عبد الجبار العبيديلابد من كلمات يسيرات عما اقصد اليه من وراء هذه السطور القليلات، ليعرف القارىء الكريم عما كتب فيها من موضوع التغيير في عام 2003 وما بعده مما لحق بالوطن والعراقيين من مآسي الزمن اليوم.. وما كتبنا فيه الكثير من المقالات؟.

ان الكتابة الحقة في موضوع التغييرالأكشر على العراق، وما لحق بالوطن العراقي من مآسي الأحزان التي مرت والتي حولته الى بلد للتخريف والخُرافات والتقليد ووضعته في اخر قوائم التخلف والتدمير.. المتمثل في مسيرات الاحزان المستمرة المخدرة للعقول، والسلب والنهب لاموال العراق.. وسيطرت مافيات ايران المجرمة على الوطن لابد من المشاركة في مكافحتها وتدميرها واخراج ايران المعتدية ومليشيانتها المجرمة من الوطن.

من يريد ان يكتب.. عليه الاطلاع على آلاف الوثائق المتواجدة اليوم في المكتبة المركزية الامريكية في واشنطن.. وما كتب المسئولون من صحيح وغير صحيح ليقف على الحقيقة التي يجب نقلها للشعب العراقي المظلوم في بلده دون بلدان الأخرين.. ليعرف مدى خيانة المتمشدقين بالوطنية من احزاب الخيانة الاسلامية والرديكالية وتقف وثيقة شرعنة الاحتلال من قبل مرجعية السستاني وقبضها الثمن (200 مليون دولار) في مقدمة الوثائق.. وأختراق الثوابت الوطنية بالقسم الكاذب بأمتلاك العراق لاسلحة الدمار الشامل.. فمهد للأجنبي باحتلال الوطن المنافي للأخلاق والدين.. وسرقة اموال الناس بالباطل.. والتأمر على الأرض والتراث الوطني مع الأخرين ؟

ان القصد من الكتابة الحقيقة اليوم يجب ان تتركز على تعريف المواطن بتاريخ بلده وما خطط له الايرانيون ومؤسسة الدين قابضة ثمن الخيانة من تدمير.. ليتجمع لهم على مدار ال16 سنة الماضيات من أراء وأنظار.. وما يستخرجونه بأنفسهم من ملاحظات الألام وهم يقلبون صفحات التاريخ الاسود لقياداتهم.. التي أخترقت كل صحيح.. وكذبت في كل ما قالت وتقول..

والمعنى الاخر هو أنني أقصد من وراء هذه السطور ايضاً معنى التخريب لا التغيير الذي توهمنا جميعا من اننا كنا نلهث وراء الاصلاح والتغيير.. ومع انني لم اقدم للقارىء من اجابات شافية وكافية،لكن الاسئلة التي يجب ان نطرحها عليهم وعلى من رافقوا التغيير ان تكون شافية وواعية ليعرف المواطن كم كانت الاحزاب الاسلامية الذي ضحى من اجلها الشباب بارواحهم كانت باطلة وكاذبة في كل ما تقول ويقف الجعفري والمالكي والشهرستاني في المقدمة.. واليوم قياداته تنعم بالمكاسب واولادهم في لندن وواشنطن وباريس في كل مرفق عراقي وجامعة على حساب الوطن يدرسون.. وأولاد الخايبات يقتلون برصاصهم الاسود.. لا كما كانوا يدعون لو جاؤا يحكمون....

لابد اليوم بعد ان تَكشفت الحقائق علينا ان نتجاوز المبهم الى الواضوح الصحيح ومن وقف قاصدا التدمير.. لا التغيير. ويقف حزب الدعوة والحزب الاسلامي وحزب المؤتمر في المقدمة في الخيانة والتخريب.

وتقف المراكز الاسلامية في واشنطن وكل من عمل فيها شاهدا على ما نقول بعد ان حولوا القادة المفاهيم الى تخريب.. والمصداقية الى تهريج.. والحقيقة الى اوهام.. .لكن الله لن يقبل للمجرمين والسراق والمنافقين والخونة حتى اوقعهم في وحل الخيانة.. وها تراهم اليوم أصبحوا مطاردين من الله والانسان وعذاب الضمير.

ويقف حزب المؤتمر واعضائه بقيادة احمد الجلبي ومن رافقه في الصف الاول من المموهين والقتلة لامال العراقيين الذين احتلوا السفارات والممثليات ومراكز اعمار العراق ومن والاهم في مقدمة الناكثين بالعهد والدين.. وكانت جريدته المؤتمر الصادرة في لندن لسان الباطل النافثة سمومها بحق الوطن والعراقيين. وكيف هيأوا ونبهوا الأذهان للتغيير الباطل الجديد.

.وحين قام التغيير على تصديق الحزب الجمهوري الامريكي ورئيسه بوش وجملة المصفقين فنفذوا بحق الوطن كل باطل يتنافى مع دستور الأمريكيين. حتى استغلت ايران المجرمة الحاقدة على العراقيين فرصة التخريب فتغلغلت في كل جوانب الحياة لتحول العراق العدو الاول لها تاريخا ودين.. والذي جرعها السُم الزعاف في حربها معه عام الثمانينات لتغرس اسننانها الملوثة بالسم القاتل لتميته الى ابد الابدين.لكنها تخسأ ان تقدر على امة الرافدين.. وفيها شباب العراقيين..

ان التخريب الاول تمثل في حل الجيش العراقي حامي سور الوطن والمؤسسات الرسمية وفتح الحدود لمن هب ودب للسرقة والتدمير والذي جرى باتفاق من حضروا مؤتمر لندن الساقط عام 2002 ووقعوا على وثيقة التدمير.. ونفذها مجلس الحكم الساقط في بداية التغيير.

والخطأ الثاني ان المرافقين الأفاكين لم يكن لديهم برنامج حكومي للعمل.. بل لديهم برنامج سلطوي للسرقة والتدمير.. واليوم يعتقدون ان قتل المتظاهرين مبررا لبقاء سلطة المجرمين الحاكمين..

وبداية المسيرة بدأت منذ 2003 بعد ان فتحوا الحدود لمن هب ودب دون رقابة من قوة الضمير.. فدخلت ايران بجحافلها الحاقدة على العراقيين حتى نفذت مخططها بقتل الضباط والطيارين والعلماء والمهندسين وكل من شعرت فيه امل للعراقيين - انه حقد فارسي لئيم- .. ودخلت دول الجوار لتنهب اكثر ما نهبت من اراضي ومياه ونفط العراقيين.. حتى شكل مجلس الحكم الخائب الخائن.. ومن يريد ان يقرأ عن خيانته عليه بالعودة لكتاب بريمر سنة في بغداد ليرى جرائمهم وكيف نفذوها في وطن العراقيين.. وكيف نفذ ت السرقة والتدمير كما يقول الخونة حيدر الملا ومشعان الجبوري وعلية نصيف وحنان الفتلاوي في لقاءاتهم التلفزيزنية دون عيب من الله والوطن والمواطنين.

نعم لقد اسقطوا التمثال في ساحة الفردوس ولم يكن يعلمون انهم ما اسقطوه بل سقطوا هم في وحل الخيانة بعد ان رفض الجندي الامريكي لفه في العلم الامريكي فعده خيانة وطنية وان لم يستحوا هم من فعلتهم الخائنة..

وبدأ المشوار في الرئاسات الثلاث التي شبعت مالا وخيانة ،فاصدروا القوانين للنهب والبيع والشراء بحق الوطن والمواطن فكان الذي كان.. ومهما عملوا وقتلوا وسرقوا سيموتون غدا كخنازير برية تأكل مما تتركه من روثها حتى تموت..

وليثق الشعب العراقي ان ما نقوله اليوم هو الصحيح.. فلو سقطوا غدا- انشاء الله يسقطون- سنكتشف ان ما عمله المغول بالعراق عام 656 للهجرة كان نقطة بحر بحق الوطن والعراقيين عما عملوه قادة الخيانة والتغيير.. فلينتظروا السقوط وما سيكتبه التاريخ..

عاش الوطن وعاش الشعب والموت للخونة وحرامية التغيير..

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

علاء اللاميإذا ما وضعنا جانبا في سلة المهملات والعار احتقار ساسة النظام وفي مقدمتهم الفاشي الخَرِف عادل عبد المهدي الذي راح يتحدث أمس علي الشاشات عن موازنة العام القادم فيما كانت قواته الأمنية تزهق أرواح العراقيين في البصرة وبغداد، فأن احتقار المثقفين الموَسْوَسين لملايين الناس، للشعوب المنتفضة والثائرة، للشباب المضحين بأرواحهم، لا يقل صفاقةً ولا أخلاقية. هذا الاحتقار تنطوي عليه بوضوح "نظرية القطيع" التي يطبقون مقولاتها الكثيرة ومنها: المدسوسون سيحرفون الانتفاضة. القوى الخفية ستحصد نتائجها في الأخير. لا توجد قيادة وشخصيات للتظاهرات ولا أحزاب معروفة تقودها فهي مشبوهة. لا توجد أية مطالب واضحة وهذا يعني وجود برنامج سري لطرف ما.

* ثمة كذب كثير يستبطنه هذا الكلام، فمطالب الانتفاضة أشهر من نار على علم وهي مبثوثة في الشعارات والهتافات التي صدحت بها حناجر المنتفضين، وهي أكثر نضجا من وريقات المثقفين وبرامج أكثر الأحزاب الموجودة ثورية وجذرية وخلاصتها: يسقط نظام المحاصصة الطائفية ودستوره ومجلس نوابه وحكومته، نعم، لنظام وطني مستقل عن الاحتلال الأميركي والهيمنة الإيرانية!

 * أما عدم إعلان قادة التظاهرات عن أنفسهم تعليله فواضح أيضا، ونجده في اغتيال خمسة وعشرين متظاهرا بارزا بعد انتفاضة الماء في البصرة، في جرائم سكتت الدولة عنها سكوتا إجراميا، أما في الانتفاضة الجارية فإن عدد الشهداء يقترب من الثلاثمائة وجرحاها فاق العشرة آلاف ودخلنا مرحلة الخطف مع اختطاف الناشطة المسفعة #صبا_المهداوي وعلى صعيد الاغتيالات للمتظاهرين السلمين البارزين قتل  الكاتب الديموقراطي أمجد الدهامات اغتيلا من قبل مجهولين في محافظة ميسان فيما أصيب رفيق له كان معه بجراح خطرة، وهذا كله هو ما يمنع أي قيادات  من التعريف بأنفسها بشكل رسمي في الوقت الحاضر على الأقل، مع أن عددا من الناشطين البارزين معروفون بنشاطاتهم في قيادة التظاهرات وإصدار بعض البيانات والنشرات العلنية في قلب الانتفاضة "ساحة التحرير ببغداد" وإجراء اللقاءات الصحافية ...إلخ.

وهاكم هذا المثال الطازج، يوم أمس الخميس وخلال لقاء أجرت قناة روسيا اليوم مع اللواء عبد الكريم خلف الناطق باسم عبد المهدي، اتصل أحد المتظاهرين هاتفيا وعرف باسمه "علي عزيز" مع صورته التي عرضت في لقاء سابق كما يبدو، وقال إنه بعد مداخلة تلفزيونية له مع هذه القناة وصلته أربعة تهديدات بالقتل أو مغادرة بغداد من أطراف يُشتبه بأنها حكومية! اللواء خلف رد بقوله إنه يضع رقم هاتفه الشخصي تحت تصرف القناة لتوصله للمتصل وهو سيوفر له حماية ويحل من هدده الى القضاء إذا ثبت ذلك! فهل هناك مهزلة أكثر من هذه حين يحل المسؤول مشاكل معقدة بالطريقة الإخوانية والشخصية؟! وأسجل هنا تحفظي على عدم دقة الأخبار التي يزود بها هذا الشخص -علي عزيز - وسائل الإعلام وقد ذكرت أحدها في منشور سابق.

 * بغض النظر عن كل هذا كله على ما فيه من أهمية فائقة، فإن احتقار الناس وازدراء إمكانات وإبداعات الجماهير البسيطة، كما يفعل بعض المثقفين الباحثين عن عباقرة أو باشوات وأرستقراطيين سياسيين في الأحياء العشوائية وأحزمة الفقر، هو ديدن هذا المنهج البرجوازي الصغير المتعالي في السوك والتفكير! نعم، يمكن أن نكرر دون كلل: لا لتصنيم الجماهير والركض خلفها حقا وباطلا وتقديس العفوية واعتبارها بديلا للعلم والعقلانية على طريقة الأناركيين "النقابيين الثوريين" الأوروبيين! ولكن لا وألف لا لاحتقارها واعتبارها قطيعا فاقدا للعقل والإرادة ينساق وراء أي كان يلوح له بخرقة حمراء أو خضراء أو بيضاء كما يفعل المثقفون الموَسْوَسون!

توضيح: لا أقصد شخصا محددا في هذا النص، لأن هذه النماذج من "المثقفين" أو أدعياء الثقافة إن شئت، متنوعة وكثيرة، وقد تحولت فعلا إلى تيار يضم في مَن يضم كتاب المليشيات المعروفين، الذين يصفق لهم المهددون بفقدان مخصصاتهم ورواتبهم الضخمة وامتيازاتهم غير المشروعة بمجرد سقوط النظام والانتهازيين العاديين المشتغلين في أجهزة السلطة وإعلام الأحزاب الفاسدة من فضائيات وغيرها. وقد ميزت دائما بين الكتاب الوطنيين النقديين الحريصين على الانتفاضة ومصيرها وحركتها على الأرض المحذرين من وجود مدسوسين أو محاولات اختراق أو تطرف، فيحذرون من هذا الشعار أو تلك الممارسة الخاطئة كمهاجمة السفارات والقنصليات الأجنبية، وبين "المثقف الوسواسي الرُّهابي"،  والذي يلح إلحاحا غريبا على احتمالات حرف المسار والتخريب الداخلي وسَوْق القطيع البشري نحو الحضيرة الأميركية والإسرائيلية وكأن ذلك قدرا مقدورا لا راد له، ودون أن يحاول أن يبصر الواقع بعيونه المجردة وعقله الواعي بعيدا الأوهام والمبالغات القاتلة، هذا إذا أحسنا الظن واعتبرناها أوهاما ومبالغات ليس إلا!

* ثم أين حدث وحُرِفَت الملايين الثائرة على الأنظمة الفاسدة عن مسارها من قبل جواسيس ومندسين؟ لماذا لا يقرأ المثقف الأجوف وقائع الأحداث كما هي على الأرض؟ أ حدث الاختراق والحرف في مصر بعد انتصار الانتفاضة وإسقاط مبارك؟ كلا، فالوقائع تقول إن الملايين بعد انتصار الانتفاضة وإسقاط الدكتاتور مبارك كانت أمام خيارين انتخابيين - وقبل أن يتم تفكيك الدولة الأمنية العميقة - فإما مرشح النظام القديم أحمد شفيق أو مرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي بعد فشل صعود ممثلي التيارات الناصرية واليسارية واللبرالية في الدور الأول، فاختارت الجماهير بما فيها جماهير الضد النوعي على مضض مرشح الإخوان في الدور الثاني لقطع الطريق على انتصار مرشح النظام القديم ثم سارت الأمور باتجاه الحكم العسكري؟

* هل حدث تحريف في ليبيا التي بدأت الأحداث فيها منذ الأيام الأولى كتمرد عسكري تقوم به مليشيات ومدعوم من الطيران الغربي الشرس فانتهت التظاهرات السلمية مبكرا؟

* أم في تونس التي استقر الوضع فيها على نظام انتخابي رصين وديموقراطيات عامة لا بأس بها رغم أنها محاطة بواقع اقتصادي واجتماعي قاس على الفقراء خصوصا؟

 * أم حدث الحرف والتجيير في السودان مؤخرا أم أن مسار الانتفاضة انتهى الى موافقة قياداتها - بما فيها قيادات اليسار الشيوعي الجذري الذي فضل أن يبقى متفرجا على الانتفاضة وهي تسرق نتائجها ولم يبادر الى التصدي - على الاشتراك في حكومة يسيطر عليها العسكر، وما تزال الجماهير متوثبة وقد تنتفض في أية لحظة ضدها؟ فهل هذه مؤامرة لحرف المسار من قبل القوى الخفية أم أخطاء كارثية وقعت فيها قيادة الانتفاضة نفسها؟

 

علاء اللامي 

 

وداد فرحانلا أظنني أشرك حينما أسجد تحت أقدامكم، وأصلي في قبلتكم، فحتى الجسور انحنت لكم ووقف الزمن إجلالا.

أيها الثائرون المحلقون بأجنحة بيضاء في سماء الحرية، وقف العجب لشجاعتكم مذهولا، واختفت مفردات الوصف من قواميس الكلام.

وطنكم الذي ترصفون لبنات بنائه بصدوركم التي اتسعت للرصاص، وبرؤوسكم التي فجرتها قنابل الدخان، بدأ شاهقا وسيعلو يناطح السحاب.

ستتعانق ضفتا النهر بوجودكم، ويسبّح الهواء بعدد اطلاقات الدخان التي عبأت رئتي العراق، وصغتم من فارغها قلائد الإصرار.

كم خنساء في ساحات الشرف تسلقت دعامات التحدي تنقذ أنفاسنا التي بدأت تغيب وانحسر مجراها برصاص الليل.

تغربنا وحلمُنا في العيش في وطن ظل يسابق النبض، كنا معا غرباء، نحن نعيش بعيدا عن العراق، وأنتم بين أحضانه المسروقة تحلمون به.

هلم، نلم الجراح، ونرفع الرايات، نتوسد المنايا لوطن يستحق منا المقل.

شباب الوطن المسلوبة أحلامهم منذ أن هدهدتهم الأمهات، يتحدون ظلمكم بمواقف لا تعد ولا تحصى، حتى أصبح صبرهم مثار إعجاب وحديث الكون بأسره، وإقدامهم على النهوض بالعراق رسالة سامية تقول نموت ويحيا الوطن.

أيها الوطن، ولاك الشباب قبلة ترضاها، لها نصلي، وعند عتباتها نذبح النذور، فهي قدسنا، ثورتنا ضد الظلم وسلب الارادات.

ما عاد الرعب يخوفنا، وشباب العراق منهم من تلقى صدره الموت ومنهم من يفتح أذرعه اليه، ينتظر.

 

وداد فرحان - سيدني

 

جمعة عبد اللهتصاعدت وتيرة المطالبات بتقديم المجرمين، الذين ساهموا بقتل المتظاهرين بشكل متعمد، وفي الافراط في اسلوب القتل الدموي. وكذلك المسؤولين الذين أصدروا أومر قتل المتظاهرين المحتجين، وان مسلسل اراقة الدماء ضد الشباب المتظاهر لم يتوقف بالعنف الدموي، رغم المناشدات والمطالبات في الداخل والخارج. لذلك تصاعدت المناشدات الدولية بحماية الشعب العراقي من حكومة اوغلت في القتل والاجرام ،بالقوة المفرطة بالقتل الدموي. من الحكومة واجهزتها الامنية، او من مليشيات الاحزاب الشيعية، أو من الحرس الايراني، الذي يساهم بقوة في اغراق العراق بالدم، ويشترك بوحشية في قتل المتظاهرين السلميين، المطالبين بحقوقهم الشرعية في حق الحياة والعمل. ان العالم والمجتمع الدولي ينظر بالاستهجان والادانة لعمليات القتل اليومية المروعة، دون رادع . لذلك تطالب حكومات الدول الكبرى، ومنظمات المجتمع الدولي الحقوقية والانسانية، بوضع العراق تحت وصاية الحماية الدولية. من حكومة تستخدم العنف الدموي ضد شعبها. وهي تتحمل مسؤولية القتل والاعتقال، والاختطاف للنشطاء والشباب والاعلاميين، من قبل مليشيات الموالية الى ايران. ان الضغط الدولي في حماية الشعب العراقي، وتقديم المجرمين بقتل المتظاهرين السلميين، صدرت من:

× أدان المجلس النواب الامريكي استخدام القوة القاتلة ضد المتظاهرين السلميين، طالب الحكومة العراقية بوقف نهج القتل، ووضع حداً للعنف المفرط، بالاستماع الى مطاليب المتظاهرين السلميين .

× من الاتحاد الاوربي من مسؤولة الشؤون الخارجية (فيديريكا موغيني) بالدعوة الى الحكومة العراقية بالكف عن استخدام القوة القاتلة ضد المتظاهرين . وان الحكومة العراقية باعمالها الاجرامية . تضع نفسها تحت المسائلة القانونية الدولية، عن الانتهاكات الصارخة بحق المتظاهرين، ودعت الحكومة الى ايقاف المزيد من الخسائر في الارواح . واشارت الى الارقام المخيفة في الجرحى والمصابين، ودعت الى ايقاف الاعتقال والاختطاف . وان قتل المتظاهرين يقوض الحق في التجمع السلمي والتعبير عن المطاليب المشروعة. وعبرت عن استهجانها وعدم رضاها من نتيجة التحقيقات السابقة، بشأن استخدام العنف المفرط بالقوة، خلال الاحتجاجات الشعبية، وعبرت عن حزنها العميق. وحذرت الحكومة بأنها تعرض نفسها الى المسائلة القانونية وتقديم الفاعلين الى المحاكم الدولية.

× الحكومة البريطانية . ادانت بشدة العنف المفرط من الاجهزة الامنية العراقية. وهي ضد حقوق الانسان في التعبير السلمي،وهو القلب النابض للديموقراطية 

× الحكومة الفرنسية عبر وزارة الخارجية . طالبت الحكومة ايقاف آلة القتل فوراً، واطلاق حوار سلمي وديموقراطي في البلاد. كما ادانت القتل والاعتقال والاختطاف، وكذلك اغتال النشطاء والصحفيين .

× كشفت منظمة العفو الدولية (أمنيستي) عن معلومات جوهرية، حول القنابل الفتاكة، التي أدت الى قتل المئات من المتظاهرين واصابة آلاف من الجرحى والمصابين، بأن هذه القنابل المستخدمة هي أيرانية الصنع .

× طالبت منظمة الدولية هيومن رايتس ووتش (المعنية بحقوق الانسان)، الى وقف المساعدات العسكرية الى العراق. ودعت الى اجراء تحقيق عاجل في مسألة قتل المتظاهرين من استخدام الغازات السامة والقتل المتعمد. وطالبت بكشف عن المجرمين والمسؤولين الذين اصدروا أوامر القتل ضد المتظاهرين. وأكدت بأن الامن العراقي يطلق الغاز القاتل على رؤوس المتظاهرين .

× اضافة الى منظمات الدولية والانسانية . فقد اجمعت على العنف والقتل المفرط تتحمل مسؤوليته الحكومة العراقية، والحاجة والضرورة والماسة الى الحماية الدولية، وتقديم المجرمين الى المحاكمة . وادانت اسلوب الحكومة العراقية في نهج القتل والعنف المتبع ، ويجب ان يطرح امام المسائة القانونية الدولية، وتقديم المجرمين الى محكمة العدل الدولية . وان الحكومة العراقية تخلت عن مسؤولية حماية الشعب العراقي. وان اي مجرم لن يفلت من العقاب، مهما كانت مسؤوليته وموقعه الحكومي . وطالبت الحكومة العراقية الى الاصغاء الى صوت العقل، قبل فوات الاوان. لان المجتمع الدولي لن يسكت عن الجرائم المروعة بحق المتظاهرين السلميين ...............

. ان يوم الحساب اقترب من محاكمة المجرمين والقتلة . سواء داخل العراق أو خارج العراق .

 

 جمعة عبدالله

 

علجية عيشجدار برلين هل كان خطوة لإحلال السلام والانفتاح والتعاون بين الشرق والغرب؟

لقد أصبح سقوط جدار برلين رمزا تاريخيا في ذاكرة شعوب أوروبا، إلا أنه تحول إلى أسلوب في التعامل بين رجال السياسة والأنظمة العربية الفاسدة وهي تمارس سياسة الإنقلاب والإقصاء في تعاملها مع المعارضة، تم فيها إسقاط الهوية العربية والسيادة الوطنية للشعوب، والدليل ما نشهده من حراك من أجل إسقاط النظام، ولنتساءل لماذا يا ترى فشل مشروع القومية العربية ؟ ولماذا فشل مشروع بناء المغرب العربي؟

يمثل جدار برلين أكثر الأعوام أهمية في تاريخ أوروبا، حيث يسترجع الألمان اليوم وغدا الذكرى الثلاثون (30) لسقوط الجدار المصادفة لـ: 09 نوفمبر 1989، اليوم الذي خرج فيه آلاف المواطنين الألمان إلى الشارع، ليقفوا على مشهد من الصعب نسيانه، كونه ظل منقوشا في ذاكرة الألمان الجماعية، بعد مقتل 140 شخصا، من ضمنهم 101 ألماني شرقي، الجدار الذي شيد في صيف1961 بشوارع العاصمة الألمانية من قبل سلطات جمهورية ألمانية الديمقراطية، يتكون من حواجز وخنادق وأبراج مراقبة، وكان تشييده بسبب ما لحق المانيا الشرقية من خسائر اقتصادية عندما هاجر أزيد من 02 مليون ألماني إلى الضفة الغربية، فكان بناؤه سببا في عزل برلين الشرقية عن برلين الغربية، وقفت على حادثة السقوط دول أوروبية كانت في حرب مع النازية ومنها فرنسا، اين شد فرنسيون رحالهم للوقوف على الحادثة، باعتبار الجدار يمثل العنصر الأكثر رمزية في الحرب الباردة بين دول شرقية وغربية، كان الوصال بينها منقطع لمدة 28 عامًا، كان السقوط سببا في إعادة توحيد الألمان عام 1990 ثم تأسيس الإتحاد الأوروبي .

 نوفمبر 89 اليوم عند الألمان يمثل بمثابة وقفة تاريخية تشهد فيها الشعوب إعادة توحيد ألمانيا، تقول تقارير أنه قبل استقالته تم دعوة ميخائيل غورباتشوف، الأمين العام للحزب الشيوعي إلى برلين الشرقية للقيام برحلة العودة، وقد تناولت جل الصحف الأجنبية والقنوات العالمية هذه الذكرى بالتحليل بمختلف الأساليب لإبراز أهمية الذكرى، كونها تعبر عن توحد الألمان ونهاية الحرب الباردة، وخطوة لإحلال السلام والانفتاح والتعاون بين الشرق والغرب، إلا أنه تحول إلى ورقة سياسية للأنظمة العربية الفاسدة وهي تمارس سياسة الإنقلاب والإقصاء في تعاملها مع المعارضة، تم فيها إسقاط الهوية العربية والسيادة الوطنية للشعوب، والدليل ما نشهده من حراك من أجل إسقاط النظام، ولنتساءل لماذا يا ترى فشل مشروع القومية العربية ؟ ولماذا فشل مشروع بناء المغرب العربي؟، ناهيك أنه يرمز للصراع بين الشعوب والأنظمة، بين المثقف والسلطة، بين الأديان والثقافات والحضارات وأقبر الحوار وسط ركام من الحجارة والأتربة المتساقطة.

 

علجية عيش

 

عدنان الظاهريُخطئ مَن يظن ُ أنَّ آلهة بابل عشتار كانت منصرفة للتناسل والخصب وتكثير أنسال الحيوان والبشر وليس غير ذلك. كانت خبيرة ورود من الطراز الأول. بل وهي نفسها (كما أخبرني الملك حمورابي في لقاء خاص معه جرى أخيراً في سفارة العراق في برلين) إنها هي عشتار بالذات هي من قام بتصميم وتفيذ مشروع جنائن بابل المعلقة وإنها هي بالذات من قامَ وقاد حملات التفتيش عن أكثر الورود والأشجار ندرةً في بابل ذاك الزمان. بل وسافرت إلى البلدان الأخرى المجاورة تسأل وتستقصي أخبار الورود وأصناف الزهور فتقتني ما تقتني وتبتاع ما تبتاعُ وتتقبل ما تتقبل من هدايا لتزيين قاعات وحدائق القصر الشاهق المخصص لسكن الملكة الجديدة سمير أميس. أصبحت عشتارُ بعد وصول سمير أميس إلى بابل وصيفتها وربتها في عين الوقت. وصيفتها نهاراً وربتها ليلاً تعلمها أصول العبادات وطقوس تقديم الأضاحي والقرابين لرب الأرباب المستورد من مملكة سومر في زاهي أيامها الغابرة. لماذا عشقت عشتارُ الورود ومنذ متى؟ هذا سؤال ـ يُخيل لي ـ لا قيمةَ له البتة. لا تسلْ من هو أبُ الوردة بل سل ْ ما لونها وما قوة تأثير عطرها. لا تسلْ عن الفراشة التي لقحتها أو أي طيرٍ أو خفاش ليل ٍ بل سل ْ هل يؤثر إختلاف الملقحين على نوعية أو قوة إكسير عطرها. لا تسلْ كيف تتباين ألوان الورود وما أسباب ذلك  واسألْ بدل ذلك كيف يختلف البشر في تفضليهم هذا العطر على ذاك وهذا اللون على الآخر. للإجابة عن كل هذه التساؤلات [الميتافيزيقية] بلغة الفلاسفة وأدباء ونقاد اليوم تفكيكيين وتركيبيين وسواهم إرتأيتُ أنْ لا بدَّ من ترتيب لقاء عاجل مع صاحبة الشأن الأول والأخير عالمة الورود ومصممة الحدائق المعلقة وربة سمير أميس ملكة بابل الجديدة المستوردة من أقصى الشمال. كيف السبيل إلى ذلك وقد غدت عشتارُ وصيفة سمير أميس (شامير آموش بلغة أهلها الأصليين) لا تفارقها لا نهاراً ولا ليلاً؟ في النهار وصيفة الملكة وفي الليل آلهة تعبدها هذه الملكة. كيف يكون الخادمُ نهاراً تحت ضوء الشمس مخدوماً في عتمة الظلام وغياب النور؟ هل الخدمة علنية لا من عيب فيها بينما التعبد والتقديس أمران سريان لا يحدثان إلى تحت جُنح الظلام؟ لا من سرٍّ  في الخدمة فالخدمة عمل وجهد بشري مبارك تباركه أيد ٍ واضحة ليست مستورة. أما التدين والتعبّد فلا يصلحان إلا في السر !!  ليسا بحاجة إلى جهد بشري لأنهما أساسا ً عملان غير منتجين. لا من إنتاج في الدين أي إنه بطالة مقنعة كما يقول الإقتصاديون المختصون. على كل حال... خرجنا عن الموضوع. كيف السبيل لتدبير لقاء مع عشتار الجديدة مزدوجة الوظيفة والمسؤوليات؟ إتصلت بجهاز الموبايل بالملك حمورابي لأساله النصح فلم أجده. قال بعض خدمه إنه يمارس الصيد ويقاتل الأسود في أجماتها الكثيفة القريبة من بابل في المنطقة التي سُميت فيما بعد ب (الجامعين). الجامعين؟ كان لأبي في هذا المكان بيتٌ ولي فيه أقارب. الجامعين؟ إنسَ الموضوع يا هذا ولا تشتت أفكارك ولا تنسَ موضوعك الرئيس. ماذا فعلتَ إذ لم تستطع الكلام مع الملك حمورابي؟ إتصلت بربه السيد مردوخ فكان ما زال نائماً يغط في الشخير. قال لي خادمه إنه قضى ليلة أمس في معبد عشتار طرباً وأنساً ومضاجعةً حتى بان الخيط الأسود من الخيط الأبيض فعاد إلى عرش ألوهيته ثملاً جذلاً لا يستطيع الوقوف على قدميه فحملته ثلة ٌ من جواريه وعبيده وها هو ما زال نائماً ولا يجرؤ أحدٌ من تابعيه على إيقاظه. هل تود أن تترك له رسالة أو ملاحظة؟ سالني سكرتيره الشخصي النبي دانيال وهو من يهود السبي في بابل. قلت كلا، سأتصل به ثانيةً لأمر هام أرجو إستشارته فيه. لا أدري مَن أوصل خبري لصاحبة العصمة عشتار، آلهة الطرب والهز والردح والخصوبة والتناسل العددي حسب نظام المتواليات الهندسية والجبرية. هل تناهى خبر حيرتي لها عن طريق الصُدفة حسب نظرية زميلي وصديقي المرحوم الدكتور جواد سلمان البدري [دعْ كلَّ شيء ٍ للصُدف].. أم أنَّ عيناً سحرية ً أو جهازا ً سرياً لتسجيل الصورة والصوت هو من قام بهذه المهمة؟ لا أدري. علمي علمك يا دكتور جواد. لماذ تتفلسف وتُكثر من أسئلتك؟ عرفت عشتار بأمرك وطبيعة تساؤلاتك فأعدت لك لقاءً خاصاً تزوّدك خلاله بالأجوبة النموذجية التي تبتغي. لم افرح بهذا الخبر. مان جُلُّ مبتغاي أنْ أحظى بمقابلة فتاة بابلية من لحمي ودمي أخرى سواها. فتاة نظيفة عفيفة شريفة مثقفة وفية لم تمارس الجنس لا مقدسه ولا محرمه بعدُ. ما علاقة هذه الفتاة الحصان البتول بعشتار؟ قلت يوماً إني أرى وجه حبيبتي في عشتار. تبادل أدوار في الشكل فقط. الأسماء مختلفة والأدوار مختلفة والمسؤليات كذلك. إنه مبدأ التناسخ المجوسي. أخذت حبيبتي من عشتار جمالها وأبهة عنصر الألوهية فيها وهيبتها الإجتماعية ربة ً ووصيفة ً للملكة الوافدة على مملكة بابل من أقصى الشمال. ثم أخذت منها حبَّها للورود وعشقها لألوانها وعمق معرفتها بأصولها وطرق إنباتها وزمن هذا الإنبات. لا تكاد الورود تفارق عالم حبيبتي البابلية. أجدها كلما إلتقيتها في الخيال أو الحُلم بين يديها وعلى صدرها تلاصق نهديها وحول جيدها الغزالي وبين خصلات شعرها الكستنائي الناعم الذي تتضوّع منه رائحة الحناء. أراها تملأ حجرة نومها في الصيف والشتاء. أما حديقة بيتها فجنة من جنات الخُلد. هل أصل حبيبتي وردة خرافية أو تمتُّ بصلات بايولوجية لإحدى سلالات الورود النادرة المنقرضة فليس لحبيبتي مثيلٌ في الدنيا لا بين الملائكة ولا بين البشر. سأستغني عن عشتار وإستشاراتها التي لا تقدمها للزبائن مجاناً. تقول إنها لا تتقاضى أجوراً مقابل هذه الإستشارات إنما هي تبرعات لصيانة وإدامة معبدها وتحسين ظروف أداء ونشاطات خدمه وعبيده وتجديد أثاثه ودفع أجور رمزية لفرق الإنشاد والطرب وقرّاء التراتيل الدينية للإله مردوخ، صاحب العزة والجلالة. هل يشرب الإله مردوخ الخمور؟ لا من معنى لألوهيته بدون سُكر ٍ وخمور !! أتاني الجواب من المرحوم جواد البدري صاحب مقولة [دعْ كلَّ شيء ٍ للصُدف]. كان ملحداً يكفر حتى باللاة والعُزى لكنه كان يخشى من هُبل الأكبر، هُبل بغداد المعروف. نعم، إستغنيتُ بالفعل عن عشتار ربة الجنس وعالمة النبات والورود. حبيبتي أكثر منها ثقافة وحبيبتي لا تسهر لياليها في خدمة الملكات والأرباب وحبيبتي أكاديمية الثقافة والعلم. كتبت لها رسالة (إيميل) مختصرة أسالها عن سر ولعها بالورود فأرسلت لي وردة حمراء بلون دمي الذي سفكته أو سفحته تحت قدميها يوم أنْ تعرفنا خلال إحتفالات ومهرجانات أعياد رأس السنة البابلية قبل أكثر من ثلاثة ألاف  عام. عرفتني عشتار عليها وقالت لي : خذ ْ، هذه إحدى وصيفاتي من قارئات تراتيل المعبد فصوتها شجي وعزفها على القيثارة لم يسمع البشر بمثله. خذها عطية ً مني لك إنها  منذ اليوم حبيبة قلبك، خذها هدية ً مني لك لأنك مثلها بابلي الأصل وإني وجدتها لا تصلح إلا لك. كتبت لها مرة ً ثانية ً : أحبك فأرسلت لي وردة ً أخرى كسابقتها لوناً وعطراً. أخاطبها حبا ً فتجيبني وروداً فكيف سنتفق؟ وحين طلبت منها صورة حديثة لها قالت تعالَ إلى بابل لنلتقط الكثير من التصاوير على مدرجات الجنائن المعلقة. كيف أروح إلى بابل وليس معي جواز ُ سفر بابلي؟ قالت لا تحزن ْ، سأشتري لك جوازاً مزوراً صالحاً لأربعة أعوام. هيا، أسرعْ ففي بابل مطار جديد يستقبل يومياً العديد من الطائرات القادمة من مختلف دول العالم. مَن سيستقبلني في مطاركم؟ أنا وعشتار وسمير أميس وحمورابي والرب مردوخ وإذا أحببت إصطحبنا معنا المستشار الملكي دانييل !

عزيزي المرحوم جواد البدري : أجبني وأنت في قبرك، هل نحن اليوم بحاجة ماسة للمزيد من المستشارين أم لدينا الكثير منهم عراقيين وأمريكان وسواهم؟ أجبْ يرحمك الرحمن.

 

عدنان الظاهر

25.07.2008

 

علاء الخطيبطالب السيد مسعود بارزاني بالكونفدرالية كالتفاف على مطالبة العراقيين بتغيير الدستور، وهي عملية تحايل ورفض لتغير الدستور وإحراج الطبقة السياسية المتواطئة معه أصلاً امام المتظاهرين . فهي مقايضة ومساومة مفضوحة.

 قد لا يعرف البعض منا معنى الكونفدرالية ولماذا يطالب بها البارزاني .

 الكونفدرالية هي اتحاد دول مع بعضها لاسباب اقتصادية او عسكرية، على ان تحتفظ كل دولة في الاتحاد بسيادتها وعلاقاتها الخارجية وتمثيلها في المنظمات الدولية كالأمم المتحدة والاتحاد الاوربي وغيرها .

 والكونفدرالية إطار ليست له هوية وطنية او مدنية فارتباط الدول بالاتحاد الكونفدرالي محدود ولا يكاد يتجاوز التصويت على المعاهدات والاتفاقيات المنظمة.

فهو انفصال بطريقة اخرى، اي ان اقليم كردستان لا يكون جزءاً من العراق باعتراف ومباركة عراقية .

 ومعنى ذلك هو ان تقوم بغداد بالاعتراف بدولة السيد البارزاني بشكل رسمي وتمنحه حق الدولة بكامل امتيازاتها، مقابل ان يوافق السيد مسعود على تغيير الدستور، أي ما لم يحصل عليه بالاستفتاء سيحصل عليه بالحيلة والإيهام .

لقد فشلت كل التجارب الكونفدرالية في العالم كالتجربة الجرمانية والأمريكية والسويسرية، لانها تجربة تمزق الشعوب وتلغي مفهوم الوطن والهوية والانتماء والشعب، كما انها لا توفر اي قوة للاتحاد، ويكون عرضة للاختلافات والصراعات فهو نظام مشلول .

 ومن مساوئ النظام الكونفدرالي هو توزيع السيادة وغياب القرار السياسي الواحد .

كما ان فشل النظام الكونفدرالي يؤدي الى أزمات سياسية كبيرة والعراق في غنىً عنها .

 ولعل اسوء تجربة لتوزيع السيادة في الوقت الحاضر هي التجربة البلجيكية، هذا البلد الذي تتنازعه قوميتان هي الفلامون الهولنديين والوالون الفرنسيين، فقد نشبت بينها صرعات سياسية شلت البلد لفترات طويلة، ففي العام 2007 بقي البلد بلا حكومة لمدة تسعة أشهر وفِي العام 2010 نشب صراع سياسي جعل البلد بلاحكومة لمدة سنة ونصف، حتى تعالت الأصوات بالانفصال .

ان الكونفدرالية التي يطالب بها البارزاني هي فخ جديد يريد ان يوقع العراق فيه وهي بذات الوقت توفر له الفرصة بالبقاء بالسلطة وجعل الشمال العراقي مملكة خاصة به.

 ان هذه المساومة والابتزاز الذي يقوم به البارزاني هو لتقويض الدولة العراقية والإجهاز على ما تبقى منها و خلق مشكلة مستدامة، فهو لا تعنيه مطالب العراقيين ومعاناتهم، كما ان هذه المعاناة والمطالبات لا تخص الاكراد باعتقاده، بل هي مطالب العراقيين الشيعة لزعمائهم، باعتباره دولة اخرى، ان هذا النفس في التعامل مع قضايا الوطن لا يمت بصلة للهوية الواحدة ولا يخدم العراق كدولة، ويجب ان يكون هناك موقف صلب وموحد من العراقيين تجاه هذا التعامل اللامسؤول من قبل البارزاني بالنسبة لقضايا البلد المصيرية، فالعراق هو عراق الكرد والعرب والسنة والشيعة والتركمان والمسيح والايزيدين والشبك وكل المكونات، فلا يمكن لاحد ما دام تحت هذا الإطار ان يتخلى عن مسؤوليته .

 لقد انتفض المتظاهرون العراقيون على الفساد ولم يميزوا بين الفاسدين فهذا التظاهر ضد الفاسد الشيعي كما هو ضد الفاسد السني والفاسد الكردي، فكلهم في الفساد سوى، ولا احد فوق الشبهات أو معفى من المسائلة.

 

علاء الخطيب

 

 

عبد الحسين شعبانلعلّ من المفارقة أن تعقد اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الاسكوا) بالتعاون مع جامعة نيويورك ومركز التعاون الدولي اجتماعها التشاوري على مستوى الخبراء بخصوص "التطرّف العنيف في سوريا ومنع انتشاره"، ويكون الهجوم التركي على الأراضي السورية قد بدأ تحت عنوان "نبع السلام" بزعم "القضاء على الإرهاب"، وهو الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً ونقاشاً عميقاً حول آثاره الراهنة والمستقبلية وتأثيراته السوريّة والإقليمية والدولية، ارتباطاً مع عنوان الاجتماع ذاته.

وكان العديد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة قد اشتغل على برامج ومشاريع وأجندات لسوريا، وحمل بعضها أبعاداً إنسانية تتعلّق باللاجئين والنازحين وغيرهم، وذلك منذ اندلاع الأزمة والاستعصاء الذي وصلت إليه. ومن هذه المنظمات وضعت الإسكوا في العام 2012 " الأجندة الوطنية لمستقبل سوريا"، وذلك من خلال حوارات ونقاشات في إطار تشاركي بين الخبراء السوريين والأطراف المعنيين لاقتراح سياسات بديلة لمرحلة ما بعد الأزمة، والهدف هو رسم وصياغة مفردات مشروع يتعلّق بالتنمية المستدامة، انطلاقاً من واقع الحال وتطوراته بعد الأزمة.

وإذا كانت حركة الاحتجاج في العام 2011 قد بدأت سلمية ومدنية، لكنه تم عسكرتها على نحو سريع، الأمر الذي دفع بالصراع إلى مديات شاسعة وعنفية ومنفلتة، لاسيّما بتداخلات إقليمية ودولية من خارج الحدود وضمن أهداف خاصة.

وتسعى اجتماعات الخبراء إلى تحليل الاتجاهات التي يمكن لسوريا تبنيّها في المستقبل، لاسيّما معالجة الجوانب المتعلقة بالتنمية ما بعد النزاع، والتي تتركز حول إعادة البناء وتقليص الأضرار المادية ومعالجة الآثار الاجتماعية والاقتصادية للنزاع الذي يستمر منذ أكثر من ثماني سنوات.

إن التحدّيات التي تواجه عملية إعادة البناء لا بدّ لها من بحث الفرص المتاحة أو الممكنة بالترابط مع الإمكانات المتوفرة، ولعلّ أولى الأولويات تتركّز في بناء السلام وتعزيز مؤسسات الدولة و"حكم القانون"، وبدون ذلك لن تنجح الجهود في الوصول إلى الأهداف المرجوّة، وقد انصبّت نقاشات الخبراء في الأسكوا على عدد من القضايا الأساسية منها:

1- إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية .

2- إعادة بناء المؤسسات وفقاً لمبادئ الحوكمة الديمقراطية.

3- إعادة بناء النسيج الاجتماعي وتحقيق المصالحة.

وهذه تشمل عدداً من القطاعات أهمها: النوع الاجتماعي والمجتمع المدني وحقوق الإنسان والبيئة والاستدامة، من خلال إحراز نجاحات في التنمية وترميم البنية التحتية وتعزيزها، إضافة إلى تحديث نظم الحكم والإدارة والقضاء وأجهزة إنفاذ القانون وفقاً للمبادئ العصرية.

ومنذ العام 2017 عمل برنامج الاسكوا على مناقشة " الإطار الاستراتيجي لبدائل السياسات" بتقديم رؤى وتصورات وأفكار يجري تحديثها بشكل دوري لتستجيب للتطورات التي تحدث بحيث يتم تكييفها للسيناريوهات المحتملة التي تنطلق من الواقع، وذلك عبر استشراف مستقبلي جديد لسوريا 2030 من خلال محاور أساسية للقطاعات المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدستورية والقانونية والقضائية والتربوية والتعليمية والبيئية والبلدية والمجتمع المدني وغيرها.

وفي العادة فإن اجتماعات المنظمات الدولية غالباً ما تنعقد وفقاً لقواعد Chatham House وكان التركيز في الاجتماع المشار إليه حول العنف والتطرّف، واستند في ذلك على دور داعش والشبكات الإرهابية الأخرى، وحسب تقديرات الأسكوا فإنه رغم هزيمته العسكرية، لكنه ما يزال يملك نحو 11.000(أحد عشر ألف) مقاتل محتجزين ونحو 75.000 (خمسة وسبعون ألف) نازح من عوائل داعش في مخيّم الهول شمال شرقي سوريا، وهو الذي هدّدت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بإطلاقهم أو عدم إمكانية حراستهم لحظة الاجتياح التركي لشرقي الفرات، والذي يمكن أن ينتقل تأثيرهم على دول الجوار بما فيها العراق بشكل خاص.

ومثل هذا الأمر يجعل من مسؤولية دول المنطقة والمجتمع الدولي والقوى الدولية الكبرى التفكير الجدي بإعادة تأهيلهم ودمجهم وتوطينهم، ويشكل ذلك تحدّياً كبيراً في إطار مواجهة الإرهاب، سواء للمجموعات الإرهابية المحلية أو للمقاتلين الأجانب وهم من بلدان أوروبية وغربية مختلفة، إضافة إلى مقاتلين من بلدان عربية ومسلمة.

إن مواجهة الإرهاب المتجسّد في التوحش والقتل العشوائي بالجملة يقتضي أولاً وقبل كل شيء الوقوف عند دوافعه، فلا إرهاب دون تعصب ديني أو طائفي أو مذهبي أو قومي أو سياسي أو اجتماعي أو غير ذلك، وإذا ما انتقل التعصّب من التفكير إلى التنفيذ سيصبح تطرّفاً، وكل متطرّف هو متعصّب بالضرورة، والعكس ليس صحيحاً.

وإذا ما أصبح التطرّف سلوكاً صار عنفاً، خصوصاً باستهداف الضحية بذاتها ولذاتها والتوجه للقضاء عليها أو لإسكاتها، أما إذا ضرب العنف عشوائياً، فإنه سيصبح إرهاباً، هدفه إضعاف ثقة الفرد والمجتمع بالدولة بزعزعة الأمن وضعضعة النظام العام وإحداث رعب وهلع وخوف في المجتمع، وقد يكون الهدف الأبعد هو إسقاط الدولة من خلال الفوضى وهي بالنسبة للإرهابيين وداعش وأخواتها " الفوضى أفضل من دولة لا تحكم باسم الله"، ولحين أن تتحقق تلك اللحظة، فإن إدارة التوحش تعمل لبناء شروط دولة الخلافة بتفكيك الدولة القائمة.

وإذا كان ثمة انتهاكات أو ثغرات ونواقص في السياسات الداخلية، فإن التدخلات الخارجية كان لها تأثير كبير على تشجيع وتمويل وإدامة العنف والإرهاب، خصوصاً باستغلال التطرّف والتعصّب المجتمعي وحاجات الناس وظروفهم المعاشية، ناهيك عن الأمية والتخلّف، وكل تدخل خارجي، ولاسيّما عسكري أو إدامة للنزاعات المسلحة الداخلية أو فرض عقوبات اقتصادية تمس صميم الناس، جلب معه التطرّف، والتطرّف يقود إلى تطرف مضاد، يبدأ سلبياً: الموقف من الأجنبي وصولاً إلى استخدام العنف ضده أو ضد المتعاونين معه الذين يطلق عليهم " المرتزقة" أو "الطابور أو الرتل الخامس"، وقد تناولت قواعد القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي المعاصر مسألة التعامل مع المدنيين، وهو ما ذهبت إليه اتفاقيات لاهاي لعام 1899 و1907 واتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقيها بروتوكولي جنيف لعام 1977 الأول - الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، والثاني- الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية.

وبالطبع، فثمة عقبات ستعترض سوريا حتى لو تمت هزيمة داعش، علماً بأن الهزيمة العسكرية لا تعني بالضرورة انتهاء داعش أو خطرها، لأن الأمر أبعد من ذلك حيث يقتضي تفكيك الشبكة الإرهابية وتجفيف منابعها وردم روافدها وقطع شريان التمويل لها، من خلال كفاح فكري طويل الأمد وسن قوانين وأنظمة جديدة تحول دون انتشار التنظيمات الإرهابية، لاسيّما بتغليظ العقوبات وإصلاح منظومة القضاء والأنظمة الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون، وتحسين الأوضاع الاقتصادية وإيجاد فرص عمل للعاطلين والقضاء على الأمية ووضع حد للتخلف وتوفير الحد الأدنى للعيش الكريم، فضلاً عن إعادة النظر بنظام التعليم والتربية، بما يؤدي إلى تنقيته من كل ما يتعارض مع اللوائح الدولية لحقوق الإنسان، إضافة إلى بذل جهد كبير لإصلاح المجال الديني، فكراً وثقافة وخطاباً، دون نسيان أهمية الجبهة الأمنية والاستخبارية من خلال نظام شامل للوقاية والحماية والرعاية.

وإذا كان المجتمع السوري متماسكاً تاريخياً وهو مجتمع متنوّع وتعدّدي ومتعايش دينياً وقومياً ومجتمعياً، لكن ذلك لا ينفي وجود ثغرات وعيوب ومثالب تتعلق أساساً بعدد من القضايا الإشكالية مثل الاعتراف بالآخر وإقرار التنوّع والتعددية واحترام منظومة الحقوق والحريات الأساسية، مثلما لا ينبغي إهمال أن موجة الإرهاب ما بعد احتلال العراق، كان لها تأثير كبير في استنفار جميع التناقضات والنتوءات المجتمعية، لاسيّما إذا ارتبطت بسياسات خاطئة وقصيرة النظر وبتشجيع ودعم من قوى خارجية وفقاً لأجندتها السياسية.

وكان الإرهاب بعد العام 2011 ولغاية العام 2014 قد وجد قاعدة حاضنة له في سوريا بتشجيع من قوى دولية وإقليمية يهمّها تعميم الفوضى وقضم الدولة بالتدرّج وعلى مراحل، أما بعد احتلال الموصل العام 2014 وقبلها احتلال الرقة، فقد أصبح لداعش نفوذ كبير حيث جرت محاولات لإعلان "الدولة الإسلامية" وعاصمتها الرقة، بل إن المنظمات الإرهابية بدأت تنتشر على نحو واسع بتطبيق قوانينها على أجزاء غير قليلة من سوريا والعراق.

إن انشغال المجتمع الدولي اليوم بمشروع التطرّف والعنف في سوريا، فلأنه أخذ يدرك أكثر من أي وقت مضى الدور المحوري لهذا البلد العريق من جهة، وما يمكن أن يتركه وجود الإرهاب من تأثيرات على المجتمع الدولي من جهة أخرى، وما يجلبه من تداخلات إقليمية، لاسيّما من جانب إيران وتركيا، ناهيك عن دور روسي متعاظم واختراق أمريكي من جانب آخر، فضلاً عن موقف أوروبي متمايز ومغاير، وهو الأمر الذي لا بدّ من إعادة بحثه استناداً إلى عدد من المستجدات منها :الاجتياح التركي الجديد والخارطة السياسية السورية بتضاريسها ومنعرجاتها المختلفة وتفاهم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مع الحكومة السورية، فضلاً عما ستؤول إليه لجنة إعداد الدستور ومصير اتفاقيات أستانة وجنيف، ناهيك عن مستقبل "المنطقة الآمنة"؟.

 

عبد الحسين شعبان

أكاديمي ومفكر عراقي

 

كاظم الموسويتثير الأحداث التي تشهدها المنطقة العربية الانتباه، واحيانا الدهشة أو المفاجأة، ولاسيما ما حصل في تونس ونتائج انتخاباتها، وفي العراق والمجزرة التي حصلت خلال اسبوع الحراك الشبابي الغاضب، وما يحدث في لبنان هذه الأيام. ولكنها تقدم دروسا وعبرا على الجميع تاملها وحفظها تقديرا واعترافا بتعبيرها عن إرادة الشعوب واختياراتها الوطنية.

ما حصل في تونس يراكم المتغيرات الإيجابية، إذ قدمت نتائج الانتخابات التشريعية والرئاسية خاصة دروسا جديدة في المشهد السياسي، لاسيما في كشف حساب الأحزاب السياسية وبرامجها. والابرز هو خسارة الحزب الحاكم السابق لموقعه الانتخابي والبرلماني بشكل صارخ، وتشابهت معه في الخسارة أحزاب الحركة اليسارية التاريخية، مما يعني أن هذه الأحزاب لم تحقق برامج مقنعة للناخب التونسي اليوم، رغم كل تاريخها النضالي ومواقفها الكفاحية التحررية. اما في الانتخابات الرئاسية لفوز الأكاديمي المتقاعد قيس بن سعيّد فقد أعطى نموذجا اخر وعبرة بارزة. فإن رجلا ينتخب بهذه النسبة العالية من الاصوات وهو من خارج الأحزاب السياسية والعمل السياسي أو الحزبي أو البروز في المشاركة السياسية العملية، يؤشر إلى أن مواقفه السياسية والفكرية وانحيازاته الثقافية اثرت في الفوز الواضح والمعبر عن فرادة نموذجية في المشهد السياسي العربي.

وكان الحراك الشبابي الغاضب في العراق في الاول من تشرين الاول/ اكتوبر مميزا بانطلاقه في العاصمة اولا وانتشاره في المحافظات الجنوبية، عكس الحراكات والاحتجاجات السابقة. ومن ثم الطابع العام للمشاركين فيه عمريا، إذ أن الأغلبية الواسعة منهم من جيل شاب، من مواليد ماقبل الإحتلال الغربي/ الأمريكي للعراق بقليل وما بعده، أي أن اغلبيتهم من أعمار  لا تتجاوز كثيرا العشرين عاما في الأغلب الاعم. ولهذه السمة دلالتها ومعناها، لاسيما وأن الحراك جاء من تراكم احتجاجي ولد غضبا عاما ايضا بسبب ردود فعل السلطات على التحركات الاحتجاجية، خاصة للخريجين الأكاديميين العاطلين عن العمل، من سنوات عديدة، وضياع أملهم في التوظيف الاعتيادي، لاسيما بعد استئثار اهل السلطات في المناصب والثروات. فضلا عن همجية التعامل مع الاحتجاجات ووحشية الإجراءات الأمنية وفقدان الشعور بالمسؤولية إزاء حاجات المتظاهرين ومطالبهم المشروعة.

في لبنان اندلعت تظاهرات عفوية في الشوارع والساحات القريبة من مراكز السلطات، الحكومة، البرلمان، الرئاسة، ومنازل بعض المسؤولين عن الفساد، حين كانت الحكومة في مناقشة للميزانية العامة والبحث في فرض ضرائب جديدة على الطبقات والفئات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة، وبعد إعلان وزير الاتصالات بفرض ضريبة جديدة على الانترنت واستخدام الواتس اب، مما يؤدي إلى زيادة في فواتير الهاتف وتواصلها مع الفواتير الاخرى، إضافة إلى تفاقم الغلاء والبطالة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية الاخرى. وتدهور اغلب القطاعات الأساسية في البلاد. واستمرت التظاهرات الاحتجاجية والحراك الشعبي في المدن الاخرى، حتى قدرت بعض وكالات الأنباء الدولية اعداد المشاركين في الحراك الشعبي باكثر من مليون ونصف مليون مواطن بدء من اليوم الثاني وفي تزايد مستمر.

كل هذا يعني أن ثمة مشتركات. بين كل هذه الحراكات بكل الاشكال والالوان في كل الساحات المحتجة. رغم سمات وميزات متفردة لكل منها أو لبعض ممن يتسم بها. الا ان الأغلب فيها هو المشاركة الشعبية الكبيرة، العفوية في الانطلاق والتحرك ومن ثم بروز التدخلات والتداخلات المتعددة، من الجهات والأطراف المحرضة لاستمرار الحراك لأهداف وغايات متنوعة، وبالتأكيد حسب مصالح وخطط وبرامج عمل مختلفة. ومنها من يعمل لمصلحة وطنية عامة ولخدمة تحقيق الأسباب التي أدت إلى الغضب والحراك، بتوفير الخدمات الأساسية والتوظيف ومكافحة الفساد والطغيان والإستبداد والعمل من أجل الحريات والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة.

في تونس انتهت الحراكات والاحتجاجات السلمية بنتائج إيجابية لحد الان، أو على الأقل بفوز رئيس جديد وقوى سياسية متنوعة في الانتخابات التشريعية، الأمر الذي يوفر مناخات افضل مما كانت عليه ويقدم للجميع دروسا في التجربة والخبرة والنجاح في إدارة البلاد ومستقبلها.

اما في العراق فانتهت الحراكات لاسبوع واحد بمجازر دموية، راح ضحيتها اكثر من مئة وخمسين شهيدا وأكثر من ستة آلاف وخمسمئة جريح ومصاب، وهدات الحراكات بوعود وإجراءات أمنية مشددة. ومحاولات تغطية النتائج بحلول جزئية ووعود مكررة، ومجيء مناسبة دينية محترمة من الشعب، هي أربعين استشهاد الامام الحسين (عليه السلام) وما أن انتهت حتى بدأت الاصوات تدعو لإعادة الحراكات والاحتجاجات يوم 25 من تشرين الاول/ اكتوبر. وحصل فعلا في التاريخ المعلن واستمراره مع محاولات قمعه. ورغم الاحترام للمناسبة الدينية إلا أن ثمة شعارات ونشاطات تعمل على تقليل أهمية المقدس، وتجاوز الأعراف وتحميل المسؤولية والدعوة إلى عدم التدخل في السياسة والشؤون العامة. واخذت في لبنان مساحة أوسع وصولا إلى الشتم والسب والتشويه، بما يتماهى مع مشاريع معلنة من القوى الإمبريالية والمتخادمين معها، وما يستدعي التفكير بتدخلات خارجية معادية، لها حساباتها وخططها المعادية المعروفة، ولها أهداف معلنة كما مساهمتها بمليارات الدولارات لأداء هذه الوظيفة التخريبية. ونشر وسائل الإعلام المختلفة لشعارات واغراض هذه الحملة الإعلامية الموجهة، واستخدام وسائل إعلامية ووجوه نساء في السب والشتم لرموز دينية أو مناسبات وطقوس محترمة. للاسف تمكنت هذه الجهات المشبوهة والمعادية للمصالح الوطنية والقومية والإسلامية والإنسانية، بالهجوم على الطقوس الدينية في مناسبات عاشوراء، والمسيرات الجماعية لزيارة الاربعين لمحافظتي كربلاء والنجف، وكذلك الهجوم على أمين عام حزب الله اللبناني، حسن نصر الله، على لسان نساء متغطيات الوجوه بنظارات سوداء واجسام مشوهة، ونشرها على اوسع نطاق من وسائل التواصل والفضائيات العربية خصوصا، أو الناطقة بالعربية.

استخدام ما نشر مستمد من ما يسمى بالثورات الملونة وخطوات إنجازها، ومراحلها في تشويه المجمع عليه والمقدسات بكل الاشكال ومشاركة أطراف مثيرة للجدل أو لصور اجتماعية مقصودة، والمسرح والغناء والرقص العاري والسعي إلى التسقيط السياسي والتشويه الأخلاقي والتضليل المعرفي والخداع المنظم والتزييف الملون والترويج لأهداف وشعارات تصب في خدمة ركوب الحراك وحرفه عن مطالبه المشروعة وحقوقه العادلة، ودفعه بكل تلك الوسائل والطرق الى المواجهات المباشرة وسفك الدم وصناعة اخبار مزيفة ونهايات دموية عنيقة، كما حصل وعانت منها شعوب وبلدان، ومنها لما تزل تكابد منها.

والدروس الأساسية التي قدمها الحراك تتمحور في تسليط الضوء على سعة التفاوت الطبقي والاجتماعي، واستحواذ اهل السلطة، أو ما يسمى بالطبقة السياسية المتنفذة بالثروات والامتيازات، واهمال الحاجات والخدمات الأساسية للمجتمع واتساع إطارات الفساد والنهب للمال العام وتبذير الثروات الوطنية والطاقات البشرية ودفعها الى ترك الوطن والهجرة الى الخارج. وكذلك اسقاط الشرعية الشعبية من السياسيين المتنفذين، والمنتخبين من هؤلاء المتظاهرين أساسا. كما تحول الشارع إلى سلطة وطنية مقابلة للسلطة المحاسبة في المشهد السياسي.

هذه بعض الدروس والعبر لمن يعتبر، ولعل جرس الإنذار من الحراك الشعبي يسمع او ينبه أو يرن في اذن من يزعم دعمه الشعب والوطن في مشاركته في السلطات والإدارات. وهنا الوردة فلنرقص معا!..

 

كاظم الموسوي

 

صادق السامرائيالإنسان العراقي يمتلك طاقات ثورية حضارية لا تضاهى، ويتساءل الناس في الكثير من المجتمعات عن، أين ثورة العراقيين.

وقد فاجأني أحد الأخوة ذات يوما بقوله أن العراقيين لا يثورون، ولا يمكنهم أن يحققوا ما تحقق في مجتمعات عربية أخرى.

وكنت أحسب أننا لا نثور بالمعنى المتعارف عليه للثورة.

وكنت على وشك الرضوخ لهذا التوصيف الذي ساورني الشك فيه، ذلك أن الإنسان العراقي سليل مسيرة حضارية عريقة ذات إسهامات متميزة في وضع خطوات البشرية في دروب التقدم والرقاء، فكانت الكتابة والعجلة والزراعة والدولة والقانون والدستور وغيرها من الإسهامات الأصيلة، التي لازالت الدنيا تسير وفقا لمناهجها ومعالمها التي أوجدها إبن بلاد الرافدين.

لكنني وفي أحد اللقاءات الثقافية الفكرية التي تعددت فيها المواضيع والدراسات، إكتشفت أن العراقي في ثورة مدوية، وأنه في مرحلة النضج الثوري الحضاري الذي سيرسم معالم صيرورة إنسانية جديدة.

ويبدو أن ثورة العراقيين ثورة فكرية شاملة، ستحقق إنتقالة في الوعي والفهم العربي والإسلامي، مثلما أحدثته ثورة الشعر الحر التي زعزعت أركان الشعر بتركيباته المتعارفة على مدى القرون.

ففي العراق هناك بوادر ثورة فكرية تأريخية، ستعيد بناء العقل العربي وستغير مسارات التفكير والنظر.

ثورة ضد التقاليد البالية في قراءة التاريخ وكتابته , والإنتقال به إلى مراحل جديدة معاصرة ذات إسهامات مؤثرة في الحياة.

ثورة دينية تقترب من التراث الإسلامي بروح معاصرة وعقول متفتحة ذات ثقافة إنسانية لا حدود لها، ولا تستكين للدارج من آليات التضليل والتحريف وأخذ الأجيال إلى موارد الردى والضياع والخسران.

ثورة وعي للذات والموضوع والأرض والوطن والحاضر والمستقبل.

ثورة أكبر من جميع الثورات، إنها ثورة العقل العراقي، والنفس العراقية، والروح العراقية التي أنضجتها الظروف المدلهمة الشديدة القساوة والضراوة.

نعم، في العراق ثورة هي كُبرى الثورات العربية ونبراسها ومنار مسيرتها المستقبلية، ثورة لا ترونها، لكنها فاعلة في قلب الإنسان العراقي في أرجاء البلاد، وأنها ستأتي أُكلها وتصنع وجودها الإنساني الحضاري المعبّر عن قيمة وتأثير العراقي في مسيرة الحياة الأرضية.

قد تستغربون، ولا تصدقون، لكنكم ستدركون ذات يوم قريب، أن في مرجل العراق ثورة فكرية ثقافية فوارة، وسترون عطاءها وستسمعون أزيزها وإنفجارها الحضاري الأعظم.

نعم إن العراق يثور من أقصاه إلى أقصاه، وأنه سيكون، وسيفتح أمام الثورات العربية آفاقا حضارية تستدعي التفاعل والتواصل الخلاق ما بين أبناء المجتمع العربي في كل مكان.

تحية لهذه الثورة العراقية الكامنة الغنية بالأنوار والتوهجات الإبداعية المتميزة السباّقة، التي ستجدد خارطة تفكيرنا وأليات إدراكنا واقترابنا من أبعاد الزمن الثلاثة.

إنها ثورة عراقية أصيلة تسري في عروق العراقيين أجمعين وتنبض بقلوبهم وتدوي في أعماقهم، ويتحفز لها الشباب والشابات، لأنهم يمتلكون طاقات التنوير والإشراق العراقي الساطع.

فتحية لكل عراقي يساهم في هذه الثورة الإنسانية الثقافية المباركة.

وعاش العراق والعراقيون صنّاع المجد والأمل والحياة.

 

د. صادق السامرائي

.................................

* هذه المقالة منشورة قبل أكثر من سبعة سنوات , وقد كتبتها بعد أن إنتهيت من إدارة ندوة ثقافية لنخبة من العقول العراقية المنورة , وقد عثرت عليها صدفة وأنا أقلب أرشيف المقالات. وتأريخ نشرها 15\1\2012

 

عبد الجبار نوريالسياسة: هي علم المراوغة والمكر للحصول على مكاسب، الرابح فيها هم حيتان اللعبة القذرة، والخاسر هم جموع الشعب، لذا يمكن القول بأن السياسة حرفة والوطن رسالة، والسياسة دهاء والوطنية أخلاص، والسياسة دراسة والوطنية فطرة، والسياسة أجتهاد والوطنية جهاد، والسياسة تطوع والوطنية واجب، وأخيراً السياسة منصب والوطنية نصُبْ تذكاري، وقال فيها عظماء وقادة أقوالٌ مأثورة :* السياسة فن السفالة الأنيقة (أنيس منصور) * السياسة فن الخداع تجد لها ميداناً واسعاً في العقول الضعيفة (فولتير) * في السياسة أذا كنت لا تستطيع أقناعهم فحاول أن تسبب لهم الأرتباك (ترومان) * السياسة فن الخباثة يكون فيها من الضروري الضرب تحت الحزام (شارل ديغول) .

وأتساءل على الدوام وبمرارة ويأس وأحباط وأحيناً تصل ألى بكاء الرجال الصامت على وطني المستباح، بآلام مغترب جذوره في ضفاف دجلة الخير، وبرئة مؤكسدة تحتاج ألى شمة أوكسجين أزقة بغداد الحبيبة، فذنوبنا برقابكم يا أصحاب القرار السياسي الديني وقد تجلببتم بجلودنا  وتحكمتم برقابنا، وضيعتم هيبتنا بسياساتكم الديماغوجية المكشوفة بحكومتكم الدينية (الثيوغرافية) وسرقتم منا كل شيء ما عدا الدموع والبسمة البخيلة وكلاهما وجهان لعملة واحدة هي البؤس والشقاء والأسى والندم على ما أبتلينا به من حكام الغفلة في هذا الزمن الأغبر، وبأسم الدين طبقتم سياسة الأرض المحروقة الصدامية النازية الداعشية الظلامية تاركين لنا أرثاً ثقيلاً من 5 مليون يتيم و3 مليون أرملة و4 مليون نازح و5 مليون مهاجر ونسبة فقر تزيد على 35 بالمائة ونسبة بطالة وصلت إلى 57 بالمائة ومدارس طينية وأمراض مستوطنة ومستوردة ومسرطنة ونزوح وتهجير وقتل ومذابح وفرهود المال العام بدون رقيب أو خوف من الله والضمير والقانون المغيب أصلاً وطرد للعقول وخزينة مصفّرة وديون مشروطة وثقيلة وسيادة مغيّبة تماماً والعمامة والعباءة السوداء تنحني بأذلال أمام أوامر أمريكا المحتلة ومملكة الكراهية والحقد المذهبي والطائفي أل سعود وصبيان أل زايد وكطر أو أصح أخوة يوسف وتركيا الحالمة بالعثمنة تحت قبة حريم السلطان، ومنذ 2003 لحد اليوم نعاني من أحزاب الأسلام السياسي ذات الهوية الطائفية والنزعة اللصوصية أختزلت الوطن والشعب .

وأما نفوذ وسطوة المرجعية فأنها ذات نفس قصير فهي ليست معنية بما أبتلينا به من حكام الجور والفساد لكونها تفتقر لروابط الأنتماء للوطن والولاء للمجتمع، وأثبتت التجربة السياسية في الأزمات الأخيرة الخانقة معلقة تأثيرها الروحي والتوقف عند حد (لقد بُحت أصواتنا)عندها غسلت يدها من المسؤولين لحد الأمتناع من مقابلة بعضهم، ولا يمكن نكران تأثير المرجعية في أصدار فتوى الجهاد الكفائي الذي صنع الحشد الشعبي والذي حمى حزام بغداد من بهائم داعش، وأن المرجعية تكلمت كثيراً بخطابها السياسي بلغة الأمام علي (عليه السلام) ولكنها لم تعي إلى أن الأمام علي حارب الحكام الذين أستباحوا أموال العباد وأرزاقهم والتحكم بأعناقهم، وأن الأمام حارب الظلم والفساد(بالكلمة والسيف) بجرأة وشجاعة فريدة مع الأسف لم تكن ضمن سياسة المرجعية ورغبتها لأسباب سياسية داخلية وأقليمية كثيرة .

والوضع السياسي الراهن يعاني من ملفات خطرة:

1-ملف التهديد قال قاضي الجنايات في المحكمة الكبرى أني شخصياً وبقناعة تامّة برأتُ المتهم (محمد الدايني) من التهم الموجهة أليه لعدم حضور شهود الأثبات، وتبين أنّهم مهددون، وأضاف القاضي أني شخصياً طرقتُ أبوابهم فردا فردا لكنهم رفضوا الحضور والأدلاء بشهاداتهم، وفي 2006 صرح المستشار الأمريكي " جون نيومن " أني أستغربت تبرئة عصابة منظمة للقتل وسألتُ قاضي الجنايات عن سبب هذا الحكم الغير مهني فقال الحاكم بالحرف الواضح {من قتل المئات فهو لن يهتم أذا أضاف لهم أفراد عائلتي} .

2- ملف حرائق الطابق الثاني- بالذات وهو الشيء المضحك - من مؤسسات الدولة التي تحوي على ملفات الأدانة بالفساد المالي والأداري وخيانة الأمانة لرموز رفيعة في الدولة (لا من شاف ولا من دري) وأتضح من تسريبات أمنية أن البعض من عملاء تلك الرموز أندس بين المتظاهرين ودخل مبنى مجلس الأمة وسرق وأتلف أضبارات وملفات الفساد لقيادات رفيعة .

3- ملف تجار السياسة، من المألوف أن نسمع أن هناك مافيات تجار أعضاء البشرية أو تجار سلاح أو تجار حروب أو تجار أزمات ولكن لم أسمع في حياتي إلى أن هناك تجار سياسة حتى أنه أصبح خبراً مألوفاً ومنتشراً في وسائل الأعلام في زمن أنتخابات 2014 بفضيحة مدوية كيف رست المزايدة في شراء وزارة الكهرباء بمبلغ 350 مليون دولار في عمان فندق (فور سيزن) في تنازل محاصصي من كتلة ألى أخرى .

4- ملف الأنفاق الذي لا يصدق:  وهذه بعضها القليل

** 25 مليار دينار عراقي على أيفادات (البطر) ** مليار و400 مليون دينار على أصلاح رحلات مدرسية في تربية الرصافة  ** 8 مليار دينار تأثيث مكتب أحد الرئاسات ** 10 مليار دينار (ضيافه) محافظة البصرة (جاي وكهوه) .

 5- ملف الرواتب الخيالية للرئاسات المتقاعدة (بالأستقالة) وليس (بالأقالة) 50 مليون دينار لمحمود المشهداني و50 كذلك ألى حاجم الحسني و100 مليون دينار لغازي الشمري رئيس الجمهوري الأسبق والمؤقت لمدة أربعة أشهر فقط .

 

عبدالجبارنوري - كاتب وباحث عراقي مغترب

 

 

عبد الخالق الفلاحعندما نريد ان نتحدث عن الارهاق والمعاناة الذي يعاني منه الشعب العراقي بسبب السياسات الهزيلة للحكومات التي تعاقبت عليه فقليل ما نستطيع الحديث عنه في مقال و دون ان يحصل المواطن على الحد الأدنى من مستلزمات العيش الآدمي السليم وبالقسوة و أعلى درجات الظلم، واعلى درجات القسوة هي ان تهان في عيشك وكرامة عائلتك بوجود كل الامكانات المادية والمعنوية في دولة خلق الله فيها كل اسباب الخير والعطاء. وعندما امتدت شرارة الاحتجاج و هي تقف وراء حراكها الجاري (الكتل السياسية الحاكمة) بعد ان طغوا وبلغ السيل الزبى وانكشف الحيف والظلم وفسدوا وأفسدوا وافقروا مواطنيهم وأضعفوهم لذا نراهم اليوم ينأون بانفسهم عن حركة الاحتجاجات والمظاهرات التي اندلعت عنيفة رغم دعوات الاصلاح التي كانوا يدعونها وادوارهم التمثيلية البارعة والخطابات العاطفية الفارغة للبعض، وما اجبرت هذه الحركة الغاضية الكثير من كبار المسؤولين في الحكومة ليهرولون باتجاه الاعتراف بالتقصير والاعتذار عنه ومحاولة طرح حلول حتى وإن وصفها البعض بالمتسارعة و الترقيعية  للتهدئة ومنح الحكومة فرصة تنفيذ ما وعدت به والاعتراف بأن التظاهر حق شرعه الدستور الذي تم تشكيل لجنة لتعديله من 18 شخص ليس فيهم اي واحد يفهم بالقانون الدستوري وهو العيب الكبير في اول خطوة وقع فيه مجلس النواب وهناك من استغل المرحلة في غياب الاستقرار الدولة للعبث وفرض انانيته في تعيين اقربائهم ومحسوبيهم في مسؤوليات جديدة في وزارات مختلفة في مقدمتهم  وزارة الصناعة وما يدل على ان الامور لن تكون افضل حالاً من هذا الوضع ويعكس قراءة مغلوطة لواقع الحراك الشعبي الاحتجاجي الواسع من قبلهم، ولمطالبه الشاملة وما أفرزت من معطيات التي نقف مع سلميتها  .

نعم التقصير من الذين عشقوا النظام السياسي ويحكمون به وتمسكوا بمقاعده ولا يمكن انكاره في البلد ولا مجال للدفاع عنهم  فأن (من عَشَقَ شَيئاً أعمى بَصَره، وَ أمرَضَ قَلبه، فَهُو يَنظُرُ بعَين غَير صَحيحة، وَ يَسمَعُ بأذن غَير سَميعَة)  ولكن المظاهرات تنجح اذا بقت تحافظ على سلميتها ولا ينبغي أن تتحول إلى عنف وصدامات وفوضى وخروج عن القانون وتهديد الأمن العام وتخريب وتفكيك مؤسسات الدولة من قبل العناصر المندسة كالبعثيين أو الدواعش أو الذين غرروا بالبسطاء وأخرجوهم في مظاهرات ليستغلها المخربون في القيام بخرق النظام العام والتعدي على ممتلكات الامة باسم الاعتراض والعصيان والحقوق الاجتماعية، ويدمروا المنشآت والمؤسسات العامة وقطع الطرق واجبار المدارس والجامعات والدوائرعلى تعطيل عملها .

نعم الفساد غير المسبوق في العراق ويقف في مقدمة دوله ومسد الآفاق ولكن إن المشاكل المتعاقبة على مدى عشرات السنين، ليس بمقدور اية حكومة أن تحلها بين ليلة وضحاها وتحتاج الى ضغوط مستمرة دون ان تؤثر على حركة الشارع لكي لا ينقلب عليه . وان حالة التشتت وعدم الانسجام بين المتظاهرين وغياب الهوية الواضحة للتظاهرات قد لا يمكنها من تحقيق أهدافها المنشودة مما يتسبب في استنزافها وإجهاضها .. لذلك على الجميع ان يدركوا بغض النظر عن توجهاتهم، بان العراق على مفترق طرق، فإما أن تعمل من اجل ان تصنع بلدا آمنا حرا يعيش يسوده العدل والمساواة ويعيش فيه الإنسان بكرامة وحرية.. أو أن يؤدي بهم الفساد والإرهاب الى مستقبل مجهول المعالم والخواتيم ..

الخيار الآن للجماهير دون مسميات في نهضتها، ان تترك  انتماءاتها الحزبية والفئوية وتجعل ولائها لوطنها ولمستقبل الاجيال القادمة ، فالجميع وان تعددت مشاربهم لا زالوا يبحرون في سفينة واحدة يجب المحافظة عليها من شر الاشرار ومن اجل المسار والتغيير المطلوب ينبغي ان يستند الى خارطة طريق واضحة المعالم مدعوة بتعبئة واصطفاف وطني واسع عابرة للاستقطاب الطائفي والعرقي و هو الذي يقرب المسافات و يوصل الجميع الى الهدف المنشود. ويجب ان نؤشر إلى وجود من يصطاد في الماء العكر من أعداء العراق، من خلال  مواقع رسمية وقنوات إعلامية لحزب البعث العراقي المنحل وفضائيات دول وهي تنشر المعلومات الكاذبة والمفركة وتتبنى مطالب المتظاهرين لركوب موجتها، وطبعا هذا التحرك ليس حبا بالشعب الذي كانوا يقتلونه بالعنف نفسه إبان حكمهم البغيض لمدة 35 عاماً خلت  لذلك النظام،

 إن تحقيق رغبات ومطالب الشعب يتطلب تعاون وتكاتف كل القوى والأطراف، و حماية الأمن والاستقرار وحاضر ومستقبل البلد واجب ومسؤولية الجميع ويستدعي الحذر والحكمة من الجميع. وبالتالي نحن أمام مجموعة من الشباب اليائس العاطل الباحث عن عمل يجب مراعاة معاناتهم، وقد خرجوا يطالبون بحقوقهم ويدافعون عن أنفسهم ويجب ان تكون لهم  رؤية واضحة للحل تستند الى إعادة النظر بالدستور ومناهضة ماترتب على العملية السياسية وافرازاتها والعمل على اقامة دولة المواطنة التي يسودها العدل ويحكما القانون ورفض التدخلات الخارجية وصولا الى إقامة نظام وطني يلبي حاجات وتطلعات العراقيين بوطن آمن وموحد ومستقر .وبلاشك ان القوى السياسية فشلت في ادارة الحكم وكلها غير مؤهلة لأن تقود الشارع، وتعلم إن شاركت في التظاهرات فستؤدي إلى رفضها من قبل الجماهير . لا مناص منه وهم على بينة . إن تحقيق رغبات ومطالب الشعب يتطلب تعاون وتكاتف كل القوى والأطراف التي تشعر بالمسؤولية الوطنية وتعمل عليها بكل صدق، وان حماية الأمن والاستقرار وحاضر ومستقبل البلد واجب ومسؤولية الجميع ويستدعي الحذر والحكمة من الجميع. من هذا الإحساس  بخطورة الأوضاع بالعراق ومحاولة التصدي لتداعياتها و تصاعدت وتيرة الحراك الفطري  للجماهير باتت  مؤثرة في المشهد السياسي للبحث عن مخرجات واقعية لمعالجة ازمات العراق التي باتت مستعصية جراء فشل القائمين على ادارة العراق على حلها وحقيقية لانتشال العراق من المأزق السياسي الذي يتخبط به منذ عقود من الزمن وحتى الان.

العراق يمر بظروف حساسة يحتاج معها إلى التهدئة والاستقرار السياسي والأمني، وبرؤية جديدة تعيد الامل للساعين الى عراق آمن وموحد ومستقر وان الاجواء المتوترة والاخلال بالوضع الأمني وخروج الأحداث عن السيطرة، سيزيد الوضع سوءاً وصعوبة، ولن تحل المشاكل وسيتضرر منه كل الشعب دون الاستثناء ويجب التعاطي مع الاحداث بحكمة .

والدعوة إلى ضبط النفس وحماية القانون والحفاظ على المصلحة العليا للوطن . ان مسؤولية ما يجري تقع على عاتق السياسات الخاطئة المتراكمة، التي تحاوّل الإصرار عليها القوى السياسية القابضة على زمام الامور وتحول الخطأ الى خطيئة، وان الحكومات المتعاقبة بمواقفها المتعنته انما دفعت الأمور الى هذه الحافة الخطيرة ما يفرض على القوى السياسية اخذ العبرة والحذر منها والكف فورا عن اللعب بالنار والاصرار على القراءات الخاطئة والمصالح الأنانية والضيقة والأجندات غير السليمة  وعليها المبادرة الى تحمل مسؤوليتها السياسية عما جرى ويجري وتقديم مصالح الجميع والمستحيل من اجل تحقيق المطالب الحقة بعيدا عن ولاءات الكتل السياسية وضغوطها وعن المحاصصة، والانطلاق في ذلك من مصالح  الشعب اساسا، و تطبيق خارطة طريق تنقل البلاد الى شواطيء الأمان والاستقرار، وتطلق حركتها على طريق البناء والإعمار وتقيم دولة المواطنة والقانون والديمقراطية الحقة والعدالة الاجتماعية.

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

عبد الامير العباديربما وبفعل الرصاص تطول ايام بقاء سلطتكم جاثمة على صدور العراقيين ، والسبب واضح ان بقاءكم ليس حرصا على وطننا بل حرصا على ما سرقتموه خلال تواجدكم الغلط والذي اتى به الاميركان وحماه الايرانيون ليدمروا هذا البلد .

ايها الطغاة المغفلون المارقون القوادون، بالامس كنتم ثلة من الرعاع احتضنتكم اميركا ودول الغرب وايران وافترض انها اخطأت لاجل ان تعودوا لوطنكم وتعيدون ما هدم من قبل فاشية صدام وكان بالامكان استخلاص دروس وعبر من تجربتكم مع صدام الذي مارس الظلم على الجميع .

لقدكانت شعاراتكم ومؤتمراتكم تلوح بالتدين والمظلومية والتعسف وصورتم للشعب العراقي انكم ستعيدون مجده وترفعون علمه عاليا وتجعلون منه وطن الاوطان.

لكن عفونة جذوركم وامتدادهاالى حقبات مظلمة جعلت منكم مسخا يريد ان يعيد الحقبة الظلامية التي عاشها اجدادكم من الاصول التترية ومن ثم اعادة امجادكم على حساب نهضة العراق بعيدا عن الايمان بان الشعوب الاصلية قد انفصلت عن كل ارث لهالصيق بحقب الموت وحقب الحروب .

والان وبعد مرور ١٦ سنه على وجودكم على هرم قيادة الدولة العراقية اتضح انكم زمرة من السماسرة والمرابين والخونة لقضية الشعب حيث اوغلتم بقتله وتدميره وسرقة موارده

لقد تناسيتم ان العراق بلد الرفض والوثبات ومقارعة كل من يسعى لايذاء ابناءه

ان ساحات التحرير من بغداد الى البصرة الان تتقدم وبقوة لاعادة تعليمكم كيفية اعادة ما دمرتموه ووضعكم في اقفاص تحت رحمة القضاء العادل ودفع اثمان الدماء التي سالت

والاحزان والجرائم التي اقترفتموها طيلة حكمكم

غدا تصدح الحرية وينتشي جواد سليم بزهو نصبه الذي اصبح حقا نصب الحرية والصوت المغرد سلاما ياعراق

 

عبدالامير العبادي

 

مجدي ابراهيممن المولد المبارك حتى الانتهاء إلى الرفيق الأعلى عاش، صلوات الله وسلامه عليه، حياته في بعدها الزمني المحدود بزمان ومكان، فكان كاملاً مكمّلاً في خصاله الشريفة ومناقبه العفيفة. لم تصف اللغة ولن تستطيع أن تصف وصفاً من أوصافه على التحقيق؛ لأن الكمال فيه لا يوصف بلفظ ولا يحيط به تصوّر محدود، وبخاصّةٍ إذا كان الكامل يجسّد صفة إلهيّة لا وصف لها إلا النور الذي يشملها ويضمّها.

محمدٌ رسول الله، ولكنه مع ذلك هو قبضة النور. محمدٌ المُبلغ رسالة الله للعالمين، هو الرحمة المُهداة من قبل الله إلى خلق الله، ولكنه مع ذلك لولاه لم تُخلق الدنيا من العدم، لولا محمد في البعد الروحي لا البعد الزمني ما خُلقت الدنيا من العدم، وجوده الروحي أسبق من وجود جميع الأنبياء، ومددُ الأنبياء وعلومهم ومعارفهم من مدد نوره السابق.

ولمّا أن ولد صلوات الله وسلامه عليه في الفترة الزمنية التي وجدت في زمانها ومكانها، تمثل النور فيه كاملاً فظهرت حقيقته النوريّة الباطنة في مظهره الكامل، ولكنها مع ذلك لم تكن لتظهر فيه ولا في غيره من إخوانه الأنبياء إلّا لإظهار الحقائق الإلهيّة.

ومع أنه السابق للخلق نوره إلا أن الأنبياء أسبق منه في الوجود الزمني ولم يسبقوه في الوجود الروحي، غير أنه خاتمهم. خاتم هذا الموكب الخالد، موكب النور الذي تقدّمه وختمه في نفس الحال.

 لقد سمّاه القرآن الكريم داعياً إلى الله بإذنه، وسمّاه سراجاً منيراً، فالدّعوة إلى الله على الإذن خاصّةُ محمد رسول الله كما كانت خاصّة الأنبياء جميعاً من قبله، فهو يدعو إلى الله بالإذن المخصوص بالرسالة، فهو رسول مبلغ للرسالة، مأذونٌ بالدعوة إلى الله على بصيرة لا بل على وحي الشريعة والتنزيل.

هذا بعدٌ زمني محدود بزمان ومكان، المساحة فيه مع كمالها محصورة في تاريخ المولد والنشأة والدعوة والانتقال إلى الرفيق الأعلى، لكنه في نفس الوقت رحمة للعالمين تتجاوز حدود الزمان والمكان والمدة الزمنية التي عاشها في حياته الشريفة المباركة بمدد لا ينقطع ولا يزول، هو مدد النور المحمّديّ، أوليته وقدمه.

ومن أجل هذا، سمّاه سراجاً منيراً، سراجاً منيراً للكون من الأزل إلى الأبد، الإنارة سرمدية لا تتوقف على فترة زمنية محدّدة بزمانها ومكانها، فإذا السّراج المنير هذا لا ينصرف إلى البعد الزمني وحده بل يتعدّاه إلى البعد الروحي الذي لا ينقطع بانقطاع فترة النبوّة، فهو الذي منه يشع النور ليملأ الأرض والسّماء كما يملأ القلوب والأرواح والأسرار واللطائف والأذواق، ومنه تكون الهداية يتوخّاها الصُّلحاء، وفي التعلق به يكون الهُدى والكمال والرفعة كما تكون علوم الأولياء.

لم يكن عُرفاء الإسلام بالذين يستقون من مشكاة الأنوار نوراً غير نور النبوة؛ ليمدهم بمدد موصول لم يكن لينقطع ولا ليزول في حين انقطعت النبوة بوفاته على التحقيق، وبقى منها الميراث وهو الأبقى والأدوم يدور في فلك إظهار الحقائق الإلهية حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

ولم يكن ميراث النبوة سوى هذا المدد الدائم من فيض فضل نوره صلوات الله عليه، سواء كان علماً أو خلقاً أو نوراً أو ولاية وتحقيقاً.

وسمّاه القرآن الكريم الإمام المبين إذ أحصى كل شئ فيه، ولم يكن المجيئ سابقاً في الترتيب على المعجزة إلا بفضل تقدّمه سبق النور (قد جاءُكم من الله نورٌ وكتابٌ مبين) فالنور أسبق في الترتيب من المعجزة التي هى الكتاب المبين، إذا كان النور التام الكامل هو محمد رسول الله.

وعلى هذا البعد الروحي جاز للذين عرفوه أن يصلّوا عليه بمطلق الأمر الإلهي، وبمطلق استمراريته في قوله "يصلون": الفعل المضارع الذي يدل على الاستمرارية، بمثل هذه الصيغة: (اللهم صلّ على سيدنا محمد القطب الكامل والجوهر المكنون وعلى أخيه جبريل المُطوّق بالنور). وفي الصلاة اتصال باليقين الذي لا شك فيه. فلا يتصل متصل إلا من طريق الصلاة عليه ولا ينقطع منقطع وفي قلبه محبته وموالاته على تحقق المنهج وموافقة الاتباع.

الجوهرٌ المكنون نورٌ في نور، ولذلك كان ولا يزال قطباً كاملاً، ومن مدد نوره يستمد الأقطاب أنوارهم إلى يوم الدّين. ومع أن أخيه جبريل مطوقٌ بالنور فإنه لم يتقدّم خشية الاحتراق في حين تقدّم هو فاخترق حُجُب الأنوار كلها، فنورُه كاملٌ من نوره وفي نوره. ولم يكن تطويق جبريل بالنور كقبضة النور الأزليّة السرمدية، لذلك تأخّر وتقدّمت .. فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد القطب الكامل والجوهر المكنون، وعلى أخيه جبريل المطوّق بالنور.

لا تحتاج الحفاوة بمطلع النور إلى قناعة عقلية، ولكنها تحتاج إلى لطيفة ربّانية ملآنة بالمحبّة لسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه : منقذ البشرية من مهاوي الفناء. والمحبّة اتّباع : "قُل إنْ كنتم تحبُّون الله فاتّبعوني يُحببكم الله". ولا يجب في كل ما كان محبوباً أن يكون محبوباً لشيء آخر وإلا لدار أو تسلسل، بل لا بد أن ينتهي إلى ما يكون محبوباً لذاته. وعليه ؛ فالاستقراء يدل على أن معرفة الكامل من حيث هو كامل يوجب محبته .. صلوات الله وسلامه عليه .. فاللّهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد النور الذاتي والسرّ السّاري سرُّه في سائر الأسماء والصفات، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

علاء اللاميلماذا سيعدلون الدستور وفق المادة 142وليس المادة 126 وكلتاهما سيئة؟ أصدرت لجنة خاصة في البرلمان الفاسد الذي جاء بالتزوير، بيانا ذكرت فيه إنها تريد تعديل دستور بريمر بموجب المادة 142 الطائفية، وهي مادة منتهية الصلاحية لأنها تتعلق بالفترة الانتقالية التي انتهت بعد دورتين انتخابيتين أي انتهت في سنة 2013. هذه المادة تنص على أن ممثلي "المكونات الرئيسية" أي الساسة الشيعة والكرد والعرب السنة، هم من يضعون التعديلات الدستورية أي أن الساسة الطائفيين هم من يعدلون دستورا طائفيا، مع الزج بعبارات إنشائية من قبيل "وإشراك حكماء وخبراء وممثلين عن الأمم المتحدة"، ثم تعرض التعديلات على الاستفتاء، ومع وجود فيتو الثلثين في ثلاث محافظات والمقصود به فيتو بيد الزعامات الإقطاعية الكردية في المحافظات الثلاث أربيل والسليمانية ودهوك فإن أي أمل لإمرار هذه التعديلات لا وجود له.

المادتان سيئتان، هذا صحيح، ولكن 142 أسوأ وأخبث من 126، والمطلوب رفض أي تعديل بموجب المادتين وتحت سقف دستور بريمر بل يجب تنفيذ مطلب المتظاهرين السلميين الذي قالوه وكرروه في صرختهم التي تكررت كثيرا: يسقط دستور بريمر!

وسقوط دستور بريمر لا يتم إلا بحل البرلمان الحزبي التزويري الفاسد وإجراء انتخابات لجمعية تأسيسية تكتب دستورا جديدا يقوم على أسس المواطنة الحديثة والمساواة وليس على أسس المكونات الطائفية!

 يسقط_دستور_بريمر

 يسقط_يعني_يطيح !

ثلاثة روابط:

1- نص المادة 142 من الدستور العراقي:

أولاً:- يشكل مجلس النواب في بداية عمله لجنةً من أعضائه تكون ممثلةً للمكونات الرئيسة في المجتمع العراقي، مهمتها تقديم تقريرٍ إلى مجلس النواب، خلال مدةٍ لا تتجاوز أربعة أشهر، يتضمن توصيةً بالتعديلات الضرورية التي يمكن إجراؤها على الدستور، وتُحل اللجنة بعد البت في مقترحاتها.

ثانياً:- تعرض التعديلات المقترحة من قبل اللجنة دفعةً واحدة على مجلس النواب للتصويت عليها، وتُعد مقرةً بموافقة الأغلبية المطلقة لعدد أعضاء المجلس.

ثالثاً:- تطرح المواد المعدلة من قبل مجلس النواب وفقاً لما ورد في البند (ثانياً) من هذه المادة على الشعب للاستفتاء عليها، خلال مدةٍ لا تزيد على شهرين من تأريخ إقرار التعديل في مجلس النواب.

رابعاً:- يكون الاستفتاء على المواد المعدلة ناجحاً، بموافقة أغلبية المصوتين، وإذا لم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات أو أكثر.

خامساً:- يستثنى ما ورد في هذه المادة من أحكام المادة (126) المتعلقة بتعديل الدستور، إلى حين الانتهاء من البت في التعديلات المنصوص عليها في هذه المادة.

2- رابط يحيل إلى نص المادة (126):

أولاً-: لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين، أو لخُمس (1/5) أعضاء مجلس النواب، اقتراح تعديل الدستور.

ثانياً:- لا يجوز تعديل المبادئ الأساسية الواردة في الباب الأول، والحقوق والحريات الواردة في الباب الثاني من الدستور، إلا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين، وبناءاً على موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة أيام.

ثالثاً:- لا يجوز تعديل المواد الأخرى غير المنصوص عليها في البند “ثانياً” من هذه المادة، إلا بعد موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة أيام.

رابعاً:- لا يجوز إجراء أي تعديل على مواد الدستور، من شأنه أن ينتقص من صلاحيات الأقاليم التي لا تكون داخلةً ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، إلا بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم المعني، وموافقة أغلبية سكانه باستفتاءٍ عام.

3- رابط يحيل الى خبر بيان اللجنة النيابية الخاصة: الكشف عن قرارات الاجتماع الأول للجنة المؤقتة لإجراء مقترحات التعديلات الدستورية:

https://www.shafaaq.com/…/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B4%D9%81-%…/

 

علاء اللامي

 

صائب خليلسألني البعض تكراراً عن هذا واتهموني أني “لا اقتنع بسهولة” رغم الأدلة على مقولة الخامنئي الأخيرة.

نعم انا لا اقتنع بسهولة ابداً وهذا افتخر به ولا اخجل منه.. ليست مسألة عناد بوجه الحقائق بل عناد مع الحقائق. فأنا اطلب الحقائق من الآخرين واشكرهم عليها، ولم اقفز الى استنتاجات حول ما قاله الخامنئي.

وأنا ادافع عن خامنئي (عندما يوجه له ظلم)، اولاً من اجل ان يصل الصدق الي وإليكم.. وهذا دفاع عن نفسي ضد التزوير وعنكم، قبل ان يكون دفاعاً عن خامنئي.. هذا الدفاع من خلال التأكد من دقة الخبر، متأت من خبرة عشرين سنة مع الصحافة، لم اشاهد فيها تزويرا رهيبا بقدر التزوير الذي اصاب ايران بعد ثورتها الاسلامية، ولدي كم هائل من الامثلة على ذلك..

وأدافع عن خامنئي لأني اعتبر الخطر الذي يهدد بلادي هو اسرائيل وسيطرتها على اميركا، وسيطرة أميركا على معظم دول العالم. وايران تتمتع بتلك الميزة النادرة وهي استقلالها النسبي عن اميركا، وهي ميزة ذات قيمة هائلة.. 

وأدافع عن خامنئي لأني اعتقد انه افضل ما في إيران بالنسبة للعراق. فروحاني تاجر يبيع اوراق العراق لأميركا... لكن خامنئي رجل صادق في اعتقادي، إنما طبعا ليس معصوما من الخطأ والخلل وقد كتبت عن ذلك مقالة او مقالتين كاملتين.

من امثلة هذا الخطأ هو تصريحاته الأخيرة بشأن العراق ولبنان، والتي كان اجدر به ان ينأى عن أي تدخل بـ "النصائح" بشأنهما، مما يفسر بأنه تدخل في شؤونهما، خاصة انه يعرف مدى حساسية الوضع وشراسة الكذب الإعلامي.

تصريحه الأخير امام طلبة الكلية العسكرية، اثار لغطاً كثيراً، وكالعادة تمت ترجمته بتحريف كثير او قليل ليعطي معنى اكثر حدة من حقيقته وليجعل الخطأ اكبر واكثر اثارة للمشاعر المتوترة أصلا. قال خامنئي حرفيا:

“كلمة للكرام في دول مثل العراق ولبنان، ان تكون اولويتهم هي علاج فقدان الامن. ويجب ان يعلموا أن لشعوبهم مطالبات، وهي مطالبات محقة. لكن هذه المطالب يمكن تحقيقها فقط، ضمن الإطار القانوني. العدو يريد تدمير الاطار القانوني كله. فحين لا يكون هناك أي وجود للقانون في البلاد، فلن يمكن عمل أي شيء. ولا يمكن التقدم بشيء.”

ومثل هذا الكلام، معقول في مجمله، ولا يمكن تحميله اكثر من "لوم بسيط" يحتمه توتر الأجواء وضرورة عدم التدخل حتى بالكلام المعقول. لكن ما حدث هو تحوير النص لإثارة الناس. وحتى هذا الفيديو نشر تحت عنوان منحرف قليلا في كلماته بهدف الاستثارة : "تصريحات خامنئي في الكلية العسكرية: لابد من القضاء على الفوضى في العراق و لبنان".. ونلاحظ هنا استبدال كملة الخامنئي "علاج" بـ "القضاء على"! (يمكن للمنتبه ان يسمع كلمة "علاج" في خطبة الخامنئي فهي نفسها باللغة الفارسية كما يبدو).

ربما لو كان الأمر في قضية أخرى لاعتبرناها قلة دقة في الترجمة، اما في مثل هذا الوضع فالمرجح انه تحوير مقصود ومدروس بحذر.

النتيجة هي هياج عظيم على صفحات التواصل الاجتماعي، وفعاليات مثيرة للأسف ستحقق الغرض منها وتلقي على العلاقة بين الشعبين العراقي والإيراني ظلالا قاتمة، بل حتى داخل الشعب العراقي نفسه. فالمتظاهرين (او المدسوسين بينهم) حين اطلقوا العنان لمشاعرهم المنفلتة وراحوا يضربون صورة الخامنئي وسليماني بالأحذية، ربما يتصورون ان العالم تغير وان الغالبية صارت فجأة توافقهم هذا الموقف، وينسون ان الرجلين يتمتعان باحترام معظم الشعب الإيراني إن لم يكن كله، وان تلك الفعلة إهانة شديدة لهؤلاء وتحطيم للعلاقة مع هذا الشعب الطيب الجار، وهو ما يتمناه ويسعى اليه أعداء البلدين. ولا استبعد في هذا الهياج الجنوني ان العديد من المخلصين صاروا يرجون ذلك أيضا.

فوق ذلك فأن نسبة كبيرة من أبناء الشعب العراقي تشارك الإيرانيين هذا الشعور تجاه الخامنئي، وتشعر بالمهانة من ذلك الفعل، وستجد في أفعال تلك التظاهرات عدواناً على مشاعرها وطموحاتها في بلادها.

ومثل هذا ما حدث من صلافة في التعامل مع السيد السيستاني وحرق صوره. وقد نسوا ان السيد السيستاني اخرج مئات الألوف ممن دافع عن العراق بدمه وحياته بكلمة واحدة منه. فهل من أولويات من يقود التظاهرات ان يستعدي الملايين من اتباع السيد السيستاني، ويهدد مطالبه الحقيقية؟ الرد جاء سريعا، فبينما اكتب هذه الكلمات وصلني ان ساحة التحرير تهتف الآن: "تاج تاج على الراس .. سيد علي السيستاني"!

من نتائج هذا التحشيد الواضحة، تحويل الغضب إلى الخامنئي وسليماني، وتركيز الحديث على تدخلهما، رغم انه اقل بألف مرة من تدخل السفير الأمريكي في الانتخابات والتصويت والقرارات وتحديد الوزراء وازاحة رؤساء الوزراء ووضع القوانين الاقتصادية والبنك المركزي وكتابة الدستور وإعادة تشكيل الجيش (مع الحرص على تنصيب العملاء في قيادته كما كشفت كارثة تسليم المدن لداعش)، إضافة الى خلق داعش نفسها وادخالها الى العراق وإنقاذها عندما حانت نهايتها. من وقف مع العراق حينها؟

هذا الضياع بتوجيه التظاهرات لهذه الأهداف خيبة كبيرة ودلالة احقاد قبيحة مدفونة، ان لم تكن مدسوسة في التظاهرات. بالتالي فهذه الأفعال، وهذا الهياج للكراهية التي انتجت تلك الأفعال، لا تخدم الا تحطيم العلاقة مع الشعب الإيراني، وانقسام الشعب العراقي ذاته.

الحقيقة التي قد تكون صادمة للبعض بعد كل هذا التحشيد الإعلامي الخبيث، هي أن خامنئي وسليماني هم افضل ما في ايران بالنسبة لنا وليس العكس! فهما الأكثر دفاعا عن العراق من أي إيراني اخر اعرفه، رغم ان التدخل في الشأن الداخلي مرفوض ويجب التنبيه عليه، كما ذكرنا. ودعمهما للعراق هو السبب في سعي الاعلام لشيطنة هؤلاء دون غيرهم. فنادراً ما يذكر هذا الإعلام روحاني بسوء مثلا. (هل تعلمون لماذا؟ لأنه قريب من اميركا!).. فالمقصود من كل هذا التحريف في اهداف التظاهرات هو عزل العراق - الضحية الضعيفة الضائعة، عن آخر المدافعين عنه واثارة كراهيته له ليبتعد عنه وربما يصطف في جانب اعدائه ويصبح كل شيء جاهزاً لذبح الضحية بهدوء.

كما قلت، فإن خامنئي لم يكن بلا خطأ، لكني ادافع عن خامنئي لأني ارفض المشاركة بالجنون في تقدير الاشياء..  اريد ان يسمح لي ان اقول عن ما هو خاطئ، ان هذا خاطئ بهذا القدر.. بهذا القدر فقط!

ما يحدث في العراق هو العكس وما يضغط به على العراقي هو اتخاذ مواقف منفلتة من أي قياس. فتغريدة الخامنئي الأولى التي ذكر فيها كلمة "مؤامرة"... تلقفها البعض وكأنه اصيب برصاصة. رغم ان الرجل كان واضحاً في الحديث عن مؤامرة لخلق العداء بين الشعبين، ولم يقل ان المتظاهرين هم المتآمرون، لأنه قال انهم يطالبون بمطالب محقة. ولا يمكن إلا لمنافق ان ينكر وجود مثل هذه المؤامرة وانها تمكنت من توجيه بعض التظاهرات بهذا الاتجاه. والمرة الثانية هي كلمته اما الكلية العسكرية كما ذكرنا.

الصحيح هو أن يوجه إلى الخامنئي اللوم لدعمه الضمني لحكومة عبد المهدي الفاسدة التي دمرت العراق، والى تدخله ايضا في الشأن العراقي. فالعلاقة الاخوية التي تربط الشعبين وعلاقة مصيريهما في المنطقة ببعضهما البعض، لا تكفي لمثل هذا الموقف الذي يبدو فوقياً.

هذا برأيي هو الموقف السليم والحجم السليم للنقد، وليس تصوير ذلك التصريح كأنه جريمة وفرصة لجلد كل من يحترم الخامنئي، ودفعه لمعاداة التظاهرات التي يفترض بان تكون اول أولوياتها كسب كل الجماهير الممكنة لقضيتها، بدلا من فصلها عنها. فمبادرة المنتقد بالخشونة، تقطع التواصل مع الاخرين، وبالتالي مع أي نقد قد يوصل لنا الحقيقة.

تصريحات خامنئي في الكلية العسكرية: لابد من القضاء على الفوضى في العراق و لبنان -

https://www.youtube.com/watch?v=MreD-FxohAw&fbclid=IwAR092061mKW9GlQ7H-e07njDv1TYxt1YLRzUsU6fdAPKHhejVX3qVdtpgzM

 

صائب خليل

 

في العراق ولبنان اتضح أن الطائفة هي أيضا تشكيلة عصية على "الإصلاح" هي الأخرى.. في العراق انتفض فقراء الشيعة ضد سادات وأغنياء طائفتهم مطالبين هؤلاء التخفيف من غلواء نهبهم لثروات البلاد النفطية.. جاء الرد بالرصاص، لم يكن هذا الرصاص أقل فتكا أو غزارة من ذاك الذي أطلقه شيعة على سنة أو مسلمين على مسيحيين أو العكس في العراق ولبنان وسوريا أو ما فعلته القبائل المتعادية في ليبيا واليمن الخ.. في بلد غني بالنفط من ينتظر غير ذلك، أيا كان من يقبض على السلطة لن يفعل أقل من ذلك، سواء على صعيد النهب أو الدفاع عنه بالرصاص.. بدت الطائفة أحيانا وكأنها الحامي الأخير للإنسان المقهور في الشرق، وقد حاول الكثيرون أيضا الإيحاء بذلك وتأكيده، لكن اتضح اليوم أن الطائفة مثلها مثل أي كيان هرمي سلطوي، كالشعب والوطن والجماعة الدينية وبالتأكيد الحزب والقبيلة الخ، تخضع لنفس القوانين التي تخضع لها كل التشكيلات الهرمية وأن العلاقة بين قمة الهرم وقاعدته لا تختلف عنها في أي كيان هرمي سلطوي آخر.. انكشف اليوم مستوى الحماية الذي تقدمه الطائفة لأبنائها رغم أنه من المبكر جدا أن نقول أن الطائفية ذاتها قد ماتت كما يرغب الثوار اللبنانيون.. جاء الجواب من لبنان بالذات : ما دام النقد يوجه بشكل عام ضد قادة الطوائف، أفراد الطبقة الأوليغاركية الحاكمة والمالكة دون تحديد، كان يقابل بالتصفيق في الشارع أو الشوارع المختلفة، لكن ما أن استقال الحريري حتى أصبح السنة، غالبيتهم على الأقل، يعبرون عن غضب من نوع آخر، غضب طائفي جدا.. الطائفية مثلها مثل بقية الأشياء المحتواة معا فيما تسمى الهوية والتي اعتبرت خصائص شرقية أو عربية أو إسلامية بامتياز، بينما كانت في الماضي شبهة تبعث على الشعور بالخجل واعتبرت، مع الحجاب وتكفير الآخر وقتل المرتد وشاتم الرسول ورهاب الحداثة الخ، أشياء تنتمي إلى الماضي، أصبحت اليوم كبقية مكونات ما اصطلح على تسميتها بالهوية والتي تمجد لدرجة التقديس اليوم، أصبحت علنية ويمكن الجهر والتفاخر بها خاصة إذا تعلق الأمر بالصراع على السلطة.. أما فيما يتعلق بالهوس بالهوية فإنه اليوم قد تحول إلى هذيان.. كان جورج طرابيشي يتحدث عن عصاب لكن ما يجري اليوم ليس أقل من هذيان، إهلاسات حقيقية.. المهووسون بالهوية، معظمنا وفي مقدمتنا مثقفو هذه الأمة، عاجزون تماما عن رؤية الواقع، واقعنا :  أننا لا نقدم لهذا العالم شيئا سوى كره الآخر، الحجاب، ذكورية وأبوية قروسطية : عبوديات أقل ما يقال فيها أن الدهر قد أكل عليها وشرب، الهويات القاتلة التي تدعو لذبح الآخر الطائفي وسحل القوميات الأخرى، الحجر على العقل واتهامه ومحاكمته إذا اقترب أو خرج أو تجرأ على مساءلة ما نعتبرها مكونات الهوية، منع السخرية من إهلاسات محمد ومن شهوانيته أو ممارسته للبودوفيليا تحت طائلة الاتهام بالعنصرية أو الذبح.. لا نقدم للعالم شيئا سوى التفاهات بينما نمجد هذه التفاهات لدرجة التقديس ونصم كل من لا يفعل مثل فعلنا بما طاب لنا من اتهامات.. لقد تحولنا إلى ما يشبه تنبالة السلطان عبد الحميد بالنسبة للعالم، لا نفعل شيئا سوى التسول والشكوى والجلوس والانتظار، وطبعا الدعاء على الأعداء أي على الجميع تقريبا، ودعوة العالم للعيش فكريا واجتماعيا في العصور الوسطى.. حتى عندما ينتج العالم ويخترع ويورد لنا مخترعاته فإننا نستورد آخر ما أبدعه وأنتجه بدلال وتمنع، إنه يستعمرنا بتكنولوجيته ومنتجاته، لكننا نشتريها منه على أي حال.. من أهم وأخصب إهلاساتنا هو أننا ننسب لكسلنا العقلي والروحي والجسدي تأثيرات هائلة على هذا العالم الذي ما كان له أن يخترع ويتطور ويبدع لولا هذا الكسل بل إن أخلاق العالم تتجسد فقط في تعامله معنا وتحديدا مع كسلنا وتخلفنا، والإهلاس الثاني من حيث الأهمية بالنسبة لنا هو تاريخنا المعاصر الذي أعدنا كتابته بحيث يكون فيه فاعل واحد هو الغرب ومفعول به واحد هو نحن لنبرأ أنفسنا من أية مسؤولية عن مصائبنا ولنؤسس إيديولوجيا للتسول والشكوى وتقديس التخلف والجهل.. أما الحقيقة فإنه لولا لحم الخنزير واللحم أو الطعام الحلال والحجاب والبوركيني والنفط والغاز وقدرة أمرائنا وخدمهم الاستهلاكية الفائقة وذئاب داعش المنفردة وأطروحات بعض الليبراليين واليساريين الغربيين حول الإسلاموفوبيا لما لاحظنا أحد في العالم.. لقد تمخض المارد كما يصفوه فولد نظام الملالي في طهران 1979 وأفغانستان الثمانينات انتهاءا بداعش والإمارات المنتشرة في ليبيا وسوريا وغزة والضاحية الجنوبية وطرفي الخليج الفارسي أو العربي، المعتمدة تماما على  النفط والغاز الذي يشتريه الغرب ما بعد الحداثي ما بعد الكولونيالي والاستشراقي والصدقات القادمة منه ومن دول البترودولار.. هذا لا يعني أن العالم بخير، لكننا أبعد الناس في العالم عن هذا الخير، بينما نؤكد العكس لأنفسنا.. الدين هو أفيون الشعوب المتخلفة

 

مازن كم الماز

 

بكر السباتينمن يقف وراء ذلك؟!

بدأت المظاهرات في لبنان وخاصة بيروت تحت مظلة محاربة الفساد ونبذ الطائفية بكل أبعادها والدعوة إلى وأد مخرجات اتفاقية الطائف التي يتمترس خلفها زعماء الطوائف في لبنان وتأسيس دولة مدنية تقودها حكومة تكنوقراطية تقوم على الكفاءات بغض النظر عن الطائفة، دولة لبنانية يمثلها شعار الأرز، وتمتلك أجندة وطنية خلافاً لما هو سائد حيث ارتباط الرئاسة اللبنانية اليوم بالكنيسة المارونية المدعومة من فرنسا، ورئاسة الوزراء السنية المدعومة من السعودية، والبرلمان اللبناني الذي يترأسه نبيه بري المدعوم من إيران.. دولة تمتلك جهازاً رقابياً محايداً لتخليص لبنان من الفساد وهدر الأموال العامة لتخفيف عبء المديونية اللبنانية وخدمتها، حيث أن مقترحات صندوق النقد الدولي ومنها فرض رسوم على خدمة "الواتسأب" هي من أشعل فتيل الثورة السلمية في بلاد الأرز. ولكن ثمة أمر مريب يحدث في شمال لبنان.. وأعني هنا طرابلس ثاني مدن لبنان من حيث الكثافة السكانية وعوائد ناتجها المحلي على الاقتصاد اللبناني، وهي ذات غالبية سنية.. فقد جاء من بين الجموع الغفيرة التي تبنت شعار محاربة الفساد وتقويض الطائفية من يؤجج نارها وينفخ في الجمر حتى ينشب الحريق الذي لا نتمناه للبنان الذي ما زال يعاني من نتائج الحرب الأهلية منتصف العقد السابع في القرن الماضي، والتي لم تبق ولم تذر.. ولو تتبعت موقع طرابلس من خريطة الأحداث الإقليمية لأشرت ببنانك إلى فئات سلفية مدسوسة ذات أجندات باتت مكشوفة، تسعى لإخراج الحراك الشعبي في عموم لبنان من سياقها بتبني شعار ات طائفية ضد حزب الله مباشرة، دون احتساب الوضع الأمني في جنوب لبنان ودور الحزب في ضبطه مسانداً في ذلك الجيش اللبناني، مع أن الشعار العام لمظاهرات لبنان الذي ينادي بوأد الطائفية سيشمل الملف السياسي لكل الطوائف اللبنانية نحو دستور مدني بعيداً عن المحاصصة واعتماداً على الكفاءات. وكأن الغاية من إثارة الفتن الطائفية هو إعادة خلط الأوراق من جديد في منطقة ملتهبة، فمن يقف وراء رفع هذه الشعارات الطائفية يا ترى!؟

هذا يعيدنا إلى بعض الحقائق التي تتعلق بلبنان*"ما لبث هدفاً رئيساً للتطرّف والتشدّد الإسلاميين منذ اندلاع النزاع السوري العام 2011. وقد فتك المتطرّفون المُلتحقون بجماعات جهادية سلفية (على غرار تنظيم الدولة الإسلامية المُعلن ذاتيا، وهيئة تحرير الشام المعروفة سابقاً بجبهة النصرة ثم جبهة فتح الشام) بأعداد كبيرة من المدنيين، عبر عمليات تفجير انتحارية وهجمات بالصواريخ داخل بيروت وخارجها، وخاضوا معارك دامية مع الجيش اللبناني. وفي العام 2014، كانت أعداد هذه الجماعات وقوتها تتنامى إلى درجة أنها باتت تُسيطر بفعالية على أجزاء من سهل البقاع، وصيدا، وطرابلس، حين كانوا يسعون، وفق ما قال مسؤولون أمنيون، إلى إقامة (إمارة إسلامية)". هذا ما قاله رافاييل لوفيفر في كتابه "الجذور الاجتماعية- السياسية للتطرّف السلفي في لبنان" وهو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث تتركّز أبحاثه على الحركات الإسلامية السنّية في لبنان.

صحيح أن طرابلس مثلت ذات يوم منطلق الدعم اللوجستي السعودي لتنظيمي النصرة وجند الشام في سوريا كونها تمثل معقل السلفية الجهادية، وفق أجندة طائفية أدرجت حزب الله والجيش العربي السوري في قائمة "الزنادقة" الأعداء، وكأن ثقافة المدينة تقوم على مركزية المكون الطائفي.. إلا أن هذا لا يعني بأن الطرابلسيين هم جزء من المشروع السلفي رغم أن المكون السني يشعر بالغبن في كثير من الملفات الداخلية إزاء مكتسبات الطوائف الأخرى، لأن السلفية استقطبت الكثير من العرب وخاصة الخليج العربي.. فهل يكون الحل برفع شعار الطائفية الذي يتبناه السلفيون! وما يرافقه من خطاب إعلامي بربوغاندي تضليلي لضرب خاصرة سوريا كلما استعادت عافيتها! وتحويل لبنان إلى اسفنجة لامتصاص الارتدادات الناجمة عن فشل المشروع السلفي المدعوم سعودياً، فلبنان وطن الجميع كما هي سوريا.. والدور التنموي الذي يقوم به السلفيون في المناطق الفقيرة جعل لهم قاعدة جماهيرية لا يستهان بها.. طبعاً هذا لم يكن متاحاً دون الدعم الخليجي مثل ببناء المدارس والمراكز الصحية ودعم المبرات ودور الأيتام، وهذا ما جر طرابلس لتكون منطقة الدعم اللوجستي للنصرة وجند الشام.. وربما من هنا توقدت أحلام السلفيين لإقامة إمارة إسلامية في جزء من لبنان على محاذاة سوريا تمهيداً لإقامة دولة الخلافة فيها.

وأخيراً ينبغي العلم بأن الطرابلسيين يمثلون جزءاً من المكون السني في النسيج اللبناني، ولا بد أن يتمسكوا بخيار إسقاط اتفاقية الطائف لصالح دولة مدنية يستطيع أي لبناني يتمتع بالكفاءة اللازمة من تبوء أي منصب مفصلي في مرافق الدولة الحساسة، وفق بنود دستور يكفل له ذلك، ونظام ديمقراطي حقيقي.. فالطائفية تمثل العدو الأشرس للبنان يأتي بعده العدو الإسرائيلي المتربص بوحدة لبنان والذي يقوم كيانه على طائفية الدولة "اليهودية" الذي يتمترس ضده حزب الله بالتنسيق مع الجيش اللبناني؛ لتحقيق معادلة الردع الموضوعية التي يؤمن بها معظم اللبنانيين من كل الطوائف على أن تظل قواتهم في ثكناتهم من حارة حريك حتى الحدود الجنوبية مع فلسطين المحتلة.

من هنا لا بد من العودة إلى شعار "كلنا لبنانيون بكل طوائفهم.. معاً لدولة مدنية تتمتع بدستور غير طائفي" كسائر بلاد الأرض.. لذلك لا بد من تنقية الفضاء اللبناني من سموم الشعارات المثيرة للفتنة الطائفية.. فلبنان لكل اللبنانيين، ومرافق الدولة للكفاءات اللبنانية بعيداً عن المحاصصة الطائفية البغيضة حتى يقتلع الفساد من جذوره في الدولة العميقة وتشابكاتها الطائفية.

 

بقلم بكر السباتين..

6 نوفمبر 2019

 

 

مجدي ابراهيملم يكن العقل الذي هو "نورُ القلب" إلا السبيل الذي لا شك فيه إلى الاتصال بالله من طريق معرفته، ولا معنى للعقل في علوم التزكية قاطبةً ما لم يكن نورُ القلب فيه سبيلاً إلى الآخرة وكل ما يُقرب إليها من قول أو عمل. قال العُرَفاء : العقل نور القلب، وبنور القلب ينظر العبد إلى طريق الآخرة في ظلم الهوى، فيبقى حيرانَ، فعند ذلك تنشرح الجوارح وتلتذ، وتبادر إلى سلوك سبيل المهلكات طالما أنطفئ نور العقل؛ فإنّ كثف نور العقل أضاءَ نوره، وقوى ضوؤه وطفئت عند ذلك نيران الهوى وزالت ظلمته، وقد دَلّ دليل العلم حينئذٍ على الهدى والتمييز، وانفتحت له سدادة السلوك، فعمل لطريق الآخرة.

ومفادُ العقل عند أرباب المعرفة هو أن ينزع بصاحبه منازع التّبصرة بدين الله، وأن تتحقق هذه المنازع في دلالة السلوك. ولأحمد بن عاصم الأنطاكي قوله في ذلك :" العاقلُ من عَقَلَ عن الله عزّ وجلّ مواعظه، وعَرَف ما يضرُّه مما ينفعه". وأبو حفص النيسابوري (ت270هـ) لما سئل "من العاقل؟" قال :"المُطالب نفسه بالإخلاص". لكأنما العقل عن الله يقتضي الإخلاص في طلبه. والإخلاص في طلبه سبحانه إنما هو عقلٌ عن الله، ولا عقل على الإطلاق وفي صاحبه بقية من هوى النفس ورعونة في تقديرها بغير استحقاق.

لقد سبقت الإشارة فيما تقدّم إلى العقل الغريزي، والمقصود بالغريزي اللطيفة المركوزة في الإنسان والمُهيأة بحكم وظيفتها العلوية لذكر العلوم والمعارف. ووجوده في الطفل كوجود النخلة في النواة، والسنبلة في الحبّة، وهو للنفس بمنزلة العين. غير أن هناك نوعاً آخر من العقل يُدّعي بالعقل المستفاد، وهو أن تكون المعارف والعلوم النظرية حاضرة في النفس بحيث تلتفت إليها دائماً ولا تغيب عنها، ولا تجد للعقل مأثرة غير أهليّة الاختبار وأوليته في مناط التجريب، بما عَسَاهُ يصلح الإنسان في العواقب؛ فهذا ديدن العقل وإنْ كان على النفس في الابتداء مئونة ومشقة.

ولعلَّ هذا العقل الذي يعتمد على البصيرة هو نفسه الذي يقود إلى المشاهدة، إذْ المشاهدة عندهم على ثلاثة أقسام : مشاهدة الحق، وهى رؤية الأشياء بدلائل التوحيد، ومشاهدة للحق وهى رؤية الحق بالأشياء. ومشاهدة بالحق، وهى حقيقة اليقين بلا ارتياب، وفي هذه المشاهدة الأخيرة يكون الاتصال بالله ومعرفته؛ فلا اتصال بغير مشاهدة وبغير معرفة. والاتصال معناه وصول إلى الحقيقة، وهى عبارة عن مشاهدة تصريف الرَّب والمعرفة بصفاته ونعوته وعظمته وجلاله، وكيفية صدور الإيجاد عنه. وقد قالوا إنّ المشاهدة والمعاينة تأتي من حق اليقين.

والملاحظ أن تقسيم العقل الغريزي على هذا النحو يُشْبه تقسيم الفلاسفة للعقل المستفاد، وهو معنى استعداد النفس الإنسانية لانطباع التصورات على ذهنها. ولا يفهم المستفاد إلا بالنظر إلى العقل الفعال؛ فللعقل الفعال على العقل الإنساني أثران : أثر على العقل الهيولاني حين يصيره بالفعل ثم بالملكة. والأثر الآخر "يجذبه" إليه حين يتجه نحوه؛ ليعقله فيتحقق اتصاله به. ولكن هذه الجاذبية تحصل للعقل الإنساني حين يشتاق إلى العقل الأعلى فينجذب إليه بقوته؛ فالعقل الفعال إذا نظرنا إليه من حيث إنه يحرك العقل الهيولاني ويسيره من القوة إلى الفعل، سمى بالعقل العام، وإذا نظرنا إليه من حيث انبثاق الفيض عنه إلى العقل بالملكة واتصال هذا الأخير به دُعى بالعقل المستفاد. ومن ثم يصبح القول عن العقل الغريزي : أن وجوده في الطفل كوجود النخلة في النواة، إنما هو وجود قوة لا وجود فعل. في حين نجد أقوال الأوائل من الصوفية تفهم من العقل العام طابعه العملي كما قال يوسف بن الحسين الرازي :" أصلُ العقل الصمت، وباطن العقل كتمان السّر، وظاهر العقل الاقتداء بالسُّنة".

لا جدال في أن هذه الأقوال ما ظهر منها وما بطن، تطلعنا على اختلاف العقل في الدّين عنه في الفلسفة. إذْ لما كان منهج الفلسفة في أبلغ ثمراته هو شحذ الذهن في ترتيب الأدلة والحجاج لتحصيل ملكة الجودة والصواب في البراهين كما قال  ابن خلدون؛ فقد صار مع كونه كذلك منهجاً ناقصاً من حيث يظن به الكمال، هابطاً بالعقل من حيث يظن به الصعود؛ لأنه لا يفي بأغراض العقل في مجال الدين. وما فائدة أن أشحذ ذهني بأفكار مرتبة لأقارع خصمي بحجاج وأدلة كيما أتفوق عليه، فيكون لي الفوز في نهاية المطاف، من غير أن يفيدني ذلك من الوجهة العملية؟! ثم ما فائدة أن أنظر في مبحث من المباحث، كائنة ما كانت تلك المباحث، لتحصيل ملكة الجودة والصواب في البراهين دون أن يكون منعكساً ذلك كله على حياتي التي أعيشها؟!

إنّ الفكرة ما لم تكن خاضعة للتطبيق محققة للاختبار العملي فلن تجئ منها ثمرة طيبة. والكلمة ما لم تكن محملة بفكرة قابلة للتنفيذ، حاضرة في أعماق الوعي الآخذ بها مأخذ الجد لا مأخذ التسلية وإزجاء الفراغ الموقوت؛ فلن تجد لها قيمة.

من أجل ذلك، كانت معظم الأفكار حاملات القيم في التاريخ الفكري والثقافي هى أفكار قابلة للممارسة السلوكية وحاضرة حضور الوعي الملازم للتطبيق العملي. وأنها لو لم تكن كذلك؛ لوجب أن نعدّها أفكاراً ميتة في ذمة التاريخ وكفى .. خذ مثلاً فكرة كفكرة "الحرية" "العدالة" "الواجب" "الديمقراطية"  "الضمير" "المساواة" "الحق"  "الخير" "الصداقة" "الجمال"  الجلال" .. إلى كثيرٍ من الأفكار حاملات القيم، تجد أنها أفكاراً معبئة بالحركة والنشاط والفاعلية والنزوع الدائم للتطبيق والممارسة. ولها من بعد إطاران : إطارُ خارجي هو منها بمثابة التنظير والتحديد لمفهوماتها ومقوماتها في كل عصر من العصور، وهذه مهمة الفلسفة.

وإطارُ داخلي إنْ جازت هذه التسمية هو منها بمثابة المضمون "الجواني" الذي يكشف فيها من عنصر العمل والتطبيق، وهذه دعوة "الدين". وليس معنى هذا أن الدين جاء بلا إطار خارجي تجريدي فيما يتعلق بهذه الأفكار ، كلا .. ولكن الدين وضع إطاراً ينزل بالفكرة المعزولة من ثباتها التجريدي إلى حركة الحياة، فيسهل تطبيقها وممارستها. الإطار الذي وضعه الدين قابل للتدريب والتجريب والمعايشة. لكنما إطار الفلسفة، رغم تحديدها للمعاني وأطرها الخارجية، يدور في فلك التنظير.

وكثيرٌ من الفلاسفة كانوا تحدثوا في هذه الأفكار "حاملات القيم"، وقليلٌ منهم كان طبقها على واقع حياته الشخصية. والذين طبقوها منهم كان الوجدان الديني عندهم أقوى من النزوع العقلي النظري الفارغ من الممارسة العملية، يشهد على ذلك الفيلسوف اليوناني "سقراط " في توحيده بين المعرفة وسلوك الفضيلة فيما يتصل بمجال الأخلاق؛ فقد رأى أنه يجب على الفيلسوف الحق أن يسلك الفضيلة ؛ لأنه كان عَرَفَ لها طريقاً عقلياً وعلمياً؛ فمتى عرفت الخير عليك أن تسلكه ومتى عرفت الشر عليك أن تتوقاه. ولا يخفي أن المنازع العملية في مجال الدين تتمثل لأول وهلة في كل دعوة تدعو الإنسان إلى أن يكون ذا وجود روحاني، وأن ينكفئ على دخائله يفتش في أعماقه عن مصدر الروح، وأن يرضي مطالب الضمير قبل أن يرضي مطالب الجسد والأهواء.

تبدو النزعة العملية والسلوكية في كل دين، لا الدين الإسلامي وحده، واضحة في التصوف؛ لأن التصوف يعلو بالعقل إلى مقام الذوق وينزع إلى التجريب نزعة جارفة؛ ليعلي من قيم الروح وأصالة الأخلاق، فتشتعل في جوف المتصوف مشاعل من الحقائق الباطنة القائمة على رياضة السريرة والضمير.

ومعلومٌ أن التصوف قد أخذ من الإسلام جانبه العملي الأخلاقي السلوكي، ومضى بهذا الجانب إلى منتهاه، فما كان من الصوفية إلا أن عمقوه بلطائف إشاراتهم ومباحثهم وعلومهم، حتى أن المطلع عليها جملة فوق التفصيل يجد أنها تهدف في أكثرها إلى إحياء هذا الجانب العملي التهذيبي. وليس الدين شيئا أكثر من كونه معاملة.

والتصوف منه نزعةُ خاصّة تدين بدين الحب في المعاملة والتّوجُّه إلى جناب الحق تعالى : قاعدته الأساسية "العمل" النافع وحصر زاوية الشر حتى تضيق شيئاً فشيئاً إلى أن تتلاشى تماماً أو تكاد من قلوب العاملين. وهيهات ! لأن شرَّ العوالم والأكوان مرهونٌ بتجليات صفات الجلال؛ فهو ليس شراً في ذاته وإنْ بدا في الظاهر أنه شرُّ محققٌ بغير تحقيق للناظرين.

وما خلى التصوف قط برغم ارتكازه على مجاهدة النفس وسياستها بالرياضة وقطع الرغبات الموبوءة، من طلب المعرفة العقلية؛ فمن الصوفية من طلب سلامة النفس من طريق المعرفة النظرية، لكن هذه المعرفة النظرية تجئ دائماً في مرحلة تالية للتجربة الروحية وللسلوك العملي.

فلئن كانوا أخذوا الجانب العقلاني طلباً للمعرفة، فهم لم يتجهوا مثل هذا الاتجاه إلا ليكون العقل شارحاً للتجربة التي يعانيها الصوفي في حياته الروحية، وقد بلغوا بالعقل إلى أقصاه، ولم يتركوا منه شيئاً إلا مزجوه بأذواقهم ومواجيدهم؛ فإذا أمامك تراث هائل من التصوف الفلسفي يتمشى فيه العقل جنباً إلى جنب مع الذوق الذي هو منهج الصوفية الأول والأخير؛ ففي الحكمة الإشراقية وتراث السَّهْرَوَردْي الحلبي المقتول (587 هـ) أو في وحدة الوجود وتراث ابن عربي (ت 638هـ) وتلاميذه كالجيلي والقاشاني والقونوي وغيرهم، أو في الوحدة المطلقة وتراث ابن سبعين (ت669هـ) أفكارٌ فلسفية في مضمون صوفي، عملية في نزعة عقلية، داخلية في أشكال خارجية. والمطلع على هذا التراث الصوفي الفلسفي، لا يملك إلا الإعجاب الشديد بقدرة هؤلاء السّادة على مزج الثقافات الإنسانية الروحية مزجاً يخيل إليك فيه أنهم كانوا حكماء بحث وعقل ونظر فوق كونهم حكماء تأله وذَوْق واستبصار.

ولكنهم مع كل هذا؛ فهم يفترقون عن فلاسفة الفلسفة العقلية الصارمة، فهم ليسوا كأرسطو اليونان، ولن يُشرفهم أن يكونوا مثله، ولا هم كابن باجة وابن طفيل وابن رشد من فلاسفة المغرب العربي، بل .. ولا هم كالفارابي وابن سينا في المشرق العربي، إذا نحن أخذنا في الاعتبار التجربة الروحية، والحياة العملية المختبرة في إطارها، ومدى تغلغل الشعور الديني ذوقاً ووجداناً في صميم أفئدتهم الجياشة بالحكمة والمعرفة. ليس هؤلاء كأولئك، ولن يكون للتوجُّه ولا للطلب متساوين.

كتب ابن سينا في التصوف، ولكنه لم يسلك لا من قريب ولا من بعيد سلوك الصوفية، وكذلك فعل الفارابي من قبله، وكان الكندي قبلهما عالماً قبل أن يكون فليسوفاً. أمّا فلاسفة المغرب فقد رفضوا التصوف جملة وتفصيلاً وحملوا عليه حملتهم الشنعاء حين فضلوا عليه مسيرة أرسطو الفكرية، واتخذوا منها منهجاً لهم في مؤلفاتهم التي ما تجاوزوا فيها غير الشرح والتعليق على مؤلفات أرسطو. وورث هذه النزعة الصدامية المنغلقة رجال من المعاصرين في بلاد المغرب الأقصى أو الأدنى سيّان، اتخذوا من تلك النزعة محط رحال عن الذوق الديني وتقليد مطلق للعقل النظري مع هجوم بغيض غير منصف لتوجُّهات العارفين.

وكتب ابن باجة "تدبير المتوحِّد"، والمتوحّد عنده هو الرجل الذي يصل بالعقل، والعقل فقط بعيداً عن أدنى اعتبار للدين، إلى أعلى منازل التفرُّد والاستقلالية، وإلى درجة يكون فيها التقديس للعقل أكثر مما يكون التقديس لله الذي خَلق العقل كما خلق طلابه والمنافحين عنه ضد العامة وبلادة الغوغاء.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أننا نجد في بحوث الفلاسفة العقلية، ما يؤكد وجهة النظر التي نذهب إليها في فصل الاتصال بين الدين والفلسفة من مقال يوهم بالتوفيق. وفي الحق أنه لا توفيق؛ فابن باجة كان اتجه في كتابه "تدبير المتوحّد" إلى إقامة حياة المتوحّد على أساس الناحية العقلية الصرفة بما فيها من تفرد من جهة، وبما فيها اشتراك من جهة أخرى، ولكن بشرط أن يكون من يشترك الإنسان معهم من المتوحدين هم من الملتزمين مثله بمنهج الفكر. ونحن لا نجد أثراً للدين في مدينة المتوحِّد. وبما أننا نجد في "الدين" دعوة إلى المشاركة في الحياة الاجتماعية والالتزام بالعبادات التي تجمع بين الناس جميعاً في كل مكان، صار ما نجده عند ابن باجة نوعاً من التّفَرد الذي يبتعد فيه المتوحّد عن اهتمامات الجماهير، ابتعاداً يلتزم فيه "الوجود" بما فيه من أزلية وثبات. ولعلّ هذا هو "دين العقل" الذي أكد ابن رشد ضرورته للعقول التي تذهب بالعقل إلى منتهاه، ولا ترى بعده غاية تنتهي عندها، هو الدين الذي يجعل العقل مقدَّمَاً على الشرع؛ لأن الشرع عام، والعقلُ خاص مخصوص بالحكماء. وشريعةُ الحكماء هى الفحص عن جميع الموجودات بحكمة معقودة على التثبت والنظر لا على العبادة والعمل بمقتضى الشرع المنزل.

وشرحُ ابن رشد أرسطو، فكان في شروحه وفياً لفكر أرسطو ماضياً على دربه إلى حدِّ التقليد مثلما وصفه ابن سبعين بأنه كان مقلداً لأرسطو وله في التقليد نسبلٌ عريق. أمّا ابن طفيل، فهو لم يكتب إلا قصته الفلسفية "حي بن يقظان"، ولا يبعد أن يكون متأثراً فيها بالجانب الصوفي إلا أن الأغلب عليه هو الاتجاه العقلي. لكأنما الذي يقرأها وهو متشبع بالحياة الروحية واتجاهات التصوف، ينسب القصة إلى المنازع الصوفية، والذي يقرأها واتجاهه الفكري عقلاني، يُضفي عليها البواعث العقلية الصرفة، كما فعل "رينان" في هذه الوجهة وكما فعل "ماسينيون" في الوجهة الأولى.

تأثر الصوفية بأفلاطون وأفلوطين، وتأثر الفلاسفة العقليون بأرسطو، وفي هذا برهانٌ على أن العقل في الإسلام غير العقل في الفلسفة. لقد كان الأثر الأفلاطوني والأفلوطيني عند الصوفية أضعف بكثير من الأثر الأرسطي على الفلاسفة العقليين.. لماذا؟! لأن الصوفية تحكمهم خلفية دينية ومضمون داخلي أكثر مما تحكم هذه الخلفية وذاك المضمون الفلاسفة. يتجه الصوفية إلى العقل والتجربة الروحية كامنة فيهم، رابضة في قلوبهم،  متغلغلة في أعمق أعماق طواياهم، ووراؤهم شحنة معنوية كثيفة من التراث الروحي ونظام العقيدة والسلوك مصقولة بما في الإسلام والثقافة الروحية من دعوة عملية وتجربة سلوكية، ومن منهج ذوقي يساير في خصائصه ذلك التراث الروحي الهائل، وهاته الثورة العجيبة التي كان الصوفية انطلقوا منها بعد أن تبيّنوا معالمها وأدركوا أسرارها في القلب والضمير.

فإذا عرض العقل الفلسفي بضاعته عليهم وأعجبوا بها، لم يتخذوها مصدراً ولا مطية لهم ولا نموذجاً يحتذي في عالم التجريد، ولم يضعوا عليها الشروح والتفاسير، ولم يتخلوا مطلقاً عن هويتهم ولا مضمونهم الجواني، وإنما كانوا جميعاً في الفلسفة الصوفية طلائع يتشوفون المعرفة لدى الآخرين، ويدخلون الأنظمة المعرفية التي سنّها العقل في سياق التجربة الروحية بحيث لا تطغي عليها، بل تفسرها كلما أمكن التفسير.

وإنّا من بعدُ لسائلون ذوي الفلسفة، عقلية كانت أم غير عقلية : هل العقل عند الكندي والفارابي وابن سينا أو عند ابن باجة وابن طفيل وابن رشد هو عينه العقل عند المكي والمحاسبي والقشيري والجنيد والغزالي وغيرهما من أقطاب التصوف  السُّني مثلاً؟ والإجابة على ذلك بالنفي القاطع. وهو وإن كان كذلك في التصوف السني، ففي التصوف الفلسفي أيضاً لا يخرج عن مضمونه في الحياة الروحية خلال القرون الأربعة الأولى للتصوف السُّني على أقل تقدير، رغم ما يبدو من تصالح واضح في الفلسفة الصوفية بين الذوق والعقل.

قوامُ الطريق الصوفي زهدُ عملي، وقوام الفلسفة نزوع عقلي، وقد فرَّق "وليم جيمس" بين الفلسفة والدين ممثلاً في الطريقة التّصوّفيّة قائلاً : إنّ الطريقة الصوفية المألوفة للوصول إلى رؤية الواحد، هى بالتدريب على التقشف، وهو تدرب يتماثل من حيث الجوهر في جميع الأنظمة الدينية. ولكن هذا النوع من الوحدانية الذي يجل عن الوصف، ليس على الدقة فلسفياً؛ لأن الفلسفة من حيث ماهيتها حديث وإفصاح".

وهو قول مقبول عندي في جانب كبير منه، ولكن موضع الخطأ فيه : نصّه على التماثل من حيث الجوهر، فلو قال التماثل من حيث الشكل، لكان أصوب. فالجوهر في مضمونه يختلف من نظام ديني إلى نظام آخر، إنما الشكل قد يتشابه بين الأنظمة الدينية لا كل التشابه كله، بل بعضه، وقليل من البعض في كثير من الأحيان، ولا خلاف. هذه واحدة . أما الثانية فوصفه للفلسفة بالإفصاح ونزع التصوف عنه وهو إشكال مصنوع مفتعل لأن التصوف كنظام في الدين أو قُل كتفكير في الدين يقتضي الإفصاح والتعبير وإنْ فاقت لغته بالإشارة عبارات الفلاسفة وتميزت عنها تميز الأضداد.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

سليم مطرـ كي نفهم ما يجري في العراق، يستوجب تفهم الفكرة الجوهرية التالية:

ان (الثورة) لا تعني ابدا التآمرالدولي والتمرد والانقلاب والعنف.. الخ.. كلها يمكن ان تكون صحيحة، لكنها تبقى ثانوية وغير مؤثرة دون توفر الشرط الحاسم التالي:

ـ ان تكون الثورة تعبيرا عن تطور تاريخي طبيعي خارج ارادة البشر. نعم، ان (الثورة الحقيقية) هي التمرد المحتّم لغالبية مجتمعية جديدة، ضد دولة تجهد لمنع نهوضها ومشاركتها بأدارة حياتها وبلادها. بالضبط مثلما يتمرد (شاب) ضدّ (أبيه) المتسلط الذي يرفض نموه الطبيعي، ويجهد لابقائه في(سن المراهقة) ومنع بلوغه (سن النضوج والشباب)!!

ـ لهذا فان هذه الثورة العراقية في جوهرها ومكمن عظمتها التاريخية، ليست لأنها ضد الفاسدين، بل لأنها  ضد الطبقة التي فرضتها ايران (باتفاق مع امريكا)، والتي مهمتها الاساسية تتحدد بالابقاء على العزلة والمسكنة المفروضة على الشيعة واهل الجنوب منذ قرون، بتأثيرالمرجعيات الايرانية التي  ظلّت تتحكم بهم وتعزلهم وتخيفهم من المشاركة بـ(الدولة السنيّة)!

ـ نعم، ان ما يسمى ب(مظلومية الشيعة) وحرمانهم من المشاركة بالدولة، هي صناعة ايرانية بامتياز وخاصة حصرا بشيعة العراق. وأكبر دليل ان(شيعة ايران)، منذ عام 1501 وهم يمتلكون دولتهم القائمة على البطش والحرب. لكن بنفس الوقت، فأن ايران، من اجل ديمومة هيمنتها على شيعة العراق قد استخدمت مرجعياتها لاقناعهم بشرعية عزلتهم عن المشاركة بـ(الدولة السنيّة) بحجّة انتظار(دولة صاحب الزمان)؟!

ـ ان الهجرة الكثيفة لـ(الجنوبيين) في العصر الحديث الى (بغداد) وباقي المدن، وبروز اجيال متعلمة وفاعلة في مختلف المجالات، حتّمت خروجهم من قمقم الوصاية الايرانية، وأخذ دورهم الوطني الحقيقي المتناسب مع غالبيتهم العددية، في قيادة المجتمع والدولة العراقية.

ـ وهذا يفسر دور ايران بأغتيال المرجع الوطني العراقي(محمد صادق الصدر) عام (1999)، لأنه اول مرجع قد تمرد على الهيمنة التاريخية الايرانية، وجهد لقيادة وتشجيع حالة النهوض الشيعي العراقي نحو المشاركة الحقيقية بأدارة الدولة والمجتمع.

ـ  ان الدافع الخفي الاكبر لأتفاق ايران مع (إمريكا) على اجتياح العراق عام 2003، غايته الاساسية الاسراع بالسيطرة على (النهوض الشيعي العراقي الخطير)، من خلال مسرحية ازاحة (دولة السنّة!؟) وتسليمها الى (اسوء العملاء والفاسدين الشيعة). والهاء الشيعة بثقافة التعصب وطقوس المذلّة من بكائيات ولطم وتطبير وزحف على البطون (علما بأنهم يمنعون التطبير في ايران!!؟؟). ثم خلق حالة احتراب مع اخوتهم (السنّة)، من خلال تشجيع التطرف والارهاب (القاعدي، ثم الداعشي). كذلك  تعميق الهوة مع اخوتهم (الاكراد) من خلال تشجيع (القيادات القومية العنصرية) التي تشحنهم بثقافة الحقد ضد كل ما هو عراقي وعربي.

ـ ان الذي يجلب الانتباه في هذه الثورة التاريخية الحالية، سيادة ثقافة تعتبر فعلا جديدة وراقية في تاريخ العراق الحديث. وهذه الثقافة في حقيقتها رد فعل غريزي ضد العار الذي ظل (شيعة العراق) يشعرون به دائما، وخصوصا في السنوات الاخيرة، مع انفسهم وامام باقي اخوتهم العراقيين وكذلك العرب: (ها انتم يا شيعة يا (شراگوة) قد اثبتم من خلال دولتكم العميلة الفاسدة، بأنكم فعلا كما يقال عنكم، غير مؤهلين للحكم، فاسدين همج تتحكم بكم ايران). ولهذا فأن اهم سمات ثقافة الثورة التاريخية الحالية تتلخص بهذين المبدأين:

ـ  مبدأ الوطنية العراقية، ضد تهمة العمالة والتبعية لايران.

ـ مبدأ التنظيم الراقي والنزاهة والسلمية، ضد تهم الفساد والهمجية!

انها رسالة لجميع العراقيين والعالم بـ(أننا نحن اهل الجنوب وعموم شيعة العراق)، لم نعد طائفة مسكينة خائفة معزولة، بل نضجنا ووعينا ذاتنا الوطنية المكبوتة من قبل مراجعنا خلال قرون، وان القيادات والمراجع الحالية العميلة الفاسدة لم تعد تمثلنا بل هي تمثل ايران.

آن اوان شفاء الدولة العراقية من عوقها ومرضها التاريخي الذي ظلت تعاني منه في العصر الحديث، بسبب انعزال الشيعة عن المشاركة الحقيقية بها. نعم، نحن شعب العراق واصل العراق، وسنقود دولتنا بالتعاضد والمساوات مع جميع اخوتنا العراقيين. سنبني وطنا جديدا فعلا، لا تقوده طائفة او قومية متجبرة خائفة من الاغلبية، بل تقوده حقا جميع قومياته وطوائفه ومناطقه.

آن اوان بزوغ عراق جديد مؤهل ان يبني حضارة وطنية انسانية جذورها تنبت في تلك الحضارة الواحدة العريقة التي ازدهرت في سومر وبابل ونينوى وبغداد. على أمل ان نساهم ببناء (شرق اوسط  سلمي وانساني) قائم على التعاون والانفتاح على طريقة الاتحاد الاوربي.

توضيحان مهمان:

1ـ هنالك مبالغة من قبل الماركسيين باعتبار (الثورة) فقط بالمعنى (الطبقي)، أي (صعود طبقة جديدة محل طبقة قديمة). ان من يطالع جميع الثورات، يلاحظ خصوصا صعود (غالبية مجتمعية) جديدة وناهضة تطالب باشراكها بقيادة الدولة والمجتمع. ان الثورات الكبرى اتت نتيجة تراكم لسنين طويلة لهجرة جموع غفيرة من الريف الى المدينة، وتجمعهم على اطراف العاصمة والمدن الكبرى ليشكلوا الغالبية الشعبية المهمشة والمحتقرة. ومع الزمن والاستتقرار تظهر من بين هذه الجموع البائسة اجيال متعلمة فعالة تكون قادرة على قيادة الثورة من اجل فرض دورها ومشاركتها ورد الاعتبار الى ذاتها المهمشة من قبل الجماعات المدينية الاصلية والحاكمة. وهذا يلاحظ في جميع الثورات الكبرى المعروفة: الانكليزية والفرنسية والروسية، وحتى الأيرانية.

2ـ بالحقيقة ان اضطهاد الدولة العثمانية لشيعة العراق، ليس لانهم شيعة، بل لانهم تابعين للدولة المنافسة (ايران) . فالعثمانيون ما كانوا ضد الشيعة، فهم يحملون نوعًا من التصوف يغلو أحياناً في محبة آل البيت؛ نتيجة تأثرهم بالطريقة البكتاشية التي من أكبر شعاراتها (الله - محمد - علي) في خليط من التصوف السني والشيعي؛ لذلك عظّم سلاطين العثمانيين وولاتهم مراقدَ أهل البيت، فقد زار السلطان سليمان القانوني كربلاء سنة 941هـ/ 1534م، ونزل ماشيا معظّما الحسين -رضي الله عنه- ورفض الركوب لإكرامه قبر الحسين، ووزع هدايا على أهالي كربلاء، وزارها والي بغداد إياس باشا سنة 1546م/953هـ، وعمّر السلطان العثماني مراد الثالث مئذنة الروضة الحسينية سنة 982هـ/ 1574م، وأمر والي بغداد علي باشا الوند أن يكرم المجاورون من أهالي كربلاء، وفي السنة التي تليها عمّر قبة الحسين، بل إن الوالي نفسه عمّر المرقد جميعه سنة 991هـ/ 1583م([4])

راجع الدراسة المهمة للباحث العراقي: عبد العزيز بن صالح المحمود: (خرافة المظلومية الشيعية في العراق زمن الدولة العثمانية)

http://www.alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=8036

 

سليم مطر - جنيف