في معرض إعلان رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي عن تأسيس المجلس الأعلى لمكافحة الفساد في العراق يوم 31 كانون الاول (ديسمبر) 2018، قال إنه "عقد العزم على مكافحة الفساد ومحاربة المفسدين، وبإرادة صادقة وجادة، تنفيذاً لتطلعات الشعب والبرنامج الحكومي"، مؤكداً إدراكه خطورة الفساد وتأثيره المدمرعلى العباد والبلاد، وامتثالا لاتفاق الأمم المتحدة لمكافحته.

تزامنا مع تأسيس المجلس، الذي انبثق عن القرار رقم 70، نشرت لي صحيفة "الحياة" في 16 شباط (فبراير) 2019 مقالة بعنوان: "العراق: 70 جعجعة بلا طحن" قلت فيه: "لا أعتقد أن المواطن العراقي سوف يفرح وتنفرج أساريره ولن يتوهم بأن المجلس الجديد سيكافح الفساد ويعاقب المفسدين... وفي العراق الجديد، كلما أراد مسؤول تسويف قضية ما وطمسها ورميها في سلة المهملات، فإنه يقوم بتشكيل لجنة خاصة بها".

وهذا ما يحدث فعلا، إذ بعد مضي أقل من خمسة أشهر على تأسيس المجلس، أصدر في ختام جلسته الحادية عشرة يوم الخميس 9 أيار (مايو) 2019، بياناً أريد منه تكميم أفواه المنتقدين وتحجيم الكتاب ووسائل الإعلام، بدلاً من مساعدتهم في الحصول على المعلومة وفضح المفسدين ومعاقبتهم، جاء فيه: "إن المجلس أشار إلى الاتهامات التي تساق بحق المسؤولين الحكوميين في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من قبل جهات وأشخاص بغض النظر عن مسمياتهم وصفاتهم الوظيفية"، مطالباً "بضرورة تقديم الأدلة على هذه الاتهامات إلى المجلس الأعلى لمكافحة الفساد خلال مدة أسبوعين، وبخلافه يحتفظ المجلس باتخاذ الاجراءات القانونية في حق مطلقي الاتهامات".

هذا البيان المخيب للآمال، جاء مفاجئاً للشارع العراقي. ففي وقت كان العراقيون ينتظرون بفارغ الصبر صولة حكومية على الفاسدين، جاء البيان متناغماً معهم ورادعاً للجهود التي تبذلها وسائل الإعلام في كشف المفسدين وفضح الفساد المستشري في جسد الدولة، وفيه تهديد بتكميم الأفواه وفرض الأمر الواقع على الصحافة والإعلام بالاستسلام ورفع الرايات البيضاء.

ماذا فعل المجلس حيال ملفات الفساد المتراكمة في غرف "هيئة النزاهة" ومكاتب المفتشين والوزارات السيادية والخدمية؟ وهل تمت محاسبة مسؤول رفيع، أو أحيل أحد سارقي المال العام على القضاء؟ ولا أقصد هنا الموظف البسيط الذي يتقاضى أجرا زهيداً لا يسد رمقه أو يكفل حياة هانئة كريمة لعائلته.

البيان المثير للجدل، لا يعدو كونه محاولة للتضييق على الحريات ومصادرة حق التعبير وتفريغ وسائل الإعلام من محتواها، وتحويلها من رقيب أمين على مصالح الشعب والمجتمع، إلى أبواق للحكومة، كونه لم يأت إلا لذر الرماد في العيون وتعميق الفجوة وانعدام الثقة بين الحكومة والشعب، الذي لم يجد جدوى في تشكيل المجلس مضافاً إلى "هيئة النزاهة" (تأسست في عام 2004) وديوان الرقابة المالية الاتحادي (تأسس في عام 2011) ومكاتب المفتشين العموميين (تأسست في عام 2004) وكلها تكلف خزينة الدولة أموالاً طائلة، من دون أن تتقدم خطوة في اتجاه الحد من الفساد أو مكافحته.

إن العراق ليس بحاجة إلى بيانات وقرارات لا تغني ولا تسمن، بقدر حاجته إلى حملة جادة لمقاضاة الفاسدين من الدرجات العليا، وإلى قرارات شجاعة ومحاكمات علنية وعادلة لحيتان الفساد والمتهمين بالسرقات وبالاستيلاء على ممتلكات الآخرين، والإثراء على حساب المال العام. وفي هيئة النزاهة وحدها، ما يزيد عن 13 ألف ملف ينتظر الإجراءات القانونية اللازمة.

هل سيقوم المجلس الأعلى لمكافحة الفساد، الذي هدد بمعاقبة الكتاب والصحافيين ووسائل الإعلام التي تنشر غسيل الفاسدين، بمقاضاة رئيس تحالف "الإصلاح والإعمار" عمّار الحكيم؟، لأنه قال في معرض حديثه عن الفساد، خلال ندوة مفتوحة أقامها "مركز الرافدين للحوار" يوم الثلاثاء 14 أيار (مايو) الجاري في بغداد:

"إن هناك اتساعاً لظواهر الفساد، وليس هناك أي تراجع. فالمواقع (المناصب) بدأت تباع وتشترى في بورصة علنية في بغداد، فيما كانت خلال الدورات السابقة، تحدث بشكل سريّ خارج العراق وفي عواصم إقليمية".

أم أنه سيعاقب رئيسة "حركة إرادة" حنان الفتلاوي، لأنها قالت إن "موظفين كبيرين في مفوضية الانتخابات، طالباها بمليوني دولار مقابل فوزها بمقعد انتخابي؟"، وهي التي أكدت أنها تمتلك تفاصيل في شأن تحكم أربعة أشخاص في المفوضية بجميع الأصوات من خلال بطاقات خاصة بالخوادم الخاصة بالأجهزة الالكترونية، وكانت الفتلاوي اعترفت سابقاً على شاشات التلفزة قائلة: "أخذنا العمولات وتقاسمنا الكعكة". أم أن المجلس سيقاضي النائب السابق مشعان الجبوري، الذي قال بملء فمه أمام وسائل الإعلام:

"كلنا حرامية"، وأن لديه مخزون من المعلومات والإثباتات الموثقة؟

لا يسعني سوى أن أختتم مقالي، ببيت شعر جميل للإمام الشافعي، جاء فيه:

."وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا"

 

جورج منصور

 

محمد صالح الجبوريكلمة السياسية مأخوذة من كلمة (ساس) والسياسة فعل السائس، والراعي الذي يسوس رعيته، السياسة رعاية شؤون الدولة الداخلية والخارجية، وهي علاقة الحاكم بالمحكوم، وهي توزيع النفوذ والقوى في المجتمع أو نظام معين، والسياسة أنواع، وانا لا أحب السياسة، ولاأشتهي وصلها، فهي متعبة وصعبة، السياسة في الماضي تعتمد على تشكيل أحزاب وطنية وجمعيات تدافع عن مصالح البلاد  والناس و تتنافس بينها، وكان الملك هو المسؤول عن إختيار (رئيس الوزراء)، وتكليفه بتشكيل الحكومة، وإذا أخفقت الوزارة يستقيل رئيس الوزراء، يكلف الملك شخصا آخر لتشكيل وزارة جديدة، يعلن عن أهدافها وخططها، وتقديم خدمات للمواطنين، اليوم كل شيء إختلف امام مغريات الحياة، والمصالح الشخصية، والامتيازات الخاصة في هذا العالم  المادي، التفكير بالمصالح العامة غير ضروري، وغابت  كثير من الأمور التي نعدها من الثوابت، ومفاهيم كنا نعتز بها، وسادت مفاهيم لاتليق بمجتمعنا، إصلاح المجتمع يأتي من خلال مساهمة الجميع، و تشخيص الحالات السلبية والقضاء عليها بتظافر الجهود، وهذه بحاجة إلى سياسية طويلة الأمد، السياسة في الماضي كانت هادئة، وتنافس مشروع بعيدا عن التفرقة والتناحر والابتزاز، اتمنى ان يعم الخير في البلاد، وان يوحد العباد وان يعم علينا الأمن والأمان.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

زهير الخويلدي"إن قمع الفكر النقدي أخطر بكثير مما يتصور معظم الناس...وعلى ذلك فالتعليم هو أن يتعلم المرء كيف يفكر بنفسه بتوجيه معلم"1[1]

تتميز الحاضرة التونسية منذ بدء الفتوحات بالإنتاج العلمي والإبداع الأدبي والخلق الفني والنشاط الثقافي وبإعطاء الأولوية للأفكار والمفاهيم على الإنشاء والعرض وتبجيل التساؤل والنقد على التقليد والجواب.

لقد استفادت من مكوناتها الذاتية المتنوعة التي تعود إلى حضارات عريقة مختلفة تضرب بجذورها في صور والسكان الأصليين من الأمازيغ ومن علاقاتها الجدلية مع الجوار المتوسطي ومحيطها الأفريقي والانتماء إلى الديار العربية والرمزية الإسلامية وتواصلها مع المسيحية الأصلية وتسامحها مع اليهودية.

لقد ازدهرت الثقافة في تونس واعتنى السكان بالعلوم الدينية ونظريات التفسير والآداب والفنون الجميلة ونقد الشعر وفقه القضاء وصناعة الكتب والوراقة وانتشرت المذاهب والفلسفات وعلم الكلام والتصوف.

إذا كان المشرق العربي قد شهد نوعا من المركزية العلمية منذ تأسيس المدن التاريخية الكبرى التي اختصت في نشر العلوم والمعارف مثل المدينة والكوفة والبصرة وبغداد ودمشق والقدس وانضمام القاهرة إلى الجغرافية الثقافية المشرقية فإن تونس والقيروان وبدرجة أكبر وأقل مدن الأندلس والمغرب قد نقدتا هذه المركزية وأقامتا علاقة تنافسية ندية مع المشارقة وصلت إلى حد الريادة والسبق المعرفي والمدني.

لقد دخل التونسيون بوابة الفلسفة من شخصية عبد الرحمان ابن خلدون الذي طورها نحو علوم العمران والتاريخ والاقتصاد والسياسة، ثم عرفوا اهتماما بالطب والتربية لدى ابن الجزار القيرواني والقابسي وبعد ذلك ظهر علي بان زياد وابن رشيق مؤلف كتاب العمدة واشتهر الإمام سحنون وأبو العرب التميمي وكتابه طبقات علماء افريقية وابن عرفة وابن المنظور صاحب معجم لسان العرب والقادمين من الأندلس حازم القرطاجني والشاعر ابن هاني وأبو اليسر الشيباني الرياضي وأبو الحسن علي القلصادي الرياضي.

لقد واكب علماء تونس النهضة العربية الأولى وبرع المصلح خير الدين بكتابه أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك ودعمه أحمد ابن أبي الضياف بكتاب إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس ومحمد بيرم الرابع ومحمود قابادو ومحمد بن الخوجة وسالم بوحاجب ومحمد بيرم الخامس صاحب كتاب صفوة الاعتبار والمؤرخ محمد الصغير بن يوسف والشيخ إبراهيم الرياحي والمصلح الفذ عبد العزيز الثعالبي صاحب كتب مسألة المنبوذين وتونس الشهيدة وروح التحرر في القرآن ومعجز محمد والكلمة الحاسمة.

لقد قدم لنا مؤسسة الزيتونة نظرية مقاصد الشريعة السمحاء على يد الطاهر بن عاشور ودعوة إنصاف المرأة من طرف الطاهر الحداد وكتابه امرأتنا في الشريعة والمجتمع وساندتها مؤسسة الصادقية في بناء الحركة العمالية والوطنية من العديد من المصلحين والمناضلين وتكوين نخب مثقفة وكوادر في الدولة.

كما برز محمد علي الحامي وبلقاسم القناوي ومختار العياري وأحمد بن ميلاد والشيخ الفاضل بن عاشور والشهيد فرحات حشاد في وعي الطبقة العاملة وتأسيس المنظمات النقابية التونسية المقاومة للاستعمار.

من ناحية أخرى فرض الشاعر أبو القاسم الشابي نفسه على الأوساط الأدبية العربية من خلال ديوانه أغاني الحياة وبحثه حول الخيال الشعري عند العرب وانتشرت قصيدة إرادة الحياة ووجد الأديب طه حسين سدا أمام مسرحية السد للأديب محمود المسعدي وحدث أبو هريرة قال.. وروايته مولد النسيان.

لقد أدى هذا الزخم السياسي والترسب المعرفي الى ترسيخ ثقافة التنوير والتسامح والانفتاح على الوافد ومواكب التطور وتركيز قيم التقدم والحرية والانتباه الى الواقع والتشبث بتغيير المدنية وإصلاح المجتمع.

فكيف ساهم هذا التراكم النضالي والمعرفي في تهيئة الأرضية النظرية والعملية لقيام الثورة في تونس؟ ولماذا ارتبط الاستثناء التونسي بالجرأة وممارسة الفعالية النقدية وتدبير التنوع والتعايش بين المختلف؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.......................

المرجع:

1- برتراند رسل، حكمة الغرب، عرض تاريخي للفلسفة الغربية في إطارها الاجتماعي والسياسي، ترجمة فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 364 يونيو 2009، ص119.

 

جعفر الحكيمالحرية الفكرية ما بين دراسة الايمان ودحضه

رد على مقال الكاتبة مادونا عسكر

نشرت الاستاذة (مادونا عسكر) مقالا بعنوان (هل يكفي الفكر الشّخصيّ لدحض الإيمان؟) جاء في سياق الرد على مقال

(قصة قيامة المسيح.. كيف بدأت وكيف تطورت؟) مع ملاحظات حول مقال (المسيح قام.. ثم ماذا؟)

وفي بداية هذا المقال، اود ان اتوجه بالشكر الجزيل والتحية مع وافر الاحترام والتقدير للأخت الاستاذة مادونا عسكر

وكذلك اود اعادة التنبيه على بعض النقاط حول سلسلة (حوارات في اللاهوت المسيحي) مع التعقيب على بعض الفقرات التي وردت في مقال الأخت الكاتبة.

سبق وأن بينت في مقالات منشورة لي ان سلسلة (حوارات في اللاهوت المسيحي) هي دراسة نقدية وتاريخية (متجردة) لنصوص الكتاب المقدس وما احتوته من تأصيلات إيمانية وأخبار تاريخية، ليس الغرض منها مهاجمة عقيدة معينة او الطعن فيها، و لا اثارة طرف معين او ارضاء اخر، وانما هي مجرد بحث علمي متواضع لغرض المساهمة في تحريك الفكر عبر طرق أبواب المسلمات بكفوف الدراسة النقدية الجريئة، وهي في نهاية المطاف قناعة شخصية ورأي لا الزم به احدا، ومن حق اي انسان ان يعارضني ويختلف معي حولها.

وقد حاولت خلال حلقات هذه السلسلة ان اكون متجردا (ما استطعت) وان تكون منهجية الدراسة والطروحات بمعزل عن الإيمان الشخصي والقناعات العقدية المسبقة، مع علمي ان هذا النهج لن يعجب الاخوة المسيحيين، ولن يعجب بنفس الوقت الاخوة المسلمين!.. لاني في اغلب الاحيان اصل لنتائج غير مقبولة من قبل الطرفين!

وفي هذا المقال، ايضا، اكرر التأكيد على محبتي للاخوة المسيحيين، واحترامي لما يعتقدونه ويؤمنون به، واعتزازي بكل اصدقائي الرائعين منهم، والذين تشرفت بالاشتراك معهم في حوارات كثيرة على بعض قنواتهم، وقد شرفني البعض منهم لدعوتي في كنائسهم والتحدث الى الاخوة المسيحيين فيها.

الدراسة النقدية للأديان بشكل عام، هي حقل بحثي علمي راقي جدا، وسبب مهم لتحريك مياه الفكر والمعرفة، لأن هذه الأديان ونصوصها هي تراث إنساني ومن حق كل انسان مهما كانت خلفيته العقدية، ان يبحث فيها ويناقشها ويسطر انطباعاته حولها، كما كان الحال مع الدين الإسلامي، الذي خضع جميع تراثه إلى دراسات كثيفة ومعمقة وغزيرة لمئات المستشرقين (أغلبهم مسيحيون ويهود) ممن بحثوا وكتبوا عن الاسلام بكل تفاصيله وتفرعاته وانتجوا من بحوثهم مئات المجلدات والموسوعات التاريخية والمعرفية، ولم يعترض أحد من المسلمين (الا ما ندر) وليس من حق احد ان يعترض!

لأن حرية البحث هي حق مكفول ومتاح للجميع، ولا يوجد قانون ينص على ان ليس من حق المسلم مناقشة التراث المسيحي او العكس.

العقيدة المسيحية هي الأخرى، خضعت للبحث والتحقيق، من مئات الباحثين طوال التاريخ، وتم استحداث علم (النقد النصي) على يد علماء وباحثين مسيحيين منذ أكثر من مائة عام، و لازالت البحوث والتحقيقات مستمرة، من دون ان نجد حساسية او رفض مسيحي لهذه البحوث كما نجده عندهم، حينما يتصدى شخص مسلم لنفس المهمة، رغم اننا نجد الكثير من القنوات المسيحية التبشيرية، تتناول بشكل يومي، بالبحث والنقد عقائد المسلمين، بل تجاوز(البعض) من تلك القنوات هذه الخطوة الى الانحدار الى اسلوب التهجم والطعن والسخرية بطرح وصل فيه مدى الانحطاط والتردي الأخلاقي الى مستوى اللغة الشوارعية القميئة !!

في بداية مقال الاستاذة (مادونا عسكر) نجد الاخت الكاتبة تأخذ على سلسلة الحوارات بأنها تنطلق من (الفكر الشخصي والمنطق الخاص!!!) و ترى ان الكاتب قد وقع في فخ اللغة واستدلت على ذلك برفضها للقول بأن قيامة المسيح تعني عودته الى الحياة بعد الموت !

وهنا لابد من التعليق على ما تفضلت به الأخت الكاتبة، لتبيان ما التبس عليها من عدم التفريق ما بين القناعة الشخصية المتجردة والمبنية على دراسة وبحث، وبين الفكر والمنطق الشخصي المسبق، فالفرق بين الاثنين واضح وجلي!

لقد رفضت الاخت الكاتبة، ان يكون تعريف قيامة المسيح بأنها تعني عودته الى الحياة بعد ان مات لمدة ثلاث ايام !

و بنفس الوقت، لم توضح لنا حضرتها، ما هو المعنى او التعريف الصحيح للقيامة، إذا لم يكن ذلك المعنى دقيقا؟!!

وفي مكان اخر من مقالها، نجد الاستاذة (مادونا) تنتقد تناولنا للنصوص لان دراستنا لها (تنحصر في الحرف) وهي تريد ان تقرر ان التعاطي مع النصوص يجب ان (تنطلق من الحرف ولا تتوقف عنده)

وكلام الاستاذة الكاتبة، قد يكون صحيحا في سياق التعاطي الإيماني مع تلك النصوص، وليس في سياق الدراسة البحثية التي يجب ان تتحدد بالنص وتحترم ظواهره، و ليست ملزمة بتأويلات او استفاضات المؤمنين !

لأن مسار الوصول للحقيقة يبدأ من الخبر الذي يتضمنه النص، ويلتزم فيه (إذا الإيمان بالخبر والخبر بكلمة الله) رومية 10/17

في مقال (قصة قيامة المسيح ...كيف بدأت وكيف تطورت) طرحت فكرة بسيطة وواضحة ومنطقية وهي

ان الاخوة المسيحيين يطرحون قصة قيامة المسيح على اساس انها حقيقة (تاريخية) مؤكدة !

وفي هذه الحالة، من حق الاخرين ان يطالبونهم بإثباتها من خلال أدوات ونصوص (تاريخية) متفق عليها، وليس بنصوص دينية، لا تلزم الا المؤمنين بها

ان الطرح المسيحي لقصة القيامة وكأنها حدث تاريخي واقعي واكيد، هو الذي يستدعي المطالبة بأدلة (تاريخية) وليست

(إيمانية) على إثبات واقعية حدوث تلك القصة.

بنفس الوقت، تشتمل العقيدة المسيحية، حالها حال كل العقائد الأخرى، على قصص وأخبار عن أمور وحوادث يتم التعاطي معها، على أساس ايماني بحت، يخص المؤمنين بها فقط، و ليس من حق غيرهم ان يرفض تلك الحقائق التي يؤمنون بها او يطالبهم باثبات او دليل تاريخي، مادام التعامل مع تلك القصص يدور ضمن الحلقة الايمانية، من غير ان يعني ذلك بالضرورة، ان تلك الاحداث او القصص، ليست حقيقية، او لا اصل لها، كما قد يتوهم البعض !

فعلى سبيل المثال، ليس من حق غير المسيحي، ان يطالب المسيحيين بتقديم دليل (تاريخي) وليس (إيماني) على صدق رواية الولادة العذرية ليسوع المسيح، ولم نطالب مثلا، ان يقدم لنا المسيحيون اثبات تاريخي على صدقية حدوث قصة اختبار (ابليس) ليسوع ولمدة أربعين يوما في البرية (لوقا 4 1، 2)

او قصة تجلي يسوع على الجبل وتغير وجهه بشكل صار معه يشع كالشمس مع ظهور موسى(الميت) له مع إيليا، كما جاء في بداية الاصحاح السابع عشر من إنجيل (متى)

وكذلك أيضا، ليس من حقنا مطالبة الاخوة المسيحيين بتقديم ادلة علمية، وبراهين طبية تثبت مصداقية الرواية التي جاءت في الإصحاح الخامس من انجيل (مرقص) حول السيد (لجئون) الذي كان يسكن جسده (جيش) من الشياطين، وقد قام يسوع باخراج ذلك الجيش الشيطاني، وجعله يستقر في اجساد قطيع من الخنازير، بلغ عددها 2000

الامر الذي ادى الى اندفاع تلك الحيوانات المسكينة الى البحر، والموت بعد ان القت نفسها فيه !!

كل تلك الامثلة، هي نماذج لقصص واخبار وردت في النصوص المقدسة المسيحية، ونعلم جيدا انها تعكس (حقائق ايمانية) تخص الاخوة المسيحيين وحدهم، كما تخص الاخرين حقائقهم الايمانية ايضا، و لايحق لاحد مطالبتهم بتقديم ادلة تاريخية او علمية على تلك الحقائق ما دامت في سياق المنظومة الايمانية.

لكن الحال، يختلف مع قصة قيامة المسيح، لأنها كما سبق وذكرنا، مطروحة على اساس انها (حقيقة تاريخية)

لذلك كان من حق غير المسيحي، ان يطالب بادلة (تاريخية) تؤكد مصداقية حدوثها، وكذلك من حقه ايضا، ان يقوم باعادة قراءة تلك القصة من جميع الزوايا، مع الأخذ بالاعتبار، جميع الظروف التاريخية والسوسيولوجية، وكذلك التأثيرات النفسية و الثيولوجية التي قد تلقي بظلالها على صياغة أحداث تلك القصة وتطور بناء سردياتها مع الزمن.

وهنا أجد من الضروري أن أوضح للاستاذة (مادونا عسكر) ان النظر الى القصة من جميع الزوايا، وعدم الالتزام بالجهة التي تنظر إليها العدسة المسيحية، لا يعني ذلك التناقض، بل على العكس، يعني التوسع والبحث المعمق المتحرر من قيود الثيولوجيا أو الإيمان المسبق، من اجل الوصول الى فهم أكثر شمولية وعمقا.

أما بالنسبة للمقال الثاني الذي اشارت اليه الاخت الكاتبة، وهو مقال (المسيح قام...ثم ماذا)

فأن فكرته قائمة على تساؤل منطقي بسيط وهو، ان قصة القيامة لو صدقناها وقبلناه (من باب الفرض) فإنها لا تستلزم بالضرورة الإيمان بأن يسوع الناصري هو الإله الخالق للسموات والأرض !!

لأن القيام من الموت والرفع للسماء لم يكونا حدثان مختصان بيسوع، وانما شاركه فيه اشخاص اخرون!

ولا أدري ما الذي أثار الاخت الكاتبة، وجعلها ترفض طرح هكذا تساؤل منطقي، يحتاج الى ان يطرحه، كل باحث عن الحقيقة، خصوصا ان السيد المسيح قد علمنا ان نبحث عن الحقيقة، لأن معرفة الحق تقود الى تحرر الإنسان

(تعرفون الحق والحق يحرركم) يوحنا 32\8

في الختام، اكرر شكري واحترامي للأخت الكاتبة، مع تأكيدي على احترام كافة العقائد والأديان، و تنبيهي للأخت المحترمة على ان دراسة الأديان والبحث فيها، لا يعني ابدا مهاجمتها، ولا (استعراض للمعلومات !)

وان حرية الفكر المستندة الى البحث العلمي الجاد، والأسلوب الرصين المحترم، هي حرية مكفولة، و سقفها السماء، وليس من حق احد، مهما كان، ان يمنعها او يدعو لايقافها.

 

د. جعفر الحكيم

........................

للاطلاع

هل يكفي الفكر الشّخصيّ لدحض الإيمان؟ / مادونا عسكر

 

رائد الهاشميلو قامت أي جهة دولية بإجراء استبيان علمي واسع على عيّنة منتخبة من مواطنين من جميع شعوب العالم وسألتهم سؤالاً واحداً (ماهي طموحاتك وآمالك الشخصية في الحياة؟) فمن الطبيعي أن تختلف الإجابات بين مواطن وآخر حيث ستكون إجابة كل منهم ترجمةً وانعكاساً لطبيعة المعيشة التي يحياها في بلده ومقدار الرفاهية التي وفرَتها حكومته له ولأقرانه، ومن السهل لأي أكاديمي أن يصل الى تقييم حقيقي لأداء حكومات هذه البلدان من خلال الإجابات الواردة في هذا الاستبيان.

سنجد من خلال الإجابات بأن طموحات الكثير من المشاركين تنحصر (بأن يكون له بيت مستقل وراتب ثابت وعائلة وسيارة وأن يحيا هو وعائلته بأمان وان تتوفر له الخدمات الضرورية في الحياة)، ولكن بالمقابل سنجد ان هذه الطموحات الكبيرة عند هؤلاء سنجدها لاتشكل أي اهتمام في اجابات المواطنين الذين ينتمون للدول المتقدمة ولم يفكروا بها أساساً لأنهم يعتبرون ان هذه الأمور هي حقوق ثابتة ومكتسبة لجميع المواطنين ولانقاش فيها ، لذا سنجد إجابات هؤلاء ستكون مختلفة تماماً لأن طموحاتهم أكبر من هذه الأمور المتوفرة لهم أساساً فمثلاً سيفكرون برحلة سياحية حول العالم أو الانتقال في السكن الى مكان أرقى وأفضل من المكان الذي يقطنون فيه أو إقتناء سيارة فارهة وغالية الثمن أو شراء يخت سياحي تتوفر فيه أرقى وسائل الترفيه وغير ذلك من الأمنيات والأحلام الوردية التي نشاهدها في الأفلام ونقرأها في الروايات وقد نعتبرها بطراً في المعيشة.

عندما  ستقوم الجهة المنظمة لهذا العمل بدراسة النتائج وتطبيق المعايير الإحصائية وتحليل واستخلاص النتائج العلمية ستجد ان طموحات وآمال المواطن العراقي في ذيل القائمة وهي لايمكن وصفها بغير طموحات بسيطة جداً ومتواضعة فهو لايتمنى غير (الأمان له ولعائلته ومورد رزق ثابت يغطي الاحتياجات الضرورية للمعيشة) وسيجد القائمين بهذا الاستبيان صعوبة في تفسير هذه القناعة المفرطة والسلبية لدى المواطن العراقي وسيحاولون البحث في الدوافع والأسباب التي تمنع هذا المواطن عن عدم التفكير ولو بالأمنيات في امتيازاته وحقوقه التي يستحقها كمواطن يعيش في هذا البلد، ولغرض توفير الجهد والوقت على هؤلاء الباحثين في معرفة الأسباب والدوافع التي أوصلت المواطن العراقي لهذه الدرجة من السلبية، فسنجيبهم ونوضح لهم بأن الكمّ الهائل من الظلم والقهر والعذاب ونقص الخدمات وانعدام الأمن والأخطار ألتي عانى منها المواطن العراقي عبر عقود من الزمن وخاصة في السنوات العجاف التي أعقبت عام 2003 جعلت منه انساناً قنوعاً ومسالماً لحد السلبية وقليل الطموح والأمل بمستقبل مشرق وبحياة رغيدة، وجعلته لايفكر ولايتمنى أكثر من هذين الأمرين (الأمان ومورد رزق ثابت حتى لو كان بمستوى الكفاف)، وسنضيف للأخوة القائمين على هذا الاستبيان بأن هذه الحالة التي وصل اليها المواطن العراقي يعود الفضل بها الى طبقتنا السياسية المتصدية للمشهد السياسي والتي أشهد بأنها نجحت نجاحاً منقطع النظيرفي تدمير كل شيء جميل في نفس الانسان العراقي وقتلت حتى الطموحات والآمال بمستقبل زاهر نتيجة أفعالها وتناحراتها المهينة على المكاسب والمصالح الشخصية ولم تجعل للمواطن العراقي حيزاً ولو بسيطاً في أجنداتها واهتماماتها فكان نتيجة هذه الأفعال وصول المواطن العراقي الى هذه المرحلة من السلبية والقناعة المفرطة بواقعه المرير.

 

 د. رائد الهاشمي

 

معراج احمد الندويالتطرف العنيف ظاهرة عالمية بطبيعتها تقوض الإنسانية المشتركة. وقد تضررت من التطرف العنيف مجتمعات مختلفة في حقب مختلفة ومناطق متباينة من العالم. فالتطرّف وهو وليد التعصّب إذا ما انتقل من التفكير إلى التدبير وأصبح سلوكاً سيتحوّل إلى عنف، والعنف حين يضرب عشوائياً ويستهدف خلق الرعب والفزع في المجتمع يستهدف إضعاف ثقة الناس بالدولة والقانون، وعندها يصير إرهاباً ممتداً على مساحة جغرافية واسعة من العالم.

يتنافى العنف والتطرف مع القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية بل مع أبسط مقومات المجتمعات المدنية والحضرية ويعد العائق الذي يحول دون التمتع بجوهر الحقوق والحريات، ومن شأنه أن يؤدي إلى أنماط متجددة من التفكك الاجتماعي والنزاعات وانعدام الاستقرار فلا يستقيم أمر الفرد أو المجتمع.

إن التطرف قد يتحول من مجرد فكر الى سلوك ظاهري او عمل سياسي يلجأ الى استخدام العنف وسيلة لترجمة افكاره التي يؤمن بها او اللجوء الى الإرهاب النفسي او المادي ضد كل من يقف عقبة في طريق تحقيق تلك المبادئ والأفكار التي ينادي بها، بأن التطرف يمثل الترجمة الواقعية لأوضاع البؤس الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي ينخر في جسد المجتمع وهو بذلك نتاج لتلك الظروف الصعبة والازمات التي يمر بها المجتمع.

وكان ما أعقب ذلك من أعمال إرهابية اتخذ أشكالاً مختلفة ووسائل متنوّعة ، شملت العالم أجمع بما يلقي مسؤولية كبرى على الدول والمنظمات الدولية، ولاسيّما الأمم المتحدة لتعميم ثقافة السلام واللّاعنف، وتعزيز مستلزمات تعميق الوعي بأهميتها من خلال وسائل  تربوية وتعليمية حديثة ومتطورة تسهم في تعزيز القيم الإنسانية .

لقد أصبح نبذ العنف وعلاج أسبابه في مقدمة الأولويات التي تفرضها ثقافة السلام، سواء كان ذلك على مستوى الجهود التي تبذلها الحكومات، أو على مستوى الجهود التي تبذلها منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية. ولا يمكن اغفال الدور الفاعل الذي يقوم به الكتاب والمفكرين والباحثين لمعالجة هذا الموضوع من حيث تقديم نماذج عملية للشباب والأطفال للتأكيد على مغزى وأهمية التعايش والحوار والتفاهم والتسامح بين مختلف الطبقات والفئات في المجتمع بغض النظر عن أصولها العرقية أو المذهبية أو الثقافية أو السياسية.

إن مشكلة التطرف العنيف من اهم المشكلات ذات الاولوية التي نالت اهتمام الامم المتحدة والمجتمع الدولي لما لها من آثار على زعزعة الاستقرار في المجتمعات واحلال السلام بين الدول، والتطرف العنيف المؤدي الى الارهاب له اهمية كبيرة وطنيا واقليميا ودوليا، فان الحل الامثل لمعالجة ازمة التطرف والتخريب الفكري انما تكمن في التربية والوسائل التي تتبعها في بناء الشخصية المتوازنة وفي إقامة العلاقات الإنسانية على أساس راسخ من الوئام والتسامح والاحترام.

إن هناك ضرورة لإستراتيجية متكاملة لتقتلع أسباب التطرف العنيف وتقوض الأسس التي يقوم عليها وغرس ثقافة السلام والعيش المشترك الكريم و ذلك بتعزيز الطرق التقليدية في تسوية النزاعات وفتح قنوات جديدة للتفاهم من خلال الفنون والآداب، وتعزيز الحوار سواء على الصعيد المحلي أم على الصعيد الدولي.

إن الخطوة الأولى الرئيسية لمكافة التطرف هي تبادل الآراء والنقاش حول أبرز القضايا الإنسانية المشتركة خاصة تلك التي تتعلق بالتعايش وقبول الآخر ورفض العنف. وترسيخ ثقافة السلام. إن هناك ضرورة لإستراتيجية متكاملة لتقتلع أسباب التطرف العنيف وتقوض الأسس التي يقوم عليها وغرس ثقافة السلام والعيش المشترك الكريم.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

يضطر الإنسان إلى اللجوء إلى البدائل في الكثير من شؤون حياته عندما لايحصل على مايريد لسبب ما، فمعلوم إن لدى الإنسان رغبات مشروعة أو غير مشروعة قد يلجأ إلى اشباعها بطريق أو بآخر،

ومن رغباته المشروعة مثلاً حاجته إلى منزل يأويه، فعندما لا تتوفر لديه الإمكانيات المادية لبناء منزله ضمن المواصفات المطلوبه يلجأ إلى استخدام البدائل  في بناء منزله في المنطقة العشوائية بدلاً من المنطقة المنتظمة، ويختار أدنى المواصفات في مواد البناء بدلاً من أمثلها، ومن أجل اشباع رغبته لهذه الحاجة كما أسلفنا، فهو مضطراً إلى البدائل المتدنية في حال عدم قدرته على سواها،

وفق هذه المقدمة يمكن قياس الكثير من أعمال المجتمع والدولة باستخدام البدائل لضرورة صحيحة أو غير صحيحة،

إن قيام الشعب أو مجموعات منه بخرق القانون عمداً أو جهلاً لم يأت من فراغ وإنما كانت هناك أسباب للقيام بذلك وهو ما عبّرنا عنه (باللجوء إلى البدائل ).

فهو عندما يرى إن القانون لا يطبق إلا على الضعيف  وبإمكان الفاسد القوي الإفلات منه، وربما لأكثر من مرة، هنا تعتمل في داخله دوافع الرغبة في القصاص   من هؤلاء الفاسدين، ومؤكد إن آلية القصاص لا تتبع الطرق القانونية لأن القصاص هنا عبارة عن ردة فعل على تراكمات من الأخطاء تؤدي اخيراً إلى تفجّر الغضب نتيجة لسحق الرغبات والدوافع النفسية بعدم تطبيق القانون على الفاسد، حيث ثبت لدى  الشعب من بديهات القوانين وأجراءات الدولة لابدّ من أن تسري العقوبة على الفاسدين ولابدّ من إن ينالوا جزاءهم العادل،

وبما إن القانون ومنفذه قد عجز تماماً عن وضع الشيء في موضعه الصحيح، وتكرر هذا الأمر اتجاه أكثر من فاسد فإن هذه الأفعال لاتغادر نفوس أبناء الشعب المتتبع لكل هذه القضايا وينتظر الفرصة المناسبة ليقوم هو بذاته في اتخاذ البدائل لمحاكمة هؤلاء الفاسدين وليس الأمر يختص بقضية الفساد  بل يتعداه إلى الكثير من الجرائم التي تستحق العقوبة، وبهذا ايضاً تتعدد الاستخدامات لهذه البدائل،

فلو كانت الدولة تؤدي واجبها بصورة صحيحة من خلال سلطاتها التشريعية والتنفيذية، لما وجدنا قيام البعض بالتظاهر ضد الفاسدين وقيامهم بحرق مكتسباتهم ومصالحهم إذا أنهم لجأو إلى هذا البديل لإنهم لم يروا أي إجراء قانوني بحق الفاسدين منذ إن بانت لديهم مشخصات الفساد،

في ضوء ذلك نتوقع إن تؤدي هذه الظاهرة (أي الابتعاد عن تحمل المسؤولية) من جهة السلطات الثلاث إلى ماهو أسوء بكثير كردة فعل في إختيار البدائل غير المناسبة لذا وتلافياً لما هو متوقع بهذا الخصوص وعلى نحو شامل يتطلب ممن يهمهم الأمر الإسراع بتطبيق القانون وتنفيذه وعدم التسويف والمماطلة أو تبسيط الإجراءات بحكم العلاقات من أجل إفلات المسؤول الفاسد. 

 

رسول مهدي الحلو - العراق

 

محمود محمد علينعود ونكمل الجزء الثاني من حديثنا عن التفسير السوسيولوجي لنشأة وتطور الفكر السياسي الإسلامي  فنقول : كان الحج إلى مكة مصدرًا آخر من مصادر الرزق وفرض السيادة، إذ اكتسبوا به اعتراف العرب بمكة عاصمة دينية لهم إضافة إلى كونها عاصمة اقتصادية. وقد فرض هذا سيادة التجار الأغنياء من قريش، مالكي الثروة والعبيد وزمام تسويق البضائع، وأوصل مجتمع مكة إلى مستوي من الغني والترف في جانب، ومن الفقر والتقشف من جانب آخر، يعبر عنهما الخير الذي يفيد أن " عبد الله بن جدعان"  أرسل ألفي بعير لتجلب له البُر والسمن للفقراء. فهذا الخبر يدل من جهة على مستوي من الثراء يتيح لثري واحد أن يتصدق بحمولة ألفي بعير من البُر والسمن. ومن جهة ثانية على وجود عدد كبير من الفقراء يحتاج إلى مثل هذه الحمولة، ومن جهة ثالثة على وصول التفاوت الطبقي إلى درجة من الحدة اضطرت هذا الثري إلى إجراء ما يحول دون تطور الأمور إلى صراع يحول دون استمرار النظام الاجتماعي القائم وتطوره .

وبغية توفير شروط الاستقرار والتطور السياسي عرفت مكة، ما سُمي "دار الندوة"، وكانت للحل والعقد، وإذا بدا أن فئة من القرشيين تعتدي عقدت فئة أخرى ما سُمي " حلف الفضول"، وهدفه إنصاف المظلوم من الظالم.

في هذا الوسط التي ذكرنا، وُلد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في مكة، وشب في جو تجاري شارك ببعض نشاطه في شبابه قبل أن يتفرغ للدعوة الإسلامية، فأخذ يبشر بدين جديد قائم على الوحدانية المطلقة، ويحمل في ثناياه عوامل التغيير والإصلاح، فدعا إلى عبادة الله الواحد الأحد القيوم والقدير، والطاعة، والتسليم المطلق بالإسلام، إذ: إن الله كريم رحيم يعد عباده ومن يُسلم أمره إليه الجنة، ويبعث في قلبه الإيمان وهو واهب الأشياء ومقسم الأرزاق يحث المسلم على السعي والعمل من أجل دنياه وآخرته .

بيد أن قريشا خشيت على نفسها وعلى مصالحها من أمر هذه الدعوة الجديدة ووجد فيها زعماؤها تهديدًا لعقيدتهم وخطرًا على نفوذهم ومكتسباتهم، فقاموا يضطهدون الرسول وأصحابه الذين أمنوا بدعوته، ما حمله إلى الهجرة إلى يثرب التي عُرفت منذ ذلك الحين بالمدينة المنورة، وقد تغير موقفه في المدينة المنورة، فلم يعد يكتف بالدعوة، بل راح ينظم المسلمين من المهاجرين والأنصار، ولما كانت الشريعة لا تختلف عن العقيدة أو الإيمان، وتتمتع مثلها بسلطة إلهية ملزمة تضبط الشؤون الدينية والأمور الدنيوية، فتفرض على المسلم الزكاة والجهاد ضد المشركين لحملهم على الدخول في الإسلام، ونشر مبادئ الدين الحنيف. وبعد مواجهات عسكرية مع قريش استطاع النبي فتح مكة، فأسلم أهلها، واقبلوا على الدعوة الجديدة محافظة منه على ما كان لهم من مكانة في الجاهلية، وفرض على كل مسلم ومسلمة الحج إلى بيت الله الحرام مرة واحدة على من يستطيع ذلك، وتصرف بمناسك الحج وشعائره بما يتوافق مع مبادئ الإسلام، فألغى منها ما يتعلق بالوثنية، ولم تلبث القبائل في أنحاء الجزيرة العربية أن تكون قد أقبلت على الدين الجديد، وتم للجزيرة العربية وحدة دينية وسياسية متماسكة لم تعرف مثلها من قبل .

ثانيًا : طبيعة الفكر السياسي الإسلامي:

إذا كان العرب لم يتفاعلوا ولم يخضعوا للنظام السياسي لا عند الفرس ولا عند الروم، فكيف الشأن وقد جاء الإسلام بقيادة نبي الرحمة، فألف بين قلوبهم وجعلهم أمة واحدة ؟ أين الفكر السياسي الإسلامي من هذه النماذج السياسية ؟

منذ أن هاجر الرسول – (صلى الله عليه وسلم) - من مكة إلى المدينة (622م)، بدأت مسيرة الدولة الإسلامية السياسية والمؤسساتية. وكان الشغل الشاغل للرسول والصحابة يكمن في نشر الدعوة وإرساء قواعدها، والتمكين للدين الجديد لأن يستقر في قلوب المؤمنين، وهنا أكد الرسول أنه لا بد مع الدعوة من عمل، ولا بد مع التشريع من تنفيذ، ولا بد مع العلم من تطبيق؛ فشرع الرسول وأصحابه بإبرام المعاهدات، وتنظيم العلاقات الاجتماعية، وصياغة القوانين، والأحكام المستمدة من القرآن، كما كان يعمل على تنفيذها.

ولم يمض وقت طويل في المدينة دون إتمام الدعوة وتبليغها حتى تبين للرسول وأصحابه، أن هناك عقبات تحول دون إتمام الدعوة وتبليغها – ذلك أن دعوة النبي الإصلاحية ثورة شاملة، والمبادئ الجديدة التي غرسها في المجتمع الجديد؛ مبادئ على غاية من الكمال، والمكاسب التي كسبها الناس من وراء هذه الثورة مكاسب ما كانوا يحلمون بها أبدًا. فمن ذا الذي يصدق أن يجلس السادة مع العبيد في مجلس واحد يقفون في الصلاة صفًا واحدًا؟ ومن ذا الذي كان يصدق أن الغني المترف مكلف - رغم أنفه - أن يدفع ضريبة مستحقة مفروضة للفقير والضعيف؟ ومن ذا الذي كان يصدق أن يتحرر الإنسان من ظلم أخيه الإنسان فلا يعبده ولا يسجد له ولا يسبح بحمده ويتغنى بذكره ؟ ومن ذا الذي كان يصدق أن المرأة المحتقرة التي كانت تُؤأَدُ وتورث كالمتاع، تتحرر وتكرم ويحترم رأيها وتحترم إنسانيتها وتسهم بواجبها المشروع في خدمة المجتمع ؟ من ذا الذي كان يصدق هذا وغيره من المبادئ والغرس الجديد التي جاءت بها ثورة الإسلام؟، من أجل هذا أذن الله لرسوله بالقتال كي يكون الدين لله، وألا تكون فتنة ومن أجل المستضعفين من الرجال والنساء.

ومن هذا المنطلق جمع النبي (صلى الله عليه وسلم) جيوش المسلمين المؤمنين ونظمها وقادها لحماية الوحدانية الخالصة والعقيدة الصحيحة من عدوان المعتدين، لتبلغ الأسماع والقلوب، فكان أن قام النبي (صلى الله عليه وسلم) بقيادة سبع وعشرين غزوة بنفسه (غير السرايا والبعوث) كانت آخرها غزوة تبوك .

ويمكن لنا بناء على هذه الغزوات أن نستنتج نتائج عظيمة لها ثلاثة مستويات كما يلي:

1- المستوي السياسي

أنها وحدت قبائل العرب تحت لواء الإسلام؛ حيث ألف الإسلام بين قلوبهم، وقضي على العصبية الجاهلية؛ فزالت الحزازات القديمة والثأرات التي بين القبائل، فخضعوا لحكم النبي وأوامر القرآن بعد أن كانوا يدينون لرؤساء متفرقين، وبذلك قامت في بلاد العرب حكومة مركزية موحدة عزيزة الجانب، كما كشفت هذه الغزوات  عن جانب هام، وهو أن حماس العربي للإسلام وولاءه له لا يقل عن حماسه لوثنيته واستبساله في الذود عنها، ومن ثم بذل النفس والنفيس في سبيل نشر الدين وحمايته حتى دانت قبائل العرب وأصبحت تري في الإسلام رمز وحدتها وشعار مجدها.

2- المستوى التنظيمي

إن الرسول قسم جزيرة العرب إلى مقاطعات هي: المدينة المنورة (عاصمة لدار الإسلام؛ حيث تصنع فيها السياسات العامة والخاصة للمسلمين في أرجاء الجزيرة)، تيماء، الجند، ومقاطعة بني كندة، ومكة، ونجران، واليمن، وحضر موت، وعمان، والبحرين. ونصب الرسول على كل مقاطعة من هذه المقاطعات واليًا عهد إليه بإقامة الحدود وإنقاذ الأحكام وتوطيد النظام وإعداد الترتيبات الخاصة بالقضاء. وإلى جانب الولاة عين الرسول عمالا على كل منطقة لجمع الزكاة والصدقات .

3- على مستوى الفكر السياسي:

أن سادت مفاهيم الحرية والمساواة، والعدالة، والشورى بين المسلمين في أرجاء جزيرة العرب؛ بل إن هذه المفاهيم السياسية التي تضمنها الإسلام، والتي وجدت تطبيقًا فعليًا لدى المسلمين في عهد رسول الله كانت إحدى العوامل الحاسمة في دخول كثير من الشعوب في دين الله أفواجًا والمصادر التاريخية تؤكد ذلك.

ومع الشيخين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب (السياسيين الفذين في تاريخ الإسلام بلا منازع) استمرت المحافظة على ثوابت ومبادئ ثورة الإسلام، واستمرت كذلك الفتوحات واستمرت الأمة الإسلامية الناشئة تكسب إلى صفوفها عصبيات جديدة، ولقربهما ومعايشتهما لرسول الله – اكتسبا الحس الإسلامي السليم، فاستطاعا عبر توظيف هذا الحس من تحويل الفكرة والمثال إلى واقع معاش وأفعال منجزة؛ فأكملوا المهمة التي بدأها الرسول الكريم، فأبو بكر الصديق (رضي الله عنه)، الذي آلت إليه الخلافة بعد أن انتقل الرسول إلى جوار ربه في يوم الأثنين 12 ربيع الأول سنة 11 هجرية الموافق 8 يونيو سنة 632ميلادية؛ والذي تصوره المراجع التاريخية كشيخ رقيق الحس، ما هو في حقيقة الأمر إلا رجل صلب الإرادة لا يقبل التفريط في ثوابت الإسلام، فكان أول عهده بالخلافة أن حمل على المرتدين حملة لا هوادة فيها (وهي من الحركات السياسية الأولى في تاريخ الإسلام) وما لبث النظام السياسي أن استقر حتى  كانت الجيوش الإسلامية تفتح بلاد الفرس والشام، وعندما تولى عمر بن الخطاب الخلافة (13 هـ - 634م) استمرت المحافظة على ثوابت ومبادئ ثورة الإسلام، واستـمر كذلـك تدفق الناس من كل جنس أفواجًا لنيل شرف العضوية في دين الإسلام المشاركة في أعماله وفاعليًاته ونشر مبادئه، فاستمرت الغزوات وتوالت الفتوحات الكبرى، ومع هذه الفتوحات وجد المسلمون موارد أساسية وضخمة لتمويل بيت المال (الجزية والخراج) بالإضافة إلى ما كانوا يغنمون. ومع توسيع رقعة الدولة التي ذهبت كل مذهب، زادت موارد الدولة المالية. فمن سور الصين شرقا وجبال الهند وباكستان تنتشر الدولة الإسلامية حتى  جبال الأطلسي في الغرب، ومن تركيا في الشمال حتى  اليمن جنوبًا، إنها ليست دولة، وإنها إمبراطورية بالمعنى القديم للكلمة . واستطاع المسلمون في زمن قياسي أن يقوضوا أركان الإمبراطورية الفارسية فمحوها من على خريطة العالم، كما نجحوا أيضًا في وثبتهم تلك في انتزع الشام ومصر وشمال إفريقيا من الإمبراطورية البيزنطية، وأن يهددوا الحدود الجنوبية لها حيث كانت تجري معارك بين المسلمين والبيزنطيين على طول هذه الحدود .

ولم تقف حركة الفتوحات الإسلامية الأولى إلا من خلال  أحداث الفتنة التي شهدتها المراحل الأخيرة من خلافة عثمان بن عفان (رضي الله عنه) (23 هـ-35هـ/ 644م-656م) وما تلاها من حروب داخلية بين على بن أبي طالب (رضي الله عنه) (35-40هـ/656-661م)، ومعاوية بن أبي سفيان (41هـ/661م)، وإلي الشام حينئذ، ولقد أدت هذه الفتنة إلى انشغال المسلمين عن تثبيت أقدامهم في البلاد التي فتحوها، وعن نشر الدعوة، مما يعكس الأثر السلبي للخلافات الداخلية عن وضعية الأمة الإسلامية الناشئة على الساحة الخارجية، وهذه السلبية سوف تصبح نمطًا يتكرر مرات عديدة في التاريخ الإسلامي، فأضحت الخلافات الداخلية عاملا مهددًا لوجود ومكانة الأمة الإسلامية في لحظات الضعف .

وهكذا فإنه بعد خمس سنوات من فتنة عثمان ستطوي الأمة الفتية هذه الصفحة الحزينة من الصراعات الداخلية، عندما ينجح معاوية بن أبي سفيان في تأسيس الخلافة الأموية لتستعيد الأمة الإسلامية قوتها من جديد ولتستأنف اكتساحها لسواد العالم القديم شرقًا وغربًا، إذ أثبت خلفاء بني أمية أنهم على قدر عال من الاقتناع بسياسة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الخارجية. فالخلافة الأموية استوعبت حجم وطبيعة الخطر القادم من الدول غير الإسلامية على الإسلام وآمنت أن خير وسيلة لمواجهة الخطر هي الهجوم وليس الدفاع.

أما غايتها النهائية من تعاملها الخارجي، فكان حمل راية الإسلام إلى أرجاء العالم القديم، وهذه الغاية كان لها دلالة عظيمة فيما يتعلق بشكل نظام العالم آنذاك، التي كانت الخلافة الأموية تسعي إلى إقامته، من نظام ثنائي الأقطاب، إلى نظام يتحكم فيه قطب واحد وهو الأمة الإسلامية .

هذه هي الصورة العامة للواقع السياسي الإسلامي في النصف الأول من القرن الأول الهجري / السابع الميلادي، الذي ما كاد ينتهي حتى  ساد الإسلام كثيرا من أرجاء العالم وربوعه آنذاك.

ومن هنا يتبين لنا أن مقومات النظام الديني الأساس الاقتصادي الجديد، ومنذ بداياته الأولى المتمثلة في تجربة المدينة، لاستطعنا أن نحددها على النحو التالي:

1- الدين الجديد الذي أوحى به الله إلى رسوله.

2- القيادة الفذة التي كان  الرسول على رأسها.

3- الوحدة التي أوجدها الدين الجديد ليس فقط بين أتباعه وإنما بين مختلف قبائل الجزيرة.

4- البناء التشريعي القانوني الذي جاءت به الدعوة والذيكان  يتم استكماله من خلال الممارسات الفعلية نفسها ( أسباب النزول).

5- المؤسسة الاقتصادية التي بدأت بتبرع القادرين والموسرين من المسلمين من أجل تمويل الجيوش اللازمة للدفاع عن الدين الجديد، وانتهت بتأسيس "بيت المال". على أنه ستتوفر لبيت المال مصادر أخرى للتمويل أكثر أهمية وأكثر ثراء حين يتم فتح البلاد ذات الموارد الاقتصادية المتطورة وستكون "الجزية" و "الخراج" أهم هذه المصادر .

لقد استمر المشروع الثقافي الحضاري للأمة العربية الإسلامية موضوعاً في مستوى أدنى من الاهتمام والعناية طوال عصر نشر الدعوة داخل الجزيرة وخارجها في عصر الفتوحات، وحتى قيام الدولة الأموية.

ثالثًا: نظام الحكم في الإسلام.

هناك سؤال أثار الكثير من المؤرخين والمفكرين خاصة عقب الأحداث الجسام التي كانت بين على بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وهو : كيف تتحقق الأمة الإسلامية ؟

كانت إجابة الأمويين بخلافة عربية تتزعمها قريش (بعض بطونها) وتتبعها الشعوب الأخرى، وكانت حجتهم العقلية في ذلك أن الكتاب والسنة لم يحددا شكلا خاصا للحكم، لكنهما بينا الأصول التي تحدد طبيعته مهما اختلف شكله، تركا لهذا الشكل فرصة الاستجابة لظروف كل عصر، والتطور مع تطور معارف الناس، وزيادة عدد السكان، واتساع رقعة الأمة الإسلامية .

وعلى هذا الأساس آل أمر الخلافة إلى بني أمية من بطون قريش وأصبحت الخلافة ملكا سياسيا. واحتلت الشورى مكانة مهمة في النظام السياسي الأموي عند معظم خلفائهم وولاتهم، واحتفظ الأمويون بالاتصال المكثف بالرعية، أما اعتماد الأمويين ولاية العهد مذهبًا في توريث الخلافة – رغم مخالفة ذلك النسق الإسلامي الأعلى الذي يؤثر الشورى الكاملة في اختيار الخلفاء – فهو أمر كانت ظروف المجتمع الإسلامي توحي به، وكان عدم وجود طريقة واحدة للاستخلاف في عصر الراشدين، وما جري بين المسلمين من تقاتل ودماء بسبب اختلافهم حول منصب الخلافة، دافعًا لمعاوية للتفكير على ذلك النحو، ولم يكن الأمويون وحدهم في الحقيقة هم الذين يعتمدون هذه الطريقة من الحكم، بل كان خصومهم من الشيعة على ذات الطريق، بل هم في الحقيقة أول من ابتدعها وطبقها، ثم أصبحت فكرة راسخة في النظام السياسي الإسلامي عدة قرون فلم يغيرها العباسيون أو من تلاهم .

وكانت الدولة الأموية تهتم بالفتوحات الإسلامية حتى قيل أنها "فتحت بلاد الهند والسند، حتى وصلت حدود الصين شرقاً، وواصلت فتوحاتها في المغرب العربي، بل وجاوزته إلى أوروبا، حتى فتحت الأندلس، ووصلت جنوب فرنسا" .

وقد شهد العصر الأموي عديدا من المنجزات الحضارية الكبري التي واكبت حاجات الأمة وتطورها السياسي والإداري والنفسي... فكان منها ما اتجه إلى تطوير الإدارة الإسلامية بابتكار بعض الدواوين مثل ديوان البريد وديوان الخاتم... والاتجاه إلى

صهر الأمة الإسلامية مختلفة الأجناس في الإطار العربي، وذلك ببدء حركة التعريب الكبري؛ سواء  بتعريب أهم دواوين الدولة وهو ديوان الخراج؛ أو بتعريب العملة، وذلك بسك العملة الإسلامية؛ مما حقق الاستقلال الاقتصادي للدولة الإسلامية .

وجاء العباسيون بعد انتزاعهم الخلافة من الأمويين، وكانت إجابتهم واضحة إزاء كيفية تحقق الأمة الإسلامية. وذلك من خلال سياسة الموازنة التي اتبعها العباسيون الأوائل بين عصبيات الأمة. فقد كانت الفئات التي حملت العباسيين إلى السلطة – فئات العرب والموالي بالعراق وخراسان – هي عصبيات المعارضة الصلبة للسلطة أيام الأمويين باسم الأمة وتجربتها التاريخية. لذا فإن قيام السلطة العباسية حقق انفساح الآفاق لتحقيق فكرة الأمة الإسلامية العالمية. وكان من نتائجها الأولى إزالة الفروق بين العرب والمسلمين على المستويات كلها.  ثم كان من نتائجها كتكملة لذلك الاعتراف بالعصبيات كلها، بل إن الاستيعاب النظري لمستجدات الوضع الإسلامي جعل الفقهاء في العصر العباسي مستعدين لإعطاء تلك المستجدات الصبغة الفقهية الشرعية، بحيث أمكن القول بأن ظهور عصبيات غير قبلية أو إقليمية تشارك في السلطة ليس ممكنا، بل هو أمر متحقق وشرعي ولا يناقض القرآن والسنة .

وقد ترتب على تلك السياسة التي اتبعها العباسيون نتائج هامة لعل أهمها تخليهم عن سياسة الفتوحات والقتال كأداة أولى من أدوات نشر الإسلام، وكأداة لتعاملهم مع الدولة البيزنطية.

ولقد شاء أبو جعفر المنصور، الخليفة العباسي الثاني، بعد أن شيد عاصمة خلافته (بغداد)، وأطلق عليها اسم  "دار السلام أو مدينة السلام"، أن يثبت من دعائم ملكه بإخضاع العلويين المناهضين له في الحكم، ثم يتجه بعد ذلك لاختيار أفضل أساليب الحكم والإدارة، وأغلبها مأخوذ من النظام الفارسي عن طريق مستشاريه الفرس، الذين قامت على أكتافهم الدولة العباسية . وللحديث بقية !!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

عبد الرضا حمد جاسم10- ثم كتب أ. د قاسم حسين صالح التالي: [ومن خبرتنا في البحوث العلمية تأكد لي وجود نوعين من الباحثين، الأول (نصّي) يلتزم بالأرقام وما يقوله الإحصاء، والثاني.. يعتمد الأحصاء ايضا ولكنه يُحَّكِمْ المنطق ويأخذ بما يقدمه الواقع من حقائق. والمأخذ على هذه الجهد العلمي ان دراسته الـ (quantitive study) تعاملت مع الأرقام بطريقة (حنبلية).. أعني انها قيدت نفسها بمقارنات احصائية، ونأت عن واقع يناقض تماما تلك النتيجة الصادمة بان معدلات الانتحار في العراق هي اقل من معدلاته في العالم، التي هي صحيحة رقميا ولكنها غير صحيحة واقعيا] انتهى

اضطر الى ان اُجزأ هذا المقطع الى جزأين للأهمية وكالتالي:

1: [ومن خبرتنا في البحوث العلمية تأكد لي وجود نوعين من الباحثين، الأول (نصّي) يلتزم بالأرقام وما يقوله الإحصاء، والثاني يعتمد الاحصاء ايضا ولكنه يحكّم المنطق ويأخذ بما يقدمه الواقع من حقائق] انتهى

*تعليق: بخصوص "خبرتنا في البحوث العلمية" أعتقد ان الموضوع ليس جديد وهو يعتمد على طبيعة البحث او الموضوع المراد دراسته فالذي يريد دراسة عدد المواليد والجنس...يعتمد الأرقام والإحصاء والذي يريد تقديم دراسة عن عدد السكان والجنس والعمر والحالة الاجتماعية يعتمد الأرقام أي يكون نصي لكن الذي يريد ان يبحث في موضوع ادمان الكحول والمخدرات او حالة السوق عليه ان يأخذ بالأرقام والإحصاء وينزل الى الواقع ليُكَّوِنْ صورة ولو بسيطة قد تنفعه في الاستنتاج او الاقتراح او ألتنبُأ ..,فالموضوع ليس جديد فأن تأكد الان بالنسبة للأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح فهو كما اعتقد متأخر... وأشعر أن فيها دعوة لمراجعة بعض بحوث ودراسات أ. د قاسم حسين صالح وهذا من الواجب كما أتصور. وقد بينتُ بعض الملاحظات على مقالته عن انتحار الشباب وعلى مقالته التي اُناقشها حالياً تدفع للاطلاع على دراسات الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح.

أما ما يخص نوعي الباحثين:

النوع الأول: [(نصّي) يلتزم بالأرقام وما يقوله الإحصاء].

تعليق: بقدر تعلق الأمر برد أ. د قاسم هذا يمكن ان تُفَسَرْ كلمة "يلتزم" على ان الباحث "النّصي" يأخذ الأرقام وما يقوله الاحصاء على علاتها دون ان يُفكر بها او يناقشها او يحللها وكأنه يُقدسها. وهو لا يهتم للواقع الذي جرت بين ثناياه ما تُمثله تلك الأرقام والاحصائيات. هذا القول أعتقد أنه لا ينطبق على هذه الدراسة ولسبب بسيط هو أن من قام بها هم أبناء ذلك الواقع، عاشوا ويعيشون كل خلجاته وارهاصاته تلك التي تجري على سطحه او في أعماقه من خلال تواجدهم ومن خلال تخصصاتهم ومن خلال انحداراتهم وتوجهاتهم الفكرية... ويملأ اسماعهم وابصارهم كل ضجيج المجتمع ويطالعون الصحف ويقَّلبون الفضائيات ويلتقون الناس بكل الوسائل والطرق يومياً فهم ليسوا منقطعين عن الناس ولا حبسوا أنفسهم في بُرجٍ عاجية عالية عليه هم ليسوا غريبين عن المجتمع او بعيدين عنه انهم جزء منهم وربما بعضهم سمع ويسمع من المجتمع أكثر مما سمعتُ انا أو سمع أ. د قاسم حسين صالح. والتزامهم بالأرقام يفرضه عليهم العلم والمنطق وأصول البحث وشرفهم المهني وتلك الأرقام حصلوا عليها بطرق رسمية مهنية وفق استمارات خاصة وزعتها منظمة الصحة العالمية عن طريق وزارة الداخلية فهي وثائق رسمية مُعتمدة.

و أ. د قاسم حسين صالح أحد أعضاء هذه المنظمة يعتمد ارقامها.

النوع الثاني: [يعتمد الإحصاء أيضاً لكنه يُحّكم المنطق ويأخذ ما يقدمه الواقع من حقائق].

تعليق: وفق توصيف النوع الأول ب "النصَّي" يمكن لي ان أوصف النوع الثاني ب "اللانصّي" وهو الذي لا يلتزم بالأرقام لكنه يعتمد الاحصاء.

معلوم ان الفرق بين "يلتزم" و"يعتمد" كبير جداً. الباحث "اللا نّصي" ترك الأرقام وأعتمد الإحصاء كما كتب أ. د قاسم حسين صالح...

ما هو الإحصاء؟ هو: جمع المعلومات او استمارات البيانات وتدقيقها وعدها ومن ثم تحليل البيانات /المعلومات وتبويبها ثم ابداء الرأي بها وبحالها الراهن او ما يتوقع في المستقبل وتضاف اليها التنبؤات والاقتراحات...ف"لجنة الدكاترة" جمعت المعلومات من مصادرها الموثوقة وفق استمارات خاصة وصنفتها وحللتها وبوبتها وفسرتها وعرضت الصعوبات والاحتمالات والتنبؤات والاقتراحات.  فهنا هي التزمت بالأرقام وقامت بالإحصاء وأعضاؤها من الواقع عليه فهي "لانّصية".

 كيف يُحَّكَمْ المنطق؟...يكفي ان "لجنة الدكاترة" مؤلفة من خمسة اشخاص أي خمسة عقول وخمسة "خمسة حواس" وخمسة طموحات وخمسة رغبات وخمسة مستويات في الفهم والتفكير والثقافة وخمسة اراء وخمسة تطلعات وخمسة خلفيات ثقافية وخمسة مراحل عمرية عليه فأن المنطق كان حاضراً ومعه الواقع كما أتوقع وبالذات في وضع اجتماعي وسياسي وأمني مثل الذي فيه العراق حيث لا يمكن ان يجبرهم على الاتفاق أحد الا المنطق واحترام الذات والموقع العلمي وهم يعلمون ان أي واحد منهم يمكن أن يخرج على الصحافة ليطعن بالنتائج بكل يسر لا.فهي ليست كما كانت الدراسات تجري قبل2003  حيث كانت تُديرها سلطة "علمية" واحدة خاضعة لسلطة امنية واحدة خاضعة لسلطة فكرية واحدة خاضعة لقائد وحيد أوحد.

 ثم أضاف الدكتور قاسم: أن الباحث "اللانّصي" يأخذ بما يقدمه الواقع من حقائق!! اسأل هنا: هل تلك المعلومات التي قال أ. د قاسم حسين صالح أن اللجنة حصلت عليها من مصادرها/السلطات القضائية ومراكز الشرطة وأهالي المنتحرين ليست من الواقع؟

لا اعرف إذا "الباحث اللانّصي" لا يلتزم بالأرقام ولا يعتمدها في بحثه فأين يضعها او ما قيمتها عنده ولماذا وكيف وأين يستخدمها؟ ومن يعتمد الإحصاء هل يستعمل الأرقام نفسها أم يختلق ارقام كما ظهر في السابقات؟ الإحصاء في معنى من معانيه الحصول/الوصول على /الى الاستنتاجات من المعلومات فهل قام الأساتذة في "لجنة الدكاترة" بطرح استنتاجاتهم من تلك الأرقام ام لا؟ الجواب نعم فهم اعتمدوا الأرقام وحللوها وقدموا تصوراتهم عنها وثبتوها في الاستنتاجات من تلك الدراسة وكون الأرقام من الواقع وهم أعضاء في ذلك الواقع أي أنهم جزء من الواقع وما يقدمه الواقع من حقائق هم عايشوها ويعايشون، لأنهم من نفس الواقع.

لكن السؤال هو كيف حَكَمَ أ. د قاسم حسين صالح هذا الحكم على دراسة "لجنة الدكاترة" وهو لم يَّطَلِعْ عليها ولم يَّطَلِعْ حتى على ملخصها كما وضح ذلك من/في الأجزاء السابقة؟ ويمكن ان أتجاوز ذلك الى حين، وأسأل كيف يستطيع هذا النوع من الباحثين "اللانصيين" الحصول على ما يقدمه الواقع من حقائق" هل هناك آلية معينة تُعينهم وتُسهل لهم ذلك؟

 ثم هل كل ما يُقَدِمه الواقع هو حقائق؟ والواقع مليء بالمغالطات والأحقاد والكذب والمبالغات والتناحرات والفساد؟ او كيف يستطيع الباحث "اللانصي" من فرز/معرفة الحقائق عن/من غيرها من ذلك الكم الهائل من الذي يُقدمه ُالواقع؟ يعني هل هناك معيار دقيق يستعين به هذا النوع من الباحثين لتمييز الحقائق من غيرها؟

طرح أ. د قاسم حسين صالح يمكن ان يُطرح عن شخص قدم دراسة أو كتب مقالة وهو جالس في صومعته أو لجنة أعضائها غرباء عن الواقع او بعيدين عنه يجلسون في أبراج عاجية عالية يُقلبون ما تصلهم من صحف وقنوات التلفاز ليتسقطوا اخبار ومعلومات مشوهة عن المشكلة ويُسَّطرون كلماتهم من على الكيبورد ويعتبرونها دراسة علمية. من يقرأ هذا المقطع يتوقع ان يقدم أ. د قاسم حسين صالح معلومات وحقائق مهمة وموثقة تلك التي قدمها له الواقع وهذا اعتقادي انا ايضاً.

2: [والمأخذ على هذه الجهد العلمي ان دراسته الـ (quantitive study) تعاملت مع الأرقام بطريقة (حنبلية). أعني انها قيدت نفسها بمقارنات احصائية، ونأت عن واقع يناقض تماما تلك النتيجة الصادمة بان معدلات الانتحار في العراق هي اقل من معدلاته في العالم، التي هي صحيحة رقميا ولكنها غير صحيحة واقعيا] انتهى

تعليق: أقول "يُفهم من: تعاملت مع الأرقام بطريقة حنبلية" ان "لجنة الدكاترة" اعتمدت تلك الارقام بتشدد/بقدسية وهذا الوصف غير موفق لسببين:

السبب الأول: ان الأرقام صادرة عن مصادرها والدكتور يؤيد صحة تلك الأرقام حينما كتب في نهاية المقطع: (...التي هي صحيحة رقمياً...). اي انها ارقام صحيحة وهي من تم تطبيق علم الإحصاء عليها. وتعني هذه العبارة أن أعضاء "لجنة الدكاترة" على مذهب فكري واحد.

السبب الثاني: التشدد بدقة الأرقام واجب على الدارس والمُعِدْ لدراسة والناشر لها وهو واجب مقدس لا يوجد بديل عنه مطلقاً. ويقال إن "المذهب الحنبلي" يؤمن بالاجتهاد أي يؤمن بتحليل الأرقام ووضع الاستنتاجات. أي أن التعامل ب "حنبلية" مع الأرقام إلزام لكي يحصل الدارس على احصائيات دقيقة تفسح المجال له بمقاربتها مع الواقع بدقة أكثر مع معرفة الدارس بأن الواقع فيه الكثير من العيوب كما بينتُ أعلاه. ولا يمكن التلاعب بالأرقام انما يمكن وضع احتمالات او تطرق لآراء مختلفة في تحليل تلك الأرقام وهذا ما ورد منه في الدراسة، حيث التلاعب بالأرقام جريمة غش وتزوير وتزييف وجريمة مخلة بالشرف العلمي مهما كانت الدوافع والأسباب.

 لذلك فأن تعامل "لجنة الدكاترة" بطريقة حنبلية مع الأرقام عزز الثقة بتلك الدراسة ونتائجها حتى لو كان فيها بعض العيوب وهي متوقعة.

من النوعين الذين ذكرهما أ. د قاسم حسين صالح عن الباحثين نجد ان دراسة "لجنة الدكاترة" لا تقع تحت أيٍ من النوعين ف"النصي" لا يأخذ بالواقع والأساتذة في "لجنة الدكاترة" أخذوا بالواقع وهم جزء منه واللانصي لم يأخذ بالأرقام والأساتذة اخذوا بالأرقام...فما قيمة ما وجد أ. د قاسم حسين صالح: [ومن خبرتنا في البحوث العلمية تأكد لي وجود نوعين من الباحثين].

المهم ان معدلات الانتحار في العراق كما ورد في نتيجة الدراسة هي اقل من معدلاته عالمياً وهي صحيحة رقمياً كما أكد أ. د قاسم حسين صالح يبقى الخلاف حول ما يقدمه الواقع من حقائق حيث يقول أ. د قاسم حسين صالح ان الواقع يناقض تماماً تلك النتيجة الصادمة...ولم يقدم لنا أ. د قاسم حسين صالح كيف إن "الواقع يخالف تماماً تلك النتيجة الصادمة"... والنتيجة المناقضة تماماً لنتيجة الدراسة تعني انها أكثر من المعدل العالمي ...عليه ننتظر من أ. د قاسم حسين صالح أن يُثبت قوله هذا  حيث يمكن الاستنتاج من طرح أ. د قاسم عن النتيجة الصادمة أنه يستند على بَيِّناتْ واضحات عدها حقائق من الواقع...نتمنى ان يتفضل علينا بها حتى يُقَدِمْ الصورة الحقيقية للمشكلة وأكيد سنستفيد من تسليط الضوء عليها ومناقشتها لنلمس وتلمسوا الحقائق!!! وأتمنى عليه ان يرشد الباحثين الى الأسلوب والطريقة التي يستطيعون بها الوصول الى الحقائق التي يقدمها الواقع لتعم الفائدة منها. وإنا لمنتظرون!!

11- ثم كتب أ. د قاسم حسين صالح التالي: [والمؤسف ان التزامها الحرفي بالأرقام دفعها "يقصد لجنة الدكاترة" الى ان تقول انها لا تمتلك ارقاماً عن معدلات الانتحار في العراق قبل 2003 لتحكم ما إذا كانت قد ارتفعت معدلاته بعدها، وهو تبرير صحيح ايضا لأن الانتحار في العراق ما كان يشكل ظاهرة] انتهى.

تعليق: لا اعرف كيف صاغ أ. د قاسم حسين صالح هذه العبارة واعتبرها مناسبة هنا؟ انها عبارة مرتبكة غير متناسقة لا لغوياً ولا علمياً. أن التزام "لجنة الدكاترة بالأرقام لم يدفعها الى القول بعدم امتلاكها لأرقام ما قبل 2003 ...هذه العبرة قد تدخل في باب "تعمد الاخفاء او في باب التزوير والتزييف والكذب"...وهذا غير صحيح وغير مرغوب فيه في كل الأحوال ومن يطرح هذا عليه اثبات ما يؤيد كلامه وإلا فلا.

هذه العبارة غير صحيحة مطلقاً حيث أن الدراسة لا/لم تنكر أو تؤكد ارتفاع حالات الانتحار في العراق بعد 2003 لأنها بكل بساطة غير معنية بهذه المقارنة فهي تكلمت عن المقارنة بين معدلها في العراق والمعدل العالمي خلال سنتي الدراسة [2015 و2016].

ولمعلومات أ. د قاسم حسين صالح أن ذكر عبارة 2003 عيب بحثي، ف"قبل 2003" يعني مدى مفتوح في علم الإحصاء والأرقام ...ماذا تعني قبل 2003؟ هل يقصد عام 2002 أم عام1900؟ أم يقصد فترة حكم البعث؟ وهذا ليس من المنطق او الواقع ...يُقال عن نظام الحكم قبل 2003 ويقصد به فترة اخر حاكم لكن هذا لا يدخل في "الانتحار" الذي يُحسب سنوياً ويستخرج معدل الانتحار سنوياً ويدرس سنوياً ويقارن سنوياً ويُنشر سنوياً حاله حال ميزانية الدول وعدد الولادات والوفيات وغيرها وربما حتى عدد السكان.

الدراسة تتكلم عن موضوع والدكتور يتكلم عن موضوع أخر لا علاقة له بالدراسة التي ينتقدها وهذا دليل أخر على عدم اطلاع أ. د قاسم حسين صالح على الدراسة التي انْتَقَدَها.

 ثم كيف عرف أ. د قاسم حسين صالح أن الانتحار في العراق قبل 2003 لم يكن يشكل ظاهرة؟ وهذه العابرة دفعتني للبحث فيما كتب أ. د قاسم حسين صالح قبل عام 2003 فلم اجد ما يفيد بخصوص الانتحار... لكن عرفت من سيرته الذاتية انه عمل في اختصاصه وكان قريب من الصحافة والاعلام ومجال الطب النفسي وأجرى عشرات البحوث والدراسات عن العوامل النفسية والاجتماعية وعن جرائم العنف والانعكاسات النفسية للحرب على المواطن العراقي  واسس وترأس عام 1995 مكتب الاستشارات النفسية والاجتماعية والغريب اني لم أجد مما ورد في سيرته الذاتية أنه قام بدراسة عن الانتحار او كتب مقالة عنه قبل عام 2003""مما تيسرلي الاطلاع عليه"" على الرغم من ان الانتحار في تلك الفترة طرق مسامعنا كثيراً "يعني قدمه الواقع" وبالذات في صفوف المجندين العسكريين في الحرب مع ايران وبعد معركة الكويت عام 1991و كذلك في صفوف التجار والباعة خلال فترة الحصار الظالم  نتيجة انهيار العملة  تذبذب أسعار الدولار وتعرضهم لخسائر جسيمة  وحصل في الحملات العسكرية على الاخوة الاكراد قبل جريمة الانفال وفيها وبعدها  وحالات انتحار بسبب الزنا بأنواعه والحرمان والاضطهاد السياسي وتفشي الفساد المالي من سرقة ورشوة وتزوير. وقد كتب عن بعضها الدكتور في وقتها.

نعم الانتحار قبل 2003 لم يُسجل كظاهرة لأنه كان يُعتبر من أسرار الدولة ويخص الامن الاجتماعي الذي يتبع الامن الوطني الذي يتبع الامن القومي الذي يتبع الامن الرئاسي.

ان الربط بين التعامل ال "حنبلي" مع الأرقام وارقام ما قبل 2003 قد يُفَسَرْ أنه اتهام بعدم النزاهة وتعمد عدم الدقة وحتى التزييف والكذب وانا لا أتوقع أن يكون هذا هو قصد أ. د قاسم حسين صالح من هذا الربط لكن ربما لا يعرف أنه قد يعني ذلك وهو اتهام خطير ليس في محله او لا داعي له اصلاً فهو ربط مُعيب. أنا اعيد هنا هذه النقطة لبيان أهمية الدقة في الطرح وضرورة العودة الى ما نكتب قبل أن ننشر والعودة اليها بعد أن ننشر فربما نجد ما نعتذر عنه وعليه وهذه الحالة الواجبة يفتقد اليها البعض ولمستُ عدم اهتمام أ. د قاسم حسين صالح بها حيث أن رد "الدكاترة" على انتقاده الدراسة تَضَّمَنَ الإشارة الى هذه النقطة والرد مضى عليه أكثر من سنة وثلاثة أشهر تقريباً ولم يؤشر الدكتور أي إشارة على هذا الاعتراض وهذا كما أتصور غير محبب.

 12- [ثم أكمل أ. د قاسم حسين صالح التالي: [فيما المنطق والحقائق ومصادر حكومية وتقارير تتمتع بالمصداقية ودراسات جامعية عراقية تؤكد ان معدلات الانتحار في العراق تضاعفت بعد 2003، اليكم نماذج منها:] انتهى

الى اللقاء في الجزء التالي

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

كاظم الموسويهل تخرج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وتنفذ بريكست، أو تبقى تمدد الفترة القانونية؟ هل تستمر بالتفاوض مع قيادة الاتحاد الأوروبي ام مع حزب العمال المعارض، بزعامة جيرمي كوربين؟ هل تذهب حكومة المحافظين الى استفتاء جديد وتستجيب لآلاف، اذا لم يكن ملايين، المتظاهرين والموقعين على عريضة جماعية مفتوحة، المطالبين بالبقاء في الاتحاد؟ من يقرر كل هذا ومن ينفذه؟!  الحكومة اليمينية ام مجلس العموم المنقسم عموديا وافقيا، ام الشارع الغاضب؟. ما هي آفاق العمل السياسي الذي تسير عليه الحكومة؟ وأسئلة كثيرة اخرى، تبين حجم المازق والانسداد السياسي أمام حلول تخرج الدولة منها لاسيما وأنها دخلت بسببها في أزمات على مختلف المستويات..

اجري الاستفتاء الاول في 23 حزيران / مايو2016  وبينت نتائجه رجحان الموافقة على الخروج من الاتحاد بنسبة ضئيلة، واندفاع حزب المحافظين أو عصبة فيه الى الترويج للخروج، دون حساب النتائج التي تترتب عليه، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وحتى أمنيا ووحدة المملكة، التي قد تتعرض للتفكك ويصبح الخروج من الاتحاد الأوروبي خروجا داخليا ايضا من اتحاد المملكة وتوزعها الى دول جديدة. منذاك بدأت الأزمات تتفاقم والتحذيرات من تعقيدها تتزايد، وصولا إلى ما هي عليه الأوضاع الآن.

كان المفروض أن تخرج المملكة من الاتحاد نهاية آذار/مارس الماضي حسب الفترة القانونية التي يحق لها البقاء وفق تفعيل المادة خمسين من اتفاقية الإتحاد. وقامت حكومة المحافظين ورئيستها تيريزا ماي في جولات مارتونية بين لندن وبروكسل، عاصمة الاتحاد ومقر رئاسته، للوصول إلى إتفاق حول عملية الخروج أو الطلاق كما سمي في وسائل إعلام كثيرة. وعرضت ما توصلت إليه على البرلمان البريطاني للحصول على موافقة الطلاق، الا أن البرلمان رفض كل ما عرض عليه، وطالب بأن يكون الطلاق باتفاق والامتناع عن خلافه، مما عقّّد الأمور أمام ماي وحكومتها واضطرارها في الاخير الانحناء والتفاوض مع حزب المعارضة، حزب العمال وزعيمه، للوصول معا الى حلول متفق عليها وقبول الخروج، حتى في إطار التمديد الأخير  إلى 31  تشرين اول/ أكتوبر هذا العام. وسبق أن طرح هذا السيناريو من ضمن الحلول المطروحة لإيجاد مخرج الطلاق باتفاق لا يضر المصالح المشتركة.

ثلاث مرات فشلت ماي في إقناع مجلس العموم البريطاني لما طرحته عليه، واخيرا فشلت في مفاوضاتها مع حزب العمال المعارض. حيث أعلن الحزب وقف المفاوضات معها بعد ستة أسابيع من مفاوضات "غير مثمرة".  وقال زعيم الحزب المعارض جيرمي كوربين، في رسالة إلى ماي، إن المفاوضات "ذهبت إلى أقصى حد ممكن" بسبب "ضعف" الحكومة المحافظة معبرا عن عدم ثقته فيها للتوصل إلى أي اتفاق. مضيفا أنه رغم إجراء محادثات "بناءة" و"بحسن نية" من جانب الطرفين "لم نتمكن من سد ثغرات سياسية كبرى بيننا". واعتبر كوربين أن "تلاشي سلطة" تيريزا ماي يهدد قدرتها على "جعل أي تعهد" تقطعه خلال هذه المحادثات ملموسًا. كما حذر كوربين من أنه "في حال لم يحصل تغيير كبير، سنواصل معارضة الاتفاق الذي أبرمته الحكومة" حول بريكست معتبرا أن هذا النص لا يحمي الوظائف أو الصناعات في بريطانيا.

معروف ان حزب العمال يفضل البقاء ضمن اتحاد جمركي أوروبي، يرسي سياسة جمركية وتجارية مشتركة، بحيث لا تفرض جمارك أو ضرائب على تبادل البضائع بين المملكة المتحدة ودول الاتحاد. فيما تؤكد ماي أنها تريد الخروج منه لإفساح المجال أمام بلادها للتوصل إلى اتفاقات تجارية مع دول أخرى. كذلك لا يستبعد حزب العمال خيار إجراء استفتاء ثانٍ، بحيث يصوت الشعب على الاتفاق الذي يقره البرلمان.

 فشل المفاوضات بين الحزبين الرئيسين،  المحافظين والعمال،  قبل ستة أيام من الانتخابات الأوروبية في البلاد، مقدمة صراع سياسي جديد بينهما، في الانتخابات وفي تحقيق أفضل نتائج لكل منهما، بعدما انتقدهما الناخبون  أو عاقبهما في نتائج الانتخابات المحلية بسبب المماطلة بشأن اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي، وابقاء التوتر والانتظار قائما.

وكانت المفاوضات بين الحزبين وما انتهت إليه موضع غضب بين المحافظين الداعمين لبريكست، إذ يقولون إن الاتحاد الجمركي سيحد من قدرة بريطانيا على إبرام اتفاقيات تجارية خاصة بها. كما يرون أن التصويت للمرة الثانية غير ديمقراطي. وهو أمر يثير استفسارات عن موقفهم مما يتحدثون عنه في قضايا مماثلة. كما انتقد بعض النواب المحافظين ذهاب ماي الى التفاوض مع حزب العمال، لكنها قالت إن الحكومة "لا تملك إلا التواصل مع النواب على الجانب الآخر من مجلس العموم". مع تاكيدها والحكومة البريطانية، على أن المفاوضات مع حزب العمال المعارض حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست" انتهت دون الوصول لاتفاق. مما يدفع إلى إجراءات صعبة وربما تعقيدات جديدة. لا اتفاقا داخليا وضغوطا خارجية مستمرة، وفشلا في التفاوض والاقناع، وحراكا شعبيا وردودا وأجوبة غير مقنعة وغير مسؤولة.

من بين ما يمكن حصوله هو اضطرار رئيسة الوزراء الى اعلان موافقتها على التنحي بعد التصويت على الاتفاقية في مجلس العموم ودخول البلاد في فترة سياسية قلقة لما بعد ماي. رغم ان التنافس داخل حزب المحافظين حول خليفتها القادم كان قد بدأ، أو أعلن عنه داخليا أكثر من مرة، وكانت قد صرحت اثرها بانها قد تعهدت بوضع جدول زمني لترك منصبها بعد تصويت مجلس العموم على خطتها للانسحاب من الاتحاد الأوروبي في الأسبوع الأول من حزيران/ يونيو القادم.

بعد نحو 3 أعوام من التصويت على نحو غير متوقع بالطلاق، الخروج من الاتحاد، بريكست، وكانت النتائج بسيطة ولها اسبابها وضغوط توجهاتها، لا يزال من غير الواضح متى ستعلن بريطانيا خروجها باتفاق أو بدونه، أو بقاءها في الاتحاد الذي انضمت له عام 1973، باستفتاء ثان أو سحب طلبها الاول، وفي اي سيناريو ستتجه سياسات لندن وما هي صورتها القادمة؟!.

 

كاظم الموسوي

 

صادق السامرائيالمفكرون العرب يتحدثون عن الجهل المقدس، أي أن المجتمع يقدس الجهل بتكرار عقائد دوغماتية غير خاضعة للتحقيق العلمي، ومنهم مَن يذهب إلى الجهل المؤسس، ويعني به النظام التربوي الذي يؤسس للجهل ويغلق الأبواب أمام المعرفة والتفكير ويعطل العقل، ويمعن بالتلقين وعدم تشجيع الإنسان على إستعمال عقله لأنه من المحرمات.

ومعظمهم يخشى أن يشير إلى بيت الداء ويدور حوله، خوفا من التكفير والإتهام بالزندقة وغيرها من الإتهامات، التي يسهل إطلاقها والعمل بموجبها من قبل أعداء الثقافة والمعرفة وإعمال العقل.

فبيت الداء أن تجارالدين لا يسمحون بالتعلم والمعرفة وينكرون على البشر وجود العقل، فهم الذين يعرفون وعندهم العقل والحكمة والقول الفصل، وما على البشر إلا أن يتبع ويطيع ولا يجوز له السؤال، لأن في ذلك زعزعة لقدسيتهم ومقامهم الجليل.

وهؤلاء هم الذين يكرسون الجهل ويعملون بجد ونشاط على إدامته، والحث الدائب على التجهيل والتدمير العقلي، للذين إمتطوا مصيرهم بإسم ما يدّعون من طائفيات ومذهبيات وآليات إستعبادية وتدميرية للبشر والدين.

فهم يعتقدون بعقائد أوجدوها ويحسبونها دين، وهي لا تمت بصلة إلى جوهر وحقيقة الدين، وإنما من وحي تأويلاتهم وتسويغاتهم وتطويعاتهم اللازمة لتمرير ما يرغبونه ويذهبون إليه، فيخدعون أنفسهم ويضللون الناس من حولهم، ويمعنون بتجهيلهم وحرفهم عن الصراط المستقيم والنهج القويم.

ووفقا لذلك فالجهل أكثر من مقدس، وإنما أصبح عندهم طقس تعبدي، وأساس للإيمان، فما عليك إلا أن تؤمن بقلبك وتعطل عقلك، لأن ما يأتي به العقل وساوس وأضغاث وهمسات شياطين تريد أن تبعد المؤمن عن الدين.

ومن الواضح أنهم يشجعون على الجهل والتجهيل، فكلما زاد عددهم وتأثيرهم في المجتمع تنامى الجهل وتعاظمت الأمية، ولن تجد منهم مَن يسعى إلى التثقيف والتعليم ومحاربة الجهل والأمية، لأن في ذلك خسارة كبيرة لوجودهم التضليلي ودورهم الإستعبادي، ويؤدي إلى أضرار تجارية هائلة لا يمكن القبول بها.

فالبشر بضاعتهم وبه تنتعش تجارة الدين، ولكي تكون البضاعة مربحة يجب أن يكون الجهل علامتها الفارقة وماركتها التجارية المتميزة.

فهل عند المفكرين العرب الجرأة بتسمية الأشياء بأسمائها بدلا من المصطلحات التي تدور حول المعضلة، وما أوجدوا حلا فاعلا لأية مشكلة تمخر الواقع العربي على مدى عقود، ولن يعفيهم قولهم بأن هذا ليس من واجبهم؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

المتابع للسجال بين المجلس العسكرى الإنتقالى وقوى الحرية والتغيير يحس إن قوى الحرية والتغيير تريد فرض رأيها على المجلس العسكرى عبر مراحل من التكتيك وترى هذه القوى إن على المجلس العسكرى  السمع والطاعة لهم بحكم إنهم يمثلون الشعب  السودانى حسب ظنهم  وهذا فقد وافق المجلس العسكرى على الكثير من طرحهم وفى كل يوم يخرجوا  إلينا  بجديد وبعد أن وافق المجلس العسكرى على هياكل السلطة الإنتقالية الثلاثة بصلاحياتها خرج  علينا الحزب الشيوعى بمقولة يجب  أن تكون الأغلبية فى المجلس السيادى مدنية وكذلك رئاسة المجلس مدنية والسؤال الذى يفرض نفسه هل  تقبل قوى التغيير برئيس المجلس العسكرى ونائبه وبقية الأعضاء فى المجلس العسكرى أعضاء معهم فى المجلس السيادى إذا وافق الإنتقالى على الأغلبية والرئاسة للمدنيين أم أن هذا سؤال ليس له إجابة حالياً؟ السؤال الأكثر عمقاً لماذا هذا  الإصرار؟ وماذا عن مقترح الرئاسة الدورية هل الحزب الشيوعى موافق على ذلك؟  ماذا يعنون بتفكيك الدولة العميقة هل هو الصالح العام وإقامة دولة تمكين أخرى من كوادرهم أم هنالك معنى آخر لهذا العبارة؟ وماذا يعنون بمحاسبة المفسدين من عضوية المؤتمر الوطنى هل هو المصادرة دون تحقق أم المحاسبة العادلة؟ أتمنى أن يخرج علينا الحزب الشيوعى صاحب الصوت الأقوى ومن خلفه بقية قوى الحرية والتغيير ويقدموا للشعب السودانى البرامج التى سوف يقومون بها فى الفترة الإنتقالية بكل صراحة وأتمنى أن يستفتوا الشعب السودانى فى برامجهم  تلك حتى يستطيعوا أن يقولوا بكل  ثقة إنهم يمثلون الشعب السودانى بحق وحقيقة والله أسأل التوفيق إذا حسنت النوايا

 

حافظ مهدى محمد مهدى

عبد الخالق الفلاحمن الصعب على المرء، مهما كان انتماؤه السياسي، أن ينكر أن مجال السياسة أصبح خلال السنوات الاخيرة التي مضت أقل تحضرا ودماثةً وكما يعتقد البعض أن السياسة تستدعي التخلي عن القيم والأخلاق والتوجه إلى أساليب تتحرر من القيم فكانت الأخلاق والسياسة لهما مفهومان متناقضان.

كما يتصورون أن السياسة هي أن تحافظ على كيانك والبقاء قائما سواء على مستوى الأفراد والحكومات والدول باستخدام كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، وهؤلاء يستندون لنظرية ميكيافيلي الذي يرى أن الأخلاق يجب إبعادها عن السياسة لأنها العائق الوحيد أمام تطور الدول وله مقولة مشهورة «الغاية تبرر الوسيلة ومن هذا المنظور ومع الاسف ان العظمة والغلبة ينالها الأمراء المخادعون الذين لا عهد ولا وفاء لهم ،والبقاء في السلطة فوق كل الغايات والاعتبارات وبكل الوسائل حتى ان كانت غير مشروعة . لان القوة الغالبة في سياسة حكومات الدول في الزمن الحالي هي المصالح وليس الأخلاق، وذلك على الرغم من ادعاء الدول المتقدمة على التمسك بالمبادئ والأخلاق، باعتبارها الحصن الذي يحمي الدول والحضارات من الوقوع في براثن التدهور والانهيار وهي على ما يبدو ان الحديث عن الأخلاق عموماً والأخلاق في السياسية اليوم مجرد نزوة اخترقت شرفات الحلبة المشتعلة التي تأوي ومايُفترض أن تكون أسرة السياسية واعية بدورها وأسباب وجودها؛ ولأن الإحتقان العلائقي الذي تعيشه أفراد الأسرة السياسية هي عدم التوازن فيها والسياسة تعني في اللغة وماخوذة من فعل ساس الحصان أي قاده إلى حيث الماء.

وافضل نموذج للادارة هي ما بعثها الإمام علي(ع) إلى مالك الاشتر (رض) والي مصر) كما جاء في نهج البلاغة وفيها أهم الأفكار والمفاهيم السياسية والاقتصادية وشؤون الحكم والإدارة بل من أهم الركائز الفكرية والسياسية والادارية التي بعث بها رئيس دولة إلى أحد ولاته و تضمن هذا العهد رسم الخطوط العريضة للسياسة العامة التي يجب أن ينتهجها الحكام في كل عصر على أساس المنطلقات الإنسانية والإسلامية التي تهدف إلى تنظيم الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية تنظيماً دقيقاً وبناء العلاقات الداخلية في المجتمع الإسلامي على أساس العدل والحرية والمساواة سواءاً كان تعامل الحاكم مع الشعب أو مع رجال السلطة وفق سياسة تكفل للجميع الاستقرار والتقدم.

فالأصل في الفعل السياسي قيادة الناس وتنظيم شؤونهم وقضاء مصالحهم. غير أن تجارب البلدان في السياسة وتجارب الشعوب تبين كيف أن الحصان لا يقاد دائما ومن المفيد والضروري استدعاء الأخلاق في السياسة لإنقاذها من بين طواحين أفراد اسرهم الذين يتمادون في التنكيل بها فالأخلاق والسياسة ماهيتان مختلفتان بطبيعتيهما عندهم ومن المحال احتواء إحداهما للأخرى

نظرياً قد تكون ثمة «معايير أخلاقية» للعمل السياسي، لكن إسقاط ذلك على الواقع يبدو أقرب للخيال، فالعلاقة معقدة بين قيم الأخلاق المعروفة، مثل (الصدق والنزاهة والوفاء..الخ)، والوسائل اللازمة لتحقيق الأهداف السياسية، التي تعتمد غالباً على ممارسة الكذب والخداع، لكون السياسة تشكل بيئة خصبة لتحقيق المكاسب المادية وصفقات الكواليس والامتيازات المعنوية والوجاهة والألقاب، وقد ساهم في تعزيز هذا السلوك طغيان وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة. ويمكن التمييز بين بلدان الخضوع والخنوع التي تحكم بالنار والحديد والدول الديمقراطية المستقرة سياسيا، التي تشكل صناديق الاقتراع وتكريس مبدأ تداول السلطة من خلال الأحزاب السياسية، مخرجا للرد على كذب السياسيين واستبدالهم، عندما يفشلون في تحقيق برامجهم ويكتشف الجمهور خداعهم، وهذه ميزة مفقودة في الدول التي تحكمها أنظمة بوليسية ، أو تصل الى الحكم عبر الانقلابات العسكرية . إن سر نجاح البعض من الدول المتقدمة كان في تبني قيم ومبادئ أخلاقية أصبحت راسخة لدى شعوب هذه الدول، إلا أن هذه الدول أو معظمها خرجت عن هذه الضوابط والقواعد الأخلاقية في سياساتها الخارجية، فكانت معاييرها مزدوجة وفق مصالحها التي تدعيها، والتي لا تخدم بالتأكيد مصالح الشعوب الاخرى .وكما يقول الشاعر احمد شوقي:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

مع وجود التناقض الشديد ما بين المبادئ والقيم الداخلية التي ترعاها وتحافظ عليها، وبين سياساتها الخارجية التي تعتمد مبدأ المصلحة كمبدأ في التعامل مع العالم الخارجي، خاصة مع العالم الإسلامي وبالرغم من أضراره الخطيرة على علاقاتهم ومصالحهم.

رغم ذلك يمكن دمجهما في زوايا محددة (اي السياسة والاخلاق) في تفاعل متبادل ترعاه أجواء الحرية والاعتدال، لأن الفضيلة السياسية أو الأخلاق في السياسة لا يمكن أن تنمو عيانياً في مناخات التطرف والعنف والغلو ومع غياب حقوق المواطنة والعدالة والمساواة والمشاركة. وقد ميز المفكرون والفلاسفة منذ أفلاطون الفارق الكبير في البنية الأخلاقية بين الفرد الذليل والمدفوع وراء أهوائه ونزواته عن الذي يتمتع بكامل حقوقه الطبيعية، المدنية والسياسية ويصبو لقيم الخير والحق والجمال والعدل، فالأخلاق هي مجموعة القيم والمثل الموجهة للسلوك البشري نحو ما يعتقد أيضاً أنه خير وتجنب ما ينظر إليه على أنه شر، وكلاهما، السياسة والأخلاق، تستهدفان تمليك الناس رؤية مسبّقة تجعل لحياتهم هدفاً ومعنى، وبالتالي تلتقيان على الدعوة لبناء نمط معين من المبادئ والعلاقات الإنسانية والذود عنهما، لكن تفترقان في أن طابع المبادئ والعلاقات التي تعالجها السياسة تختلف نوعياً عن تلك التي تتناولها الأخلاق تصل إلى حد التعارض عند ميكيافيللي الذي يغلّب السياسة على الأخلاق في كتابه " الأمير"، ليظهر السلوك الميكافيللي كما لو أنه يتنكر صراحة لجميع الفضائل الأخلاقية حين يبرر استعمال كل الوسائل لتحقيق الغايات السياسية!!.. أن ممارسة الفرد لاي عمل وفي جميع المجالات يتحتم عليه الالتزام بالمعايير الأخلاقية الثابتة، وأن تلتزم الدول والمؤسسات بالالتزامات الأخلاقية حيث سوف يُستنتج من أن المعايير والضوابط تلك لها دور مهم في إرساء قواعد الممارسة المهنية والروابط السياسية والاجتماعية الفاضلة .والخلاصة في القول ان العلاقة بين السياسة والأخلاق، ينقسم بين طرفين. بين الوصل بينهما أو الفصل. والأمر يتقدر بين الفلاسفة بحسب منظوراتهم. وفيها ينفصل المنظور البراغماتي للسياسة عن المنظور الأخلاقي. لكن التاريخ معيار. واحترام القيم الانسانية هو المعيار الحقيقي على الدول اليوم وتقدمت بالأمس على اساسه ورفعت شعاره؟

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

علي عليكلنا يذكر الأيام الأولى التي أعقبت سقوط نظام البعث بعد التاسع من نيسان عام 2003 وكيف بعث هذا الحدث في نفوس أغلبنا -وليس جميعنا طبعا- أملا كبيرا لتحول كبير في حياة العراقيين، لاسيما الذين شهدوا سنوات السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، والذين ذاق أغلبهم مرارة السياسة المتبعة آنذاك، والنهج الذي كان مفروضا عليهم رغما عن أنوفهم، فكانت أيامهم سائرة ككابوس في ليل بهيم.

ولا أحد ينكر كم كانت صعبة -بل مستحيلة- الإطاحة بنظام صدام لو بقي الأمر على العراقيين وحدهم، وبدا هذا واضحا بُعيد الانتفاضة الشعبانية عام 1991 يوم صار سقوط النظام قاب قوسين أو أدنى من محافظات العراق جميعها، لولا اتباع صدام سياسة القمع الدموي التي فتكت بالثائرين ضد النظام، والمطالبين بنهاية جثومه على صدور العراقيين، بعد أن انزلق البلد على يده شر منزلق، وضاع كثير من حقوق الشعب تحت أنقاض الحروب والسياسات الهوجاء التي مارسها ضد فئات البلد وشرائحه كافة.

ولكن الذي حدث هو تماما عكس ما تشتهي السفن، فقد بسط هذا الشبح جناحه المرعب على مدن الوسط والجنوب، ومارس مع سكانها كل مايمتلك من وسائل الانتقام، فأفرغ جام غضبه على المواطنين، مستغلا الحصار يدا ضاربة ضمها الى باقي أذرعه المتمثلة بأزلامه وحزبه، فغاب خلف قضبان السجون من غاب وزهقت أرواح بعضهم، ولم يجد بعض آخر من الأحرار بدا من الهجرة خارج أرض الوطن للخلاص بـ (العزيزة)، ولم يتغير الحال إلا الى الأسوأ، حتى جاء عام له أسماء عدة، فمنا من أسماه عام التحرير.. وآخرون أسموه عام الاحتلال.. وكذلك عام السقوط.. وعام الغزو.. وهو في كل الأحوال تحقق فيه حلم واحد هو الخلاص من الصنم، وهذا بحد ذاته غاية المنى والطلب.

ولقد حزت في نفس كل شريف إفرازات ذاك العام، إذ أن ما حصل كان أكثر من مهول وأغرب من العجائب والغرائب، وقد هون العراقيون على أنفسهم وطأة الأحداث، بإلقاء اللائمة في سوء ماحصل في بداية الأمر، على طريقة الإدارة سيئة الصيت التي أنشأها بول برايمر حينها. ولكن الأمر لم يقف على هذا الرجل لينزاح بانزياحه، فقد كان لمن أخلفه ومن تصدر عتبات المراكز القيادية في البلد شر إدارة، ولم يفلح أحد من مسؤولينا بتجاوز المحن التي صادفت البلاد، بل كان الأمر أكثر سوءا، لاسيما وان الهادمين أكثر من البنائين، وقد قيل في هذا من قبل:

ولو ألف بانٍ خلفهم هادم كفى    فكيف ببان خلفه ألف هادم

وهذا الحال مازال قائما رغم تجاوزنا دزينة وربع الدزينة من الأعوام على ذاك العام متعدد الأسماء، ويالخيبة العراقيين حين يرون الحال أسوأ بفعل الهادمين يوما بعد آخر، رغم حجم أملهم بمن ينتخبونه، ورغم ظنهم بان القفز فوق العقبات وتجاوزها يسير على يديه بانسيابية، غير أن الصدمة على ما يبدو أضحت الناتج الوحيد الذي يواجههم، وقد قاربوا الى حد ما وصف الشاعر في بيتيه:

عجبا للزمـان في حالتيه          وبـلاء ذهبـت منـه إليـه

رب يوم بكيت فيه فلما          صرت في غيره بكيت عليه

ولهم في القادم من الأيام خفايا من ساستهم، ومن الذين يتبوأون مناصب البت في قرارات الحاضر والمستقبل، إذ ما فتئ الأخيرون يتمادون في أعمالهم المعادية للمواطن، ومازالوا يتناوبون حكمه بما يزيد على حكم صدام ظلما وجورا، ولعل الترحم على الظالم يحل ويجوز، حين يحكم من بعده من هو أكثر ظلما، وكما قال أجدادنا: "يروح معيط يجي أمعط"، وليت شعري أي صنف من البشر سيتولى حكمنا إذا راح أمعط؟.

 

علي علي

 

تناقلت وسائل الإعلام حديثاً لرئيس تحالف الإصلاح السيد عمار الحكيم عن وجود طرف ثالث يريد الحرب أن تشتعل بين الطرفين، وأكد الأخير في لقاءات جمعته مع مسؤوليين أميريكان أن بلاده لن تخوض حرباً بالنيابة عن احد، وسيكون للعراق موقفاً من هذا الصراع الذي بدأت ملامح تصاعده مع دخول البوارج الأمريكية إلى المنطقة، وسحب الكوادر والموظفين من السفارة الأمريكية في بغداد، الأمر الذي ربما يكون إعلان مواجهة بين الطرفين ستبدأ في العراق،وان إسرائيل لعبت دوراً محورياً في هذا التصعيد، ولكنها في نفس الوقت ترغب أن يكون محصوراً على الأرض العراقية،وان لا يتسع ليشمل عموم المنطقة العربية، وذلك تفادياً لاقتراب نار الصراع إلى حدود الصهاينة، حيث تؤكد التقارير أن الاستخبارات الإسرائيلية عقدت اجتماعات مهمة مع الاميركان في دفعهم للصدام مع طهران، الأمر الذي دفع الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ إجراءات سريعة في الشرق الأوسط وإرسال سفن حربية إلى الخليج ما استدعى طهران إلى اتخاذ إجراءات مشابهة ونشر صواريخ باتريوت باتجاه تل أبيب، وتحريك قطعها الحربية باتجاه مضيق هرمز والتهديد بغلقه أمام الملاحة الدولية، حيث يعتبر المضيق المتنفس الوحيد لنفط دول الخليج وتجارتها الاقتصادية مع العالم .

إسرائيل والمملكة العربية السعودية، وهما أهم حلفاء الإدارة الأمريكية في المنطقة، تقفان موقف المرحب بالخطوة في دخول البارجة الأمريكية وتأجيج الموقف، إلا أن شركاء الإدارة الأمريكية في أوروبا يشعرون بعدم الارتياح إزاء ما ستؤول إليه الأمور، فقد اتخذت كل من إسبانيا وألمانيا وهولندا خطوات من شأنها وقف أي أنشطة عسكرية في منطقة الشرق الأوسط مشاركة مع الأمريكيين، نظرا لتصاعد التوترات في المنطقة، وهذا ليس الوقت المناسب لتجربة كيف سيكون النزاع بين الولايات المتحدة وإيران، أضف على ذلك أن مقارنة هذا النزاع بغزو العراق عام 2003 لن يكون مفيدا،لان الظروف ليست كالسابقة، والنظام البعثي ليس كالقيادة في طهران، ولا الظروف كسابقتها أبان غزو صدام للكويت، ودخول واشنطن على خط المواجهة، إذ أن إيران تعتبر مثالا مختلفا عما كان عليه الوضع في العراق إبان حكم البعث، ففكرة شن غزو شامل على إيران لن يكون ضمن الخيارات المطروحة، بل قد ينشأ صراع عسكري جوا وبحرا تختلف طريقة إيران في التعامل معه، مما قد يشعل المنطقة بأسرها.

الحكيم في حديثة إلى الاميركان عبر عن موقف العراق الرسمي، في ضرورة إبعاد البلاد عن أي مواجهة أو حرب بالوكالة، ويمكن أن تكون بغداد طاولة الحوار لا ساحة حرب، وجلوس الفرقاء إلى الحوار، والخروج بتفاهمات من شانها التهدئة بالمنطقة، وتفويت الفرصة على العدو الصهيوني الذي يتحين الفرص لإشعال المنطقة من جديد،   لذلك فأن أي تصعيد أمريكي يأتي من خلال سياسة العصا الغليظة يستهدف إجبار النظام الإيراني على الدخول في حوار مع الولايات المتحدة ولكن إدارة ترامب تريد هذا الحوار على طريقتها ووفق شروطها الاثني عشر التي أعلنها مايك بومبيو من قبل وتشمل الملفات الثلاثة وهى وقف برنامج إيران النووي وبرنامجها الصاروخي الباليستي ودعمها الإرهاب، وليس الحوار على طريقة أوباما، الذي ركز على إبرام اتفاق نووي والتغاضي عن الملفات الأخرى، ولطن وكما يرى بعض المحللون أن خيار المواجهة العسكرية الشاملة مستبعد إلا إذا أدت سياسة حافة الهاوية الإيرانية إلى الصدام مع الولايات المتحدة عبر إغلاق مضيق هرمز، أو استهداف القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة .

 

محمد حسن الساعدي

 

ميثم الجنابيليس مصادفة أن يسعى رشيد رضا(1865-1935) إلى محاكاة محمد عبده في كل شيء، بمعنى الانطلاق مما توصل إليه في كيفية تطويع الفكرة الإصلاحية وانتهاءا بولع التفسير. لكنها شأن كل محاكاة لم يكن بإمكانها أن تكون أكثر من ترديد لبعض الأفكار والقيم والمفاهيم. مع ما ترتب عليه من إهمال للعقدة الجوهرية المميزة للفكرة الإصلاحية آنذاك، والمقصود بذلك كيفية حلها من أجل دفعها صوب تمثل حصيلة الانقلاب الهائل في التاريخ العربي والإسلامي آنذاك، أي تمثل الصيرورة الجديدة للعالم العربي بعد انحلال العثمانية ومن ثم طبيعة ونوعية الانقلاب الهائل في فكرة الأمة والدولة والمجتمع والقيم السياسية والمستقبل. ولم تكن هذه الحالة معزولة عن تداخل طبيعة الانقلاب التاريخي بعد انحلال العثمانية وما ترتب عليه من تحلل كل "الإرث الإصلاحي" وإشكالاته التقليدية وقيمه ومفاهيمه من جهة، وعدم قدرة رشيد رضا على إعادة توليفه بطريقة تكفل له إمكانية التكامل في منظومة قادرة على الاستجابة على استكمال مهمة الإصلاح الإسلامي في الظروف الجديدة، من جهة أخرى. بمعنى تداخل الشروط الجديدة التي رافقت الانقلاب الراديكالي في التاريخ الواقعي للعالم العربي، والإمكانية الفكرية والنظرية المحدودة لرشيد رضا وطابعه التقليدي أيضا. فقد ولد رشيد رضا في قرية القلمون من طرابلس الشام. وينتسب إلى بيت "سادات" و"أشراف"، وينحدر من "أهل العلم والإرشاد والرياسة"، كما يقول هو عن نفسه. فقد كانت هذه المقدمات تحتوي في ذاتها على رصيد نفسي وفكري واجتماعي يختلف كبير الاختلاف عما كان مميزا لشخصية الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي. مع أن آفاق الشخصية والاحتمال الكامن في تفتحها اللاحق يبقى في نهاية المطاف أقرب إلى لغز الحقيقة والتاريخ والطبيعة. لكنه شأن كل لغز عادة ما تبرز حقائقه في وقائع الحياة الشخصية ومآثرها النظرية والعملية، ومن ثم تأثيرها الفعلي في مسار التاريخ الواقعي للدولة والأمة والفكر.

فإذا كان الأفغاني ومحمد عبده قد ترك كل منهما بطريقته الخاصة أثره الهائل والفعال بالنسبة لإثارة ذهنية الإشكال في كل ما تناولاه من وقائع وحقائق وآفاق، فإن رشيد رضا لم يترك في الواقع لنا غير كمية هائلة من المعلومات والمفاهيم والقيم والتقييمات المحنطة في المجلدات الضخمة "للمنار". وبالتالي فإن قيمتها النظرية والعملية تقوم في ما تحتويه مومياء الآثار القديمة، أي تقديمها المادة الضرورية لرؤية المتحجرات التاريخية للفكر والواقع. وقد كان ذلك انقلابا بائسا لحد ما بالنسبة لتاريخ الفكرة الإصلاحية الإسلامية، لكنه جزء في الوقت نفسه من مصيرها التاريخي الذي لا يخلو بدوره من دراما المعاناة الفكرية والروحية والحياتية لرشيد رضا ونيته الخالصة في الإصلاح.

فقد تبلورت شخصيته الفكرية والروحية تحت تأثير التقاليد الصلبة لفكرة الإصلاح المتجمدة في عرف الكنوز الإسلامية المختبئة وراء أمهات الفكر المعزولة عن التاريخ والمعاناة الحية للواقع. وقد أشار رشيد رضا نفسه إلى هذه الحالة عندما وضع كتاب (إحياء علوم الدين) للغزالي في مركز أو صدارة مصادره الفكرية. بل وشدد على ما في (إحياء علوم الدين) من أثر هائل وتأسيسي بالنسبة لبلورة شخصيته العلمية والعملية، أي لرؤيته الإصلاحية. وليس غير المصادفة المغرية التي عثر عليها في (العروة الوثقى) للأفغاني ومحمد عبده من استطاع انتشاله من فكرة الإصلاح القديمة ونقله إلى فكرة الإصلاحية الإسلامية الجديدة. بمعنى نقل شخصيته المتراكمة ضمن تقاليد وعادات اللاهوت والعائلة التقليدية إلى عالم الحياة الصاخبة بمشاكل المجتمع والدولة والأمة. وقد كان ذلك يعادل حالة الانتقال من تقاليد الأخلاق الفردية والروحية إلى تقاليد الحياة السياسية والاجتماعية المهمومة بفكرة المصالح الكبرى والعامة. ولم تزل هذه المعادلة تفعل فعلها في شخصية رشيد رضا حتى موته. لكنها لم تثمر عن تحول نوعي قادر على التكامل في منظومة فلسفية سياسية إصلاحية شاملة.

فهو نفسه يشير إلى أن أحد الأسباب التي جعلته "يبتعد" عن تفكير الغزالي هو رفضه لاستعمال الغزالي المتنوع والمتكرر والدائم للحديث "الضعيف" وكذلك "ترك أقوال الصوفية". بحيث نرى خلو كتاباته اللاحقة عن شخصية الغزالي وآراءه. وقد كان ذلك يحتوي بحد ذاته على تقدم في ما يتعلق بالتحرر من أثر القدماء، لكنه لم يكن في الواقع سوى نكوصا فكريا عميقا. فقد رمى غموض الغزالي وما أبدعه من قيم كبرى ذائبة في منظومة الرؤية وأسلوبها النقدي وأعماقها الفلسفية. واستعاض عنها بوضوح التقاليد السلفية للحنبلية المتشددة. وإذا كان تأثره اللاحق بالأفغاني ومحمد عبده عبر (العروة الوثقى) قد نقله أيضا من الشام إلى مصر، فإن ذلك لم يغير تناسب المكونات أو العناصر الفكرية في رؤيته الجديدة. بمعنى ميلها صوب إعادة توحيد وتنظيم الرؤية اللاهوتية التقليدية وتطبيقها تجاه القضايا الكبرى الجديدة التي أخذ العالم العربي بمواجهتها. وبالتالي، بقاء أفضل وأكثر آراءه تقدما ونضجا مجرد أجزاء متناثرة لا يربطها شيء غير تنوع تجاربه الشخصية.

بعبارة أخرى، إن التجديد والإصلاح لم يتكاملا في منظوم فكرية، بقدر ما أصبحا فريسة الاجتهاد العابر لزمن الأشياء والأحداث. إذ لم يكن ما اسماه بادراك "أسباب الخلل" بعد مطالعته لمقالات (العروة الوثقى) سوى مصادفة ما كان يعتمل في أعماقه، أي انه لم يكن نتاج معاناة فكرية متربية في تأمل ونقد مدارس الفكر والتجارب التاريخية. وهو السرّ القائم وراء انتقاله الخفي والسريع صوب الحنبلية في أحد أشد أشكالها سلفية وتحجرا. في بادئ الأمر صوب ابن تيمية وفي آخر الأمر صوب الوهابية!

ونقف هنا أمام انقطاع خفي أو تعثر جوهري يقوم في الدوران من تقليدية إلى تقليدية عبر المرور بالفكرة النقدية والواقعية للإصلاحية الإسلامية. مما أدى إلى أن تكون الفكرة الإصلاحية مجرد عتلة لحمل أثقال التقاليد القديمة دون تجاوزها وتذليلها التاريخي والفكري الشامل. فقد كان انتقاله من ميدان الدين واللاهوت الضيق إلى ميدان الحياة العامة انتقالا جزئيا، أي بلا تراكم نقدي للفكر والتاريخ قادر على رفعه إلى مصاف المنظومة الفكرية الفلسفية. فعندما نتأمل ما قاله بهذا الصدد عن تقييمه لتجربته النقدية الأولى في ميدان الفكر النظري، فإنها تتطابق مع ما وضعه في (الحكمة الشرعية في محاكمة القادرية والرفاعية) قبيل انتقاله إلى مصر عام 1897-1898. وهو نقد يحتوي على تجاذب وتصارع أهواء الانتقال إلى الرؤية الإصلاحية التي مثلّها الأفغاني ومحمد عبد والكواكبي من جهة، واستعادة تقاليد الإصلاحية السلفية بالرجوع إلى الحنبلية المتمثلة في ابن تيمية قديما والوهابية في زمنه، من جهة أخرى. ووجد هذا التذبذب التعيس مظاهره في مستوى التنظير العقلي والمواقف السياسية. وفيها أيضا ينعكس الانقلاب المعكوس لرؤية التجربة التاريخية للعالم العربي ومسار الفكرة الإصلاحية الإسلامية وكذلك المسار الشخصي لتجربة رشيد رضا نفسه.

فقد قلب في مساره الشخصي الفكرة الإصلاحية وتجربة أستاذه محمد عبده، بحيث جعل منه في نهاية المطاف مومياء محنطة تحت أضواء منار خافت في ظلام الصعود الدامس لغيب المستقبل العربي. إذ حصل رشيد رضا على موافقة محمد عبده في إنشاء (مجلة المنار) ودعم فكرة التفسير. وسار باتجاه الأسلوب الذي توصل إليه محمد عبده عن ضرورة الابتعاد عن القضايا السياسية. لكن إذا كان الابتعاد عن السياسة بالنسبة لمحمد عبده هو خاتمة الممارسة السياسية، بمعنى أنها نتاج تراكم في الخبرة والمعرفة والعمر، ومن ثم لها قيمتها ووظيفتها العملية (السياسية)، فإنها كانت ليست طبيعية بالنسبة لرشيد رضا. وذلك لأن الانهماك السياسي في مقتبل العمر هو الطريقة المثلى لتراكم المعرفة النظرية وتوسيع مدى التجارب التاريخية للأمم. الأمر الذي جعل من انتقاله اللاحق إلى السياسة بوصفها ميدان ومحك الأفكار النظرية فعلا طارئا أو بأثر الإجبار السياسي. ونعثر على ذلك في التقييم الفكري والسياسي الذي وضعه رشيد رضا في موقفه من حياة وسيرة وتجارب الشيخ محمد عبده. إذ نراه يتأمله من خلال النظر إلى ما كتبه كرومر الحاكم البريطاني لمصر حينذاك، وليس من خلال التأمل الشامل لتجارب محمد عبده العلمية والعملية .

إذ يشير في تقييمه لمحمد عبده، إلى أن مصر خسرت بموته خسارة عظيمة. وأن تأثيره ضعيفا في مصر، وأوسع في الهند وغيرها. وأن أتباعه في مصر صادقون أذكياء لكنهم قليلون. وأسلوبهم في الإصلاح أشبه بأساليب الجيرونديين في الثورة الفرنسية (أي المعتدلون). وأن الفكرة الإصلاحية عند محمد عبده وسط بين أولئك الذين تفرنجوا (المقلدون للغرب) وبين المحافظين. وبالتالي فهي وسط. من هنا تعرضها لانتقاد الطرفين. وبالتالي، فإن الزمن وحده من سيكشف عن قيمة فكرته الإصلاحية.

إننا نقف هنا أمام عبارة إنشائية، شأن ما كان مميزا لأغلب كتابات المرحلة، تجعل من إشكاليات التاريخ الفكري وتطور الفكرة أو مصيرها التاريخي مجرد لعبة صغيرة. وحالما تحاول تثمين أو تقييم المأثرة التاريخية للفكرة الإصلاحية عند محمد عبده، فإنها تجعل منها في الواقع جزء من تصوراتها الخاصة. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار نكوص أو تخلف الفكرة الإصلاحية عند رشيد رضا، من هنا تخلف ونكوص المحتوى الحقيقي لإبداع محمد عبده في التأويل الجديد لتراثه الفكري ومواقفه العملية. ففي معرض رده على من اسماهم بالمحافظين، اعتقد رشيد رضا بأن خطأهم كان يقوم في سوء ضنهم بالشيخ محمد عبده. إذ اعتبروا ما عنده نصرة لمذاهب الفلاسفة والمعتزلة(!) أما في الواقع فإنه كان ينصر مذهب السلف على كل مذهب يخالفه. بعبارة أخرى، انه أرجع مضمون النقاش الفكري وغايته في كتابات محمد عبده إلى مجرد نصرة "مذهب السلف" بالضد من الفلاسفة والمعتزلة! بينما كان المضمون الفعلي والمجرى الفكري والمأثرة التاريخية للنقاش والجدل والتأسيس والفكري لمحمد ليس في الذبّ عن السلف، بل نقد التقليد. ذلك يعني، أن العقدة السلفية المختبئة وراء عقيدة رشيد رضا في رؤيته للإصلاح قد حوّرت وحوّلت بصورة تدريجية مضمون وغاية ووظيفة الفكرة الإصلاحية عند محمد عبده. والشيء نفسه يمكن رؤيته على سبيل المثال في تعليقه على ما كتبه كرومر عن محمد عبده والأفغاني. إذ نراه يقيّم عاليا أراء ومواقف كرومر تجاههما مع ما فيها من بواعث الامبريالية البريطانية آنذاك. فقد كان كرومر يعتقد بأن خطأ وخطيئة الأفغاني تقوم في اشتراكه بالسياسة، على عكس محمد عبده الذي استفاد من نتائج هذه التجربة التي أدت به إلى الانتقال صوب إصلاح الفكر فقط. وإن الحركة الإصلاحية (الإسلامية) مفيدة للانجليز لأنهم بحاجة إلى قوى اجتماعية مصلحة، وذلك لأن غاية الاستعمار الأوربي هو الكسب فقط. والكسب يحتاج إلى إصلاح وعمران!! وعوضا عن أن يجري نقد المضمون السياسي والتاريخي الخاطئ والمشوه لحقيقة الفكرة الإصلاحية بوصفها نتاجا تاريخيا تلقائيا يتسم بقدر هائل من المعاناة الذاتية، ومن ثم جزءا عضويا وضروريا للتطور الذاتي، يصبح "مفيدا" للانجليز لأنه يستجيب لمساعيهم الاقتصادية والثقافية. وهنا تصبح الإصلاحية الإسلامية لعبة أو دمية أو وسيلة تخدم المصالح البريطانية آنذاك في احتلال مصر وغيرها. وإن خطأ الأفغاني يقوم في توعيته المجتمعات الإسلامية آنذاك بمهمة التحرر الذاتي ورمي نير الاحتلال الأجنبي والسعي لتقوية الإرادة الخاصة في البناء الذاتي. بينما فضيلة محمد عبده تقوم في إدراكه لخطأ هذه الأسلوب (السياسي) في الإصلاح. وهو تشويه لحقيقة الفكرة السياسية عند محمد عبده.

لكن رشيد رضا يسير هنا في خطى كرومر. بمعنى انه يرى فضيلة الفكرة الإصلاحية في شخصية محمد عبده تقوم في استقراره آخر عمره على أهمية الإصلاح الديني والاجتماعي واللغوي وترك السياسة. ومع أن رشيد رضا يشدد بصورة سليمة على أن الاهتمام الأولي عند محمد عبده بالسياسة كان مبنيا على قاعدة مقاومة الاستبداد وجعل سلطة الأمة في أيديها، إلا أن هذا التقييم أقرب إلى تقرير الوقائع منه إلى تنظيم حقائق الفكرة الإصلاحية عند محمده عبده والأفغاني أيضا. وينطبق هذا في الواقع على كل آراء ومواقف رشيد رضا. بمعنى تجزئته الفكرة الإصلاحية وإرجاعها إلى مواقف تقترب أحيانا وتبتعد أحيانا أخرى من المسار العام للفكرة الإصلاحية كما بلورها الأفغاني ومحمد عبده، مع هبوط عام في مستواها النظري واستعداد ذاتي لاستقرارها في مواقف سلفية عادية.

فعندما يتناول، على سبيل المثال، قضية ما يسمى بالتعصب الإسلامي، بوصفها إحدى القضايا الملتهبة آنذاك بفعل الهجمة الكولونيالية الأوربية، فإن ردوده كانت من حيث محتواها ومستواها لا تتعدى ترديد بعض ما سبق وأن وضعه الأفغاني ومحمد عبده بهذا الصدد . فنراه ينطلق من أن الشرق هو مهبط الأديان. وأن  كل ما في تاريخه من حروب بين الأديان وتعصب أقلّ عشر معشار ما وقع من أهل أوربا الذين اتحدوا باسم الصليب على إبادة المسلمين، أو ما وقع في حروبهم على الوثنيين أو ما بينهم. وبالتالي، فإن الفكرة الأوربية عن التعصب الإسلامي هي نتاج صيغة نمطية مبنية على أهواء أكثر مما هي وقائع أو حقائق. بل أنها تعكس من حيث الجوهر رسوخ فكرة ونفسية التعصب في الذهنية الأوربية. وذلك لأنها مبنية على أساس تعارض فج، مثل ذلك الذي يقول، بأن المسلمين يتعصبون للدين بينما أوربا لا تعصب دينيا فيها، وأن الشرق متعصب لأنه لا يعرف جامعة غير الدين، بينما أوربا تعرف الجنسية (القومية) والوطنية، وأن المسلمون متعصبون بينما لا يتعصب النصارى، وأن التعصب الإسلامي خطر على المدنية المسيحية ما دام القرآن موجودا، وأن ما يأخذه المسلمون ينبغي استرداده، وما يأخذه النصارى ينبغي أن يبقى بين أيديهم. ووجد في هذه المواقف أمورا تتعارض مع الواقع. والدليل هو عيش النصارى واليهود بين المسلمين، على عكس ما هو عليه الأمر بين النصارى. وكذلك انتشار المبشرين النصارى بين المسلمين بينما لا يوجد بالعكس، إضافة إلى وجود محاكم أهلية ومدنية إلى جانب الدينية عند المسلمين. بل ويقطع شوطا أوسع وأدق بهذا الصدد عندما يقرر، بأن مشكلة المسلمين والعرب هنا بالأخص، تقوم في عدم تعصبهم. من هنا اندفاعهم صوب الجامعة الإسلامية وليس الوطنية. وسبب ذلك يقوم في انه لا يمكن أن يكون في الإسلام تعصبا، لأن القرآن ينهي عن العدوان. وبالتالي، فإن الانطباع الخاطئ عما يسمى بتعصب المسلمين هو نتاج أهواء غلاة الأوربيين وجهال المسلمين وغوغائيهم، كما انه نتاج أسباب سياسية. وذلك لأن تأكيد بعض الأوربيين عن أن سبب تعصب المسلمين ينبع من مبدأ وجوب طاعة السلطان في قتل المخالفين، لا نصيب له من الصحة. وإذا حدث فإنه نتاج أو رد فعل على ما قام به النصارى زمن الحروب الصليبية. فقد أثارت تلك الحروب الضغينة والتعصب. بينما لا حقيقة في الفكرة القائلة، بأن التعصب للدين هو جزء من أصول الإسلام. انه وهم من أوهام الأوربيين. في حين أن مجرد التأمل البسيط وإلقاء نظرة سريعة على ما تكتبه الجرائد في أوربا عن الإسلام تكشف عن أن إثارة التعصب والتنفير هي في أغلبها من مواقف النصارى وليس بالعكس. ووجد انعكاس هذه الحالة الذهنية أيضا فيما اسماه بتعصب العرب والمسلمين الذين عاشوا أو درسوا في أوربا مقارنة بأقرانهم. لكن ذلك لا يمنع ولا يتعارض مع رغبة المسلمين في أن يكون حكامهم منهم. فالأجنبي متسلط بالضرورة. ومن طبيعة البشر وفطرتها مجبولة على النفور من التسلط والاستئثار بالمنافع. وإن الشخص المتسلط منفرا للبشر حتى وأن كان متفق معهم في اللغة والجنس والدين والوطن، فما بالك إن كان يخالفهم في هذا أيضا؟

لقد أراد رشيد رضا القول، بأن مثار التعصب أوربا وليس الإسلام. و"أن أهل الإسلام أصفى أهل الملل (الأديان) قلوبا وأسلم عاقبة"، وذلك لأن "الإسلام يهذّب الروح ويضعف التعصب حتى على المارق منهم". وإذا كان الأوربيون يتهمون المسلمين والعرب بالتعصب. فيا ليته كان صحيحا! أما العلاج الوحيد للتعصب فوجده في العدل والمساواة والتوفيق بين المصالح.

لقد ظلت هذه النماذج وأمثالها في الفكرة الإصلاحية النقدية لرشيد رضا أقرب إلى البقايا الحية والفعالة لصدى العناصر الجوهرية في تقاليد الفكرة الإصلاحية الإسلامية مثل النزعة النقدية، والرؤية الواقعية والعقلانية، والدفاع العميق عن قيم الانتماء الثقافي الإسلامي وغيرها من العناصر التي تراكمت في مجرى عقود من الجدل والبحث والتأسيس. بمعنى تراكمها في مجرى الصراع التاريخي العنيف آنذاك وفي خضم تياراته واتجاهاته المتصارعة. من هنا نموها التلقائي من حيث الشكل والمضمون والوسيلة. في حين تحولت في مجرى التحول العاصف في حياة رشيد رضا من التنوير الإصلاحي الإسلامي صوب النشاط السياسي إلى مجرد تفتيت لهذا التراكم. وذلك لأن كل آرائه ومواقفه لم تكن في الواقع أكثر من تجارب شخصية بحتة. بمعنى أنها لم ترتق إلى مصاف التأسيس النظري والرؤية المستقبلية. والسبب يكمن في وثوقها الشديد بتراث السلفيات المتنوعة وبقاءها المتشدد ضمن سياقها وأنساقها. ففي معرض مناقشته لظاهرة الاستبداد، فإن موقفه لم يتعد موقف المعارض له من حيث كونه يتعارض مع الفكرة العامة عن "الشورى". ولم تخل بعض ملاحظاته النقدية بهذا الصدد من دقة في ما يتعلق بالأصول التاريخية للظاهرة عندما يربطها بما اسماه بالانحراف عن مبدأ الشورى الذي رافق صعود الأموية.

كما تتحلى مواقفه النقدية بهذا الصدد برؤية واقعية تخرج من إطار التقاليد اللاهوتية عندما أخرج من حيث الجوهر عثمان بن عفان من سلسلة الخلفاء الراشدين في مجرى حديثه عن أن النموذج الإسلامي في إدارة شئون الدولة بعد النبي قد تجسد في سلوك أبي بكر وعمر وعلي فقط. وكذلك اعتباره الدولة الأموية خروجا على مبدأ الشورى ومن ثم أساس الاستبداد في الإسلام. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "بنو أمية أعداء بني هاشم في الجاهلية والإسلام. أنهم استبدوا عملا وما عتموا أن جهروا بالخروج على سنّة الإسلام في حكمه. بحيث نرى عبد الملك بن مروان يقول مرة من على المنبر "من قال لي اتق الله ضربت عنقه". فتحولت الحكومة إلى استبدادية" . واعتبر التاريخ اللاحق للدول الإسلامية تاريخ الاستبداد إلا فيما ندر. وتتوج ذلك في تاريخ المماليك وأخبارهم، ومفاسد بايات تونس المأثورة، ومنكرات دايات الجزائر، الذين كانوا يعاقبون بثلاث أما الخازوق أو رمي المرء من أعلى جبل قسطنطينة أو إغراء الكلاب الجائعة عليه. ونظر إلى تاريخ العثمانية (على الأقل في قرونها الثلاثة الأخيرة) على أنها مجرد مطاردة مستمرة لطلاب الإصلاح. بحيث نسمعه يقول، بأن "محاربة الأستانة للعلم الدين ومعاداتها للعقلاء والعارفين ليفوق ما يتخيله المتخيلون" . وإذ نراه يؤكد على أن حقيقة الشورى تفترض "الامتثال في سياسة الأمة وإدارتها لأمر أصحاب الرأي السديد، والمعرفة بالمصالح العامة، حتى لا يطمح بالاستئثار بالسلطة والاستبداد بالأمر" ، إلا أنها تبقى في الإطار العام أقرب إلى ترديد ما هو شائع في صيغ علم الكلام التقليدي والفقه الأكثر تحجرا. وقد تكون الملاحظة النقدية التاريخية الوحيدة الدقيقة لحد ما بهذا الصدد هو ربطه بين صعود ظاهرة محاربة الاستبداد بالتأثير الأوربي الحديث. بحيث نراه يشير إلى أن أعظم فائدة استفاد منها الشرق من الغرب (الأوربي) تقوم في محاربة الاستبداد. بمعنى العمل من "أجل استبدال الحكم المطلق بالحكم المقيد بالشورى والشريعة" . بل نراه يجد فيها فائدة كبرى من حيث إشارتها إلى "مرتبة البشرية العليا". وذلك لأنها "عبارة عن الارتقاء من حضيض الهمجية إلى أفق الإنسانية" . وليس مصادفة أن نراه يضع حتى الدور التاريخي والفكري والروحي الهائل للأفغاني ومحمد عبده في محاربة الاستبداد وراء تأثير الدور الأوربي بهذا الصدد. ذلك يعني أن آراءه ومواقفه وتقييمه لظاهرة الاستبداد تبدو بسيطة وساذجة مقارنة بما وضعه الأفغاني ومحمد عبده. كما أنها لا تقارن بما وضعه الكواكبي بهذا الصدد. وينطبق هذا في الواقع على كل ما تناوله من قضايا الفكر الكبرى المتراكمة في مجرى التطور التاريخي للعالم الإسلامي آنذاك والدولة العثمانية بشكل خاص.(يتبع....).

 

ميثم الجنابي

 

ابراهيم أبراشفي علم الحرب هناك فرق بين الهدنة والتهدئة ووقف إطلاق النار، إلا أنه ومهما كان المُسمى فالنتيجة وقفٌ للأعمال القتالية، وفي الحالة الفلسطينية فالهدنة أو التهدئة التي يجري الحديث عنها راهنا بين إسرائيل وحركة حماس وتوابعها من فصائل المقاومة، مثلها مثل سابقاتها من الهدن التي تتبع تصعيد عسكري محسوب بدقة، هذه الهدن قد تؤدي لانحراف المقاومة عن جوهرها ومبرر وجودها ودورها الوطني، وقد تتدحرج الأمور إلى تغيير وظيفة المقاومة لتصبح مقاومة للحفاظ على الانقسام وحماية السلطة القائمة في غزة وتأمين مصادر تمويل لتأمين رواتب سلطة حماس والحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية لسكان غزة، وبمرور الوقت قد تؤدي لوقف المقاومة المسلحة ضد إسرائيل التي تحتل كل فلسطين وتحاصر قطاع غزة .

يجري كل ذلك بإشراف وتمويل وتنسيق من جهات إقليمية ودولية معنية بتمرير صفقة القرن وبمعزل عن النظام السياسي الفلسطيني الرسمي وبدون توافقات وطنية .

قد يقول قائل ما دامت الحرب، والمقاومة شكل من أشكالها، وسيلة وليست هدفا بحد ذاته، فإن من حق مَن يمارس المقاومة أو يخوض الحرب أن يتفاوض على هدنة أو تهدئة إذا ما تطلبت المصلحة الوطنية والوضع السياسي أو العسكري ذلك، وهذا كلام صحيح نظريا لو كان الوضع طبيعيا . في الحالة الفلسطينية الوضع ملتبس وخصوصا عندما نضع موضوع المقاومة والهدنة في سياقه التاريخي وإذا ما تمعنا، موضوعيا وبعيدا عن خطابات النصر المخادعة التي تتبع كل حرب، بما آل إليه حال المقاومة وحال الشعب من حيث الخسائر في كل جولة من جولات المواجهة سواء كانت خسائر بشرية أو مادية أو سياسية أو اجتماعية وأخلاقية، ، أيضا ما آلت إليه المقاومة في غزة التي أصبحت فصائلية وموسمية وخارج السياق الوطني من حيث القرار والهدف .

منذ بداية وجود السلطة وعندما كانت تجري المفاوضات وكانت إسرائيل تتعرض لضغوط دولية لتنفيذ بنود التسوية والانسحاب من بعض الأراضي المحتلة، كان الرئيس الراحل أبو عمار يناشد فصائل المقاومة بالالتزام بتهدئة مؤقتة دون أن يسئ الرئيس للمقاومة أو يخَوِّنها أو يجمع سلاحها، بل كان يناشد الفصائل بالتهدئة أو وقف إطلاق نار حتى لا تستغل إسرائيل عمليات المقاومة وخصوصا العمليات داخل أراضي 48 لتتهرب مما عليها من استحقاقات .

لم يكن يحلو لفصائل المقاومة وخصوصا حركتا حماس والجهاد الإسلامي القيام بالعمليات العسكرية إلا عندما تكون المفاوضات وصلت لمرحلة حاسمة مطلوب فيها من إسرائيل الانسحاب من أراضي فلسطينية أو إزالة حواجز، وكان رد إسرائيل على هذه العمليات وقف المفاوضات والتوجه إلى الرأي العام العالمي وإلى الدول التي ترعى عملية السلام باكية شاكية بأن الفلسطينيين لا يريدون السلام وأن أمنها مُهَدَد وأن أبو عمار غير صادق أو غير قادر على ضبط الأمور الخ، ولا تكتفي إسرائيل بتهربها مما عليها من التزامات بل كانت تقوم ببناء الجدار العنصري تحت ذريعة حماية أمنها وتزرع أراضي الضفة بالحواجز وتكثف عمليات الاستيطان والتهويد وتُدَمِر مقرات السلطة الوطنية، وهي تعلم أن الذين قاموا بالعمليات العسكرية من خصوم السلطة !.

بالرغم مما تعرض له أبو عمار من إساءة وخصوصا من حركة حماس التي خوَّنته وكفَّرته وشهَّرت به وعملت مع إسرائيل على تدمير حلمه بالسلام العادل إلا أن أبو عمار دفع حياته ثمنا لتمسكه بالمبادئ والثوابت ودفاعا عن حق الشعب الفلسطيني بالمقاومة، وفي هذا السياق نذَّكِر بأن اجتياح إسرائيل للضفة في عملية السور الواقي 29 مارس 2002 ومحاصرتها للمقاطعة وللرئيس جاء كردة فعل على قيام أحد عناصر حركة حماس بعملية تفجير في فندق بارك في ناتانيا .

عندما جاء الرئيس أبو مازن ناشد فصائل المقاومة الالتزام بتهدئة مؤقتة وبشروط مشَرِفة حتى لا توظف إسرائيل الصواريخ التي تنطلق من غزة كذريعة لتدمير ما تبقى من مؤسسات ومراكز السلطة و لبناء مزيد من جدار الفصل والحواجز والاستيطان والتهويد، ولم تستجب له الفصائل التي كانت تطلق أحيانا صواريخ لا تصيب هدفا ولا تُوّقِع مقتلا وكانت فقط للتخريب على جهود الرئيس أبو مازن وإحراجه وإظهاره بمظهر الضعيف، ولاستجلاب أموال من جهات خارجية معنية بإفشال عملية التسوية، ومع ذلك لم يأمر الرئيس أبو مازن بجمع سلاح المقاومة أو اعتقال مجاهدين وكان أقصى ما قال إنها صواريخ عبثية، وفعلا كانت وما زالت .

لم تستمع حركة حماس وبقية الفصائل للرئيس أبو مازن كما لم تستمع من قبل للرئيس أبو عمار، وعندما كانت تضطر للرد على الضغوط الداخلية والخارجية التي تطالبها بالقبول بالهدنة كانت تضع شروطا كالقول بأنها مستعدة للالتزام بهدنة لمدة خمسة عشر عاما ولكن بعد انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي المحتلة عام 67 وإطلاق سراح جميع الأسرى الفلسطينيين، وكانت تعتبر أن الهدنة مع عدو يحتل الأرض ويدنس المقدسات نوع من الخيانة، خيانة الوطن وخيانة دماء الشهداء، وهو كلام صحيح لو كانت حركة حماس تملك بديلا وطنيا، وصادقة في أنها حركة مقاومة لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر كما كانت تقول حينها .

فما الذي جرى وصيَّر الحال إلى عكسه؟.

بقدرة قادر باتت الهدنة مصلحة وطنية ولم تعد إسرائيل تستجدي الهدنة كما كانت سابقا بل حركة حماس وبعض الفصائل هي التي تطلبها مناشِدة دول العالم بالتدخل لهذا الأمر، وأغرب ما في هذه الهدنة أنها ملزمة لفصائل المقاومة وغير ملزمة لإسرائيل، و نطاق تطبيقها يقتصر على قطاع غزة فقط ، وكما يقول ناطقون باسم حركات مقاومة إن فصائل المقاومة ستلتزم بالهدنة ما دامت إسرائيل لا تعتدي على قطاع غزة ! و(إن عادوا عدنا) و(القصف بالقصف) الخ، وهذا يعني أن المقاومة والهدنة في قطاع غزة أصبحتا أداة لحماية وتكريس الانقسام والانفصال وليس لتحرير فلسطين .

دون تشكيك بذوي النوايا الصادقة من المقاومين، فإن استكمال مخطط الانقسام والانفصال وتمرير صفقة القرن يحتاج لطرف قوي في قطاع غزة منافس لمنظمة التحرير، ومن هنا فإن تكرار المواجهات بين حركة حماس وإسرائيل وإطلاق حركة حماس والفصائل الصواريخ على إسرائيل وسط تغطية إعلامية واسعة للصواريخ، والتعمية عن الخسائر المحدودة التي تُلحقها أعمال وصواريخ المقاومة بإسرائيل مقابل ما يُلحِقه القصف الإسرائيلي من خسائر مدمرة عند الفلسطينيين، وتكرار توقيع حركة حماس لاتفاقات هدنة كطرف وحيد وأساسي مع إسرائيل وسط حديث عن انتصار المقاومة وهزيمة إسرائيل، كل ذلك يُظهر حماس كطرف قوي ندا لإسرائيل في مقابل منظمة التحرير المهادِنة والمستسلمة والتي تنسق أمنيا مع إسرائيل وغير قادرة على حماية الضفة والقدس من سياسات التهويد والاستيطان الخ .

إن خطورة ما يجري أن حركة المقاومة الوطنية للاحتلال التي وصفها الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر بأنها أنبل وأشرف ظاهرة في عصره، والتي ما زالت محل رهان الشعب للتحرر من الاحتلال وخصوصا بعد فشل رهان منظمة التحرير وقيادتها على التسوية السياسية العادلة وعلى الوسيط الأمريكي، هذه المقاومة تحولت في نموذجها الموجود في قطاع غزة إلى ورقة مساومة مع الاحتلال وورقة مناكفة سياسية بين الفلسطينيين أنفسهم، ونرجو ألا تتحول إلى ظاهرة (الارتزاق الثوري والجهادي) .

وأخيرا نُعيد التأكيد أن المقاومة بكل أشكالها حق أصيل للشعب الفلسطيني وليست ملكا أو ورقة مساومة لأي حزب من الأحزاب وهي سابقة في الوجود على حركة حماس وعلى كل الأحزاب، كما أن مقاومة الاحتلال حق ومبدأ تقر به كل الشرائع الدينية والدنيوية وليس من حق أحد أن يتنازل أو يتخلى عنه .

 

 إبراهيم ابراش

 

صادق السامرائيأستمع لحوار يجمع بين الكاتبين الكبيرين المصريين مصطفى أمين وأنيس منصور، وتظهر فيه روح التواصل ورعاية الأجيال وتشجيعها، وإعانتها على العطاء والنماء، فالجيل السابق يرعى الجيل اللاحق ويدعمه ويوفر له وسائل التفتح والنضوج والإنطلاق.

ولهذا أوجدت مصر رموزا كبيرة في الأدب والثقافة والصحافة، أما في مجتمعنا العراقي، فأن الأجيال تتحاصد، تتنافر، تتباغض، تتناحر، وكل جيل يحسب نفسه هو ولا غيره!!

وحتى يومنا هذا لا نسمع من الأجيال التي بلغت من العمر عتيا إلا ما هو سلبي وإلغائي ونكراني وإحباطي وتثبيطي، فهي تتمترس في زمنها وتحسبه أزهى الأزمان وغيره عبارة عن "خردة"، وهذه نرجسية مرضية فاعلة فينا.

فأنيس منصور تلميذ مصطفى أمين، وسلامة موسى أوجد نجيب محفوظ، وأخذ بيديه إلى طريق الإبداع الأصيل، وهناك الكثير من الأسماء المصرية وربما العربية، التي أوجدت أسماءً ورموزا إبداعية ذات قيمة معرفية وحضارية.

وعندما نبحث في واقعنا العراقي لن نجد مثالا واحدا مهما حاولنا أو توهمنا وإدّعينا، وهذه علة خطيرة تمخر في أعماق الوجود الثقافي، مما تسببت بفقدان دور المثقف وإنعدام قيمة الثقافة في المجتمع، وميله إلى ما يناهض ذلك ويلغيه.

فلو نظرتم في واقع اليوم وتساءلتم  - على سبيل المثال – هل قدمت أجيال الستينات والسبعينات والثمانينيات مثالا وقدوة للأجيال التي تلتها، ومَن منهم قد أخذ بيد مبدع وإستثمر فيه لصناعة المبدع الذي يريده ويراها نموذجا للتفاعل ما بين الأجيال؟

ربما لن تجدوا أحدا!!

وإذا وجدتم فعليكم بالقول والإفصاح!!

هذه الظاهرة السلوكية العراقية بإمتياز، يصعب تفسيرها ومعرفة آلياتها، لكنها تشير إلى تخندقات نرجسية متمحورة حول عامود الأنا، الذي تضخم حتى أوهم أصحابه بأنه الخيمة الوهاجة التي لا تضاهيها جميع الأنوار.

كما أنها تشير إلى فقدان التفاعل التربوي والتغذية التواصلية ما بين الأجيال، وهذا نهج تقاطعي إقتلاعي عنيف يعصف بالساحة الثقافية على مدى العقود، وهو يفسر غياب الرموز الثقافية العراقية الفاعلة في الثقافة العربية والإنسانية.

ومن العجيب أن السلوك يبين أن الذي يريد أن يكون عليه أن يلغي الذي كان ويريد أن يكون، ويعجز عن إيجاد صيغ تفاعلية إيجابية ذات منفعة مشتركة، وقوة إبداعية متلاحمة.

فهل من جواب، أم أن ما تقدم محض كلام؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

أَكَّد القُرانُ الكريمُ في العديدِ من اياتهِ على الوحدةِ مُنَوِهاً باهميتِها، ومن هذه الايات قوله تعالى:

1- (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْل اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ال عمران: الاية: 103.

2- (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ).الانبياء: الاية: 92.

3-( وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ).المؤمنون: الاية: 52.

4- (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). الحجرات: الاية: 10.

وفي الايتين الثانية والثالثة، قُدِّمت فيهما الأُمَّةُ الواحدةُ الموحدة على توحيد الله ؛ وهذا يُعَزِّزُهُ جوابُ هارونَ لموسى عليهما السلامُ حينما عاتب موسى اخاه هارون على عدم اللحاق به فاعتذر بوحدة بني اسرائيل وعدم تمزيق صفهم بقوله:

(قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي). طه: الاية: 94.لانه لو لحق بموسى فستلحق به جماعة مستجيبة لامره، وتظلُّ جماعةٌ اخرى عاكفةً على عبادةِ العجل.

هارون عليه السلامُ يريد امةً موحدةً تنهض برسالة التوحيد، ولايريد ان يفرض التوحيد على امةٍ مُمَزَقَةٍ يستنزفُ الصراعُ قواها الداخليّة . هذا هو التوحيد الهاروني، وهناك توحيدٌ اخر يقومُ على تمزيق الامة، وفرض التوحيد عليها عنوةً، وهذا مايفعله الوهابيون الذين قدموا صورة مُشَوَهَةً للتوحيد . الوهابيون يقومون بتمزيق الامة، بتكفيرِ طائفةٍ، وتبديعِ اخرى، وتضليلِ ثالثةٍ.ثمَّ يبقون هم وحدهم الموحدون.

الامامُ علي ووحدة الامة

يقول عليٌّ عليه السلام مُشَدّداً على وحدة الامة:

(والزموا السواد الأعظم، فإنّ يد الله مع الجماعة، وإيّاكم والفرقة، فإنّ الشاذّ من الناس للشيطان، كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب ).نهج البلاغة. (الزموا السواد الأعظم، فإنّ يد الله مع الجماعة، وإيّاكم والفرقة، فإنّ الشاذّ من الناس للشيطان، كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب) البلاغة: الخطبة: 127.

وعليٌّ عليه السلام ضَحّى بالحكم من اجل وحدة الامة، يقول (ع):

(وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طِخْيَةٍ عَمْيَاءَ يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ. وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ. وَيَكْدَحُ فِيهاَ مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقى رَبَّهُ فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذًى. وَفِي الْحَلْقِ شَجاً أَرَى تُرَاثِي نَهْباً ).نهج البلاغة: الخطبة: 3.

ويقول عليه السلام: (فَأَمْسَكْتُ بِيَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ اَلنَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ اَلْإِسْلاَمِ يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَيْنِ مُحَمَّدٍ ص فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ اَلْإِسْلاَمَ وَ أَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً تَكُونُ اَلْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلاَيَتِكُمُ اَلَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلاَئِلَ يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ كَمَا يَزُولُ اَلسَّرَابُ وَ أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ اَلسَّحَابُ فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ اَلْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ اَلْبَاطِلُ وَ زَهَقَ وَ اِطْمَأَنَّ اَلدِّينُ وَ تَنَهْنَهَ).نهج البلاغة.

وكانت سيرةُ عليٍّ عليه السلام الحفاظَ على كيان المسلمين، وان اختلف مع الحاكمين ؛ فحين استشاره الخليفة الثاني في الخروج مع النفير العام ضدَّ تّحشيد الفرس، نصحه عليٌّ بعدم الخروج حفاظاً على رأسِ الكيانِ الاسلامي من الاغتيال، قائلاً: (فكن قطبا، واستدر الرحى بالعرب، وأصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك). نهج البلاغة: الخطبة: 146.

ودافع علي عن الخليفة الثالث عثمان رغم اختلافه معه في سياسته وطريقته في الحكم، وارسل ولديه دفاعا عن الخليفة الثالث .

وحارب علي الناكثين والمارقين والقاسطين، من اجل وحدة الكيان الاسلامي، علي بايعه العراقيون والحجازيون واليمانيون والبلاد الاخرى باستثناء الشام . ومعاوية كان يرضى بالبقاء في الشام، ولكن علياً لايرضى ان يكون للمسلمين كيانان .

وبهذه السيرة سار الامام الحسن، فمعاوية يرضى بالبقاء في الشام ولاينازع الامام الحسن على الخلافة، ولكن الامام الحسن تنازل عن الخلافة الظاهرية لاعن الامامة الالهية التي لاتقبل التنازل والاسقاط، ورضي ان يكون معاوية حاكما للمسلمين بالشروط التي كتبها الامام الحسن عليه السلام، من اجل بقاء كيان المسلمين موحداً.

هذه سيرة اهل البيت عليهم السلام التوحيدية . ومانجده اليوم من ابواق اعلامية تنشر التكفير والتطرف والتحريض، كل ذلك لاينسجم مع سيرتهم العطرة الناصعة في التسامح والاخوة والتقريب.

 

زعيم الخيرالله

 

محسن الاكرمينالحديث عن القيم والطهر والنصيحة في عالم السياسية المغربية بالتخصيص صعب التوفر بتمام الكيل. من الفجوات التي تغرق الفعل السياسي بالمغرب افتقاده التوافق الحقيقي على بناء ثقة الأمل في مستقبل التغيير نحو الأفضل. مغرب (الآن) يحمل مفارقات اجتماعية متباعدة ،وحنقا من وضعية الإصلاح المتكلسة في ظل حديث الاستمرار في السلم الاجتماعي ، شعب يئس من التبشير بالتغيير القريب وحتى البعيد ومن استعمال حرف (سنــ )، شعب يعرف السياسة ولغة الأحزاب بفن الكذب والمناورة والتسويف المطلق، يعرف السياسي بأنه خصب المنافع ويوزع صكوك الغفران عن الذات والحزب بتجديد لغة الخطاب.

تضيع حقيقة خدمة الشعب في عالم السياسة، وتحضر السفسطة المملة ولغة (دون كيشوت)، يمارس بمغرب المفارقات الاجتماعية سجال عميق آت من سياسة الالهاءات في صراعات شكلية بين أحزاب تمارس التناوب على لدغ المواطن البسيط من نفس صندوق الاقتراع.

لن نحاكم النوايا المفصلة في السياسية، ولكن نحاسب الأحزاب عن  الحقيقة المعيشية للشعب حين نلحظ أن نفس المشاكل لازالت قائمة منذ سنة (56)، وأن نفس الحلول لازالت الأحزاب تنتجها للسيطرة على السلطة التنفيذية. كل الأحزاب تلبس ثوب الموعظة الفضلى وتقدم نفسها أنها البديل الممكن (الآن)، لكن ثوب الناصحين نفسه بات غير ممكن في ظل كفاف نضج الفكر السياسي وبناء الأمل.

من اللعبة الانتخابية الأحادية إلى  ورقة اللائحة، ولازالت سنوات تضييع التنمية الوطنية الكلية تزيد. نعم، ازدواجية الخطاب بين تموقع اليمين ويسار المعارضة بات غير مجد في التسويق الانتخابي، وأضحت جل الأحزاب في سلة واحدة من برامج انتخابية (كوبي كولي). لكن الحقيقة أن الشعب أدمن على استهلاك وجوه سياسية حتى البدانة، ومن تم كانت النصيحة السليمة أن يتبع تناول حبوب التخسيس من الممارسة السياسية الكاذبة.

الشعب لا يعيش لحظة تبخيس للفعل السياسي فقط، بل يعيش لحظة تيئيس من صعوبة تصويب مشاكل الحاضر والمستقبل والأمل في العيش الكريم بلا مزايدات التدليس. الشعب يريد التطهير، ومكاشفة الحقيقة عبر حكامة ومساءلة ومحاسبة عادلة.

بمغرب التمييع السياسي وليس التبخيس أضحى الحديث عن الفساد ممكنا، بات انتقاد الفاسدين وسياسة الريع مباحا حتى لمن رغب في تطهير الذات والحزب والظهور بصوت الحكيم. وحتى لا يشتد الخوف الجماعي من سياسة الفساد التي ممكن أن تلحق بمستقبل المملكة ما بعد سنة (2021) هناك سؤال متعدد بسذاجة الغباء، عن عيوب النظام الانتخابي السياسي المغربي الذي مازال ينتج نفس الوجوه السياسية وكأن شبيبة الأحزاب لا خزان لها ممتد، سألت عن الصوت الاجتماعي الذي مازال يزكي صور طيور الفنيق التي تعود الحياة لها من رمادها، سألت عن صدمة ممكنة من عدم تحقيق التغيير وبناء رؤية أمل صادقة في المستقبل، سألت عن الشعب البسيط الذي لا يبتغي غير عيش بمواصفات الكرامة والعدل.

 لكن محصلة الأجوبة كانت في خوف التمكين من الثقة التامة بتدبير تغير في سياسة المستقبل بحكامة، عن أجوبة تمتلك سياسة غير الممكنات لحل مشكلات التنمية والتعليم والشغل والصحة و العدالة...، أجوبة تتحدث عن تحويل المغرب إلى قوة اقتصادية ودولة ديمقراطية وشعب سعيد.

 حين أحسست أن الكلام يكرر من طرف السياسي (منذ56) ويتبناه قبل فطامه من الدولة،  تيقنت أن الزوبعة الحزبية الكثيرة غير مستقلة القرار، تيقنت أن الدولة لازالت تنتج التنمية و توجهها، ثم تلعب دورا في نقد التنمية الماضية وتستنجد بالتوقيع على تنفيذ ميثاق "مثالية الإدارة" في مجال التنمية المستدامة، تيقنت أن الأحزاب تعيش لحظة كفاف في نظافة ابتكار الحلول ومسوغات الإصلاح السليم، تيقنت أن التمكين من التغيير السياسي ممكن، إذا كانت هنالك حركة تصويب سليمة تستهدف التغيير في الفعل الاجتماعي .

 

محسن الأكرمين.