إذا تجاوزنا البلاغة الدارجة فإن هناك ما يشبه الإجماع على حاجة الشعب السوري "العظيم" إلى وصاية خارجية .. هذه الوصاية متحققة بالفعل في مناطق سيطرة النظام و مناطق سيطرة معارضته، ليس فقط بالمعنى العسكري والسياسي بل بالمعنى الحياتي اليومي المعاش .. من مطالبة للمجتمع الدولي بالقدوم والقضاء على النظام وداعش إلى مسؤولية المجتمع الدولي عن تحقيق الحل أو الانتقال السياسي إلى مسؤوليته عن استقبال السوريين وإطعامهم وإسكانهم الخ .. ليس هذا فقط، إذا كذب السوري أو اغتصب أو سرق أو قتل فإنه ليس مسؤولا عن أفعاله .. لا أعرف ماذا يعني هذا، هل يعني أن السوري يعامل معاملة الأطفال القصر أو المختلين عقليا .. هذا الخطاب يردده الجميع ما عدا سادة الأرض والأمر الواقع في سوريا من جلادي النظام إلى جلادي هيئة تحرير الشام، النصرة سابقا .. لكن إذا تركنا المجتمع الدولي الذي يستحوذ على تفكيرنا وعلى آمالنا وعدنا إلى أنفسنا قليلا، يمكن القول أن ما نعيشه اليوم يعود إلى لحظتين فارقتين في تاريخ سوريا وثورتها العظيمتين : وقعت الأولى عندما كان الدور على العلويين، الجماهير العلوية والمثقفين العلويين، لكي يتخلصوا من ظل النظام وشبيحته، لكي يتصرفوا كبشر لا كأفراد في القطيع، لكن صمت أغلبيتهم على جرائم النظام وشبيحته في البداية استحال صمتا أبديا، لقد أصبح مصيرهم بيد الشبيحة.. جاءت اللحظة التالية عندما جاء الدور على السوريين السنة، جماهيرا ومثقفين، كي يتصرفوا كبشر لا كقطيع، لكن قطيعيتهم وصمتهم على الدماء ترك صوتهم ومصيرهم بيد الجهاديين .. الصمت على جثة حمزة الخطيب ثم على جثة بارين كوباني ثم آلاف آلاف الجثث الأخرى أنهى أي احتمال لأي ضمير عابر للطوائف، أي شيء إنساني فوق قطيعي .. أخلاقنا المزعومة تعتمد على عدد الضحايا أو مستوى همجية الخصوم، إنسانيا لا فرق بين قتل ألف وقتل مليون، بعد رقم معين من الضحايا لا معنى لمواصلة العد .. والصمت على تقطيع أوصال شخص ما، إنسان ما، وما أكثر من قطعت أوصالهم في سوريا، سنيا كان أو علويا أو كرديا أو عربيا، يكفي للسقوط .. نحن اليوم محكومون بالقطيع، لكن هذا كان باختيارنا .. في تلك اللحظتين أصبحنا بالفعل عبيدا للأسد وللدواعش وخسرنا أية إمكانية لنكون أحرارا، تحولنا من قطيع إلى قطعان لكل منها أسدها وشبيحتها .. لم يبق أمامنا إلا ما يسمى بالمجتمع الدولي ليخلصنا من أنفسنا وساداتنا وقتلتنا الذين فرضوا أنفسهم علينا بمحض اختيارنا .. كما قال القس الألماني مارتن نيمولر، في البداية جاؤوا باحثين عن الشيوعيين، لكني صمتت لأني لم أكن شيوعيا . ثم جاؤوا يريدون اعتقال النقابيين، بقيت صامتا لأني لست نقابيا .. ثم جاؤوا يريدون اليهود، فلم أتحدث، لأني لست يهوديا . وعندما جاؤوا يريدون اعتقالي، لم يبق أحد ليتحدث عني .. هذه النكتة المأساوية وقعت بتفاصيلها في سوريا، لكنه ليس وقت الضحك عليها بعد، الجميع منشغلون بترديد كلمات دريد بن الصمة " وهل أنا إلا من غزية إن غـوت    غويت وإن ترشد أرشد"، بينما نتلفت حولنا ونتساءل ونبحث، هل من يخلصنا من غزية 

 

مازن كم الماز

 

علاء اللاميلا الذين انتقدوا بحدة النائبة هيفاء الأمين ولا الذين دافعوا عنها "بحماوة" انتبهوا الى سياق كلامها وموضعه وكلا الفريقين خلط مقدمة كلامها بما ورد في مداخلتها لاحقا. وقد حاولتُ ألا أعلق على هذه الحادثة لضآلة أهمية الموضوع - رغم حساسيته - ولكن الانقسام الحاد في وجهات النظر حتى بين الأصدقاء الوطنيين والديموقراطيين واليساريين المناهضين لنظام المحاصصة الطائفية التابع دفعني إلى كتابة هذه التعليقات السريعة على هذه الحادثة الصغيرة شكلا والكبيرة دلالة :

*أعتقد أن فهم سياق كلام السيدة النائبة وموضعه المكاني مهم جدا قبل الحكم على مضمون كلامها قيميا، ولا يمكن إغفاله لمن يريد فهم مقاصدها: لقد كانت تتحدث بصفتها نائبة عراقية إلى جمهور لبناني في سفارة العراق في بيروت وتخاطبهم مباشرة وبلغة ركيكة ومفككة والحرج باد عليها فتقول لهم / نقلا عن الفيديو الذي قاومتُ وحاولت عدم مشاهدته طويلا ففشلت! وعذرا إنْ نقلت كلمة أو أكثر بشكل غير دقيق لرداءة الصوت من المصدر (أنتم مجتمع متحضر متقدم، ونحن ... يعني هذا الوضع في العراق غني بالتقاليد والعادات والموروث القديم والمتخلف والذي يحتاج إلى جهد ووقت أكبر لكي نتجاوز الكثير ....).

*هذه الفقرة/ المقدمة غير الموفقة هي ما تستحق النقد القاسي لأنها أقرب الى الهجاء والشتيمة لمجتمع الجنوب العراقي وهي خالية من أي كلام عن التخلف الاقتصادي أو الثقافي أو تخلف البنية التحتية والبطالة كما قال بعض الأصدقاء بل عن العادات والتقاليد والمنظومة الأخلاقية المجتمعية عموما. الكلام عن الأمور الاقتصادية والإحصائيات والترويج لاقتصاد السوق والتنمية كما يريدها صندوق النقد الدولي ربما جاءت لاحقا ولكن هذه المقدمة لا تختلف عن أية كلام سيء يطلقه مستشرق عنصري يصفنا نحن العرب بالمتخلفين الذين نزلوا عن الشجرة بالأمس القريب (قرود يعني) أو عن الكلام الذي يخطه صهيوني متطرف على حيطان مدينة الخليل ويقول فيه " العرب حيوانات ... الموت للعرب" ! ولا يمكن تبرير هذه المقدمة أو الدفاع عنها وتبريرها وكان على المتحدثة أن تعتذر عنه فورا وبصراحة وجرأة وتعتبره زلة لسان مؤسفة، ولكنها لم تفعل بل دافعت في آخر مداخلة لها على صفحة صديق بل تباهت بما قالت فكتبت (الفيديو المقصود اجتزاءات متعمدة من ندوة طويلة اعتمدت معايير وإحصائيات والمحاضرة نالت استحسان المختصين..). فعن أي اعتذار يتحدث بعض الأصدقاء؟ / ملاحظة  استمعت لاحقا لاعتذارها وكان اعتذارا واضحا ولكن تبريراتها غير مقبولة ... هيفاء الأمين هنا تخلط هي أيضا مقدمة كلامها الكارثية بما طرحته في الندوة وهذا أمر لا جدوى منه ولا ينفعها في شيء .

*إن كلامها المفكك والركيك في المقدمة، ربما بسبب الارتجال ومواجهة جمهور غريب يحيلنا فورا على التفكير بميادين أخرى بعيدة عن البطالة وحقوق الإنسان وفرص العمل والأمية وينقلنا إلى هجاء بائس لحالة مجتمع متخلف حضاريا في جنوب العراق مقارنة بمجتمع متقدم متحضر هو المجتمع اللبناني والمجتمع الكردستاني ....الخ. وكأن التخلف والبؤس هنا قدر ميتافيزيقي سقط على الناصرية (مهد الحركة الشيوعية العراقية ومعقل تأسيسها والتي منها جاء أيضا أول زعيم لحزب البعث المرحوم فؤاد الركابي الذي قتله رفاقه من مجموعة صدام لاحقا في سجنه) سقطت عليها من سماء صافية وبقي التخلف لاصقا بها دون سواها لا حالة مجتمعية تسببت بها دول وأنظمة وطبقات " الله يرحم الطبقيات" وأحزاب فاسدة عميلة لاحتلال أجنبي وأخرى فقدت بوصلتها وعقلها! ولكن، هل كانت الأمين تقصد أن تقول ما قالت، ام أنها زلة لسان أو "جفصة"؟ لا أحبذ الدخول في الترجيحات والتخمينات الباطنية وأفضل قراءة الوقائع المتوفرة ولكني أعتقد أن "الجفصات" لا تأتي من فراغ!

*ثم هل تعرف هيفاء الأمين شيئا عن الدولة اللبنانية القائمة ومنذ تأسيسها على محاصصة طائفية ألعن من الطائفية العراقية بأضعاف المرات؟ هل تعلم أن المواطن اللبناني وبمجرد أن يولد ويخرج الى الدنيا يسجل على ملاك طائفته؟ وان الرئيس اللبناني الراحل الهراوي حاول إمرار مشروع الزواج المدني للحد من هيمنة رجال الطوائف والمؤسسات الدينية ففشل؟ وأن وزيرة الداخلية اللبنانية الحالية حاولت ذلك أيضا قبل أشهر قليلة فهاجت ضدها الأوساط الطائفية وأجبرتها على السكوت والانزواء؟ وهل تعلم السيدة النائبة " الشيوعية" أن الدولة اللبنانية على حافة الإفلاس بسبب الديون الحريرية المتراكمة وأن نسبة كبيرة من دخلها الوطني تذهب لدفع فوائد هذه الديون وليس لتسديدها؟ وإن الحكومة الحالية بدأت قبل أيام بالتحرش برواتب المتقاعدين والعمال الكادحين وحتى برجال القوات المسلحة كما يطلب منها صندوق النقد؟ أعتقد أن هذه الأمور ضرورية فعلا ليعلم بها من يريد أن يقيم دولة أو مجتمعا ما ولا يعتمد على البدلات الأنيقة وربطات العنق أو العمائم البراقة التي يرتديها مجموعة من الأشخاص جاؤوا لحضور ندوته أو شاهدهم أمام واجهات المحلات السياحية الفارهة في شارع الحمرا!

* الخلاصة هي أن المشكلة ليست في هذه السيدة النائبة كشخص لا يجيد التحدث أمام جمهور فقط، بل في الحزب الذي لم يجد غيرها ليقدمها في الانتخابات في ظل نظام كهذا النظام! ولكن، ماذا نقول، إذا كان سكرتير وزعيم حزبها نفسه يتعجب من (أن الفساد موجود حتى في الدول الديموقراطية العريقة) فكيف تكون، وماذا تقول وتفعل هي وسواها في قواعد الحزب كوادره الوسطية؟ تصوروا هذا: سكرتير حزب شيوعي يعول على "الديموقراطيات العريقة لإنهاء وجود الفساد!" أعتقد جازما لو أن ماركس سمع كلام هذا السكرتير لقرر الخروج من قبره وجاء ليلطم قليلا في مقر هذا الحزب ثم عاد الى قبره متورما! سأكتفي بهذا التعليق، فالحدث صغير جدا وأصغر ممن قاموا به، ولن أناقش مواقفها السياسية المتخلفة واليمنية والمعادية لكل قيم الاشتراكية التي تحسب نفسها هي وحزبها عليها.

* لم أعلق على كلامها وإحصائياتها في الندوة مع ان لدي نسخة من الفيديو غير المجتزأ كما اعتقد لأنه طويل فعلا، لأنه كلام لا يستحق التعليق ويمكن أن نجده لدى أي محرض يميني ليبرالي محافظ معاد للاشتراكية التي نسيها الجماعة من زماااااان !

 

علاء اللامي

 

عندما يأتي الطفل لامه وقد اعطى شيء من مصروفه اليومي لفقير او ساعد طفلاً محتاجاً او يحكي لها اي موقف انساني مر عليه وحاول المساعدة.. تشعر بالفخر والسعادة الغامرة لان ابنها وبعض منها قد فكر بهذه الطريقة ، تفخر لان ابنها فيه شيء من الانسانية وقد يعني هذا ان هذه الافكار ستكبر معه ويصبح انسانا حقيقيا.

لاشيء بالحياة يسعد الوالدين بقدر نجاحهم بصنع انسان حقيقيٍ يبقى بعدهم يروي اثرهم وجمال تربيتهم... فكيف اذا كان الابن بصمة في تاريخ العطاء لمدينة بالكامل...!!؟ هنيئا لأب ربى ولأم انجبت هكذا ابناء سعادة حقيقية وفخر كبير.. مدينتي الجميلة دائما تحكي قصص الفخر والاصالة.. فكرة بدأت من شخص من انسان حقيقي  حاول مساعدة مريض لايتمكن من جمع الاموال لاجراء عملية جراحية.. امسك مكبرات الصوت واستنجد بأبناء المدينة وجمع المال خلال فترة قصيرة وساعد المريض وتكررت الحالة الى ان اصبحت مشروعا انسانيا ضخما يضم اكثر من 60 عضوا واليوم تتولى هذه المؤسسة رعاية اغلب المرضى الفقراء في المدينة وتوفر لهم العلاج بمساعدة اطباء اصلاء واجراء العمليات لكل محتاج بتبرعات ابناء  المدينة الحبيبة قلعة سكر...عالجت اكثر من 1400 مريض واجرى اكثر من 450 عملية للفقراء ...انه لفخر ومجد لفكرة... زيد ماضي العميري الانسان و الفرق انه تربى على العطاء وعرف ان البقاء والخلود بالذكرى العطرة في مساعدة اخيه الانسان.. وما ذكرته شيء قليل جدا عن عظمة مشروع مؤسسة ام البنين الانسانية... ثم تأتي البصمة الاخرى في تاريخ العطاء وكانت بدايتها من شخص فقد امه ومع انه مقعد الا انه اراد ان يزرع اثرا جميلا لتلك الام المربية الفاضلة.. فحول الالم لأمل.. حسين ابراهيم زباد ... بدأ بأعالة عائلة فقيرة ثم عائلتين وتجمع حوله الاصدقاء فزاد العدد وها هو اليوم اصبح عنوانا من عناوين المدينة بكرسيه المتحرك فلايمكن تخيل شوارعها دون مرور كرسيه ليسعد الناس بمشاركته هذا الفخر.. فصنع مؤسسة الامل بتبرعات اهل المدينة  ليعيل اكثر من ٢٥٠ عائلة بمواد غذائية متكاملة اسبوعيا  ويبني  ست منازل لعوائل الفقراء والشهداء.. يجمع بين روح الفكاهة والجد في العمل فصنع املا يطرق  باب الجياع كل يوم ... واكد ان الاعاقة الحقيقية تكمن في العقل لافي الجسد... فهنيئا لمن ترك الاثر الجميل وهنيئا لأبوين يفخرون بهكذا اثر.. رمضان كريم وكل عام وانتم بخير.

 

هناء عبد الكريم

 

صادق السامرائيالناشرون في مجتمعاتنا يجيدون تبرير أزمة الكتاب بأسباب كثيرة، ويلقون اللوم على المواطن ويعفون أنفسهم من المسؤولية، ويغفلون بأنهم لا يمتلكون مهارات تسويقية تضاهي خبرات وقدرات الناشرين في المجتمعات الأخرى.

فمشكلة الكتاب ربما تسويقية بالدرجة الأساس، فالقراءة من مستلزمات التفاعل مع الحياة المعاصرة، ولا يمكن الجزم بالأمية المطلقة، لأن إرادة القراءة أصبحت ذاتية وأساسية كالماء والهواء، ولا بد من تعلمها بالمدرسة أو غيرها.

فالمجتمعات تجاوزت مفاهيمنا العتيقة التي ترسخت فينا وتقيدنا بها،  وما عدنا قادرين على التحرر من قبضتها، ونكررها وكأن الزمن لا يتحرك والدنيا لا تتغير.

فلماذا لا يتحرر الناشرون من هذا التوصيف ويجتهدون في تسويق الكتاب، بدلا من اللجوء للمعارض السنوية وحسب.

في مجتمعات الدنيا تجد مفهوم المعرض قائم يوميا في المحلات التجارية ،  فأينما تذهب تجد معرضا للكتاب، إضافة لدور الكتب المتخصصة والمكتبات العامة المنتشرة في كل مكان.

ولماذا لا يتعلم الناشرون  آليات تسويقية ومعرضية دائمة للكتاب، ويبتكرون وسائل ترغيبية وتشجيعية لتحبيب الكتاب والتفاعل معه على أنه من ضرورات الحياة الحرة المعاصرة؟

وكأنهم لا يختلفون عن السائد من سلوكيات الطرح السلبي الفاعل في الواقع العربي، مما يعني أنهم لا يساهمون في التنوير والتأهيل العقلي، وإنما يعززون النظرة البعيدة عن إرادة التحدي والإقدام والتطور والرقاء.

إن للناشرين دور مهم في إستنهاض الأمة وإخراجها من رقدتها، وتحويلها إلى طاقة منيرة ومشاركة في الحضارة الجديدة، وذلك بتسويق الكتاب وتحويله إلى بضاعة أساسية لا ثانوية أو ترفية، فمثلما يشتري المواطن طعاما لمعدته عليه أن يشتري طعاما لعقله، فإطعام العقل له الأولوية، وهذا يتأتي من خلال التوعية المتواصلة والإعلام الدعائي المؤثر.

ومن الواضح أن الدعاية للكتاب تكاد تكون معدومة في مجتمعاتنا، بينما هي على أشدها في المجتمعات الأخرى، إذ تقرأ ملخصات ومراجعات كتب في الصحف والمجلات، وإعلانات عن الكتاب الجديد ومقابلات إذاعية وتلفازية وصحفية مع مؤلفه، وهذا يقوم به الناشرون والمسوقون للكتاب، وبهذا تتحقق مبيعات جيدة ويتعلم المواطن سلوك التفاعل مع الكتاب، كمادة ذات قيمة مهمة في حياته.

ترى هل سيتوقف الناشرون عن التشكي ولوم القارئ العربي، ويجتهدون بفنون ومهارات تسويق الكتب  لكي ترتقي الأمة بعقولها المتفاعلة؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

نعيمة السي أعرابلافتة طريفة رفعها أفلاطون على باب منزله، كما ذكر ابن خلدون في مقدمته، تقول: "من لم يكن مهندساً فلا يدخل منزلنا".

عند الرجوع إلى كلمة هندسة باللغة العربية، نجد أنها تحمل عدة معاني، وإن كان أصلها فارسي "الأندازة" يعني المقادير المطلقة، فهي تشمل عموماً مجال الهندسة الرياضية (Geometry) التي تبحث في الخطوط والأبعاد والسطوح والزوايا والكِمِّيات والمقادير المادية من حيث خواصها وقياسها أو تقويمها وعلاقة بعضها ببعض؛ ثم مجال الهندسة النظرية وهي المبادئ والأصول العلمية المتعلقة بخواص المادة ومصادر القوى الطبيعية وطرق استخدامها لتحقيق أغراض مادية؛ بالإضافة إلى مجال الهندسة التطبيقية أو العملية (Engineering)، وهي تطبيق العلم (الفيزياء، الكيمياء، الرياضيات،  والأحياء) لتوفير الحاجات الإنسانية، وذلك من خلال الدراسة والتصميم.

وقد أوضح ابن خلدون، في مقدمته، فضل الهندسة قائلاً: "واعْلَمْ أن الهندسة تفيد صاحبها إضاءة في عقله، واستقامة في فكره؛ لأن براهينها كلها بَيِّنَة الانتظام، جليّة الترتيب، لا يكاد الغلط يدخل أقيستها؛ لترتيبها وانتظامها؛ فيبعد الفكر بممارستها على الخطأ، وينشأ لصاحبها عقل على ذلك المهْيَع (أي: الطريق أو النسق)".

وإن كانت إسهامات الحضارات القديمة كالمصرية والبابلية أو الإغريقية في الهندسة لا تتعدَّى عملية البناء، كإقامة الأهرامات والجسور وتشييد السدود ومد قنوات الري، فقد تبَلوَر هذا العلم على أيدي العلماء المسلمين الذين طوَّروا تقنيات الهندسة الميكانيكية منذ القرن التاسع الميلادي حتى القرن السادس عشر الميلادي، وكانت هذه التقنيات تعرف باسم "الحيل النافعة"، وهي آلات وتجهيزات يعتمد البحث فيها على حركة الهواء (الإيروديناميكا)، أو حركة السوائل واتِّزانِها (الهيدروديناميكا و(الهيدروستاتيكا). ثم بعد ذلك، ما آلت إليه علوم الهندسة عند انتقالها إلى الغرب، وما وصلت إليه في عصرنا من تطور غير مسبوق.

وتبقى مهمة المهندس الحيوية هي إيجاد الحلول الناجعة لمشكل أو مسألة ما بأقل تكلفة وفي وقت وجيز، زيادة على دوره في تيسير وإتاحة الاستخدامات العملية للاكتشافات والابتكارات العلمية.

تُراكِمُ فئة المهندسين رصيداً معرفياً هائلاً بفعل تكوينها مُتنوِّعِ الاختصاصات والذي يتطلب عدة مقدرات ومهارات إضافة إلى خصال الصبر والجَلَد مع المثابرة، ثم التجربة الميدانية والاحتكاك الدءوب بكل ما يرتبط بالمجال الإنتاجي والاقتصادي، إضافة إلى الإداري والتسييري، مما يُكسِبها خبرة تقنية ومالية وقانونية في تسيير المشاريع. ويختار البعض، بعد مشوار طويل، العمل في الخبرة القانونية لدى المحاكم، قصد تنوير القضاء للفصل في النزاعات ذات صبغة تقنية وتحديد المسؤوليات في الحوادث الخاصة بالبنايات والمنشآت الهندسية.

الغريب في الأمر أنه لحد الآن لم يتم إدراج صنف "خبير" ضمن أسلاك الوظيفة العمومية بالمغرب، مِمَّا يُضيِّعُ فرصة الاستفادة من العديد من الطاقات والخبرات التي حصدت تجربة كبيرة عبر العمل في القطاع العمومي أو الخاص، في حين يمكن الاستعانة بها في مختلف القطاعات الحكومية، بدل اللجوء إلى كفاءات أجنبية قد لا تكون في المستوى المطلوب، وتستنزف أموالاً طائلة من ميزانية الدولة دون جدوى.

من جهة أخرى، يشغَل المهندسون مناصب مهمة في المجال التقني أو التسييري، لكن قيود المُشَغِّل، سواء في القطاع العام الذي تحكمه التوجُّهات السياسية، أو الخاص المهووس بالربح المادي، تحدُّ من قوتهم الاقتراحية، وكثيراً ما يكتفون بتنفيذ التعليمات التي تُملَى عليهم.

وتجدر الإشارة أنه منذ "الاستقلال"، جُلُّ مناصب القرار في القطاعات العمومية وشبه العمومية يسيطر عليها خِريجو مدارس ومعاهد فرنسا التي يتحدثون لغتها ويستهلكون منتجاتها ويخدمون مصالحها، بعدما قامت بتجنيسهم وتدجينهم واستلاب هويتهم وثقافتهم المغربية وتبديل غيرتهم الوطنية بالغيرة والدود الشرس عن مصالحها.

وإنه لَمِنَ المؤسف أن تكون النخبة المُعوَّل عليها للنهوض بالبلاد وتحقيق التنمية المنشودة، أداة في يد المستعمر لتنفيذ مساعيه الإمبريالية  وتكريس التبعية الفكرية والاقتصادية والسياسية له.

وحتى خِريجو المدارس الوطنية لم يسلموا، إلا من رحم ربي، من الاستلاب الثقافي وطمس الهوية، بفعل التكوين المفرنس بالمدارس المغربية العليا للمهندسين وكذا جراء فرنسة سوق الشغل. وقد كان موقفاً طريفاً ومؤلماً في نفس الوقت حين فاجَئَني زميل في مجموعة تواصل، عندما سألت عن سبب استعمالهم الفرنسية في الحديث، فأجابني أنها هي أيضاً لغتنا الوطنية وعلينا استخدامها !

يعيش المهندسون المغاربة كثيراً من التشرذم، وإن وجدنا لهم بعض التكتلات، فتكون عبارة عن جمعيات خِريجي نفس المدرسة حيث نشهد "عداوة" طريفة بين مختلف المدارس، أو نقابات حزبية غالباً ما تتم إذابتهم وإلجامهم داخلها. فهل انخراطهم في الحياة الجمعوية أو الحزبية يغلب على دورهم العضوي كتِقنوقراط أصحاب منهجية عقلانية وفكر فذ وحر؟  

كل هذا التشَتُّت وعدم توفر هيئة مستقلة تمثِّلُهم مع تنوع الاختصاصات الهندسية الحالية واتساع مجالاتها، يحول دون قيامهم بالدور الطلائعي والفعلي كقوة اقتراحية خبيرة ومؤهلة، تؤثر في التوجهات العامة للبلاد، وتطرح الحلول والبدائل بخصوص مختلف القضايا الوطنية التي تمُتُّ بصلة مباشرة بمجال تطوير التكنولوجيا والاختيارات التعليمية والاقتصادية التي تهم تقدم البلاد، بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة، والتي قلَّما تنبني على دراسة علمية أو تحمل رؤية استراتيجية لمستقبل البلاد ومصلحة المواطنين... لا ننسى الدور السياسي والتأطيري الذي اضطلع به المهندسون، طلبةً وأطراً، إبَّان سنوات الرصاص في السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي...

جانب آخر مثير للتساؤل، هو الغياب الحالي للمهندسين عن المنابر الإعلامية، سواء المكتوبة أو المسموعة أو المرئية... نادراً ما تتِمُّ استضافتهم في برامج حوارية أو توعوِية، وقليلة هي إصداراتهم المكتوبة، اللهم بعض المساهمات العلمية والتقنية التي تنشر في مجلات مختصة محدودة الانتشار، وغالبا ما تكون باللغة الفرنسية. ما عدا ذلك، لا نراهم على الصحف والمجلات الورقية أو الإلكترونية، يُعبِّرون عن آرائهم ومواقفهم حول القضايا المجتمعية، كما يفعل زملاؤهم من المهن الأخرى وخاصة العاملين بمجال التدريس أو المحاماة أو الطب...

فهل يخرج المهندس من قوقعته، يُسمِعنا صوتَه ويستعيد دوره الريادي في المجتمع؟ ومتى يجمع شتاته ويعي حجم المسؤولية المنوطة به، فينزع جلباب التبعية ويعود لاستكمال معركة التحرر والتحرير؟

 

بقلم: نعيمة السي أعراب

(مهندسة وكاتبة من المغرب)

 

عقيل العبودان يريد الإنسان شيئا معناه ان يسعى لتحقيقه اونيله عن طريق العزيمة والإصرار، وذلك يتطلب جهودا حثيثة بها يتم الوصول الى المطالب والغايات.

 هنا إشارة ليس المقصود من الإرادة، الرغبة في تلبية المطالب المادية، بل انها قضية تسمو عليها، باعتبار ان الطبيعة المادية للأشياء ترتبط في مسمياتها مع الحاجيات الفطرية، كاللذائذ الحسية والغرائز والشهوات مثلها كمثل الحاجة الى الطعام والشراب.

 ولهذا يندرج اصل العنوان تحت مفاهيم الشجاعة، والعناد والتحدي. وهذا ما يميز هذا الكائن الذي تراه دائما يسعى لتجاوز ذاته بحثا عنها عبر مسميات تكاد ان تكون اكثر رقيا.

 لقد خلق الإنسان بعقله وحسه ليصل الى اعلى مراتب الوجود، وتلك ميزة اختص بها عن باقي الكائنات.

وعظمة هذا الكائن، ككينونة، انها ترتبط بمكونات تلك القيم التي منها الوجدان والضمير والعقل.

فالعقل لا يقفز على الوجدان والحس لحظة الإصرار على نيل المطالب السامية، وهذا ديدن الأحرار والأبطال في جولات الصراع مع الشدائد والنكبات، ومنها تلك التي يتعرض اليها اصحاب القيم السامية.

هنا من باب المثال، ما زلت اتذكرها رواية بوريس بوليفوي، التي كتبها عن إرادة  الكسي ميرسيف قائد سرب الطيران الروسي يوم تحطمت

طائرته بعد نفاذ وقودها إبان فترة الحرب مع الألمان، ليعود مرة اخرى كقائد لسرب طيران المدرسة الحربية في تدريب الطيران بساقين اصطناعيين تم تركيبهما بعد فقدان ساقيه الأصليين لحظة تهشم الطائرة.

إذن ليس الإرادة بمطلب مادي كبناء بيت أو تحقيق ثروة، إنما هي عنوان للرفعة والصبر والمواجهة، وتلك اعلى درجات النبل الإنساني لمواجهة القدر.

 

عقيل العبود

 

جوتيار تمرالبيشمركة هو المصطلح الذي يطلقه الكورد في كوردستان للاشارة الى القوات التي تحمي الوطن، ولقد مرت التسمية بمراحل كثيرة كي تصل الى المفهوم والشكل الحالي، سواء من حيث الاستخدام او المعنى،  ولذلك نجد بان للكلمة اهمية كبيرة عند الامة الكوردية لاسيما في جنوب كوردستان حيث تم استخدام المصطلح اول مرة هنا، وفيما بعد اصبح هناك بيشمركة في شرق وغرب كوردستان مع تحفظ على التسمية في الغرب الى جد ما وكذلك في شمال كوردستان لكون الفكر القومي الكوردي السائد هناك يميل الى مفهوم الثورية الماركسية لذلك هم يتبنون تسمية الثوار " شه رفان " اكثر. ومع ذلك يبقى للبيشمركة مكانتهم وقيمتهم الكبيرة لدى جميع ابناء الامة الكوردية، لكونهم منذ بداية ظهورهم عُرف عنهم ميلهم الى التضحية والعمل الدؤوب وبنكران الذات من اجل حرية وحقوق الامة الكوردية.

للبيشمركة معاني كثيرة، ولكون الاسم كوردي فانه صعب على المفسرين من غير الكورد فهم معنى الكلمة والاسم بشكل صحيح، فهناك من قال بانها تعني الفدائيين،  وهناك من فسرها على انها تعني المقاتلين الاشداء، والبعض قال بان البيشمركة اسم يطلقه الكورد على المقاتلين  الذين  " يواجهون الموت "، ولكن يبقى للكلمة بريقها ورونقها بلغتها الاصلية لانها بنظر اصحاب اللغة تطلق على الانسان الذي يعمل بنكران الذات مضحيا بحياته وكل ما يملك من اجل تحقيق اهداف امته وتحرير كوردستان من الاحتلال الذي فرض عليه وفق معاهدات وصفقات دولية واقليمية لاسيما بعد كل من مؤتمري سيفر ولوزان. فالبيشمركة باللغة الكوردية تتكون من مقطعين الاول " بيش " وتعني الامام، والثاني " مرك " وتعني الموت،  لذا يمكن تفسيرها على انها تحدي الموت او امام الموت، " تيمناً بتاريخهم الحافل بالمعارك والقتال والشجاعة والبسالة  وذلك في حربهم لنيل الحرية وإعلان دولتهم الخاصة .

 تذهب غالبية الاراء الى ان الظهور الحقيقي للبيشمركة كان بعد اعلان الملا مصطفى البارزاني الحرب على حكومة عبدالكريم قاسم بعد توتر العلاقة بينهما، وذلك حين تجاهل الاخير المطالب التي رفعها البارزاني باسم الكورد الى حكومته، ولكن ذلك لايعد الرأي الراجح من حيث الدلائل والقرائن التاريخية التي سبقت تلك المرحلة بعقود كثيرة. حيث يذهب البعض الى ان قوات البيشمركة هي من اقدم القوات المسلحة في ما يسمى بالعراق الحالي حيث يعود تأسيسها الى عشرينيات القرن العشرين، بمعنى قبل سقوط الدولة العثمانية وانهيارها، مع وجود دلائل تؤكد بانه كان للكورد قوات قبلية نشأت في تسعينيات القرن التاسع عشر، حيث غلب في تلك الحقبة الزمنية المفهوم القبلي القومي على اغلب القوميات في الشرق الاوسط، وهناك من يرى بأن الكورد كباقي شعوب العالم يكافحون من اجل بناء دولة خاصة بهم، والتخلص من التبعية التي فرضتها الاجندات الدولية والمصالح الدولية حين الحقتهم بدول عنصرية ذات طابع قومي شرس، فانهم كانوا ومازالوا يحتاجون الى قوات عسكرية منظمة ومدربة ومسلحة باسلحة متطورة، وهذه القوات هي التي سميت منذ تلك الحقبة بالبيشمركة، ويمكن ارجاع تشكيلها الى سنة 1889 حيث كانوا وقتها مجرد قوات قبائل لحماية حدود الدولة العثمانية، وبعدما سقوط الدولة العثمانية اصبحت تلك القوات اكثر تنظئما واقوى واكثر عدداً، لاسيما حين بدأ الكفاح الكوردي المسلح ضد المستعمرين لارضهم وضد اصحاب المصالح ممن قسموا كوردستان الى اربعة اجزاء بعد معاهدتي سيفر 1921 ولوزان 1923.

تظهر الحقائق التاريخية ان الكورد قاوموا الكثير من الدول الاجنبية ممن عملوا على تأصيل عملية التقسيم وابعاد الكورد عن مساعيهم لتأسيس دولة قومية مستقلة، وبعيداً عن الظروف والاسباب سواء الداخلية التي تخص الكورد انفسهم من تشتت وعدم وجود قيادة موحدة وكذلك التبعية لاجندات خارجية للحفاظ على المصالح الحزبية فان تاريخ البيشمركة لايمكن انكاره في خوض معارك طاحنة مع الاتراك من جهة، والفرس من جهة اخرى والاعراب -الدول العربية كالعراق وسوريا - من جهة اخرى،  فضلاً عن المعارك مع الانكليز حين كانوا يسيطرون على المنطقة الكوردية، ورسيا القيصرية ايضا، وعلى مر التاريخ والكفاح الكوردي المسلح فقط تواترت الاحداث وتغيرت المعطيات وبقي المقاتلون الكورد بنظر الامة الكوردية مقدسين، لذا من الصعب جدا تحديد الفترة التي يمكن اعتبارها التأسيس الحقيقي للبيشمركة باعتبار ان الكورد يطلقون على مقاتليهم تلك التسمية، ولكن مع ذلك ومن خلال تتبع الدلائل التاريخية للتسمية نفسها كمصطلح يمكن اعتبار الفترة التي سعت فيها الحركة التحررية الكوردية لنيل حقوقها في ما يمسى بدولة العراق الحالية هي البداية الفعلية لظهور التسمية وليس الكفاح المسلح ضد الحكومات المتعاقبة والاطراف التي احتلت كوردستان واراضي الكورد، ولذلك توجد اراء كثيرة حول كيفية ظهور التسمية حيث يرى الدكتور محمد زايد -  أستاذ الشؤون الكوردية بجامعة الأزهر -  إن أحد افراد  قوات البيشمرگه القدماء أخبره إنه في عام 1933م، كانت إيران تقوم بحملات عسكرية شديدة ضد الحركة الكوردية التحررية، فتدارس زعماء الحركة الأمر، وتوصلوا إلى أنه لا بد من تشكيل جيش وقوات نظامية بهدف تنسيق النضال من أجل التحرر،  واثناء نقاشهم حول التسمية قال البعض  “الفرسان”، وبعضهم قال “المقاتلون”، وبعضهم قال “الفدائيون”، وبعضهم قال “المناضلون”؛  في أثناء ذلك كان الساعي أو العامل الذي يعد القهوة لهم، ويدعى أحمد دسمال، يستمع لما يقولون، فحين دخل عليهم سألوه باعتباره ايضاً احد افراد البيشمركة فاقترح عليهم اسم: “بيشمرگه” حيث نال الاسم إعجابهم وموافقتهم، ومن هنا جاءت التسمية، وفي رأي اخر مقارب لهذه الرواية وفي نفس الفترة الزمنية اي اثناء الصراع المحتدم مع الايرانيين الفرس اجتمعت القيادة الكوردية للعمل على تنظيم قواتها واطلاق تسمية عليها، حيث كان القاضي محمد واصدقائه يخططون لتأسيس جمهورية كوردستان، وهناك واثناء التباحث ذكرت احدى النساء الكورديات اللاتي شاركن في العمل السياسي وقتها، ان احد افراد اسرتها قد ضحى بروحه من اجل القضية الكوردية "مه رك بيشكر" فاتفق الحاضرون على تسمية " بيشمركة" مستوحين من كلامها.. في حين هناك رأي اخر يذهب الى انه عندما تأسست قوات البيشمركة في بداية عشرينيات القرن العشرين، كمجموعات مقاتلة، قد شاع استخدام اسم البيشمركة بعد أن أطلقه السياسي والمثقف الكوردي إبراهيم أحمد على الجناح العسكري للحزب الديمقراطي الكوردي الذي شارك في تأسيسه مما يعني بعد عام 1946، لاسيما وان البارزاني مؤسس الحزب كان ممن التحق بما يقارب الالفين مقاتل من البيشمركة بجمهورية كوردستان في مهاباد التي ترأسها القاضي محمد، وهناك رأي اخر يذهب الى التسمية ظهرت الى الوجود في ايلول سبتمبر 1961، عندما ثار الملا مصطفى البارزاني ضد حكومة عبدالكريم قاسم، مطالباً بمعاملة المنطقة الكوردية معاملة خاصة والاهتمام بوضعها المتخلف اقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً، على هذا الاساس فان غالبية الاراء تجعل من الحركة التحررية التي قادها البارزاني هي المحطة الابرز لظهور التسمية وذلك ما يدفعنا الى القول بان مشاركة البارزاني في دعم الحركات السياسية والمسلحة التي قادها الشيخ محمود الحفيد 1919 تعد البداية الحقيقية لظهور البيشمركة وتسميتهم على الصعيد المحلي "جنوب كوردستان" حيث ان تلك القوات ناضلت فيما بعد الحكومات العراقية في العهد الملكي كما ناضلت ضد الانكليز والحكومات العراقية في اكثر من معركة وانتفاضة، لاسيما بين اعوام 1940-1945، واستمرت في نضالها وكفاحها الى ان مابعد حكومة عبدالكريم قاسم. حيث شهدت قوات البيشمركة تطورات نوعية بعد التحاق عدد كبير من ضباط الجيش العراقي من الشيوعيين والقاسميين بها، فتطورت تشكيلات البيشمركة واتسعت.

استمر النضال والكفاح المسلح لقوات البيشمركة ضد الحكومات العراقية المتعاقبة، ومر ذلك النضال بمراحل تاريخية عديدة وبظروف داخلية واقليمية متغيرة ساهمت بشكل واخر في تقوية جبهات البيشمركة احياناً وفي احيان اخرى في اضعافها، لاسيما بعد اتفاقية الجزائر 1975 حيث تخلت ايران وقتها عن دعم البيشمركة في حربهم ضد الحكومة العراقية، ولكن ذلك لم يمنع ابدا ان تظهر بين فترة اخرى قطاعات من البيشمركة لضرب الاهداف العسكرية العراقية بالذات، معلنة وجودها وعدم انتهائها، لاسيما بعد ان ظهرت احزاب وحركات كوردية اخرى على الساحة في جنوب كوردستان، حيث اصبحت التوجهات الفكرية والأيدولوجية للبيشمركة ترتبط بالأحزاب والحركات التي تنتمي إليها، وتراوحت الأطر الفكرية  للاحزاب الكوردية بين القومية واليسارية والإسلامية، وتمثل إقامة دولة مستقلة للكورد الخيط الناظم بين كل هذه الأطر الأيدولوجية، والهدف السامي الذي مازال البيشمركةيناضل ويضحي بنفسه وباغلى ما لديه من اجل تحقيقه.

 

جوتيار تمر / كوردستان

1/5/ 2019

 

ابراهيم ابوعتيلهحق العودة وتحرير فلسطين، عبارتان دارجتان كثيراً في قاموسنا السياسي، حيث يخرج علينا البعض مطالباً بحق العودة على اعتبار أن هذا حق كفلته " ما تسمى الشرعية الدولية " استناداً للقرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، هذا القرار الذي قزم القضية الفلسطينية وقضية اللاجئين بالجانب الإنساني، دون النظر بتعمق لما قامت به قوى الصهاينة من اغتصاب وطن وتشريد أهله وسلبهم من حقهم في أرض وطنهم وكأنهم قد كانوا جاليات تسكن ارض فلسطين التاريخية وشردت منها، ولم يلتفت القرار إلى موضوع حق الفلسطينيين في وطنهم أو حقهم في تقرير مصيرهم على أرض وطنهم ودون أدنى استنكار لما قامت به الصهيونية.. فالعودة هنا وإن تمت، فهي لا تكفل حقاً لتقرير المصير ولا حقوقاً بوطن وبما يتناقض مع كافة المعاهدات والمواثيق الدولية وما نادت به من حقوق لكافة شعوب الأرض.. فقد تكون العودة " لو " تحققت ستكون عودة تحت هيمنة المستعمر الذي لا يعترف أصلاً بوجود الفلسطينيين ولا بحقوقهم.

لقد انطلت شعارات حق العودة على الكثيرين فكانت أداة بأيدي البعض للتنصل من واجب النضال الحقيقي، ومما تقتضيه المواطنة وما يقتضيه الواجب والسعي بكل قوة لتحرير فلسطين التاريخية وفقاً لما ورد في المادة رقم (9) من الميثاق الوطني الفلسطيني والتي تنص على:

الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين وهو بذلك إستراتيجية وليس تكتيكاً ويؤكد الشعب العربي الفلسطيني تصميمه المطلق وعزمه الثابت على متابعة الكفاح المسلح والسير قدماً نحو الثورة الشعبية المسلحة لتحرير وطنه والعودة إليه وعن حقه في الحياة الطبيعية فيه وممارسة حق تقرير مصيره فيه والسيادة عليه.

مع الأخذ بعين الاعتبار أن الميثاق نفسه قد عرف فلسطين في المادة (2): فلسطين بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني وحدة إقليمية لا تتجزأ.

كما عرف الميثاق الفلسطينيين في المادة (5) حين قال: الفلسطينيون هم المواطنون العرب الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى عام 1947 سواء من أخرج منها أو بقي فيها، وكل من ولد لأب عربي فلسطيني بعد هذا التاريخ داخل فلسطين أو خارجها هو فلسطيني.

وإن التجرد من كل ما ورد في الميثاق والحديث عن حق العودة يتفق تماماً مع الخط العرفاتي – العباسي – الأوسلوي الذي قام بإلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني تبريراً للمفاوضات والاستسلام الكامل للصهاينة من أجل إقامة شبه دولة تحت هيمنة الاحتلال، ورغم كل ذلك فإنهم ... لم ولن ينالوها.. فقد تنصل العدو من وعوده بحل الدولتين.. وقد يقول قائل بان حق العودة يعني بأن الفلسطينيين سيشكلوا الأكثرية مما سيضطر الكثير من الصهاينة إلى الهرب ومغادرة فلسطين وهم بذلك واهمين.. فالمستعمر سيبقى ما لم يواجه بالقوة ... ويتشدقون أيضاً بقولهم بان الصهاينة لن يقبلوا بالعودة ونحن نطرح ذلك مستغلين القرارات الدولية التي تقف في صفنا في هذا الأمر.. ولعل الأمر لم يقف عند هذا الحد.. فحرفوا القرار الأممي الذي يستندون عليه (194) ففي الوقت الذي نص به القرار على العودة والتعويض فقد قاموا باستبدال ( و) ب ( أو ) بحيث اصبح النص العودة أو التعويض بدلاً من العودة والتعويض ....

ومن غرائب الأمور – ولا غريب في المواقف عند المتخاذلين – فإن حق العودة انتقل ليتم تفسيره إلى " عودة السائح " كما قالها عباس الذي أكد في أكثر من مناسبة بأنه لا يريد إعادة اللاجئين الفلسطينيين لأرض فلسطين لمدى تأثيرهم على التركيبة الديمغرافية في كيان العدو، ومن الواضح أن عبارة حق العودة التي يستخدمها البعض شعاراً لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين بل وحل قضية فلسطين قد وصل الأمر بها لأن تكون " الحق " بزيارة كيان العدو وزيارة أرض فلسطين كسائح فقط ... وهذا بالضبط ما أراده عرفات ووافق عليه في أوسلو وسعى إليه عباس وزمرته منذ أكثر من ربع قرن..

وحتى لو تم تطبيق القرار الأممي (194) وتمت عودة اللاجئين – وهذا لن يتم – فإنه سيحل جانباً محدوداً وبسيطاً من قضية فلسطين ولكنه لن يحل قطعاً أي من قضايا العرب والمنطقة التي ترتبط بقضية فلسطين هذه القضايا المرتبطة بوجود كيان العدو الصهيوني في المنطقة كقاعدة متقدمة للاستعمار وسلاحه للهيمنة على المنطقة.. فالتحرير والتحرير فقط هو الذي سيحل كل مشاكل الشعب الفلسطيني ويحل قضية فلسطين ويؤدي إلى السلم والاستقرار في المنطقة حيث قضية فلسطين جزءاً لا يتجزأ عن القضايا المنطقة تتأثر وتؤثر حتماً بكل مفاصلها.

 

إبراهيم ابوعتيله

عمان – الأردن

 

لطيف عبد سالممن نافلة القول إنَّ القيمَ الصادقة تُعَدّ من أهم الركائز الأساسية التي تُبنى عليها المجتمعات البشرية، بوصفها مجموعة المعايير التي تحقق الاطمئنان للحاجات الإنسانية التي من شأنها المساهمة في الحفاظ على سلامة المجتمع واستقراره. وفي هذا السياق يشير بعض الباحثين إلى أنَّ مصيبةً الإنسان العظمى تتحقق في موته وهو حي بسبب موت ضميره، فالضمير على وفق هذا التحديد كالإنسان إما حي أو ميت، فيما يؤكد آخرون أنَّ الضميرَ الحي هو الضمير الذي يتمتع بقدر كبير من الحرية من صاحبه، فحينما يموت الضمير تغفو العقول في برك آسنة، ما يعني امتلاك هذا النوع من البشر القدرة على فعل كل ما يخالف المبادئ الإنسانية؛ لانَّ الضميرَ يعني وعي الفرد بتوافق ما يقوم به من عمل أو تعارضه مع المعايير الناظمة لمنظومة القيم الإنسانية النبيلة. ولا ريب أنَّ كل الأزمات والويلات والمحن والمصائب التي شهدتها المجتمعات الإنسانية – وما تزال تعيشها – تفرعت عن الأزمة الأم المتمثلة بأزمة الضمير الإنساني.

تشهدُ الكثير من بلدان العالم ازدهاراً في صناعة المنتجات الطبية العلاجية المغشوشة بعملياتٍ صناعية واسعة النطاق أو عمليات صغيرة تجري في الخفاء، حتى بات من غير الممكن وجود بلد لم تمسه تلك المشكلة. ويمكن الجزم بأنَّ سهولةَ الحصول على المتطلبات التقنية الخاصة بصنع الأدوية المغشوشة ومثيلاتها من أنواع العقاقير غير فاعلة التأثير كالأفران والمعدات التخصصية والآت إنتاج الأقراص ومواد التغليف وغيرها من المكونات يُعَدّ من بين أهم العوامل المساهمة في انتعاش المصانع السرية لهذه التجارة التي تشكل انتهاكاً جسيماً لمبادئ القانون الإنساني الدولي ولوائح حقوق الإنسان، إذ تعكس هذه الشوائب السلوكية التي أضحت سمة المفسدين في الأرض بهذا العصر اختلالاً هائلاً في الموازين الضابطة للسلوك البشري، والتي مردها بشكلٍ رئيس إلى موت الضمير الإنساني.

لعلَّ المذهل في أمر هذه المشكلة التي تفشت في مجتمعنا بشكلٍ مثير للحيرة والقلق هو صعوبة كشف حقيقة تلك الأدوية بفعل الدقة المعتمدة في إخراجها، إذ تبدو في أغلب الأحيان مصممة بشكلٍ مطابق من ناحية الشكل للمنتج الطبي العلاجي الأصلي. ويضاف إلى ذلك الدور الكبير لمافيا التجارة المحرمة دولياً، والتي تمتلك العديد من آليات تسويق الأدوية المزورة إلى مختلف بلدان العالم، وبخاصة المتخلفة أو التي تعاني صراعات أو مشكلات في طريقة الإدارة، إذ توسعت أذرعها التجارية ووصلت إلى درجةٍ غير معقولة بعد أن شملت منتديات المستهلكين والأعمال التجارية. كذلك أفضت ثقافة التشخيص الذاتي للحالات المرضية والتحديد الذاتي لوصفات علاجها إلى إلزام مصنعي العلاجات الطبية المغشوشة ونظيراتها متدنية النوعية - التي قد تتسبب في حالات وفيات - بإقامة ما لا يحصى من مواقع الشبكة الدولية، فضلاً عن استثمار قنوات التواصل الاجتماعي وتوظيفها في مهمة الترويج لمنتجاتها الفاسدة أو بضائعها التالفة، بالإضافة إلى سهولة توزيعها في ظل ضعف الإجراءات الرقابية.

 

لطيف عبد سالم

 

الظهور المفاجئ لزعيم تنظيم داعش الإرهابي أبو بكر البغدادي من خلال شريط مصور بث على بعض القنوات، الذي يعد الثاني بعد ظهوره الأول عام 2014، بعد سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم داعش، وإعلانها عاصمة لدولة الخلافة، يحمل رسائل مهمة للعراق وحكومته وشعبه، وأهمها رسالة مفادها أن تنظيم داعش موجود، وما ظهور زعيمه ألا رسالة واضحة، وأن الولايات المتحدة قادرة على إعادته بثوب جديد،وهي جاهزة لإدخاله مرة ثانية فيما لو قررت الحكومة العراقية إخراج القوات الأمريكية من العراق، وهذا ما ينسجم مع تصريح قائد القيادة المركزية"كينث ماكينزي" بأن هناك مفاوضات تجري مع الحكومة العراقية بشأن وجود القوات الأمريكية "طويل الأمد" وان ظهور أبو بكر البغدادي بعد يوم واحد من هذا التصريح يعكس بشكل واضح أن الهدف من التسجيل للإرهابي البغدادي وفي هذا الوقت تحديداً هو للضغط على الحكومة العراقية للتراجع عن قرارها بشأن خروج القوات الأمريكية من العراق، وبعكسه فنحن قادرون على إعادة البغدادي إلى المشهد في المنطقة وتحديداً العراق .

الإدارة الأمريكية بدوائرها السرية عملت كثيراً من أجل إيجاد زعزعة للمنطقة عموماً، وهذا ما تحقق في سوريا والعراق من سقوط ثلث العراق ونصف سوريا بيد العصابات الداعشية، كما ان التحالف الذي تقوده أمريكا ضد «داعش» كذبة سياسية كبيرة يعلمها القاصي والداني، والدول المشاركة تدرك هذا جيداً. لذلك، فإن داعش باقٍ ما بقي هذا التحالف الذي تقوده أمريكا التي تدّعي الحرب على الإرهاب وهي تمنعها، ولا شك في أن تحركات بقايا «داعش» في العراق لم تعد لغزاً. والحشد الشعبي الذي يضم مئات الآلاف من الشباب وأكثر من 42 من السرايا القتالية المهمة، قادر على لجم داعش وسحقه، ولكن في العراق مَنْ لا يريد ذلك الآن، أو لم يؤذن له بعد وواشنطن تحاول إعادة تكرار تجربة «طالبان» التكفيرية في منطقة الشرق الأوسط، وتُطَبّق قاعدة ” نتركهم يتقاتلوا ونحن ننظر وبعدها نقرر” كما أن التنظيمات الإرهابية تبدَّل حالها اليوم. ومن المؤكد أنها صارت وسائل لتنفيذ مشاريع أمريكية وإسرائيلية في المنطقة.  

الكلمة الفصل في إنهاء أي مشهد إرهابي هي للشعب العراقي لوحده دون غيره، وان الموقف النهائي سيكون العراقيون أنفسهم، ولكن هذه المرة سيختلف الرد كثيراً، لان العراقيين أيقنوا أن واشنطن لا تريد الخير لبلدهم أو لهم، وإنها تسعى لأي انقسام للبلاد وشعبها، وبأدوات مختلفة، لذلك بات العراقيون مستعدين لمواجهة هذا المخطط، ولكن الرد سيكون قاسي على القوات الأمريكية في العراق، والتي ستكون في "كماشة الفئران" لاصطيادها والقضاء على وجودها في البلاد

 

محمد حسن الساعدي

 

ميلاد عمر المزوغيلأجل بسط السيطرة على العاصمة ومن ثم قيادة البلد، جاءت الاطراف المتعددة التي ساهمت وبكل قوة في احداث الفوضى العارمة وفق اتفاق الصخيرات المذل، بحكومة تلبي حاجياتهم من حيث اقامة اتفاقات في كافة المجالات الامنية منها والاقتصادية للاستفادة من ثروات البلد الهائلة بينما ابناءه يعانون قسوة الحياة بكل اشكالها، بدءا من تأخر صرف الرواتب التي لم تعد تسد الحد الادنى للاحتياجات مرورا بنقص السيولة النقدية لدى البنوك التجارية، وفتح الاعتمادات البنكية لأصحاب رؤوس الاموال الذين وللأسف يستغلون المواطن في الحصول على قوت يومه،  فالثراء الفاحش لم يتحقق في أي من الازمنة السابقة، كيف لا وأصحاب رؤوس الاموال هم من يتحكمون في مصير البلد وقد قاموا بتحويل (اموالهم) الى الخارج لأجل دعم اقتصاديات الدول التي تدعمهم والاستثمار بها عرفانا بجميلها، فلولاها لما امكن لهؤلاء نهب وسرقة المال العام.

حكومة الوصاية لم تعبأ يوما بالمواطن لأنها اكتسبت شرعيتها من المجتمع الدولي وليس من البرلمان المنتخب شعبيا، عدم نيلها ثقة البرلمان وفق الاعراف والمواثيق الدولية يفقدها الشرعية وبالتالي تعتبر حكومة موازية وجب على الشعب وقواه الحيه بمن فيهم القوات المسلحة (التي فقدت العديد من ابنائها بسبب القوى التكفيرية) اسقاطها بكافة الوسائل، بعد ان اعطيت الوقت الذي يسمح لها بتضميد الجراح، ولم شمل مجتمع اثخنته الحروب وأذلته العصابات الاجرامية من قتل وتشريد وتدمير ممتلكات وهتك اعراض والقبض (الاعتقال)على الهوية، والسير في ركب بناء الوطن وتحقيق الامن والاستقرار للمواطن .

ربما كانت (التجليات) التي قدمها غسان سلامة الى مجلس الامن عن الفساد المالي المستشري في البلد اضافة الى تردي الاوضاع الامنية والاقتصادية القشة التي قصمت ظهر البعير، ما جعل المجتمع الدولي ينأى بنفسه عن تصرفات الحكومة التي يقودها زعماء ميليشيات، عاثوا في البلاد فسادا، لم تنفع الاستجداءات والعقود المشبوهة في كسب الرأي العام الدولي وبالأخص أمريكا.

أصبحت الحكومة التي يسيطر عليها الاسلام السياسي مكشوفة، تعرت من ورق التوت، لم يعد امامها سوى وصف تحرك القوات المسلحة بأنه غزو جهوي (شرقاوي) للعاصمة في محاولة منها لإذكاء الفتنة بين مكونات المجتمع الليبي، فالجيش الوطني يضم كافة ابناء الشعب من مختلف المدن والقرى، بعض مدن الساحل الغربي (بعضها مارقة وأخرى مغلوبة على امرها) هي من تناصب العداء لبقية الليبيين والجيش الوطني (لأنها ترى فيه نهايتها المحتومة) الذي آل على نفسه تلبية نداءات الشعب المتكررة في ازالة الميلشيات الاجرامية وأصحاب الاعتمادات البنكية وإقامة دولة مدنية يكون الجيش الضامن لها، فلا دولة بدون جيش وطني. لقد كان بإمكان الحكومة ان تكون حكومة كل الليبيين من خلال سعيها لنيل ثقة البرلمان ومن ثم تبسط سيطرتها على البلد الذي تبلغ مساحته قرابة المليوني كيلومتر مربع وتقدم خدماتها الى مختلف مكونات الشعب، ولكن بفعل عنجهيتها فان الاراضي التي تسيطر عليها لا تتعدى مساحة لبنان.

لم يبقى امام حكومة الوصاية بعد الانتكاسة الدولية إلا دعوة الجمهور كل جمعة للتظاهر بميدان الشهداء بطرابلس للتنديد بدخول الجيش الوطني الذي اصبح على مشارف العاصمة، وهذه الجمعة (3 مايو2019) اسمتها جمعة دعم (الشرعية)، لو يترك لسكان العاصمة حرية الرأي والتعبير، لخرجوا بأعداد هائلة تجوب مختلف الميادين والساحات، تنديدا بالمعاملة السيئة من قبل الميليشياويون المتحكمون في البنوك التجارية والمطالبة بتوفير السلع التموينية والخدمات (كهرباء، صحة، تعليم) وتخفيض اسعارها ومحاكمة تجار الاعتمادات، ورحيل الحكومة.  

محاولة بائسة يائسة وطائشة من قبل حكومة الوصاية بإحداث شرخ في مجلس النواب الداعم القوي للجيش الوطني وتحركاته لتحرير العاصمة، من خلال الدعوة الى عقد جلسة في طرابلس، الحضور لم يتعدى 20% أي ان النصاب عدديا لم يكتمل، ناهيك عن الشروط الاخرى، اما الحضور فتمثل في اولئك المقاطعون لحضور الجلسات بطبرق وآخرون كان حضورهم محدود، ربما لأجل المرتب والمهايا وغالبيتهم من المنطقة الغربية، والنتيجة بالتأكيد جد مخيبة لأمال(الحكومة والنواب المتنادين) وأظهرتهم على حقيقتهم، غالبيتهم لا يمثلون إلا انفسهم لان مناطقهم تدعم وبقوة تحرك الجيش نحو العاصمة لتحريرها. 

لتسقط الرموز التي اوصلتنا الى هذا الوضع الذي صرنا فيه نتلقى المساعدات الدولية الإنسانية، بينما اموالنا تستفيد منها الدول التي تريد الابقاء على الوضع القائم وبالأخص تركيا وقطر، وتونس المستفيد الاول من استمرار الازمة حيث تعقد على اراضيها معظم الجلسات التحاورية بين الافرقاء وينقل اليها غالبية جرحى الميليشيات للاستطباب وغالبية القادة السياسيين الاسلامويين وما يترتب على ذلك من انفاق (اهدار) للمال العام، حيث اعلن زعماءها السياسيون والحزبيون وقوفهم الى جانب حكومة الوصاية والدفاع عن طرابلس؟، كم انت عزيزة يا طرابلس على قلوب الساعين الى جعلك بقرة حلوب مستديمة، المستفيدين من ثرواتك على مدى 8سنوات. المؤكد ان استمرار الحال من المحال فهل من معتبر؟

 

ميلاد عمر المزوغي

 

رائد عبيسليكن كل منا باحث متجول، لا يعمل شيء للوهلة الأولى سوى التصفح بوجوه الناس كل الناس، اي بمختلف شرائحها وطبقاتها، وفي كل مدن العراق، فنجد في ملامح وجوههم خيبة تاريخية، ومعالم فشل قد اختبئ تحت مساحيق التجميل بالنسبة للنساء، وتحت اللحى بالنسبة للرجال، وبؤس غير معلن على ألسنتهم ولكن تفصح به جباههم، وطريقة تناولهم الطعام، وطريقة مشيهم، وكان الفقر المتوارث قد أعلن نفسه فيهم! ونجد كذلك تاريخ لا يحسنوا أن ينصتوا إليه، ولا يتمكنوا من اخذ العبرة من احداثة، لا يختلف فيهم ولا عنهم سوى الواعي، وسؤالنا هنا هل كل متعلم واع؟ ام ان هناك متعلم يكون أقرب إلى الاوكس منه إلى البشر؟ وهل يا ترى كل مثقف واع؟ ام ان هناك مثقف متاجر بوعيه؟ واي وسط ممكن أن نعول عليه ولا نجد فيه معالم البؤس؟ ماذا يعني زيف النخب ؟ وهل هناك نخب غير مزيفة حقيقية ؟ وكيف لنا أن نصنف هذا الزيف ونكتشف هذا البؤس؟ ومن المثقف الواعي؟ ومن يحمل وعي اليقظة والتنوير والتحرر؟ هذه الأسئلة لا نجد من يجيب عنها داخل الأوساط المقصودة، وان كان هناك جواب فيعني افصاح عن نفاق وأسرار هذا الوسط، وتناقض مع معايشته، ورغبة بالاسترزاق منه! ونقصد ببؤس الأوساط هو كل وسط اجتماعي مؤسسي تحكمه الرتابة والانصياع والمماهاة مع قوانين تعسفية وبالية وتقليدية وعتيقة، لا تنسجم مع روح العصر ولكن منسجمة مع ارواح أعضاء هذا الوسط!  تلك هي خيبة مجتمعه الذين ألفوا الذل وقبلوا به! هذا حال الأوساط الرسمية التي لا نُستثني منها إلا بعض قليل جداً من المؤسسات الواعية التي بدأت تغير من مجرى الحياة لصالح الوعي المجتمعي الجديد.

فما حال النخب في هذا الوسط؟ مثل هذه الأوساط ونقصد الأوساط الزائفة والتي عادة ما تمثلها نخب مزيفة أيضاً، فهي تختارها لنفسها لأنها تشبهها، وهذا التحالف الاختياري ينتج عنه صراع مع أي وعي فردي أو مجتمعي ناضج،فيبدأ بينهما الصراع، والتنافس، والعداوة والتسقيط، فهو بالاصل صراع بين الجودة وعدمها، وان كان هناك من يدعي الجودة زيفاً، وهذا ما ساد الآن وهو جرأة الزيف على منافسة الحقيقة،ليثبت أنه حقيقة رديفة، ومع ذلك يجد هذا النوع له أنصار يشبهونه ويدافعون عنه.

هذا التبني هل هو اعتراف بواقع يجب أن نتماها معه؟ ام أنه يوتوبيا متوهمة عند الآخرين؟ الإجابة عن هذان السؤالان يتطلب اعتراف ذاتي بالزيف، وهذا هو جوهر العدمية عندما تنتمي لواقع وانت تشعر ببؤسه أو خيبته وعندها أما أن تكون مثله، أو تتحداه وربما تخسر بسببه كثير من مكتسباتك،اما ايهما ارجح لوعيك، فهذا ما تحدده قدرتنا على التخلص من النفاق ورغبتنا بذلك.

إن البؤس الذي يكتنف الحالة العامة، يدعونا إلى أن لا نشخص أي نخب نقصد، ولا اي وسط نقصد كذلك، بل هو نقد عام نريد به أن يختار مستحقه أو مستحقه يختاره عن وعي وإرادة، وبهذا الاختيار نأمل أن يكون بداية طريق إلى وعي عام، وحركة تنويرية، ويقظة تامة، تحرك المجتمع بصحوة كبيرة لينهض وينفض الغبار عن واقعه الرث الذي سلمه لوعي محكوم بانتهازية واقعية ويوتوبيا مزيفة تؤمله بكل مؤجل.

بعد هذا الكلام وما تضمن ندعو كل الأوساط العراقية الرسمية وغير الرسمية، وبواسطة النخب الواعية الى بداية تنويرية جادة، لتغيير الواقع ومتحكماته, العشائرية والقبلية، والسياسية, والولاءات العاطفية, والانصياعات العرفية المجاملة على حساب حقيقة الاعتراف بما يحتاجه البلد فعلا لنهضته، وتطوره، وتقدمه الذي بات ينتظر إرادة أهله وتحررهم، من كل وهم وزيف، لقول الحقيقة بحقه.

 

الدكتور رائد عبيس

 

صادق السامرائيالدوغماتية تعني إمتلاك الحقيقة المطلقة، أو التزمتية الصارمة، ومن المعروف أن الحركات الأصولية الدينية توصف بها، لأنها تحسب ربها هو الرب ودينها هو الدين، وما عدا ذلك ضلال وبهتان، وتبيح لنفسها فرض ما تعتقده على الآخرين.

وكأنها وهمٌ إذ يتمسك  المصابون بها بما يرونه، ولا يأبهون بالأدلة والبراهين الواضحة الداحضة لتصوراتهم.

ويبدو أنها حالة متصلة بالسلوك البشري، فعندما يتعلق الأمر بالمعرفة والدراية، نجد نسبة من المثقفين يميلون إلى وهم إمتلاك المعرفة والدراية، والتمسك بنمطية راسخة في أذهانهم مفادها "أنا أدري وأنت لا تدري"، " أنا أرى وأنت لا ترى" !!

وهذه العاهة السلوكية التي تنفي النسبية المعرفية، هي من المعوقات الأساسية أمام صناعة التيار الثقافي القادر على التأثير والتغيير، مما يدفع إلى التنخوب (من النخبة)، أو إن شئت (الخواص)، وهي ذات النمطية الثنائية التدميرية التي مضى على نهجها المتاجرون بالدين في مسيرة الأمة، فهم يرون أن الأمة (عوام) وهم الكثرة و (خواص) وهم القلة الذين يحتكرون المعرفة والعلوم، ويفرضون على العوام الجهل والأمية، ويقررون ما يجب أن يعرفون وما لا يعرفون، لأن المعرفة تفسد رؤوسهم وتبعدهم عن صراط التبعية، والإنقياد للقِوى الدينية المنتفعة من عطايا الكرسي المنان.

أي أن نمطية تلك الرؤوس تتأكد في بعض الرؤوس المثقفة، فهي تتباهى بأنها (نخبة)، وإنتاجها لا يصلح إلا للنخبة، أما العوام فعليهم أن يتنعموا بجهلهم وأميتهم الشاملة، وبهذا فأن بعض المثقفين يساهمون في تأكيد دور القِوى الدينية المضللة والمدمرة للوعي الجمعي، وهم يقومون بذلك عن قصد أو غيره، لكن رسالتهم التجهيلية للناس ماضية ولها تأثيراتها وتداعياتها.

وهذا يفسر فشل المثقفين في المساهمة بالإرتقاء بالواقع الذي ينشطون فيه، بل أن الأمية تتناسب طرديا مع زيادة عدد المثقفين، مثلما هو الحال مع زيادة عدد القٍوى المتاجرة بدين، مما يعني أن بعض المثقفين ربما يترجمون إرادة تلك القِوى الفاعلة في المجتمع، وأنهم يتبعون أجندتها ويؤكدون دوغماتيتها.

وكأن المجتمع يعيش تحت مطرقة القٍوى الدينية المتاجرة بدين وسندان بعض المثقفين المتوهمين بالمعرفة، وأنهم النخبة، وغيرهم من العوام الذين يستحقون حياة القطيع والتبعية وتعطيل العقل، فالتفكير عليهم حرام، والسؤال جريمة وعدوان، والببغاوية والتلقين الإستعبادي هو الدين، ولا سواه دين.

فلماذا لا يراجع المثقفون الدوغماتيون نمطيات تفكيرهم وينورون عقولهم، بدلا من التيقن بأنهم منبع النور وما أناروا ظلمات الرؤوس والنفوس؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

جميل عودةهل تعرف مكانا لمحلات المساج؛ واللهو والدعارة؛ والنوادي الليلية؛ وشرب الخمور في وسط مناطق مأهولة بالسكان، لاسيما في العمارات السكنية؟ هل تعرف مكانا للهو والدعارة، بالقرب من المساجد؛ والكنائس؛ والمدارس؛ ورياض الأطفال؛ ودور رعاية كبار السن؛ وذوي الاحتياجات الخاصة، حتى إنك لا تفصل بينها، ولا تمييز بين المرتادين لهذه أو تلك؟

 هل تعرف مكانا لمحلات المساج؛ واللهو والدعارة؛ والنوادي الليلية؛ وشرب الخمور في الفنادق ودور الضيافة، بما فيها فنادق الدرجة الأولى، ممن تعود جزء من ملكيتها للدولة، وسلمت لمستثمرين عبثوا بأصول الضيافة واللياقة؟ هل تعرف مكانا للهو والدعارة؛ وشرب الخمر؛ والسهر في المراكز الثقافية والاجتماعية والترفيهية للاتحادات والنقابات، والمنظمات غير الحكومية، وهي مراكز تحمل إجازة تصدر عن رأس هرم السلطة، وتتباهى بها؟

 هل تعرف مكانا للهو والدعارة يعمل فيه الأطفال والشباب والشابات القاصرون، سواء من الأجانب، أو ممن رمتهم الخلافات العائلية في أحضان تجار اللهو والدعارة؟ هل تعرف مكانا للهو والدعارة يُشتغل الأطفال والنساء في التسول في الطرقات والتقاطعات نهارا، وفي الملاهي والدعارة ليلا؟

 هل تعرف مكانا للهو والدعارة والدنبلة أغلب مرتاديه من ضباط ومنسوبي القوات الأمنية والعسكرية؟ هل تعرف مكانا للهو والدعارة يتقاضى رجال الأمن القريبين منه عملات شهرية مقابل تغاضيهم عما يحدث فيه من جرائم مخلة بالأمن؛ والحياء والآداب العامة؟ هل تعرف مكانا للهو والدعارة، والمساج مالكوه بعض رجال الدولة؛ والأحزاب السياسية؟

 هل تعرف مكانا؛ ظاهره مكان لرجال الثقافة والصحافة والإعلام، ولمقدمي البرامج السياسية والاجتماعية والصحية في القنوات الفضائية، ولكن باطنه مكان لشرب الخمر وممارسة البغاء، وكأن (المثقفين والفنانين والإعلاميين) ينصحون؛ ويمثلون؛ ويكتبون في نهار عن المبادئ والقيم والأخلاق، ويمارسون الرذيلة؛ والرقص واللهو؛ وشرب الخمور في الليل، حتى فقدت مثل كلمة (مثقف أو كاتب أو إعلامي أو فنان) أصالتها وبريقها، وارتبطت بأفعال دنيئة لا تمت للثقافة والفن والإعلام بشيء البتة؟

 هل تعرف مكانا يجري الاتفاق فيه بين ممثلي النقابات والاتحادات والمنظمات غير الحكومية الحاصلة على إجازة تأسيس قانونية، وعدد من المستثمرين في مجال شرب الخمر والدعارة واللهو، فيحصل المستثمرون على مكان ممتاز، وزبائن جاهزين، وإجازة نافذة، واسم شرعي، يضمن له الحماية القانونية، بينما يحصل هؤلاء المؤجرون على مبالغ شهرية تصل إلى ملايين الدنانير، وامتيازات وتفضيلات لملاكات هذه الاتحادات والنقابات والمنظمات غير الحكومية، وتمارس الأعمال المخلة بالشرف والكرامة والآداب العام تحت يافطة مكتوب عليها (الأمانة العامة لمجلس الوزراء- دائرة المنظمات غير الحكومية).

 هل تعرف مكانا للهو والدعارة؛ وشرب الخمر تتخلى فيه أجهزة الدولة جميعها عن مسؤوليتها في التأسيس القانوني والصحي، وعن مسؤوليتها في المتابعة والرقابة والمحاسبة؟ هل تعرف مكانا للهو والدعارة؛ وشرب الخمر تتهرب الأجهزة المختصة من ملاحقة أصحابها بحجة أنهم متنفذون ومتسلطون؟

 هل تعرف مكانا للهو والدعارة؛ وشرب الخمر، ينبغي أن تؤدي لجان هيئة السياحة دورها الرقابي في غلق المحال المخالفة للقانون والآداب العامة، إلا أنها هي الأخرى متورطة في الفساد المالي، حيث تغلق المحلات المخالفة للقانون في اليوم الأول، ثم تفتح في اليوم الثاني لقاء مبالغ مالية؟

 ربما تجد هذه الصورة في عاصمة ما، في دولة ما، ولكن هذه الصور وتجلياتها تظهر بوضوح في عاصمة العراق، بغداد! هذه العاصمة التي ظلت إلى وقت قريب عاصمة العلم والثقافة والفن والأدب والأصالة، عاصمة الأدباء والعلماء ورجال الدين الأفذاذ، ولكنها انقلبت بين ليلة وضحايا إلى عاصمة للهو والدعارة والفسوق، عاصمة تكثر فيها العناوين البراقة التي تخفي في داخلها أسوء ما يمكن أن يتصوره الإنسان من امتهان الكرامة، وهتك الأعراض، وممارسة البغاء مع الأطفال والصبايا غير البالغين.

 يتحايل أصحاب الحانات والبارات والملاهي في بغداد على القانون، ويسمون حاناتهم وملاهيهم بالمراكز الثقافية والاجتماعية والترفيهية، حيث أضحت الأندية الثقافية والترفيهية للصحفيين والفنانين والإعلاميين واجهات للحانات والملاهي، وهي للأسف واحدة من الإساءات العديدة التي يتعرض لها المثقفون والصحفيون والإعلاميون، لأن هذه التسميات تصوّر للمواطن الاعتيادي أن رواد الحانات والملاهي هم فقط من الصحفيين والإعلاميين والمثقفين، فالمثقف هو الذي ينبغي أن يذهب إلى هذه المحلات وغير المثقف ينبغي أن يجلس في المكتبة العامة!

 لقد جرم قانون العقوبات العراقي (111 لسنة 1969) المعدل الآثار الضارة التي يمكن أن تترتب على شرب الكحول التي تصيب الجمهور أو عامة الناس عن طريق الظهور بحالة سكر بين، وإحداث الشغب، أو إزعاج الناس، بالإضافة إلى حظره على أصحاب الحانات أو محلات بيع الخمور أن يدخلوا شخصا لم يبلغ سنه (ثماني عشرة سنة) وكذلك حظره على أصحاب الحانات أو المشرب أو المنتديات الليلية (الملاهي) أن يدخلوا شخصا لم يبلغ من العمر إحدى وعشرين سنة، وإن تحريض الحدث على شرب الخمر يعد جريمة وفقا لهذا القانون.

 كما صدر قرار مجلس قيادة الثورة المنحل (82 لسنة 1994) متضمنا منع بيع وتناول المشروبات الكحولية في النوادي؛ والفنادق؛ والمطاعم؛ والمرافق السياحية. ونصت تعليمات قرار رقم (82 لسنة 1994) على منع بيع المشروبات الكحولية بأنواعها كافة في كل من (أ – النوادي الاجتماعية. ب – نوادي الجمعيات. والنقابات والاتحادات. ج – الفنادق والمطاعم والمرافق السياحية الأخرى) ويتولى المحافظون مهمة تنفيذ غلق المحلات التالية: (أ – الملاهي. ب – صالات الرقص. ج – النوادي الليلية).

 كما إن الله سبحانه وتعالى قد نهى عن تعاطي المسكرات، وما يرتب بها من أعمال أو ممارسات قد تؤدي إليها كالميسر، وذلك لقوله تعالى (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) وواضح جدا من هذه الآية الكريمة الآثار التي يمكن أن تترتب على تعاطي (الخمر) أو الإدمان عليها، وهي حصول العداوة، ومن ثم البغضاء بين الأشخاص، وبالتالي ارتكاب مختلف الجرائم بحقهم نتيجة ذلك الدافع النفسي.

 والسؤال هنا: هل يعيش أهل بغداد جوار محلات المساج والدعارة، وصالات الرقص واللهو، وشرب الخمر، لاسيما في الكرادة والعرصات والمنصور ومناطق أخرى؟ الجواب: نعم! هل يلاحظ رجال الدين أن محلات الفسوق جاورت جوامعهم ومساجدهم وحسينياتهم وكنائسهم؟ الجواب: نعم. هل يشاهد المثقفون والأدباء والفنانون والإعلاميون أن نوادي الخمر والرذيلة استباحت نقاباتهم واتحاداتهم ومنظماتهم؟ الجواب نعم.

 هل تراقب أجهزة الدولة الأمنية عن كثب هذه الأماكن وترصد زبائنها من المنحرفين والشاذين؟ الجواب: نعم. هل تدخل إلى هذه المرافق (السياحية) لجان التفتيش التابعة لهيئة السياحة بشأن إجازات التأسيس، ولجان التفتيش في وزارة الصحة بشأن إجازات الصحة العامة؟ الجواب: نعم. هل قدمت شكاوى ومناشدات لأعضاء البرلمان العراقي، والسادة المسؤولين في السلطتين الاتحادية والمحلية، لاسيما محافظ ومجلس محافظة بغداد؛ بشأن ما تسببه هذه المحلات من خطورة اجتماعية وصحية...؟ الجواب نعم.

 هل بالفعل وراء هذه المحلات المشبوهة أحزاب وتنظيمات وسياسيين؛ بما فيها أحزاب ذات طابع إسلامي ورجال دين؟ هكذا يروج أصحاب هذه المحلات، ولكن لا أستطيع أن أقطع، فالعهدة على القائل؛ إن كان للقائل عهدة.

 إذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا إلى الآن لم يأخذ قرارا حكوميا أو مجتمعيا في غلق هذه المحلات المخالفة للقانون والتقاليد والأعراف والدين؟ الجواب على شقين: الأول: إننا كمجتمع وسلطة ومنظمات مهنية ومجتمعية راضون عن وجود مثل هذه المحلات، ولو كانت تخالف النظام والقانون والآداب العامة (عيس بدينه وموسى بدينه)!

 فنحن نعيش في ظل نظام ديمقراطي فضفاض يسمح للجميع أن يفعلوا ما يشاؤوا، وكيف يشاؤوا، لا حسيب ولا رقيب، مثل المئات من المخالفات والتجاوزات اليومية على المناطق والطرق والمؤسسات والمباني، وهي ظواهر تكاد تطغي على المشهد العام للدولة العراقية. فالمتجاوز على أملاك الدولة وأملاك الآخرين من المواطنين، ومن يجمع الإتاوات من الأسواق والمولات لا يختلفون البتة عن أولئك الذين فتحوا محلات الخمور واللهو والعربدة.

 وإما إننا غير راضين، وممتعضين مما يحدث، إذ أن مثل هذه الظواهر مآلها تهديم أركان الأسرة والمجتمع بأسره، وهي لا تخص فئة دون فئة، ولا تتعلق بحرية شخصية لهذا المواطن أو ذاك، ولكن لا المجتمعات المحلية، ولا النقابات والاتحادات والمنظمات المجتمعية، ولا الحكومة بأجهزتها الأمنية ومؤسساتها المختصة قادرة على التصدي لهذه الظاهرة الخطيرة، أو تنظيمها على وفق القوانين والأعراف المجتمعية، أو على الأقل هي تغض النظر عنها في ظل تنامي ظواهر سلبية أخرى كالعصابات والمخدرات وشبكات الدعارة المنظمة وغيرها.

 والحقيقة لا العذر الأول مقبول؛ ولا الثاني مقبول، فالعذر الأول المستند إلى مبادئ الديمقراطية والحرية الشخصية لا يسمح حتى في الدول الأرقى ديمقراطية أن يعتدى على القيم التي يؤمن بها المجتمع، ولا يسمح بالاعتداء على حريات الآخرين. فالحرية مكفولة في ظل كفالة حرية الآخرين، وفي ظل احترام القيم المجتمعية.

 والعذر الثاني هو أقبح من الأول؛ فالسلطة التي لا تستطيع أن تحمي مجتمعاتها المحلية من براثين الفساد والرذيلة لا يحق لها أن تبقى في السلطة يوما واحدا، فهي ليست أهلا لممارسة السلطة التي خولها إياها الشعب. ولا ينبغي أن تترك معالجات هذه المحلات إلى القوى السياسية والدينية التي تمتلك جماعات مسلحة، لأن الفوضى التي تتركها هذه الجماعات أثناء معالجتها لتلك الظواهر السلبية، لا سيما جرائم القتل، لا تقل خطورة عن وجود هذه المحلات أيضا.

ومما تقدم، يمكن القول إن المجتمع المحلي في محافظة بغداد، والمؤسسات المهنية والحرفية، والسلطات الاتحادية والمحلية مطالبة بتنظيم نفسها فورا، من أجل إيجاد حلول جذرية للحد من ظواهر ممارسة الفساد والرذية، المنتشرة تحت عناوين اجتماعية ومهنية وثقافية تعتز بها المجتمعات المحلية. وذلك من خلال ما يأتي:

1- ينبغي للمجتمعات المحلية ألا تقف مكتوفة اليد، إزاء انتشار ظاهرة فتح محلات اللهو والمساج وشرب الخمر وبيوت الدعارة في المناطق السكنية والعمارات السكنية، سواء أكانت ظاهرة أو باطنة، لأنها ستؤدي حتما إلى اجتذاب المراهقين والشباب والشابات، وستدخل بيوتهم عاجلا أم آجلا، مما ينذر بخطر لا يحمد عقباه.

2- ينبغي للكتاب والمثقفين والإعلاميين أن ينتفضوا على هذا الواقع، وأن يقفوا إزاء أعمال تحريف وتزيف أماكن العلم والثقافة والإعلام النزيهة، وان لا يسمحوا بتحويل النقابات والاتحادات إلى أماكن للهو والدعارة وشرب الخمور، فهذه أنشطة لا تتفق مع مبادئ ممارسة المهن والحرف المشهود لها بالنزاهة والشرف، وهم مدعوون جميعا للمحافظة على مبادئ وقيم المهنيين والحرفيين.

3- ينبغي لمراكز الدراسات والبحوث والجامعات والكليات والباحثين الاجتماعيين أن يكتبوا عن مخاطر هذه الظاهرة المستقبلية، وأن يعقدوا الندوات وورش العمل للتنبيه على النتائج الوخيمة التي يمكن أن تعصف بالمجتمع وشبابه في ظل انتشار ظاهرة الفساد الاجتماعي وتوسعه.

4- ينبغي للحكومة الاتحادية والحكومات المحلية التصدي، وبشكل عاجل للحد من انتشار هذه الظاهرة في وسط المناطق السكنية، وتطبيق القوانين والأنظمة التي تعالجها أو تحد من انتشارها.

5- ينبغي للأجهزة الأمنية الماسكة للأرض، والأجهزة القضائية أن تطبق القانون، وأن تحاسب بشدة من ينتهك حرمة المجتمعات المحلية من خلال عناوين ومسميات يحترمها الشارع، وأن يجري أخذ العقوبات الصارمة بحق ضباط ومنتسبي هذه الوحدات ممن يتساهلون مع أصحاب هذه الظاهرة، أو يكونون زبائن لها، أو يأخذون الرشى، ويغضون النظر عن سلوكهم اللاأخلاقي.

 

جميل عودة/مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

 

عقيل العبودالمنطق الارسطوي إنموذجا

ان يستقرئ العالم النص القراني، معناه ان يستنبط حكما شرعيا بناء على مساحة الانتقال الذهني-العقلي  من الكلي الى الجزئي، ذلك بحسب المعنى المتعارف عليه في تعريف الاستقراء. 

وتلازما مع التعريف، يتوارد الى الذهن المنطق الأرسطوي، باعتباره به يشار الى تحليل القضايا وفقا لعملية الاستدلال.

ذلك من خلال استكمال التدقيق اللغوي، وإنشاء مقدمات البحث المنطقي والانتقال بها من المقدمة الكبرى الى النتيجة، باستخدام الصغرى.

فمثلا بحسب هذه المقدمات نقول:

الحب دائما يؤدي الى السعادة....مقدمة كبرى

 العالم بكسر اللام يحب........مقدمة صغرى 

إذن العالم سعيد.....النتيجة

وفي الدراسات الحوزوية يعد علم المنطق من المناهج الأساسية كونه مادة للبحث الإستدلالي، ومنطق أرسطو، ومنطق المظفر كأمثلة لذلك.

وخلاصة ما تقدم، ان الفقيه يعتمد قراءة السورة القرانية، باعتبار ان الأحكام الشرعية تقوم على الكتاب، والسنة، والإجماع، ويضاف اليها بحسب المذهب الأثني عشر، العقل.

باعتبار ان تقرير الأحكام الخمسة والتي هي الحلال، والحرام، والإباحة، والكراهة، والإستحباب إنما  تعتمد على هذا التصنيف.

وهنالك عنوان اولي، وعنوان ثانوي للحرمة، والعنوان الثانوي استقراء نتيجة، اما العنوان الأول فهو استقراء مباشر.

 فحرمة الخمر مثلا وقعت بعنوان المسكرية، أي ان الخمر يذهب بالعقل، وغياب العقل يقود الى الوقوع في الفواحش من باب أولى.  والفواحش تم تحريمها بحسب النص القراني، في قوله تعالى ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ )

ولذلك تقرر حكم تحريم الخمر بناء على الجمع بين الآيتين،

حيث ورد في قوله تعالى( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

إذن اجتناب الرجس في الآية الثانية، جاء استكمالا لمعنى الاستقراء الأول بناء على التعريف اللغوي للفواحش، والتي تنقسم الى فواحش، ظاهرة، وأخرى باطنة.

والخمر كونه يذهب بالعقل فهو يقود الى الوقوع بالفاحشة والتي من ضمنها الكلام والتصرف غير المنضبط، والفحش بحسب معناه في قاموس المعاني تجاوز الحد، والفحش في الكلام والتصرف.

ومن الضروري الإشارة  هنا الى ان العالم- الفقيه يعتمد كفاية الأصول كمنهج للعمل في القواعد الاستتدلالية، فمثلا قاعدة (كل شئ لك حلال حتى تعلم حرمته) وقاعدة الفراغ اليقيني في الصلاة.

هذا اضافة الى علم الكلام والرجال، (والعنعنة) كمصدر اخر للإستدلال وهو مصدر مهم في نقل ما ورد عن النبي والأئمة والصحابة مع مراعاة صحة السند.

وهذه الأمور مجتمعة تفيد في ربط الأحكام العامة بالأحكام الخاصة باعتبار ان قوانين المجتمع هي قيود أمضى عليها الشارع بينما احكام الدين قيود أمضى عليها الشرع، وهذه الأحكام جميعا يمكن دراستها وربطها واستفراء الفراغات التي توجب الخلاف والتزاحم بينها.

 ولذلك لناقلة القول، احب الإشارة تنويها الى ان هنالك بحسب اعتقادي (استقراء تزاحميا) وهو ضروري لردم الهوة اوالخلاف في فهم الأحكام ومطابقتها باعتبار ان احكام العامة غير الخاصة، فالعالم غير العام، والمتعلم غير الجاهل، والموضوع له تشعبات تفيد المعني بإمكانية الاستفادة من مقولة الإستقراء في باب السياسة والمجتمع والحياة  وعلى غرار ذلك استقراء المستقبل من خلال الحاضر، لذلك يمكن للمتعلم ان يكون متبصرا مبحرا في كليات ما يحدث ربما املا بادراك الجزئيات والتي من خلالها يمكن التعايش مع الواقع وتطويعه لترقية العقل الإنساني.

 

عقيل العبود

.......................

مصادر مهمة للمراجعة:

كتاب المنطق للشيخ محمد رضا المظفر

منطق أرسطو

كتاب كفاية الأصول تأليف الاخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني

الأحكام الشرعية الخمسة

كتاب  شرح الأصول البحراني 

سورة الأعراف آية ٣٣

سورة المائدة آية ٩٠

 

 

شاكر فريد حسنالجيل الشبابي الجديد في مجتمعاتنا العربية هو جيل يفتقد للفكر، للثقافة، للوعي النقدي، للجدل العميق، والرؤية المستقبلية، ولما كان في الأمة من ايجابيات ومفاهيم سلوكية وقيمية ومقاييس اجتماعية واخلاقية وتربوية .

هو جيل بلا هوية، غير قارئ، اهتماماته تنحصر في الثراء المادي بأي شكل من الأشكال، في الشرب والمأكل، في اطلاق اللحية وزرع الشعر، في النرجيلة، في السفر وشمات الهوا، وأخر صرعات عالم الأزياء والسيارات والهواتف النقالة، وما يطلبه  البيت العصري الحديث من أثاث ومستلزمات وكماليات .

المشكلة اليوم في الواقع والبدائل المطروحة له .غياب المثقف العضوي النقدي المشتبك الفاعل في حياتنا الاجتماعية والفكرية والثقافية له آثار سلبية على مجمل التفكير العام، وجعل مجتمعنا بلا أجندة ورؤى مستقبلية . وحتى مفهوم الدين بات مغايرًا، وأصبح بالنسبة للكثيرين من أبناء الجيل الحالي الانغماس في العبادة والمظاهر الشكلية دون سيرورة وحركة ايجابية نهضوية في المجتمع.

المطلوب الآن اعادة النظر في المفاهيم السائدة، وفي الأساليب التربوية المتوارثة، واعادة بناء هيكلية مجتمعنا من جديد، والقضاء على السلبية لدى شبابنا الصاعد، وخلق أجيال جديدة واعية ايجابية تؤمن بالتضحية والعمل التطوعي والقيم الأصيلة، ومساهمة في نهضة وتطور المجتمع .

فبناء مجتمع عربي أفضل يتطلب بناء جيل جديد أفضل وأكثر وعيًا من الجيل السابق، على أساس قوي وثابت من الفكر السليم والمنهج القويم والعقيدة الصافية التي لا يخالطها أي شائبة . وإذا لم نتحرك ونبادر إلى التغيير النوعي الجذري في مجمل أحوالنا وأوضاعنا ومفاهيمنا وسلوكياتنا العامة، سيبقى مجتمعنا غارقًا وموغلًا في حالة اللامبالاة والتمزق والتفكك والصراع الطائفي والعشائري والعائلي، وسيكون مصيره الانهيار المحتم .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

من المعلوم ان العملية الديمقراطية هي عملية متكاملة فهي تشبه المعادلة الرياضية بطرفين غير ان المستغرب ان لا احد يقبل ان يكون في طرف المعارضة والتي واجبها كما هومعروف ابعد واكثر دقة وشمولية من عمل البرلمان نفسه. فالبرلمان عمله محدود وله روتين ثابت ومحدد. بينما تقوم المعارض البرلمانية بعملين في نفس الوقت اولهما عمل البرلمان نفسه في الرقابة والتشريع والمحاسبة والثاني هو البحث والتقصي عن ما هو ابعد واخفى من الصفقات والمخالفات والتجاوزات . و السؤال المهم لماذا يرفض الجميع ان يكون في المعارضة البرلمانية ؟ الجواب هو ان الجميع يريد ان يستفيد من مغانم السلطة وامتيازاتها وما توفره من مناصب ومكاسب مادية ووجاهية .الجميع يرفض ان يكون مدافعا عن الشعب ومصالحه ومايسرق منه وما يخفى من صفقات وفساد ...الخ. الجميع يبحث عن الربح السريع والجاهز اماعمل المعارضة فهو عمل فيه الكثير من التعب والجهد والصدام والمسؤولية .

وفي حالة تم طرد احدهم من جميع المناصب او افهم بان لامناصب له ينتظرها فيبدأ بالتهديد بانه ذاهب الى المعارضة لاحبا بالشعب ولادفاعا عن مصالحه انما لانه بات عاطلا ولاشغل له في الحكومة وامتيازاتها .

ان عمل المعارضة البرلمانية هو عمل تكميلي لعمل البرلمان ولاينفصل عنه انما بانحيازه لمصالح الشعب وبحثه عن عيوب السلطات الثلاث والعمل على اصلاحها وترشيدها. اما الهروب من واجب المعارضة البرلمانية ومهامها فهو هروب من المسؤولية الملقاة على عاتق من اوصلهم الشعب الى هذا المكان ليكونوا حراسا له لامتفرجين على معاناته .

في نفس الوقت يؤشر غياب المعارضة البرلمانية الى انعدام النضج لدى اعضائه وان البرلمان لايزال في ادنى مستوياته من الاداء مما ادى الى عجزه عن القيام بالمهام المنوطة به مثل مكافحة الفساد وغيرها من السلبيات التي تضرب اعماق البنية السياسية والاقتصادية في العراق .

 

قاسم معلة

 

مصطفى محمد غريبآفة الفساد ليست بالمسالة المعقدة والغريبة على المجتمعات والحكومات والدول في العالم فحسب لأنها معروفة وتصدت لها كل القوى الوطنية والجماهير الغفيرة، وللشعوب تجارب غير قليلة في مناحي هذه الآفة وطرق المعالجة العلمية الصحيحة للتخلص منها، فالفساد هو جرثومة في فساد عقلي موروث من المجتمعات الطبقية والنظم السياسية الاستغلالية وقانونية حمايته تختلف من دولة لدولة أخرى وهذه القانونية شرعت لاستمرار الفساد والاستيلاء على المال العام بطرق ملتوية، وطيلة عقود من تاريخ البشرية كان أكثرية الذين يديرون السلطة هم من الفاسدين أو حماة للفاسدين الذين يختفون خلف المشاريع الاقتصادية الوهمية، وعانت المجتمعات البشرية وبخاصة الفئات الفقيرة والكادحة من موظفين وأجراء ومثقفين من هذه الآفة التي فتكت وتفتك بالاقتصاد الوطني وتنهب موارد البلاد تحت طائلة مسوغات ضلالية وقد كشفت الوقائع والدراسات الكثيرة أن البلدان التي استعمرت بواسطة الاستعمار العسكري هي معرضة للفساد أكثر من غيرها وهذا لا يعني تم التخلص من الفساد في الدول الرأسمالية المستقرة نسبياً، الصناعية منها والمتوسطة، لكن طرق الفساد والتلاعب والاستيلاء على قوت المواطن تختلف في الشكل وليس المضمون، ومن هذا الجانب فقد تعرفنا على طرق غير قليلة أيضا من الفساد والاختلاسات والاستيلاء على المال العام، وتؤكد القوانين الطبيعية العامة والقوانين العادلة الأخلاقية منها بان الفساد راسخ في جسد الرأسمالية ولا يمكن التخلص منه نهائياً بسبب طبيعة هذا النظام الاستغلالي الذي دشن ومازال يدشن سرقة قوة عمل الإنسان، ومن هذا الباب الضيق تتوسع آفة الفساد والاختلاس والسرقة العلنية والقانونية التي سنها النظام الرأسمالي لتنتشر في الأنظمة الطبقية الأخرى تحت مسميات تمويهية قومية ودينية وطائفية، إلا أنها في الحقيقة يبقى هدفها الحقيقي هو الفساد المالي والأخلاقي وبدونهم لا تستطيع العيش ولا يمكن أن تتخلى عنهما مهما حاول الإصلاح العمل لإيقافه أو التخلص منهُ، إذا لم تكن هناك حكومة مخلصة ووطنية، وقاعدة شعبية لها رقابة مميزة وقوة في فرض القانون وعدم شرعية الفساد والاستغلال وسرقة قوة عمل الإنسان.

العراق هو مثال حي على ما ذكرناه في المقدمة لأنه عاش وبخاصة بعد تأسيس الدولة الحديثة مراحل من الفساد الذي كان يتميز حسب الإمكانيات التي كان البلد يتمتع بها، وقد ازداد وتضخم بعد استخراج النفط وتسويقه وما در على البلاد من أموال طائلة .

انتشر الفساد في العراق بعد الاحتلال والسقوط كما يقال في المثل كانتشار النار في الهشيم وأصبح مارداً لا يشق له غبار بعدما استفحل قولاً وفعلاً ونهب واستولى على الواردات والصادرات، وسبى الناس وزادهم بؤساً وعذاباً، فقراً وخراباً، هذا الانتشار لم يهمل أي مرفق اقتصادي واجتماعي استطاع الولوج إليه في الدولة أو المجتمع، وخص الأفندي السفير البريطاني الاقتصاد العراقي مما جعله في متناول كل فرد يزور الفيسبوك أو أي وسيلة إعلامية داخلية أم خارجية، وبهذا وغيرها من الأخبار الموثقة صنف العراق في تقرير سنوي عام (2018) لمنظمة الشفافية كونه من الدول الأكثر" فساداً في العالم وهو في المرتبة السادسة عربياً والثانية عشرة عالمياً"، ليتصور أي مرصد متابع وله معرفة بثروات العراق وما يملكه من رصيد هائل من موارد طبيعية وإمكانيات نفطية وزراعية، وملم بظروف القطاع الخاص الصناعي وثروته النفطية والغازية، ليتصور هذا المرصد وغيره الجريمة الكبرى التي اقترفت منذ أكثر من (16) عاما على سقوط النظام الدكتاتوري،  أنها جريمة لا أخلاقية اقترفت بحق هذا البلد وشعبه الذي عاش تحت نير الحكم الدكتاتوري طيلة 35 عاماً وتلتها أكثر من 16 عام عجاف، ـ كيف تدهورت الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والأمنية وفي جميع المجالات الأخرى؟، وكيف أصبح السحت والسرقة والاختلاس كأمور طبيعية يلمسها المواطن في كل مرافق الدولة والمجتمع؟ . وأصبح الموقف بشكل عام أكثر تعقيداً وبخاصة ضعف إمكانيات التصدي لهذا المورث السيئ لان أكثر الطغمة الحاكمة وأحزابها الطائفية والتابعة هي صاحبة الشأن في هذا التدهور المريع، وهو إذا ما دل على أمر يثبت رأينا السابق بأن ما قيل حول الإصلاحات أو محاربة الفساد عبارة عن هراء لن يجدي نفعاً في ظل المحاصصة الطائفية، كما يدل على مدى اتساع ليس رقعة الفساد فحسب بل مدى تغلغله في أعماق المؤسسات ومرافق الدولة، ثم فقدان الثقة بأكثرية أحزاب الإسلام السياسي وبخاصة الشيعية منها ومن يقودها، لكثر المصائب والويلات والوعود الفارغة وما حدث من النهب الذي يعد بمليارات الدولارات الراقدة في جيوب الحرامية المعروفين الظاهرين أو الباطنيين والفاسدين المكشوفين " كأعجاز القردة فوق الأشجار " وهم يتقاسمون الغنائم بينهم في نهمٍ وجشع وبلا ضمائر تحسب للفقراء والكادحين والجائعين والمحرومين حتى من ثانية أمان واطمئنان، يطاردهم في المخيمات الخوف والرعب والبرد والجوع وفقدان الثقة بالمستقبل، بينما المليارات من الدولارات والدنانير قد قسمت وأودعت في حسابات بنكية خارجية شخصية وبأسماء متفق عليها كما هي الحال عندما نهبت أموال العراق من قبل النظام الدكتاتوري السابق ووضعت تحت تصرف أولئك القتلة الذين مازالوا يسومون المواطنين العذاب والتفجير والاغتيال والاتوات والخطف والتهجير بدون أي رادع من وجدان أو ضمير وديدنهم الضحك على الذقون وسرقة قوت المواطنين بحجج شتى وبأساليب قذرة تختبئ تحت يافطات دينية وطائفية مثلما كانت تخبأ خلف يافطات قومية.

إن معالجة قضايا الفساد لا يمكن أن تقتصر على البعض من الإجراءات والقوانين غير الجذرية وتحتاج هذه العملية إلى

1 ـ تشكيل حكومة وطنية قوية ذات برنامج عملي تستمد قوتها من ثقتها بالشعب والقوى الوطنية والديمقراطية

2 ـ إنهاء المحاصة الطائفية ومنهجها وقوانينها التي سنت في فترة تواجدها والتمسك بمعايير وطنية وديمقراطية

3 ـ تشخيص مسؤولين لهم قيم أخلاقية وطنية يتمتعون بتاريخ مشرف وبالنزاهة والاستقامة لمعالجة قضايا الفساد بعيداً عن التقاسم المشين الذي مورس ضمن المحاصصة

4 ـ اختيار هيئة النزاهة بشكل كامل وابتعادها عن المحاصصة والحزبية والتكتلات السياسية وعلى أن تتمتع بالاستقلالية واتخاذ القرارات وفق معايير القوانين المعمول بها

5 ـ تشكيل هيئات التحقيق في قضايا الفساد والفاسدين على أسس قانونية، والابتعاد عن التأثيرات الحزبية، وان يتم التشكيل بشكل حيادي مستقل لتقصي الحقائق والتحري بشكل سليم عن كل من تدور حوله اتهامات بالفساد وتقديم الذين تثبت إدانتهم إلى المحاكم لإعادة الأموال التي بحوزتهم واتخاذ العقوبات القانونية الرادعة بحقهم

6 ـ الشفافية في الكشف عن الأسماء التي تدان مهما كانت مسؤولياتهم الحكومية والحزبية وبدون أي استثناءات أو علاقات تعتمد على المحسوبية والمنسوبية والطائفية والحزبية.

7 ـ التوجه الصارم للتخلص من تركة النظام الدكتاتوري السابق بما فيها إلغاء القوانين والقرارات الجائرة التي اتخذت حينها.

8 ـ لا بد من ملاحقة المختلسين واللصوص الذين استولوا على المال العام الذي أودع من في الخارج والتحقق من الأسماء التي وضعت أموال الشعب بأسمائهم أو بأسماء معينة والكشف عنها بشفافية علنية .

9 ـ الاستقرار الأمني في غاية الأهمية وسنداً قوياً لإنجاز المهمات الاقتصادية والسياسية والخدمية وهذا الأمر يقتضي في محاربة الإرهاب والتخلص منه وحل الميليشيات الطائفية المسلحة ودمج الحشد الشعبي بالقوات الوطنية المسلحة حسبما جاء في فتوى المرجع الديني الشيعي السيد علي السيستاني

10ـ إقامة علاقات طبيعية مع دول الجوار ومنع التدخل في شؤون البلاد الداخلية وعلى الحكومة العراقية عدم الانحياز في علاقاتها الخارجية ووضع حدود حول العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول التحالف ودول العالم

إن النقاط المذكورة هي مدخل لنقاط أخرى مهمة يجب الأخذ بها ووفق المعايير الوطنية والعالمية لكي تنجح الجهود الوطنية المخلصة من التخلص نهائياً من الفساد وفق مراحل زمنية ومنع انتشاره وتفشيه في المستقبل، والذين لهم دراية وإطلاع بتحارب السنين السابقة وما مر على البلاد ونهبها بطرق مختلفة في مقدمتها الحق المقدس للمسؤول الأول والمسؤولين الآخرين الذين يحيطون به ويتصرفون حسب مشيئته والادعاء بقوة إلهية أو ما تقتضي المصالح القومية والدينية والطائفية لكنها تأخذ طريقاً إلى الجيوب!، ولنا بالمثال الذي نشر مؤخراً حول الموصل من قبل هيئة النزاهة أحسن برهان حيث أكدت أن "دائرة التحقيقات في الهيئة شكلت فريقاً تحقيقيّاً عالي المستوى، للتقصِّي والتحرِّي عن معلوماتٍ حول قيام محافظ نينوى المُقال بسحب مبالغ من الأموال المُخصَّصة لإعادة الاستقرار في المحافظة"، وأوضحت لجنة النزاهة "وجود تلك المبالغ في قاصاتٍ بمبنى المحافظة خلافاً للتعليمات المحاسبيَّة والقوانين، ولم يتم إيداع تلك المبالغ في الحسابات المصرفيَّة".وإن مليارات الدنانير المخصصة لأعمار الموصل مودعة في حسابات شخصية وفي قاصات ديوان المحافظة " وفي اعتقادنا أنها تنتظر الوقت الملائم كي تأخذ طريقها للجيوب مثلما حدث لمليارات الدنانير والدولارات في مجالات النفط والكهرباء والماء وقضايا صحية وخدمية كثيرة، هذا المثال ليس هو الحالة الوحيدة على مدى اختلاف طرق الفساد والاختلاس فهناك مئات الأمثلة في جميع المرافق وفي مقدمتها، القطاع النفطي، وقضية الكهرباء والماء وما صرف عليها، وقطاع شراء السلاح والمعاملات التجارية وتوقيع العقود والبطاقة التموينية وعشرات القضايا الصحية والخدمية والتعليمية وغيرها من القطاعات الاقتصادية، وهي حسب تقصي الحقائق تعد بمئات المليارات من الدولارات التي لو (ونقول لو زرعوه!!) لتم إعادة بناء العراق بشكل كامل ووفق معايير مهمة في بناء الدول في العالم التي مرت بظروف مماثلة للعراق.

أخيرا وليس آخراً هاهو الفساد المالي والإداري الذي عم وخرب ومازال يخرب مختفياً تحت جنح فساد أخلاقي وبيافطات دينية ومذهبية طائفية وحتى بعض الأحيان " وطنية"

ـ ماذا نعمل؟ وما هو الحل؟ للتخلص من الذين لا ذمة ولا ضمير ولا أخلاق عندهم وهم يختلسون مال المواطنين الكادحين.

 

مصطفى محمد غريب

 

رائد عبيسمثلت فرصة حصول العراق على اول كرسي له وفي جامعة الكوفة عام ٢٠١٥، تجربة جديدة نحو مأسسة الحوار الوطني داخلياً، وانفتاحه على تجارب مماثلة مع دول المحيط الإقليمي والعالمي، ونقل افكار غير نمطية عن طبيعة الحوار الداخلي، ومؤهلات الاستعداد له وطنياً في المحافل الدولية، فضلاً عن تجربة كتابته وتوثيقه وارشفته، وتبديد اوهام الآخر بعد مكاشفته، ومصارحته بطبيعة المخاوف المشتركة، المتولدة من القطيعة التي خلفتها الهواجس، الغير مشروعة للعنف، والمواجهة، والاقتتال بين أبناء التنوع العراقي.

المساحة الوطنية لمشروع الكرسي، والفضاء العالمي له بكونه مرتبط بمؤسسة كونية وأممية، منحاه صبغة جديدة للحوار غير التقليدي المشجع لكل الأطراف أن تخوض غمارة وتسمع الأفكار النقدية المشخصة لكل مشاكل العراق المحلية والإقليمية والدولية، الصادرة من نشاطاته العلمية عبر الندوات، والورش، والمحاضرات والكتابات، فلها صفة الجدية والعلمية غير ما اعتيد عليه أطراف الصراع، عند جلوسهم على طاولات مستديرة، أو بيضوية، أو باجتماعات أبروتوكولية، كالتي يتبناها الساسة، وهذه توضح عمق الفارق بين متبنيات السياسة من الحوار، ومتبنيات المعرفة ودورها في التشخيص والحل، روح الشفافية النابعة من العلم والمعرفة في تحليل الاشياء وتقييمها، يمنحاها مشروعية القبول اكبر من اي حوار من اي دائرة كانت، وهذا هو الفارق الذي حققه كرسي اليونسكو للحوار في جامعتنا وطموحه للانفتاح وطنياً وتوسيع فضاءه لكشف زرقته التي غطاها دخان الحروب ولبدته غيوم الكراهية، كان هذا عبر جملة من المفاهيم والأفكار كموضوع السلم الأهالي والعنف والإبادة وخطاب الطائفية والتسامح وإمكانياته في المجتمع العراقي، بكونه مجتمع متنوع بكل أنماط التنوع الديني، والثقافي، والعرقي، والقومي، ومكونات هذا التنوع المتعايشة منذ أمد بعيد، ولكن أحدثت السياسات الكابتة والقامعة لها، ردود أفعال متناقضة، لاسيما بعد أن انفتح فضاءها بعد التغيير نحو طموحات كبرى، منهم من فكر بالانفصال، ومنهم من هاجر، ومنهم من لديه طموحات الأقلمة، وطموحات سياسية اخرى، اتسعت بعد أجواء الديمقراطية المتاحة التي نالوها بعد عهد الديكتاتورية. هذه المشكلات التي ظهرت لم تتمكن المؤسسات السياسية من احتواءها على الرغم من نظام المحاصصة، وسياسة المراضاة، وغيرها من الإمتيازات التي حصلت عليها هذه الأطراف، وهذه الحلول بالنسبة للمراقب والمتفحص للشأن العراقي،  هي حلول ترقيعية فشلت في تحقيق اطمئنان تام عند هذه المكونات، والسبب في ذلك هو أن المراضاة السياسية غير المراضاة المجتمعية التي تحتاج إلى استثمار قيم التسامح والتعايش التي كانت سائدة،  بروح جديدة تعبر عن الرغبة بالاحتضان الوطني لكل المكونات، وهذا من وجهة نظرنا يحتاج جهود أكاديمية وبحثية تدرس الظاهرة و تشخصها، وتحاول مأسسة الحوار بينها، لتثبت حسن النوايا الوطنية لاحتواء الكل بفضاء وطني جامع، فجاءت جهود كرسي اليونسكو للحوار ومبادراته لتعضد ذلك الطموح، وترسم خريطة التفاعل بين هذه المكونات وأطيافه المجتمع العراقي، عبر ندوات مشتركة، وابحاث، ودراسات واستكتابات، وفعاليات أخرى، كانت قد فتحت بها باب التعريف بالهوية الوطنية، بطريقة مختلفة، ونفست عن ذلك الكبت، بأثارة صريحة لكل مشكلات الواقع العراقي لأجل تخطيها، إتجاه السلم المجتمعي والتصالح التذاوتي، اذاً كيف نستثمر قيم التسامح الاجتماعي في بناء الدولة؟ وكيف نشخيص أثر العنف الاجتماعي في إنتاج العنف السياسي؟ وكيف نشخص القصديات في تعزيز الاختلاف لتبديد التسامح من قبل أطراف داخلية وخارجية تحاول أن تهدد السلم في المجتمع العراقي؟

هذه التساؤلات الأخيرة تدعونا إلى توفير الإجابة عن سؤال أكثر أهمية،  هو كيف نُستثمر كل التجارب المتاحة التي تنتج عن كرسي اليونسكو في توسعة الفضاء الوطني إلى تجارب جديدة، تشخص، وتعالج وتضع الحلول لكل مشكلات الواقع العراقي؟ لأجل الانفتاح على المجتمع والاقتراب من همومه وطموحه، وتجاوز النرجسية النخبوية القابعة خلف يوتوبيا الأمل الذي نبغاه بدول عمل!

 

دكتور رائد عبيس

 

صادق السامرائيلماذا توحلت الأجيال العربية في إرادتها، وإختنقت بتطلعاتها، وإندحرت في أهدافها، وقتلوها بما تريد، وأجهضوا أحلامها، وإنطمرت في مساعيها، فانقلب كل شيئ عليها، فاندفنت في ويلاتها وتداعياتها المتواصلة البلاء.

قد نجتهد بأجوبة متنوعة ورؤى متعددة، لكن الجوهر الحقيقي والفعال أن الأجيال وكأنها في سيارة زجاجتها الأمامية عبارة عن لوح خشبي أو حديدي لا ترى خلاله ما هو أمامها، فتستعين بالمرايا الخفية والجانبية في سيرها.

نعم إن الأجيال مضت على أنها لا ترى أمامها، وإنما تتعلق عيونها في المرايا التي تعكس لها ما هو خلفها، فتتوهم أنها تسير وما هي إلى تتحرك إلى الخلف بسرعة تتوافق وقدراتها على قيادة السيارة تراجعيا، حتى صارت هذه الحركة الإنحدارية توهم بالحركة إلى الأمام.

ولا تزال الأجيال تعارض أية محاولة لتحطيم اللوح الأمامي أو إحداث ثقب فيه لكي ترى ما هو أمامها، أو ليتضح الطريق الذي عليها أن تسلك لكي تكون، مما يعني أن الأجيال في محنة وجودية مصيرية قاهرة، فلا يمكنها أن تسير كغيرها لأنها لا ترى ما أمامها، وأنظارها متعلقة بما وراءها، حتى إضطربت حواسها وقدراتها على التقدير والتبصر، فبدت وكأنها تتخبط في مصيرها المجهول، وتنجذب إلى ما ورائها من الحالات.

وهذا يفسر إنشغال الأجيال بتعاقبها بما مضى وما إنقضى، لأنها تبدو وكأنها لا ترى سوى الذي يتراكم وراءها، ويتعاظم في مأساويته وعدوانيته على حاضرها ومستقبلها، وإن شئت فالأجيال معصوبة العيون منحرفة البصائر، متدحرجة بلا خطوات بل تعصف في كيانها الهفوات.

إن الإنغماس بالورائية يترتب عليه برمجة تراجعية وإندحارية للوعي والتصور الجمعي، مما يوفر بيئة موائمة للحركات الرجعية الأصولية المنغمسة في الغابرات والممعنة بالداميات، التي تسوغها بما إحتوته كتب الأولين من رؤى محكومة بمعارف محدودة بمكانها وزمانها.

وعلى هذا فأن الأجيال قد أضلت سبيلها وراحت تسير إلى الوراء وتحسب أنها تمشي في دروب الحياة، وفي واقعها أنها تهرب من الحياة وتعيش في باليات العصور، مما حتم عليها التعبير عن ذلك بما تحشد به أيامها وترسمه في عالم يدور، وهي تحسب أنها لا تدور أو تدور عكس إتجاه عقارب الساعة.

فهل سنتمكن من الإعتماد على عيوننا وبصائرنا المعاصرة؟!!

 

د. صادق السامرائي