ابراهيم ابوعتيلهفوجئت كما فوجئ الكثيرون من الفلسطينيين والعرب بصدور كتاب في منطقة أوسلوستان بالضفة الغربية بعنوان "رئيسنا قدوتنا"، ولم يتوقف الأمر عندي على المفاجأة، بل تعداه إلى الصعقة التي أصابت عمق القضية الفلسطينية، حيث يحاولون في سلطة "أوسلوستان" المتهالكة تدريس هذا الكتاب في مدارس الحكم الذاتي الأوسلوي تحقيقاً للمزيد من غسل الدماغ والتجهيل والتخاذل، ورهانهم هنا ينصب على توجيه الجيل القادم لنسيان فلسطين المعروفة بخارطتها التاريخية من النهر إلى البحر ومن الناقورة إلى أم الرشراش خدمة لنبوءة بن غوريون بأن الجيل القادم سينسى ...

لقد تابعنا ومنذ ما يقارب الخمسين عاماً، تنازلات مستمرة من قبل من يدعون بشرعية ووحدانية تمثيلهم للشعب الفلسطيني، ومنذ أن اقترح نايف حواتمة برنامج النقاط العشر أو ما اصطلح على تسميته ب " البرنامج المرحلي " سنة 1972، والذي تم اعتماده مما يسمى " منظمة التحرير الفلسطينية " سنة 1974 " وما تبع ذلك من تغييرات دراماتيكية شملت اللعبة التي مارسها عرفات مع فيليب حبيب بالخروج من لبنان سنة 1982، إلى إعلان دولة واستقلال وهمي سنة 1988 بهدف تسمية رئيس منظمة التحرير باسم رئيس الدولة حتى لو كانت تلك الدولة غير موجودة .

نعم، تابعنا كل ذلك وصولاً إلى أكبر نكبة في تاريخ القضية الفلسطينية والمتمثلة بتوقيع اتفاقية أوسلو وما انبثق عنها من بروتوكولات وتنسيق أمني مذل للشعب الفلسطيني وتعاون مطلق مع العدو الصهيوني تمارسه قيادة مشكوك بولائها وانتمائها لفلسطين، قيادة تراجعت وعدلت وتبرأت من مبرر وجود المنظمة التي يمثلون حين قاموا بإلغاء وتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني متنازلين بذلك عن 78 % من أرض فلسطين التاريخية التي نص على تحريرها بالمقاومة المسلحة الميثاق الوطني الفلسطيني والتي أخذت تلك المنظمة شرعيتها ومبرر وجودها منه ومن أجل تبنيه والعمل به ...

وبعد ربع قرن ونيف من توقيع اتفاقية أوسلو المشؤومة والتي قدمت فيها تلك السلطة التي ولدت بموجبها خدمات لم يكن العدو لينتظرها يوماً من أي فلسطيني، وبعد أن مارست تلك السلطة كل أعمال التضييق على الشعب الفلسطيني ومناضليه وأفشلت بوسائلها الدنيئة مئات العمليات ضد العدو الصهيوني المحتل لفلسطين كي يتكرم عليهم العدو بمنحهم دولة مسخة تحت شعار حل الدولتين ... وفشل كل ذلك.. فتسرطن الاستيطان وابتلغ مساحات واسعة من الضفة الغربية فيما وصل عدد المستعمرين في الضفة ما يتجاوز 750 ألف مستعمر.. وبعد ذلك قامت أمريكا بمكافئة تلك السلطة المستسلمة بأن اعترفت بالقدس عاصمة لكيان العدو الصهيوني ... وما زالوا يقولون بأن " الحياة مفاوضات " .... ويسعون للعودة إلى طاولة المفاوضات، وينادون بشرعية دولية كانت بالأساس سلاحاً وأساساً لخلق كيان العدو والاعتراف به فيما تنصلت من تطبيق أي قرار لإنشاء دولة للفلسطينيين كما جاء في قرار التقسيم لسنة 1947 أو لضمان عودة اللاجئين وفقاً للقرار الأممي 194 ...

وبعد كل ما تحقق من انتكاسات وتنازلات وهزائم وتعاون مستمر مع العدو ... يخرجون علينا بذلك الكتاب " رئيسنا قدوتنا "، فعن أي قدوة يتحدثون، وكيف يكون قدوة من تخلى عن 78 % من وطنه، وكيف يكون قدوة من ضيق على شعبه وحرمهم من أبسط الحقوق التي كفلتها كل المواثيق والشرائع وهو حق المقاومة، وكيف يكون قدوة من حاصر شعبه في غزة وضيق عليهم وسخر من صواريخهم ومقاومتهم، وكيف يكون قدوة من تنازل عن حق عودة غالبية الشعب الذي يدعي تمثيله، وما هو موقف اللاجئ الفلسطيني الذي جرده ذلك " القدوة " من حقه في أرضه أولاً ومن عودته إليها ثانياً، وما هو موقف اللاجئ الفلسطيني صاحب الحق الشرعي بارض فلسطين أمام أبنائه وأمام التاريخ بأنه سيقتدي بمن جرده من وطنيته بعد أن جرده من وطنه، فلا وطنية بلا وطن تنتمي إليه .. فهل من جواب؟؟؟

ربما وربما تتمثل الإجابة بأنه قدوة ... ولكن لمن؟ إنه قدوة لحفنة من المتكسبين من الوضع القائم ومن الذين يملكون بطاقات ال في. آي. بي ومن أصبحوا بقدرته وزراء يتفاخرون بتنازلهم عن 80% من فلسطين وبقولهم " قد تكون غزة المكان الأوسخ والأسوأ في العالم " .

 

إبراهيم ابوعتيله – الأردن

 

عبد الخالق الفلاحان الحروب الاعلامية الامريكية التي تقوم بها هنا وهناك انما هي انعكاسات لواقع تدخلاتها في العديد من الدول مثل فنزويلا وتصريحات وزير خارجيتها بومبيو في احتمال التدخل العسكري اصبح وارداً والتهديد للجمهورية الاسلامية الايرانية واتهامها بدعم الارهاب ولا شك ان مثل هذه التصرفات تؤدي بالضرر على كل القيم الانسانية وخلاف لكل القوانيين والقرارات الدولية وتزيد من الازمات التي ابتليت بها الكثير من هذه العواصم واخرها التفجيرات الاخيرة التي حدثت في الفجيرة (الامارات) لتزيد النار حطباً والتي لاشك تقف ورائها المخابرات الاسرائيلية والامريكية (نقطة من بحر التهديدات المسطنعة)  من اجل اشعال نار الفتنة في المنطقة وتوجه الاتهامات لبعض الدول فيها والتواجد الحربي من سفن وخواصات وناقلات طائرات الامريكية وتحرشاتها تجعل العالم على حافة حرب وتجرالى الهاوية والويلات اذا ما  صارت حقيقة.

الواقع أن الإدارة الأمريكية الحالية تحاول تمرير ما أمكنها من قرارات عبر الضغط على دول الاتحاد الأوروبي وتهديد هذه الدول بالعقوبات، تلوالعقوبات وحتى الصين التي دخلت معها في صراع الماليات والضرائب على الواردات والتي تبلغ 300 الف مليار دولار ومحاولات التراضي رغم المحادثات المستمر بين الطرفين التي لم تصل الى نتيجة حتمية  وروسيا ايضاً لم تنجوى منها ولكن لم تستطيع  واشنطن الى هذه اللحظة قلب الموازين لمصلحتها لا عبر الأزمة السورية ولا التدخل في الشأن العراقي واللبناني ولا حتى في الداخل الفلسطيني الذي أثبت تلاحماً منقطع النظير عندما تشتد الازمات مع الكيان الصهيوني. وقد اتخذت الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة دونالد ترامب الكثير من القرارات المجحفة بحق الشعوب المختلفة ومنها المسلمة وبالذات الشعب الفلسطيني والاعتراف بالقدس كعاصمة للكيان رغم ان القرار لم يجد اي مطاوعة من البلدان الاخرى لانه خلاف قرارات الامم المتحدة ومجلس الامن الدوليين ولم تؤتِ أوكلها كما هو مخطط له ويعود الفضل في ذلك إلى تضافر الجهود الاقليمية وتعاون قيادات المقاومة وشعوب المنطقة لإحباط مثل هذه المشاريع .

لقد فشل الأمریكیون فی كل محاولاتهم وفي اكثر من موقع وخلال عدة مؤتمرات مثل وارسو، فالمؤتمر الذي استمرر ليومين أخرج الانقسامات الى العلن، إذ قرر حلفاء أميركا الأوروبيون المشاركة بمستوى تمثيلي متدنٍ وسط عدم ارتياح من الدعوات الصارمة التي وجهها الرئيس دونالد ترامب لخنق الاقتصاد الإيراني. مما اغاض البيت الابيض بحق ومنیوا بالهزیمة في ذلك الاجتماع، الذی حاولوا من خلاله الضغط على إیران للخضوع لاراداتهم بالمواجهة الشكلية الحالية. بعد اعلان اكثر الدول بقائهم فی الاتفاق النووی ورغبتهم بعلاقات اقتصادیة وسیاسیة مع إیران. ما يعني فشل تمرير القرارات ويدل على أن قدرة واشنطن على التأثير وإن كانت ليست قوية كما كانت في بعض الامور ولم تعد قادرة على إجبار العديد من الدول حتى الحليفة منها على تمرير مثل هذه القرارات ولاسيما في منطقة الشرق الأوسط التي ذاقت أغلبية دوله مرارة تصرفاتها الغير صائبة والمتهورة .

ان اي إفرازات خطيرة تؤدي الى رفع منسوب العداء بين ايران والولايات المتحدة في حالات كهذه فإيران لن تكف قط عن الدفاع عن مصالحها الوطنية ولن تقف مكتوفة الأيدي مقابل ما يخطط له اولئك .ولكن لماذا تخفي واشنطن حقيقة ابعاد الارهاب عن المنطقة، كون لايران الدور المهم والاساسي فية. رغم ان الامر ليس أمرا جديدا يمكن انكاره من قبل احد وعن اعتراف الإدارة الأمريكية وبلسان المسؤولين الأمريكيين وإقرارهم خلال لقاءاتهم بالجهات الدبلوماسية الاخرى  بأن الدعم الإيراني هو الذي أنقذ العاصمة بغداد وأربيل الذي تحدث عنها الرئيس مسعود البارزاني من السقوط بيد تنظيم "داعش" الإرهابي. هذا يعني  بالدور الكبير للجمهورية الإسلامية في إيران بمحاربة الإرهاب وحماية جيرانها والعالم من انتشاره ولقد كانت الدور الذي لعبه أحد كبار قادة الحرس الثوري وهو الجنرال قاسم سليماني وبعض القادة الاخرين للحشد الشعبي .في تقديم المشورة وتقديم مساعدات كبيرة في هذا الشأن حيث ساهمت هذه الخطوات في طرد هذه المجموعات من المناطق التي سيطرة عليها .

ولاسيما الاعتراف في زمن إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب ومساعديه الحاليين، سواء مستشار الأمن القومي جون بولتون أو وزير الخارجية مايك بومبيو، وبعض مستشاريه الآخرين ينكرون علنا ويعترفون سرا أو بينهم واطراف أخرى. باعتراف صريح من قبل  السفير الإيطالي السابق في بغداد ماركو كارنيلوس، (سبوتنيك 2019/04/21) .ما يتضح بعد كل هذه الاعترافات: رضوخ واشنطن لإسرائيل واللوبيات الإسرائيلية حيث تكشف الأمور أنها على هذا النحو منذ وصول الرئيس دونالد ترامب  وادارته لرئاسة السلطة . وعلينا ان نقول بأن اوروبا وأمريكا إن كانت لهما رغبة في التعاون الاقليمي مع ايران لحفظ امن المنطقة التي لا بد ان تمر بها يتوجب عليهما إحترام حق السيادة الايرانية وفهم هواجس ايران الأمنية المشروعة وإحترام العقيدة الدفاعية لهذا البلد. كما يتوجب عليهما خلق توازن في القوة بين ايران والسعودية بدلاً من صب الزيت على النار وتوسيع مدى العداء بينهما ورفع مستوى التنافس التسليحي في المنطقة.

 

عبد الخالق الفلاح - كاتب واعلامي

 

حسن حاتم المذكور1- هيفاء الأمين، تم حصادها في موسم التسقيط.. لم تكن مخطِئة، لكنها أخطأت بأعتذارها عن هفوة لم ترتكبها، كانت في مداخلتها مرتبكة، أرادت ان تشير الى ازدهار (كردستان!!) فقارنت معه تخلف الجنوب، ونست ان ازدهار كردستانها، جاء بثروات مسروقة من الجنوب، فوقعت في المأزق، كأحدى مشتريات مسعود البرزاني، اتفق معها، ان محافظات الجنوب متخلفة، من حيث الخدمات وحجم البطالة وكارثة اليتم والترمل، يسبقها الجهل والفقر والأنهيارات الصحية، وليس آخرها العواصف الشرقية للتخريف والشعوذات والمخدرات، وحوانيت التلوث الجنسي، والأنتشار المخيف لشرائع الموتى، ومليشيات سائبة تفترس الشوارع، لكنه (الجنوب)، متحفزاً على جرف المتغيرات، الوطنية والأنسانية منذ آلاف السنين، ولا يمكن مقارنتة بمهربي أربيل، كما حاولت السيدة هيفاء.

2 - هيفاء لم ترتكب خطأً او هفوة، انها اقتربت من الحقيقة في حديثها، لكن نقطة ضعفها كانت سياسية، كيسارية اسلامية التحديث، في واقع شديد التعقيد، ونست انها تحت أبط كتلة (سائرون) الأسلامية، ولا تستطيع ان تقنع أبناء الجنوب، ولا حتى حزبها ونفسها، ان لينين انبعث معمماً وماركس كان زيتوني، وعمال العالم لا ولن يتحدوا تحت خيمة الفاسدين، ولا مسعود يبيض لها "وطن حر وشعب سعيد" اتفق معها ان مجتمع الجنوب مسروقاً مخدوعاً مغيباً وبائساً، لكن من يقف خلف مقتدى الصدر خاشعاً متنافقاً، هو الأكثر افلاساً وتخلفاً، هيفاء الأمين ضحية نفسها وحزبها، وفريسة  موسم حصاد السمعة، نرجو ألا تندهش، انها تحت خيمة سائرون، وعضوة في مجلس (الطراطير) متأسلمة على ارض، كفرت بفساد المتأسلمين.

3 - الجنوب ليس متخلفاً بذاته، بل فَرَضت عليه التخلف، مراجع استبغلت دين الله ومذهب أهل البيت، وعبرت على ظهر الملايين وكسرته، ثم سلطت على فقرائه دافعي الخمس، من احزاب ورؤساء عشائر، والخمس حالة فساد مشرعن، كما ان الأديان والمذاهب والشرائع، خرجت من رحم السياسة والأقتصاد، لا فرق فيها بين داعش وهابي وداعش سني وداعش شيعي، جميعم يستخرجون مبررات سلطتهم وفسادهم وارهابهم من كتاب واحد، اما مقارنة مجتمع الجنوب بكردستان!!، فيجب ان تكون معكوسة، بعد ثورة تموز 1958 الوطنية، ازدهر الجنوب، بالعلم والفنون والطاقات الأبداعية، ومراكز مكافحة الأمية، والتنظيمات المهنية، والممارسات الديمقراطية، بينما الأكراد حملوا السلاح خلف مصطفى برزاني، ليقاتلوا الثورة ومشروعها الوطني، بالضد من مصالحهم الطبقية، ولا زالوا يطاردون العراق خلف مسعود برزاني.

4 - احتدم الخلاف، بين مؤيد او معارض، لما قالته  هيفاء الأمين، حول الجنوب رغم سطحيته، ونسى أغلبهم، انها تعود لكتلة سائرون، وان العقيد مقتدى الصدر رمزها وقائدها، موقعها هذا يجب ان لا يثير اهتمام بنات وابناء الجنوب، سواء ان تحدثت عنهم سلباً او ايجاباً، فهي على الجانب الرسمي في مواجهات الوعي، وبعد ان خرجت من ذاكرة الجنوب، عليها ان تستدير اذا ارادت التحدث حوله، على الأخوات والأخوة، واعني الوطنيين، ان يحترموا الوقت، فالواقع العراقي تغلي في قدره كل الأحتمالات، دعوا هيفاء وشأنها، فلها كتل شيعية وكردية تحميها، واهتموا بأدواركم الوطنية.

 

حسن حاتم المذكور

 

علي عليحين قال برناردشو: “الموت والحياة سيان” رد عليه أحدهم: “لماذا لاتقتل نفسك إذن؟” فأجاب شو: “أنا لم أقل الموت

أفضل من الحياة”.

رحم الله مولانا برناردشو، وكثر ألله أمثاله في عراقنا، لعل تكرار الأقوال يحدث تغييرا باتجاه ما، وقد قيل سابقا: “كثر

الدگ يفك اللحيم”.

أسوق ديباجتي هذي عن الموت والحياة توطئة لعرض ردود أفعال قام بها سابقون إزاء ظرف مروا به، وقد انحسرت الخيارات أمامهم او انعدمت تماما، كما قال ابو فراس الحمداني:

وقال أصيحابي الفرار أو الردى

فقلت هما أمران أحلاهما مر

يطلعنا سفر التأريخ عن قصص وحكايات كثيرة، حول تصرفات رؤساء وقادة ومسؤولين أخفقوا في مهامهم المنوطة بهم لأسباب عديدة، وقطعا روى لنا التأريخ كيف كانت ردود أفعالهم إزاء إخفاقاتهم تلك، فمن تلك الردود برزت ثلاثة كانت الأكثر انتشارا هي؛ الاستقالة، الانسحاب، الانتحار. حتى باتت هذه المفردات -او إحداها- الحدث الأهم في صفحات سجل المسؤولين المهني في أوساط المجتمعات كافة، لاسيما من تبوأوا مناصب عليا فيها، وعلى وجه الدقة؛ قائد عسكري، وزير، رئيس وزراء وكذلك رئيس جمهورية.

فعن مفردة الاستقالة أذكرعلى سبيل المثال لاالحصر حدثا في روسيا، إذ قدم وزير الدفاع أناتولي سيرديوکوف استقالته والسبب هو صلة القربى الوثيقة بينه وبين رئيس الوزراء الجديد، حيث أن الأول صهر الثاني.

وفي اليابان استقال وزير النقل نارياكى ناكاياما بعد أربعة أيام فقط من تعيينه وزيرا للأراضي والبنية التحتية والنقل والسياحة، والسبب خطأ في التصريحات.

أما وزير تجارتها يوشيو هاتشيرو فقد قدم هو الآخر استقالته بعد اسبوع من تسنمه منصبه إثر مطالبات بتنحيه عنه، والسبب هو مزاحه مع مراسل وكالة أنباء حاوره بشأن التسرب الإشعاعي في محطة فوكوشيما النووية التي تعرضت لموجة تسونامي.

ويبقى حديثي في الشأن الياباني، فهذا سيجي ميهارا وزير الخارجية قدم استقالته بعد مضي ستة أشهر فقط على تسنمه مهام منصبه، لخرقه القانون الياباني بقبوله هبة مالية بقيمة 450 يورو كدعم سياسي من أجنبي.

أما عن مفردة الانسحاب، فالتاريخ يروي ان الانسحاب يشمل مناصب أخرى قد تكون أقل أهمية تصل الى حد التعامل البسيط بين أفراد المجتمع، فضلا عن انسحابات الجيوش في التحشدات والمعسكرات والحروب التي تدعى انسحابا تكتيكيا.

من هذا كله نستدل على ان الانسحاب والاستقالة عمل مشروع، ولا شائبة على من ينسحب من منصب او موقع او مشاركة، لطالما نيته في ذلك سليمة، لا يضمر خلفها دسيسة لمستقبل الأيام يحفر فيها حفرة لأخيه الإنسان. لكن الذي يحدث اليوم في عراقنا هو عدم تطبيق مفردة الاستقالة في موقعها الذي يتحتم على المسؤول القيام به، فيما نرى أن لمفردة الانسحاب أهمية كبرى وحضورا أكبر، ولمن يتابع جلسات مجلس نوابنا في دوراته الأربع في مراحل سير العملية السياسية، يلمس حتما كثرة الانسحابات سواء على مستوى الأفراد أم الكتل! فهل يعلم ساستنا أن العملية السياسية ليست مقامرة في صالة روليت، ولارهانا في سباق خيول، كما أنها ليست مسابقة لرياضة المشي او الجري، كذلك هي ليست لعبة “ختيلان” او “توكي”. ففي هذه الفعاليات يصح الانسحاب في أية مرحلة من مراحلها، ولاجناح على المنسحب ولاإثم على المتنازل ولاهم يحزنون ولايفرحون.

أرى أن سياسة الانسحاب في مفهوم قادتنا وساستنا، محصورة في زاوية الخلاف على المآرب والغنائم الخاصة والفئوية، وما يؤكد ما أنا ذاهب فيه في رأيي هذا، هو كثرة إعلان بعض الكتل والشخصيات المشاركة في العملية السياسية انسحابها من جلسات مجالس الدولة بين الحين والآخر، ولو تمحصنا الأسباب الموضوعية وتفحصنا الذرائع والمسوغات لإعلانها الانسحاب، لتوصلنا الى يقين مؤكد أن الدافع الأول والأخير هو المصلحة الشخصية والفئوية لاغير، أما مصلحة البلاد والعباد فكما قال ابو فراس الحمداني؛ (إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر).

كما أن الهدف من الانسحاب ليس (شريفا) إنما هو ادخال العملية برمتها في مطبات تعيق تحقيق الاستقرار في العراق.

بقي من ردود الأفعال الثلاثة -بعد الاستقالة والانسحاب- الانتحار، وهناك كثير من الشواهد والقصص عن قادة ومسؤولين أقدموا عليه، ولكن لا أظننا سنسمع يوما أن أحدا من ساستنا يقدم عليه بعد إخفاقه في أداء عمله، فيكفيه ماجناه من صفقات وأرباح خلال فترة تبوئه منصبه، ليعيش بها حياة رغيدة داخل العراق أو خارجه، أما الانتحار فهو من نصيب المواطن الذي يئس من عراقه وحكامه حد القنوط.

 

علي علي

 

الآفات الاجتماعية والسياسية بشتى انواعها وتفاصيلها هي جميع السلوكيات والتصرفات الخاطئة  الضارة في المجتمع، والتي تقوم بها فئة ضالة من الناس، والتي تعمل على نشر الظواهر من الفساد والسلوكيات والممارسات الخاطئة او القيام بنشرالعداوة والبغضاء واشاعة الظلم والجهل بين أفراد المجتمع، وبالتالي يصبح المجتمع متراجعا اخلاقيا وثقافيا وحضاريا ويكون ضعيفاً ومفككاً وخالياً من أي مظهر من مظاهر القوة والترابط والتماسك بين جميع أفراده، والتي تعمل على حماية هذا المجتمع من أي خطر قد يتعرض له؛

شبه الرسول محمد (ص) علاقة أفراد المجتمع فيما بينهم بأنهم كالجسد الواحِد الذي تتكامل أعضاؤه معا  وتساعد بعضها البعض، وتقف إلى جانب بعضها البعض عند إصابة أحدهم بالمرض أو الاختلال في سبيل المحافظة على عمل الجسد؛ فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى.

بعد أن جاء الإسلام وانتشر في جميع بقاع الأرض، وضع قواعد وأسساً سليمة، يقوم بها ويطبقها جميع أفراد المجتمع، فهو دين شامل لجميع القضايا والمسائل التي تتعلق في جميع جوانب حياة الفرد، فقام بوضع حلول وعلاج لجميع الآفات الاجتماعية التي كانت موجودة قبل الإسلام وبقيت ممتدة إلى يومنا هذا، فهو لم يترك مسألة إلا ووضع حلاً جذرياً لها،

ومع زيادة حجم المجتمع ودخول الأجناس والأعراق المختلفة والتواصل الثقافي ومشاكل الحروب وتداعياتها في المنطقة ظهرت بعض السلوكيات غير الجيدة التي سببت الكثير من الأضرار للشخص الذي يتبعها وللمجتمع المحيط، ؛ لأنّها مثل الآفة تسبب الضرر الكبير في نسيج المجتمع على كافة المستويات

تختلف الآفات الاجتماعية المتنشرة في مجتمع معين عن مجتمع أخر باختلاف توجهات الأفراد والعادات السائدة  والظروف المحيطة في ذلك المجتمع، كما أن للتطور الحضاري دور كبير في وجود هذا الاختلاف، ولكن في عصرنا الحالي وبسبب التطور التكنولوجي الكبير أصبح العالم بأسرة مكون من مجتمع واحد تقريباً فأصبحت الأفات مشتركة في كل المجتمعات مع وجود بعض الفروقات التي تسببها المعتقدات الدينية والأفكار المختلفة.

ومن ضروة اخلاقية واجتماعية ودينية ملحة خاطب السيد مقتدى الصدر انصاره وخصومه والشعب العراقي عامة موجها لهم رسائل في غاية الاهمية تحمل في طياتها جوانب عديدة من افات العصر المجتمعي التي تشكلت كدوائر وظواهر سلبية نتيجة انفتاح المجتمع العراقي على العالم واتساع الرقعة العنكبوتية الالكترونية  من دون حسيب او رقيب وبلا ضوابط وقوانين رادعة تراعي اخلاق المجتمعات وعاداتهم والتي اثرت سلبا على الكثير من الناس من حيث المفاهيم والدين والأخلاق والمبادئ والسلوك العام امام ضعف الخطاب الديني وقوة تأثيره وامام حجم المغريات الكبيرة بشتى انواعها تجاه المواطن والظاهرة الطائفية السياسية المتسيدة على المشهد السياسي والفساد الإداري العام الذي يهدد مؤسسات الدولة وازدهار العراق وتقدمه

مشاكل كثيرة ومعوقات عديدة وقرارات خطيرة في مواجهة الدولة العراقية المليئة بالازمات والمشكلات في كافة المجالات

تحتاج الى رؤية منهجية وطنية ثاقبة باطار وطني كبير تتظافر فيه جهود العراقيين وقياداتهم ومرجعياتهم

ان اطروحات الزعيم مقتدى الصدر الذي يراه خصومه غريبا عن معتقداتهم الخاطئة ونهجهم الطائفي المنفعي وفسادهم السياسي بعيدة عن مسامعهم الصماء وبعيدة عن مسارات خطوطهم في الاعتلاء وحب السلطة على حساب فقراء الشعب العراقي الذي تسلطوا عليه

والذي خاطبهم مرارا وتكرارا بلا جدوى  والرسائل والارشادات والنصائح الأخلاقية والدينية والمجتمعية  واعتماد لغة التسامح على كافة المستويات لم تقتصر على هذا الاساس من النصيحة والارشاد بل وضعت حلولا ناجعة لابرز مشكلات المجتمع العراقي اجتماعيا وسياسيا واداريا؛ بل وتعدت البعد الداخلي وانقضت على مضاجع  وعروش الفاسدين والظالمين

وهنا التساؤل الذي يطرح نفسه! هل ستؤدي النخب والمؤسسات والجهات التابعة للتيار الصدري او غيره فاعليتها في ميدان التطبيق الميداني ؟  او تكون حريصة على تطبيق محتوى تلك الرسائل الابوية التي تصب في خدمة المجتمع العراقي ؟ في اعداد الورش الخاصة او ترجمة تلك الرسائل ووضعها في حيز التطبيق وما تحتاجه من قرارات وقوانين وتفعيل إجراءات مناسبة  واعداد خطط ضرورية لإنجاح مشروع الاصلاح الوطني وخصوصا اذ تحدد في عدة نقاط جوهرية ويمكن تطبيقها في عدة مجالات اجتماعية وخدمية وثقافية وامنية واقتصادية

هل ياترى يقوم الدور البرلماني الشريف في متابعة مطاليب الشعب العراقي وتطبيق رسائل السيد مقتدى الصدر التي فيها الحلول الجذرية في رفع معاناة الشعب العراقي وتطور المجتمع وتقدمه وازدهاره ،.في ظل وعود اصلاحات غائبة للحكومة العراقية وبرلمانها المنتخب . ام سيبقى السيد مقتدى الصدر غريبا على ارض االسواد  يواجه اعتى الطغاة والظالمين؟

 

يوسف رشيد الزهيري

 

رائد عبيسيمثل الإعلام نقطة تحول في وعي كل المجتمعات البشرية، لما له من أثر التحكم بقناعات العامة، وتشكيل نمط من القبول، عند مجتمع مختلف التوجهات والانتماءات، وهذا يحتاج إلى سياسة إعلامية محكمة، في توجيه برامجها واجنداتها،والا تنتهي إلى فشل، كحال كثير من وسائل الإعلام التي تأسست وتلاشت،بسبب الافلاس، والتقاطعات الأيديولوجية، أو التفاهمات السياسية، ومصير وسائل الإعلام فيها. كحالها في العراق الذي انتقل من نمط موحد، ونسقي, في منظومته الإعلامية الى بلد تتنوع به وسائل الإعلام، بكل أشكالها ومنافذها، الورقية، والإلكترونية، والمسموعة، والمشاهدة وصولا إلى منصات إعلامية، شبه مجانية كبرامج التواصل الإجتماعي, وتطبيقاتها، هذا التنوع شتت الاهتمام بوسيلة محددة من وسائل الإعلام، وفتح الباب على مصراعيه أمام ذائقة المتلقي، فنجد هناك ثلاث أصناف من المقيدين، بتوجيه وسائل الإعلام من الجمهور والتي تختزل وسائل الإعلام برامجها بهم، بكونهم أصناف مستهدفة لمادتها الاعلامية. وهم ؛ الجمهور المستجب، والجمهور الرافض، والجمهور الخام، الاستجابة الجماعية، لتأثير وسائل الإعلام، يأتي نتيجة عوامل كثيرة، أولها الجهل بطبيعة الأجندات، المحاكاة الخادعة لواقعهم، أو التعبير عن مشاكلهم بطريقة تبكيهم، وهذا الجمهور ينساق وراء عواطف المادة الإعلامية التي تُعد لهم، لتوهمهم أنها قريبة منهم ومن طموحهم، واحيانا الجمهور يرفض تسخير وسائل الإعلام لحاجاتهم ومشاكلهم، لا سيما بعد كشفه أجنداتها، وبرامجها المرتبطة بالخارج، أو بالداخل المختلفة مع العملية السياسية، أو الطائفية، أو الاجتماعية، ونموذج هذا الجمهور عادة ما يتقاطع مع وسائل الإعلام هذه،كما حدث مع فضائيات، مثل الجزيرة والبغدادية وغيرها من وسائل الإعلام التي كانت ضد العملية السياسية، أو تحاول أن ترسخ الطائفية بالمجتمع،او زرع الفرقة الاجتماعية، وقد ترتب على الوعي بهذه الأمور حراك شعبي رافض، لمثل هذه السياسات الإعلامية، كالتظاهر ضدها، والاعتداء على المكاتب الخاصة بها، وغيرها من الممارسات، أما الجمهور الخام التي تحاول وسائل الاعلام أن تكسبه، هو جيل الشبيبة،جيل الأحداث،جيل من هم دون سن النضج، التي تحاول أن تستدرج ولاءهم واهتمامهم، ومتابعتهم، والتأثير بهم، فهم مادة خام بالنسبة لها، تحاول على الدوام التدخل لتشكيل وعي لهم، قريب من اجندتها، وسياستها، ونمط ثقافتها، وميولها. فالشارع العراقي هو مادة تجارب يوميه، لكل وسائل الإعلام، وما تبث، وتنشر، وتعد، وتخطط، فتخطيطها السنوي الذي عادة ما يعلن عنه كموسم انتاجي لها، أصبح في شهر رمضان، إذ يعد ربيع الإنتاج الدرامي لكل وسائل الإعلام، وما تنتج من برامج تلفزيونية وكوميدية ومسرحية، وافلام وغيرها. وهذا الإنتاج عادة ما يظهر أمور مختلفة، تخدم أجنداتها بوجودها أو محاولة ايجادها، كتعبير عن واقع حال، أو تشويه واقع، أو محاولة إيجاد واقع، وهذه الأجندات الثلاث،تقابل تصنيفنا للمجتمع الإعلامي أعلاه، أما أن يكون مجتمع مستجيب لما يطرح، وهو يكون واقع حال، أو هو جمهور ممانع، فتحاول وسائل الإعلام هذه جذبه لها، وتشويهه، بما يخدم اجندتها الموجهة، أو محاولة صناعة جيل لها، وهذا ما قصدناه بمجتمع الخام الذي عادة ما يكون مصدر جذب، وتأثير، وتحضير عند هذه الأدوات الإعلامية و غرضيتها. فالقيم الأخلاقية المجتمعية، تعبر كذلك عن هذه الانماط، أما تكون منجذبة لها لأنها تكشف، وتعلن، رغبتها بنمط العيش التي تطمح به، أو تكون رافضة؛ لأنها تكشف المستور، ولا تعبر عن قيم المجتمع المحافظة، وأما تكون متطلعة، لتصنيف المجتمع وتربيته على وفق برامجها المعدة لها، وتغذيتها للجمهور به.لذلك نشاهد في المجتمع العراقي، هناك جمهور خاص بكل فضائية، وبكل وسيلة إعلام، تحدد وتكشف عن ميولهم القيمية، والاجتماعية، والسياسية، ويظهر ذائقتهم ورغباتهم، واعلانها بذات أخرى في بطل مسلسل أو ضيف برنامج، يعبر عما يجول في أذهانهم و يختزل ميولهم، وهذا ما يخلق الازدواجية، ومرجع ذلك هو الإعلام المتأدجل بأدواته النفعية التي لا تدخل مصلحة الذوق العام قيد اهتمامها.

 

 الدكتور رائد عبيس

 

 

محمود محمد عليفي مجال الفكر الإنساني عبر عصوره المتلاحقة ثمة ظاهرة ضمن ظواهر عديدة تسترعى النظر وتجذب الانتباه، ألا وهى ظاهرة التأثير والتأثر بين الأجيال المتعاقبة، بحيث يؤثر الجيل السابق في الجيل اللاحق، ويتأثر هذا بذلك تأثرا تتعدد أبعاده أحيانا وتختلف مجالاته وتتفاوت درجاته بين طرفى الظاهرة، أعنى بين المؤثر والمتأثر، فتارة يكون التأثير من جانب السابق في اللاحق تأثيرا قويا عميقا، وعلى درجة من الشمول، تكاد تذهب باستقلالية المتأثر وهويته العلمية، ومن ثم تظهر العلاقة بين الطرفين في صورة علاقة تابع بمتبوع ومقلد بمبدع، وتارة يكون التأثير ضعيفًا في درجته محدودًا في مجاله؛ بحيث يظل كل من الطرفين  المؤثر والمتأثر محتفظًا بفردانيته، واستقلال نظرته وفكره، ومن ثم تتوارى معدلات التأثير، فلا تكاد تظهر .

وإن كان الأمر كذلك، فإن لهذه الظاهرة في نظرنا دلالات تسمح بالقول بأنها ظاهرة إيجابية مفيدة ومثمرة بدرجة تجعلنا نعدها عاملًا فاعلًا في تحقيق ما أنجزه الفكر الإنسانى من تطور وازدهار على أصعدته كلها ؛ وخاصة على الصعيدين : الثقافى والحضاري للشعوب، والأمم التى سجل لها التاريخ ضربًا أو أكثر من ضروب التقدم   والازدهار .

ولعل من أهم الدلالات التي تحملها هذه الظاهرة في طياتها تأكيد فعاليات العقل الإنساني، وطاقاته المتجددة، ومبادراته الخلاقة، وهو ما يخول لنا القول، بأن العقل قد أوتى من القوة ما يمكنه من أن يأتى أفعالاً على درجة من التباين تكشف عن تعدد طاقاته وتنوعها . فهو في مجالنا هذا يتأثر ويؤثر، وينفعل عن عقول، ويفعل في غيرها، ويأخذ ويعطى ويستقبل ويرسل، ويستوعب الماضي ويتمثله بوعى واقتدار دون أن يفقد وعيه بالواقع إلى حيث هو جزء منه، ثم يتجاوز ذلك إلى حيث المستقبل ورؤاه المستقبلية التي تؤثر بدرجة أو بأخرى في ذلك المستقبل.

ومن هذا المنطلق نقول بأن المنطق والتاريخ يؤكدان اتصال النحاة في أي عصر ببعضهم البعض واتصال اللغات في أية حضارة وتأثيرها بعضها ببعض؛ فمن الممكن " أنه قد تلتقي المدارس اللغوية عرضا في وصفها للغات مختلفة، لأن هذه اللغات مهما اختلفت، فلا بد أن تجمع بينها صفات مشتركة، بوصفها صادرة عن نشاط ذهني بشري له خصائص مشتركة في أصل جبلته وتكوينه . واشتراك المدارس اللغوية في ملامح متشابهة لا يعني بالضرورة أن إحدي هذه المدارس قد أخذت عن الأخرى،  فقد يكون هذا ناجما عن تشابه في لغتين، وتشابه اللغات ظاهرة يقرها علم النفس الحديث، ويسعي للكشف عن قوانينها العامة . بل كثيرا ما أثرت لغة في أخرى تأثيرا متبادلا بحكم الاتصال التاريخي والجغرافي بين اللغات، مما وثق وجه الشبه في تطورها، فليس غريبًا بعدئذ أن يتشابه اللغويون في وصف اللغات ؛ وبخاصة إذا كانت ملامح الشبه بينها لا تخفي كما هي الحال بين اللغات السامية . ولا يعني ذلك – بطبيعة الحال – التقليل من شأن الفروق الواسعة بين لغة وأخري علي صعيد الأسرة اللغوية الواحدة، فضلا عن لغات الأسر اللغوية المتباينة ".

كما أننا نعارض كثيرا من حجج من نادوا بالتأثيرات الخارجية في نشأة النحو العربي؛ ولاسيما الذين ذهبوا يلتمسون أوجه الشبه بين مدلولات المصطلحات اليونانية أو السريانية، فرأوا – مثلا – أن " اليونان استخدموا مفهوم القياس، وهو مفهوم وارد لدي لغويي العرب القدامى فاستنتجوا من هذا، وأشباهه أن العرب قد أخذوا عن اليونان، متجاهلين أن القياس منهج يستلزم التفكير العلمي في أية لغة، وفي غير اللغة من العلوم الأخرى" .

لذلك فإننا ضد فكرة أن النحو العربي خلق عبقري أصيل جاء على غير منوال، فالانبثاق المفاجئ للنحو العربي، يعد في واقع الأمر ليس تفسيرًا لأي شئ ؛ بل إنه تعبير غير مباشر عن العجز عن التفسير، فحين نقول إن النحو العربي كان جزءا من  المعجزة العربية  يكون المعنى الحقيقي لقولنا هذا، هو أننا لا نعرف كيف نفسر ظهور نشأة النحو العربي.

ومن ناحية أخرى، نود أن نشير بأن المكان الذي ظهرت فيه البدايات الأولى للنحو العربي علي يد أبي الأسود الدؤلي، وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، هو ذاته دليل على الاتصال الوثيق بين العرب، ومن سبقهم من النحو اليوناني والنحو السرياني، فلم تظهر البدايات الأولى للنحو العربي فى أرض العرب ذاتها، كالجزيرة العربية، وإنما ظهرت فى بلاد العراق؛ أي في أقرب أرض ناطقة بالسريانية، واليونانية، والفارسية، ذوات اللغات الأقدم عهدا، وهذا أمر طبيعي لأنه من المحال أن تكون هذه المجموعة من الشعوب الشرقية قريبة من العرب إلى هذا الحد، وأن تتبادل معها التجارة على نطاق واسع، وتدخل معها أحيانا أخرى في حروب طويلة دون أن يحدث تفاعل بين الطرفين، كما أنه من المستحيل تجاهل شهادات المؤرخين العرب القدماء من أمثال عبد الرحمن بن خلدون ( 784-808 هـ(، وأبو الريحان البيروني (363-440هـ)، أو المعاصرين من أمثال "جورجي زيدان (1861- 1914م)، و"أحمد أمين " (1886-1954م) )،وفؤاد حنا ترزي، وحسن عون، وغيرهم من الباحثين الأفاضل الذين أكدوا تأثر معظم نحاة العرب  بالنحو والمنطق اليوناني والسرياني .

لذلك فأنني اعتقد أنه لم تكن نشأة النحو العربي نشأة عربية خالصة، ولم يبدأ العرب في اكتشاف ميادين اللغة والنحو من فراغ كامل؛ بل إن الأرض كانت ممهدة لهم في بلاد العراق التي عاصرت النحو اليوناني والمنطق اليوناني والنحو السرياني، وبالتالي يتضح لنا أن الاعتقاد بضرورة أصل واحد للمعرفة العلمية، وتصور واحد يرجع إليها الفضل في نشأة النحو العربي، ربما كان ذلك عادة سيئة ينبغي التخلص منها، فإصرارنا على تأكيد الدور الذي أسهمت به اللغات  السابقة في نشأة اللغة العربية والنحو العربي، لا يعنى أبدًا أننا من الذين ينكرون على العرب أصالتهم اللغوية، ولا نشك لحظة في أنهم يمثلون مرحلة علمية ناضجة ومتميزة في اللغة والنحو، ولكننا لا نوافق على ادعاء أن تلك الأصالة، وهذا التمايز قد أتيا من فراغ كامل ؛ فلقد كانت عظمة العرب أنهم استطاعوا أن ينقلوا بشغف كل ما وقعت علية أعينهم وعقولهم من التراث اللغوي السابق عليهم، وأن يهضموه هضماً يتلاءم مع بيئتهم الخاصة، وأن يحولوا هذه المؤثرات إلى شيء شبيه بتراثهم،،وأن ينتقدوا هذا وذاك شيئا فشيئا، حتى استطاعوا في النهاية أن يتجاوزوا المرحلة السابقة في اللغة، وأن يبدأوا مرحلة جديدة متميزة .

وعلى ذلك فنحن ننكر ما يسمى بـ " المعجزة اللغوية العربية "، فالنحاة العرب في أول عهدهم قد استلهموا التراث اللغوي اليوناني والسرياني السابق عليهم، واستحوذوا عليه بروحهم الفتية، وحاولوا تجاوزه حينما صبغوه بصبغته النظرية النقدية، وقد فعل ذلك نحاة العرب والمسلمين؛ أمثال "أبو الأسود الدؤلي "  و " الخليل بن أحمد  " ومن بعدهما أنصار مدرستي البصرة والكوفة، من أمثال "الفراء "، و"المبرد"، وكذلك نحاة القرن الرابع الهجري وما بعده، حينما نقلوا التراث اللغوي اليوناني – السرياني وحاولوا تطويعه، مع مبادئ دينهم الحنيف في شتى الميادين، ثم تجاوزوه بما قدموا من أفكار نحوية جديدة في مختلف قضايا اللغة العربية.

خلاصة القول إن لغتنا العربية ليس بدعا بين نحو اللغات الأخرى، فلم يكن أصحابها معزولين عن الاختلاط بالأقوام المجاورة لهم، ولا كانت هي بريئة من التأثير في اللغات أو نقية من الـتأثر به . لقد أخذت من اليونان بقدر ما أعطت اللاتين فيما بعد، وأخذت من الأنباط والسريان ثم أعطتهم حتي اضمحلت لغتهم أمامها تدريجيًا، وأخذت من الفرس قبل زمن الأكاسرة، وقبل أن تكون (الحيرة) – مملكة المناذرة – حلقة الاتصال بين العرب والعجم . ووصلها اليمن القديم السعيد بلغات الأحباش، والهنود، والصينيين، بفضل الموقع الجغرافي التجاري الذي كان صلة الوصل بين العرب والأمم القديمة، وبين الشرق والغرب في ميادين السياسة، والحرب، والاقتصاد، والاحتكاك الاجتماعي . ولقد أثبت البحث العلمي الحديث أن العربية أعطت هذه الأمم – وخاصة بعد الإسلام – أكثر مما أخذت منهم بكثير، بل إن بعضها قد اتخذ من الحروف العربية رموزا للكتابة في لغته، وما زال يستخدمها إلى اليوم، فضلا عما أخذ من العربية.

وما من لغة ذات شأن ومكانة في تاريخ الحضارة الإنسانية، إلا كانت عرضًة لمثل هذا التبادل اللغوي، فالإنجليزية على قدمها وعراقتها وشيوعها قد استوردت الآلاف المؤلفة من الكلمات كما يقول واحد من علمائها ، واقتبست الحديثة منها ما بين " 55%" و "75 %" من مجموع مفرداتها من اللغتين الفرنسية واللاتينية وغيرهما من اللغات الرومانية، كما اقتبست الكورية ما يقرب من " 75%" من مفرداتها من اللغة الصينية، حتي ليمكن القول إن عملية التبادل اللغوي أصبحت من الحقائق المألوفة الآخذة في الاتساع والازدياد بفعل انتقال الأفكار والنظم والعلوم، يواكبها الميل المتنامي إلى البحث العلمي الرصين في هذه الظاهرة التي أصبحت حقيقة لا يمكن إغفالها أو تفاديها، إذ من يمنع المصطلحات العلمية المتصلة بعالم الفضاء وعلومه الحديثة اليوم من الانتشار والذيوع بالألفاظ ذاتها من اللغة الأولى إلى لغات العالم كلها؟!

إن اختلاط الأمم والتبادل اللغوي الآن يفوق ما كان عليه في الماضي، ومشاكل الترجمة أو اقتباس الأجنبي مشاكل عصرية سائدة في معظم المجتمعات، والحلول الكثيرة المقترحة لمعالجتها لا تلقي ارتجالا، ولا تبني من فراغ، بل لا معدي لها عن النظر إلى الأعراض الأولي والظروف المختلفة التي رافقت أصول هذه الظاهرة في ماضي اللغات والشعوب .

وبعد هذه الإطلالة، يمكننا القول بأن المنطق اليوناني قد أثر بلا شك في النحو العربي، وأما بالنسبة لتحديد الفترة الزمنية لدخول المنطق اليوناني في النحو العربي فيمكننا القول بأنها تجسدت من خلال المراحل الارتقائية لنشأة وتطور النحو العربي والتي تجسدت في اعتقادنا من خلال ثلاث مراحل حتي اكتملت :

1- المرحلة الوصفية : وهذه المرحلة قد استغرقت نحو قرن أو بالأحرى أكثر من نصف قرن، من عهد أبي الأسود الدؤلي حتى عهد سيبوبه، ولعل أهمية هذه المرحلة في النحو تعود إلى أنها شهدت بدء محاولات استكشاف الظواهر اللغوية بعد أن فرغ أبو الأسود الدؤلي من ضبط المصحف بواسطة طريقة التنقيط التي استعارها من يعقوب الرهاوي بعد تقنينها وتعديلها حسب مستجدات وأبعاد اللغة العربية، كما أنه تم فيها أيضا المحاولات الأولى لصياغة ما استكشف من الظواهر اللغوية في قواعد، ثم تصوير هذه القواعد في شكل بعض المصنفات الصغيرة التي أتاحت الفرصة لمناقشة الظواهر والقواعد معًا، مما فتح الباب أمام أجيال هذه الفترة لوضع الأسس المنهجية التي كان لها تأثيرها فيما بعد  ؛ كما شهدت هذه المرحلة أن النحاة العرب الأوائل قد استعاروا بعض مضامين النحو اليوناني الذي دون منظومته "ديونيسيوس ثراكس "، وذلك بطريق غير مباشر عن طريق السريان، وتجسد ذلك من خلال عصر " أبو الأسود الدؤلي،  وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه )، وبالتالي فالمرحلة الأولى من النحو العربي شهدت تأثرا بالنحو اليوناني بواسطة السريان ؛ خاصة بعد أن امتلك العرب سوريا، والعراق، ومصر، وبلاد فارس بين سنتي ( 14" هـ" و" 21هـ، 635م- 641م" فاتصل العرب باليونان عن طريق السريان اتصالا غير مباشر لقرب البصرة والكوفة من مراكز الثقافة ووجود كثير من الناس يتكلمون بلغتين، ووجود أوجه شبه لافتة بين النحو العربي والنحو اليوناني، مما يثبت أن النحاة العرب الأوائل قد استعاروا بعض العناصر من النحو اليوناني حتى يبنوا نظامهم النحوي عن طريق السريان.

2- المرحلة التجريبية : وهذه المرحلة قد استمرت قرابة قرن أو يزيد، وتبدو هذه المرحلة التجريبية للنحو العربي أوضح ما تبدو في كتاب سيبويه، وسبب اختيارنا لسيبويه هو أنه من الناحية التاريخية يعرف الجميع أنه بعد أن أنهى كتابة مؤلَّفه "الكتاب " الذي يعد مرحلة متطورة، وناضجة، من مراحل التفكير النحوي العربي، كان يعتمد في منهجه النحوي علي المنهج التمثيلي. والسبب طريقة سيبويه اعتمدت العمل الاستقرائي المرتبط بالواقع الاستعمالي للغة محاولًا تصنيفها، وتحديد علاقاتها على أساس التماثل الشكلي والوظيفي، وصولا إلى وضع الأحكام والقوانين العامة .

ومن هذا المنطلق سنكشف لماذا لم يعتنِ سيبويه  بالحدود النحوية ؛ خاصة بعد أن رتب موضوعات المادة النحوية في كتابه على أساس ذكر المادة كاملًة دون مصطلح واضح محدد، ثم الدخول  إلى الموضوع دون ذكر حد منطقي، وفي أكثر الأحيان يحدد الباب النحوي بالمثال أو ببيان التقسيمات مباشرة، وهذا يؤكد نفي تهمة تأثر كتاب سيبويه بمنطق ارسطو .

3- المرحلة الاستنباطية : وهي المرحلة التي أفضى فيها التراكم المعرفي الذي حققه تطور النحو العربي في المرحلتين الوصفية، والتجريبية، وقد أدى هذا التراكم الكمي إلي تغير كيفي علي ثلاثة مستويات محددة : مستوى الوسائل العقلية المنهجية من جانب، ومستوى مفاهيم العلم ومبادئه من جانب آخر . أما المستوى الثالث فهو مستوي نظرية العلم، التي تحدد البينة أو الشكل الذي سيجئ عليه العلم في هذه المرحلة . وفي المرحلة الاستنباطية يتم صياغة الحد الأدنى من قواعد العلم ومبادئه التي تمكن المختصين من الانتقال من مبدأ أو أكثر داخل العلم إلي مبدأ جديدًا، كما هو الحال في المنطق والرياضيات، أو تمكنهم من التنبؤ بما سيحدث مستقبلا – بحسب مبدأ عام مستقر – كما هو الحال في العلوم الطبيعية، أو تؤهلهم أخيرا لاستنباط أحكام معينة من قواعد عامة لحل مشكلات اجتماعية جزئية معينة، وهذا هو مثلًا شأن علم القانون .

وهذه المرحلة حين نطبقها علي النحو العربي، نجد أنها تبدأ من أبي بكر بن السراج حتى الحقبة الحديثة، وهذه المرحلة قد ظهر فيها تأثير المنطق في الدرس النحوي بصورة واضحة في استعمال النحويين للتعريفات، أو الحدود، والعوامل، والأقيسة، والعلل، وبعض المصطلحات المنطقية كالجنس، والفصل، والخاصة، والماهية، والماصدق، والعهد، والاستغراق، والعموم، والخصوص، المطلق، والعموم،والخصوص الوجهي، والموضوع، والمحمول، واللازم، والملزوم، إلى أخر هذه المباحث المنطقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

صادق السامرائيالواقع العربي ومنذ بدايات القرن العشرين وحتى اليوم يزدحم بالمفكرين الذين أسهموا وبقوة في تدميره من أقصاه إلى أقصاه، فهم يبررون ويسوّغون ومعتقلون في زنزانة لماذا، ولا يتجرؤون على النظر إلى فضاءات كيفَ، بل يخشون الإقتراب منها، وبهاذا فهم " المأسنون" (من آسن) و"المُرسّخون" من (رسخ)، و"المثبطون" من (ثبط).

فطروحاتهم وبلا إستثناء تدور في فلك الدين والتأريخ ولا يمكنهم الخروج من قبضتهما، ويكررون ذات الطروحات وبمفردات وتعبيرات متجددة، وينتقدون ويحللون ولا يقدمون حلولا.

يقولون أن الأمة بحاجة إلى أربعة قرون أو أكثر لكي تخرج من عصرها المظلم كما حصل في أوربا، بل أن البعض يرى أن الزمن سيزداد لأن الدنيا تتقدم وهي تتخبط في متاهات الدين والتأريخ، وآخرون ينسفون وجود الأمة ويعتبرونها منقرضة أو آيلة للفناء، وطروحات أخرى تدور في ذات المحور والمدار.

ويحسبون أن الأمة ميتة، وأنها لا تتفاعل مع العصر، وأنها لا تنتج معارف، ولاتمتلك القدرات اللازمة لبقائها، ويمعنون بإستحضار أسباب وموجبات موت الأمة وإعترافها بالهزيمة والإنقراض الحتمي، وعليها أن تتبع وتخنع وتذبل وتُستعبَد من قبل الآخرين.

وفي طروحاتهم إلغاء للزمن المعاصر، وتوهم بأن الدنيا تعيش في عزلة كما كانت في القرون الوسطى، ولا ينظرون إلى المجتمعات الأخرى كيف خرجت من معتقلات عصورها المظلمة في ظرف بضعة عقود، كما حصل في الصين وماليزيا وسنغافورا وغيرها من مجتمعات الدنيا التي نهضت من تحت ركام العصور.

ولا بد من القول بأن الأمة حية وستكون رغما عن جميع الطروحات اليائسة البائسة، وأن فيها أجيال واعدة ومتفاعلة مع عصرها، وتعيش في قلب الحياة وتساهم بالإبداع والعطاء المعاصر على مختلف مستوياته وإتجاهاته، فالحضارة المعاصرة ليست غربية أو أوربية أو صينية، إنها حضارة إنسانية وناتجة من تفاعل عقول البشرية مع بعضها، والدول الغربية ما هي إلا حواضن للعقول البشرية من أصقاع الدنيا كافة، ولهذا تحقق التطور السريع والهائل، والمنطلق بخطوات شاسعة نحو جديد بعد جديد.

فالحضارة إنسانية واحدة، والفرق بين العقود القليلة الماضية وما سبقها من قرون، أن البشرية تمكنت من التواصل والتفاعل بثقافاتها المتنوعة، فأوجدت ما لم تكن قادرة على الإتيان به كل ثقافة لوحدها.

أي أننا تعيش في عصر سبائكي (من سبيكة) العقول، فالسبائك العقلية هي التي تنتج هذه النوعية الأصيلة من الإبداعات على جميع المستويات، فالأمة الإنسانية تتفاعل مع العصر بكلها، وأمتنا العربية جزء فعّال منها وفيها، فلا يجوز إفرادها والتعامل معها على أنها معزولة أو منقطعة وخارجة عن العصر.

فالأمة لا تختلف عن غيرها من الأمم بكل ما فيها وعليها، والمشكلة أن الطروحات التي تسمى فكرية تخلو من المصداقية والعملية، وتدور في دوائر مفرغة من التعجيز والتيئيس والقبول بالدونية والهوانية والتبعية النكراء.

فالأمة يمكنها أن تكون في غضون بضعة عقود وتعاصر وتنطلق في مشوارها الحضاري، فعليها أن تتحرر من الأفكار السلبية والتوجهات الإحباطية وتؤمن بنفسها وبإنسانها، وتثب بعزيمة وإصرار نحو مستقبلها الزاهر.

وليبتعد مفكروها عن المقارنات التدميرية والإنحرافات التحليلية لواقعها،  وكأنهم يغفلون جوهرها وطبيعة السلوك البشري.

قد يتصور البعض إن ما تقدم بعيد المنال، لكنه قريب وقريب، وأقرب من حبل الوريد، عندما نؤمن بأننا نكون!!

 

د. صادق السامرائي

 

تشهدالولايات المتحدة الأمريكية ومنذ جلوس الرئيس دونالد ترامب في المكتب البيضاوي في العام 2016 ، تشهد موجة من الإنسحابات الأمريكية من الإتفاقيات الدولية التي هي طرف فيها، ومن والمؤسسات الدولية التي تتمتع بعضويتها، حتى بات واضحا بان هذه الإنسحابات تجري وفقا لإستراتيجية وضعتها الإدارة الأمريكية تقوم على الإنسحاب من تلك الإتفاقيات ومن ثم إعادة التفاوض وفقا لشروط جديدة تضعها إدارة ترامب بهدف تحقيق جملة من الإهداف .

الإنسحابات الأمريكية من المعاهدات الدولية

 فقد استهل ترامب ولايته بالإنسحاب من من إتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ المعروفة ب(TPP) التي وقعتها بلاده مع 11 دولة من منطقة أسيا والمحيط الهادئ بإستثناء الصين. تبع ذلك إعلانه إنسحاب بلاده من اتفاقية باريس للمناخ والتي وقعتها معظم دول العالم. ومالبث ترامب أن فاجأ المراقبين بإعلان إنسحابه من الاتفاق النووي الذي وقعته بلاده في مايو2015 ضمن مجموعة 5+1 مع ايران.وأخيرا توّج إنسحاباته بإعلانه اوائل هذا العام الإنسحاب من معاهدة الحد من الصواريخ النووية المتوسطة المبرمة مع موسكو منذ أيام الحرب الباردة .

واما على صعيد المؤسسات الدولية فكانت باكورتها الإنسحاب الأمريكي من منظمة التربية والعلوم والثقافة التابعة(اليونيسكو) للأمم المتحدة ومن ثم تبع ذلك إعلان الإنسحاب من مجلس حقوق الإنسان التابع لهيئة الأمم المتحدة. وبين كل ذلك أقدم ترامب في شهر أغسطس من العام الماضي على قطع المساعدات التي كان تقدمها بلاده لمكتب الأمم المتحدة لتشغيل الفلسطينيين (الأنروا). ومن المتوقع أن يوقع الرئيس الأمريكي أمرا تنفيذيا يقضي بالتفاوض بشأن اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية "نافتا"، وهي اتفاقية تشمل الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وينتقد ترامب الاتفاقية لكونها تحرم العمال الأمريكيين من وظائفهم.

هذه الموجة من الإنسحابات التي لم تشهد الإدارات الأمريكية المتعاقبة مثيلا لها منذ عقود أثارت تساؤلات حول الدوافع التي تقف خلفها وعما إذا كانت مجرد وفاءا للعهود التي قطعها ترامب للناخبين الأمريكيين أثناء الحملة الإنتخابية الرئاسية والتي تعهد خلالها بالإنسحاب من الإتفاقيات الدولية، ام أنها تندرج ضمن سياسة مدروسة لإدارة ترامب يعيد من خلالها التموضع الأمريكي في الإتفاقيات الدولية لتحقيق جملة من الأهداف التي تروم هذه الإدارة المثيرة للجدل تحقيقها.

وقبل الخوض في ذلك لابد من الإشارة الى أن هذه الإنسحابات الأمريكية أثارت موجة من الإعتراضات الدولية وخاصة من حلفاء أمريكا الغربيين إلا فيما يتعلق بالإنسحاب الأمريكي من معاهدة الحد من الصواريخ النووية والتي حظيت بتأييد الدول الأعضاء في حلف الناتو لإعتبارات تتعلق بالصراع الغربي مع روسيا في اوكرانيا في اعقاب فرض عقوبات غربية على روسيا تحت ذريعة تدخلها في شؤون تلك البلاد الداخلية.

الدوافع

واما عن الدوافع التي تقف وراء تلك الإنسحابات باستثناء السابق فهي لاتخلو من امرين أحدهما إقتصادي وآخر يتعلق بالوقوف الى جانب اسرائيل وحمايتها من أي خطر محتمل ليس آنيا فحسب بل على المدى البعيد. ففيما يتعلق بالإنسحابات الامريكية من إتفاقية باريس للمناخ وإتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ فمن الواضح أن الإدارة الأمريكية نهدف من وراء ذلك تحقيق مكاسب إقتصادية ولو على حساب هذا الكوكب الذي يهدد التغير المناخي مستقبله، اوعلى حساب مصالح دول اخرى وعلاقاتها مع امريكا كما هو عليه الحال مع اتفاقية التجارة. وبات واضحا أن تلك الإنسحابات تهدف أساسا الى إعادة التفاوض على تلك المعاهدات وعودة أمريكا إليها ولكن بالشروط التي يريدها ترامب.

 فالاتفاقية التجارية وقعت من جانب 12 دولة في زمن الرئيس السابق باراك اوباما وتهدف للقضاء على الحواجز التجارية في بعض اقتصادات آسيا سريعة النمو وتمتد من كندا إلى فيتنام وتشمل نحو 40 في المئة من الاقتصاد العالمي، وكان الهدف المنصوص عليه في الاتفاقية هو تعزيز الروابط الاقتصادية ودعم النمو بما في ذلك خفض الرسوم الجمركية، كما شملت الاتقاقية تدابير تقضي بتعزيز العمل ومعايير البيئة وحقوق الملكية وبراءات الاختراع وتوفير الحمايات القانونية الأخرى، لكن ترامب يرى أن من شأن هذه الإتفاقية الإضرار بمصالح العمال الأمريكيين. فسياسات ترامب الاقتصادية تؤكد على تعزيز الصناعة المحلية وإعادة الشركات الأمريكية للإنتاج المحلي بدلًا من الإنتاج في الخارج، وفرض ضرائب مرتفعة على السلع والخدمات المستوردة وخاصة من الصين.

وبعد إعلان الإنسحاب كلف ترامب المستشار الاقتصادي لاري كودلو وممثل التجارة روبرت لايتهايزر ببحث كيفية التفاوض بهدف العودة الى المعاهدة التي تعتبر بحكم الميته بعد الإنسحاب الأمريكي منها لكنه لم يوضح شروطه التفاوضية الجديدة كما وان الدول الأعضاء في الإتفاقية رفضت التفاوض وكما افصح عن ذلك رئيس الوزراء الياباني.

وأما إتفاقية باريس للمناخ التي وقعتها 197 دولة عام 2015 بعد مفاوضات صعبة في باريس فتنص على احتواء معدل الاحتباس الحراري وجعل ارتفاع حرارة الارض لا يزيد عن درجتين مئويتين عما كانت عليه في فترة الثورة الصناعية. لكن ترامب أعلن انسحابه منها متذرعا بأن القيود المالية والاقتصادية التي تفرضها الإتفاقية على موقعيها لن تصب في صالح الولايات المتحدة، بل إنها تخدم مصالح الصين والهند بحسب قوله. وعلى ذات النهج اعلن ترامب لاحقا في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيسة الوزراء النرويجية إيرنا سولبيرغ، إن واشنطن يمكن ”نظريا“ أن تعود إلى اتفاقية باريس للمناخ، وهذا تعبير آخر عن العودة ولكن بشروط تفاوضية جديدة لكنه لم يحددها. ويلاحظ ان ان العامل الإقتصادي يقف خلف هذين الإنسحابين.

الإنسحاب من المؤسسات الدولية

 وقبل الإنتقال الى إنسحابه الشهير من الإتفاق النووي مع ايران لابد من الإشارة الى إنسحابات ترامب من بعض الهيئات الدولية وفي مقدمتها من منظمة التربية والعلوم والثقافة التابعة(اليونيسكو) للأمم المتحدة والتي تشتهر ببرنامجها ”إرث العالم“ الذي تمّ وضعه بهدف حمایة المواقع الثقافیة والتقالید. واما السبب فهو انتقاداتها المتكررة لضم الاحتلال الإسرائيلي القدس الشرقیة، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة لإجراء ما وصفته 'إصلاحات جذریة' في هذه المنظمة كشرط للعودة لعضويتها. وينطبق ذات الأمر على مجلس حقوق الإنسان الذي انسحبت من عضويته على خلفية اتهام إدارة ترامب، لمجلس حقوق الإنسان بأنه ينتهج "الانحياز المعادي لإسرائيل وشن حملة ممنهجة ضدها“ وقد رهن ترامب العودة الى هاتين المنظمتين بتغيير سلوكهما حيال اسرائيل. وأما الإنسحاب من أونرا فقد حرم الكثير من الفلسطينيين المشردين من ادنى الحقوق التي كانت قد اعترفت بها المنظمة الأممية، وترك الباب مفتوحا امام استمرار إعتداءات الإحتلال الإسرائيلي وتضييق الخناق على الفلسطينيين. وهكذا يلاحظ ان الدفاع عن اسرائيل يقف وراء هذه الإنسحابات.

الإنسحاب من الإتفاق النووي مع ايران

وبالعودة الى الإنسحابات الأمريكية من المعاهدات الدولية فإن الإنسحاب من الإتفاق الذي أبرمته مجموعة 5+1 مع ايران حول برنامجها النووي يعتبر الأبرز من بين تلك الإنسحابات لأن تداعياته وضعت منطقة الشرق الأوسط  على فوهة بركان بعد التصعيد العسكري الأمريكي ضد طهران. وقد سارت إدارة ترامب على ذات النهج في تعاطيها مع هذا الملف أي الإنسحاب ثم إعلان الرغبة بإعادة التفاوض وهو ماعبر عنه الرئيس الأمريكي مرات عدة منذ إعلان انسحابة قبل عام. وكما حصل مؤخرا عندما أكد ترامب على أنه يرغب في أن يتصل به الإيرانيون معلنا استعداده لعقد محادثات معهم.

لكن اللافت أن إدارة ترامب كانت هذه المرة واضحة في شروطها للتفاوض مع ايران وعلى العكس من إنسحاباتها من المعاهدات الأخرى، فقد أعلنت عن 12 شرطا تتمحور حول استسلام إيران للإدارة الأمريكية، عبر تقليص قدراتها العسكرية وخاصة صواريخها البالستية، والتصدي لسياساتها التي باتت تؤرق أمريكا وحلفائها في المنطقة وفي مقدمتهم اسرائيل والسعودية. ومما يميز هذا الملف ان كلا الدافعين يقفان خلفه ألا وهما حماية اسرائيل والمصالح الإقتصادية الأمريكية.

فلقد نجح ترامب في استنزاف دول الخليج وخاصة السعودية عبر العقود التي وقعها معها والبالغة 460 مليار دولار ، وكانت احد محركاتها هو تعهد ترامب بالإنسحاب من الإتفاق النووي الذي طالما سعت السعودية والإمارات الى إجهاضه لكن جهودهما فشلت أمام إصرار إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك اوباما على إبرامه. واما فيما يتعلق بالهدف الثاني وهو تعزيز امن اسرائيل، فقد نجح ترامب في تحقيقه جزئيا عبر إقامة تحالف غير معلن بين معظم دول الخليج واسرائيل تحت شعار مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة فكان الإنسحاب خطوة في هذا الإتجاه. واما الشروط الأمريكية للتفاوض مع ايران فإنها تتمحور حول تعزيز امن اسرائيل على المدى البعيد.

وهكذا يبدو ان التعاطي مع هذا الملف هو الأكثر جدية حاليا من قبل إدارة ترامب التي ترغب في العودة الى الإتفاق النووي مع ايران ولكن بشروط جديدة، لكن الرفض الإيراني القاطع لتلك الشروط لم تتعاطى معه إدارة ترامب كما تعاطت مع ملف اتفاقية التجارة عندما رفضت اليابان شروط ترامب. إذ لجا ترامب الى استخدام سلاح العقوبات ضد ايران وخاصة فيما يتعلق بتصفير صادراتها النفطية وفرض حظر على صادراتها من المعادن وحظر المعاملات المصرفية. وقد ذهب ترامب بعيدا الى حد التلويح بالخيار العسكري الذي وصل التصعيد فيه الى مستويات غير مسبوقه وخاصة بعد تحرك حاملة الطائرات ابراهام لينكولن نحو منطقة الخليج وهبوط قاذفات بي 52 الى قاعدة العيديد في قطر.

وهكذا يبدو أن الملف الإيراني هو الأكثر استحواذا على اهتمام الإدارة الأمريكية التي القت بكامل ثقلها السياسي والعسكري والإقتصادي لحسم هذا الملف، الذي لا يتمحور حول برنامج ايران النووي ، وإنما حول دور ايران المتنامي في المنطقة والذي أصبح خنجرا في خاصرة الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ أربعة عقود. وتعتقد إدارة ترامب بان هناك فرصة تاريخية لتحجيم الدور الإيراني بعد ان وصل العالم الإسلامي الى حالة من التردي تشبه تلك التي رافقت إنهيار الدولة العثمانية مطلع القرن الماضي، فكان ثمن هزيمتها هو تقسيم العالم الإسلامي وإقامة دولة اسرائيل أرض فلسطين.

الخيارات

ومع الأخذ بنظر الإعتبار نظرية الصراع الحضاري التي يتبناها صقور افدارة الأمريكية امثال مستشار الأمن القومي بولتن، فإن امريكا واسرائيل بصدد تسجيل نصر تاريخي على العالم الإسلامي الذي سقط معظمه في قبضتهما فيما بقيت ايران صامدة وترفض الخضوع لسياستهما. وفي ظل هذه الأوضاع فتبدو ان الخيارات تتأرجح بين الحسم العسكري او استمرار محاصرة ايران اقتصاديا وسياسيا، وبين استسلام ايران للشروط الأمريكية المذلّة.

ويفتح استبعاد ايران للخيار الأخير الأبواب واسعة أمام الخيارين الأوليين، لكن الصمود بوجه الحصار يبدو مكلفا لإيران بالرغم انها اعتادت عليه وإن كان هذه المرة يختلف عن الحصارات السابقة التي تعرضت لها ايران منذ أربعة عقود، ولايمكن التكهن بتداعياته التي تعول الإدارة الأمريكية عليها وخاصة انفجار الوضع الداخلي في البلاد.

واما الخيار العسكري فإنه ليس خيارا ايرانيا بل امريكيا صرفا ستسعى ايران لتجنبه عبر نزع الذرائع التي قد تتحجج بها إدارة ترامب لتبنيه. ولذا فإن خيار التفاوض الإيراني مع إدارة ترامب هو الخيار الأمثل في المرحلة الراهنة لإيران والذي ستلجأ اليه في محاولة لدرء خطر اكبر وإن كان عبر تقديم تنازلات مرّة، لكن نجاح هذا الخيار سيتوقف على مدى قبول إدارة ترامب لتلك التنازلات واما في حال رفضها فإن الإدارة الامركية ستعول على خيار الحصار الإقتصادي إما لحمل ايران على التنازل او عبر الرهان على تغير الأوضاع داخلها، وفي حال فشل هذين الخيارين فلا يبقى امريكا سوى اللجوء للخيار العسكري.

ويبقى الحديث هنا عن السقف الزمني! ففيما تراهن ايران للخروج من هذا المأزق ،على تغيير الإدارة الأمريكية الحالية سواء عبر الإنتخابات المقبلة او عبر إقالة ترامب، فإن إدارة ترامب ستسعى الى حسم هذا الملف قبيل الإنتخابات الرئاسية المقبلة في العام الجديد. وهذا ما يجعل الخيار العسكري خيار ترامب الأول لكنه مستبعد في الوقت الراهن إذ سيركنه على الرف حاليا ويظل يلوح به بإنتظار هفوة من ايران او حلفائها ضد المصالح الأمريكية وهو مستبعد إلا ان يكون مفتعلا، او بانتظار نجاح الحصار في تحقيق اهدافه أو في تقديم تنازلات ايرانية كبيره، لكن بقائه على الرف لن يطول أكثر من نهاية هذا العام!

 

ساهر عريبي

 

 

 علجية عيش(أول امرأة تترشح للإنتخابات الرئاسية وتدعو لبناء الجمهورية الثانية)

أشاد ملاحظون بموقف أحزاب المعارضة على غرار حزب جبهة القوى الإشتراكية " الأفافاس" وحزب جيل جديد لمؤسسه جيلالي سفيان اللذان عبر عن تضامنهما مع زعيمة حزب العمال لويزة حنون التي تم إيداعها الحبس المؤقت بقرار من المحكمة العسكرية بسبب مواقفها وتصريحاتها الإستفزازية للسلطة والنظام القائم، فلويزة حنون منذ تأسيس حزبها لم تتوان يوما في شن الحرب على السلطة، وإعلان "القطيعة" مع النظام وكذلك القطيعة مع الحزب الواحد، الذي طالما نعتته بالدكتاتوري ووجهت للمسؤولين عليه أصابع الإتهاد بالفساد، بل سلكت اتجاها آخر وهو الدعوة إلى وضعه في المتحف، وإن كان مسلسل الإعتقالات مسّ رجال أعمال ومسؤولين في الحكومة من وزراء ومدراء بسبب رشاوي أو سرقات للمال العام أو أمور تتعلق بالمساس بأمن الدولة، فهذا له مبرراته، أما أن تقتاد رئيسة حزب (امرأة) إلى السجن بدون تهمة معينة فهذا يطرح الكثير من التساؤلات، حيث اعتبره ممثل الأفافاس قمع للأصوات، وهو حسبه إجراء تعسفي هدفه إفشال الثورة الشعبية (الحراك الشعبي)، الذي يطالب بالتغيير الجذري للنظام وبناء دولة ديمقراطية بمضمونها السياسي والإجتماعي، وبناء عدالة مستقلة وحرة.

 وتعد زعيمة حزب العمال في الجزائر أول من دعا إلى "القطيعة" في كل موعد انتخابي سواء محلي او رئاسي، وكانت دائما تنادي بإرجاع الكلمة للشعب حتى يتسنى له اختيار المؤسسات الجديدة طبقا للدستور الجديد وكل ما يخص مصير البلاد، إذن كانت دعوة لويزة حنون إلى القطيعة مع المعاناة والهشاشة الإجتماعية..، مع النهب، القطيعة مع اللا تنظيم والإستغلال ..، مع التهميش..، مع الإقصاء والتمييز، كانت القطيعة مع الإمبريالية، القطيعة مع التفسخ السياسي، وهي الظاهرة التي استفحلت في الجزائر، رسمت فيها السلطة لوحة للممارسات "المافياوية "،  ولأنها تتبنى الإتجاه الإشتراكي، فكان موقفها مع أن تكون الملكية الجماعية غير قابلة للمساس، وهي تشمل باطن الأرض من ثروات معدنية ومناجم والموارد الطبيعية للطاقة وبالأخص"المحروقات " والثروات المعدنية، ونددت بقانون 07/05 الذي كرس تراجعا في تأميم المحروقات ..الخ، وكانت لويزة حنون تحذر دوما من الإمبريالية، وتدعو إلى نظام جمهوري باعتباره الأكثر ديمقراطية، وتدعو كذلك إلى تثبيت و تعزيز الجمهورية، وتعتبرها واحدة غير قابلة للتقسيم.

 ومنذ تأسيس حزبها في 1990، كانت لويزة حنون تؤكد على الدولة المدنية لبناء الجمهورية الثانية، وتحذر من مخاطر "الطائفية" لأن النظام الرئاسي لم تكن له الرغبة والوسائل الكافية لفرض الرقابة وكان يسمح بتعايش سياسات متناقضة، وكانت لويزة حنون ترى أن الدولة القوية هي التي تستمد قوتها من الشعب، وترى في المواطنة حق كل فرد في المشاركة في تسيير شؤون البلاد واختيار ممثليه، فكانت تدعو إلى ترسيخ ديمقراطية العهدة، واستقلالية القضاء بالنسبة لها حجر أساس في بناء الديمقراطية وبناء دولة الحق والقانون، وشملت انتقاداتها اتفاق الشراكة مع الإتحاد الأوروبي الذي دخل حيز التطبيق في 2005، حيث لم تجن منه الجزائر سوى نتائج سلبية في كل القطاعات والدليل فقدانها آلاف المؤسسات وإفلاسها وانتشار البطالة، التي كانت نتيجتها الهجرة الغير شرعية، وكانت لها الجرأة والشجاعة في إعلان الحرب على الفساد من أجل تقوية مناعة الأمة، هذه مواقف لويزة حنون التي كانت تقود مجموعة الـ: 19 المعارضة، بعدما رفض الرئيس المقال عبد العزيز بوتفليقة استقبالها فاستنجدت بـ:19 شخصية، لدرجة أن بعض الملاحظين فسروا تصرفاتها بالخروج عن نطاق المفاهيم الثقافية والسياسية الثابتة.

 والذي يتتبع تصريحات زعيمة حزب العمال يقف على حقيقة أنها لم تكن على وفاق بما تعرضه الأحزاب السياسية حتى المعارضة منها، وكانت كل ما يصدر بيان إلا وحاولت تغليط الرأي العام بأن فيه مغالطات، انتقدت كل المبادرات وطعنت فيها، سواء ما تعلق بالدستور، أو ما تعلق بالدولة المدنية، بحيث كانت لها مواقف فردية قريبة من التسلط حتى على مناضليها ونوابها، هذه لويزة حنون التي وصفها البعض بالمرأة "المقاومة" وآخرون وصفوها بالمرأة "الحديدية"، لويزة حنون الىي كانت أول امرأة في الجزائر تترشح للإنتخابات الرئاسية وتقف ندا للند لمرشح السلطة عبد العزيز بوتفليقة الذي اختاره العسكر ليكون حاكما للبلاد في عام 1999 لكنها فشلت في أن تكون رئيسة دولة، ليس لعجزها، و ليس لأن المجتمع الجزائري مجتمع ذكوري، أو أن الدّين لا يقبل أن تكون المرأة في الحكم، وإنما لأمور مقصودة لم يقدر عليها الرجال، لأن الأوامر كانت تأتي من وراء البحر .

 والسؤال الذي يطرح بشدة، هل حبس لوزية حنون يعود إلى مواقفها الشرسة من السلطة؟ أم أن هناك أمور تطبخ ضدها في الخفاء بعدما فتحت وزيرة الثقافة لعبيدي ملفها في العدالة من جديد، وهي المحسوبة على حزب جبهة التحرير الوطني، أم خشية من استدعائها أعضاء لجنة الـ: 19 لإنقاذ الجزائر أو من بقي منها عن الأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني عمار سعداني الذي اتهم المسؤول السابق على دائرة الاستعلام والأمن الفريق محمد مدين، المدعو توفيق، بأنه وراء دعم هذه اللجنة لأجل مقابلة الرئيس بوتفليقة، والسؤال الذي يلح على الطرح هو: لماذا تم توقيف لويزة حنون في هذا الظرف بالذات؟ وبعيدا عن مواقفها فلويزة حنون بالرغم مما قيل عنها، وما ألصق بها من تُهَمٍ، فقد عرفت بأنها المرأة الوحيدة التي تحشر نفسها في كل شيئ، فهي تمارس السياسة بكل فنونها، فكيف لا تقحم نفسها في مسائل تتعلق بأمن بلدها،  وبخاصة ردها الأخيرعلى الإدارة الأمريكية وتدخلها في الشؤون الداخلية للبلاد، للتذكر ان حوب العمال هو امتداد للمنظمة الاشتراكية للعمال التي كانت تعمل في السر قبل الإعلان عن التعددية في الجزائر في عام 1989، وتلاسس في 1990، وهو حزب يساري معارض يتبنى المبادئ التروتسكية، هدفه الدفاع عن حق العامل والطبقات الاجتماعية الأكثر عرضة للاستغلال، ووقوفه في وجه الخصخصة، اعلن حربه على الإمبريالية ودعا إلى تدخل الدولة لحماية المستهلك.

 

علجية عيش

 

الضغوط الامريكية على ايران والتي وصلت إلى حد إعلان الحرب الاقتصادية تعيد الى الأذهان حالة سابقة قامت بها امريكا ضد اليابان قبل اندلاع الحرب بينهما ولكن الغالبية الساحقة لا تعلم عنها شيء سوى ان اليابان هاجمت القوات الامريكية في بيرل هاربر نهاية 1941 بطريقة خالية من أخلاق الفروسية بين الخصوم !.

التاريخ دائما يكتبه المنتصرون!.

شنت أمريكا حربا اقتصادية على اليابان قبل معركة بيرل هاربر بفترة زمنية طويلة كوسيلة لمنع تمددها في آسيا وتوقف استيلائها على المستعمرات الاوروبية وارسلت في النهاية اليابان وفدا للتفاوض لم ينجح في مساعيه لوقف تلك الحرب المعلنة، مما أجبر اليابانيون على شن الحرب عليهم، وكانت رغبة الرئيس الأمريكي روزفلت هي الدخول في الحرب العالمية الثانية إلى جانب بريطانيا ولكن غالبية الشعب الأمريكي ترفض المشاركة بسبب خداع بريطانيا وفرنسا لهم في الحرب الأولى ضد ألمانيا، ولم تجد إدارته وسيلة سوى شن الحرب الاقتصادية ضد اليابان حليفة ألمانيا وإيطاليا ونجح بذلك في خداع شعبه الذي دخل الحرب بلهفة كبيرة بغرض الانتقام من الغادرين !.

ولم يعد أحد بعد ذلك يتذكر الأسباب الحقيقية للحرب بين أمريكا واليابان سوى ان الاخيرة غدرت بها عسكريا، ولان التاريخ لا يكتبه سوى المنتصرون بقيت تلك الدوافع خافية سوى على زمرة المؤرخين والباحثين حتى أن إسقاط القنابل الذرية على هيروشيما وناكازاكي لم يواجه بسخط عالمي رغم أن اليابان أعلنت رغبتها في الاستسلام قبل ذلك وكان من الممكن تجنب تلك الماساة الانسانية !.

ما تقوم به الان اسرائيل وبعض الانظمة الخليجية في دفع ترامب لشن حرب على ايران هو تكرار لما قامت به بريطانيا في الحربين العالميتين في دفع أمريكا للدخول في الحرب والتي تسببت في مقتل أضعاف ما خسرته بريطانيا وحصلت في النهاية على لقب العظمى، وهي عظمى بحق ولكن في الخديعة والمكر والغدر!... ولكن الحلفاء الصغار الآن لا يتمتعون بإمكانيات صاحبة الامبراطورية الكبرى!.

اذا كانت اسرائيل هي المنتفع الأول في شن حربا أمريكية على إيران فإن الخاسر الأكبر هم دول الخليج الموالية التي سوف تكون ساحة للمعركة والممول الأول لها بالإضافة إلى تدمير ايران، وسوف لن يذكر التاريخ سوى ان الاخيرة شنت حربا استباقية بدون سبب مثل حال اليابان من قبل!.

بالرغم من العقوبات الأمريكية على روسيا والضغوط الاقتصادية على الصين إلا أن البلدين لم يتصدى بجدية للرغبات الامريكية في شن حرب على ايران رغم تضررهم البالغ من ادارة ترامب التي عادت الجميع في سبيل بسط الهيمنة الشاملة على العالم التي تراجعت خلال السنوات الماضية!...بل إن ترك حلفاء البلدين في العالم فريسة لرغبة الانتقام الأمريكية دليل على بقائهما متخلفين عن اللحاق بالقوى الكبرى في العالم !.

 

مهند السماوي

 

حميد طولستعادة ما تختلف نوعية أحاديث الناس بحسب أهميتها وشدة إهتمامهم بها، فإذا توحدت آراؤهم في البيت والشارع والمقهى حول موضوع معين، فبالتأكيد سيكون ذاك هو حديث الساعة بينهم ؛ وحديث الساعة الذي شغل المغاربة مؤخرا، وصرف غالبيتهم عما ينبغي أن يفكروا فيه من عظيم قضاياهم  السياسية والمجتمعية المصيرية، بما أثاره من ضجة إعلامية صاخبة اشتد معها القيل والقال، كثرت حولها التفسيرات والتحليلات، واحتد بسببها الجدل والنقاش، والتي من المؤكد أنه "حدث الساعة" ليس هو ادعاء أحد الذين وجدوا أنفسهم فجأة في مكان غير مكانهم وفي زمان غير زمانهم، بأنه "أذكى رجل في العالم".،  لأن ذلك شيء عادي لدى مجتمع مولع منذ وهلته الأولى بالإدعاءات، الذين يتورع جهلائها عن إدعاء المعرفة، ويسهل على حمقاها إدعاء الحكمة، و ييسر على ضعفائها الرفعة، ويهون على فقرائها الغنى، دون أن يحاول أي منهم أن يكونَ ما يدعيه، لإعتقادهم وإطمئنانهم إلى أنه لا أحد يجرؤ على نقد إدعاءاتهم أو تقريعهم على إنتحالهم صفات سامية لا يستحقونها، لمجرد إنتمائهم إلى أعقل الأمم وأكرمها وأشرفها واشجعها واذكاها، الذي جاء في قوله تعالى في سورة سورة آل عمران  الآية 110 "كنتم خير أمة أخرجت للناس" والذي يكتفي العالم العربي والإسلامي بالافتخار به فقط، دون أن يعمل أي منهما على تجسيد ذلك التميز على أرض الواقع، بتفعيل "الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله " المذكورة في نفس الآية : "تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" والتي يفصلونها عما بعدها، كما يفعل مع قوله تعالى "فويل للمصلين " الذي إعتدنا أن نتوقف عنده .

لكن الغير العادي والذي يستحق أن يكون بحق "حديث الساعة " هو السلوك الأرعن الذي وصل إلى أحط الدرجات التدني الأخلاقي،المستقى من الجهل المستحكم في ثقافتنا العرب/اسلامية، والذي يصعب معه على أي متابع للمشهد السياسي المغربي أن يتخذ موقفا حياديا تجاهه، والمتمثل في هجوم أحد محتكري القرار السياسي والتمثيل الديني ببلادنا، على العالم الفيزيائي الشهير ستيفن هوكينغ، واصفا إياه بأنه "حمار"، ليتبث أنه أذكى منه.

صحيح أنه يمكن أن تكون المجتمعات جاهلة ومتخلفة، ولكن الأخطر من ذلك، والذي يعد أسوء مصائب الجهل الذي لا يمنع صاحبه من الانحدار، هو أن نجد الذي يتبجح بالأخلاق الحميدة والفضائل الرفيعة في خطب الجمعة ومجالس الوعظ والإرشاد، هو من يحلل ويعلل ويؤول، حتى الذي لا يُحلل ولا يُعلل ولا يُؤول، ليجعل الجهل "مقدسا" ويبقي المجتمع يعمه في الجهالة العمياء وهو يظن أنه عالم..

حديث الساعة هذا، يذكرني أننا ننتمي إلى مجتمعات وقحة لكنها تسقط في كل إمتحانات "حسن السلوك" بنتيجة كارثية، وأختم مقالي هذا بــ،"الله يسبل علينا عقلنا" الدعاء الذي كانت تردده أمي، رحمها الله، أمام صور الجهل المركب..

 

حميد طولست

 

صادق السامرائيالأديان منذ الأزل هي تصورات ومعتقدات نسبية، ولهذا تطورت وتعددت، لكنها وبلا إستثناء ترى أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، وأن دينها هو الدين وغيرها لا دين، رغم أن جميعها تعبيرات عن الغيب الذي لا يمكن إدراكه، وتتوهم المطلق الذي يعجز المخلوق النسبي عن الإمساك بوعيه ومعرفته.

وبسبب هذا الموقف مضت البشرية في حروب وتصارعات متواصلة ولن تنتهي، إلا إذا أدركت الأديان بأنها ذات قدرات نسبية، ولا يمكنها أن تكون مطلقة الدراية وتمتلك جوهر الحقيقة .

وما يتفرع من كل دين يمارس ذات السلوك، فيترجم وهْمَه في أنه الذي وجد الحقيقة ويمثل الدين الأصوب والأصدق.

ويبدو أن التطورات المعرفية والعلمية في القرن الحادي والعشرين، ستضع الأديان على المحك، وستتوصل إلى حقائق مذهلة ربما ستزعزع جوهر العديد من الأديان، مما يعني أن الأديان ستنكمش وتحاول التمترس والإنغلاق.

 لكن تيارات التواصل الإليكتروني العابر للقارات والحدود  ستنتصر عليها، وستدفع الناس للتعامل الإنساني وإحترام حق الحياة، والتفاعل الواعي الذي سيضع المسميات الإعتقادية بأنواعها في آخر قائمة الخيارات والتفاعلات ما بين البشر الذي يصنع الحياة.

فلن تبقى قيمة للمسميات الدينية والإعتقادية والمذهبية والطائفية، وما شئت من تصنيفات التدمير البشري، إنها ستذهب في غياهب النسيان، وأنها في محنة التصارع على البقاء، وما هي إلا ستلفظ أنفاسها الأخيرة، وسيكون القرن الحادي والعشرون مقبرتها، ولن ينجو من أهوال إشراقاته وأنواره إلا التي ستؤمن بالعقل والعلم والبحث، وترى الحقائق نسبية وذات أعمار تتناسب عكسيا وسرعة تيار الفيض المعرفي والعلمي.

فلا مطلق فوق أرض تدور، فإثبات دوران الأرض قد زعزع المطلق الذي  كانت الأديان تتوهمه، لأنها كانت تحسب أن الأرض مركز الكون وأنها ثابتة، بمعنى أن التغيير لا وجود له، وأن العقائد الدينية لا تقبل النظر والتفاعل مع إرادة الدوران.

فما دامت الأرض تدور فلا مطلق فيها، وإنما كل شيئ محكوم بنسبية قابضة على مصيره، فالأرض ليست وعاءً للمطلقات الإعتقادية، ولهذا تتقاتل فيها المطلقات!!

وعليه فأن الإنسان لا بد له من التفاعل مع هذا العصر المتدفق بالمستجدات والعطاءات الإبداعية الأصيلة، وأن يكون مشاركا فيه لا عالة عليه، وأن يحترم العقل الآخر والرأي الذي عند أي إنسان.

فهل أدركنا حقيقة الدين والإيمان؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

علي عليلا خلاف أن عبارات كثيرة تفرض نفسها ضيفا على سطور كاتب المقال، منها ثقيلة الظل ومنها خفيفته، وكثيرة أيضا المفردات التي تتصدر مانشيتات الصحف والمجلات، أو التي لايرى الخطيب بدا من الاستدلال بها او التنويه عنها او الاتكاء عليها في خطبته، وقطعا كل فرد من هؤلاء يجد في مفرداته تلك ضالته في التعبير عما يقصده، أو قد يواري خلفها مايبطنه من مقاصد، وهذه الأخيرة قد تأتي بنية شريفة أو غير شريفة. من تلك المفردات مفردة شاع استخدامها في العقد الأخير على نحو واسع وعلى أكثر من لسان وفي أكثر من محفل، وتحديدا بعد (عام السعد) عام 2003 تلك هي مفردة (الآخر)..!

 من البديهي في حياتنا أن هناك شيئا.. وهناك شيء آخر، وأن هناك شخصا.. وهناك شخص آخر، كذلك هناك هوىً.. وهناك هوىً آخر. ومادام لكل شيء شيء آخر؛ فإن الشيء الآخر ينظر للشيء بأنه شيء آخر لامحالة، وبتحصيل حاصل بالإمكان القول أن الأشياء قد تختلف فيما بينها، وقد يكون الاختلاف كبيرا، إلا أن الشيء المؤكد أنها تلتقي في نقطة واحدة، حيث يكمل الشيء بالشيء. بمعنى آخر أن الأضداد أحيانا تشكل بضديتها ناتجا جميلا، بل أحيانا أخرى لايظهر جمال الشيء إلا ببعض من جمال الشيء الآخر، كما قال الشاعر علي بن جبلة الأبناوي:

فالوجـه مثل الصبح منبلج

                     والشـعر مثل الليل مسـود

ضدان لما استجمعا حسنـا

                     والضد يظهر حسـنه الضد

ولو خضنا في بحر الأضداد والأشياء المختلفة، لما احتوت صيدنا عشرات المجلدات والكتب، وكذلك عشرات الأعداد من الصحف.

 مالفت انتباهي خلال السنوات الخوالي، ازدياد ترديد مفردة (الآخر) على لسان ساستنا في عراقنا الجديد، حتى غدا التأكيد عليها الغرض الرئيس في خطبهم ومقالاتهم ورسالاتهم. فما إن يمسك أحدهم بمايكروفون في منصة او على شاشة إحدى الفضائيات، إلا وراح يندد بـ (الآخر) ويقذفه بوابل من الاتهامات، ويلصق به من الصفات أشنعها، ومن الخصال أقبحها، وفي الوقت ذاته يتمشدق (الآخر) بملء شدقيه معلنا معارضته لـ (الآخر) ورفضه العيش معه على الكرة الأرضية برمتها، وقطعا كل من (الآخر) و(الآخر) -لو علموا- لاغنى لهما عن بعضهما رضوا أم أبوا.

 وبصريح العبارة فإن من يضع مقاييس تعامله مع رفاقه في شوط الحياة، في قالب حجري لايقبل التحضر والتغير للأحسن، وتمسكه بالراديكالية الرجعية، هو في وهم كبير من حيث يشعر ولايشعر، إذ هو في رفضه لـ (الآخر) إنما يرفض ديناميكية الحياة وحركتها الدؤوبة في اتجاهاتها كافة، وكما نقول في مثلنا الدارج: (إيد وحده ماتصفگ).

 ولو قمنا بعملية جرد سريعة نحصي بها مستخدمي مفردة (الآخر) فإني أكاد أجزم وأبصم بالعشرة، أن النسبة العظمى منهم سيشكلها سياسيو مابعد عام 2003. فهم من كرسوا ما استطاعوا من جهد، وما أوتوا من قوة، لتعزيزها بين شرائح المجتمع، ولاينكر أنهم حققوا بعضا من مأربهم وغايتهم في هذا، إذ استغفلوا باساليبهم الملتوية وطرائقهم الماكرة فئة كبيرة من أبناء المجتمع العراقي، فراح الأخيرون ينهجون النهج ذاته في تقييم معيتهم، سواء أكان هذا في محال عملهم، أم في مناطق سكنهم، حتى صار (الآخر) يمثل الجانب المظلم بعين (الآخر)، وغابت عن أذهانهم -أو غُيّبت قسرا- حقيقة أن للقمر المنير وجهين، أحدهما مظلم حتما، وهذا لايعني طبعا فضل الوجه الآخر عليه، فلكل دوره ومكانته و “كل في فلك يسبحون”.

الآخر إذن، ليس عكس الآخر دائما، كما أنه لا يضده عادة، كذلك ليس بالضرورة أن يتنافرا، بل العكس هو الذي يفرض وجوده ويحتم على الجميع سياسته، وقد قيل منذ قديم الأزمان والعصور:

الناس للناس من بدو ومن حضر

                     بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

 

علي علي

 

علجية عيشللأمير عبد القادر الجزائري (رسالة كتبها في شهر رمضان)

ما قيل أن الإنسان مدنيٌّ بالطبع، ولو وُجِدَ وحده في هذا الكون لهلك،  فهو في حاجة إلى أمور أخرى غير التي توجد في الطبيعة التي يصنع منها غذاءه وملبسه ويشكل منها مأواه، وهو  وحده لا يستطيع فعل شيئ، ولذا فهو(أي الإنسان)  في حاجة إلى من يشاركه الحياة الإجتماعية، أي إلى من يتواصل معه ويخاطبه، وكلاهما في حاجة إلى أن يصل النسيم إلى قلبيهما ساعة بعد ساعة، إلا أنه في عصرنا هذا  أضحى الإنسان عدو لأخيه في ظل الحروب والثورات، وانتشار الأعمال الإرهابية فحدثت الإنقسامية، ووقع الصراع بين الأنا والآخر وهي ظاهرة حبست فيها المجتمعات العربية نفسها بفعل الإنسداد الذي آلت إليه اليوم، انسداد عالم تطبعه المادية، عالم يفتقر للإنطلاقة الروحية الموحدة.

تقودنا هذه المقدمة القصيرة  إلى أن نسترجع آثار الأمير عبد القادر الجزائري التي تركها أثناء إقامته ببروسا - تركيا- وهي عبارة عن رسالة تحت عنوان: "ذكرى العاقل وتنبيه الغافل" ألفها في يوم الإثنين من رمضان سنة 1271 هجرية الموافق لسنة 1855 ميلادية، وترجمت إلى الفرنسية على لسان غسطاف ديغا قنصل فرنسا بدمشق سنة 1858، ثم ترجمها رونيه خوام  سنة 1977 وغير عنوانها لتصبح: من "ذكرى العاقل وتنبيه الغافل" إلى "رسالة إلى الفرنسيين"،  وتوجد مخطوطة من هذه الرسالة بمكتبة الشيخ عبد القادر المجاوي، كما حصل على نسخة منها الدكتور عمار طالبي، الذي اشار أنه تحصل عليها  بدوره من الدكتور عبد الرزاق قسوم، وهو الذي صورها له من المكتبة الوطنية بباريس، كما طبعت نسخة منها من طرف الدكتور ممدوح حقي سنة 1966، أما النسخة التي بين أيدينا وهي في شكل كتاب من الحجم الصغير بعنوان رسالة إلى الفرنسيينن فقد كانت بتصدير من الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.

لقد وضع الأمير عبد القادر بالتلميح وبصفة ضمنية  المعالم ألساسية لحداثة إنسية قادرة على اطراد تكوير ملكات التجديد والإبداع، وهو بهذا واحد من رواد نهضة الحضارة أفسلامية التي لا تزال في اولى بداياتها، تعتريها غالبا الإختلاجات، والتي تعتزم الجزائر أن تكون حلقة من حلقاتها الفعالة في الحوار الجتد والسخي مع سائر الحضارات، فقد  تحدث الأمير عبد القادر الجزائري  في هذه الرسالة عن فضل العلم والعلماء، وأسهب في الحديث عن العقل ودوره في حياة الإنسان، فهو كما قال منبع العلم وأساسه، وإذا حصلت هذه القوة يسمى صاحبها عاقلا، ولما كانت معرفة النفوس مركوزة في النفوس بالخلقة انقسم الناس إلى من أعرض فنسي، وهم " الجُهَّالُ "، وإلى من أجال خاطره فتذكر، وهم " العلماء " فكان هذا القسم كمن حمل شهادة فنسيها بسبب الغفلة، ثم تذكرها، ثم قال ان العقول  متفاوتة بحسب خلقة الله تعالى، فعقول الأنبياء ليست كعقول سائر الناس، ومما جاء في الرسالة أن الإنسان مدني بطبعه فهو محتاج إلى التمدن والإجتماع مع ابناء جنسه، ولكن مهما اجتمع الناس فس المنازل والبلاد، وتواصلوا وتعاملوا، تولدت بينهم خصومات، ولو تلكوا لتقالةا وهلكوا، ولذا جاءت صناعة الحُكْمِ لفصل الخصومات وغيرها من العلوم لاسيما علم القانون وعلم الجندية لحراسة البلد بالسيف، وهذه أمور مخصوصة لا يقوم بها إلا مخصوصون بالعلم والتمييز, ز قال الأمير عبد القادر الجزائري أن العقلاء في حاجة إلى علوم الأنبياء، وتحدث في فصل عن إثبات النبوة، عندما أشار إلى أن بعض العقلاء استبعدوا  مدركات النبوة ولم يعملوا بها، وأثبت أن وراء كمال العقل كمال آخر أعلى من كمال العقل.

وأراد الأمير عبد القادر بالنبوة " النوم"، لأن النائم يدرك أمورا تكون في المستقبل، إما صريحا، وإمّا بإشارة يعرفها المعبرون  للرؤيا، وفي فصل آخر تحدث الأمير عبد القادر عن الكتابة واعتبرها عين العيون بها يبصر الشاهد الغائب، وفي الكتابة نعبير عن الضمير بما لا ينطق به اللسان، ولذا قيل القلم أحد اللسانين، بل الكتابة ابلغ من اللسان، وقد خصّ صاجب الرسالة فصل كامل عن عدد كتابات الأمم من سكان المشرق والمغرب وقال ان عددها 12 كتابة وهي: (الفراسية والعربية واليونانية والسريانية والعبرانية والرومية والقبطية والبرربرية ( التيفيناغ) والأندلسية والهندية والصينية، وأضاف أن 05 منها  بطل استعمالها وهي: الحميرية  واليونانية والقبطية والبربرية والأندلسية، وركز على الكتابة  الفارسية، حيث قال: وإن كان جنسها واحد  ففيها  ستة (06 ) أنواع من الخطوط، وحروفها مركبة من  ابجد هوزكلمن سفارش تخذغ فالثاء المثلثة والحاء المهملة والصاد والضاد والطاء والظاء والعين المهملة ايضا والقاف سواقط عندهم، وقال أن أول من وضع الكتابة الفارسية كهمورث أو كيمورث بن أميم ثالث ملوك الفرس الأولى، ويقال أنه أول من تكلم بالفارسية.

وحول انقسام الناس تكلم الأمير عبد القادر الجزائر عن الفرنج والعرب ويقول أن جدهم واحد، إذ يقول: وأما الفرنج فهم من ولد يافث بن نوح ( كما في التوراة) ويقال لهم فرنسوس وقاعدة بلادهم أَفْرَنْسْ ( سين مهملة)، وأما العرب فهم من ولد يام بن نوح، وهم الأمّة الرحالة، يسكنون الخيانم، ويركبون الخيل ويكسبون الأنعام ويقومون عليها ويقتاتوت بألبانها ويتذون  اللباس والأثاث من أوبارها واشعارها، ويبتغون الرزظق من الصيد وقطع الطرق والغارات على من جاورهم من الأمم، وذكر طبيعة عيشهم والألهة التي كلنوا يعبدونها ايام الجاهلية ومنهم من كان يميل إلى اليهودية، وما  يتميزون به من علوم وتعبير الرؤيا ونظم الأشعار والخطب.

 

علجية عيش

 

نايف عبوشالمتابع لحركة الأسعار في السوق النفطية العالمية، يلاحظ عدم استقرار الأسعار، حيث باتت أسعار سوق النفط تتسم بالتقلب المستمر، صعودا، وهبوطا، بين الفينة والأخرى، مع أنها سوق عريقة، ولها معاييرها الرصينة الخاصة بها .

فبالرغم من أن النفط سلعة اقتصادية، وتخضع لمعايير التبادل التجاري التقليدية، نظريا ، شأنها شأن أي سلعة أخرى ، حيث أن الأسعار في هذه الحالة، ينبغي أن تخضع تقليديا لمفاعيل قانون العرض، والطلب، وبالتالي فأن أي زيادة متوقعة في الطلب، ولأي سبب كان، مع بقاء العرض ثابتا، ينبغي أن تنعكس طرديا بتوجه الأسعار نحو الزيادة تلقائياً ، والعكس صحيح.

ومع ان تلك القاعدة هي التي تحكم الاتجاه العام لتحديد سعر النفط في السوق، شانه شأن ان سلعة أخرى، إلا أن سلعة النفط تميزت بالإضافة إلى ذلك، بأنها سلعة استراتيجية، لها صلة مباشرة بالطاقة ، بمعنى أن القرار السياسي للدول المنتجة، والمستهلكة، وخاصة القوى الصناعية الكبرى منها، يلعب دوراً كبيراً في تحديد ميل حركة الأسعار، وتذبذبها، وعدم استقرار في السوق .

ولأن النفط سلعة استراتيجية، فقد افرز ذلك الأمر، حاجة المستهلكين الكبار إلى الاحتفاظ بخزين استراتيجي لتغطية الحاجة، وسد الطلب، في الحالات الطارئة، فلا شك أن حجم الخزين الاستراتيجي، يلعب دوراً كبيراً في حركة تذبذب الأسعار، حيث باتت أسعار النفط تتأثر ببيانات المخزون الاستراتيجي، وخاصة المخزون النفطي الأميركي، باعتبار أن الولايات المتحدة أكبر مستهلك، وأكبر منتج للنفط في العالم، وبالتالي فأن بيانات حركة مخزونها النفطي الاستراتيجي، تؤثر بشكل مباشر، في قرارات الوسطاء، والمضاربين ، المتعاملين في تجارة النفط في السوق، مما ينعكس على أسعار النفط في السوق سلباً، أو إيجاباً .

ولأن البلدان المنتجة والمستهلكة تتوزع في كل القارات تقريبا، ومتباعدة عن بعضها، وحيث ان انتاج النفط، والشحن البحري والنقل بالصهاريج يتأثر بالظروف الجوية، وحالة الطقس ، الأمر الذي يؤدي أحيانا إلى توقف الإنتاج في بعض البلدان، أو تأخر الإمدادات بالشحن، نتيجة العواصف، في مناطق الإنتاج ، والضباب في الموانئ، والأعاصير في خطوط الشحن البحري.

وتلعب أساليب تقنيات الإنتاج المستخدمة في مفاصل صناعة استخراج، وتصفية النفط، هي الأخرى، دورا مهما في انسيابية الإمدادات، وبالتالي فإن أي خلل فني مفاجئ في أي حلقة من حلقات مفاصل الإنتاج، قد يؤدي إلى توقف إنتاج النفط أو نقله أو تكريره،مما ينعكس على الأسعار في السوق النفطية.

وهكذا تكون عملية تسعير النفط، وضبط استقرار الأسعار في السوق النفطية، عملية معقدة، نتيجة تعدد المتغيرات،والعوامل التي تتحكم في دالة تحديد الأسعار، مما يجعل توقعات الأسعار، والتنبؤ باتجاهاتها، عملية صعبة وخاصة في المدى البعيد، وذلك بالرغم من تقليدية، وعراقة التعاملات في السوق النفطية.

 

نايف عبوش

 

 

عبد الحسين شعبانحظيت مبادرة جامعتي بغداد وكويسنجق للحوار العربي - الكردي باهتمام كبير، ولا سيّما أنها جاءت بعد عام ونصف العام تقريباً من توتر العلاقات بين بغداد وأربيل إثر الاستفتاء الكردي (25 سبتمبر / أيلول 2017)، خصوصاً في ظلّ التباسات وألغام احتواها الدستور، منها المادة 140 المرحّلة من المادة 58 من «قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية»، والمناطق المتنازع عليها وقضايا النفط، والمركز القانوني للبيشمركة، والمنافذ الحدودية وغيرها.

ولذلك، فإن فتح قناة حوارية جديدة من خلال الوسط الأكاديمي الذي استضافته أربيل ومدينة كويسنجق التاريخية العريقة، مسألة مهمة لأن الاستثمار في الحوار أجدى وأكثر نفعاً لحل القضايا الخلافية، فقتال نصف ساعة أسوأ بكثير من حوار عقدين من الزمان على حد تعبير مسعود البرزاني رئيس إقليم كردستان السابق. وأظن أن ذلك أحد دروس التاريخ وعِبَر الحياة التي ينبغي أن يعيها الكرد والعرب ويدركوا معانيها جيداً، ليس على صعيد الحاضر، بل على صعيد المستقبل، فضلاً عن تمثّلها فعلياً، لأن الصراع، ولا سيما المسلح، ما إن يبدأ، لا يستطيع أي من المتحاربين أن يحدّد نهاية له.

لقد فشلت الحكومات المتعاقبة في العهدين الملكي والجمهوري في القضاء على الحركة الكردية المسلّحة، لأنها تعبّر عن مطالب عادلة ومشروعة، أساسها حق تقرير المصير للشعب الكردي. ولذلك كانت تضطر بين فترة وأخرى للجوء إلى المفاوضات والحوار وتوقيع اتفاقيات هدنة أو سلام. وإذا كانت الحلول والمعالجات التي وضعتها الحكومات لم تلبِ حقوق الكرد التي تطورت مع تطور القمع والاستبداد الذي عاشه العراق، ولا سيّما في ظلّ النظام السابق، ولم تتمكن من إرساء قاعدة سليمة وأمينة للعلاقات على أساس الثقة والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، فإن الحركات الكردية لم تستطع أن تحقّق أهدافها عبر السلاح أيضاً، وأخفقت في نيل مطالبها العادلة والمشروعة في ظل الاحتراب والاقتتال.

وإذا كان اللجوء إلى السلاح دفاعاً عن النفس اضطراراً، فقد انتهت تلك المرحلة، ولم يعد الاستثمار فيها ممكناً، ولا سيّما في ظلّ التوجّه العالمي للإقرار بالحقوق والحرّيات والاعتراف بالتنوّع والتعدّدية، بل أصبح الاستثمار في قضايا السلام والتسامح وحقوق الإنسان هو الأساس بما يساعد في تعزيز دور ومكانة الحوار للوصول إلى تحقيق الأهداف.

الحوار إحدى وسائل «القوة الناعمة»، فما بالك إذا كان أكاديمياً يشمل تيارات وأنشطة وفاعليات متنوعة، فبإمكانه حينئذ أن يتحوّل إلى «قوة اقتراح» مؤثرة وفاعلة تُضاف إلى الدور الذي يمكن أن يضطلع به المجتمع المدني والإعلام، بما يعزّز روح التفاهم والتعاون والمشترك الإنساني. وتتأتّى أهمية «قوة الاقتراح» من خلال تقديم «مشاريع قوانين» و«اقتراح لوائح وأنظمة»، فضلاً عن رصد ومراقبة تنفيذ الخطط والمشاريع، بما يساعد في مأسسة الحوار وإيجاد منصّات لتبادل الآراء والأفكار على نحو منظم ومستمر بين أصحاب القرار والأكاديميين.

كان واحداً من الاقتراحات التي تلقاها مؤتمر الحوار الأكاديمي، تأسيس معهد للحوار العربي - الكردي، يبحث في قضايا التعاون والعمل المشترك بما «يعظّم الجوامع» و«يقلّص الفوارق» التي ستظل قائمة لا يمكن إلغاؤها، ولكن لا بدّ من احترامها ومراعاتها استناداً إلى تعبيراتها عن هويّة خاصة.

وكان مثل هذا الحوار قد انطلق بعد نحو عام أيضاً في عمان بمبادرة من الأمير الحسن بن طلال، حين دعا نخبة من المثقفين العرب والكرد لحوار معرفي وثقافي، أساسه المشترك الإنساني، وأعقبه بعد خمسة أشهر بحوار لأعمدة الأمة الأربعة ضم: عرباً وتركاً وفرساً وكرداً، وقد تواصل الحوار في عواصم عربية أخرى مثل تونس وبيروت، الأمر الذي يؤكد أن الحوار أصبح ضرورة لا غنى عنها، وحاجة ماسّة بقدر ما هو خيار إيجابي أيضاً، يُسهم في التقارب والتواصل والتفاعل على أساس الأخوة العربية - الكردية التي رفع اليسار العراقي لواءها منذ الثلاثينات من القرن الماضي، حيث كان شعاره «على صخرة الأخوة العربية - الكردية تتحطّم مؤامرات الاستعمار والرجعية».

لم يكن الحوار في كويسنجق بين فريقين متناحرين هدفه التغالب والتكاسب، بل البحث في المشاكل الحقيقية ببعدها الأكاديمي والثقافي والأدبي والفني والتاريخي، فهو حوار مفتوح بين أكاديميين تجمعهم هموم مشتركة دون أن يعني ذلك عدم وجود خلافات واختلافات بينهم حول التاريخ واللحظة الراهنة وحول المستقبل، وهو أمر طبيعي، ولا سيّما إذا أُريدت الاستفادة من دروس التاريخ، والبحث عن قيم التحرّر والحرية والمساواة والعدالة والشراكة والمشاركة، ذلك أن الأمتين العربية والكردية عانتا من التقسيم الذي استهدف تفتيتهما وتوزيعهما على دول وكيانات، ولذلك يبقى حق تقرير المصير، بصفته مبدأ قانونياً وسياسياً معترفاً به من الأمم المتحدة، هدفاً مشروعاً للأمتين العريقتين، ويبقى لنا أن نعرف ماذا يريد العرب من الكرد؟ وماذا يريد الكرد من العرب؟ ومَن أصدقاء الكرد؟ ومَن أعداؤهم؟ وهو سؤال كان قد تردّد في أول حوار عربي - كردي انطلق في لندن في رحاب المنظمة العربية لحقوق الإنسان قبل 27 عاماً، ولا يزال صداه مستمراً حتى الآن.

 

عبد الحسين شعبان

 

صادق السامرائيأن تتقهقر للحفاظ على الهوية، فتصبح صورة الماضي هي الصورة الطاغية على الحياة، وبموجبها ينتفي المستقبل وينكمش الحاضر أو يغيب.

والأمم الحية عندما تتعرض لهجمات قاسية ذات إرادة محق وتدمير فتاك، وتعجز عن المواجهة والتحدي والوقوف شامخة بوجه التيار العارم الذي يجتاحها، تتزعزع هويتها أو تصبح مهددة بالزوال، فلا تجد بدأ من الرجوع إلى ماضيها والتمسك به وإعلاء شأنه والتعبير من خلاله عن وجودها ومنطلقات مصيرها.

وما يدور في واقعنا العربي يمكن تفسيره وفقا لهذا الإقتراب الذي تكرر في حياة الأمة، وتمكن من مساعدها على الصمود أمام المواجهات العظمى التي كادت أن تلغيها وتقتلع جذورها، لكنها إنتصرت عليها بإرادة ماضيها، وجوهر ما فيها.

وكان ذلك السلوك معينا لها في العصور الماضية، وحتى منتصف القرن العشرين، لكن الدنيا قد تغيرت بسرعة مذهلة في العقود الماضية، ومضت متسارعة في القرن الحادي والعشرين، مما جعل الأساليب القديمة غير صالحة ولا تنفع في المحافظة على وجود أمة تداهمها الأخطار الجسام.

فالإندحار بالتراث لا يقي الأمة ولن يساعدها على الصمود والتحدي كما كانت في القرون الخوالي، ذلك أن القدرات التكنولوجية بأنواعها قد هيمنت على الوجود الأرضي، وأصبح من اللازم أن ترتقي الأمة بقدراتها البقائية إلى العصر الذي هي فيه، فلن ولن تنفعها مكنوناتها التراثية إذا فقدت ما عندها من طاقات معاصرة تعجز عن تسخيرها لبناء وجودها المناسب.

كما أن إيقاع العصر قد بلغ درجات فائقة من السرعة، ولا يمكن الوقوف والترقب والمراقبة، لأن ذلك سيعني أن التدحرج إلى الوراء سيكون حتميا، حتى ولو لم تتحرك الأمة، لأن الوقوف بمعناه المعاصر يعني السير إلى الوراء.

وعليه فالمطلوب تحقيق التفاعل الجاد والمجتهد مع معطيات العصر، والوصول بالقدرات الذاتية إلى مصاف المجتمعات المتحركة على سكة الصعود، والتسابق في ميادين العطاء الإبداعي الأصيل.

مما يوجب إعمال العقول وتغيير الرؤى والتصورات، وعدم الإعتماد على الأفكار البالية والنظريات الغابرة، والتوهم بأن القوة في الماضي وحسب، لأن القوة الحقيقية في إطلاق قدرات مجموع الأمة وتركيزها في وعاء التوثب الحضاري المشرق المنير.

فعلينا أن نكون أنوارا في مشكاة الإنطلاق الإبداعي المنير.

فهل لنا أن نتألق في حاضرنا ومستقبلنا، ونتأمل الماضي بعيون البصيرة الواعية لخطوات المسير؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

صائب خليللو كنت مكان إسرائيل، لخصصت لجنة من بضعة اشخاص في مركز قيادة العمليات الأمريكية في بغداد، (والتي تسمى سفارة)، مهمتها أن تراقب أي حدث في البلاد، وتجتمع بسرعة فور وصول إشارة بحصوله، للبحث عن افضل طريقة لاستخدام الحدث كشرارة لأحداث تخدم اجندتها، مثل خلق شق جديد في الصف العراقي، وافتعال الهاء جديد يستر المسيرة الحثيثة الى الهاوية التي يقود البلاد اليها رجالها في الحكومة.

لو كنت مكان إسرائيل لفكرت بهذا.. لذلك فمن المعقول جداً أن هذه اللجنة موجودة بالفعل، وفي هذه الحالة، ما الذي سترجوه هذه اللجنة من موضوع هيفاء الأمين؟ وهل تحققت بعض امنياتها؟ يمكننا ان نرى إن الخاتمة التي وصلنا إليها، قد حققت ما يلي:

أ - "إنجازات" مباشرة للجهات المشاركة في المعركة هي:

1- تسويق هيفاء الأمين بين "رفاقها" كمدافع عن قيمهم ومواقفهم مثل حقهم باعتناق ما يؤمنون به وما لا يؤمنون، وحول ملابس المرأة والموقف من قانون الأحوال المدنية الجعفري، والشعور بالتعاطف معها، حتى لو لم يكونوا معها في موقفها من الاحتلال والسعودية والتوافق مع الفاسدين.

2- إعادة الاعتبار لهيفاء الأمين ضمن الحزب، بعد ان وضع الكثيرون عليها علامات استفهام لما تسببه للحزب من احراجات تعزى أما الى أجندة مخفية مقلقة، او ببساطة الى محدودية قدرتها على التفكير وحساب نتائج اقوالها.

3- هذا سيقدم لهيفاء الأمين الحماية اللازمة لتمكينها من اطلاق تصريحاتها الداعمة للاحتلال وتوابعه بجرأة اكبر.

4- دعم الأحزاب والمؤسسات الدينية التي تعاني من نفور الناس لإغراقها في الفساد، وإعادة تسويقها كمدافع عن "الحق المذهبي" لتخفيف انتباه الناس الى فسادها وتماهيها مع الاحتلال.

ب - "إنجازات" أخرى تتعلق بالوضع والأحداث العامة في هذه الفترة في العراق:

5- ترسيخ الإحساس لدى الجانب المعارض للمواقف المداهنة لجماعة إسرائيل، بالإحباط وأنه "يغرد خارج السرب" فيخفض صوته، مقابل إحساس الجانب المؤيد لها بشجاعة اكبر فيرتفع صوته، معطيا انطباعا في الحالتين بأن اتجاه التماهي مع إسرائيل في الحزب اكبر من حقيقته. هذا يعني إصابة الجهات التي تحاول إعادة بوصلة الشيوعيين إلى اتجاهها بضربة مباشرة. تلك الجهات التي تحاول إعادة الوعي للحزب وناخبيه ومؤيديه بان الخطر يأتي من الاحتلال ومن إسرائيل، وليس من الدين والإسلاميين، وتقديم مثال عملي على العكس وتثبيت الإسلام والمسلمين باعتبارهم الخطر المباشر على الشيوعيين والعلمانيين، وان لا مفر من التحالف مع اقطاب اميركا وإسرائيل في البلاد لحمايتهم من خطر هؤلاء.

6- التغطية على التحالف الجديد الذي يقوده سعد عاصم الجنابي – صهر الجنرال كارنر، ويعتزم الحزب الشيوعي دخوله مع مثال الآلوسي من خلال نسيانه من جهة، ومن خلال النقاط أعلاه التي تجعل رفضه اقل أهمية من الجهة الأخرى.

7- إلهاء الناس عن المؤامرات الأمريكية مثل الحرب على إيران والتي هي في الحقيقة جزء من مؤامرة على المنطقة ستتيح لإسرائيل فرض تراجعات على كل دولها واحدة واحدة، عندما يأتي دورها.

8- دفع مشروع قانون طرد جيش الاحتلال إلى الوراء بعيدا عن أولويات الناس وتخليص الأحزاب التي وعدت به، والتي تقف معه، من الإحراج، وتلك التي تقف ضده من الافتضاح بالعمالة الصريحة للاحتلال.

9- التغطية على الاتفاقات الاقتصادية المتسارعة التي تقوم بها الحكومة لإغراق البلد وتكبيله لحساب خطة أميركا وإسرائيل.

ج - "إنجازات" عامة بعيدة المدى:

10- تسميم الجو السياسي في العراق بشكل عام، واستبعاد طرق الحوار لحل الخلافات وتشجيع اللجوء للعنف اللفظي، خاصة بين العلمانيين والمتدينين في العراق، وهو ما يضمن ادامة تلك الخلافات. وهذا الهدف بالمناسبة كان من اهم الاهداف التي سعى اليها موقع “الحوار المتمدن”.

11 - تأكيد مشاعر العدائية الداخلية والخوف من الآخر في العراق وتوجيهها بعيدا عن الاحتلال

12- إحداث شق إضافي او "طائفية" من نوع آخر، في مكونات المجتمع العراقي

13- اصابة من يأمل بوحدة الشعب العراقي بالإحباط ودفعه خطوة أخرى نحو اليأس، وتقليل نشاطه

14- بالمقابل تنشيط الدعوة للأقاليم واللامركزية وكل ما من شأنه تقريب موعد إكمال الخطة الأساسية لإسرائيل في تفتيت العراق

إلى أي مدى دفعت هذه المعركة العراق والمجتمع العراقي باتجاه كل نقطة من تلك النقاط؟ هذا صعب التقدير من ناحية الحجم، لكن الاتجاه واضح تماما، مثلما هو واضح من الذي انتصر. فكما نرى فأن هيفاء الأمين خرجت من المعركة كأكبر مستفيدة، ويأتي بعدها قادة حزبها الحريصين على استمرار دفع الحزب باتجاه تل ابيب وممثليها في العراق والمنطقة. ومما لا شك فيه ان الأحزاب الفاسدة المغرقة في قرصنة النفط، قد تنفست الصعداء وأخيراً هناك السفارة، المنتصر الأكبر في كل القضية. إنها اهداف عزيزة جدا على السفارة، ولا نستطيع ان نجزم أن تلك "الإنجازات" قد جاءتها بمساعدة جهد بذلته أم وصلتها مجاناً تماماً، لكننا لن نستغرب ان علمنا انه كان هناك احتفال وسعادة وشرب انخاب في السفارة في الليلة الماضية.

فمن هو الخاسر إذن؟ إنه العراق، وشعب العراق، ومن يتمنى له ان يبقى على قيد الحياة!

 

صائب خليل

 

وداد فرحانلقد أثارت الاهتمام تلك الحملة الواسعة ضد العراقية هيفاء الأمين النائبة في مجلس النواب العراقي، ضد جملة قالتها ضمن محاضرة لها، أشارت فيها الى تخلف الجنوب مقارنة ببغداد وكردستان.

ولم أجد في حيثيات المعنى أي إشارة أو تبطين الى إساءة في هذا السياق، موجهة الى أهلها الجنوبيين الذين تنتمي لهم.

ورغم إن دوافع هذه الهجمة مشخصة، إلا ان من المنطقي أن نقرأ المعنى ومفردات التصريح قبل الانجرار الى ركب المسقطين، وهذه دعوة للاستماع الى شريط الفيديو الذي تحدثت فيه ولا نستعجل الحكم عبر تكرار ببغاوي.

أرادت الأمين أن تضع اصبعها على الجرح، وترقى بالجنوب الذي يشكو التخلف في بناه التحتية، ويئن من الإهمال المتواصل، كي يرقى الى مستوى المواطن الجنوبي وتاريخه الحضاري.

فبدلا من الشد على يدها وهي تحاول أن تشخص المشكلة التي يعرفها القاصي والداني، أن الجنوب مهمل فشبكات مائه وكهربائه وطرقه متخلفة، لا ترقى لما يستحقه الجنوبيون.

 هيفاء الأمين لبوة تصطاد الفرائس، لتضعها أمام اسود الغابة المتمايلين بفروات بهرجهم، وضعت فريسة التخلف أمامهم لكنهم ينفرون من معالجتها، بعضهم يطمر راسه في رمال الـ "شعليَّه"، والآخر يصيح بلسان فصيح ينفش ريش صدره القوس قزحي، متناسيا أن قدميه منغمستان في الوحل.

أيها السباع الزائرون،

أن هيفاء لبوة أرادت أن تصطاد لكم وأنتم نائمون، فلمَ تزأرون؟

 

وداد فرحان - سيدني