صادق السامرائيالأمة تعاني من إنكسارات علمية متلاحقة وعجز عن المساهمة العلمية  في الحضارة المعاصرة.

فلا يوجد في أسواق الدنيا ماركة عربية متميزة، ولا مبتكرات ومخترعات عربية.

وهذه الإنكسارات العلمية ترتب عليها متوالية هندسية من الإندحارات المتواصلة في ميادين الحياة كافة.

فالإنكسار العلمي المرير قد دفع بالعقول للإندفان في رمال الماضيات وأوحال الغاديات ومستنقعات الغابرات، وكأن الوجود العربي بأسره يهرب من مواجهة نفسه والتفاعل مع التحديات والإندساس في الماضي، وعدم الإكتراث بالحاضر والمستقبل لشدة العجز وطغيان الإستكانة والتبعية والخنوع.

فما هي منتوجات العرب التي يصدرونها لدول العالم؟

إنهم لا يملكون سوى النفط الذي يحترقون به ويتمزقون، ولا عندهم من الأفكار سوى نبش القبور والمجلدات وعدم فهمها، والخروج منها بأوبئة فكرية تحصد منهم ما لا يتمكن أي عدو غيرهم أن يفعله بهم.

فلا يمتلك العرب إلا هذا اللغو والتهريج والصياح الذي يفتك بهم، وهم يتمذهبون ويتحزبون ويكفرون بعضهم بعضا ويحللون دماءهم.

وينقضون على وجودهم بوحشية سافرة ما عرفتها الشعوب من قبلهم، وهم يهرجون بالدين وما عرفوا من دينهم إلا إسمه ولا فهموا من كتابهم إلا رسمه، وعلتهم أنهم يتوهمون المعرفة.

ولا ينتجون إلا الفقر والفساد والتهجير والترويع والإستحواذ على ممتلكات وحقوق بعضهم البعض.

فما أسعد أعداء العرب، بالعرب الذين أنجزوا أهدافهم وأكثر، وصاروا من الفتاكين بما يمت بصلة إليهم وما يدل على هويتهم.

ولن يخرج العرب من هذه العواصف الإنكسارية إلا بالوعي العلمي والمنهج العلمي والإيمان بالعقل العلمي، بعيدا عن الرواسخ والثوابت والتابوات وغيرها من المانعات المتنوعات، المقيدات لحرية التفكير والتعبير والتقريب إلى آفاق المستقبل وأرجاء الحياة.

فالبشر المنكسر علميا لا يمكنه المواكبة في عصر تنتصر فيه العلوم وتتصدر مشاهد الحياة!!

فهل من وثبة معرفية معاصرة، وثورة بحوث علمية تعيد للعقول رشدها وتقدح أنوارها؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

الانسانُ بطَبيعَتِهِ كائِنٌ مُفَكِّرٌ، وهذا مايُمِيِّزُهُ عن سائِرِ العجماوات، ولذلك يمكنُ أنْ نُطْلِقَ صفةَ مُفَكِّر على هذا الكائن المُتَمَيِّز . وَخاصيّةُ التفكير هذهِ التي يَتَمَيّزُ بها الانسانُ هي خاصيّةٌ تَشْكِيكِيَّةٌ - حسب تعبيرات الفلاسفة - اي أنَّها واحدةٌ في جميعِ افرادِ النوعِ الانسانّي، ولكنّها تختلف في مراتبها بين افراد هذا النوعِ . فنجدُ بعضَ الناس يُفَكِّرُ تفكيراً سَطْحِيّاً، وبعضهم يفكر تفكيراً عميقاً .والتفكير انواع، فهناك تفكيرٌ علمِيٌّ وهناك تفكيرٌ خُرافِيٌّ .وهناكَ تفكيرٌ سريعٌ يمارسهُ الاذكياءُ، وهناك تفكيرٌ بطيءٌ يمارسهُ محدودو الذكاء.

عملياتُ الخداعِ في التفكير

ليسَ كلُّ عمليّةِ تفكيرٍصحيحةٍ، هي صادِقَةٌ، لأنَّ الصِّحَةَ تعتمدُ على ترتيبِ مقَدِّماتٍ صحيحةٍ وفق قواعدِ علمِ المنطق، وقد لاتكونُ هذهِ المقدِّماتُ صادقةً، فتكون عمليّةُ التفكيرِ صحيحةً ولكنَّها غيرُ صادقةٍ . فمثلاً لو شكَّلنا قياساً مَنطِقِيّاً من مقدمتينِ :

( كل الاقوياءِ ظالمون ) كبرى كليّة

(زيدٌ من الاقوياء) صغرى جزئية

فستَكونُ النتيجةُ : ( زيدٌ ظالمٌّ) .

النتيجةُ التي توصلنا اليها من خلالِ هذا القياس المُكَّوَن من مقدمتينِ كبرى وصغرى، اننا نجد ان عمليةَ التفكيرِ هذهِ صحيحةٌ وفقَ قواعدِ علمِ المنطقِ، ولكنها ليست صادقة، لأنَّ الكبرى غيرُ صادِقَةٍ، فالنتيجةُ ستكونُ غيرُ صادِقَةٍ .

ومن عمليات الخداعِ في التفكير، الانطلاقُ من افكارٍ مسبَقَةٍ، وترتيب مقدمات للوصول الى النتيجة المقررة سلفاً في أذهاننا، وذلكَ لأنَّ أفكارَنا المُسبَقَةَ بحاجةٍ الى اخضاعها الى فحصٍ واختبارٍ قبل ادخالها في قياس منطقي .

الصِّحَةُ في التفكير الفقهي

الفقهاءُ يتحدثون عن صحة الصلاةِ وصحةِ الصوم، وفق القواعد والشروط التي وضعوها للصحة، ولكنَّهم لايتحدثون عن القبول، لان القبول يشتَرِطُ صحةَ هذه الاعمالِ في الواقعِ ونفسِ الامرِ .

تطور عمليّةِ التفكيرِ وتكاملِها

الانسانُ ومنذُ فجرِ وجودهِ على ظهرِ هذا الكوكبِ، حاول تفسير الاشياء والظواهرِ التي تحيطُ به، ففَسَّرَ ظاهرةَ البرقِ بغضبِ الالهِ جوبيتر . ولكنَّ هذا التفسيرَ الخرافيَّ، هو دليل على ان الانسانَ كائن مفكر، يحاولُ ان يفسرَ الاشياءَ والظواهرَمن حولِهِ.

التفسير الخرافي هو محاولة للتفسير والفهم، والدين قدم للانسان رؤية كونية في تفسير الكون . والفلسفة حاولت ان تقدم رؤيةً وتفسيراً، وذلكَ لأنَّ مهمةَ الفلسفةِ هي التمييزُ بين الواقعيات والاعتباريات والوهميات. (راجع بداية الحكمة، للعلاّمة الطباطبائي ) .

وفي الختام: لابدّ من قراءةِ الافكارِ قراءةً عميقةً، ولابدَّ من إخضاعِها لنقدٍ دقيقٍ . ولابدَّ من ملاحظة عمليات الخداع في طرائق الاستدلال حتى لانقعّ في فخاخِ اجنداتِ اصحابِها المريبة.

 

زعيم الخيرالله

 

محمد ابو النواعيركثُر الهجوم على الدين الإسلامي في العراق، بشكل منظم وممنهج، ونالت العمامة الحوزوية الشيعية، القسط الأكبر من هذا التسقيط، من خلال منهج تصاعدي في الخطاب التسقيطي، تُشم منه رائحة الحرفية الإعلامية التضليلية، لدى كل مختص او صاحب معرفة في هذا المجال .

جاء تسقيط شخصية السيد علاء الموسوي رئيس ديوان الوقف الشيعي، بشكل علني وواضح وصريح (بخلاف أنماط التسقيط والتشويه الأخرى، التي كانت تتبنى العمومية والإطلاق دون التخصيص)، وذلك لأنه تسنم سدة منصب يعد في جزء من أدبيات تعريفه كمنصب حكومي، خاصة وأنه كان دقيقا جدا في تعاملاته وإدارته لهذه المؤسسة، بطريقة لم يجد أعداءه وأعداء الدين منفذا لتسقيطه، سوى الإدعاء بمعاداته للآخر.

أخذت فلسفة العلاقة مع الآخر (المختلف دينيا أو عرقيا- وعادة الآخر هو الغربي)، حيزا كبيرا جدا في أدبيات الوعي النهضوي العربي والإسلامي، إلا أن ما لفت انتباهي أن انقسام النخب الفكرية في علاقتها مع الآخر، ينطلق من انقسام في مفهوم الآخر ما بين مفهومي (الآخر الاستعماري، والآخر الحضاري)، فالعداء مع الآخر الاستعماري، كان يمثل عداءا شريفا صحيحا، والآخر الإستعماري قد يكون مستعمرا بقوة السلاح الكولونيالي، أو قد يكون مستعمرا بأدوات التغريب الثقافية، وسحق الثقافات والأخلاق المجتمعية للمجتمعات المختلفة عنه .

السيد الموسوي ومن خلال مراجعتي لخطبه ونتاجاته، كان يقف بالضد من الآخر بوجهه الاستعماري الثقافي المدمر لأخلاق الشعوب، وهو نمط من الاستعمار تقف على دعمه أسس الرأسمالية الجديدة التي تؤمن بأن الإنسان سوق للاستهلاك ! ولم يقف الموسوي ضد الآخر بوجهه الحضاري التطوري أو العلمي الموضوعي، لذا كانت خطبه ومحاضراته منصبة بالتحديد حول نقد عمليات التغيير المجتمعي السلبية التي تقف ورائها جهات تدعي أنها تابعة للديانة المسيحية !

إن قيادة مؤسسة حكومية كديوان الوقف الشيعي من قبل رجل دين صالح ونزيه كسيد علاء الموسوي، أمر أثار حفيظة الكثير من الجهات والأطراف التي أنفقت الكثير وبذلت الجهود والأموال والخطط، من أجل ضرب رمزية العمامة في نفوس الناس، وبالأخص في نفوس الشباب الجدد ممن لا يملكون أي خبرة في معرفة أدوات وأدبيات الصراع الثقافي الوجودي الممتدة عبر تأريخ طويل. 

لا يخفى علينا بأن هذه الحملة التي وجهت للسيد الموسوي، هي جزء من مسلسل كبير وواسع، تتحكم به أدوات غاية في الحرفية، تركز على جانب التضليل الإعلامي، ويحاول أصحابها جاهدين خلق حالة من حالات الانصياع الاجتماعي، لفكرة (سياسية اقتصادية نفعية بائسة)، تهدف إلى إبعاد أي تأثير أخلاقي (انضباطي) للدين ورجاله، على أنساق المجتمع، لأن وجود الدين ورجاله، إنما يعني انتزاع حالة الاستهلاكية المادية التي تحاول تلك الجهات تحويل المجتمعات والشعوب إليها، أي أن انتزاع الفرد من إطار فكرة (عدم الانغماس في ملذات الدنيا)، تعد من أهم مشاريع الجهات التي تحاول أن تضرب العمامة والدين، لكي تنتزع الإنسان من تلك الحالة الدينية التي يحسب فيها الفرد حساب الآخرة.

السبب الاقتصادي لهذه الحالة، هي أن تحول الفرد إلى عبد ممسوخ لشهواته وملذاته وغرائزه، سيحقق سوقا استهلاكيا ضخما لكل ما يصدر من تلك الجهات.

إذن، الصراع من أجل إزاحة الدين ورجاله من المخيلة القيمية للأفراد والمجتمعات، إنما الهدف منه هو انتزاع الفرد من حالته الإنسانية التي توازن بين الدنيا والآخرة، وتحوله إلى مجرد (شيء) استهلاكي دنيوي بحت، يسهل التحكم به من خلال السيطرة على مدخلات سلوكه، عبر ما يتم إنتاجه من مواد تغرقه في دنيويته، والدين ورجاله (وبالأخص في مذهبنا الشيعي)، تقف وبشكل كبير كحجر عثرة بوجه ذلك المخطط ...

 

محمد أبو النواعير

دكتوراه في النظرية السياسية- المدرسة السلوكية الأمريكية المعاصرة في السياسة

 

واثق الجابرييقع بعض المحللين والإعلاميين، ضحية شائعات تبثها وسائل إعلام وجهات متعددة، لتضليل الرأي العام وتحقيق غايات أبعد من ظاهر الإشاعة. أخطاء هؤلاء يمكن إلتماس العذر لها، رغم أن واجبهم هم والوسيلة الإعلامية التي يظهرون بها، التأكد من المعلومة قبل أطلاقها، أو السماح بمرورها ومحاسبة من يروج لها.

لعل اللافت للنظر، أن بعض السياسين يتخذون من الشائعة كمصدر للمعلومات الدقيقة، بل الأدهى من ذلك أن هناك من يسوقها لغرض التضليل والتهويل وإدعاء البطولة، وجانب آخر يرد بعنف وأن عرف عدم مصداقيتها! لا يفهم من تكرار وكثرة التصريحات والإستضافات، لشخصية برلمانية، على القنوات الفضائية، إلاّ ان ذاك الشخص يمتلك أطروحة عملية علمية، وتتهافت عليه القنوات لتبيان أدائها المهني الوطني.. ورغم إستضافة هذا العبقري المختلف عن جيله ومن سبقه ومن سيلحقه، إلاّ أن الحقيقة مناقضة تماماً، فلا يتحدث سوى السلبية والسوقية وتسويق الإشاعة، مع وجود مقدمي برامج يبحثون عن الإثارة وخلق الفرقة.

أكثر من شائعة خلال الأسبوع الماضي، رصدها المركز العراقي لمحاربة الشائعات، أستهدفت الوضع الأمني والتربوي والوظيفي والإجتماعي، تم الترويج لها من خلال برامج إذاعية وفضائية.. من أبرزها وجود أمريكان بزي مدني وسيارات مدنية يتجولون، لغرض الإعتقالات العشوائية، وتحدث عنها متصلون دون ذكر أسمائهم، وذكروا أنهم شهود عيان، وأضاف عليها مقدموا البرامج، فضلاً عن ما يطرحه غيرهم بهذا الصدد، وتناقلت هكذا أخبار بين سواق الأجرة والمجالس العامة.

فيما تناولت مواقع آخرى وصفحات تواصل إجتماعي، قائمة طويلة من أسماء المدارس التي يتعاطى طلابها المخدرات، ومقطع فيديو لمدارس مغربية، صور على أنه في العراق، ناهيك عن آلاف الرسائل التي تنقل ألف حكاية وحكاية بوسائل التواصل الإجتماعي، وحديث فساد إداري وتفسخ خلقي، وأمثلة كثيرة تهز الثقة بالمجتمع والدولة، وكلها من نسج فرق تبث الشائعات، ويصدقها العامة وبعض الإعلاميين والسياسيين.

إن مصدر هذه الشائعات قنوات تلفزيونية وإذاعات، والأولى تصر على إستضافة شخصيات سياسية هزيلة، ومحللين لا يملكون دقة المعلومات ويتناولون الإثارة لتكرار الظهور، وبذلك يسوق الطرفان معلومات خاطئة، والثانية تفسح المجال أو تفترض متصلين دون ذكر أسماء، يسردون قصص غريبة، فيما يضيف عليها مقدم البرنامج ويرتجل بما يشتهي من الكلام.

الأدهى وقوع سياسيين ومحللين ضحية الشائعات، ومنهم من يعتمدها ويسوقها للشارع، ولا يخشون المحاسبة، لغياب الرقابة على الشائعات.

أعطى بعض السياسيين، نموذجا سيئا عن الشخصية العراقية، من خلال أحاديث سوقية ومعلومات كاذبة، وكشفوا ضحالة أفكارهم، لكنها إنعكست بالسلب على المجتمع العراقي وتاريخ الدولة، إلاّ أن إصرار بعض القنوات الفضائية والإذاعات، سواء بإستضافتهم، أو تقديم برامج بهذا السياق؛ دليل على وجود خطة مدروسة لتدمير الشخصية العراقية والنظام السياسي، وتشتيت المجتمع في إشاعات تثير الرهبة في كل مفردات الحياة، وهؤلاء هم صناع الشائعات، وبعضهم وبغباىهم وسذاجتهم يكون من ضحاياها فضلاً عن تضحيتهم بالمجتمع.

 

واثق الجابري

 

علي عليمن غير المعقول حتما أن حديثي عن الوطن يحوي شيئا جديدا؟ إذ كيف أستحدث معلومة لم تكن معلومة من قبل، وقد سبقني إليها الشعراء والكتاب والمؤرخون والسياح والعشاق والفنانون والثوار، على مر العصور وفي كل الأماكن والأزمان، فقد أنشدوا جميعهم بحب الوطن، وتغنوا به ولعا بمفاتنه، وتعلقوا بتلابيبه، وتمسكوا بجلبابه، وأفنوا أعمارهم في التغزل والتشبب بوصله، والتشوق والتحرق على فراقه، فمن المؤكد أن كلامي عن الوطن، لن يعدو كونه استرجاعا لألم -مع فقدان الأمل بالشفاء- أو استذكارا لماضٍ جميل -مع اليأس من عودته- أو إبحارا في احتياجات نفس فقدت الأمن والأمان والاطمئنان، وأكون إذاك قد جسدت قول النابغة الجعدي:

تذكرت والذكرى تهيج لذي الهوى   ومن حاجة المحزون أن يتذكرا

كما أن حديثي عن الوطن والأوطان لا أنفرد في سرده وحدي، إذ حتما يكون قارئ سطوري هذه شريكي في الإحساس والتفاعل، ويؤرخ معي حبنا أو فلنقل شعورنا بالوطن، إذ ليس كل شعور حبا. وكما قال أدهم شرقاوي:

"في حصة واحدة أقنعني مدرس التربية أن قطعة الأرض هذه اسمها وطن! وأنا فشلت على مدى ثلاثين عاما بإقناع هذا الوطن أني إنسان".

ويالبؤسنا وتعاستنا حين يكون حبنا للوطن حبا من طرف واحد، يقابله بغض وحنق وكره شديد من الطرف الثاني، فتتحول حينها الحياة الى جحيم لايطاق حيث اللاوطن، وقد قال مصطفى السباعي:

"عندما يمسك بالقلم جاهل، وبالبندقية مجرم، وبالسلطة خائن، يتحول الوطن إلى غابة لا تصلح لحياة البشر".

ومفردة الوطن لها مرادفات عدة في لغات العالم جميعها، أما ساحرتنا اللغة العربية ففيها لكل جنس من المخلوقات تسمية لموطنه، فالوطن للإنسان، والعرين للأسد، والعطن للبعير، كذلك باقي الأنواع، فيقال: وجار الذئب والضبع، وكناس الظبي، وقرية النمل، وكور الزنابير، ونافقاء اليربوع. والطيور هي الاخرى لكل صنف منها اسم لموطنه، حيث يطلق على ما يضعه الطائر على الشجر وكر، فإن كان على جبل أو جدار فهو وكن، وإذا كان في كِن فهو عـِش، وإذا كان على وجه الأرض فهو أفحوص. وتحصيل حاصل، فالوطن صغر أم كبر! مرعى كان ام ارضا جرداء! جبلا أم واديا! فهو وطن نحنّ اليه ونذود عنه ونلوذ به، وقطعا تتنامى في تكويناتنا الشخصية تبعا لهذا مشاعر وأحاسيس، تنفرد بعشق الوطن حد التعلق به، ولن تبرح هذه المشاعر نفوسنا حتى نوارى في الثرى. وقد تغنى في حب الوطن كثيرون لايقف عندهم عد، ولاينتهي بهم حساب. فهذا أمير الشعراء أحمد شوقي ينشد في وطنه:

وطني لو شغلت بالخلد عنه    نازعتني اليه بالخلد نفسي

وآخر يستنجد ويستغيث بمسعف، إذا ما عنّ عليه حب الوطن، واعتملت لواعجه شوقا اليه، فيقول:

من لي ليمسح عن خدودي دمعتي    إذ ما بكيت الحب للأوطان

ويقول الكاتب الاسكتلندي توماس كارليل: "جميل أن يموت الإنسان من أجل وطنه، لكن الأجمل أن يحيا من أجل هذا الوطن".

أما الجاحظ فقد قال في رسالة الحنين إلى الأوطان: "كانت العرب إذا غزت أو سافرت حملت معها من تربة بلدها رملاً وعفراً تستنشقه".

فعجبي على من يملك أوراقا ثبوتية تؤكد نسبه لبلد، وجنسية تشهد انتماءه اليه، فيما نفسه لاتتوق لرؤيته مستقرا، ولاتود رقيّه وتحضره وازدهاره، وعجبي يتضاعف وألمي يتفاقم، حين يكون هذا البلد هو العراق، وأسفي أن يكون فيه أناس يرون ان أصغر الحيوانات تستميت من أجل موطنها، فيما هم يعدّون العراق محطة استجمام، أو متجرا للتبضع، أو حانة للتسكع، أو مصلى للعبادة، وبعدها يرحلون.

 

علي علي

 

صادق الصافييقول الدكتور علي الوردي في كتابه، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج6، ص29، ما ملخصه:

اِنه بداية عام 1921 وقع الاختيار على القشلة ببغداد، لتكون مقراً للوزارات في عهد الانتداب البريطاني، واستحوذ السيد طالب النقيب رئيس الوزراء المدعوم من، السير برسي كوكس، على افضل الاجنحة فيها كمقر لوزارته، لكنه اعترض على التخصيصات المالية لراتبه والتي حددت ب7سبعة الاف روبيه، حيث انه رفض ان يكون راتبه قريبا من راتب وزير الماليه، فاجتمع مجلس الوزراء بناءاً على اقتراح من المندوب السامي في العراق للنظر في الاقتراح وكان للسيد طالب النقيب خصوم معارضين.

ويروى في هذا الصدد نقلاً عن كتاب، حكايات سياسية، ص45، للأديب خيري العمري،

قصة طريفة جداً، أن الوزراء كانوا قد اتفقوا فيما بينهم قبل انعقاد المجلس على معارضة الاقتراح عند تقديمه اليهم، وأخذ يشجع بعضهم بعضاً على الصمود ضد السيد طالب النقيب، ولكنهم عندما انعقد المجلس تخاذلوا تجاه نظرات السيد طالب المرعبه.؟ وكان أول المتخاذلين، الوزير ساسون حسقيل، حيث سارع الى القول، (موافق)، ثم أخذ الوزراء يقتدون به واحداً بعد الاخر، حتى وصل الدور الى، الوزير عبدالمجيد الشاوي، وكان معروفاً بحسن النكته فهو بدلاً من ان يقول، (موافق)، قال، (منافق)، وكان في ذلك أصدقهم جميعاً

النفاق لايمس قلوب النبلاء، فالانسان النبيل المؤمن هو أفضل عطاء للأمة وأجمل كيان كأنسانن كما قال الشاعر، جرير،

نحنُ أجتبينا حياض المجد مترعةً، من حومةٍ لمْ يخالط صفوها كدرُ

عندما تكون الأمة مزدهرة منتصرة تُفتح أمامها نوافذ الخير والصلاح والثقة والتعاون والمحبة والابداع والحريات والحقوق الانسانية كافة، وكذا تغمرها قيم الاخلاق والمجد والايمان والاحساس بالجمال، حتى عبر عنها الشعراء بأروع التعابير. قال الشاعر جهاد جحا

ووجدت اصحابي ككنز دائم، القاه عند تقلب الأزمان

لكن الأمة عندما تكون منهزمة محاطة بالأزمات والعنف والقسوة والدكتاتورية، نراها تتراجع في كل القيم وتنتكس العلوم والآداب والفنون، ومعها تختفي الاشياء الجميله في المجتمع، منها اختفاء العاطفة والمحبة وبروز الشر وظواهر التدني والتلون والنفاق، وهو اظهار عكس حقيقة الاشياء، انه يمثل السقوط والانحدار في عالم بلا اخلاق.؟

واعلم بأن الناس شبه معادن، فاحذر تُغَر بشدة اللمعانِن فالنفاق الاجتماعي هو التلون في العلاقات وعدم الوضوح في المبادئ والمواقف والاحاديث لغرض الافساد والانتفاع الشخصي.

اِنا نعاني من أمور جلها، من سوء أخاق الكثير من البشر، فالنفاق يبدأ بذرة صغيرة، ثم يتحول تدريجياً الى ظاهرة بارزة في سلوك الشخص، وتكون في مرحلة أخطر عندما تتحول الى طبقة اجتماعية لها سماته وثقلها داخل المجتمع.

انه مرض اجتماعي خطير واكثرها ضرراً في هدم بنى الامة والمجتمع باختلاف الاقوال والافعال، و في السياسة عبر عنه الأديب عباس العقاد، (النفاق السياسي هنا كالأخلاق، الأعمال بالنيات) فالشعب الذكي يميل الى عزل، النفاق، في استخدام السياسة الخارجية عن السياسة الداخلية، ويسمحون بمقياس الخدعة في السياسة والحرب، فلا عيب من استخدام النفاق كشأن سياسي أيجابي يحسب له المنفعة لشعبه، ويقع السياسيون في النفاق السلبي الخطأ عندما يسعون للمنفعة الشخصية للأضرار بالامة والمجتمع.

وفي أختصار وصف المنافقين، قال الرسول الاعظم محمد، ص، في ذم أساليبهم وأهدافهم المرضية: (علامة المنافق ثلاث، أذا حَدَثَ كذبْ، وأذا وعدَ أخلفْ، وأذا أؤتمن خان)

الحقيقة المرة أنهم يتخفون بيننا، يحملون سوء النوايا وأخفاء الحقائق، الكيد، الخداع، الكذب، التظاهر بالأيمان، الخوف والقلق الدائم من الفضيحة، عدم الاستقرار والتردد، قسوة القلب، الاستكبار و الامر بالمنكر والقسم بالله كذباً و زوراً، صياغة الاعذار والمبررات، الأصرار على الخطأ، والسعي المحموم للكسب الحرام باساليب جبانه، والثرثرة والتملق.؟

النفاق مذموم في كل حالاته، والمنافقين هم الذين أبغضهم الله وسخط عليهم، وينطبق عليهم قول الشاعر الفرزدق عندما هجى خصومه

يُهدي الوعيد ولا يحوط حريمهُ، كالكلب ينبحُ من وراء الدارِ.؟

أو كما قال الشاعر جرير

يستيقظون الى نهاق حمارهم، و تنام أعينهم عن الأوتارِ.؟

 

صادق الصافي

كاتب عراقي مقيم في مملكة النرويج

 

وداد فرحانمن حق المواطن أن يحلم وأن تتحقق أحلامه، الحلم قضية لا يراها القساة، فهو مخزون في عالم السرية الخاص بالمواطن الذي يسعى أن يجعله خاصيته الوحيدة في الاعتراض على الواقع، وثورته الهادئة ضد تفشي الفساد.

 أن يكون الوطن باحة من الجمال والهدوء والطمأنينة والعدل والمساواة، هو حلم نوم ويقظة يومي تكرره الحاجة الملحة، يزداد طرديا مع غيابات الحقوق والحاجات الأساسية للمواطن.

 المواطن يتمنى أن يستيقظ على واقع جديد خالٍ من الكواتم والموتورين طائفيا، والمنافقين سياسيا، ولصوص خزائن دولته التي  جعلوها خاوية على عروشها، يغرق ما تبقى فيها من نقد ورقي بمياه المجاري!

 أحلام المواطن لا تنتهي، فهي حقه المكفول في دستور الحياة، لا ينازعه عليها منازع، ولا يهدده عليها ظالم، فبناء المستشفيات والمدارس، وحماية أرواح الناس، وتعبيد الطرق والجسور، وتشييد السدود، وتأسيس برنامج التكافل الاجتماعي، وتخفيض خط الفقر ومحوه، وإنهاء البطالة، والاعتناء بالكفاءات والعقول، ومكافحة التصحر، وإعادة السواد الى أرض السواد، وغيرها الكثير في قائمته، كفلها حقه في الحلم،

فلم لا ندعه يحلم؟

فهو لا يهز عروشا ولا يخيف موتورا، بل يبحث عن صحته المفقودة.

 وما بين تزاحم الأحلام على مخيلته، جاءه خبر تحققها، فقد أعلنت الأمانة العامة لمجلس الوزراء في قرار تأريخي وجريء، الموافقة على قيام وزارة التجارة بإضافة نصف كيلوغرام من العدس ضمن مفردات البطاقة التموينية لشهر رمضان حصريا.

 ويستيقظ المواطن فرحا، فيذبح الذبائح لنصف كيلو العدس، الذي من فوائده أنه يشكل نقطة الانطلاق لبناء وطن حر أمين.

صرخ المواطن: "عاش العدس"..

وكررت أسرته "عاش.. عاش".

 

وداد فرحان - سيدني

 

صالح الرزوقلا توجد علاقة واضحة بين رواية (نوتنغهام) لقصي الشيخ عسكر وأعماله المبكرة، مع أن الهم هو هو.

فاللغة تنتمي لقاموس الحياة اليومية، والموضوع يغطي سلسلة من الأزمات التي لا تخرج على نطاق حرب الخليج الأولى والثانية. وأعتقد أن (نوتنغهام) تنتمي لفترة لاحقة، ولا سيما لطور روايته (رسالة). فالموضوع المركزي في العملين يتلخص بالحركة على محيط دوائر متداخلة. لقد كان نادر بطل (نوتنغهام) مثل قرينه بطل (رسالة) متورطا في متاهتين.

الأولى نفسية، تقوده من عالم اللاشعور إلى عالم المعرفة المأزومة. ويمكن أن تفهم ذلك بضوء حياته الموزعة بين قبو برفقة الغانية جوستينا، وبين نشاطه السياسي والعلمي في الجامعة والهايدبارك.

أما الثانية فهي متاهة بين أمكنة مألوفة وأخرى غريبة. وبالتحديد بين مسقط رأسه (المشدود له بقوة الصدفة والقدر الأعمى)، وبين نوتنغهام التي اختارها بملء إرادته. وبلغة أوضح: بين الشرط الوجودي وضرورة الحرية.

وإذا كان نادر متوازنا في شأنه النفسي، ويعرف كيف ينفق الليبيدو ويحوله إلى كمون مهذب ومعرفي، كان على الخلاف من ذلك بالنسبة للمكان. فقد خص بغداد بالإنكار السالب. ويقول عنها:"إنها أمر واقع لا يجب أن يتمرد عليه". ولكنه يخص نوتنغهام بالإنكار الموجب. وبهذا المعنى يقول: "إنها تبدو بوجه آخر، غير أنها لا تخيب رجاء أصدقائها القدامى".

في كل الحالات كان نادر عدميا وينظر للحياة بمنظار كئيب ومحبط. ويذكرنا هذا السلوك بما فعله كل أدباء الحرب البارزين في الثمانينات والسبعينات. فقد رسموا للشخصية العربية أبعادا غامضة وتصوفية على الأغلب، ومنكفئة على الذات. أضف لذلك أنها كانت تقرض نفسها بطريقة تدعو للرثاء والشفقة. لقد كان أبطال الرواية العربية أضعف من أن يحملوا مسؤولية ذاكرتهم. فهم يحترمون ماضيهم ولكن يعجزون عن تكراره. ويعانون من مشكلة المثقف الأزلية: وأقصد بذلك الصراع الدرامي بين الأخلاق والعواطف، أو بين الفضيلة والواجب. وهي مشكلة يعاني منها كل الأبطال المثقفين ابتداء من ميرسو في غريب كامو، وحتى نادين في (المثقفون) لدوبوفوار. لكن من الضروري التنويه أن قوام رواية (نوتنغهام) يبني على تقاطعات بين دال معرفي ومدلول اجتماعي. وبالتالي مثلما أنها تتكلم عن انعكاس الحرب على الإنسان، هي كذلك تشير لانعكاس قاع المجتمع على العقل. إنها تعرض مشاكل محتوى الصورة وليس الصورة ذاتها. وتتناول مسألة تدهور المعنى على حساب المظاهر. ولكنها لا تزال رواية كامبوس (عن المدينة الجامعية) مثل (شرخ في تاريخ طويل) لهاني الراهب، و(قالت ضحى) لبهاء طاهر. وغني عن القول أن هذا يفترض وجود حوارات مطولة عن السياسة (من قبيل كلام نادر وعبدالعال)، مع علاقات عابرة بين المذكر والمؤنث. وهي دائما علاقات تتطور في السرير، وتكون مبنية على ردود الأفعال والفهم الخاطئ لماهية الوجود. ويمكننا القول إن نادر مختلف مع نفسه. فقد اختار أن يحاكي الواقع ولكن بتجرد. بتعبير آخر: دون الانهماك في تيار الأحداث، ومع الاحتفاظ بمسافة بين الأسباب والنتائج. فالحرب المدمرة التي دفعته نحو مصيره المحتوم حازت على إشارات سريعة. في حين انفردت التفاصيل بمتابعة أخبار المجتمع وخطاياه وهفواته، وبنفس الأسلوب المبرمج والروتيني الذي صورته أعمال نكسة حزيران. ولنأخذ كمثال رواية (المتألق) لعبد النبي حجازي، و(حادث النصف متر) لصبري موسى. فالبطل يهرب من عار الهزيمة بالتهالك على الشعارات والمكاسب. ومثل هذا التعويض يعمل على ترميم الفساد وتجميل وجهه، لكنه، في نفس الوقت، يضع في المرآة صورة الأشياء التي فقدتها الذاكرة. وهذه مشكلة بارزة في رواية (نوتنغهام). فالذاكرة فيها تنظر للمبررات على أنها هي نفسها القيم. على سبيل المثال، كان نادر يعمل في أحد المطاعم لتوفير النفقات، وكانت جوستينا تبيع البضاعة الوحيدة المتوفرة لديها. ويمكن أن تنظر لهذه العمالة على أنها عمالة عضلية. إنها خدمة بواسطة هبة حصلنا عليها من الطبيعة. بمعنى أن أداة الإنتاج لا فضل لنا بها، وهي منة فقط، وتعكس كل شرور وأخطاء الطمع الرأسمالي بأسوأ صوره. وأعتقد أن هذا هو المدخل الوحيد والصحيح لتفسير الرموز على اختلاف أنواعها. وهي رموز هجينة، تتحدى فكرة الفضيلة، وتستبدلها بالتفسير الكوزموبوليتاني لمعنى الحرية.

وربما من المفيد هنا التذكير بمجمل فكرة الرواية. فهي عن شاب عراقي يقيم علاقة خاطئة مع غانية، ثم يتبرع لها بحيواناته المنوية قبل نهاية دراسته، ويعود بعد أربع سنوات ليتحرى إذا كانت قد قبلتها وأنجبت منه.

لا يهم إن لقحت جوستينا نفسها بعصارة نادر. ولا يهم أنها بالفعل أنجبت ابنة ومنحتها اسما عربيا خالصا. فهذه المفاجأة البيولوجية ليست بحجم المدلول الحضاري. فالإنجاب، الذي تم بواسطة آلية تشبه الروموت كونترول، وبتلقيح خارجي بين رجل غائب في الشرق، وضحية نسائية من ضحايا السوق في الغرب، لا يختلف كثيرا عن سياسات الاستعمار القديم. فهو حضارة بالإكراه وليس بالاتفاق. ولهذا السبب تحولت العلاقات الإنسانية في الرواية إلى تبادل منافع بين طرفين. الأول خارج مكانه، والثاني خارج مجتمعه.

لكن لم يحاول قصي الشيخ عسكر أن يفلسف خط الأحداث، ولا أن يلفت انتباهنا للفرق بين الالتزام والتورط . ورسم شخصياته بواسطة تكنيك الراوي الرديف، كما فعل من قبل في (رسالة).

وهنا لا بد من بعض الاستطراد.

إن هذا النوع من الرواة يختلف عن السارد العليم، وهو لا يلمّ بكل مجريات الأحداث، وإنما بكل انعكاساتها. لأنه بكل بساطة يعرف الصور المتخيلة التي ابتكرها الكاتب وليس الواقع. وإذا استعملنا مفردات باختين: هو جزء من العلاقات الحواراتية، وليس الكلام أو المحادثة. ص 54. و بكل تأكيد العلاقات لها مدلول أما الكلام فيمكن أن يكون لغوا. ص 54*. وعليه وضعتنا الرواية أمام نصين. نص مكتوب في الذاكرة، ونص يمحو تلك الكتابة. وكان لكل واحد منهما أثره على المعنى. بالإنكار والإلغاء أو بنفي النفي. وفي النهاية أصبحنا أمام رواية تتكلم عن آثار ونتائج. ولنأخذ نادر كمثال. لقد شارك في الحرب الساخنة على الجبهة، لكنه ترك رجولته (بمعنى حيواناته المنوية) في نوتنغهام. ويقول عن ذلك: إنه "لضمان استمراره". ويضيف فورا: هذا "يكفل له العودة بصيغة أخرى للحياة". ثم يردف: إنه "يغامر على الحياة والموت معا". فهو في رهان مزدوج أحدهما ينفي الآخر. وتنسحب نفس المفارقة على الغانية جوستينا. فقد كانت موزعة بين مكانين، جسدها الميت الذي تنهبه قوة السوق، وعاطفتها التي لا تقبل بنظام المنفعة. وترتب على هذا التوزيع الإنكاري تجزيء إنكاري للأسلوب أيضا. فقد كانت الذكريات تقطع الطريق على تسلسل الأحداث، وتربط الماضي بالمستقبل، ولا تهتم بالحاضر. فالوقت الراهن مؤجل، ويخيم عليه التكهن والانتظار. حتى أن خاتمة الرواية المفتوحة لم تخدم إلا شيئا واحدا وهو انتظار تحقيق ما يأمل به شخصياتها. ويمكن أن تقول إن فلسفة الرواية مبنية على إنكار الحاضر أو رفضه، مع التمسك بالماضي (بالنسبة لنادر) وبعصر البراءة (بالنسبة لجوستينا). والدليل على ذلك الافتتاحية. فقد استهلها الراوي بوصف مفصلي للتحويرات التي لحقت بالمكان، ولما فقدته الذاكرة من معناها أو من موضعها في سياق الأحداث. فقد كان مسرح الأحداث يمر بحالة انزياح دلالي، أو تقليص للمساحة وتوسيع للفجوة. أو كما قال نادر بضمير الغائب: "إن كل شيء يجري الآن بشكل آخر". ثم يضيف: "إنه يمر بترتيب مختلف دون تحوير". ولا يمكن أن تفهم من عبارته غير معنى واحد: أن الظاهر ينقرض والمحتويات على ما هي عليه. وأن العلاقة ليست جدلية بين المكان ونقاط العلاّم (الإشارة الدالة). فالأمكنة على الخريطة "ليست في مواقعها المحددة حسب المفروض". ويعبر عن هذه الإشكالية حينما يزور الهايدبارك في لندن ويقول عن المدينة وهو يجيل النظر في أرجائها: "يا لها من عجوز شابة!!"

 وعلينا أيضا الانتباه لتكنيك تبادل الأماكن. فهو في الرواية ليس دون مغزى، ويتم بالتناوب والتعاكس، من مستوى أدنى لأعلى في حالة نادر. فهو لا يكف عن الاختيار بين جملة احتمالات.. المعرفة والمنفى والأرض أو الهوية. وفي كل الأحوال كان له موقف رجولي وإنساني من الحضارة والمعرفة. والحقيقة يوجد نوع من التماهي بين الطرفين. ولكن الصدع الوحيد يأتي من حالة الاغتراب القسري الذي يجب أن يتلازم مع أخلاقه ورجولته من جهة ومع غربته وضياعه في منفاه من جهة. ولكن هذا التبدل النفسي والوجداني يقابله تبدل في مفهومنا عن المجتمع في حالة جوستينا. فهي لا تنفصل عن مكانها المألوف، بتعبير أوضح لا تغادر أرضها إنها تلعب في مساحة مكشوفة ودون ورقة التوت وعلنا. فليس في حياة جوستينا رهان للتستر. وربما العكس هو الصحيح. فرهانها فضائحي مثل إعلان عن مشكلة وجودية وشاملة. وهي مرتاحة تماما من الحساسيات الوطنية، ويمكن أن تقول إن مدارها نوعي وذاتي لكن بصفات موضوعه.

 وللتوضيح هي دائمة التنقل بين جدران العزل بين النماذج ولكن ليس الطبقات. إنها لا تغادر طبقتها الكادحة إنما أسلوب الكدح هو الذي يتغير، من عاملة في محطة وقود إلى بغي. ومن متعددة العلاقات الجنسية إلى حكر على صديق واحد. وحتى هذا الصديق له كل مشاكل عطيل. شرقي وغير أبيض. إنه اللون المختلف في القطيع. أسود مثل لاشعور وعصاب المجتمع، وبالتالي هو فضيحة إضافية تكشف مزيدا من أوراق جوستينا وتضعها نهبا للعيون والتساؤلات، وتؤكد على خطها المنحدر من مدار أعلى لمدار أدنى، بمعنى أنها بعكس صعود نادر.

 فهل كان يريد قصي العسكر هجاء الغرب وتمجيد الشرق؟.

 لا أعتقد ذلك.

 إنه أعمق من هذا الموقف غير الواقعي. ولكنه حاول أن يبحث عن نقطة توازن للطرفين، ووجده في ابنتهما. ومع ذلك ترك الموضوع معلقا وبقي حتى النهاية يسأل نفسه عن شكل ابنته ونواياها. وهكذا نقل مشكلته ذات الصدع الحضاري إلى مشكلة معرفية لها جانب روحي. والمشكلة الأزلية التي تعيد رواية (نوتنغهام) تصويرها هي شبهة سقوط الغرب مقابل الفضيلة والأخلاق الرفيعة التي يتحلى بها أبناء المشرق. وما يفاقم المشكلة أن المتعفف دائما من ذكور المشرق، والفاسد هو بنت ساقطة من بنات الحضارة الغربية.

 على أي أساس يبني قصي العسكر هذه الإيديولوجيا المتكررة؟.

 الجواب على السؤال تجده في الشك الذي سيحيط به ثمرة غرامه العذري. فمع أن ابنته ثمرة للخطيئة لكنها خطيئة عفيفة. فالتلقيح كان خارجيا، والحمل ليس نتيجة نكاح وإنما هو نتيجة لتطور العلوم والحضارة. فهل ستحقق له ابنته آماله وتكون مثالا للترفع والنظافة، أم أنها ستحمل مورثات أخلاق أمها وتكون براغماتية ونفعية. مجرد طرح هذا السؤال يعني أن قصي العسكر لا يزال في الحاضنة التي قدمت لنا سهيل إدريس، وقبله شكيب الجابري، وفاضل السباعي، وكلهم نماذج معروفة عن إعادة إنتاج الغرب والشرق. للغرب الفساد والانحلال وللشرق العفة والفضيلة. ولكن ما لم يفسره أحد، لماذا لا تعاقب السماء بلاد الفجور وتطارد بلعنتها المجتمع الأصيل.

 برأيي إنها نكاية ضعيفة وأسلوب تحويل فرويدي معكوس نسقط عليه ضعفنا وجروحنا. ويكفي أن شكل رواية (نوتنغهام) غربي مائة بالمائة ولا تتخلله عناصر من السرد ولا النثر العربي ببلاغته وبنيته. إن الدفاع عن نادر هو تغطية وتستر على إحساس البنية بقيمتها الاستعارية. فالشكل حصيلة لمفهوم الغرب عن سرد العقل، والمحتوى هو حصيلة النظرة البدائية والمتخلفة عن مركزية الشرف وعلاقته بأعضاء العيب عند النساء. وحتى أن هذا التفسير يحمل عدة أخطاء عضوية. فالفضيلة ليست موضوع نوتنغهام ولا الوطنية أو الهوية. وهي تصور سلوك نادر وردود أفعاله تجاه مسائل عاجلة وآنية. ويوجد فرق واسع بين السلوك والشرف، فالأول حادث والثاني معنى أو فلسفة.

وختاما يحسن بنا تسجيل الملاحظات التالية.

إن نوتنغهام عمل من أعمال الذاكرة. فهي تبدأ من لحظة قريبة من النهاية، وتعود بنا بالذهن لما قبل أربع سنوات، بمعنى أن الأحداث الأساسية تمت وانتهى وقتها، وحان الوقت لمتابعة الترسبات ومفعول الزمن.

وهي رواية مكان وليس شخصيات. لذلك غلبت عليها المشاهدة ومقارنة الواقع الحالي بما كان عليه بالماضي. ويستعمل نادر أسلوب الكاميرا. فهو يرسم بانوراما بطيئة للمدينة، بشوارعها وبيوتها دون أي اهتمام بالوجوه أو البشر. إنها بخلاف الأعمال التي ارتبطت بأذهاننا باسم مكان مثل (قصص كوليما) لشالاموف. مع أن الحكاية فيها عن الظروف الشاقة لمعسكر الاعتقال المشهور، فهي تدخل إلى حياة الشخصيات ضمن شرط ظرف المكان. لكنها أبدا لا تنشئ علاقة مع الطبيعة، وتنظر لكل شيء من خلال عيون بشرية. بعكس ما فعله الشيخ عسكر. فقد كان موضوعه هو المدينة، وتأثير دورة الحياة والطبيعة عليها.

وهي بالنتيجة رواية سياحية، وليست مهجرية. فزيارة نادر لا تتعدى بفترتها الشهر، ولا يمكن أن تجد أي صدى لإقامة دائمة أو أية نية للارتباط بهوية وروح المدينة. وعليه إنه يفتقد لحس المواطنة، وتتعدى عليه مشاعر الاغتراب والإنكار، ولدرجة الإلحاد أو الانفصال عن جوهر الواقع البشري، سواء من الداخل والخارج. وبتعبير آخر، كان نادر بعيدا عن نفسه بمقدار ما هو بعيد عن بيئته. وقد اختار التكهن والشك، وابتعد عن القطعيات واليقين.

وأخيرا، لا شك أن (نوتنغهام) عمل يدخل في اختصاص صراع الحضارات. لكن ليس بالمعنى التقليدي. كان العدو في أعمال الرواد انتقائيا، وهو بالتحديد: 1- الأخلاق الشائنة لمعنى الأنثى في الغرب، و 2- إسرائيل. فهو عدو اجتماع سياسي، ويدخل في دوائر الصراع على الوجود. لكن في (نوتنغهام) يعمل نادر على بزل الطرفين. إنه يستأصل هذا الورم المفترض من عقليته، ويضغط باتجاه الشرق. ويجعل التناقض بين العرب من جهة وإيران من جهة مقابلة. لقد انتقلت الجبهة في هذه الرواية من الغرب إلى الشرق. وبذلك فتحت الباب على مراجعة شاملة لفكر التنوير، وقفزت مباشرة لفكر النهضة. وإن أطروحة الرواية لا تنسف كل نظرية جورج طرابيشي و قبله محمد كامل الخطيب عن المواجهة المفتوحة بين الحضارات فقط، وإنما تواكب الجهود المبذولة لإعادة تعريف معنى فلسفة الأنوار عند العرب وكما وردت عند أبناء الرعيل الثالث أمثال ماجد الغرباوي ومحمد طالب وهاشم صالح وآخرين. وباعتقادي أثرت هذه الرؤية على سياسة الخيال الفني مثلما أثرت على سياسة الشخصيات وعلبة تفكيرها. فهي بلا ماكياجات الحداثة، ودون المحسنات التي ورثناها من كتّاب ما بين الحربين (1915-1948). بمعنى أنها نظيفة من اللامبالاة والعبثية وفوضى الأحاسيس بالطريقة الماجنة التي اتبعها الرواد. وتبدو لي أنها أقرب لأدبيات إيرلندا. فهي بموضعها من مشكلة المواطنة والدين لا تختلف عن محور النزاع الطائفي بين المتشابهات. أو إذا اخترنا مصطلحات فرويد: أنا غيري. وإذا وضعنا برقع الحياء والخجل جانبا، يمكن القول إنها تلغي كل ما بنيناه على فكرة وفلسفة المقاومة، وتستبدلها بإيديولوجيا التناحر أو سياسة الرفض. وتضع النهاية في مكان أعلى من البدايات. فقد كانت الشخصيات تراهن على النتيجة دون أن تعلق أية أهمية على الأدوات والأساليب**.

 

د. صالح الرزوق

.......................

* من كتاب النظرية الجمالية لباختين. ترجمة عقبة زيدان. منشورات دار نينوى. دمشق. 2017.

** أود التنويه بالفرق الاستراتيجي بين المقاومة والرفض. فحركات التحرير يكون لها هدف من وراء العمل العسكري أو الوقوف على أهبة الاستعداد. لكن الرفض هو موقف تراجيدي تنفي به الذات موضوعها. وبطل الرواية في الواقع مثل المنشار. يقطع علاقته مع موضوعه من الطرفين. فلا هو مع بروباغاندا الحضارات، ولم يقدم أية إشارة إيجابية تدل على الانتماء لعكسه.

 

د. صالح الرزوق

 

 

علي عليالغبطة والسرور والفرحة.. مفردات افتقدها العراقيون عقودا طويلة، حتى أنها باتت نسيا منسيا، وقطعا ما كان هذا يحدث لولا فعل فاعلين مروا على دست الحكم، انتهجوا سياسات مدروسة، كانت الغاية منها وضع العراق في خانة بعيدة كل البعد عن ركب الأمم، ونائية عن مسيرة التقدم والحضارة التي تخطو بها بلدان العالم بخطوات حثيثة.

وما يؤلم في الأمر أن العراقيين يعومون على بحر من النفط، يؤهلهم لعيش حياة يحلم بها سكان مشارق الأرض ومغاربها، إلا أن (ساعة السودة) لم تكن بعيدة عن حظهم، فالفرحة كانت بمرصاد سلاطين وحكام تربعوا على أس الحكم وأساسه، ليترأسوا إدارة البلاد بمناهج كانوا قد فصّلوها على مقاسات القتل والدمار والسرقات، فكان الناتج عين ما خططوا له ورسموا اليه، فانزلقت الفرحة في دهاليز السجون وعلى أعواد المشانق، وما نفذ من الأفراح فقد نفذ بجلده، متأبطا حقيبة سفر وهجرة أبدية خارج حدود وطنه، حيث التغرب والشتات والفراق وأحيانا.. الضياع، فضاعت الفرحة مع الضائعين.

بعد عام 2003 كان العراقيون قد حلموا بأفق جديد لحياتهم، مغاير لما قيدهم فيه طاغية عصره، فراحوا يرسمون الفرحة ويخططون لها كأول خط من خطوط المواجهة مع الحياة الجديدة، فما دامت الديمقراطية هي الحكم الحاكم في بلدهم، ومادامت الفدرالية هي سياسة البلد الجديد، ومادامت الاتحادية تظلله تحت رحمة الاستقلالية والسيادة التامة، يكون من المؤكد كتحصيل حاصل أن الفرحة أول جني يهنأ به العراقيون، وأدنى قطاف يمرأون به، وستغدق عليهم الحكومات الجديدة حتما من الأفراح مالذ وطاب، وسيكون بمتناول أيديهم كل ماكان ممسوكا عليها من الوصول اليه، وكيف لا..؟ والحكومة منتخبة، وقد ولدت بعد مخاض عملية انتخابية نزيهة شفافة، ولم تفرض على المواطن بقوة الرصاص والبطش كما فرضت في عهد السابقين، كما أنها "منا وبينا" وليست علينا كالنظام البعثي الدموي، وعلى أساس كهذا يفترض أن يرفل العراقيون بالفرح، وأن يعيشوه بتفاصيله، وينعموا به على مدار أيامهم وسنينهم.

هكذا كان حلم العراقيين وتوقعهم واستنتاجهم قبل ستة عشر عاما، لكن، يبدو أن غربال المحاصصة لم يكن متينا بما يمنع مرور الـ (دغش) فقد نفذ من خلاله كثير منه، فتبدد الحلم واستحالت الفرحة المرجوة الى بؤس وشقاء وموت وتهجير وتفجير وفساد عم البلاد، وسحق ملايين العباد.

فبسياسة التحاصص، التهمت أفواه الأحزاب أفراح الناس جملة وتفصيلا، وأتت نيران الكتل على يابس الفرحة ونديّها، وكأن القسم الذي ردده ساسة البلد، يلزمهم على اتباع سياسة الأرض المحروقة، الخالية من مباهج الحياة، وهاهم قد برّوا بقسمهم، وحاشاهم من الحنث به. فلو قلبنا الماضي لفاض علينا أنهارا من الحزن، مازال روجها عاليا في حاضرنا، بل قد علا منسوبه حدا فاق المعقول والمقبول. فبالأمس قالت أنوار عبد الوهاب (من عمري سبع سنين وگليبي مهموم) وشاطرها القول قحطان العطار حين قال: (يگولون غني بفرح وآنه الهموم غناي)، ولم يكفّ الخلف بعد السلف من النوح والتشكي والتظلم حتى يومنا هذا، فهل أضحت الفرحة عملة ساقطة في عراقنا؟ وهل يعقل أنها اختفت من حياتنا الى الأبد؟ وإن كانت كذلك، فما السبب ومن المسبب؟ وإذا كان القائد الضرورة بالأمس هو السبب والمسبب في انعدام الفرحة، فمن ياترى السبب والمسبب بعد زواله؟ أظن الإجابة على هذين السؤالين نجده في الأبوذية الآتية:

خلص عمري بصدودك.. كله مني

وعلي ماجن طيوفك.. كلمني

آنه اللي جرالي.. كله مني

جبت بيدي الجرح دليته بيه

 

علي علي

 

محمد الدعميبعدما اطلعت، لأول مرة، على ما يقدمه "الدكتور جوجل" Doctor Google من وصفات وعلاجات طبية بعد استشارته على شبكة المعلومات الدولية Internet، استذكرت عددا لا بأس به من الأطباء المختصين الذين أراجعهم من آن لآخر في الولايات المتحدة الأميركية، من هؤلاء الأطباء الاستشاريون الذين غالبا ما يرون المريض لبضع دقائق للاستفسار عما يشتكي منه، ثم يغيبون مددا طويلة، تاركين المريض في غرفة الفحص بالانتظار.

إلا أن اطلاعي على “الدكتور جوجل” أعلاه قد أزال الغشاوة عن ناظري بقدر تعلق الأمر بدوافع وأسباب تغيب الأطباع عن المريض أثناء الفحص، أو قبله، إذ تبين لي أن “الطبيب اللبيب” الذي (كان سابقا يعرف كل شيء)، أي الذي كنا نراجعه على سنوات الطفولة، قد انقرض، بدليل أن المختصين الآن يرجعون إلى حواسيبهم في مكاتبهم (سوى غرف الفحص) لمعرفة الذي يشتكي منه المريض، ثم للحصول على اسم الدواء الذي يحتاج المريض إليه. وهذا يعني أن الطب “الإنسايكلوبيدي” كما كنا نعرفه سابقا لم يعد موجودا، ربما باستثناء الجراحات التي يصعب على الجراح خلالها ترك مريضه في “مسرح العمليات” من أجل استشارة جوجل عما يتوجب فعله.

ربما كان هذا هو ما يفسر عزوف ملايين الأفراد عن مراجعة أطبائهم كلما اشتكوا من عارض صحي، ذلك أن “الدكتور جوجل” يعرف كل شيء بل ويجهز لمريض بما يحتاج إليه، ثم يقدم لمريضه الوصفة الأدق التي يمكن لهذا المريض أن يصرفها، ليس من الصيدلية القريبة من عيادة الطبيب، بل من صيدلية، قد تكون موجودة على الإنترنت، فيضع الطلبية الدوائية (الأرخص سعرا) ثم يبتاعها المريض كي تصله الأدوية خلال بضعة أيام إن لم تصله في اليوم التالي.

بيد أن “رأس المال” المتعامي لحصاد الأرباح فوق الأرباح، يحارب “الدكتور جوجل” المتوفر في كل بيت له اشتراك بالإنترنت، إذ راحت بعض شركات الأدوية الاحتكارية التي لا يهمها سوى المتاجرة بصحة المواطنين تفرض أسماء أدويتها على “الدكتور جوجل” كي يصفها لمرضاه، فتحصد المزيد من الأرباح، حتى لو كانت هذه الأرباح على حساب صحة ورفاه المرضى.

لذا، فمع النصيحة الأخوية لاستشارة الدكتور جوجل ومحاولة الاستفادة مما ينصح به، يتوجب على المرء أن يحذر مما تفعله الشركات الصيدلانية في سبيل تسويق أدويتها، حتى لو احتوت على مواد قاتلة، إذ تعاني الولايات المتحدة الأميركية اليوم من تفشي “وباء الإدمان” على الأدوية المسكنة التي راحت تحل محل مهربي المخدرات بسبب تسويقها عبر “الدكتور جوجل” والصيدليات على الإنترنت دون الحاجة لصداع مراجعة طبيب العائلة.

بلى، استشر “الدكتور جوجل”، ولكن احذر ألاعيب رأس المال!

 

أ.د. محمد الدعمي كاتب وباحث أكاديمي عراقي

 

هل تعلمون بأن التاج لم يعد يلبس على الرأس إلا في العراق؟!

بل صار يلبس مثل خف نعل،أو قطعة قماش تُستر بها العورة!

هل تعلمون بأن التاج لم يعد يصنع في المعامل الراقية؟!

بل صار ينتج حتى في معامل التدوير!

هل تعلمون يا أهل العراق، بأن التاج لم يعد يباع في المحلات المترفة!

بل صار يباع عند الباعة المتجولين!

وأحيانا لعبة عند أطفال متسولين!

هل تعلمون بأن التاج يلبس مقلوبا في غير بلدان؟

هل تعلمون بأن التاج لم يعد يرصع بالياقوت أو الزمرد أو غيرها من الأحجار الكريمة؟! بل بات يصنع برمزية حكم الشعب لا حاكم الشعب!!

هل تعلمون يا سادة بأن البلد الذي فيه تيجان كثيرة، يعني فيه حفاة أكثر وأكثر؟!

هل تعلمون يا تيجان العراق،بأن تيجانكم أصبحت رخيصة ورخيصة جدا؟!

لأن المواطن أمتلك منها الكثير ويرتديها متى ما شاء، ويبيعها في سوق العتيق أن أفتقر؟!

هل تعلمون يا تيجان العراق بأنكم تلبسون على رؤس فارغة؟! لا تفكر حتى بقيمتكم!!

هل تعلمون بأن بحثكم الدائم عن رؤوس لتلبسكم،عادة ما تجدونها بالمقابر؟!

لأنكم أعتدوا البحث عن الموتى! وأي موتى؟!

جماجم القبور الجماعية التي وجدناها ولم نجد معها تيجانكم؟!

أو موتى الحرب الطائفية التي فصلوا بها رؤوسنا عن أجسادنا لأننا نرتيدكم؟

أي موتى؟! الموتى التي رؤوسهم قد أورمت من الأمراض الخبيثة والتي لا تناسب حجم تيجانكم؟! يا خيبتكم! قد نجدكم فوق العقال! أو فوق العمامة! أو فوق الخوذة! أو فوق طربوش! أو فوق الهامات يامن لا همة لهم،سوى هذا الهم!

يا من لبستم على رؤوس فارغة

 

د. رائد عبيس

 

صائب خليلفي احد أفلام عالم الحيوان تطارد مجموعة من الأسود الجائعة، قطيعا من الجواميس. المجموعتان عاشتا مع بعضهما طويلاً، وهما في حالة توازن وصراع بقاء، ليس في القوة فقط، وإنما في معرفة كل الآخر ايضاً. في مشهد متكرر في هذا الصراع، يثير عجبنا نحن البشر، تمسك الأسود أحد الجواميس وتبدأ بمحاولة نشطة لإسقاطه وقتله، بينما يقف القطيع يراقب متردداً، حتى يقرر اخيراً الهجوم على الأسود وطردها عن رفيقهم. حياة هذا الأخير تتوقف على الوقت الذي سيحتاجه القطيع لحسم امره والهجوم. لذلك تكون الأسود في عجلة من امرها، فهي تعلم ان الهجوم قادم، وإنها ان لم تصب الضحية بجراح قاتلة قبل أن يقرر القطيع المبادرة، فسوف يفشل الصيد. الدقائق ثمينة وحاسمة لتحديد النتيجة.

وهنا يأتي السؤال: لماذا لا يهجم القطيع مباشرة؟ لماذا يعطي الجواميس، الوقت للأسود لقتل رفيقهم ماداموا يعلمون أن بإمكانهم إنقاذه؟ 

يبدو ان وقت التردد هذا ضروري للقطيع ليحسم امره. ليتأمل الموقف ويعي مدى خطورته ومدى فائدة الهجوم، ولكي يجمع البعض شجاعته، ويقرر من يبدأ الهجوم وكيف وإلى أي مدى يجب ان يقترب؟ هل سيحصل على الدعم من الباقين؟

الكائنات “الاجتماعية” تعاني دائما من مشكلة القرار والتنسيق، ونحن البشر لا نختلف عنها في ذلك. قد ينزعج البعض من تشبيهنا بقطيع الجواميس، لكني سأبرهن اننا لا نتفوق عليهم في هذا بل بالعكس، نحن اقل كفاءة!

نحن العراقيين مثلا، نواجه تحدياً واضحاً جداً. لدينا حكومات نصبت تحت ضغط الاحتلال، ثم صارت تعين من قبل الاحتلال مباشرة. احتلال لم نعد نشك مما كشف من قصص الإرهاب وداعش، انه يستهدف القضاء على البلد والشعب. ومن خلال ردود الفعل على المقالات التي تكشف ما تقوم به حكومة عادل عبد المهدي، من الواضح ان هناك اغلبية ساحقة صارت تدرك الاتجاه الذي يتجه اليه ومدى خطورته على وطنهم. وإن كانت السوابق القديمة لتاريخ عبد المهدي تكفي لإثارة الريبة والقلق منه، فأن تقديمه قانون شركة النفط الوطنية، الذي وصفه خبير المحكمة الاتحادية بأنه يهدد بضياع ثروة العراق النفطية ويضع البلاد على شفا حرب أهلية(1) وتم رفضه بالتالي، نبه الكثير من الغافلين الى حقيقته. وأخيراً جاء توقيعه لاتفاقية التجارة الحرة مع الأردن رغم تحذير اتحاد الصناعيين والكثير من الاقتصاديين، وكذلك مد أنبوب النفط السيء الصيت إلى الأردن وتوقيعه عدد كبير جدا من القروض مع اخطر المؤسسات المالية العالمية المشهورة بعدوانيتها وتدميرها الاقتصادي للبلدان المختلفة، لم يترك الكثيرين من الموهومين به أو اللامبالين. 

لقد صار الخطر واضحاً امامنا إذن، تماماً كما هو للقطيع في الصورة. ويبدو من السرعة المذهلة لتوقيع تلك المشاريع، ان عبد المهدي (أو من يقف وراءه وينسق حركاته) يدرك الموقف أيضاً، ويتصرف بالضبط كما تفعل الوحوش مع الجاموس الضحية: هي تعلم أن وقتها محدود، وتحاول قدر استطاعتها ان تقضي على فريستها بأنيابها ومخالبها، قبل ان يقرر القطيع الهجوم، وعبد المهدي وحكومته يتصرفون بسرعة مذهلة لتوقيع الاتفاقيات المورطة، والبدء بمشاريعها الضخمة والخاسرة، رغم وضع العراق المتزايد الديون، متجاوزين شروط الدستور بتوقيع النواب على تلك الاتفاقيات، مثلما تجاوزوا الدستور في ترشيح هذا الرجل.

من يقف وراء عبد المهدي ويخطط له ما يفعل، يعلم جيداً إذن أن وقته قد لا يطول، وأن العراقيين الذين ادركوا خطره، قد يتوصلون قريباً إلى طريقة لتنسيق التحرك لوقف حريته في قتل بلدهم، بل أن رد الفعل قد يؤدي الى ازاحته أو يضطرهم الى إبداله. ولعلهم أخذوا درساً من الفشل المدوي الذي انتهى اليه مشروعهم التدميري الآخر، "شركة النفط الوطنية العراقية".

ما العمل؟ ما الذي يجب ان يفعله من يريد انقاذ الوطن من هذه المخالب والأنياب؟

اقترح ما يلي:

 

1- أن يعطي كل منا ساعة من وقته ليفكر في الأمر: ما هي إمكانياتي التي يمكن ان استعملها لوقف الخطر؟ ما هي علاقاتي؟ هل يمكنني أن أوصل تحذيراً الى مراكز القرار ولو بشكل غير مباشر؟ هل يمكنني ان اشكل ضغطاً عليها من خلال من اعرف من القريبين من مراكز القرار تلك؟ هل لدي نائب في مجلس النواب أثق به، قد يفيد، أو ربما في مجلس محافظة أو في الحشد أو في أحد الأحزاب، أو إعلامي قد يستمع إلي؟ لا يوجد شخص واحد يعرف إمكانيات الجميع ليضع خطة لكل فرد، لأننا لا نملك تنظيماً ليوجه تلك الإمكانيات، فليفكر كل شخص بما يستطيع وبما قد ينفع في هذا الحراك. أن يقرر ان يفعل شيئا مهما بدا هذا الشيء بسيطاً، فلعل تجمع الأشياء البسيطة ينتج حركة.

2- ان نستلهم انتصارنا في معركة "قانون شركة النفط الوطنية" والطريقة التي اديرت بها تلك المعركة.

أولاً: اكتشف أحد الوطنيين المؤامرة التي حرصوا كثيراً على اخفائها، وكان ضمن مؤهلاته وعلاقاته ما يتيح له ان يكتشفها. بادر للكتابة عنها والتحذير أن ملف النفط يجري ذبحه.

ثانيا: تداعى عدد من الكتاب والنشطاء للتحذير من الخطر القادم.

ثالثاً: قام رجلان وطنيان من الداخل، يملكان الفهم اللازم والقدرة على التحرك والشجاعة والاستعداد للتضحية، وبادرا إلى تقديم طعن ضد المؤامرة لدى المحكمة الاتحادية.

رابعاً: استمرار الضغط الإعلامي والشعبي جعل من الصعب على المحكمة الاتحادية أن تتجاهل حقائق الطعن، كما فعلت سابقاً في العديد من القضايا، خاصة بعد الموقف الأمين والشجاع من الرجل الذي استشارته كخبير في الأمر.

هكذا تم الانتصار في هذه المعركة التي يمكن استلهامها في معارك أخرى. وهناك أدوات أخرى.

3- النقابيون في الاتحادات المهنية والعمالية، يمكنهم ان يستخدموا مكانتهم وأدواتهم التنظيمية للتحرك بالطريقة المناسبة في هذا الاتجاه. وبالطبع منظمات المجتمع المدني التي ليست من صنع وإدارة الاحتلال (إن كان هناك بالفعل مثل هذه) يمكنها ان تفعل شيئا أيضاً. أنا أؤمن أيضا أن هناك نسبة مازالت موجودة من الشرفاء في الأحزاب والتيارات السياسية، حتى ضمن تلك التي كونت هذه الحكومة المجرمة بحق البلد، وأن هؤلاء يمكنهم، ربما استغفاراً لذنبهم في دورهم في المؤامرة دون علمهم، ان يشكلوا نواة ضغط في احزابهم حتى لو كانت مخترقة للتحرك بهذا الاتجاه.

 

4- الكتابة عن الموضوع أو مشاركة مقالاته وادواته الإعلامية قدر الإمكان في وسائل التواصل الاجتماعي، لتنبيه الناس وحفز من قد يستطيع فعل شيء أكبر ليفعله .. "وذلك اضعف الإيمان".

إن اخطر القضايا التي يجب وقفها قبل ان يسقط وطننا مضرجا بدمائه هي

1- معاهدة الأردن، و

2- انبوب النفط الأردني، و

3- قانون الموازنة.

1- تحدثنا كثيراً عن معاهدة الأردن، ولمن يريد ان يطلع على ما نشرته عنها للاستفادة للمعركة، اقدم هنا الروابط الى المقالات(2)

ويمكن مهاجمة تلك الاتفاقية من حقيقة انها مخالفة للدستور بشكل صريح وواضح. فالدستور يؤكد على ان المعاهدات الخارجية يجب ان تحصل على موافقة مجلس النواب ولا تمرر إلا بأغلبية الثلثين!

ما تفعله حكومة عبد المهدي هنا من مراوغة، هو إعادة تعريف الاتفاقية لكي لا تسمى "اتفاقية"، واعطائها اسماً آخر للإفلات من الشرط الدستوري، رغم أنه لا يمكن ان يكون هناك اتفاقية دولية أكثر من هذه الاتفاقية. ويستخدم هؤلاء بعض وعاظ السلاطين المعروضة خدماتهم للبيع، والمتخصصين بهذه الألاعيب القانونية، تماما مثل رجل الدين الذي يجد تعابيراً مختلفة للربا ليمرره على النصوص القرآنية المحرمة له، عندما يحتاج ذلك الأثرياء. لكن القضية واضحة بشكل يصعب على المحكمة الاتحادية تجاهله، ولا يستحيل احراجها والضغط عليها، وسأحاول الكتابة بتفصيل أكثر عن هذا.

2- أنبوب النفط إلى العقبة هو أيضا اتفاقية دولية، ويمكن الطعن بقانونيتها لمرورها بدون موافقة مجلس النواب. إضافة إلى ذلك فهذه الاتفاقية هي أيضا ضارة بالاقتصاد العراقي وتعرضه للخطر، كما كتب العديد من الكتاب وننوي الكتابة ايضاً. ويمكن تشكيل الضغط اللازم بشأنها إن توفرت نواة تنظيمية لذلك التحرك. فالأنبوب ليس له أهمية وبدائله افضل، ويكلف كثيراً جدا في وقت حرج، ويضع النفط العراقي تحت سلطة إسرائيل، ولا يوجد حجة لتوقيع اتفاقاته.

3- الموازنة هي الأخرى خطرة جدا بما منحته من افضليات خارج العقل والمعقول لكردستان وبشكل يهدد وحدة البلد، سواء بمنحها الحق الرسمي بتصدير نفطها بنفسها بالضد من مادة الدستور 111 التي تؤكد ان نفط العراق ملك لكل الشعب العراقي، أو بتعهد الحكومة بدفع رواتب الإقليم وبيشمركته في حالة امتناع كردستان عن تسليم حتى حصتها المخفضة من النفط! وهي في الحقيقة دعوة صريحة لكردستان لتفعل ذلك. وهي أيضا دعوة ضمنية للبصرة، وبخاصة دعاة الإقليم لتنفيذ مشروعهم وربما الانفصال ايضاً، كما نعرفه كهدف امريكي إسرائيلي كردستاني. وحتى لو اكتفت البصرة بالمطالبة بالمعاملة بالمثل كما يقضي الدستور والمنطق، فإن ذلك يعني نهاية العراق كما هو واضح للجميع. وهكذا فأن الموازنة قانون في غاية الخطورة اولاً، وسهل الطعن جداً لأنه يمس حتى مساواة المواطن العراقي امام القانون وتوزيع ثروة العراق بشكل عادل على شعبه وكلها نقاط دستورية واضحة وأساسية.

إننا بحاجة عاجلة لإيجاد ذراع يتمكن الشعب من مدها الى السلطة ومركز القرار. بحاجة عاجلة إلى طريقة للتأثير في القرار. بحاجة الى ان نعي حجم الخطر، وان نستلهم تجارب النجاح القليلة لكي ننسق وننظم هجومنا على الوحوش. الوحوش التي تدرك الأمر أفضل منا وتقودها اشد المراكز الدولية قوة وعلماً، لتسرع بتحطيم البلد والاستيلاء على ثروته.

نحن في سباق زمن مع حياة هذا الوطن وهذا الشعب. الوطن الذي سيتركنا جميعاً ايتاماً نعاني شظف العيش والإذلال إن سقط، هو اليوم فريسة تتعرض للأنياب الشرسة. فريسة تحاول الصمود في انتظار تمكن أبنائها من تجميع شجاعتهم وتنسيق مبادرتهم. إنه يئن منذ أعوام طويلة، وقد لا يتمكن من الصمود طويلاً هذه المرة.

 

صائب خليل

...................

(1) تقرير خبير المحكمة - قانون النفط الوطنية يدفع العراق لهاوية حرب أهلية

www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2190344097689314

 (2) مقالات حول اتفاقية التجارة مع الأردن

اكذوبة التجارة الحرة – فيديو يكشف خطورتها على الاقتصاد وفرص العمل!

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2216697338387323

رئيس اتحاد الصناعيين - عشرة أدلة على إعدام الصناعة العراقية

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2214742218582835

اتفاقية حرية التجارة مع الأردن وركل سلم تصنيع العراق

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2211473822243008

نظرية “التنمية بفتح الأسواق” – هل تمنح عبد المهدي جائزة نوبل؟

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2209909279066129

لماذا الغت الأردن اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا ووقعتها مع عبد المهدي؟

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2201252246598499

 

سيدتي لا تبحثي عن قيمتك في أعين الناس بل إبحثي عنها في ضميرك فإذا إرتاح الضمير ارتفع المقام، وإذا عرفت نفسك فلا يضرك ما قيل فيك ..

لكي تكوني امرأة راقية...

لا تتكلمي عن إمرأة بسوء حتى وإن كانت فاجرة، لا تثرثري بظروف امرأة مطلقة، أرملة، عاقر، كبيرة بالسن، غير مرتبطة، أُمية، لاتمتلك شخصيه قوية، قبيحة الشكل ، فالمرأة الراقية المثقفه تقول قولًا جميلًا أو تكتفي بالصمت، لأنها تؤمن بأن شؤون الأخرين لا تعنيها أبدا.

لاتحاولي مراقبة امرأة تستفزك أو أجمل منك أو حظها أفضل من حظك وكلما راقبتي كلما ازددت تشاؤما ويأسا حتى وإن كنت طيبة القلب وغير حسودة فأحيانا هنالك شيء مميز تملكه امرأة غيرك ﻻتمتلكينه يشعرك يالإحباط وغصة في الصدر !

دعكي من كل هذه الأفعال واهتمي بنفسك، طوري قدراتك، تخلصي من كل مايحزنك، انا على يقين انك ستكتشفين شيئا تتميزين به عن غيرك،

اختي الغاليه، ابنتي، صديقتي، إستلهمي من النساء ولكن لا تقلديهن تقليدا أعمى لاتخدعي نفسك،

لا تميزي نفسك بأنك الأجمل من بين الجميلات لتكن لديك الجرأة الكافية لتمدحي امرأة تستحق المديح والثناء، كوني أكبر فكرا وأجمل من أن تغاري من امرأة جميلة أجعلي ثقتك بنفسك لأنها منبع الجمال انا على يقين انك ستجدين ماميزك الله به عن سواك من جمال يخلب الالباب ويأسر القلوب ..

سيدتي، ابنتي، اختي، صديقتي

احترمي الرجل الذي يحبك ولا تعايريه بظروفه أو مادياته

أو أرفضيه منذ البداية، اسالي نفسك ماذا تريد؟

لا تحسدي امرأة على سعادتها مع رجل حتى وإن كنت تعيسة وحزينة بعلاقتك،

هذه مشكلتك تصرفي وأبحثي عن حل لنفسك فالمرأة السعيدة غير مسؤولة عن شخصيتك وظروفك، صادقي النساء ولكن لا تثقي بإحداهن ثقة عمياء لان هذا النوع من الثقة سيجلب لك الخيبات، واجعلي أمورك بشكل مفأجات، فالمرأة الراقية دائمًا ما تكون لها خصوصيات،لا تبوح بها إلى كائن من كان !

الرقي ليس بالمنازل الراقية وﻻ القصور والشهادات والمناصب والشهرة والبلاد علاوة على بعض الاستعراضات والمجاملات السخيفه، اجعلي رقيك في روحك الجميله وعذب لسانك وصدق مشاعرك اتجاه الغير

تعلمي وأقرئي لتزدادي جمالا، إكتبي ليستمر عطاؤك.. ويمتد خصبك وتتفتح ازهارك.. إنثري حروفك وكلماتك عبقا مما قرأتي ...

وأجعلي بما بقى لك من عنفوان على جدار ذكريات جميلة يذكرك

كل من مرة بحياتك فكوني ..

طلاسم لايتقن فك سحرها سواك ....

 

بقلم: ذكرى البياتي

حسن حاتم المذكور[لا زال الجرح العراقي، ينزف غضبه، ولم يفقد من اسمه، ولا حرف واحد ــ ولن ــ (اطمئنوا)].

1- نقلت العنوان عن مضمون، رسالة للأستاذ الجامعي (طالب  دامج)، كانت نداء وطني، يدعو فيه عراقيو الخارج، (الأكاديميين والكتاب والعلماء والأعلاميين) منهم بشكل خاص، ان يلموا بعضهم في تجمع وطني، يلتقي فيه 30 الى 50 من الأساتذة الأفاضل، عدد يكفي ان يطرح المعاناة العراقية، على بساط الرأي العام العالمي بنجاح، ليس بينهم من لا يستوعب، ان جلاد اليوم استورث ادواته من جلاد الأمس، وان الفساد والأرهاب ليست ديمقراطية، ونظام الفدرلة والأقلمة وخرافات المتنازع عليها، في نظام التحاصص والتقسيم، ليست بعراق جديد، واذلال الفقر والجهل والتردي الصحي، المغموس بالتخريف والشعوذة والتدمير المنظم للوعي العراقي، ليست حرية، وان النظام القائم، ليس الا وجه آخر لعملة النظام الذي سبقه، كلاهما ملطخ السمعة والتاريخ، بدماء الوطنيين ووأد الهوية.

2 - "السؤال المحير"، يصغي الى أنين الواقع ويصرخ خيبته، لماذا لا نتفق نحن الضحايا في الخارج، حول صيغة وطنية، نبني عليها مستقبل علاقاتنا التضامنية مع شعبنا في الداخل، نواصل السؤال منكسرين، تهرس أرواحنا تجارب فشلت، ونشرب الأحباط، من مراضع ثقافة الترقب السلبي، اذا أردنا ان ننهض، من داخل صيغة مشروع وطني، للتضامن مع أهلنا وأنفسنا، علينا ان نتحرر أولاً، من بقايا يسار، ما كان يوماً حتى (ولو)، ثم نودع اربعينيته بعد الألف، ونخرج عنه بوعي آخر، ونغزل ارادتنا بدماء شابة، يهتف نزيفها بسلامة العراق.

3 - الصوت الفاضل للأستاذ طالب دامج، يدعونا ألا نترك العراق وحيداً، أتفق معه ومع الزملاء الذين علقوا ايجاباً على مشروعه التضامني، مع ان ظروفنا ليست سارة بشكل عام، لكنه اذا أردنا وتوكلنا على العراق الواحد، فيمكننا فتح ثغرة في المستحيل و "المشه يوصل"، فقط علينا ان نكثف التواصل والحوار، ونبتعد عن مشورة ووصاية متسلقي الموجات، حريتنا واستقلاليتنا ستوحد نشاطاتنا وتصقل ارادتنا، في جهود مثمرة، مع الحذر، فهناك الى جانب كل مبادرة وطنية، يولد معها من يحاول اغتيالها، يجب وبالضرورة، ان تكون اهدافنا واضحة صريحة، نبدأها من نقطة الوعي.

4 - اليأس والأحباط والأنانية، تصبح أحياناً ثقافة للأعاقة، التشكيك بوعي الرأي العام، والأستهانة بالحراك الشعبي، أمر غريب تطوقه اكثر من علامة استفهام، وكمن يقول خذوني، يتناسى البعض، ان العراقيين يقرأون الذي لم يُكتب بعد، مرّ البعث بكامل دمويته، واستورثت الأحزاب الأسلامية كامل ادواته، وبين ديمقراطية الرسالة الخالدة، وديمقراطية الأمر بالمعروف يوعدنا (فتاحي الفال) بعراق جديد.

[هنا اعلن تأييدي ودعمي ومشاركتي، في اي جهد ينفع العراق].

 

حسن حاتم المذكور

 

 

راضي المترفيهناك مثل شعبي جميل ذو دلالة رائعة على ما سأتناوله في مقالي هذا يقول المثل الشعبي:

(راح برجله على لبن ما انطوه دز الخادم على حليب) في ظل غياب وتقاعس المراقبة الحكومية واهتزاز الثقة بينها وبين المواطن جراء غياب قانون ضاغط نشأت مجاميع متسلقة كالبلاب تحوم حول ابواب الدوائر التي تتعامل مع شرائح معينة من المجتمع وهذه المجاميع حملت اسماء تميزها وتدل عليها مثل (الوسطاء . الدلالين . القفاصه) يقابلهم في الدوائر الرسمية وشبه الرسمية والتنظيمات المهنية موظفين وعاملين تجمعهم مع اولئك لغة سرية واتفاقات خاصة ونظام عمل متفق عليه ويتخذ القفاصون والدلالون والوسطاء من احد المقاهي التي غالبا ماتكون قريبة من موقع التنظيم المهني الخاص بالصحفيين ناصبين فخاخهم بانتظار الضحايا وهذا ليس بخصوص الاراضي الخاصة بالصحفيين وانما بامور اخرى ايضا سافرد لكل منها مقال مثل التقديم للجامعات الاهلية  او الحصول على قروض من المصارف او الحصول على سلفة . ينشر هؤلاء القفاصون اخبارهم بأن التنظيم المهني الفلاني يوزع اراضي للصحفيين يمكن الحصول عليها من قبل غير الصحفيين ثم تبدأ المساومات في البداية يظهرون للمخدوع رغبة صادقة بمساعدته للحصول على قطعة ارض باسم الصحفيين وبعدما يتم اقناعه تاتي اولى الخطوات باستحصال هوية الصحفيين فيحضر المخدوع  (الصداميات الاربعة) كما يصفونها مع صورتين ومبلغ لايقل عن (100) الف ولايزيد عن (250 ) الف دينار ويوعده بالحصول على الهوية بعد ثلاثة ايام بعدها تبدأ الرحلة الماراثونية اذا يحصل له على كتب من الجهة المذكورة لدائرة النفوس ولكاتب العدل مقابل مبلغ بحدود (100) الف دينار وبعد ان ياتي بها تكبر اللعبة ويتقاسم الطرفان الغنيمة بعدما اصبح الاخ صحفيا (دمج) وتختلف الاسعار باختلاف الاشخاص فمثلا يحتاج الصحفي الطالب الحصول على قطعة ارض الى تأييد بخصوص خدمة لاتقل عن سبعة سنوات فمن اين ياتون له بها ؟ معلوم ان كل تنظيم مهني اصدر صحيفة ذات يوم واوقفها فيصبح واجب هذه الجريدة فقط بيع التأييدات بمالايقل عن (250) الف دينار ومبلغ التاييد خاص بـ (الراس الكبيرة) على راي المصريين لايناقشه ولاينافسه عليه لاقفاص ولاموظف مضافا له مبالغ كتب التاييد الاخرى وهنا اصبحت معاملة الحصول على قطعة ارض خاصة بالصحفيين جاهزة ولاتحتاج الا لكتاب موقع من السيد الريس الى دوائر الدولة الخاصة بتوزيع الاراضي وهذا الكتاب لايصدر مالم يقفل القفاصون والموظفون حساباتهم مع الصحفي الدمج فاذا كان معارف يكفي ان يكون المبلغ (300) دولار للقفاص ومثلها للموظف الذي انجز المعاملة و(250) الف دينار رسم التنظيم المهني بعدها توضع المعاملة مع زميلاتها على الرفوف العالية ويستمر المخدوع بالمراجعة حتى يتعب ومن ثم يبدا المطالبة بمادفعه من مبالغ فيتم تخديره وتعليق مغذي له من خلال ارائته كتبا تبشر بموافقة الاسكان لاصحة له .

 

راضي المترفي

 

عقيل العبودذات يوم سألت رئيس قسم ال ESL في إحدى المؤسسات التعليمية في أمريكا عن إمكانية إجراء مقابلة معه لغرض نشرها في صحافة الكلية، سيما وان الاستاذ المعني يمتلك ربع قرن من التجربة التعليمية في القسم المذكور، فكانت إجابته انه ليس بحاجة لذلك، حيث مع الإعتذار والإبتسامة العريضة، قال ان تجربته قد تم حفظها وتطبيقها من قبل جميع الأساتذة المعنيين في الكلية المذكورة، والذين تتلمذوا على يديه، وهذا يكفي، إذ لا داعي للإشارة لذلك، بإعتبار ان الهدف الإسمى قد تم تحقيقه وهو المطلوب.

هنا توقفت مع نفسي قائلا: هكذا هو ديدن الكبار، حيث انهم دائما يهمهم إيصال ما يمتلكون من خبرات الى الاخرين بغية تحقيق المبتغى، بعيدا عن الشهرة، نعم، لقد أيقنت حقا ان روعة العظام والمشاهير تكمن في بحثهم الدؤوب لبناء مجتمعاتهم ومؤسساتهم التي يعملون بها، وليس البحث عن البهرجة التي يتم فيها نفخ الذات وتفخيمها، ولذلك بالمقابل، تراها تتضاءل وتتهافت لغة البحث عن الألقاب الفخرية، والصيت، والتي وللأسف تهتم بها الغالبية العظمى في مجتمعاتنا.

 

عقيل العبود

جواد غلومليس خافيا ان أعلى نسبة لاجئين في العالم هم من شرق أوسطنا المبتلي بساسة دكتاتوريين وأمراء حروب ومختلقي نزاعات نتج عنها هذا النزوح المدمر بحيث تحولت عدة أماكن وبقاع في أراضينا غير المأهولة وشبه الصحراوية الى ملاجئ عدة ، وليس سرّاً ان تكون تلك الملاجئ في المستقبل مستوطنات دائمة يعتادها اللاجئ سنة اثر أخرى لتكون موطنا وتوطينا مثلما كثرت في سوريا ولبنان والاردن واليمن والعراق وغيرها من الدول المبتلية بالتخلف الفكري والفوارق الطبقية والنزوع الطائفي نتيجة الاستهانة كبيرة بدولة المواطنة من خلال انتشار النرجسيات الدينية والتمايز العرقي والاثني بين ابناء الوطن الواحد ووصلت حالات الكراهية الى مستوى اهل الحي الواحد وهذا ما يريده ساسة التفريق والتمزيق لكي يزيدوا من بقائهم اعلى السلطة ويتحكموا بالملأ العريض المغلوب على أمره .

تتراءى صورة اللاجئ أمامي كيانا مفزوعا قلقا كارها للحياة التي أوصلته الى هذا المكان الجديد الغريب عليه ؛ فيَصل الى مثواه الجديد وكأنه مقبرة الحياة لا الموت ويتمنى من كلّ قلبه لو مات واتخذ القبر الحقيقي مغارة أبدية له ويرى خياما منصوبة فيدخل إحداها التي خصصت له وسيقضي ليلته منزعجا جدا لكن سلطان النوم والإنهاك يرغمه على ان يغطّ في غيبوبة سرعان ما تتخللها يقظة بسبب كابوس مرعب فينتفض هلعا لكنه يعاود الكرة لينام مجددا مرغما على استعادة نشاطه البدني .

وهكذا يقضي ايامه ولياليه منزعجا متذمرا بشكلٍ لايطاق وشيئا فشيئا يخفت هذا الانزعاج والتذمر ، وبعد ان تمر شهور عدة يتآلف مع المكان حتى تصبح تلك الخيمة سكنا ودودا وملاذا جميلا فيقع في حبّها ويعتاد عليها كما يعتاد الميت على قبره ويأنس اليه وهو صامت.

انقضت سنة وبدأ المعنيون من رعاة المجتمع المدني والمنظمات الانسانية الدولية بخليطهم البريء والمنتفع من ذوي النوايا الحسنة وغير الحسنة يقيمون مدرسة ابتدائية هنا ومركزا صحيا هناك لحاجة في نفس يعقوب وحاجة أخرى لملء الأرصدة والجيوب .

بدأت ملامح البهجة والسعادة ترتسم في وجهه وسيدخل اولاده ليتعلموا القراءة والحساب ، وتدريجيا ستمّحي فكرة حسن المآب الى مرتعه الاول وسينال شيئا يسيرا من الطبابة لتضمد أوجاعه الاولى تمهيدا لشفائها تماما ونسيان ما عانى طيلة فترة نزوحه وتركه بيته الاول ومحتده ومنبته وملاعب صباه وفتوته .

هنا ستتفتح قريحته ويطول لسانه مدحاً لا قذعاً ويكيل الشكر والثناء للساعين الى تحسين وضعه ويقف امام كاميرا الصحافة مزهوا مشيدا بالمساعي الحميدة التي وفرتها له هذه المنظمات من اجل استقراره في مقبرته الجديدة ويطيل لسانه اكثر ليطالب بمساكن بسيطة بدل الخيام التي أخذت تتهرأ وتتمزق بفعل الشمس الحارقة والرياح السموم صيفا ، وبالإمطار والوحول والرياح الباردة في الشتاء .

ها هو بدأ يتكيّف مع وضعه الجديد الذي كان يزدريه وصار يرضيه ، أليس الانسان اكثر مخلوقات الله تكيّفا في أشدّ الاحوال سواء  قرّاً ام صرّاً ، بقعةً غنّاء ام صحراء  تراه يتنفس الصعداء مثلما يأنس الغبراء فيوسع صدره نسائم عذاباً ويشهق ويزفر ترابا .

انت ايها اللاجئ لو ارتضيت مثواك الجديد وعملت على تحسينه عمرانا بسيطا واتخذت من الصبر ضمادا مطببا لجراحاتك وبلسما لأحزانك وتعلّم أولادك ورفيقة عمرك بلهجةِ : هذا ما كتب الله لنا  وتوصي جارك على التمسك  بالصبر كأنك تبني شاهدة قبرك بيديك وتعمّق حفرة قبرك بفأسك وزنبيلك وتنذر بوفاتك القريبة جدا وانت تعيش الحياة .

لاتهزج ولاتهلل فرحا لو زارك السياسي حتى اذا كان من ابناء جلدتك ممن تظن انه من مناصريك والمدافعين عنك ، فهذه الزيارة ترويج له على إعادة تدوير انتخابه مجددا في الدورة الانتخابية اللاحقة لانك أصبحت سلعة في سوق السياسة ويزايدون عليك ، فأنت الان قد صرت بضاعة رائجة وسُلّماً يرتقي على أوجاعك الباحثون عن المنصب والجاه والحظوة ويجعلون ظهرك مركبا سهلا للوصول الى غاياتهم .

 وقد تتفاجأ بوصول من تعتقدهم انهم متضامنون معك ومع صحبك اللاجئين فاعلم ايها اللاجئ المحزون انهم  يستغلون المناسبات الدينية والأعياد ليهبوا لك البخس من الأشياء غير النفيسة ليظهروا امام الشاشات انهم القدوة المحسنة وقد يبلعون الوفير منها في أحشائهم ويضعونها في أرصدتهم ولم تنل الا الفتات وفضلات المائدة  وبقايا الدراهم المعدودات من العملة النحاسية وربما الفضية في أسوأ الاحوال .

اما حصة الاسد من المال الوفير والاوراق الخضر فجيوبها ليست لك فانك منخرق الجيب ومهلهل الثياب ، وأوصيك ان لاتعبأ بهم إطلاقا لانهم سيجعلونك احد شعاراتهم الانتخابية وهدفهم التقرّب من السلطة والنفوذ من خلالك فأنت السلّم الذي يرتقي بالواهنين الى الأعالي وأحذيتهم دائما تعلو رأسك ورأس صحبك المساكين .

تذكر ايضا  ان كثيرا من الوفود الزائرة من غير مواطنيك سيفاجئونك بزيارتهم من منظمات أجنبية لا حصر لها بدءاً مما يسمون انفسهم رعاة حقوق الانسان ليظهروا نرجسياتهم باعتبارهم من المدافعين عنك وعن رهطك المكدود المرهق وسفراء النوايا الحسنة لإثبات حسن جهدهم ونواياهم الطيبة وكذا الصحافة العالمية لتتصيد السبق الصحفي وأطباء بلا حدود كي تتباكى على أسقامكم وباحثون على الشهرة ليظهروا أنهم سوبرمانات في التعاطف ومصورون يريدون ان يلتقطوا صورا تذكارية قد تفوز إحدى لقطاتهم بجائزة دولية وينالون نصيبهم من آهاتكم ويملئون الصحافة والإعلام ضجيجا وتهريجا إدعاءً بأنهم النخبة الإنسانية المنتقاة التي تقطر نبلاً وتعاطفا.

إياك اياك ان تلتقط الصور المجانية مع الكاميراتيين النرجسيين بواسطة هواتفهم المحمولة وتُظهر أولادك الجائعين المرضى وهم في أسوأ حال بسبب سوءات الطقس والحياة البائسة سواء في الصيف او الشتاء ولا تُريهم طعامك المغطى بالتراب وخبزك المليء بالحصى ومياهك الداكنة من جراء الأطيان والمخالطة بالأوحال .

صمَّ فمك عن الاستغاثة بذوي المروءة وأصحاب الشهامة والنخوة من أهليك العرب والمسلمين وابناء وطنك الامّ ، فقد صرت الان مادة دسمة للإثراء ووسيلة ناجحة لطلب الجاه والحظوة والمنصب وتحقيق السيادة والزعامة لغيرك ، فإنك الان قد مهّدت الطريق لمتعطشي المال والشهرة ليستخدموك لا ليخدموك .

ولتعلم ان العودة الى المنبت والمحتد والمسكن الاول هو الحل الأمثل والأجدى والأنجع والأسلم ، فالخيمة في مكانك هذا لابد ان تكون بائدة على مرّ الأيام ، ولا ينفع رتقها وإصلاحها بخيوط واهنة من منتجات ومشاغل القومية والاثنية والطائفية ، ولا ينجيك الا سقفك الأول فهو حماك ومرتعك الآمن ومربعك الحصين  .

ولا تنسَ ان رمضاء الوطن وهجير هوائه  ورياح السموم فيه أقلّ إيلاما مِن فيءِ الملجأ ، وهذا هو الفرق بين الوطن المسكن والتوطين والتسكين .

 

جواد غلوم

 

صادق السامرائيالتشخصن داء يعصف بالأقلام في بعض المجتمعات ويتسبب لها بفقدان البصيرة، والتفاعل مع المواقف والأحداث بإنفعالية خالصة تستعبد العقل، وتستولده ما يبرر مشاعرها وتصوراتها المسبقة وأحكامها الراسخة فيها، وفقا لمنظار رؤيته المصنعة بمفردات التشخصن الإنفعالي.

ولكي تتشخصن إنفعاليا، عليك أن تتماهى وتذوب في حالة ما، قد تكون فردية، فئوية، حزبية أو طائفية، وغيرها من التأسنات التموضعية الهادفة لتسخير البشر لما تمليه عليهم بعد أن تمكنت من عقولهم ونفوسهم وأرواحهم، وأوجبت عليهم التنفيذ وحسب.

وهذا الإضطراب يُصاب به الأفراد والجماعات ويمارسون دورهم في التعبير عمّا يحتويه ويقرره، ويأتمرون بنوازعه ودوافعه، ويسخرون طاقاتهم وجهودهم لخدمة وتعزيز وإدامة التشخصن والتمترس في أوعيته، والتدحرج في مسالكه النفقية الظلماء، وتجعل الظلاميين يستلطفون غياب النور لأنه يفقدهم توازنهم ويؤلم أبصارهم، كالذي يكون مسجونا في أقبية بلا نوافذ وتخرجه لمواجهة الشمس الساطعة، فيكون في حالة تصعب عليه الرؤية ويحتاج لوقت لكي تتأقلم عيناه مع النور.

أي أن التشخصن الإنفعالي يحقق حالة العماء المطلق، ويجعل المصابين به، يصفون الفيل وفقا لما يلمسونه بأيديهم من بدنه لا غير، ويتوهمون بأنهم يتحدثون عن الفيل.

وهذا السلوك واضح في العديد من الكتابات في الصحف والمواقع والخطابات، وتجده سائدا ومؤثرا في الناس، وقادرا على تنمية الجموع المتشخصنة المتخندقة في صناديق إنفعالية شديدة الفعالية وقوية التماسك والصد.

ولهذا فأن ما تنتجه أقلام التشخصن الإنفعالي يساهم في تدمير المجتمع، وأخذه بعيدا عن أنوار العصر وطمره بالغابرات وتحبيبه بالخاليات، وتشجيعه على البكاء والأنين والتظلم وإستلطاف المقاساة والأوجاع والإرتهان بالويلات والتداعيات، لأنها في عرف التشخصن الإنفعالي أغنم وأعظم من أي سلوك آخر يساهم ببناء الحياة وإيقاد مشاعل الحاضر والمستقبل.

وفي هذا محنة مجتمعية إنسانية تدفع إلى تفاعلات تصارعية دامية ومدمرة لما يشير إلى وجود سليم.

فهل من إدراك لمحنة التشخصن الإنفعالي السقيم؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

ولكنهن متشابهات! كأنهن توائم يا فضيلة !

 ألا تسمعين أنين المرضى، أو صوت الأمعاء الفارغة، أو بكاء الثكالى،  أو أصوات الحسرات؟! ألا تسمعين كل هذا عن قرب؟! وأنت التي تسمعين دعوات المضاجعة عن بعد! أما رأيتِ بيوت الصفيح في مدن العشوائيات؟!،أما رأيتِ الخراب الذي طال المدن؟ !، أما رأيتِ  رداءة الخدمات؟!، أما رأيتِ بؤس الوجوه من الفقر؟!،أرأيتِ حجم الفساد في البلاد عن قرب؟ وأنتِ زرقاء اليمامة حتى في الدروب المظلمة !

الا تتحسسين بأيديك الناعمات، خشونة العيش وشغفه !، ألا تتحسسين في الأرض بقايا القبور الجماعية!، ألا تتحسسين الأعضاء البشرية المقطّعة من فعل التفجيرات الإرهابية؟ هل تحسستِ الخراب؟! وأنت التي تتحسسين صفقة أو ربح أو خطر محدق في كيان حزبك؟! ألا تمشين برجليك، صوب بيوت الترف، ومراكز الرذيلة، والولائم الباذخة، والمولات، ومدن الترفيه، والليالي الحمراء ودور اللهو !

هل شممتِ عفونة صالات المستشفيات؟!، وأنت التي أنشغلتِ بشم الرواح الزكيّة من أرقى الماركات العطرية !، هل شممتِ رائحة الفقراء؟!،هل شممتِ بقايا الحرائق والتفجيرات ! هل تذوقتِ مياه المج والملوحة من مياه البصرة وغيرها ! يا فضيلة !

هل تذوقتِ مرارة العيش بلا كرامة؟، هل تذوقتِ طعم الهزيمة وأنت المنتصرة بمبادئك !، يا فضيلة يامن تذوقتِ حلاوة نفطنا ونحن نتذوق سمومه !.

يا فضيلة كل أعضائك الخمسة شهود على عدم فضيلتك، قد شهد شاهد من جسمها، فكذبته وانصرفت، مصممة على أن تنافس نقيضتها بكل جدارة، يا خسارة ! أين تلك الطهارة في أسمك ومسماك وكيانك؟، وأنت ترتشين بكل حقارة !

يا لها من فضيلة بلا فضيلة !

ولكل حزب فضيلة

 

دكتور رائد عبيس

 

غياث المرزوقإِنَّ بَيْنَ يَدَيِ ٱلْسَّاعَةِ ٱلْهَرْجَ.

قِيلَ: وَمَا ٱلْهَرْجُ؟ قَالَ: ٱلْكَذِبُ وَٱلْقَتْلُ [أَيْضًا].

قَالُوا: أَكْثَرَ مِمَّا نَقْتُلُ ٱلْآنَ؟

قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ [أَعْدَاءً]، وَلٰكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا!

الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ

 

كما قلتُ آنفًا في القسمِ الرابعِ (والإضافيِّ) من هذا المقالِ، إنَّ المَرَامَ الأولَ والأخيرَ من تأسيسِ ما باتَ يُدْعى أخيرًا بـ«التحالف الإستيراتيجي الشرق-أوسطي» Middle East Strategic Alliance، أو بحِلْفِ الـ«ميسا» MESA، اختصارًا (وتشبُّهًا، بالطبعِ، بحِلْفِ الـ«ناتو» NATO الشهيرِ)، لا يكمُنُ في ذَرِيعةِ ذلك «الإجراءِ الدفاعيِّ الوقائيِّ الذي يحمي أبناءَ السُّنَّةِ حَصْرًا من ازديادِ المَدِّ الشِّيعيِّ الفارسيِّ» في منطقةِ الشرقِ الأوسطِ، بلْ يكمُنُ في خَدِيعةِ هذا الإجراءِ الهجوميِّ العدوانيِّ الذي يزعزعُ هؤلاءِ الأبناءِ طُرًّا بازديادِ المَدِّ العسكريِّ الأمريكيِّ (ومن ورائهِ المَدُّ العسكريُّ البريطانيُّ وَ/أوِ الفرنسيُّ) في منطقةِ الشرقِ الأوسطِ هذهِ، دونَ سواها من مناطقِ هذا الشرقِ الغرائبيِّ الفسيحِ منظورًا إليهِ بمنظارِ «الهَيْمَنَةِ الاستشراقيَّةِ» Orientalist Hegemony، حسبما يعنيهِ المفهومُ السَّعيديُّ، منظورًا إليهِ من لَدُنْ ذلك الغربِ المدجَّجِ بالسِّلاحِ الحديثِ (وما بعدَ الحديثِ) والمُحَصَّنِ بالعِلْمِ النظريِّ والعمليِّ، على حدٍّ سَواءٍ. وقد أثبتَ هذا المَرَامَ الأولَ والأخيرَ جُلُّ مَا جَاءَ من بياناتٍ صَريحةٍ أو ضِمنيَّةٍ فيما سُمِّيَ بـ«مؤتمرِ السلامِ والأمنِ في الشرقِ الأوسطِ» الذي جَرَى عَقْدُهُ في مدينةِ وارسو في اليومِ الخامسَ عشرَ من شهر شباطَ الجاري، بوصفهِ «منعطفًا تاريخيًّا» في نظرِ عصابةِ آلِ الصَّهَايِينِ وأعوانهمِ من العُرْبَانِ والعَرَبِ (السُّنَّةِ الأرثوذكس)، من طرفٍ، وبوصفهِ «سِيرْكًا تهريجيًّا» في نظرِ عصابةِ آلِ الخَمَائِينِ، أو آلِ الرَّوَاحِينِ، وأعوانهمِ من العُرْبَانِ والعَرَبِ (الشِّيعةِ اللاأرثوذكس)، من طرفٍ آخَرَ. حتى أنَّ ثَمَّةَ بضعةً من التقاريرِ الأمنيَّةِ «السِّرِّيَّةِ» المُعَمَّقَةِ التي تمَّ تسريبُها، في الآونةِ الأخيرةِ، رغمَ «سِرِّيَّتِها» هذهِ، والتي تشيرُ إلى أنَّ لكلٍّ من عِصَابَتَيْ آلِ السَّعَادِينِ وآلِ النَّهَايِينِ الإجراميَّتَيْنِ «مِخْلَبًا عسكريًّا» مُسْتَتِبًّا في الجانبِ الشرقيِّ الشماليِّ من منطقةِ الفراتِ (في سوريا)، ومزوَّدًا بأجناسٍ شتَّى من مقاتلينَ أجانبَ مأجورينَ «أوفياءَ» تأتيهم متوالياتُ الأوامرِ والنواهي العسكريةِ وغيرِ العسكريةِ، بينَ حينٍ وآخرَ، إتْيَانًا مباشرًا من وكالةِ الاستخباراتِ المركزيةِ (الأمريكية) CIA – ومن ورائِها، كذلك، تقبعُ هيئةُ الاستخباراتِ العسكريةِ (البريطانية) MI6 وَ/أوِ الإدارةُ العامةُ للأمنِ الخارجيِّ (الفرنسية) DGSE. فلا غَرْوَ، مرةً أخرى، أن تكونَ الأحْبُولةُ الوَضِيعةُ هي ذاتُهَا، منذُ البدايةِ: «التَّعَاضُدُ الأمْنِيُّ مِنْ أجْلِ مُحَارَبَةِ الإرْهَابِ المُتَمَثِّلِ في تنظيمِ «الدولةِ الإسلاميةِ» ISIS، وما شَابه»، تلك الأحْبُولةُ الوَضِيعةُ التي لمْ يتوقَّفْ أيٌّ من فَلِّ الطُّغاةِ العُتَاةِ المُصْطَنَعِينَ، في «الجمهورياتِ» أو في «الاشتراكيَّاتِ»، عن التذرُّعِ بِهَا بغيةَ الاسْتِوَاءِ الأبديِّ على عُروشِ الحُكْمِ، من أمثالِ بشار الأسد وعبد الفتاح السيسي. ففي حينِ أنَّ الطاغيةَ العتيَّ المُصْطَنَعَ الأولَ يظهرُ مُنْهَمِكًا كلَّ الانهماكِ في تحطيمِ الأرقامِ القياسيَّةِ في ارتكابِ شتَّى أنواعِ الجَرائمِ النكراءِ ضدَّ الإنسانيةِ، وقد قتلَتْ وشرَّدَتْ عصابتُهُ (عصابةُ آلِ الأسَادِينِ) من الشَّعبِ السُّوريِّ اليتيمِ في غُضُونِ سبعةٍ من السَّنواتِ العِجَافِ أضعافًا مضاعفةً مِمَّا قد قتلتْهُ وشرَّدَتْهُ عصابةُ آلِ الصّهَايِينِ ذَوَاتِهِمْ من الشَّعبِ الفلسطينيِّ اللَّطِيمِ على مَدى سبعينَ سَنَةً أشدَّ عُجُوفًا حتَّى، فإنَّ الطاغيةَ العتيَّ المُصْطَنَعَ الثاني (رأسَ عصابةِ آلِ السَّيَاسِيسِ) يبدُو مُسْتَغْرِقًا أيَّما استغراقٍ في ارْتِسَامِ تلك الذكرياتِ «القَمِينَةِ» و«الشَّجِينَةِ» إبَّانَ لقائِهِ الحَمِيمِ على هامشِ الانعقادِ الأخيرِ لمَا يُسمَّى بـ«مؤتمر ميونيخ للأمن» MSC، في اليومِ السَّادِسَ عشرَ من شهرِ شباطَ الحالي، إبَّانَ لقائِهِ بزميلهِ الرئيس السابقِ لإدارة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «آمان»، عاموس يَدْلين (2006-2010)، وإبَّانَ كونِهِ (كونِ رأسِ عصابةِ آلِ السَّيَاسِيسِ، بدورِهِ هو الآخرُ) رئيسًا سَابقًا لإدارةِ المخابراتِ الحربيةِ المصريةِ (2010-2012)، وذلك قبلَ القيامِ بِحَوْلٍ بانقلابهِ العسكريِّ المَحْمُومِ والمدعومِ من لَدُنْ أزلامِ عِصَابَتَيْ آلِ السَّعَادِينِ وآلِ النَّهَايِينِ الإجراميَّتَيْنِ بالذاتِ، وبإيعازٍ أمريكيِّ خفيٍّ أو حتى شبهِ جَليٍّ، على الرئيسِ المصريِّ المحُبوسِ حتى إشعارٍ آخَرَ، محمد مرسي، وهو أوَّلُ رئيسٍ مصريٍّ مُنتخَبٍ، رَغْمَ «إِخْوَانِيَّتِهِ»، انتخابًا ديمقراطيًّا حقيقيًّا في تاريخِ مصرَ السياسيِّ الحديثِ والقديمِ كلِّهِ.  

وكانتْ لعصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ مآربُها اللاأخلاقيةُ واللاإنسانيةُ، هي الأخرى – وذلك على سَابقِ الاعتبارِ بأنَّ القنصليةَ السُّعُوديةَ في مدينتِهِمْ إسطنبولَ هي مسرحُ ارتكابِ جريمةِ اغتيالِ الكاتبِ الصِّحَافيِّ السُّعُوديِّ، جمال خاشقجي، على أيدي فريقٍ مخابراتيٍّ إجراميٍّ مؤلَّفٍ من خمسةَ عشرَ كائنًا مَا دُونَ-حَيَوانِيًّا سُعُوديًّا بلحمهِ وشحمهِ، من جهةٍ، وذلك على لاحِقِ الاعتبارِ بأنَّ أيًّا من نشاطاتِ أو تحرُّكاتِ ذينك «المِخْلَبَيْنِ العسكريَّيْنِ» المُسْتَتِبَّيْنِ في الجانبِ الشرقيِّ الشماليِّ من منطقةِ الفراتِ (في سوريا) إنَّمَا يُمَثِّلُ تدخُّلاً طافرًا وسَافرًا في السِّيَادةِ والأمْنِ القوميَّيْنِ التركيَّيْنِ، من جهةٍ أُخرى. وفي الوُسْعِ، الآنَ، التَّبَيُّنُ من هذهِ المآربِ اللاأخلاقيةِ واللاإنسانيةِ على مستويَيْنِ «براغماتيَّيْنِ» (أو ذرائعيَّيْنِ نَفْعِيَّيْنِ) مُكَمِّلَيْنِ لبعضِهما البعضِ، أحَدُهُمَا اقتصاديٌّ-ماليٌّ وآخَرُهُمَا سياسيٌّ-دينيٌّ: فأمَّا المستوى الاقتصاديُّ-الماليُّ، هَا هُنَاك، فيتجلَّى في سَيَلانِ لُعَابِ عصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ أنفسِهِم أمامَ الملياراتِ السُّعُوديةِ «النَّدِيَّةِ والجَدِيَّةِ»، رغمَ ذلك كلِّهِ، وذلك تيمُّنًا بسَيَلانِ لُعَابِ عصابةِ آلِ الطرابينِ (اليانكيينَ Yankees) ذواتِهِمْ أمامَ هذهِ الملياراتِ السُّعُوديةِ ذاتِهَا. وفي غَلْوَاءِ كافَّةِ هذهِ المآربِ اللاأخلاقيةِ واللاإنسانيةِ التي تَأْرُبُ إليها عصابةُ آلِ الأَرَادِيغِ أيَّما أَرَبٍ، على المستوى «البراغماتيِّ» الاقتصاديِّ-المَاليِّ، على وجهِ التحديدِ، ما يُفَسِّرُ بجلاءٍ كيفَ أنَّ رأسَ هذهِ العصابةِ (اللاأبديةِ)، رجب طيب أردوغان، يتكشَّفُ للعِيَانِ بصفتِهِ فردًا دبلوماسيًّا يحترفُ الابتزازَ والنفاقَ، وقد بَلَغَا مُنْتَهَاهُمَا في شَخْصِهِ «الجَلِيلِ»: أردوغانُ الدبلوماسيُّ يحترفُ الابتزازَ، أوَّلاً، من خلالِ اتِّباعِهِ ذلك الأسلُوبَ التدرُّجيَّ الرُّوَيْديَّ-الرُّوَيْديَّ، أو ما يُسَمَّى في الحديثِ السياسيٍّ الدارجِ بـ«سياسةِ القطرة-قطرة»، في تسريبِ كلٍّ من المعلوماتِ الصوتيةِ والمرئيةِ، وحتى «الرَّسْمِيةِ»، المُريعةِ والمُرَوِّعةِ التي تتعلَّقُ بجريمةِ اغتيالِ الكاتبِ الصِّحَافيِّ السُّعُوديِّ، جمال خاشقجي، وفي إطلاعِ كلٍّ من الدولِ الغربيةِ «الديمقراطيةِ» التي يحالفُها من حِلْفِ الـ«ناتو» NATO الآنفِ الذكْرِ، ومن ثمَّ في الوَعْدِ «المبدئيِّ» المُسْتَمِرِّ لهَا (لكلٍّ من هذهِ الدولِ) بجُهُودٍ جَهيدةٍ في تسريبِ المزيدِ من هذهِ المعلوماتِ الصوتيةِ والمرئيةِ، وحتى «الرَّسْمِيةِ» – وذاك مَحْضُ تسريبٍ بإدارةٍ دَنِيَّةٍ يتولاَّها عناصرُ معيَّنُونَ من جهازِ الاستخباراتِ الوطنيةِ (التركيِّ) MİT، من وراءِ الكواليسِ، وذاك مَحْضُ تسريبٍ بإشرافٍ قصيٍّ أو غيرِ قصيٍّ يُؤَدِّيهِ عناصرُ محدَّدُونَ آخرُونَ من وكالةِ الاستخباراتِ المركزيةِ (الأمريكية) CIA، من وراءِ وراءِ هذهِ الكواليسِ. حتى أنَّ أزلامَ عصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ يسعَونَ الآنَ سَعْيًا حثيثًا وراءَ تدويلِ مِلَفِّ الجريمةِ الشَّنْعاءِ أبعدَ فأبعدَ، ويسعَونَ من ثمَّ وراءَ تحويلهِ إلى قضيَّةٍ قضائيَّةِ أُمميَّةٍ ينبغي على هيئةٍ، من مثلِ هيئةِ الأممِ المتَّحدة UN، أنْ تتعهَّدَ بالشُّروعِ في إعادةِ التحقيقِ الرَّسْميِّ الدقيقِ في تفاصيلِها قبل مجاميلِها، في هذهِ المرحلةِ العصيبةِ بالذاتِ، مجدِّدِينَ سَعْيَهُمُ الحثيثَ بدعوةٍ جَدِّيَّةٍ إلى تشكيل لجنةٍ أو لِجانٍ أمميةٍ تتولّى مهامَّ هذا التحقيقِ الرَّسْميِّ الدقيقِ من أجلِ الكشفِ عن ملابساتِ الجريمةِ (الشَّنْعاءِ) على الملأِ الأدنى والأعلى كذلك: وأردوغانُ الدبلوماسيُّ لمْ يبرَحْ يجاهرُ ويشاهرُ حتى هذا اليومِ بالذاتِ بأنَّ أزلامَ عصابتِهِ «لمْ يكشفوا بعدُ عنْ كافَّةِ العناصرِ التي بحَوْزتِهِمْ فيما لهُ مِسَاسٌ بالتحقيقِ في قضيةِ هذهِ الجريمةِ (الشَّنْعاءِ) في مدينةِ إسطنبولَ»، وأنَّهُمْ «سيُرسِلُونَ وثائقَ سِرِّيَّةً ومعلوماتٍ حَرِيَّةً بِشأْنِ هذهِ القضيةِ إلى مَعْنيِّ السُّلُطاتِ التي ستقومُ بالمحاكمةِ الفعليةِ» – وهذا السَّعْيُ الحثيثُ من لَدُنْ أزلامِ عصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ كلُّهُ إنَّما مُبْتَغَاهُ الأوَّلُ والآخِيرُ مواصَلَةُ إثقالِهِمْ كَوَاهِلَ أزلامِ عصابةِ آلِ السَّعَادِينِ ذواتِهِمْ، من جانبٍ، ومضاعفةُ أردوغانَ الدبلوماسيِّ بالتالي لاِبْتِزَازِهِ تلك الملياراتِ السُّعُوديةَ «النَّدِيَّةَ والجَدِيَّةَ» ذاتَهَا، من جانبٍ آخَرَ. وأردوغانُ الدبلوماسيُّ ذاتُهُ يحترفُ النفاقَ، ثانيًا (فَضْلاً عَنِ احترافِهِ الابتزازَ، أوَّلاً)، من خلالِ تَشَوُّفِهِ الافتعاليِّ والافترائيِّ الجَمُوحِ إلى الظُّهُورِ، قدَّامَ العالَمِ المَغْبُونِ وغيرِ المَغْبُونِ قاطِبَةً، بمظهرِ ذلك السياسيِّ «النظيفِ» و«النزيهِ» و«المُشْبَعِ إشباعًا بمكارِمِ الأخلاقِ الإسلاميةِ النقيَّةِ»، وذلك في غَمْرَةِ انكبابِهِ العُصَابِيِّ (أو حتَّى الذُّهَانِيِّ) على ذَيْنِك التحرِّي والتقصِّي «الإنسانِيَّيْنِ» و«الإنسانَوِيَّيْنِ» حولَ الآمِرِ الفعليِّ بتنفيذِ تلك الجريمةِ النكراءِ، جريمةِ اغتيالِ الكاتبِ الصِّحافي السُّعُوديِّ جمال خاشقجي ذاتِهِ (وهو، بالمناسبةِ، الصديقُ المقرَّبُ لأردوغانَ الدبلوماسيِّ بالذاتِ)، بينما كانَ هذا السياسيُّ «النظيفُ» و«النزيهُ» و«المُشْبَعُ إشباعًا بمكارِمِ الأخلاقِ الإسلاميةِ النقيَّةِ» عينِهَا، ولمْ يزلْ، قَدْ قامَ بِرُمِّ مُقْتَضَى مشيئتِهِ العقليَّةِ والنفسيَّةِ بالحَظْرِ العَسْفيِّ والتعسُّفيِّ والاعتسَافيِّ على شتَّى حُرِّيَّاتِ التعبيرِ وأشْتَاتِ حُرِّيَّاتِ إبداءِ الرأيِ، وعن طريقِ اتِّخَاذِ أحكامٍ وإجراءاتٍ قمعيَّةٍ وقسريَّةٍ وقهريَّةٍ أدَّتْ إلى اكتظاظِ سُجُونِهِ، سُجُونِ عصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ، بالعديدِ من الكاتباتِ والكُتَّابِ الصِّحَافيِّينَ، وبالعديدِ من الكاتباتِ والكُتَّابِ المثقَّفينَ الآخَرِينَ، منذ أنْ تسلَّمَ هذا الـ«أردوغانُ الدبلوماسيُّ» مقاليدَ الحُكْمِ في تركيا في اليومِ الثامنِ والعشرينَ من شهرِ آبَ عامَ 2014، وذلك بمثابةِ المُمَثِّلِ السياسيِّ «النظيفِ» و«النزيهِ» و«المُشْبَعِ إشباعًا»، إلى آخرِهِ إلى آخرِهِ، للرئيسِ الثاني عشرَ للبلادِ!

وأمَّا المستوى السياسيُّ-الدينيُّ، وهو مُسْتَوًى لَأشدُّ خُطُورةً من آنِفِهِ هَا هُنَا، فيتبدَّى في لُهَاثِ أزلامِ عصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ وراءَ احتكاريَّةِ التمثيلِ «المَافْيَوِيِّ» للمذهبِ السُّنيِّ (الأرثوذكسي) في العالَمِ العربيِّ (والإسلاميِّ) برُّمَّتِهِ، وذلك بمقتضى ما يُضْمِرُونَهُ إضمارًا تمويهيًّا وتسفيهيًّا من تطلُّعَاتٍ هَيْمَنِيَّةٍ «استشراقيَّةٍ»، أو حتى «استغرابيَّةٍ»، إلى بَعْثٍ وإحياءٍ عُنْجُهِيَّيْنِ لِبُنْيَانِ «خلافةٍ عثمانيةٍ جديدةٍ» في مَطَالِعِ هذهِ الأَلَفِيَّةِ الميلاديَّةِ الثالثةِ، خلافةٍ تحاولُ أنْ تستعيدَ تاريخَهَا الاستعماريَّ والتوسُّعِيَّ «التَّليدَ» بأيَّتِمَا أُحْبُولةٍ سياسيةٍ وَ/أوْ دينيَّةٍ كانتْ، على حسابِ ما يَعْتَرِي أغلبيَّةَ الشُّعُوبِ اللَّهيفةِ من أحزانٍ وآلامٍ في بلادِ الشامِ وفي بلادِ العراقِ، خَاصَّةً، وعلى حسابِ ما يَعْتَوِرُ هذهِ الشُّعُوبَ من قتلٍ بهيميٍّ ودمارٍ جحيميٍّ من كلِّ الجهات. ولا يختلفُ التذرُّعُ، في حقيقةِ الأمرِ، بتلك الأحْبُولةِ الوَضِيعةِ في فَحْوى «التَّعَاضُدِ الأمْنِيِّ مِنْ أجْلِ مُحَارَبَةِ الإرْهَابِ»، والحالُ هذهِ، سوى في المُرَادِفِ الاسميِّ الإرهابيِّ لتنظيمِ «الدولةِ الإسلاميةِ» ISIS وأمثالِهِ، ألا وهو: «حزبُ العمالِ الكردستانيِّ» PKK وأمثالِهِ كذلك، وعلى الأخصِّ كمثلِ فرعِهِ السٌّوري المسمَّى بـ«حزبِ الاتحادِ الديمقراطيِّ» PYD، ذلك الحزبِ «المُعَارضِ» و«المُمَانِعِ» الذي استغلَّتْ وَحَدَاتِهِ المقاتلةَ (ومَا إليها) عصاباتُ آلِ الأسَادِينِ أنفسِهِمْ أيَّما استغلالٍ، واسْتَغْبَتْهَا أيَّما اسْتِغْبَاءٍ، في أثناءِ سَنَواتِ ما سَمَّاهُ الكاتبُ الإعلاميُّ (الحُقُوقيُّ) السُّوريُّ حسين جلبي بـ«التِّيهِ الكُرْدِيِّ» في كتابِهِ الأخير «روجآفا: خديعة الأسد الكبرى» (إسطنبول: دار ميسلون، 2018)، والذي لمْ تفتأْ عصاباتُ طبقاتِ الحُكْمِ «الفاشيَّةُ» و«الشُّوفينيَّةُ»، وقد بلغتْ ترتيبَها الثاني عشرَ في عصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ ذَوَاتِهِمْ، تتوعَّدُ ليلَ نهارٍ بإبادتهِ ومَحْقِ جُذورهِ، بعدَ إبادةِ الحزبِ الذي خَلَّفَهُ وبعدَ مَحْقِ جُذورِهِ، هو الآخَرُ، من على وجهِ الأرض. وحُجَّةُ هذهِ العصابةِ الأَرَادِيغِيَّةِ في هذا كلِّهِ هي أنَّ هٰذينِ الحزبَيْنِ، الأصلَ «حزبَ العمالِ الكردستانيِّ» PKK والفرعَ «حزبَ الاتحادِ الديمقراطيِّ» PYD، إنَّما يطمحَانِ في أحلامِهِمَا إلى تهديدِ أمْنِ المنطقةِ هذهِ بأسْرِهَا وإلى تقسيمِ أرضِهَا على المدى البعيدِ في القَحْطِ والجَفَافِ، وأنَّ هٰذينِ التهديدَ والتقسيمَ مجتمعَيْنِ معًا لا يخدمانِ إلاَّ في مصلحَةِ الكيانِ الصُّهيونيِّ، إسرائيلَ ربيبةِ الغربِ الاستعمَاريِّ والإمبرياليِّ، في نهايةِ المطافِ. وهكذا، وفي هكذا توعُّدٍ ليليٍّ وتوعُّدٍ نهاريٍّ ليسَ لَهُ إلاَّ أن يكونَ دليلاً ملموسًا، أو إرْهَاصَةً لدليلٍ ملموسٍ، على التعاونِ الخفيِّ، لا بلْ على التواطؤ الدَّنِيِّ، بينَ عصابتَيْ آلِ الأَرَادِيغِ وآلِ الأسَادِينِ الفاشيَّتَيْنِ على حَرْفِ الثورةِ الشَّعبيةِ السُّوريةِ عن مَسَارِهَا النضاليِّ الطبيعيِّ وعلى القضاءِ عليها قضاءً تامًّا من أُصُولِها ومن فُرُوعِها، هي الأُخرى، فإنَّ ما يجري الحديثُ مُسْتَبيئًا صَدَارةَ الحديثِ، في غُضُونِ أيَّام تلك المؤتمراتِ الدوليةِ وفي أعقابِها، عن ما اصطلحتْ عليهِ العصابةُ الأولى بمصطلحِ «المنطقةِ الآمنةِ أو الأمنيَّةِ» الكائنةِ في أجزاءٍ من ذلك الشَّريط الشماليِّ السُّوريِّ (على حدودِ تركيا)، حيثُ أنَّ ثَمَّةَ بارِقَةً من الأمَلِ الديمقراطيِّ وأنَّ ثَمَّةَ بريقًا من التعايشِ السِّلْميِّ والوُدِّيِّ ما بينَ الأكرادِ والعَرَبِ السُّوريِّينَ رغمًا عن أُنُوفِ أزلامِ كلٍّ من العصابتَيْنِ، في واقعِ الأمرِ – ولكنَّ، لكنَّ في أَنْفُسِ أزلامِ عصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ، في المقابلِ النقيضِ لهذا الواقعِ، مآربَ لاأخلاقيةً ولاإنسانيةً أخرى!

 

[انتهى القسم الخامس من هذا المقال ويليه القسم السادس]

 

غياث المرزوق – دبلن