انتبه لرضاعة الصغير ثدي امه فكرفي استعارة تلك الحركة ليقوم بحلب ثدي الحيوانات للاستفادة من حليبها

انتشرت تلك الانتباهات واضيف لها الكثير من خلال النقاش...وبدأوا يضعون خطط للأيام القادمة وللمستقبل القريب معتمدين على ما مر ومتوقعين البعض ومع دراسة نتائج تلك التوقعات وما حصل وضعوا خطط وتصورات توسعت مدياتها المستقبلية مع مرور الوقت وتحسن الاداء...فتوسعت المدارك وانزاح التحريم عن انطلاق الخيال ليصل الانسان الى وضع القوانين ونظم التنفيذ والإدارة ويعرض كل ذلك للنقاش

كل افكار النابهين اعتمدت على ما كان قبلهم ونتائج تطبيقه على الواقع في فترة بلوغهم الفكري درسوا النصوص والنتائج وحللوا اسباب الاخفاق ونتائج النجاح ليتركوا لخيالهم وخزينهم العلمي والمعرفي ليصيغوا البديل حسب تصورات كل منهم وقدراته فكل الافكار والنظريات عمقها البعيد واساسها هو النقاش الذي دار حول تقسيم الحيوانات الى منتجه وحاميه ومعاونه وناقله وطرق تدجينها والى حيوانات متوحشة يجب تحديد او الغاء وتحجيم خطرها ولما كانوا مختلفين في دراستهم وخيالهم وقدراتهم وانحداراتهم لذلك جاءت نتاجاتهم مختلفة... فالاختلاف أزلي من أزلية اختلاف القُدُراتْ.

كلهم بشر محدودي الطاقة امام طاقة الطبيعة التي يحاولون السيطرة عليها وتطويعها لخدمة البشرية ففيهم الباحث عن مال او شهره او سلطه او تفرد... وفيهم الصحيح المعافى والمريض كل ذلك ترك اثر فكروا به وقدموه رغم اهميته لكنه غير كامل وكما انهم اعتقدوا بأن ما دَرَسوه غير كامل ويحتاج الى مناقشه وتحديث اكيد سيظهر من يقول عما انتجوه يحتاج الى مناقشه وتحديث وليس في ذلك عيب او انتقاص واعتقد انهم كما اجازوا لأنفسهم سيجيزون لغيرهم.

لا يوجد من استطاع او يستطيع في هذا الكون وهذه الحياة المتسارعة وفي كل المجالات ان يضع برنامج لفتره زمنيه مفتوحه وحتى النظريات في العلوم الصرفة لم تصمد طويلاً رغم تطبيقاتها الملموسة الهائلة. لا يمكن لأي مُنْتَجْ ومُنْتِجْ أن يواكب سرعة حركة الحياة ومكوناتها ومع وجود ردود الافعال لكل جديد...

قيل ان ما كُتِبْ في عهد الطاقة البخارية لا يصلح لعصر الكهرباء وهذه حقيقه ولا تحتاج الى نقاش رغم بطئ التحول وربما لا شيء من عصر ما قبل المصباح يشبه ما بعده وما قبل عصر الهاتف النقال يشبه ما بعده. الكثير من الامور تغيرت بعد تطوير منظومة الصرف الصحي فكيف بتغيير عصب الحياة اليوم وهو الطاقة عليه ما سبق اللحظة هو ماضي يدرس وفق ظروفه ويستفاد منه للمستقبل وهذه ما تميزت به الشعوب الحيه التي تقدم الجديد كل يوم ومن هذا فلا دين او نظريه يقبل واضعها ان تُقَدّسْ اولا يسمح بدراستها وترميمها لأنها بناء وهو مع الوقت يحتاج الى ادامه وترميم وتحسينات تواكب التطور في اساليب الحياة وهذا ما يفسر اهمية النقاش ودوره.

ومن يرفض النقاش عليه ان يصنع لنفسه مكان بتقنيات تلك الحقبة ويستخدم نفس ادوات الحياة ويعتكف فيه ليريح نفسه ويمنع تطاير شرار ضرره على الحياة. الضعيف وغير الواثق من يرفض النقاش الجالب للجديد...لا شيء ثابت...الكون أُعْلِنَ انه يتوسع.

العلوم فضاء مفتوح... فانفثوا... لم يتمكن أحد من تحديد مدياته... والافكار كائنات حيه كل يوم جديد فيها والطبيعة كل لحظه ربما تقدم كائن جديد ندركه او لا ندركه.

الانسان يبدا وبداء حياته بالنقاش مع النفس ومن ثم مع المحيط لذلك لا يمكن ان يكون انسان كل من لا يسعى الى النقاش ويمارسه.

النقاش هو تفكير واستخدام لغة التواصل وهو تأمل واستنتاج ورد وسرعة بديهيه واستخدام امثل للخزين الدماغي الذي سيتكلس لو لم يستخدم ولما كان للنقاش علاقه بالدماغ فهو يحتاج الى صفاء وهدوء وتحكم.

النقاش الحاضنة التي تنتج الابداع والتطور...وهو تَعَلُمْ واستمتاع وتواصل.

النقاش رياضه روحيه يحب ان يحسن ممارستها الجميع تُنَشِطْ الذاكرة وتعزز الثقة بالنفس وتنمي الحواس الخمس.

النقاش تطوير وامتزاج رؤى عليه لا تستخدم فيه اساليب او عبارات تسحب للخلف وتثير الحساسيات.

النقاش ليس ثرثرة او تعجيز او تسجيل انتصارات او تسفيه للغير.

النقاش ابداع لأنه فن سواء بإدارته او المشاركة الفاعلة فيه او بنتائجه يحتاج الى حواس ومشاعر صادقه.

كل رأي عند حامله محترم ولا اقول مقدس وإلا لم يعذب نفسه في حمله والدفاع عنه والتضحية في سبيله لذلك يجب عدم المساس بمعتقدات الغير وانما النفاذ اليها منها ومناقشتها باحترام حتى يأتي الرد محترم والنتائج تكون محترمه.

النقاش تركيز للعمل على تجسير الخلافات وهذا يحتاج الى حسن استماع وانتباه وتقبل الاخر وانتقاده أو قبوله وشجاعة ودقه في الرد.

والنقاش يعني لقاء واستعداد الى لقاء قادم وكل نقاش لا يفضي الى ذلك لا يدخل في معنى النقاش.

النقاش ان تقرا جيدا وتحدد ما تريد وتناقشه مع نفسك اولاً لتطرح ما تريد بدقه واصول واحترام للحضور والوقت فليس من النقاش ان يأتيه من يقول (ماذا سنناقش).

النقاش ليس مؤامرة تحاك وتحزب يُبنى في الكواليس لان جزء منه له علاقة بالعلاقات العامة وآدابها.

النقاش ليس تطابق للآراء وانما هو مزج وانتاج شيء جديد وليس فيه الغاء او حجر او تضييق او استهداف.

النقاش اعلاء شأن وتوضيح وتبسيط وشرح فليس فيه عصبيه قبليه او دينيه او قوميه او سياسية وليس فيه قدسيه لشيء سوى العلم والمنطق والانسان.

النقاش ليس سباق فيه الفائز بدرجات وفيه المنهزم من الحضور وانما الرابح فيه هو التقدم للإنسان والمنهزم هو التحجر، وهو ليس حلقة قمار فيها رابح وخاسرين.

النقاش عمل اجتماعي يحتاج الى التعارف والتواصل والوضوح للوصول للأفضل لذلك لا مكان فيه للمتسترين...وهو ليس اسئلة تطرح لأنه سيتحول الى امتحان وهو حلقة درس له طقوسه من يسيء اليها او فيها يسيء الى نفسه ومعتقده.

لا توجد نظريه او مَعْلَمْ مادي او انتاج روحي تم انتاجه او بناءه دون نقاش مع النفس ومع الآخر.

ان تقديس النظريات اهانه لأصاحبها او واضعها والمؤمنين حقاً بها لان واضعيها ما قالوا عن انفسهم انهم عظماء وانها نهاية الفكر والتفكير لانهم يعلمون ان صياغة الافكار سهل لكن قيمتها بالتطبيق...وهم يعلمون ان فيما قبلهم من نصوص لا يزال فيها مفيد.

لكن ذلك لا يبرر ان تؤخذ هكذا ويذم كل من اجتهد فيها او فشل في تطبيقها ورمي اللوم عليه بالقصور دون المرور على النصوص حيث ان النصوص ثابته فقط لأنها على الورق والثابت لا يمكن ان يُطّبَقْ على المتحرك...الافكار قيلت وكتبت والحياة متسارعة لا تلحق بتسارعها كل الفرضيات ولا النظريات...حتى السنه الميلادية اصبحت اطول مما كانت.

الجريمة ان تساوي بين من كَتَبَ ونَظّرَ وبين من طَبّقَ او حاول التطبيق لأنه يعني المساوات بين السكون والحركة اي بين اللوحة المرسومة لشخص وبين الشخص نفسه وهو يتحرك وينتج ويشعر. الكثير ممن يدعون الى تقديس الموروث لم يتمكنوا من تطبيق طريقه واحده في تعاملهم مع اولادهم او اصدقاءهم بحجة ان لكل من هؤلاء ميوله وتطلعاته لذلك يتعامل معهم كل حسب ما يراه مناسب وهو محق في ذلك.

النقاش يعلم الانسان احترام معتقدات الغير والاعتراف بوجودها الذي لا يعني الايمان بها.

النقاش يعلم التواضع والجرأة على الاعتذار عند اللزوم والاعتراف بحق الغير فيما يجب ويؤمن ويطرح فهو عمل جماعي.

النقاش يعلم الانسان ان يكون فاعل يقدم ويطرح لا مفعول به متلقي ومنفذ ومؤيد ومصفق...

النقاش يعلم الانسان ان هناك أكثر من حل أو رأي لأي مسألة او مشكلة.

الصدق والجرأة والصراحة والاحترام هي متطلبات النقاش وحسن التعامل ما يميز الرُقي فيه وهذه كلها تنتج نقاش مثمر ايجابي...وغير ذلك لا يسمى نقاش واقل ما يقال عنه انه مضيعه للوقت...فلا نضيّع وقتنا ووقت غيرنا...لكن يجب ان نواصل  النقاش حتى مع من لا يحبه وهمُ كُثر جماعات وافراد،  احزاب ومؤسسات وشخصيات واذاعات ومواقع وصحف. فطريق النقاش طويل ومُنير ومُنار وسالك وهو طريق الحق والرفعة والنمو والتقدم وكل طريق غيره خارج عن السياق.

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

هادي جلو مرعيليست المرة الأولى التي يزور فيها أمير الكويت صباح الأحمد بغداد بعد العام 2003 السنة التي شهدت نهاية حكم صدام حسين الذي ترك في ذاكرة كل كويتي أثرا لايمحى، تتوارثه الأجيال التالية، حين غزا المدينة الغافية على الخليج عام 1991 وكان الأمير حينها وزيرا للخارجية، وإنسحب منها تحت الضغط العسكري الذي دمر البنية التحتية، ووضع البلاد تحت طائلة عقوبات قاتلة، وبنود حاكمة لم تبق سيادة ولاقيادة، وظل العراق يدفع حتى قبل وقت قصير من العام 2019 مبالغ مالية هائلة، وكانت الكويت تتلقى التعويضات بصدر رحب، وتبعث إشارات المودة آملة من الجار أن يكون أكثر هدوءا لأنها تحتاج إليه في إستراتيجيتها للبقاء، وهي مستعدة لإعتبار الغزو خطأ عابرا يمكن للزمن أن يداوي جراحه، وللأجيال أن تمسح من الذاكرة ماإستطاعت من ألم.

في مقابل خطأ صدام حسين العابر، وإن كان قاسيا هناك إستراتيجية لدى الكويتيين يريدون لها أن تستمر في المستقبل، فهناك تهديدات جدية من جارة تزحف على أراضيهم، ولها أطماع في حقول النفط المشتركة، وهناك وحش لايشبع، ويمكنه إلتهام كل شيء، ويخشى الكويتيون أن تلتهمهم، أو تمضغهم أفواه الجيران الجائعة، ولايركزون على اللحظة، بل يريدون ماهو أبعد من ذلك لحماية أنفسهم ومستقبلهم، ويعدون العراق أقرب الى هذا النوع من الشراكة التي تمكنهم من البقاء على المساحة الملائمة من الطمأنينة.

لم يعد هناك مايعيق تطوير العلاقات مع الكويت من جانب بغداد، غير إن المشكلة إن العراق مايزال لم يصل الى مرحلة الطمأنينة، فهل هو عربي، أم كردي، أم فارسي، أم تركي، وهل هو مسلم سني، أم مسلم شيعي، وهل هو قريب لإيران أم للعرب على الضفة المقابلة للخليج الذي صغرت مساحة نافذة العراق المطلة عليه لأسباب متصلة بالتوسع والنفوذ والمنافسة؟ فالعراق بحاجة الى علاقات متوازنة، لكن التنازع الإيراني الأمريكي عليه يشكل عقبة أمام تطويره ونهضته، فلابد من تحديد المسار، والتأكيد على نوع الهوية التي تمثل وجوده.

هناك أمل، ولكنه مثل هلال العيد لايرى في الليلة الأولى، وهناك من يعتمد الآلات والتقنيات الحديثة ليراه فيعلن العيد، وهناك من يعتمد النظر المجرد، وشهادة شهود ليعلن ذلك، ونحن بالفعل بحاجة الى مزيد من الوقت لنتطلع الى نوع العلاقة بين الكويت والعراق، وهل إن الحكومات العراقية والمنظومة السياسية قادرة على إتخاذ قرار نهائي وحاسم فيما يتعلق بعلاقات بغداد مع الكويت، ومع المحيط العربي والإقليمي، وهل إن حجم التأثير الإيراني سيبقى كما هو، أم إنه سيتراجع لإعتبارات مرتبطة بالضغوط الأمريكية، وتهديدات الحرب والحصار، ورغبة دول عربية في مقدمتها السعودية لجره نحوها بأي ثمن؟

علينا أن ننتظر لبعض الوقت.

 

هادي جلو مرعي

 

منى زيتونفي مثل هذه الأيام من صيف عام 2013 خلع وزير الدفاع -حينئذٍ- الفريق عبد الفتاح السيسي الرئيس المنتمي إلى جماعة الإخوان محمد مرسي.

اختلف الناس في تسمية الحدث وفقًا لانتماءاتهم السياسية، فأنصار جماعة الإخوان أصروا على أنه انقلاب على الشرعية التي اكتسبوها من خلال صناديق الانتخابات، وأعدائهم منهم من يرونها ثورة شعبية أيدها الجيش أطاحت برئيسهم الفاشل، ومنهم من يوافقونهم على أنها انقلاب ولكنهم يرون أنهم يستحقونه!

لن أتكلم في هذا المقال عن ممارسات الإخوان الحقيرة أثناء انتخابات 2012، فلا زال من شهدوها أحياء، يتذكرون عبوات الزيت والسكر، كما يتذكرون تهديد الأقباط في قرى الصعيد ومنعهم من الذهاب إلى لجانهم الانتخابية لعلمهم أنهم سيعطون أصواتهم للمرشح المنافس الفريق أحمد شفيق، ولا شك أن الأحياء منا لم ينسوا الأقلام التي يتطاير حبرها بعد ثلث ساعة، التي وُزعت في اللجان ليستخدمها غير أنصارهم لإبطال أصواتهم، كما لا زلنا نذكر البطاقات التي دُفعت ملايين لأجل شرائها من المطابع الأميرية لاستخدامها في التدوير وشراء الأصوات.

حتى أنني لن أتكلم هنا عن تحالفات الإخوان مع طنطاوي والأمريكان لأجل تزوير الانتخابات وإعلان نتيجتها على غير حقيقتها لصالح مرسي، لأنه حتى بعد رُشاهم الانتخابية وتهديدات الأقباط وتدوير الأصوات ظل فارق الأصوات لصالح أحمد شفيق.

عن نفسي لم أكن يومًا من أنصار مرسي وجماعته، كما أنني لست من أنصار السيسي ومؤيديه، وكما كنت أتشكك في وطنية مرسي، فلدي نفس الشكوك حول السيسي، فكلاهما وجهان لعملة واحدة.

لكن ما يعنيني الآن الحديث عنه هو فشل الإخوان الذريع طوال عام كامل قضوه في الحكم، وإن كان لا وجه لمقارنة فشلهم بفشل السيسي، ولكنه في النهاية كان فشلًا.

يدعي أنصار الإخوان أن مرسي وجماعته لم يفشلوا بل أُفشِلوا بسبب التآمر عليهم، فهل لهذا الإدعاء ما يبرره منطقيًا؟ لنراجع أهم الحوادث معًا طوال عام حكمهم لنرى، هل كان فاشلًا أم أُفشِل؟

بعد وصول مرسي لسُدة الحكم بدأ عهده بالتآمر على المشير طنطاوي والفريق عنان، وإزاحتهما عن منصبيهما. فإن كان عنان لا شأن له بالمؤامرة التي حدثت لتسليم السلطة للإخوان وإعلان فوز مرسي –وفقًا للمتاح من المعلومات- فطنطاوي كان أول من تآمر معهم سواء أيام الانتخابات أو قبلها.

وعيّن مرسي السيسي وزيرًا للدفاع. كان السيسي قبل توليه هذا المنصب مدير المخابرات الحربية، وكان باعتراف البلتاجي على علم بقدوم أنصار مبارك على ميدان التحرير في الثاني من فبراير 2011 لأجل الاحتفال وإظهار شعبيته بإزاء المتظاهرين المطالبين برحيله، فيما عُرف بعد باسم معركة الجمل، لأن هناك من حرص بعد خروج راكبي الجمل والخيول من الميدان على قنص المتظاهرين وتحويل الليلة إلى معركة كر وفر، وتساءلنا وقتها عن ذلك الطرف الثالث ومن يكون، وأحسبنا جميعًا نعرفه منذ سنوات.

يبدو أن تحذير السيسي الإخوان من قدوم أنصار مبارك الميدان –وفقًا لشهادة البلتاجي المسجلة- كان له وقعه عندهم، وكان بداية اكتسابه ثقتهم.

المهم أن هذه الإقالة لطنطاوي وعنان تثبت أن الإخوان لا يتحرجون من الغدر فهو من سماتهم، وأن عدم إقالة مرسي للسيسي بعد ذلك لم تكن إلا غباءً سياسيًا.

ولنعد بالزمن إلى الوراء، في أكتوبر 1970 تولى الرئيس السادات مقاليد الحكم بعد موت عبد الناصر المفاجئ؛ ذلك أن السادات كان قد حلف اليمين قبلها بفترة كنائب للرئيس. لم يكن السادات يملك سوى الشرعية، وكانت القوة الحقيقية في يد من أسماهم بمراكز القوى، ولأنه الرئيس، ولأنه ليس فاشلًا غبيًا استطاع الإمساك بزمام الأمور بعد شهور من حكمه، وألقى بهم جميعًا في غياهب السجون.

ثم إن فشل مرسي لم يكن قاصرًا على الاحتفاظ بالكرسي، وبأنه أتى بمن خلعه، وبأنه كان يسمع بأمر حملة تمرد ثم يصدق بسذاجة ما ينقله له السيسي عن تفاهة تلك الحملة وتفاهة الأعداد التي تؤيدها! وتهوين أمر المظاهرات التي كان يُعد لها للمطالبة الشعبية بخلعه.

طوال عام كامل حكمه مرسي لم يصدر عنه أي قرار يشير إلى تغير منهجية الحكم لتتوافق مع الشعار الذي طالما صدّعونا به باعتبارهم حُماة الإسلام. ما الذي يمكن أن يتفق من قرارات مرسي مع أن "الإسلام هو الحل"؟!

والأمر لا يقتصر على القرارات. نذكر جميعًا خطابه الشهير إلى شيمون بيريز رئيس وزراء إسرائيل حينها، والذي كانت صياغته ودية بأكثر مما اعتيد في عهد مبارك، حتى أنه خاطب بيريز بصديقي العزيز! وكانت تبريرات الإخوان على مواقع التواصل الاجتماعي لتلك الصياغة العجيبة تتلخص في أن هذا هو البروتوكول، وأنهم أفهموا مرسي أنه ينبغي أن يوقع فما كان منه إلا أن وقّع!

فمن هؤلاء الذين أفهموا رئيس الدولة أن عليه أن يوقع فوقّع؟!!! موظفون إداريون في سكرتارية مكتبه!

أحاول أن أتخيل أمرًا مماثلًا يجري معي، ولست في هذا المنصب أو في منصب قريب منه بأي حال. فلأتخيل أن موظفي السكرتارية جاءوني بخطاب لا تعجبني صياغته، وأنهم يحاولون فوق ذلك إلزامي بالتوقيع عليه! المؤكد أنني سأمزق هذا الخطاب وألقيه في وجوههم، وأنه سيكون آخر يوم عمل لهم تحت إدارتي. ولكن الإخوان يدافعون بسفالة عن رجل لم تكن له من الرئاسة إلا اسمها، كان يمتثل لأوامر موظفين إداريين! ويستنكرون بعدها أن خلعه وزير دفاعه!

الحقيقة المؤكدة أنه بعيدًا عن الأزمات المفتعلة في السلع كالبنزين وغيره في عام حكم مرسي، كانت سياسات الإخوان الخارجية والداخلية بلا ملامح. وأنهم قضوا عامهم الأول والأخير في تعيين شباب جماعتهم في وظائف بالدولة، متصورين أنهم سيمكنون لأنفسهم بذلك، فلم يملكوا برنامجًا لتنمية مصر وبرنامجهم الوحيد كان تمكين جماعتهم، وأنهم فشلوا ولم يُفشَّلوا، وأن ما حصدوه كان جزاءً وفاقًا لما زرعوه في عام حكمهم وما قبله، بل ونحن جميعًا نجني ثمارهم العفنة.

 

د. منى زيتون

 

نايف عبوشفي زحمة ضجيج عصرنة صاخبة، نشعر وكأننا نعتاش اليوم، على ما يختزنه عقلنا الباطن، وما تحمله مخيلتنا من ذكريات الماضي، حتى وان كان بعضها مؤلما، وذلك استشعارا منا لسعادة تلقائية خلت، نتجاوز بها تعاسة غربة الحاضر، وصعوبات الحياة الراهنة، بعد رحلة متواصلة من المعاناة الشاقة، والمرهقة، نفسياً، على كل مافي حياتنا الراهنة من مغريات،حيث يبدو أن تعدد مفردات الحياة الراهنة، وسرعة ايقاعات حركتها، قد افرزت هموما تفوق بعبئها، مساحة قدرة التحمل المتاحة لإنسان العصر الراهن.

 ولعل المدهش حقا، هو انثيال عاطفتنا الجياشة، وطريقة تعبيرنا عنها بهذه التلقائية الوجدانية الخالصة، عما يجول في خاطرنا، وما نكابده من معاناة تلك الهموم، والعزلة، بفجوة الجيل، في حياتنا الراهنة، هو ما يدفعنا للسعي لتجاوز مرارتها، بلجوئنا لإعادة إنتاج صور الماضي،واستيلادها بذهننا، بطريقة وردية، لنشاطر زملاءنا الآخرين، الإحساس بوحدة المعاناة، ونشاركهم الحنين الى تلك الذكريات، رغم كل الفوارق الشخصية في معايشتها. إذ لا شك أن البعض منا يكون قد عاشها في سعادة، في حين عاشها البعض الآخر في تعاسة.

وبغض النظر عن التفسيرات النفسية، والاجتماعية، لمثل هذه الظاهرة من الحنين الى الماضي، بهذه الطريقة الوجدانية المؤثرة، ومن دون الحاجة للدخول في تفاصيل التأويلات العلمية البحتة لها، والتي غالبا ما تختزلها في تفسيرات قد تبدو للبعض باهتة، فلا ريب ان هذه الظاهرة تظل حقيقة انسانية، ماثلة بيننا، نعيشها بعفوية في وجداننا، بين الحين والآخر.

فطالما شعرنا اننا نقتات فعلا على تخوم حافات ذكرياتنا،كلما سنحت لنا الفرصة بخلواتنا الفردية، بالعودة الى دهاليز ذاكرة الماضي، والتسكع في وهادها السحيقة، تلمسا لبصمات وردية حياة ماضينا الجميل،التي نلفيها تغمرنا بجرعة سعادة معنوية، كلما هربنا اليها من صخب ضجيج حياتنا المعاصرة، حتى وان بدت لنا سعيدة، وممتعة صوريا، وطافحة بالرفاهية في كثير من جوانبها .

 

نايف عبوش

 

حسن العاصيبخلاف جميع دول العالم التي وقعت اتفاقية حقوق الطفل التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة العام 1989، حيث نصت المادة الأولى منها على "يعتبر الإنسان طفلاً ما لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره"، ينص الأمر العسكري رقم "132" الصادر عن سلطات الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967 على أن الطفل الفلسطيني هو شخص دون سن السادسة عشرة، بالرغم من أن القانون الجزائي الإسرائيلي يعرّف الطفل لإسرائيلي بأنه شخص دون سن الثامنة عشرة. كما ويسمح هذا الأمر لسلطات الاحتلال باعتقال أطفال فلسطينيين في سن الثانية عشرة، بموجب الاعتقال الإداري لمدة ستة أشهر من دون تهم محددة.

يقبع حوالي سبعة آلاف أسير فلسطيني داخل الزنازين في السجون الإسرائيلية، من بينهم أربعمائة طفلاً محكوماً عليه أو موقوف. جميع الأطفال الفلسطينيون الأسرى يعانون تماماً ما يعانيه الأسرى الكبار من ضرب وتعذيب وممارسات وحشية تنتهك حقوقهم الإنسانية، مثل الشبح المتواصل من خلال تعليق الطفل الأسير من يديه أو قدميه، وإجباره على الوقوف لساعات طويلة، وحرمانه من النوم والطعام، وتغطيس الأطفال بالماء المثلج ثم بالماء الحار جداً، وكذلك صعقهم بالكهرباء والتحرش الجنسي بهم وتهديدهم بالاغتصاب.

معظم الأطفال الفلسطينيين يتم اعتقالهم من قبل سلطات الاحتلال وفق شريعة الغاب، من قبل الجنود الإسرائيليين في الحواجز ونقاط التفتيش العسكرية المنتشرة في الشوارع، أو يجري إلقاء القبض عليهم من البيوت وانتزاعهم من وسط ذويهم. حيث يتم تعصيب عيونهم وتقييد يديهم ثم يتم وضعهم في مركبة عسكرية ويتعرضون للركل والشتائم من قبل جنود الاحتلال الإسرائيلي. وفي مراكز الاعتقال يجري تعذيبهم وانتزاع اعترافات منهم، والضغط عليهم للتوقيع على أوراق بلغة عبرية لا يفهمها الأطفال، وهذه الأوراق يتم اعتمادها من قبل المحاكم العسكرية الإسرائيلية، ويعتبرها القضاة دليل إدانة ضد الصغار.

يتم وضع الأطفال الفلسطينيون الأسرى في عدد من السجون الإسرائيلية التي لا تتوفر على أدنى الشروط الإنسانية، بسبب الازدحام وتسرب ماء الأمطار وانتشار الروائح الكريهة، وشيوع الأمراض ونقص الطعام وسوء نوعيته، ويعانون من انعدام النظافة ووجود الحشرات المختلفة، ويتعرضون للضرب والتعذيب، ويحرمون من العناية الطبية ومن الحق في التعليم.

ضمير الأمة الغائب

لا شك أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تعتمد سياسة محددة وواضحة ومخطط لها تهدف إلى إرهاب الأطفال الفلسطينيون، ويتضح ذلك من خلال الأرقام المتزايدة في أعداد الأطفال التي يتم إلقاء القبض عليهم، ومن الأحكام العالية التي تصدرها المحاكم العسكرية الإسرائيلية بحقهم، إذ يجري إصدار أحكام تصل من عشرة إلى عشرون عاماً على كل طفل فلسطيني تثبت عليه تهمة رشق الجنود الإسرائيليون بالحجارة. كما تم توثيق حالات عديدة من قبل منظمات حقوقية فلسطينية ودولية حول قيام الجنود الإسرائيليين بخطف أطفال فلسطينيون أعمارهم دون سن الثانية عشر، وهذا الأمر بالغ الخطورة لأنه يشير إلى استهداف الجيل الفلسطيني الصغير من قبل القوات الأمنية الإسرائيلية، في محاولة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني، واحتواء الغضب الثوري للشباب.

إن الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية بما فيهم الأسرى الأطفال هم ضمير الأمة الغائب المنسي، يتجاهلهم العالم الحر الغربي الذي يخوض الحروب ويقتل الشعوب لأجل تحقيق أمن ورفاهية مواطنيه، فيما يتحول إلى كائن أبكم وأصم تجاه العدوانية الغاشمة من قبل إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، ولا يحرك ساكناً لوقف الانتهاكات المرعبة التي تمارسها الأجهزة الأمنية الصهيونية بحق المعتقلين والأسرى بصورة عامة والأطفال منهم بصفة خاصة.

إن الأثر الذي تخلفه صدمة الاعتقال وفترة السجن المريرة على الأطفال الفلسطينيين بالغ السوء وواضح المعالم على واقعهم ومستقبلهم، ذلك أنهم يعانون أكثر مما يعانيه الأسرى الكبار، بسبب طفولتهم وعدم امتلاكهم خبرات الحياة لمواجهة العدو، وضعف منظومة الدفاع ونقص أنماط التكيف في مواجهة الضغوط والألم الذي يحدثه تعذيبهم على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي.

لذلك يعاني غالبية الأطفال الأسرى من القلق والاكتئاب والغضب السريع وآلام متنوعة في الجسم بعد الإفراج عنهم، كما أنهم يجدون صعوبة في التوافق والتكيف الاجتماعي مع أسرهم ومحيطهم نتيجة تجربة الاعتقال البغيضة التي تعرضوا لها وجعلت في حياتهم وضعاً قبيحاً لا يطاق.

المعركة الحقيقية

على الجميع في القيادة الفلسطينية، وخاصة وزارة الخارجية وهيئة شؤون الأسرى أن يعي ويدرك عمق مسؤوليته الوطنية في التحرك لاستصدار قرارات محددة من الهيئات الدولية وأهمها الجمعية العامة للأمم المتحدة ومن محكمة العدل الدولية، للضغط على إسرائيل للإفراج عن الأسرى الأطفال فوراً، واتباع الإجراءات القانونية لملاحقة ومحاسبة مجرمي الحرب الصهاينة. وعلى كافة القوى الفلسطينية وضع خطة عمل استراتيجية وطنية للقيام بأوسع حملة تضامن دولية مع الأسرى الفلسطينيين وخاصة الأطفال، وكشف الانتهاكات التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحقهم.

ولا نغفل دور مؤسسات المجتمع المدني ومسؤوليتها في توثيق الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال الأسرى داخل السجون الإسرائيلية، تمهيداً لتقديم هذه الملفات إلى محكمة الجنايات الدولية، مرفقة بالشهادات والصور، لمحاكمة النازيين الجدد.

إن الأطفال الفلسطينيين يتعرضون لسياسة التمييز العنصري منذ ولادتهم، وما إن يصبحوا شباباً يافعين حتى يصبحوا ملاحقين من قبل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية التي ترى فيهم خطراً يهدد الكيان الصهيوني الغاصب. على كافة القوى والأحزاب والفصائل والمنظمات والجمعيات والمؤسسات والشخصيات الفلسطينية أن تدرك إن من أهم المعارك التي عليهم خوضها، هي حرية هؤلاء الأطفال الأسرى لمساعدتهم على استعادة طفولتهم المسروقة، وتمكينهم من العيش بحياة طبيعية أسوة ببقية أطفال العالم.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

احمد سليمان العمريما هي الأسباب التي أدّت إلى إتخاذ الأميرة الهاشمية الجميلة قرار "الهروب" من القفص الذهبي بكلّ ما تحمل الكلمة من معنى؟

وأنا أخطّ هذه المقالة ومعها كلمة "الهروب" مقرونة بالأميرة الجميلة هيا، راودني شعور غريب، وكأنّني أقرأ عن أميرات العصور الوسطى، لا عن الأميرة هيا بنت الحسين وأخت الملك عبد الله الثاني وحفيدة الملوك وشرفاء مكة.

الحقيقة المؤلمة أنّ الأميرة هيا وطفليها زايد والجليلة هربوا من دبي وتقدّموا بطلب لجوء في ألمانيا، وهذا الذي لم ينجح به أحد غيرها.

نعم، هي الأميرة وأبناؤها، وليسوا من عامّة الناس الهاربين من ظلم النظام السوري، أو أسرة يمنية من الحرب السعودية أو الليبية من النظام المأجور.

 كم هي الأقدار غريبة! تجمع الجياع مع الأثرياء والأمراء في ذات الهوية. 

الأسباب التي فرّت من أجلها الأميرة مع ابنيها زايد 7 أعوام والجليلة 11 عام وما يقارب 35 مليون يورو غير واضحة حتى الآن، وليست هي الأميرة الأولى التي هربت أو تحاول الفرار من القفص الإماراتي.

الخوف على حياتها وحرمانها من أبنائها كان أحد أهم الأسباب وراء مغادرة الأميرة الأردنية هيا بنت الحسين والزوجة الثانية لنائب رئيس وزراء دبي وحاكمها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم دبي وطلبها اللجوء في ألمانيا حسب الصحيفة الألمانية "Focus"، كما وذكرت ذات الصحيفة أنّ الأميرة بدأت أيضاَ بمعاملة الطلاق.

ما هي يا ترى المخاوف التي من أجلها أقبلت الأميرة على خطوة كهذه كفيلة أن تقلب حياتها رأساً على عقب؟

الأميرة هيا بنت الحسين - رحمه الله - ليست الأميرة الوحيدة التي هربت أو حاولت الهروب من دولة الإمارات المتحدة. ففي عام 2000م، حاولت إبنة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، شمسة البالغة من العمر 38 عاماً الفرار من منزل العائلة في مقاطعة "سَري" إلّا أنّ حظها السيء أعادها بعد بضعة أسابيع إلى قفص أبيها الذهبي، حين التقطها رجال والدها في بريطانيا "كامبريدج" وأعيدت ذليلة إلى دبي ومن حينها وهي مختفية عن الأنظار وعن مواقع التواصل الإجتماعي.

كما وحاولت أختها الشيخة لطيفة العام الماضي في فبراير/شباط 2018 م، الفرار على متن يخت من عُمان، غير أن فرصتها في الفرار كانت أقصر من أختها حيث تم تعقبها وأعيدت إلى مسقط رأسها في دبي.

لقد ذكرت ذات الصحيفة "Focus" أنّ دبلوماسي ألمانياً هو الذي ساعد الأميرة هيا بنت الحسين في الفرار لتصل إلى ألمانيا، كما وأكّد حماية الدولة لها وعدم قبول ألمانيا لأي وساطة لإرجاعها إلى زوجها وبالتالي دولة الإمارات العربية.

الشيخ محمد بن راشد يطالب ألمانيا لغاية اللحظة بعودة أبنائه مع وجود الرفض الحكومي الألماني رغم عدم التصريح من وزارة الخارجية الألمانية بشكل رسمي لغاية الآن وعدم تقديم أي تفاصيل عن الأميرة وأبنائها.

قبل أنّ تبدأ صحيفة "Sun" البريطانية في الحديث عن هروب الأميرة بدأت صحيفة "التايمز" ببث التساؤلات عن عدم ظهور الزوجين سويّة منذ آخر مايو/أيار الماضي، بالإضافة إلى ذلك عدم حضور الشيخ محمد بن راشد والأميرة هيا سباق الخيل المعروف والأول في العالم من حيث الأهمية "Derby Stakes"هذا العام، وهو أمر غير عادي لكليهما. فالأميرة هيا لا تترك هذا الحدث أبداً، كما أنّ الأمر بالنسبة للشيخ محمد بن راشد لم يختلف كثيراً، فتعتبر هذه المرة الأولى منذ 28 عاماً التي لم يحضر فيها الآخر سباق الخيل هذا.

بالإضافة لوجود الشيخ محمد وحده دون زوجته الأميرة هذا العام في منتصف شهر يونيو/حزيران في سباق الخيل في " "Ascot البريطانية، الذي ترعاه العائلة الملكية الإنجليزية، وهو السباق الذي تبدأ فعالياته بعد 20 يوماً من سباق "Derby Stakes".

وتزامن عدم ظهورهما سويّة وخاصة غيابهما عن هذه الفعالية الأكثر من مهمّة نشر الشيخ محمد قصيدتين على موقعه الخاص على الانترنت واحدة باللغة العربية والآخرى بالإنجليزية، يصف فيهما خيبة أمله من حبيبته وتركها إيّاه والشجون المليء بين الأبيات. أكّدتا هاتان القصيدتان ما كان في الأمس شائعات حتى تجاوز الأمر اليوم المشاكل الأسرية بين زوجين لتؤول إلى أزمات سياسية بين دول.

يبدو أنّ الأميرة هيا كانت تعاني هي أيضاً بأكثر منه بكثير من خيبات الأمل وبمدّة أطول بعض الشيء. فانعزلت كثيراً عن الأضواء وحتى الكترونياً، حيث كان آخر منشور لها في 7 فبراير/شباط صورة مع أبيها الملك المرحوم حسين، كتبت فيه الأميرة حجم فقدانها والدها بالإضافة إلى منشور آخر تحديداً على الفيس بوك قصيدة باللغة الإنجليزية "عندما تسقط الأشجار الرائعة" إن صحّت الترجمة، للشاعرة الأمريكية "مارجريت آن جونسون" المشهورة تحت إسم "مايا أنجيلو" والتي تملؤها خيبات الأمل وكثرة الألم والإحساس بالوحدة والتجاهل، وذكرت أيضاَ أنه بموت الأرواح العظيمة يمكن بداية حياة أخرى جديدة.

لا أظنّ اختيار الأميرة لهذه الأبيات جاء محضاً للصدفة في ظلّ الظروف التي تبيّن الآن من خلالها حجم الضغط التي عانته حتى اختارت هذا الخيار الأسوء والأكثر إيلاماً.

إعلان زواج الأميرة هيا البالغة من العمر آن ذاك 29 عام في 10 أبريل/نيسان 2004م، من الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم 55 عاماً فاجأ الشارع الأردني والعربي في آن.

درست الأميرة هيا العلوم السياسية والفلسفة والاقتصاد في أكسفورد، وفي عام 2000م شاركت في الألعاب الأولمبية في سيدني فكانت أول أردنية وعربية تتأهل لمسابقة الفروسية وأول أردنية ترفع علم الأردن في حفل افتتاح دورة سيدني الأولمبية لعام 2000م، وكُرّمت في أولمبياد بكين 2008م بحمل الشعلة مرة أخرى.

هذه الأميرة الشابة نادرة الجمال بين أميرات العالم، الهاشمية الفارسة الأكاديمية من الطراز الرفيع تزوجت شيخاً بكل ما تحمل الكلمة من معنى، عمره آنذاك 55 عام ولديه 30 طفلا من ست نساء.

فكيف بالله سينتهي مثل هذا الزواج؟

تساؤلات كثيرة حول عدم إقامة الأميرة هيا في الأردن في ظلّ مملكة أخيها وأسرتها واختيارها بلد أوروبي وتقديم اللجوء فيه. ما هو حجم الشائعات التي تقول أنّها تعمّدت عدم العودة إلى الأردن لتجنيب المملكة الحرج واحتمالية نشوب أزمة سياسية مع دولة الإمارت؟ هل اختيار الأميرة ألمانيا بلد للإقامة لكي تتمكّن من عيش حياة طبيعية، وهي التي عاشت منذ ولادتها فقط في القصور بعيدة عن العوام؟ هل هي رغبتها الجامحة كمهرتها التي تبحث عن الحريّة والبساطة بعيداً عن القصور الإماراتية وعقدها؟

الأميرة الجميلة هي وحدها التي لها الحق بالإفصاح عمّا دار في خلجها وقت قررت ترك بلد الأحلام لتطلق الفارسة لخيلها العنان ويعيش حلمه وحلمها.

 حفظ الله جميلة الأميرات، الأميرة هيا.

 

دوسلدورف/أحمد سليمان العمري

 

علي عليهناك مثل دارج أراني اليوم مجبرا على ذكره في مقالي هذا، بعد أن تحفظت كثيرا على إدراجه في مقالات سابقة، لالشيء إلا لأني أعتز كثيرا بمنبري هذا وأحرص دوما على إخراجه بأبهى مظهر وأنصع صورة، فأزينه بمفردات ممشوقة وعبارات أنيقة لسببين؛ أولهما كي أكون بمستوى الثقة التي منحني إياها قارئي. وثانيهما لأني على يقين أن القارئ يعي ماأتناوله في مقالي جيدا، لاسيما فيما يخص ساستنا ومسؤولينا في مجالس الدولة القليلة في عددها، الكثيرة في مشاكلها وتقاعسها وآثارها السلبية على البلاد وملايين العباد، ولاأظنني آتي بشيء جديد على القارئ حين أشير الى واحدة من تلك السلبيات، فهي مطروحة ومعروضة في الشارع العراقي وعلى مسمع ومرأى الجميع. لكنها رسالة تحكمني فيها المهنية وقبلها الإنسانية والوطنية.

وبعودة الى مابدأت به مقالي، فالمثل الدارج -أجلّ الله القارئ- يقول: (غنم ماشايفين..! بعرور هم ما شايفين؟!). ما ذكرني بهذا المثل معاملة السياسيين والقياديين في البلاد إزاء الإعلام والإعلاميين، وكذلك الصحافة والصحافيين. إذ يشكو الساسة دوما مما تتناوله الصحافة والإعلام فيما يخص تصريحاتهم وخطاباتهم، ونراهم يلقون اللائمة على هذا الصحفي أو ذاك الإعلامي، بل تتعدى ردود أفعالهم لتتجاوز اللوم، إذ لطالما حصلت اعتداءات على كادر إعلامي، ولطالما تعرض صحفيون إلى معاملة سيئة تصل حد الإهانة والضرب، بل والقتل أحيانا، وهو قطعا غاية الجبن وضعف النفوس.

لعلي لا أضيف شيئا أو معلومة عن الصحافة والإعلام، إن ذكرت تفاصيل مايقومان به من واجب مقدس، ينبغي على الجميع –وأولهم السياسيون- إيلاؤه جانبا كبيرا من الاهتمام، سأبث مايجيش في خاطري عن كنه الصحافة وحقيقة الإعلام، وهو حتما يجيش في خاطر القارئ أيضا، وأوجهه للمعنيين من ساستنا وقادتنا "لعلهم يتفكرون":

الإعلام.. هو سلطة الشعب الذي انتخبكم وسلطكم على حاضره ومستقبله، واختاركم كي تنصفوه حقوقه بعد أن بخسها سابقوكم.

الإعلام.. هو صوت الفقراء المغمور خلف بيوت الصفيح والطين في العراء، وتحت الجسور وفي المقابر والـ (تجاوزات) بعد أن تجاوزتم على حقوقهم ونهبتموها.

الإعلام.. هو نداء الثكالى اللائي فجعن بفلذات أكبادهن، بسبب صراع بينكم وعراك بين (زعاطيطكم).

الإعلام.. هو آهات وتأوهات كبار السن من الذين أفنوا ريعان شبابهم في مؤسسات الدولة العراقية، متأملين اتكاءهم على مرتب تقاعدي يغنيهم عن (مدة الإيد) ويعينهم على متاعب الكبر والمرض والوحدة.

الإعلام.. هو مطالبات الشبان الخريجين الذين يبحثون عن ثمرة دراستهم ومثابرتهم في (مسطر العمالة) و (چنبر الجگاير)، تاركين شهادات الدبلوم والبكلوريوس شاخصة في إطاراتها على الحائط يعلوها التراب.

الإعلام.. هو صوت تلاميذ الصفوف الابتدائية وهم يرددون: دار دور.. داران.. نار.. نور.. نيران. يرددونها حالمين بدفء النار، يرددونها وأسنانهم تصطك من زمهرير الشتاء، في صفوف تئن فيها رياح الـ (چلة) والـ (عجوز) وشباط الـ (أزرگ) إذ لا شبابيك تسترهم، ولا وسائل تدفئهم.

الإعلام ياساستنا.. هو الذي يكشف أغطيتكم النائمين تحتها منذ انتخبكم شعبكم، لعلكم تصحون قبل فوات الأوان.

الإعلام.. هو المؤسسة التي تضم من النخب من يسمو دوره على دوركم أيها الساسة، فهو يبني وأنتم تهدمون.

الإعلام.. هو ثلة من أناس حملوا أرواحهم فوق راحاتهم، لكشف حقيقة او إيصال صوت او عرض مشكلة وبحث حلولها، متحملين معارضتكم لهم ومحاربتكم إياهم.

الإعلام.. هو الكوكبة التي فاضت روحها وهي تؤدي مهنتها من جراء بطش قادة وظلم ساسة، سقط صنم بعضهم، وآخرون لاحقون بهم لامحالة.

 

علي علي

 

أكثر من 20 عاما وبين أضلعي أشواق حرى ليست كبقية اﻷشواق، وفي قلبي المكلوم حب جارف من طرف واحد لم يتسن لصاحبه العاشق الولهان اللقاء بحبيبته المحاطة بأسوار عالية وأسلاك شائكة تارة، وبفيافي وقفار وكلاب مسعورة تارة أخرى، والسؤال الذي ألقى بظلاله على عقلي وجوارحي طيلة الفترة الماضية ومازال يؤرقني ترى هل سيلتقي -روميو- الحاضر بجولييت الماضي ..عنتر المدينة بعبلة الصحراء ..قيس الواقع بليلى الخيال؟!

مهلا،ﻻ تتعجلوا، أرجو أن لايسرح خيالكم بعيدا ليتوهم حبيبين إنسيين إثنين فرق الزمان بينهما عذريا على الطريقة الرومانسية، ليس اﻷمر كذلك، أنا أتحدث هنا عن العشق - اﻷركيولوجي - الممنوع الذي تحول في العراق الى صِدام زعامات، صراع أيدولوجيات، إزالة معالم، محو هويات، نزاع إرادات حتى بات أحد طرفي المعادلة هائما يبكي كطرفة بن العبد وأمرؤ القيس على اﻷطلال، فيما الثاني صار جاثما على الصدور يريد فرض حبيبته بالقوة ولوحدها على اﻷجيال ..أقول 20 عاما وأنا أحاول بشتى الطرق أن أطوف كإبن بطوطة في أرجاء بلدي متنوع الثقافات، كإبن جبير في رحاب وطني غابر الحضارات ﻷطلع على مابناه اﻷجداد وتركوه لنا من لقى ورقم ومعالم وآثار سواء أكانت محفوظة داخل المتاحف، أم في أماكنها اﻷصلية التي دنسها ويدنسها يوميا كل لص آثار تحت جنح الظلام زاحف فلم أفلح، ولكل إخفاقة حكاية ورواية فمع المتحف الوطني العراقي بمنطقة العلاوي الذي سرقت وحطمت معظم مقتنياته اﻵثارية على يد مافيات دولية محترفة بعيد الغزو الاميركي البغيض ليعاد نزر يسير منها بالتتابع وعلى فترات متباعدة - قسم ليس بالقليل منها مقلد ومصنوع من الجبس - كانت لي حكاية فبعد محاولات تلو أخرى لإجراء تحقيق صحفي بشأنه باءت كلها بالفشل وتحطمت على صخرة الروتين والبيروقراطية المقيتة - وكتابنا وكتابكم - سافرت الى الامارات بدعوة رسمية لحضور منتدى الإعلام العربي وهناك في "ابو ظبي" شاءت اﻷقدار أن يقام يومئذ معرض للاثار العراقية بعد إستعارتها من المتحف البريطاني لفترة محدودة ﻷتشرف وللمرة اﻷولى برؤية آثار بلادي - المسروقة والمهربة - والتي لم أحظ بشرف رؤيتها اﻻ على أرض محايدة !!

محاولة إجراء تحقيق ميداني عن " باب الظفرية " التأريخي وسط العاصمة بغداد إنتهى بدوره بهجوم شرس للكلاب السائبة على طاقم التصوير ما إضطرنا للهروب مسرعين قبل الوصول الى الباب وكنت أول الصحفيين عدوا وأسرعهم فرارا وﻻ أدري حتى اللحظة فيما اذا كانت تلكم الكلاب تحمي الباب اﻵثاري من المتطفلين، أم إنها تتخذه كالمحتلين لها سكنا ؟!

وبعيدا عن تفاصيل القراءات والمتابعات اليومية لملف المعالم اﻵثارية والتراثية والفلكلورية في العراق وما يكتنفها من تهريب،إهمال،عبث، تدمير، ولكن قريبا من مضمونها فبإمكاني أن أذيع سرا ﻻ أزعم إكتشافه بقدر كشفه للملأ اﻻ وهو إقحام هذا الملف الخطير في دائرة الكراهية التي زرع بذورها المحتل اﻷميركي منذ غزوه للعراق عام 2003 فلو أن كاتدرائية نوتردام على سبيل المثال والتي صدم حريقها الذي أتى عليها كليا الشعب الفرنسي وكل الشعوب الاوربية لرمزيتها الوطنية وعراقتها التأريخية وقيمتها اﻷدبية المرتبطة برائعة " أحدب نوتردام " لفيكتور هوغو، ومكانتها السياحية اذ يقصدها أكثر من 13 مليون سائح سنويا، أقول لو أن هذه التحفة المعمارية كانت في كردستان العراق مثلا فإن العرب لن يهتموا كثيرا بما ألم بها والعكس صحيح، لو أنها كانت اسلامية فإن بقية الديانات لن تهتم بها والعكس صحيح، لو أنها كانت في المناطق الغربية والشمالية السنية فإن المناطق الجنوبية الشيعية لن تعير كارثتها إهتماما قط والعكس صحيح، وهكذا دواليك لفقدان المعالم في العراق قيمتها الوطنية وبعدها الحضاري في العقل الجمعي بفعل " اركيولوجيا الكراهية "في سابقة من نوعها لم يشهد لها وادي الرافدين مثيلا قبل الاحتلال الغاشم، بخلاف المصريين الذين أهتموا بآثارهم ومعالمهم أيا كان بانيها والحقبة التي تمثلها " الفرعونية،القبطية، الاموية،الطولونية، الفاطمية،الايوبية، المملوكية البحرية،المملوكية الشركسية، العثمانية، فضلا عن عصر محمد علي وماتلاه " وكلها محط احترام وتقدير ورعاية على مستوى الحكام والمحكومين كونها ثروة وطنية وقيمة حضارية ووجهة سياحية، على النقيض مما يحدث في العراق من تجزئة للمعالم وفقا للاهواء والخلفيات الفئوية والطائفية تتباين فيها دائرة الاهتمام والرعاية بين مد وجزر إتكاءا على العصبيات ﻻ على الحضارات إضافة الى إهدار 112 مليون دولار على مشاريع ثقافية وهمية !

وقد شخصت خللا خطيرا في هذا الملف إضافة الى ما ذكرت خلاصتها :

أن كل معلم آثاري عباسي سيخيم عليه الاهمال لامحالة وربما الدعوة الى هدمه أيضا كما أشيع مؤخرا على لسان نائب في البرلمان دعا الى هدم ملوية سامراء الاثارية التي بناها الخليفة العباسي المتوكل على الله،عام 237 هـ، لتشهد أول حادثة انتحار - وربما قتل - بعد اسابيع من طابقها الرابع لشاب يدعى "عمر عباس" على خلفية مشاكل عائلية وﻻ ادري لماذا اختار- عباس - التحفة الملوية لخاتمته المأساوية، ألتشويهها، أم لتوثيق انتحاره تأريخيا مطلقا العنان بفعلته الشنعاء تلك لعشرات خلفه سيحاولون محاكاتها بعمليات انتحار مماثلة كما يحدث عند " صخرة الموت " ببيروت ؟ وسواء أطالب النائب بهدم الملوية أم لا فإن الجهة التي أشاعت الخبر تهدف الى جس نبض الشارع بشأن العبث بالمعالم الاثارية وما اكثرها تماما كالعبث والاهمال الذي طال بغداد العباسية القديمة بكرخها ورصافتها عمدا لاسهوا، لعل من أبرزها جامع الخلفاء الذي بناه الخليفة العباسي المكتفي بالله سنة 295 هـ والتي كادت منارته الشهيرة أن تسقط قبل مدة قصيرة لولا هاشتاجات الناشطين ومطالباتهم بإنقاذها، كذلك المدرسة المستنصرية التي بناها في بغداد عام 1233 الخليفة المستنصر بالله، وقد رأيت بأم عيني سكيرا عراقيا يتبول على جدارها الخارجي ﻹمتهانها فيما كان سائح اجنبي يلتقط صورا على سطحها إعجابا بها، ناهيك عن اندثار الاف المدارس والخانات والابنية العباسية العريقة حتى لم يبق لها اثر اﻻ فيما ندر، ليس الاهمال والعبث وحده من يطول الاثار العباسية بل الصراع المحتدم بشأنها ايضا كما حدث لجامع (الاصفية) الملحق بالمدرسة المستنصرية و الذي يزعم الوقف الشيعي بأنه مرقد الكليني صاحب كتاب " الكافي "، فيما يدعي الوقف السني بأنه مرقد الحارث المحاسبي، صاحب كتاب " التوهم " كل ذلك بخلاف ما يرجحه المؤرخون من أنه مرقد ﻷحد مشايخ الصوفية المولوية !

كل معلم آثاري كانت له بصمة في هزيمة الفرس والروم وصد الهجمات الصليبية تأريخيا سيتعرض للاهمال أو التدمير ﻻمحالة، كما حدث مع مملكة الحضر التي دمرت على يد ما يسمى بتنظيم داعش وتمثال ثاني ملوكها سنطروق الاول الذي اعيد بعد سرقته وتهريبه من بيروت الى بغداد بصندوق طماطة، وآثارها التي دمرها عناصر داعش بالمعاول في نيسان 2015 ومتحف الموصل الذي دمرت مقتنياته في شباط 2015 تماما كما صنع بمعالم النمرود التاريخية التي جرفت بواسطة الشفلات،علاوة على نسف المنارة الحدباء الملحقة بجامع النوري الكبير، جامع النبي يونس الذي نسفه التنظيم في تموز 2014، جامع النبي شيت الذي دمر في اليوم التالي، مثلثا بجامع النبي جرجيس الذي فجر بعد سابقيه خلال 48 ساعة!

وعلى ذات المنوال فإن كل معلم عثماني صائر الى زوال أو إهمال متعمد، قلاعا كانت أم أبنية أم حصونا أم مساجد عريقة ولعل آخرها وليس أخيرها ما حدث لجامع الاحمدية الذي بناه نائب سليمان باشا الكبيرسنة 1796م، حين انهارت احدى قبابه فلم يتدخل احد لإعادة بنائها لحين اطلاق حملة الكترونية لناشطين انتهت بتعهد السفير التركي ببغداد بإعادة ترميمها مع الجامع بعد زيارة عاجلة قام بها - جيو سياسيا - تماما كما تفعل ايران - جيو سياسيا - مع معالم تدعي نسبتها اليها في العراق وتعلن عن اعادة اعمارها وتأهيلها بين فينة واخرى، وكما يفعل الفاتيكان مع المعالم المسيحية، وما يصدق على الاحمدية يصدق على جامع الحيدر خانة الذي بناه الخليفة العباسي الناصر لدين الله، واعاد بناءه وتوسعته والي بغداد العثماني داود باشا سنة 1827م، وجامع مرجان الذي بنى مدرسته أمين الدين مرجان، وقام سليمان باشا بتوسعتها وتحويلها الى جامع كبير وكذلك " جامع الازبكية، المرادية، الفضل الكبير، الوفائية، العادلية،العثمانية، العاقولية، الاباريقي،قنبر علي،،سراج الدين، سيد سلطان علي وجامع الخفافين، واﻷخيران يشهدان نزاع ملكية مماثل لنزاع الاصفية " وغيرها الكثير فكلها تتعرض الى اهمال متعمد إنتقائي بعد إخضاعها الى - اركيولوجيا الكراهية - بإعتبار انها داخلة ضمن الصراع العثماني - الصفوي التأريخي الذي يلقي بظلاله على تفكير الطائفتين الرئيستين - السنة والشيعة - ما ينعكس على وقفيهما ايضا بفعل ضغط جمهورهما عليهما، ناهيك عن عائدات الوقفيات التي تدر ذهبا التابعة لكل معلم مذكور في قلب العاصمة، اضافة الى تغيير الهويات المناطقي التدريجي، وإن لم يعلن عنه ظاهرا بشكل سافر خشية زيادة طين التبعية والعصبية والطائفية بلة .

وخلاصة القول لاتخضعوا المعالم الاثارية، التراثية، الفلكلورية لثقافة الكراهية الانتقائية، فهي إرث حضاري قبل ان يكون تراثا إنسانيا يتحتم على الجميع المحافظة عليها والحيلولة من دون العبث بها، والكف عن ترديد عبارة " إنها مجرد حجر في بلد هلك فيه البشر والشجر " ﻷنها مقولة حق اريد بها باطل، وهذه العبارة عادة ما تصاغ فئويا وتقال للتقليل من شأن المعالم التي تخص المكونات الاخرى، فيما تقلب الدنيا عاليها واطيها ان عبث بمعلم يخص المنتقدين أنفسهم، والكف عن ترديد عبارة " أتركوا اثارنا تُهرب ليحافظ عليها الاجانب في متاحفهم ﻷنها ان بقيت هاهنا فسيطالها الخراب والتدمير " فهذا مرادهم لإفراغ العراق من كل جميل وأصيل، والابقاء على كل قبيح ودخيل مكانه، كما ان حماية المواقع الاثارية من عبث العابثين، وملاحقة لصوص الاثار ومهربيها والتثقيف بالمحافظة عليها والسعي الحثيث لإستعادة ماهرب منها، وعدم التفريق بين المعالم بناء على "أركيولوجيا الكراهية" واجب وطني واخلاقي لايقتصر على الجهات الحكومية فحسب وانما هي مسؤولية مشتركة بين الجميع كل بحسب موقعه واختصاصه وما أفلح قوم ضيعوا جذورهم كما ضيعوا بلادهم طائفيا وانتقائيا .

 

أحمد الحاج

 

عبد الرضا حمد جاسممقدمة: هذا الجزء في غالبه بخصوص العلاقة بين شكل نظام الحكم والانتحار.. .اشعر إني لم أتمكن من اعطائه حقه والسبب كما اتصور ان حالات الانتحار في تزايد في كل المجتمعات والدول باختلاف نُظم الحكم والموقع الجغرافي والحالة الاقتصادية والدين والعرق والمساحة وعدد السكان والتطور العلمي/الاجتماعي. عليه أتمنى ان يأخذ هذا الجانب اهتمام القراء الكرام لإضافة المفيد لنستفيد جميعاً. وشكراً.

لا يمكن ان نُبْعِدْ هذا الجزء من العنوان "في الزمن الديمقراطي" عن المقطع الأول من المقالة حيث كتب أ. د قاسم حسين صالح التالي: [ان يعيش شعب تحت حكم دكتاتوري جاء بانقلاب عسكري يكون فيه الفرد عاجزا عن تغيير حاله، فان اقدامه على الانتحار مسألة فيها نظر، لكن أن تتضاعف اعداده في زمن ديمقراطي جاء بحاكم في انتخابات حرة فتلك مفارقة ما حدثت الا في العراق!] انتهى

تكلمتُ في الجزء السابق عن: "تضاعف" "تضاعفت" "تتضاعف" "مضاعفة" وبينتُ فيه بوضوح خطأ هذا الطرح والان أتكلم عن "الزمن الديمقراطي" وعلاقته بالانتحار وزيادة حالات الانتحار وتضاعف حالات الانتحار وقول "فتلك مفارقة ما حصلت الا في العراق"!!!!!!!!

 ان "حشر" "الزمن الديمقراطي" يفتح المجال للكلام عن كيفية الكتابة عن الانتحار و"حشر" الأمور التي قد تُبْعِدْ عن الغرض الأساسي الذي هو كما افهم بيان هذه الحالة "الانتحار" او تسليط الضوء عليها بغرض تقديم الفائدة لبيان حجمها و محاولة دراسة بعض أسبابها بأمل المساهمة في معالجة ما يمكن معالجته منها، ويمكن القول ان هذا الطرح "الحشر" هو جزء من عملية "تسييس" او محاولة "تسييس" الموضوع ان صح القول بقصد او دون قصد، أي "تسييس" موضوع اجتماعي وبذلك نخرج عن الطريق الصحيح كما اعتقد لدراسة حالة او موضوع اجتماعي مع معرفتي ويقيني ان لنظام الحكم تأثير بهذا الشكل او ذاك على حالة المجتمع وأحوال الجماعة...

افهم ان للسياسة تأثير على "الانتحار" لكن لا اعتقد  ان للانتحار تأثير على السياسة، هو موجود و"قائم" و الحال السياسي ايضاً قائم و الكلام عنه لا ينفع لان المتكلم مهما كان موقعه لا تأثير له على الوضع السياسي، وقد يُفَسَرْ ذلك على ان المختص بعلم النفس و المجتمع يقول فلنترك الانتحار و نعمل على تغيير النظام السياسي او نترك الانتحار الى حين تغيير النظام السياسي...و هنا كما اعتقد إشكالية ستضع الباحث الاجتماعي في تصادم مع وضع سياسي قائم سواء كان هذا النظام وفق "وطن حرٌ..." أو" امة عربية..." أو "الإسلام هو الحل..."او "ممهدون..." حيث جميع النُظم تقول و تدعي انها لخدمة الانسان و تحسين اوضاعه...وتأكيداً على النفس السياسي الذي حاول بقصد او بدون قصد أ. د قاسم حسين صالح ربط موضوع لانتحار به وبذلك يكون من ضمن القلة التي زجت بشكل نظام الحكم في هذه المشكلة /الحالة الاجتماعية النفسية...طبعاً حسب اطلاعي المحدود...اليكم ما كتبه بعد ذلك بزمن ليس بالقصير حيث كتب عن الموضوع بصورة أوضح او أكثر تحزباً أن صح القول و اعتذر على هذا القول وذلك في مقالته: [المرجعية الموقرة مع التحية: ما هكذا تحلل وتعالج مصائب الناس] بتاريخ 20/05/2019 ...اي بعد سنة واحدة و تسعة اشهر و (12) يوم تقريباً نشر خلالها عدة مقالات عن الانتحار... الرابط

http://www.almothaqaf.com/a/aqlam2019/936996

كتب التالي: [ان الدور الرئيس في حصول ظواهر سلبية في اي مجتمع كان هو نوعية النظام السياسي. ولك ان تقارن ما حصل للإنسان العراقي في زمن حكومات المحاصصة والنظام الدكتاتوري والأنظمة الجمهورية الخمسة والنظام الملكي. لتصل الى نتيجة بأن كثرة حالات الانتحار والطلاق (الذي وصفته المرجعية بانه ارهاب آخر)، وشيوع تعاطي المخدرات، وتعرّض الضمير الأخلاقي لضربات موجعة، والألحاد الناجم عن التطرف الديني، وتحول الفساد من فعل كان يعدّ خزيا الى شطارة. هي، في قناعة أغلب العراقيين، حصيلة حكم احزاب محسوبة على المرجعية بما فيها قائمة (555) التي دعمتها ثم تخلت عنها. وأن ما تؤاخذ عليه المرجعية هو انها خبرت كل المواقف. من النصح الهادئ للسياسيين، الى بح الصوت، الى الابتعاد عن السياسة وفواجع الناس، الى الرجوع اليها والتعاطف معها. الا موقفا واحدا هو الانتصار للشعب بفعل صريح يخيف السياسيين. بدونه تبقى مصائب الناس تزداد سوءا. مع وافر التقدير والاحترام] انتهى.

تعليق: طرح مرتبك غير مترابط يُسيس الموضوع ويزج ب(555) ويعود بنا الى قرن من الزمان حيث تشكيل العراق والحكم الملكي وخلط للأمور فالإلحاد في العراق ناتج عن التطرف الديني حسب أ. د قاسم حسين صالح، لكن ما هو سبب انتشار الالحاد في بلد العلمانية فرنسا والدول الديمقراطية الأخرى؟ هل هو التعصب الديني ايضاً؟ وتهداد نظم الحكم في العراق دليل على ان الانتحار جاري في كل اشكال نُظم الحكم.

أعرف ان زج هذا الموضوع من قبلي سيبعدنا بعض الشيء عن موضوع الانتحار لكنه لا يُخرجنا عن المجتمع، واود ان أقول للأستاذ قاسم حسين صالح متى كانت الامراض/الحالات/المشاكل الاجتماعية تُحسم بفتوى من مرجعية دينية...ان الفساد ينخر كل المرجعيات بما فيها المرجعيات الدينية والسياسية وما مشاريعها الا دليل على هذا وذاك. ثم كل العالم يعرف ان انتشار الفساد والمخدرات وكل اشكال الانحراف يكون او كان وسيكون في كل المجتمعات باختلاف نُظم الحكم وامامك الولايات المتحدة الامريكية ودول الغرب الديمقراطي حيث ينتشر الالحاد والانحراف الجنسي والمخدرات وكل اشكال الانحراف والفساد في اغلب المستويات العمرية والاقتصادية والمواقع السياسية وحتى السيادية وفي كل او اغلب المنظمات والجمعيات من اللجنة الأولمبية الدولية الى الاتحادات الدولية الى المنظمات الاقتصادية الكبرى الى البرلمانات وغيرها...والحديث طويل ومتشعب. والفساد في العراق كما اعرف ان أ. د قاسم حسين صالح يعرف ليس بجديد، يعني ليس في "الزمن الديمقراطي" لكنه فيه "تطور بقفزات

نوعية" فمن عاش سنوات الحصار يعرف جذور الفساد والإفساد وحتى قبل الحصار، لكن الفرق هو ان الحالي مكشوف ويُنشر ويُعلن وسابقاً كان ممنوع التطرق اليه حتى همساً.

سيكون ردي على "الزمن الديمقراطي" و "الزمن الدكتاتوري" من كتابات أ. د قاسم حسين صالح نفسه لكن قبل ذلك هناك ما يستدعي ان أقول رأي  في موضوع الدكتاتورية حيث اعتقد ان ربط الانتحار ب"الدكتاتورية" و "الانقلاب العسكري" و"الزمن الديمقراطي" هنا غير دقيق، لقد بينت بعض الشيء عن نظام الحكم هنا وفي الجزء السابق والمتمم له هنا هو ان "الدكتاتورية" لا أقول انها تُحَّرِمْ/تَمنع الانتحار لكن اعتقد ان الانتحار قد يُفسر في النظام الدكتاتوري على انه شكل من اشكال الاعتراض على النظام يستوجب التحقيق فيه مع عائلة المنتحر مما قد يثير لها المتاعب مع السلطة او المجتمع حيث ستظهر اشاعات كثيرة تُزعج اهل المنتحر.

اطرح السؤال العام التالي: ما علاقة " الحكم الدكتاتوري" و"الزمن الديمقراطي" بل ما علاقة " الدكتاتورية والديمقراطية" بموضوع الانتحار؟ .ان الكثير من المعلومات التي يتحفنا بها "غوغل" تؤكد ان معدلات الانتحار في "شتى نُظم الحُكم" "الدكتاتورية و الديمقراطية و ما بينهما" مرتفعة و متصاعدة وربما أن اعلى معدلات الانتحار وقعت وتقع و"ستقع ربما" في بلدان النُظم الديمقراطية، ربما لأن النظم الدكتاتورية تمنع تداول ارقام الانتحار وكما اسلفت تعتبره نوع من الاعتراض السياسي،

اليكم مما كتبه أ. د قاسم حسين صالح في مقالته: [الانتحار...حوادثه وأساطير عنه و حقائق..-القسم الأول] 12/06/2007 ] ...الرابط

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=99464

أولاً: [...ما متوفر من إحصاءات يشير إلى أن عدد المنتحرين في أمريكا يكون سنوياً بين (25.000 إلى 60.000) وما لا يقل عن (200.000) محاولة انتحار فاشلة (Epstein , 1974) وهناك إحصائية أحدث تشير إلى مليوني أمريكي يحاولون الانتحار سنوياً (Bootzin , Acocella , 1984) ، وأن الانتحار يعد الآن في أمريكا أكثر الأسباب المؤدية إلى الموت .وحسب الإحصاءات التي ذكرها ، الدباغ ، فان أعلى نسبة للانتحار في العالم هي في السويد والدانمارك وهنغاريا وفنلندة (الدباغ ، 1986 ، ص178)، فيما تذكر إحصائية منظمة الصحة العالمية بان ألف شخص ينتحرون كل يوم في العالم. وتشير إحصاءات أحدث إلى أن حوالي (30) ألف يقدمون على إنهاء حياتهم سنويا في الولايات المتحدة. وأن أعلى نسبة للانتحار هي في هنغاريا إذ تصل إلى (9،32) لكل مائة ألف (ثلاث مرات ما يحدث في أمريكا). تليها الصين وعدد من دول آسيا وأوربا الشرقية. فيما يعد الانتحار السبب التاسع للموت في أمريكا] انتهى.

- تعليق:

*الأستاذ قاسم حسين صالح ينشر في عام 2007 أرقام منُشورة في عام 1974 و1984 و1986 وهذا خلل كما اعتقد يمكن ان يدفع لسؤال قد يكون مغرض وهو لماذا؟ او اين الدقة والمتابعة اللازمة او الواجب توفرها في مقالات المختصين عندما يتصدون لتسليط الأضواء على حالة اجتماعية يقولون عن تفاقمها، فما قيمة تلك المعلومات التي كانت من قبل ما يقرب اكثر من ربع قرن من الزمان؟ والأستاذ الفاضل على تواصل مع منظمات وجمعيات عربية وعالمية تهتم بمثل هذه الأمور. والملفت هنا ان هذا المقطع ورود فيه الغريب التالي:

أولاً:" وأن الانتحار يعد الآن في أمريكا أكثر الأسباب المؤدية إلى الموت".

 ثانياً:" فيما يعد الانتحار السبب التاسع للموت في أمريكا".

كيف يُفسر لنا الأستاذ قاسم حسين صالح هذا؟

 على كل حال ولدعم تلك الأرقام "ارقام السبعينات والثمانينات من القرن الماضي" وتحديثها نوعما انقل لكم التالي واكيد هناك ما هو أحدث منها اليوم: اليكم من "غوغل وهو أحد المصادر التي اعتمدها الأستاذ قاسم":

@1- تحت عنوان [الخيار الصعب / معدلات الانتحار تراجعت...والاقبال على طلب المساعدة تزايد] نشرت (سويسرا انفو) بتاريخ 10/09/2013 بقلم كلير أوديا التالي:

https://www.swissinfo.ch/ara/society/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B9%D8%A8_%D9%85%D8%B9%D8%AF%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%B1-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9%D8%AA---%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%82%D8%A8%D8%A7%D9%84-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B7%D9%84%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D8%AA%D8%B2%D8%A7%D9%8A%D8%AF/36717392

[انخفضت معدّلات الانتحار في سويسرا على مدى العقديْن الماضيين لتقترب من المعدّل المتوسط في أوروبا، بعد أن كان هذا البلد يحتلّ رأس القائمة السوداء في هذه القارة. وانخفضت نسبة الانتحار في البلد بين عامي 1991 و2011 من 20.7 حالة بالنسبة لكل 100.000 نسمة إلى 11.2 لنفس العدد] انتهى

2 - استحداث وزارة "انتحار" في بريطانيا /10.10.201

https://ar.rt.com/kwq0 

باسم وزارة منع الانتحار في محاولة لخفض حالات الانتحار في البلاد...أن حوالي 4500 شخص ينتحرون في بريطانيا كل عام والانتحار هو السبب الرئيس في موت من تقل أعمارهم عن 45 عاماً] انتهى

3- كما ذكرتُ في السابقات ان معدل الانتحار السنوي في فرنسا وصل الى أكثر من (8800) حالة.

عليه ان أكبر بلدان الديمقراطية: الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا وسويسرا من أكثر دول العالم في معدلات حالات الانتحار.

 4- ولمزيد من الفائدة اليكم الرابط التالي:

http://www.bbc.com/arabic/scienceandtech/2015/09/150929_teenage_suicide

ثانياً: في نفس المقال كتب أ. د قاسم حسين صالح التالي: [غير أن الحروب الثلاثة الأخيرة (من عام 1980 إلى عام 2003) التي شهدها العراق، كانت سببا" رئيسا" في زيادة نسبة الانتحار بين العراقيين] انتهى.

#تعليق: هنا أ. د قاسم حسين صالح ربما لأول مرة يتكلم او يشير الى زيادة الانتحار في "زمن الدكتاتورية" يمكن ان يُفسر هذا القول ان أ. د قاسم حسين صالح لا يتهم "الدكتاتورية" انما يضع اللوم على الحروب... وهذا يعني ان لا تأثير للبطالة الهائلة في زمن الحروب وليس للجانب الاقتصادي المنهار وليس للضغط السياسي...لو أضاف لل "حروب" بعض الكلمات/العبارات من قبيل "وما رافقها" او "وما نتج عنها" لكان يمكن ان يتوسع، هذا يعني انها الحرب وليس الدكتاتورية وحتى لا يقول أحد ان الحرب سببها الدكتاتور أقول ان هناك دكتاتوريات بلا حروب.

ثالثاً: وكتب ايضاً: [ويبدو إن الانتحار يشمل مختلف الأعمار، بدءاً من الأطفال إلى الناس المسنين. غير إن اعلى نسبة له تكون بين الخامسة والستين والخامسة والثمانين من العمر وحدوثه في الرجال هو ثلاثة أضعاف حدوثه في النساء، بينما غالبية الذين يحاولون الانتحار هم من النساء] انتهى

#تعليق: يُفضل تحديد العمر ف"الأطفال" مفتوح...لكن اعتقد ان أ. د قاسم يعني غير البالغين او الاحداث أو المراهقين وهو يشكل مشكلة لبعض البلدان. اما حصر القول " غير إن اعلى نسبة له تكون بين الخامسة والستين والخامسة والثمانين" لا اعرف اين وجد أ. د قاسم حسين صالح هذه المعلومة بهذه الصيغة من التعميم، نعرف او هكذا ان هذه الاعمار لا تشكل نسبة عالية من التركيب السكاني للمجتمعات حتى في البلدان قليلة الولادات...قد يكون ان النسبة العليا من الموت في هذه الاعمار يعود للانتحار !!ربما!!...هذا يستحق توضيح من أ. د قاسم حسين صالح كون النص ورد في مقالة له دون ربط ذلك النص بمصدر معين يمكن الرجوع اليه...

رابعاً: وكتب ايضاً في نفس المقالة: [وبالرغم من أن جهوداً كبيرة بذلت لتحديد نمط الشخصية المنتحرة، إلا أنها ما كانت بذي جدوى. فقد حاول (Farberow & Shneidman , 1970) في دراستهما المتمعنة للمنتحرين، استنتاج أنماط الأسباب التي يمكن أن تقود الناس إلى قتل أنفسهم، فوجدا أن النمط الأول هو التفكير المصوّر (Catalogic) الذي يكون أساساً، يائساً وتدميرياً. إذ يشعر الأفراد الذين ينضوون تحت هذه الفئة بالوحدة أو العزلة، والعجز، والخوف الشامل، والتشاؤم المفرط من العلاقات الشخصية. أما النمط الثاني، وهو على الضد من النمط الأول، فقد أطلقا عليه مصطلح النمط المنطقي (Logical) حيث تكون الأفكار في هذه الحالة معقولة. فالشخص قد يكون أرملا ويعيش في عزلة اجتماعية، أو يعاني من آلام جسمية كبيرة بسبب أصابته بأمراض مزمنة. وقد يبدو الموت لمثل هؤلاء الأشخاص، تحريراً من الآلام والأعباء النفسية والجسدية. وقد أطلق شنيدمان وفاربيرو على نمط ثالث من الانتحار مصطلح " التفكير الملوث Contaminatal " ينضوي تحته الأفراد الذين تمكنهم معتقداتهم من تصوير الانتحار على إنه انتقال إلى حياة أفضل، أو وسيلة لحفظ ماء الوجه. أما النمط الرابع والأخير في التفكير الانتحاري فهو الأستحثاثي (Paleologic). فالفرد هنا يكون منقاداً من قبل أوهام وهلاوس تستحثه على فعل معين. فالشخص هنا قد يسمع أصواتاً تتهمه بارتكاب أفعال مخجلة، وتدعوه إلى أن ينتحر، وهذا ما يحصل لدى الكثير من الذهانيين] انتهى.

- تعليق: كل النقاط أعلاه وبالذات ما ورد في نقطة رقم (4) حول نمط الشخصية المنتحرة، تفند الكثير مما طُرِح عن أسباب الانتحار

خامساً: أقوال غريبة من نفس المقالة: لابد ان نطلع على بعض الاقوال الغريبة التي وردت لنكون في صورة ولو بسيطة /عابرة عن كيفية تناول الانتحار من قبل بعض الكُتاب و أ. د قاسم حسين صالح مثالاً لكثرة ما كتب عن الموضوع ولموقعه العلمي والوظيفي والصحفي والسياسي/الاجتماعي القريب والمهتم بالموضوع ...اليكم بعض الاقوال الغريبة من نفس المقالة أعلاه:

*[وأن الانتحار ليس مرضاً يصيب الأغنياء فقط، ولا وباءً يصيب الفقراء فقط. إنه " ديمقراطي! " يكاد يتوزع بالتساوي على جميع الناس. كما أن الدراسات تشير إلى أنه بالرغم من أن المنتحرين تعساء، ولكنهم ليسوا مرضى عقلياً بالضرورة. وقد تندهش أيها القارئ الكريم، إذا علمت بأن أكثر حالات الانتحار وقوعاً هي بين الأطباء النفسانيين، والأطباء، والمحامين وعلماء النفس!!!] انتهى

 في هذا المقطع هناك ثلاث عبارات غريبة تدل على بعض عدم الدقة والعبارات هي:

1- [إن الانتحار ليس مرض يصيب الأغنياء فقط ولا وباء يصيب الفقراء فقط. انه ديمقراطي يكاد يتوزع بالتساوي على جميع الناس] انتهى.

تعليق: نأخذ من هذا المقطع فقط "ديمقراطي" و" يكاد يتوزع بالتساوي على جميع الناس"...هذا يرد على استغراب الأستاذ الفاضل قاسم حسين صالح حول "الزمن الديمقراطي" وكذلك يؤيد ما ذهبتُ اليه "نقلته" من ان الانتحار يحصل في كل المجتمعات والدول وهو هنا يتجاوز موضوع الفقر والبطالة التي/الذي يؤكد عليهما أ. د قاسم حسين صالح في كل كتاباته. لكن الأهم انه لا يوجد من يقول او قال كما قال أ. د قاسم حسين صالح من انه "يتوزع بالتساوي على جميع الناس"!!!

2- [ كما أن الدراسات تشير إلى أنه بالرغم من أن المنتحرين تعساء، ولكنهم ليسوا مرضى عقلياً] انتهى

تعليق: المنتحرين هم من نفذوا عملية الانتحار ونجحوا أي اموات كيف عرف الدكتور انهم تعساء؟ أنا اعرف قصد أ. د قاسم حسين صالح لكن الصياغة الدقيقة مطلوبة لأن مثل هذه الصياغات تعكس حال معين وقد تُفسر ان الكاتب لا يعرف ما يقول ولا يراجع ما يكتب او انه ينقل دون تدقيق...من قال ان "المنتحرين تُعساء"؟ ومن قال انهم مرضى عقليين حتى يقول الأستاذ ان الدراسات "تُشير"؟

3- [وقد تندهش أيها القارئ الكريم، إذا علمت بأن أكثر حالات الانتحار وقوعاً هي بين الأطباء النفسانيين، والأطباء، والمحامين وعلماء النفس!!!] انتهى

تعليق: هذا تصريح خطير لم تُدْرَكْ خطورته على ما يبدو وابسط ما يُقال عنه انه "ملفت للنظر" له معاني كبيرة وكثيرة تنسحب على العلم والبحث والدراسات والباحث الدارس المتخصص. وهو طرح يضع علامات استفهام لا تنتهي. استغرب هذا الطرح ولن اصدقه مطلقاً وأقف محتاراً ومذهولاً أمامه واتعجب للسببين:

1- صياغة العبارة الغريبة "أكثر حالات الانتحار وقوعاً...الخ"" نعم هناك منتحرين من بين هؤلاء حالهم حال كل شرائح المجتمع في كل مجتمع وكل نظام حكم، لكن ليس "أكثر حالات الانتحار" فلو تم إحصاء عددهم على فرض في العراق يمكن ان نجد انه لا يشكل رقم يمكن كتابته امام معدلات لانتحار وهذا ينطبق على كل السنين والمناطق والمجتمعات. صحيح أن ضجيج انتحار واحد من هؤلاء عالي لكنه في الإحصاء ليس سوى رقم يُضاف الى ارقام.

2- إن هذه الصياغة تدحض الكثير مما كُتِبَ عن أسباب الانتحار من (بطالة وكآبة وفقر وخذلان...) وغيرها من الأمور الجاهزة التي وردت في كل المقالات التي تكلمت عن الانتحار في العراق وهو دليل على "القطع واللصق"" أي عدم التحليل والدراسة.

موضوع الانتحار موضوع مهم يجب توخي الحذر في تداوله والكتابة عنه ويجب التعامل معه بدقة سواء في التعبير والارقام والنقل "اللصق" ولو ان الدقة مطلوبة في كل بحث أو دراسة وحتى في المقالات.

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

نادية المحمداويالفبركة: مفهوم الفبركة، أو اختلاق أحداث وهمية كاذبة، يتم ابتكارها وتسويقها بذكاء عبر إعلام الدولة، من أجل صرف أنظار الناس عن أحداث حقيقية أخرى وقعت فعلا وتتطلب سمعة ومصلحة الدولة إخفائها والحد من تأثيرها أو منع تداولها بين الناس بواسطة البديل المفبرك الكاذب، هو فن أبدعت في صناعته مخابرات الدول منذ البدايات الأولى تشكيل الدول عبر التاريخ، والدول في المحصلة هي أول من جاءت بهذا المفهوم إلى الوجود...

إنه خداع سياسي ماكر غالبا ما ينطلي على الجميع ولا يفطن إلى زيفه أحد إلا بعد أن يحقق هدفه كاملا كأنه حقيقة لا مناص من تصديقها والتفاعل معها...

إنها فعل مخابراتي كانت تحتكره الدولة لوحدها كوسيلة من الوسائل المتاحة لحماية أمنها وسلامة جيوشها وسمعة قصورها، ويقوم الطابور الخامس المنتشر خلف الحدود أو بين صفوف العدو أو في أوساط المواطنين بنشر ألإشاعاته المزعومة والترويج لها بطرق ماكرة ظلت تتطور مع مرور الوقت ومع تطور وسائل الاتصال حتى أصبحت الآن ممارسة شائعة الانتشار لا يقتصر التعاطي بها على الدول ومخابراتها فقط بل تجاوزت احتكار الدولة لها ووصلت إلى متناول أيدي الجماعات والعصابات والمنظمات الإرهابية ثم أصبحت أخير في متناول أيدي الأفراد أيضا، بفضل وسائل الاتصال والتقنية الحديثة... 

المخابرات الدولية نفسها وقعت في كثير من الأحيان ضحية لمثل هذا النوع من التظليل وانطلت عليها فبركات العصابات والمنظمات الإرهابية ومافيات المخدرات وغسيل الأموال والاتجار بالبشر والخ...

ولعل من جدير بالذكر هنا، التطرق إلى الخدعة التي قام بها الإرهابي العراقي الداعشي الشهير (شاكر وهيب) المطلوب الأول بعد أبي بكر البغدادي للمخابرات الدولية وفي المقدمة منها الأمريكية والعراقية...

شاكر وهيب كان محاصرا في الانبار قبل تحريرها من سيطرة داعش بأيام، وخلايا الاستخبارات في الجيش العراقي تكثف البحث عنه ورصدت مكافأة مالية لمن يدلي بمعلومات تؤدي الى قتله أو اعتقاله، الدائرة تضيق عليه في الانبار، لكن الإعلام الحربي لداعش فاجأ الجميع بإعلان مقتل شاكر وهيب ونشر صورا له مقتولا ومضرجا بالدماء وملامح وجهه البارزة وزيه العسكري المعتاد في الصور تؤكدان بلا شك أن الصورة تعود للإرهابي شاكر وهيب فتورطت المخابرات والدولة العراقية والجيش الأمريكي وأعلنوا في بيان أمني تمكنهم من قتل شاكر وهيب لأمر الذي أدى إلى كف الملاحقة والمراقبة عنه باعتباره أصبح حينها ميتا، وأتاح له الفرصة بالانسحاب من الانبار الى الموصل ليعلن من هناك تكذيب خبر مقتله، وأحرج بذلك المخابرات العراقية والجيش الأمريكي أصاب عصفورين بحجر واحد...

على الصعيد نفسه شهد الواقع الأدبي والفني والرياضي تناقل أخبار مفبركة غرد بها في موقع تويتر وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي أدباء وكتاب وفنانون ورياضيون منسيون خَفَتَ بريقُ نجوميتهم وانفض من حولهم جمهورهم، من أجل شد انتباه هذا الجمهور إليهم من جديد ولو مؤقتا لأجل إطالة عمر نجوميتهم...

الفنانة أليسا على سبيل المثال لا الحصر، أعلنت منذ فترة عن مرضها ودخولها المستشفى لإجراء فحوصات عاجلة وأوحت نبرة الحزن والأسف في تصريحها وصوتها، بأنها ربما تكون مصابة بمرض خطير يدعو للقلق على حياتها فتصاعدت حمى التغريدات على موقع تويتر بمئات الآلاف وكان الجميع يعربون عن قلقهم  على مستقبلها الصحي ويتعاطفون معها لكنها بعد أن استثمرت الضجة أكدت من جديد أنها كانت تعاني من عارض صحي بسيط وغادرت المستشفى بعد العلاج وحسب إرشادات الطبيب، مثل هذا الإيحاء بالمرض أوحت به أيضا الفنانة هيفاء وهبي لجمهورها ولنفس السبب...

لعل اغرب خدعة في هذا السياق حصلت مع معارض عراقي لاجئ في بيروت أيام حكم صدام حسين شاهد بين الصحف المعروضة على الرصيف جريدة تحمل عنوانا رئيسيا عريضا يقول (انقلاب عسكري في بغداد) الأمر يعنيه كثيرا فسارع بشراء الجريدة وهرول الى اقرب مقهى وجلس يبحث عن تفاصل العنوان وبعد جهد عثر على تفاصيل الخبر تقول: (تعرض سائق دراجة عسكرية في احد شوارع بغداد الى حادث انقلاب دراجته وأصيب بكسر في ساقه نقل على أثره إلى المستشفى).

 

نادية المحمداوي

 

امجد الدهاماتالأحزاب هي الوليد الشرعي للديمقراطية فلا يمكن وصف بلدٍ ما بأنه ديمقراطي إذ لم تكن فيه أحزاب، ومن الطبيعي أن تتنافس الأحزاب فيما بينها للوصول إلى السلطة لتحقيق برامجها الانتخابية، وبالعادة عندما يفوز حزب أو تحالف أحزاب بالانتخابات فأنها تشكل الحكومة لتتولى الأحزاب الخاسرة مهمة المعارضة لها، وهذه المعارضة مهمة وضرورية جداً لدورها الحيوي في تصحيح مسار الحكومة، فلا ديمقراطية حقيقية بدون وجودها، وبالعادة تسعى المعارضة إلى تصيد أخطاء الأحزاب الحاكمة لغرض إسقاطها بكل الوسائل الدستورية والقانونية المتاحة وتشكيل حكومة بدلاً عنها، وعندها ينتهي دورها كمعارضة ويبدأ دورها كحزب سلطة، ليصبح الحزب الحاكم السابق حزب المعارضة وهكذا.

اما مصطلح (المعارضة التقويمية) فلا وجود له بالعمل السياسي، لأن عمل المعارضة ليس تصحيح مسار الحكومة وتقديم النصح لها، فالأحزاب ليست جمعيات خيرية على أية حال، أن واجبها هو استغلال الفرص لإسقاط الحكومة بواسطة الاستجوابات أو سحب الثقة، وقد تحصل الحكومة على ثقة البرلمان فتبقى بالسلطة وإذا حصل العكس تستقيل، فمثلاً لم يحجب البرلمان الياباني الثقة عن حكومة (شينزو آبي) بعد طلب قدمه الحزب الديمقراطي وثلاثة أحزاب معارضة أخرى عام (2016)، ولكن البرلمان البريطاني سحب ثقته من رئيس الوزراء (جيمس كالاهان) عام (1979)، هذه هي السياسة.

واحياناً يفوز حزب المعارضة بالانتخابات المحلية وعندها يكون دوره مزدوجاً، فهو حزب معارض للحكومة الاتحادية ولكنه حزباً حاكماً في الإقليم الذي يفوز فيه بينما الحزب الحاكم اتحادياً سيكون معارضاً في حكومة الإقليم، في المانيا فاز الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر، وهما من المعارضة، في الانتخابات المحلية التي جرت في ولاية (بادن فورتمبرج) عام (2011) على الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم فلعبا هذه الدور المزدوج.

واحياناً تجري الانتخابات البرلمانية مع المحلية في وقت واحد وعندها تُشكل الحكومتين الاتحادية والمحلية من قبِل الأحزاب الفائزة، في الانتخابات الهندية لعام (2019) فاز حزب (بهاراتيا جاناتا) والأحزاب المتحالفة معه بأغلبية مقاعد البرلمان (353 مقعد) فشكل الحكومة الاتحادية برئاسة (ناريندرا مودي)، وفي نفس الوقت فاز في برلمانات (8) ولايات فتولى الحكم فيها أيضاً، اما حزب المؤتمر الوطني وحلفائه (91 مقعد) فكان حزب المعارضة للحكومة الاتحادية، ولكنه فاز في برلمانات بعض الولايات فتولى الحكم فيها وأصبح حزب (بهاراتيا جاناتا) معارضاً في هذه الولايات.

طبعاً الحزب أو التحالف الذي يشكل الحكومة يستحوذ على جميع المقاعد الوزارية لكونها تمثل استحقاق سياسي وانتخابي له، ولكون منصب الوزير موقع سياسي يديره أحد منتسبي الحزب لتنفيذ برنامجه الانتخابي، ومن الممكن الإستعانة بأشخاص من خارج الحزب أو حتى من الحزب المعارض لشغل مقاعد وزارية، في النمسا فاز تحالف من حزبي الشعب والحرية في انتخابات عام (2017) وشكلا الحكومة برئاسة (سيباستيان كورتس) ومع ذلك تم تعيين (4) وزراء مستقلين بالحكومة، وعندما تولى الديمقراطي (باراك أوباما) منصب رئيس الولايات المتحدة أبقى الجمهوري (روبرت غيتس) وزيراً الدفاع.

اما المناصب الآخرى في هيكلية الدولة (ما دون منصب الوزير) فهي ليست من حق الأحزاب الحاكمة أو المعارضة أصلاً، أنها تخضع للتسلسل الإداري الهرمي، لأنها تمثل العمود الفقري للدولة ويشغلها خبراء تكنوقراط لا علاقة لهم بالسياسة، ولا ينبغي لها أن تتأثر بعملية المداورة وتولي الحكم بين الأحزاب بل تتمتع بالثبات والاستمرارية لبناء هيكل اداري متين وراسخ تنتقل فيه الخبرة من جيل إلى أخر بشكل طبيعي، ولهذا استمر (إدغار هوفر) بمنصب مدير مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي للفترة من (1935-1972) رغم تبدل ستة رؤساء جمهورية من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وعمل (جاك فوكار) بمنصب مستشار الشؤون الافريقية في فرنسا لمدة (18) سنة مع ثلاثة رؤساء جمهورية.

أنهم خبراء يعلمون من أجل البلد وشعبه وليس لفائدة الأحزاب.

 

أمجد الدهامات - العراق

 

عماد عليقال لي؛ وحياتك انهم يفسدون بقصد وسبق الاصرار وتعمد ويفعلون عكس ما يدعون وليس الامر من قلة الخبرة والتجربة وافرازات ما حدث طول التاريخ لما عانيناه من القمع والظلم والحيف الذي الحق بنا على ايدي الحكومات المستبدة التي جثمت على رقابنها طوال هذه العقود.. قلت ما بك اخي معصب في هذا الصباح الجميل؟ قال اي صباح وهل نحس بالوقت والفصل وهل نفرق بين النسيم والرياح السامة، هل نحن نعيش كي نشعر ونحس. قلت ليس الوضع كما تدعي يا اخي فهناك مناطق اكثر عتمة وظلما من كوردستاننا، وها انظر الى جنوب ووسط العراق سوف تترحم على هذه السلطة، قال انهم حقا يظلمون الشعب والفساد مستشري كما نحن او اكثر الا ان هناك عمق دولة وتجارب وتاريخ والقضاء وان تسيس لحدما الا انه بقي منه ما يرى الانسان ما في الافق بصيص من الامل، الا اننا كما تعلم انظر حتى التفرد والحزبية سيطرت على كافة مفاصل السلطات وفي مقدمتهم القضاء وبشكل مطبق، فهل يمكننا ان نتامل حلا في هذه الحال. هناك في العراق تعددية وان كانت فوضوية ولا يمكن ان تفرق بين السلطة والمعارضة، والموجود من التدخلات الاقليمية والعالمية بشكل فضيح، فوقفته قلت في هذا ليس لك حق ان تبالغ لان ما نحن فيه اخطر وافضع من اي منطقة اخرى، هل رايت يوما جيشا من الجيران يدخل المناطق الوسطى والجنوبية، هل سمعت طائرات دول الجوار تقصف المدنيين هناك، هل دمرت ولو بيت واحد في قرية واحدة في احدى قراهم، فقال في هذا لك الحق الا ان ما يحصل هناهو تراكمات ما هم حكمونا به من قبل وحتى ما يحصل هو تاثير وطائلة اتفاقيات السلطات السابقة مع هذه الدول المعتدية ، ولماذا لم يلغوها كي يكون لنا راي وموقف، فقلت بل انهم يدينون العملية التي تحصل بشكل اقوى وباعلى صوت من سلطتنا، فقال انهم دولة ويمكنهم ان يفعلوا اكثر مما يفعلون الا اننا تحت رحمة مصالح هذه الدول قبل التحديات الاخرى ومنها العقبات التي تضعها بغداد امامنا.

ثم قال دعنا من هذا وتعال وشاهد الفساد وما تحكمه العائلة ونحن تحررنا منذ ثلاث عقود من رجس الدكتاتورية وكان بامكاننا ان ننجح ونكون نموذجا يحتذى بنا وكانت ايديهم بعيدة عنا لمدة كافية كي ننظم انفسنا، وهم لازالوا في عقد ونيف بعد تحررهم، ولم نر عائلة واحدة او عائلتين مسيطرتين على السلطة في بغداد، على العكس من كوردستان التي تحكمه افراد عائلة او عوائل معينة والتي تجمع تحت سيطرتها كافة مقومات الحكم والسلطة والحكومة كارتونية تنظر من بعيد لرحمتهم  ولو اعلنا ان المال والقوة ومقومات الدولة تحت ايدي افراد لا تعدو اكثر من اصابع اليد، ولو رحلوا لم يبق لدى الشعب الكوردستاني اية امكانية للحكم، فانهم وضعوا ايديهم على مقدرات الشعب وعلى كل شيء دون ان يتركوا ما للحكومة من حقها، والسلطة المتنفذة الموجودة الان  هي مجموعة من اشخاص وعوائل بعيدة عن المؤسسات الكارتونية التي افرغوها من محتواها بمرور الايام من خلال الصراعات والحروب الاهلية والمنافسات الشخصية الحزبية العائلية. فهل من المعقول ان تزداد كل هذه الفسحة الكبيرة بين الفقير والغني الكوردستاني في فترة قصيرة جدا كما عشنا، وتزداد الفقير فقرا والغني غنا في نسمة قليل وبقعة صغيرة كاقليم كوردستان. فهل من المعقول ان تحكم اصحاب الشركات المرتبطين مع اصحاب النفود من العوائل على كل زمام الامور او ان المسؤلين هم اصحاب الشركات حقيقة ولهم النفوذ باموال هذا الشعب المغدور، ان السرقات التي تحصل في وضح النهار تشيب الراس يا اخي وانت نائم.

ثم هدا من روعه قليلا وقال؛ ما السبب ولماذا هكذا بعدما ضحى خيرة شبابنا في العقود الماضية بدماءهم من اجل التحرير والاستقلال، فهل قلة التجربة كما يدعي البعض ام انعدام الخبرة وتواري الشخصيات الخيرة والمخلصة عن ممكانهم المستحق بعدما لمسوا ما يحدث؟ فهل يقصدون وبتعمد وسبق الاصرار ما يجرمون بحق هذا الشعب، ام انه تحصيل حاصل لما تقترفه ايديهم من اجل مصالح مختلفة؟ وحرت من اسئلته المتكررة، وقلت فهذا ربما معلوم للكثيرين، ورغم انه يحتاج للبحوث والتمعن والتدقيق العلمي اكثر من اجل الخروج بتقييم علمي صحيح يبين كافة جوانب ما يجري وماهو الحل. انه لم يبين لنا الا ماهو المحزن ويدعنا ان لا نفتخر بما ناضلنا من اجله وضحينا عندما نلمس النتجية واضحة بين ايدينا. فقال نعم هناك من يتقصد في نشر الفساد وهذا لاسباب ربما مدفوعة الاجر او نتيجة انانية شخصية مسيطرة وعدم اتسام او امتلاك من يسيطر على السلطة على اقل نسبة من القيم العليا، او هذه نتيجة عدم وجود الرجل المناسب في المكان المناسب وما يسير هو فقط نتائج التزكية الحزبية بعيدا عن الكفاءة والامكانية والخبرة، ام هناك ايدي خارجية تريد هذا دون ان تدع ان يكون للخير اي دور ومن اجل مصالحهم فقط؟  فالفساد متفشي واصبحت آفة وطاعون ينهش الكيان الكوردستاني يوما بعد اخر دون ان نلمس اي حل ولو في المستقبل القريب. ويمكن ان نصل الى اخر احتمال وهو؛ يمكن ان ننتظر انعطافة سياسية اجتماعية تفرض اما الصح  ويصحح المسار او الخضوع للمحتل من قبل الشعب الكوردستاني لمراحل زمنية طويلة اخرى.

 

عماد علي

 

منى زيتونالرغبة في التميز هي غريزة إنسانية توجد لدى كل البشر، ترتبط بتحقيق وتقدير الذات والثقة بالنفس، كما تعد تلك الرغبة دافعًا لكثير من السلوكيات الإنسانية التي يمكن تفسيرها في ضوئها. هذا لا يعني أن تكون تلك الرغبة هي الدافع الوحيد وراء تلك السلوكيات لدى جميع من يسلكونها، فقد تتشابه السلوكات الإنسانية وتختلف الدوافع إليها، وهذا أعقد ما يخص سلوك الإنسان.

وتتعدد المجالات التي يمكن أن يكون الشخص متميزًا فيها بتعدد ميول البشر واتجاهاتهم وظروفهم وشروطهم التي تخلقها لهم بيئاتهم الصغيرة، بل ومجتمعاتهم الكبيرة أيضًا.

ورغم كونها غريزة إنسانية لا يفتقدها إنسان، ويمكن اعتبارها سرًا من أسرار التفرد الإنساني إلا أنها تتحول لدى البعض إلى هوس يؤدي بكثيرين إلى سلوكيات قد تدمرهم على أصعدة كثيرة مادية ومعنوية.

على سبيل المثال، فقد انتشرت في مجتمعاتنا حمى شراء منتجات علامات تجارية معينة باهظة الثمن حتى لو لم يكن بها أي ميزة تميز منتجاتها عن غيرها من المنتجات لعلامات أقل شهرة.

بعض من يقعون فريسة لهذه الرغبة في التميز يدّعون اقتناعهم بأن منتجات العلامات التجارية الباهظة الثمن هي الأفضل، وتستحق فرق السعر الرهيب بينها وبين منتجات العلامات الأقل شهرة، ولكن الأغلبية يدركون تمامًا أنه لا فرق أو أن الفرق لا يستحق ويعرفون أن الغرض من وراء هذا السلوك الذي يكلفهم كثيرًا ويسرق أموالهم هو الوجاهة الاجتماعية بغض النظر عن مدى قيمة السلعة.

شاهدت فيديو ذات مرة يشرح كيفية صناعة ساعة سويسرية من علامة تجارية معروفة والتي يستغرق صنعها 8 سنوات، وكيف أنها تعرض الثانية والدقيقة والساعة واليوم والشهر والفصل والسنة وتحتوي على منبه وتتألف من 1366 قطعة مركبة بطريقة معقدة جدًا وبمساحة ضيقة للغاية، والأهم أن ثمنها 2.6 مليون دولار، وقطعًا ستجد سفيهًا يشتريها، وحتى من يشتري الأقل سعرًا منها بكثير لا يخلو من سفاهة. فما الفرق الجوهري بين ساعة يد ثمنها مئات الآلاف وغيرها من الساعات من علامات تجارية راقية أقل سعرًا وشهرة؟!! هل ستحلق بي في رحلة عبر الزمن عندما أرتديها؟!

ورغم أن مشكلة شراء منتجات العلامات الشهيرة تخلق أزمات مالية كثيرة لدى متوسطي القدرة الشرائية، كما تخلق أزمات نفسية عند المتطلعين الطامحين من ضعيفي القدرة الشرائية، إلا أن تلك المشكلة أهون بكثير من غيرها؛ لأن الدافع وراء تلك السلوكيات شعوري محض، وهو ما يمثل أهمية كبيرة لمن يرغب في التعافي، فالمشاكل الإنسانية الحقيقية تكمن عندما تكون دوافع الفرد من وراء سلوكياته دوافع لا شعورية، لأنه لا يدرك الأسباب الحقيقية المؤدية لسلوكاته، فيصعب انفكاكه منها.

من ثم، فإن ما يعنيني نقاشه هنا هو سلوكات أرى أن الرغبة في التميز تقف وراءها ولا تكلف من يقوم بها شيئًا، فهي سلوكات متاحة ومجانية، ما جعلها تنتشر في كل الثقافات الفرعية في مجتمعنا، فلم تميز بين الأغنياء والفقراء، والمثقفين والجهلاء، وأعني الانضمام لجماعات أيًا كان نوعها. قد تكون الجماعة ناديًا رياضيًا أو شركة اتصالات أو جماعة/حزبًا سياسيًا، ثم ما يلي ذلك الانضمام من التعصب لتلك الجماعة. وسأعطي أمثلة من مجالات مختلفة لتوضيح الأمر.

لنبدأ بالرياضة، ولنسأل سؤالًا بسيطًا وهو: لماذا تزيد شعبية النادي الأهلي مثلًا في مصر عن غيره من الأندية حتى الأندية الكبرى؟ الإجابة المنطقية هي أنه النادي الذي يحصد بطولات أكثر رغم أن هناك فرقًا تلعب كرة أحلى، والانتماء لمشجعي النادي لا يكلف صاحبه شيئًا، وفي الوقت ذاته يمنح الفرد شعورًا بأنه من الفئة الغالبة المنتصرة، ومن هنا نشأت الشعبية، ثم صارت الشعبية سببًا في مزيد من الشعبية حين تسببت في انضمام المزيد من المشجعين، وكأن الفرد صار من حزب الأغلبية مجانًا.

فإذا ما انتقلنا إلى الكيانات الاقتصادية، ولنأخذ مثالًا بالشركات العاملة في مجال الاتصالات، -والتي لقلة عددها واتصال خدماتها بجميع المستهلكين في مصر ستكون المقارنة أوضح من أي مجال اقتصادي آخر-، فسنجد أن هناك شركتين بدأتا المنافسة في السوق المصرية. الشركة الأولى البرتقالية بنت دعايتها للتأثير على المستهلكين على أنها الأكثر انتشارًا، ولنتذكر إعلاناتها الأولى عام 1998 التي كانت تدعي أن شبكتها تصل لكل شبر في مصر حتى فوق الجبال، ولا زالت إعلاناتها حتى الآن تركز على أنها الشبكة التي تجمع الناس وتربط بينهم، فيفرح الناس بالأغاني ويرددونها لكن الشركة تحقق خسائر وتتناقص أعداد العملاء، بينما الشركة الثانية الحمراء بنت دعايتها منذ بدايتها –ولا زالت- على أنها الشبكة المميزة التي يستخدمها جميع المشاهير وأكبر الأسر وأغناها في مصر. أي أن من صنع دعاية تلك الشركة ركز على غريزة حب التميز لدى البشر. ذات مرة طلبت رقم تليفون امرأة بسيطة، فإذا بها تفتخر أن رقمها تابع لتلك الشركة الحمراء المميزة!

ثم دخلت شركة ثالثة خضراء في السوق المصري للاتصالات منذ سنوات، وبنت دعايتها على أساس أن المستهلك المصري يتعرض للإجحاف والسرقة من الشركتين الأخريتين وأنه حان وقت إنقاذه، وعليه فهي الشبكة التي تقدم خدمات وعروض كثيرة بأسعار معقولة. ورغم صحة ما ادعته تلك الشركة الخضراء فيما ركزت عليه دعايتها، وجديتها في تقديم خدمات وعروض لمستهلكيها، فإن مقارنة أرباحها وأرباح الشركة البرتقالية بالشركة الحمراء لن يكون في صالحهما، والأرقام لا تكذب.

والخلاصة، أن الشركة الحمراء قد فهمت متطلبات النفس البشرية أكثر من الشركتين الأخريتين. فإن كان بإمكان الفرد أن يكون مع الجماعة الأكثر تميزًا وبنفس التكلفة فلِم لا يكون معهم؟! هكذا يفكر كثير من البسطاء!!

وفي مجال السياسة لا مجال للمقارنة بين أعداد المنتمين للحزب الوطني في عهد مبارك وأعداد المنتمين إلى أي من الأحزاب الأخرى بما فيها الوفد الذي كان حزب الأغلبية يوم أن كان حزب الحكومة، فالناس دومًا مع الغالب، وقليلون فقط من تحركهم المبادئ، فيظلون أوفياء لمبادئهم، إن صح أن يُقال إن في السياسة مبادئ.

والآن لننتقل إلى أهم الميادين، وهو ميدان الجماعات الدينية، لنرى أن الرغبة في التميز تفسر انضمام كثيرين إلى الجماعات الدينية بينما يكون سلوكهم متنافي تمامًا مع الدين، مما يجعل خبر انضمامهم لتلك الجماعات صدمة بكل المقاييس لمن يعرفونهم عن قرب، ولكنهم لا يدركون الدافع الحقيقي وراء هذا السلوك المستغرب من هؤلاء، وأن الأمر لا يعدو رغبة في الانتماء لجماعة تكون لها الغلبة الفكرية والنجاة الأخروية أكثر مما هو إيمان حقيقي بمعتقداتها.

أعرف كثيرين جُل ما يعنيهم هو إثبات حديث الفئة الناجية بما فيه الفقرة الأخيرة المختلف حول صحتها، وإقناع نفسه والآخرين أنه منها!!!

هذا ويلعب التعزيز دوره في تقوية تلك الرغبة في التميز، وهو ما يركز عليه المروجون لأي من العلامات التجارية أو الكيانات الرياضية والاقتصادية والسياسية والدينية، وكما سبق وأوضحنا أن هؤلاء المروجين يسعون إلى تحويل تلك الغريزة الطبيعية إلى حالة من الهوس المرضي الذي يؤدي إلى رفع المستوى الظاهري للثقة بالنفس لدى الفرد، وإن كانت الحقيقة عكس ذلك تمامًا؛ فتحقيق التميز الزائف عن طريق الانتماء لجماعة يُدعى كونها مميزة أو ليس للفرد دور في تميزها إنما يداري الإحساس بالفشل وافتقاد القيمة التي يعاني منها الشخص على المستوى الفردي.

كما توضح تلك الظاهرة أن نسبة كبيرة من أفراد مجتمعنا ينقصهم المستوى المتطلب من التفكير الناقد الذي يجعلنا نضع معايير صحيحة لتقييم ما يُشاع أنه أفضل. والأمر لمن يفهم حقيقته هو شكل آخر من أشكال السير مع القطيع، وفرصة مجانية للتواجد مع الطرف الأقوى أو الأفضل والأكثر تميزًا كما يُشاع بغض النظر عن حقيقة كونه كذلك. والمشكلة الحقيقية عندما يكون الانتماء لجماعات أو كيانات مجانيًا ومتاحًا للجميع ولا توجد كُلفة مقابله؛ لأن هذا يجعل المشاكل المترتبة أكثر تفاقمًا.

وما ينبغي علينا إدراكه أن الرغبة الزائفة في التميز فيما لا يعد تميزًا من الأساس إنما هو تعبير عن عدم الثقة في النفس وليس الثقة فيها، ويعد أسلوبًا من أساليب خداع الذات وتعويض النقص ينبغي أن يتغلب عليه الفرد، وأن يبحث عما يمكن أن يجعله يتميز حقيقة لا زيفًا.

 

د. منى زيتون

 

 

شاكر فريد حسناسراء عبوشي كاتبة فلسطينية من مدينة جنين في الضفة الغربية المحتلة، تعمل مُدرّسة للغة العربية بإحدى مدارس مدينتها، رفيقة القلم والورق منذ صغرها، تمارس كتابة القصص القصيرة والرواية، ولها تجارب شعرية منشورة في عدد من المواقع الالكترونية، وحضور ثقافي وادبي، ومشاركات واسعة في عدد من المنتديات والصالونات الادبية . صدر لها العام 2017 مجموعة قصصية بعنوان " ياسمين "، ولها رواية ناجزة الكترونية هي " رادا" وكتاب آخر بعنوان " اسطورة الحب " .

كتابات اسراء عبوشي واقعية مستلهمة ومستوحاة من البيئة الفلسطينية، ومن الواقع اليومي والحياة اليومية، من الشوارع والازقة والمخيمات بما تمثله من بؤس وجوع وشقاء وعذاب انساني، ومن واقع الاحتلال البغيض الذي يغتال البشر والحجر والشجر .

وفي قصصها تحاكي هموم الشعب والناس وتصور معاناتهم، وتطرح قضايا المرأة وما تواجهه من قهر اجتماعي وتحديات وأحلام، وتمردها بوجه الأغلال التي تكبلها من مجتمعها .

والكثير من قصص اسراء تحمل الطابع السياسي الوطني والإنساني، وفي قمة الإحساس والشعور الوطني، وتتجلى فيها مواقف انسانية ووطنية رائعة .

وتعتمد اسراء عبوشي أسلوبًا قصصيًا فنيًا مدهشًا ومشوقًا، وتسترسل مع سير أحداث قصصها، وتتناغم معها، وتنفعل مع شخوصها، ولغتها سهلة جميلة مسترسلة مترعة بالصفاء الروحي .

ونجدها منحازة طبقيًا للإنسان الفلسطيني الفقير الكادح المسحوق، الذي يعاني شظف العيش، ويبحث عن رغيف الخبز المغمس بالعرق، ويحلم بحياة أجمل وأفضل .

وهي تنجح في التعبير بصدق عما يجول في خاطرها وما تراه عيناها وما تلمسه وتحسه على جلدها وأمامها، وفي اختيار موضوعاتها وشخوصها وايصال فكرتها للقارئ، وتتوفر في نصوصها شروط القص السردي .

اسراء عبوشي كاتبة تملك ناصية اللغة، تحاكي الواقع، وتغرق في بحر همومه وآلامه واوجاعه، وتدعو لتغييره، وهي نموذج للساردة والكاتبة الملتزمة بقضايا شعبها .

فللصديقة الكاتبة اسراء عبوشي أجمل تحية، ولكِ الصحة وكل الخير كي تتابعين رحلة ابداعك الراقية الباذخة، ومزيدًا من العطاء والتألق.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

زيد الحلياعرف رئيس مجلس الوزراء الاستاذ عادل عبد المهدي، منذ مدة ليست قصيرة، كمتابع للحالة العراقية، لكن هذه المعرفة، اتسعت  وتوسعت، من خلال قراءتي  لاحقاً لأعمدته الصحفية، ومقالاته الاقتصادية وكتاباته الاجتماعية المختلفة ذات الابعاد الاصلاحية، لاسيما التي كانت تنشرها له صحيفة " العالم " البغدادية، واطلعُ عليها كل صباح، حيث يقع مبنى المجلة التي أرأس تحريرها، ملاصقا لمبنى الصحيفة .. كانت تلك المقالات تنبئ بوجود رؤية جديدة، وطروحات لم نعتدها من رجال السياسة في وطني، ومرات عدة، ابلغتُ شقيقه د. باسل عبد المهدي، في مناسبات جمعتنا، بفرحي ازاء طروحات الاستاذ عادل عبد المهدي  .. كان الرجل، بعيدا عن المواقع التنفيذية بكل مسمياتها، حيث عًرف بالزهد في تلك المناصب، التي كان يستقيل منها، حال شعوره بأنها لم تلب طموحاته وتنسجم مع رؤاه .. وكم تمنيتُ في حينها، ان يدور الزمن دورته، فيتسلم الاستاذ عادل عبد المهدي، موقعا تنفيذيا رئيسا، ليحقق ما كان ينادي به .. وفعلا تحققت الامنية، واصبح المنظّر والكاتب الاصلاحي عبد المهدي، الرجل التنفيذي الاول في الدولة ، وكلي امل بانه سيمضي  بمشروع اقتصادي انمائي واسع الاهداف، مبن على الواقع، ذلك ان  الاقتصاد الحديث بات مشاريع متكاملة، وتصورات استراتيجية لآماد قصيرة ومتوسطة وطويلة، تحتاج الى دراسات معمقة للإمكانات وللأهداف المرجوة، ومثل هذه الدراسات لا تكون من فعل أشخاص أو أفراد، لأنها تتعدى قدراتهم وامكاناتهم، بل هي عادة ما تكون من عمل مؤسسات رصينة، انتمائها للوطن وحده، بعيدا عن المحاصصة، تعكس تصورات ومشاريع تصب في هدف واحد معروف ومحدد سلفا.

غير ان امنيتي، اعتراها سراب، وغموض، جعلتني اكتب هذه السطور، وهي  رسالة عتاب الى المسؤول التنفيذي للدولة بانه وفِي ضوء ما معروف عنه من خلال كثرة مقالاته وتنظيراته وافكاره التي كان يطرحها ما خلق تصورا بانه سيكون صمام أمان لتحقيق الكثير ومنها عدم الذهاب الى المحاصصة والحزبية والرضوخ لرأي الأحزاب في اختيار المناصب، حتى باتت الدولة العراقية في خطر كبير في ضوء ما نشهده من تحاصص، وان موظفي الدولة وكفاءاتها  يعيشون اجواء "رعب " حقيقي  مما يسمعوه، ويرونه  من إجراءات ... ان الخوف على مستقبل البلد ومستقبل ابناءه يحتم علينا  القول  بكل صراحة : ان  المسؤول التنفيذي الاول، تقع عليه  مسؤولية جسيمة وتاريخية، وان التاريخ لا يرحم ..

سيدي رئيس الوزراء .. ان الارتباك والخوف يعتري في هذا الوقت الذي اكتب لك فيه، آلاف الموظفين، فخوفهم من (حرق الاخضر بسعر اليابس) يجعلهم مثل ريشة في مهب ريح عاتية،لاسيما عند الموظفين الاكفاء، الذين رأسمالهم النزاهة، وحب الوطن، والسعي لتطوير ادوات عملهم، ولهم مواقف مشهودة في الرقي  المهني والانساني ، فمعروف  ان الاستقرار الوظيفي والقيمي، هو رابط أساس للناس بدولتهم . وكلما زاد هذا الارتباط  المجتمعي  بالدولة كلما زادت مناعة الدولة وقدرتها. وكلما تراجع، ضعفت الدولة والنظام لمصلحة المحاصصة .. وهنا يقع بيت الداء ! 

إن هذه القاعدة هي التي تفسر حقيقة ما نعيشه هذه الايام في ظل محاولات غير بريئة، من هذا الطرف او ذاك،  لتكريس البلاد  كساحة صراع بين من يمثلون المحاصصة .. وهم كثر بيننا .. فحذار سيدي عبد المهدي، وادعوك الى قراءة ما كنت تكتبه وتنادي به، قبل استلامك رئاسة الوزراء .. مع تقديري .

 

زيد الحلي

 

هادي جلو مرعيكانت واحدة من المرات القليلة التي إرتقيت فيها مأذنة الجامع الكبير في مدينة سامراء التاريخية في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وكان الوقت ربيعا، وشقائق النعمان تتفتح للتو، بينما حولنا أصدقاء من المدينة أذكر منهم (وليد ووعد إبراهيم وعباس مرهج البونيسان وعماد يوسف وأحمد هاشم) وجهوا لنا دعوة لزيارة سامراء، وكنا ندرس سويا في كلية المأمون الجامعة، وذهبنا رفقة بعض أساتذة قسم اللغة العربية، وزرنا حينها مرقدي الإمامين الهمامين علي الهادي والحسن العسكري، والجامع الكبير المشهور بمأذنته الملوية، وقصري العاشق والمعشوق، وكانت هناك ملوية أخرى أصغر ويصعب صعود سلمها المبني من الطابوق المفخور لضيق السلم وخطورة الإنزلاق من حوافه.

سامراء في الذاكرة عاصمة للتاريخ، إتخذها بنو العباس مكانا وموضعا للحكم، وكانت ملائمة لموقعها الجغرافي المميز، ووقوعها على الطريق بين الحواضر الكبرى، وكانت معسكرا للجيوش، ودارا للحكم، وفيها توجد قصور بني العباس، كما إن الإمامين العسكريين أضفيا عليها بهجة ورونقا وبهاءا، وصارا من علامات المدينة التي لاتزول، فالملوية والمرقدان شخوص على مر الزمان لاتبلى.واجهت سامراء تحديات جسيمة عبر التاريخ والمؤلم أكثر حين تحولت من عاصمة تحكم العالم الى قضاء يتبع لتكريت، مع إن تكريت لاتقل شأنا عنها، غير إن سامراء مثلت عمقا حضاريا ودينيا وسياحيا قدم للعراق المزيد من الألق.

بعد العام 2003 ونتيجة لتداعيات مثيرة وصادمة في الحالة العراقية تعرضت سامراء لضغوط كبيرة من جماعات العنف المسلح التي حاولت السيطرة عليها لمرات، وكان الحادث الأليم بتفجير المرقدين سببا عميقا في تضاعف المأساة، ووقوع المدينة تحت وطأة تلك الضغوط التي رافقتها إجراءات أمنية مشددة كان منها تطويق المدينة القديمة بالحواجز الكونكريتية، بعد تهديدات من تنظيم داعش، وبرغم كل ذلك لم ينقطع الأمل في بدء عمليات إعمار ممكنة لتطوير المدينة القديمة لتكون جاذبة للإستثمار أكثر، مع الترويج لمشاريع بنية تحتية في قطاع الكهرباء والماء والمجاري، فالمدينة يقع أسفلها كم هائل من المياه الجوفية المهددة لوجودها، وهناك من يتحدث عن وحدات سكنية لمواجهة أزمة السكن المتصاعدة.

ولماذا لايكون لسامراء مطار دولي، فهناك قاعدة الضلوعية الجوية يمكن أن تستثمر وهي لاتبعد عن سامراء سوى بثلاثين كم بخط مستقيم، وهو أمر يمكن أن يؤدي الى نهضة عمرانية وسياحية، وتطوير للطرق والجسور والأسواق، كما إن المطار يبعد بضع كيلومترات عن قضاء بلد الذي يشهد دفقا دينيا متزايدا بوجود مرقد السيد محمد بن علي الهادي، إضافة الى وجود مواقع أخرى كمنطقة الجزيرة القريبة من حواف الثرثار، والمهيئة لتكون جاذبة للإستثمار، وهذا كله بحاجة الى إرادة حقيقية قد يكون الزمن كفيلا بتوفيرها، وجميل أن نمر على الطريق ونقرأ على لوحة ضوئية عبارة (مطار سامراء الدولي).

 

هادي جلو مرعي

 

عماد عليعندما يتغير الوضع السياسي  يصحب معه تغيرا اقتصاديا او العكس تماما، ولهذا معادلات تختلف تركيبها ومتحواتها ومكوناتها والعلاقات مابين محتواها من زمكان لاخر ومن الظروف الاجتماعية المتغيرة بشكل دائم والثقافة العامة المختلفة التي سيطرت على العام. اي عندما يتغير الوضع السياسي عند تاثره بالتطورات الاقتصادية او المتغيرات العسكرية ومنها حالات حرب فان الوضع الاجتماعي لم يبق على ماهو عليه، والاصح فان هذه العوامل لها علاقت مباشرة مع لابعض فاي تاثير على احداها فان الاخرى تتاثر. وان اعتمدنا على اي فكر او فلسفة او ايديولوجيا في تقييمنا لما حدث، فان الروابط بين هذه الاوضاع والمحتويات اي السياسية الاقتصادية الاجتماعية العسكرية والثقافية سوف تكون ملتصقة مع البعض وتكون على خط المتغيرات النسبية المختلفة لكل منها وفيما بينها. اي المعادلة في هذا الجانب واضحة في اي نظام سياسي كان وبالاخص الرسمالية المستندة على السوق الحر وبعض المفاهيم العامة التي تفرض هذه الروابط بشكل قوي، فكيف بالحال العراقي الذي لا يمكن تصنيفها بشكل مباشر ودقيق.

ومن هذا المنطلق، ان دققنا في الوضع الاقتصادي العراقي والمتغيرات الاجتماعية الاقتصادية منذ تاسيس الدولة فاننا نلمس بان المرحلة الاولى لهذه العملية وما تحتوي من المعادلات سارت بشكل بطيء اي العقود التي حكمت الملكية لما كانت فيها من النظام المعلوم لدى الجميع، فان التغييرات لم تكن جذرية بل كانت تسير ببطء شديد ولم تحس الاجيال بها خلال العقود الاولى الا نادرا، لاسباب موضوعية عالمية من جهة وذاتية لما كان الاقتصاد ونسبة الموارد الطبيعية القليلة والثقافة العامة والقيادة الحكيمة الى حد كبير والملتزمة بالقيم والمباديء الانسانية بشكل عفوي نسبيا.

اما المرحلة الثانية فيما بعد مجيء البعث، فانها يمكن ايضا ان نقسمها الى مراحل وفق المتغيرات، الا انه التشابه بين السنين المتتالية كان اكثر من الاختلافات بين كل مرحلة واخرى مقارنة مع العقود اللاحقة. رغم ان اكتشاف النفط كان نقطة انعطافة واضحة ومؤثرة الا ان سيطرة الشركات الاحنبية وبالاخص البريطانية لم تدع ان تكون هناك وفرة نقدية فائضة بحيث يمكن ان تؤثر بشكل مباشر وكبير على الاقتصاد العراقي الذي يمكن ان يؤثر بدوره على الوضع الاجتماعي الا متاخرا.

اما بعد عملية التاميم وازدياد السيولة وعدم حكمة القيادة في اكثرهم وانعدام الخطط المحكمة المستندة على المتغيرات نتيجة تغيير المصادر المالية، دعا الى حدوث فوضى وسيطرة العقلية الفردية واخيرا الدكتاتورية على زمام الامور، وهذا  بالاضافة الى عوامل اخرى عديدة لو دققنا فيها، ولا يسعنا هنا ان نذكر جميعها سواء من الناحية السياسية كانت ام ما افرزته ترسبات التاريخ والثقافة العامة التي اتسم  بها العراق وافرز المختلف فيما بعد وتاثر به كثيرا.

ما يهمنا هنا ان نذكره هو الوضع الاجتماعي وان كان مرتبطا بالعملية السياسية في المراحل المختلفة ومتغيرات الاقتصاد بشكل مباشر، الا ان الواقع لم ير طفرات مباشرة وكبيرة في تلك المراحل كما لمسناه قريبا ونلمسه اليوم  بعد الحروب وما تعرض له المجتمع واختل التوازن ووصلت التغييرات حتى الى الاسس التي اعتبرت مقدسة من قبل ولم يتجرا احد او اي كان ان يمس بها مهما علا شانه او من العامة ايضا. العلاقات الاجتماعية من الاسرة الى الحي والازقة الى القرية والمدينة الصغيرة ثم الكبيرة الى المحافظة والاكبر منها وما شهدتها العاصمة، يمكن ان نشير اليها بشكل واضح ويمكن تقييمه بشكل سهل تماما. واكبر المؤثرات على الحالة الاجتماعية واكثر واقرب العوامل المؤثرة عليه هو الحروب وافرزاتها ومعطياتها وابعادها المختلفة، فاننا يمكن ان نقول بان البنية الاجتماعية العراقية   تعرضت الى هزة كبيرة بحيث احدثت انقلابات كبيرة وانعطافات اجتماعية وحدث هذا بين ثناياها تغييرات اسرية من النواحي الاقتصادية ايضا وهذا مما افرز حالات يمكن ان نعتبرها شذوذ اخلاقية لم يعرفها العراق من قبل، وهنا لا نعني بما جلبته العولمة والمؤثرات الالكترونية والمستجدات العلمية والتلامس والاحتكاكات وتاثيرات الحوارات والصراعات العالمية الكبيرة، بل ما نعتقدهر بشكل مجرد ان افرزات الحروب ومؤثراتها هي التي دفعت الى التغييرات الضخمة غير المنتظرة التي تعرض المجتمع العراقي بشكل جذري لها جراء طول الحروب وتكرارها وبالاخص من الناحية الاجتماعية، واصبحت هي اكبر من المؤثرات الاقتصادية والثقافية، وعليه لم نجد نقطة تشابه في بنية الوضع الاجتماعي الحالي مع ما كان عليه الشعب العراقي قبل عقود حتى القريبة جدا. حدثت الحروب شروخا كبيرة في البنية الاسرية مع التغييرات الاخلاقية من الفرد الى العائلة، وعندما جاءت العولمة اجتاحت المجتمع بنتاجاتها واجرفت معها ما بقيت بشكل كامل، وعليه يمكن ان نقول ان المجتامع العراقي تغير بشكل مطلق ومهو عليه الان  ليس له علاقة مع ماقبل الحرب بقدر ذرة. ولو اردنا ان نوضح الامر اكثر فهذا يحتاج الى بحوث وعمل ومؤسسات كي يتوضح الامر امام الملأ بعد التقييم، وهذا من اجل العمل اللازم لازالة الشذوذ واعادة القافلة الاجتماعية المنحدرة المتغيرة الى سكتها الاساسية بشكل يمكن ان  نقلل من افراز السلبيات  التي لازالت مستمرة، ووضع الحد اللازم من اجل العمل على تقليلها لتجنب اضرارها، الا ان الوضع السياسي الحالي لا يساعد لمثل هذه المهامات الانسانية قبل الاجتماعية، وعليه لا يمكن التفاؤل في نجاح العمل في مثل هذه المهامات حال استمرار ما هو عليه الواقع، فلننتظر. 

 

 عماد علي  

 

علي عليلم يعد من السهل على أي منظر في عراقنا الجديد اليوم إبداء رأيه بما يدور في الساحة السياسية، لاسيما إذا طلب منه رأيان في غضون أربع وعشرين ساعة، او حتى أقل من هذا. إذ نرى ان المسؤولين والساسة متقلبون في آرائهم ومبادئهم وأفكارهم، ومن المؤكد ان نياتهم هي الأخرى تتبدل بين غمضة عين وانتباهتها. ومن المؤكد أيضا أن وراء كل هذه الهوائية والسطحية في الثبات، تكمن أسرار تأخر البلد وضياع فرصه في الوثوب مع من وثب من بلدان المشرق والمغرب، في أفلاك التقدم العلمي والتكنولوجي والعمراني والثقافي، وما يتبع هذا الوثوب من استقرار البلاد ورفاهية العباد. وكان من الأولى بنا أن نكون أول المتقدمين والمتميزين بين الأمم، لما لنا من حضارة يمتد عمقها الزمني بضعة ألوف من السنين، ولما نمتلك تحت أرضنا وفوقها من خيرات وثروات كانت ومازالت منهلا وفيرا ومعينا لاينضب.

وبعودة الى منظرنا أظنه سيعاني الأمرين لو أراد استقراء أحداث العراق على مدى اسبوع واحد فقط. فأول ما يصطدم به الخلافات السحيقة بين أعضاء مجالسنا التي يعول عليها الشعب العراقي في إدارة شؤون البلد، وفي صدارة هذه المجالس قطعا مجلس النواب، مع أنه أقرب مجلس الى مصلحة المواطن والبلد. ودليلي على كلامي هذا مطروح وموجود في كل ركن من أركان البلاد، ففي الشارع هناك التدني الشديد في الخدمات والبنى التحتية والفوقية وتحت التحتية وفوق الفوقية، وفي مؤسسات البلد هناك الفسادات (أشكال وارناگ) وبأحدث الأساليب وعلى أعلى وأدنى المستويات، من دونما استثناء. والعجيب الغريب أن الأمر واضح لكل فئات الشعب ولأصغر مواطن، أي أن هذا يعني ويدل على علم من يتربعون على كراسي التحكم والحكم، بما يدور في دهاليز دوائر الدولة ومؤسساتها، التي هم في هرم قيادتها قمة ورأس. وحتما تصلهم أولا بأول معلومات عما يجري فيها، وعن كيفية سير العمل وكيفية تعامل سلسلة الموظفين المنتسبين اليها، من (بوّاب) المؤسسة الحكومية صعودا الى موظف الاستعلامات مرورا بالواردة ثم السجلات ثم شباك رقم (1) فالشباك رقم (2) فرقم (10) وتطول قائمة أرقام الشبابيك ان أردت حصرها في مقالي.

يذكرني هذا بقصيدة لمعروف الرصافي أنشد فيها:

أنا بالحكومة والسياسة أعرف

أألام في تـفنـيـدهـا وأعـنـف

علـم ودسـتور ومجلـس أمـة

كل عن المعنى الصحيح محرف

أسماء ليس لنا سوى ألفاظها

أمـا معانيهـا فليسـت تعـرف

من يأت مجلسـنا يصدق أنـه

لمـراد غيـر النـاخبيـن مؤلـف

أفهكذا تبقى الحكومة عندنـا

كلِمـا تمـوه للـورى وزخرف

كثرت دوائرهـا وقل فعالـهـا

كالطبل يكبر وهو خال أجوف

تشـكو البلاد سياسـة مالية

تجتـاح أمـوال البـلاد وتتلـف

او كما قال الشاعر خلدون جاويد:

انا بالحكومة والسياسة جاهلُ

عمـا يـدور مـن المكـائد غافل

لكنني هيهـات افـْقـهُ كوننـا

شعبـا يتامـى جـُلـّه وأرامـل

امـا قتـيلٌ شعبـُنـا او هـاربٌ

متـشـردٌ او ارمـلٌ او ثـاكــلُ

ولعل الرصافي لو كان حيا اليوم لتفتقت قريحته بأكثر من هذي المعاني بكثير، لما يراه من ساسة عصرنا وأولي أمره.

 

علي علي