القفشة الاولى: سيادة الرئيس..

في السابعة والعشرين من عمري سافرت االى مدينة البصرة حاملا معي وثيقة تخرجي في الجامعة لاعمل مدرسا مساعدا في جامعة البصرة.. فاجئتني لوحة ذهبية مثبتة على الحاىط وبجوار احد الابواب كتب عليه بخط الثلث الانيق (الرئيس) كان ذلك في تموز عام 1977 .انذاك كانت هذه الكلمة لاتطلق شعبيا الا على شحص واحد هو رئيس الجمهورية.. لم اجد صعوبة في فهم معنى اللوحة اصطلاحا وصلاحية رغم محدودية ادراكي للواقع العراقي السياسي والاجتماعي والتاريخي.. فيما بعد ادركت ان هذه الكلمة لاينبغي لها أن تطلق عرفا دون تبجيل وتعظيم وتمجيد .في العراق كان الناس منجرين بوسائل الاعلام يستعملون السيادة للتدليل على التعظيم.. ولكن ما قبالة لفظة السيادة؟ السيادة للسيد وان كان هنك سيد فلابد ان يكون له عبد يتسيد عليه.. مازالت وسائل الاعلام تخاطبنا .. سيداتي سادتي.. مازال المتكلمون والمتحدثون يبدؤن كلامهم للمخاطبين (سيداتي سادتي).. في اللغات الاخرى هذه المقاربة مختلفة بشكل كبير.Ladies and gentlemen لا اظنها تشير الى المضمون ذاته.. بل انها تشير الى النبل والاستقامة والاحترام ولا تتعلق بمفهوم السيادة والعبودية…أشير هنا إلى مسألة المولى،حيث أن الكلمة تستعمل بالوجهين كسيد أو كعبد.

ويُذكر أن عمر بن الخطاب (رض ) حين أوصى للستة الذين جعل أمر الخلافة شورى بينهم، أنه قال: «لو أدركني أحد رجلين، ثم جعلت إليه الأمر لوثقت به سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجراح». وهذا يعني إمكان تولي المولى الأمر .

عندما فاز (السيد) أوباما بالانتخابات الرآسية الأميركية حينها صدحت (السيدة) الاولى ميشيل أوباما "كم انت عظيمة يا امريكا فلقد أصبح باراك رئيسا" .كانت تلك لحظة الانعتاق والحرية بمدأها الواسع وافقها الرحب.. كيف اصبح أوباما رئيسا.. يقال إنه بمال أوبرا الإمبراطورية الإعلامية السمراء و آلة ماندينكو الأسطورية وامتداداتها الجينية الأفريقية التي انتقلت من مزارع المستوطنين الأوروبيين إلى شفراوات لوس أنجلوس.. من لم يدرك تفاصيل القصة فعليه مشاهدة فيلم ماندينكو المنتج سنة 1975.. إنها ليست دعاية أيتها السيدات وأيها السادة. بل انه مجرد رأي.

القفشة الثانية: حسين الكهربائي

المنهج العلمي في البحث الأكاديمي يستوجب منطقا محددا ولا أقول صارما مفاده الإجابة على الأسئلة الكبرى في أي قضية أو موضوع، هذه الأسئلة هي الماهية عبر (ماذا)،الكيفية او الحالية عبر(كيف)، المكانية عبر (اين) والزمانية عبر(متى) وجرت العادة أن يطلق على المكانية والزمانية والحالية مصطلح الظرفية.. ومن الجدير بالقول ان الإجابة على الماهية والظرفية ليست بصعوبة الإجابة على الكيفية. حيت أن الإجابة عن أسئلة الكيفية تقتضي الخوض في منطقة مثلث السبب والنتيجة والفعل (الديناميكا) مابينهما وهو أمر يقتضي قابلية على الخوض فيما يعرف بالتحليل والتركيب لعناصر المسألة بغية فهمها وهذا الأمر لايستوجبه البحث في مسائل الماهية أو الظرفية التي تتطلب مجرد الوصف ليس إلا إجمالا.

إن من خصائص الفكر الغربي الذي أنتج حضارتنا الانسانية المعاصرة هي القدرة الهائلة على التحليل والتركيب ثم الاستنتاج وهذا أمر معروف منذ أيام افلاطون وارسطو. .مرورا بعصر النهضة وفلاسفته فرنسيس بيكون واسحق نيوتن وكاليليو وسواهم. .وصولا الى عصر الحداثة إلى ماركس واينشتاين وهايدنبرغ وعصر ما بعد الحداثة ستيفن هوكنك.. ألامر مختلف في الحضارات عند الأقوام في الشرق وخاصة الحضارة العربية والإسلامية حيث أن المخيلة الشرقية تميل إلى الوصف وليس إلى التحليل.. فالعرب هم أفضل من وصف جمال البحر والصحراء والنجوم والجبال والسيف والأسد والكلب والطعام وجمال الحبيب.. وصفا اسطورية بليغا رائعا. منعنا من سلطان البعد الزمكاني او الظرفي.

قلت لزميل لي دعنا تقلب الأدوار تفاحة نيوتن ووجد امرؤ القيس.. كيف سيكون الأمر قال: امرؤ القيس سياكل التفاحة ونيوتن سيظل أخرسا مسمرا حائرا أمام جبل يذبل.

العتب ليس على البيئة ولا على الجينات بل على الرغبة مع التكيف البيئي .. هذا الانر يترتب عليه فوضى منطقية وسلوكية وأخلاقية لدى النظر في قضايا المعالجات والإشكاليات. في مجتمعنا العراقي لطالما عهدنا معالجات لا تمت بصلة الى صميم الاسباب .. إنها بمثابة اللعبة خارج الملعب أو خلط السكر بالشأي عبر تحريك الملعقة خارج الكوب (يخوط بره الاستكان) باللهجة العراقية البليغة! أحدهم آثار نكتة حسين الكهربائي لوصف ما قيل إنه تزايد في حالات انتحار الشباب غرقا عبر القفز من الجسور إلى مياه الأنهار. .كان هنالك من يفكر بأن يغلف جانبي الجسر تماما بالأسيجة العالية.. لقد نبه شباب الحي صديقا لهم قائلين له " قد شاهدنا اختك مع حسين الكهربائي" أجاب ببرود "لا هذا كذب لأن حسين الكهربائي اصلا لايفهم بالكهرباء".

لا مشكلة في هذا فللرجل الحق كل الحق اذ يبدو أن لا أحد يفهم سر الكهرباء،وحتى ولو تصدى أديسون أو تسلا فلا ينجو من العتب.

القفشة الثالثة: القطيع الالكتروني..

لست على يقين من أن السلوك الجمعي هي إحدى ظواهر سلوك القطيع المعروفة .. لكني على ثقة تامة بوجود هذا السلوك بشكل الكتروني cyber behaviour من خلال متابعاتي الانترنيتية .

لقد أصبحت هذه المساحة من المعرفة علما معاصرا وحديثا يعتد به منهجيا وتطبيقيا وله قواعده ونظرياته وتطبيقاته المهمة.

لاحظت أثناء محاولاتي البسيطة في تتبع أنماط التفكير عند الرأي العام في قضية معينة سلوكا باتجاههين .. مع وجود حالة توفيقية غالبا ما تكون ساذجة ووضيعة من الناحية الشكلية والموضوعية.. ففي معظم القضايا يكون الرأي الأول كتعليق مهما من حيث ريادته لما سيعقبه ويلحقه. .ثم تتوالى الآراء ضمن نفسس النمطية بشدة متباينة إلى أن يأتي تعليق مغاير مختلف سرعان ما يتزعم النمط الآخر أيضا مع شدة أو قوة متفاوتة ومابين النمطين أو بعدهما سيأتي دور الوسطيين الذي قلما يتسم بالموضوعية وان كنت لا أنفيها عنه في حالات معينة .. هذان النمطان غالبا ما ينساقان لمنطق بدائي بدوي انحيازي وان محاولات التوفيق بينهما هي محاولات ربما لاتستند إلى أساس رصين فهي تبدو كمحاولات العزل أو الفصل بين خصمين تشاجرا في مكان عام ليس إلا. .وبالمقارنة مع أنماط السلوك الإلكتروني الاجتماعي مع بعض المجتمعات الغربية ومن خلال دخولي إلى بعض غرف الدردشة في الأمور الاقتصادية والسياسة والاجتماعية وغيرها . فقد وجدتها أكثر تعددية وأكثر اختلافا من حيث الشكل والمضمون .. مع وجود رأيين سائدين أو ثلاثة فإنها غير معزولة قطيعيا وغير منمطة شكليا او موضوعيا وفي الواقع فان القطيع ليس محملا بالعتاب لكن الرعاة لايجيدون ريادة ألتنميط بل لا يدركون انهم قادته.. وهم لا يدينون بالمواقف الإلكترونية فعندهم الدين ممنوع والعتب مرفوع كما هو الحال في دكاكين مرحلة ماقبل العصر الأمازوني الذي مازال غير متاح للعراقيين لاسباب الكترونية قطعية وقطيعية متعلقة بالرعوية وليس للعتب فيها حتى على سبيل القفشة!

 

حسن الشرع

 

 

فاضل رشادمن الخاطيء القول ان الدواعش دخلو للموصل يوم 14 حزيران، يونيو 2014، بل هم موجودون داخل كيان العراق، منذ ان نفذ مجموعة من الضباط ألانقلاب العسكري بقيادة الزعيم الاوحد عبد الكريم قاسم ضد الحكم الملكي العراقي،وكانت حينها المذبحة والمجزرة التي ستبقى شاهدة وتأريخها ونؤرخها كل في ذكراها .

عام 1958 والحكومة العراقية تعدها عيد وطني وتحتفل بها

الحقيقة واضحة ويجب ان نشخصها ونشخص الاخطاء لا يوجد شخص "ملاك" او حكما في العالم اجمع نظيفا تماما بقراءة موجزة لم يأتي ملوك العراق "فيصل الاول" ليشهروا السلاح او ينصبهم الاستعمار ليكونوا  حكاما، بل بأرادة وطلب من وجهاء وشيوخ ورجال دين العراق من الشريف حسين ان يكون ملك العراق احد اولاده، وكان يتنبأ بقوله لهم ستقتوله كما قتلتم جده الحسين .

ماذا كان في العهد الملكي انشأوا دولة بكافة المسميات الديمقراطية الحديثة الان (حكومة،وبرلمان)، حرية الاحزاب الا الحزب الشيوعي الذي ينتهج منهج الاتحاد السوفيتي التي تعارض مبدأ سياسة الدولة .

الحرية الفكرية، الرأي، المعارضة، المظاهرات التي تخرج بدون اذن قانوني،اول اذاعة تفتح في الشرق الاوسط (بغداد)، التمدن، العدالة ...الخ .

المعارضون للحكم الملكي لا يذكرون غير (الاقطاع)، وهم يتجاهلون انها كانت نظرية اقتصادية بحتة كان العراق الاول في العالم في تصدير الحنطة ناهيك عن انه يمتلك سلة غذائية متكاملة .

التحضر

كان العراق متحضرا وشهادته الجامعية معترف بها دوليا في ذلك الوقت الخليج عبارة عن بداوة ودول بدائية،بينما العراقيون اناس متحضرون ونسأؤه شاعرات،صحافة، فنانات، وامينة بغداد صحافية .

كان العراق الى سنة 1958 اكثر دول الشرق الاوسط تقدما, فقد دخل التلفزيون واستخدم علاج الامراض بالنووى وتطور نظام الخدمات الصحية وكان نظام التعليم فى جميع مستوياته رفيعا متطورا اكرركانت شهادات الكليات العراقية معترف بها من قبل الدول الاوربية المتقدمة وكان هذه الكليات قبلة الطلبة العرب وبشكل خاص الكلية العسكرية.

كان العراق يشكل الحداثة بشكلها المتطور بالنسبة للكثير من الدول العربية، (بغداد) كانت قبلة الخليجون وخاصة ليلة رأس السنة واحتفالاتها.

حلف الانجازات

من اهم ما حققه الحكم الملكي هو حلف (بغداد) ان المعارضون يقولون انه فرضة الاستعمار نعم لكن كان لمصلحة العراق وشعبه، أسس عام 1955 للوقوف بوجه المد الشيوعي في الشرق الأوسط، وكان يتكون إلى جانب المملكة المتحدة من العراق وتركيا وإيران وباكستان.

الولايات المتحدة الأمريكية هي صاحبة فكرة إنشاء هذا الحلف حيث وعدت بتقديم العون الاقتصادي والعسكري للأعضاء، ولكنها لم تشارك فيه بشكل مباشر وإنما وكلت بريطانيا بالقيام به.

انضم العراق لهذا الحلف بعد القمة العربية التي جرى الاتفاق بموجبه على معاهدة الضمان الاجتماعي.

كان الحلف يضم (ايران، تركيا، باكستان) وكان العراق عضوا مؤوسسا لا يصدر اي قرار من تلك الدول الا بمشورة العراق.. كيف كان سيدا، وكيف اصبحنا؟

ماذا فعل قاسم

بقرار الزعيم الوطني الاوحد اذ انسحب العراق من الحلف إبان إعلان ثورة 14 تموز/يوليو 1958 بقيادته اثرانقلابه على النظام الملكي وأعلن الجمهورية العراقية وقد كان لنوري السعيد دور كبير في إنشاء هذا الحلف، وقد تبنى عبد الكريم قاسم سياسة محايدة وأقام علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي وانسحب من الحلف.

فعدل عن اسم حلف بغداد Baghdad Pact وتبنى اسم CENTO (اختصار Central Treaty Organization).

كما نأى الحلف بنفسه عن الصراع العربي الإسرائيلي في فترة الستينات وامتنع عن تقديم العون لباكستان في نزاعها مع الهند.

وبعد غزو تركيا لقبرص عام 1974 أوقفت أمريكا مساعداتها العسكرية لتركيا.

وفشل الهدف الأساس من وراء تأسيس هذا الحلف في وقف نفوذ الاتحاد السوفيتي الذي وطد ووسع علاقاته في الشرق الأوسط خلال تلك الفترة مع مصر والعراق وسوريا واليمن الجنوبي والصومال. (نفس المصدر)

الجمهوريات

منذ عام 1958 بعد الانقلاب الدموي اذ اعدم الداعشيون العسكريون ذلك الشاب وعائلته وهم يحملون رايات بيضاء ولا زال العراق ينزف دما، "انقلابات، اعدامات، محكمة الثورة المهداوي، ومحاكم صدام الخاصة".

لم يكن سقوط الموصل عام 2014 بيد الدواعش بل كان منذ ان قتلنا تلك العائلة البريئة التي ارادت للعراق خيرا ماذا فعله داعش فعلته تلك الزمرة بقيادة قاسم واختم مقالي بمقولة الملك فيصل الاول أقول وقلبي ملآن أسىً… إنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سمّاعون للسوء ميالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتفاض على أي حكومة كانت، فنحن نريد والحالة هذه أن نشكل شعبا نهذبه وندرّبه ونعلمه، ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف يجب أن يعلم أيضا عظم الجهود التي يجب صرفها لاتمام هذا التكوين وهذا التشكيل.. هذا هو الشعب الذي اخذت مهمة تكوينه على عاتقي . الجدل يدور بين من تناولوا تلك المقولة المنسوبة لأول ملك على العراق الحديث، في قسوة انكار وجود شعب عراقي، وفي اطار قول جلالته أنه يسعى لتشكيل شعب مهذب مدرب متعلم، والحديث بالطبع يتواصل للاستفسار عما اذا نجح فيصل الأول ومن جاءوا بعده في تشكيل هذا الشعب.

 

بقلم : فاضل رشاد

 

امجد الدهاماتتحدث المفكر (Alvin Toffler) في كتابه (Future Shock) الصادر عام (1970) عن نظرية الخيارات الفائضة (Over choice)، والتي يمكن توضيحها من خلال التجربة التالية:

تم وضع (6) أنواع من العسل في كشك لمعرفة سلوك الناس، فكانت النتيجة، أن (40%) من المارة توقفوا وسألوا عن الأنواع، وقام (79%) منهم بالشراء.

بعدها تم وضع (24) نوعاً من العسل في نفس الكشك لكن النتيجة كانت أن (60%) من المارة توقفوا وسألوا عن الأنواع، لكن الذين اشتروا فعلياً (5%) منهم فقط!

ان تعدد الخيارات امام الناس تجعل عقولهم تُصاب بحالة من الحيرة والارتباك مما يؤدي الى تعبها وإنهاكها من التفكير، فيكون قرارها النهائي هو الغاء فكرة الشراء من الأساس، وهذا ما يُسمى بنظرية (الخيارات الفائضة)، والتي لها مصاديق كثيرة في حياتنا اليومية.

وأبرز مثال على هذه النظرية هو ما حصل في بلدنا خلال انتخابات البرلمان عام (2018)، فقد سجلت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات (204) حزب سياسي أشترك اغلبها، ولو عن طريق التحالفات، في الانتخابات، وهذا العدد كبير جداً حتى بالمقاييس الديمقراطية، فكانت نظرية (الخيارات الفائضة) أهم سبب لعزوف الناخبين من المشاركة بالانتخابات، بالإضافة الى أسباب أخرى طبعاً.

إذ ان هذا العدد الكبير من الأحزاب يجعل الناخب متحيراً، خاصة الناخب غير المنتمي لجهة سياسية معينة أو الذي لم يحسم أمره بعد، هذه الحيرة والتعب الفكري تجعل عدم المشاركة أو ابطال ورقة الناخب هي الخيار المفضل لدى أغلبية الناس.

ان وجود عدد كبير من الأحزاب الصغيرة يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي، كما ان حصولها على عدد قليل من المقاعد البرلمانية يعرقل تشكيل الحكومات، إذ انها تفرض شروط مبالغ بها وأكبر من حجمها البرلماني لتسهيل عملية التشكيل.

ومثال على ذلك ما جرى بعد الانتخابات اللبنانية لعام (2009)، إذ حصل تحالف (14) آذار على (60) مقعداً وتحالف (8) آذار على (57) مقعداً بينما حصل اللقاء الديمقراطي بزعامة وليد جنبلاط على (11) مقعداً، أي انه الجهة التي ترجح كفة أحد التحالفين في تشكل الحكومة، وفعلاً حصل جنبلاط على الكثير من المكاسب التي لا تتناسب مع حجمه الفعلي.

اما في إيطاليا فقد أدى وجود الأحزاب الصغيرة إلى حالة مزمنة من عدم الاستقرار السياسي، فقد تم تشكيل (58) حكومة منذ عام (1946)، بل ان حكومة (Giovanni Spadolini) التي شكلها عام (1982) لم تعمر سوى (3) أشهر فقط، وسقطت حكومة (Romano Prodi) في البرلمان عام (1998) عندما انسحب منها حزب لديه (3) مقاعد فحسب!

وفي المانيا كان الحزب الديمقراطي الحر يشارك في كافة الحكومات الائتلافية على مدى (50) سنة ويحصل على وزارات سيادية ومهمة على الرغم من حصوله على أقل من (%12) من أصوات الناخبين.

ولتلافي هذا النتيجة تقلص الدول الديمقراطية عدد الأحزاب فيها، فلا تسمح بدخول أي حزب للبرلمان إلا بعد ان يحصل على حد أدنى من أصوات الناخبين، أي انه لا يوجد حزب حاصل على مقعد واحد أو مقعدين في برلماناتها، وتختلف نسبة هذا الحد من بلد الى أخر، اذ ان اقل نسبة هي في هولندا ولا تتجاوز (0.67%) واعلاها في تركيا وتبلغ (10%)، وبينهما إيطاليا (2%)، اسبانيا (3%)، بلغاريا والبانيا والسويد (4%)، وفي بولندا، المانيا، روسيا، التشيك، تونس، استونيا، أوكرانيا وأرمينيا نسبة (5%)، جورجيا (7%)، ليختنشتاين (8%).

ربما يعترض البعض ان هذا يتنافى مع القيم الديمقراطية وحرية الناس في تشكيل الأحزاب، كما يؤدي إلى هيمنة الأحزاب الكبيرة على الحياة السياسية في البلد، وعدم إعطاء الفرصة للأحزاب الصغيرة لكي تنمو وتصبح كبيرة بمرور الزمن، وغيرها من الاعتراضات.

ورغم انها آراء محقة لكن يمكن معالجتها عن طريق اندماج الأحزاب الصغيرة مع بعضها، أو تشكيل تحالفات فيما بينها لخوض الانتخابات، وبالتالي ستكون فرصتها بالفوز أكبر.

ان هذا أفضل حل إذا كانت الدولة امام خيارين: اما تقليص عدد الأحزاب أو عدم الاستقرار السياسي.

ماذا يختار العراق؟

 

أمجد الدهامات - العراق

 

انور الموسويالدولة تعرف بنظامها واقتصادها، وخدماتها وبناها التحتية، ليس مهم أن تكون هناك حضارة أو لا تكون، فالتاريخ إرهاصات ماضي، وليس التقدم والتطور متوقف على حقب التاريخ، فأمريكا مثلا دولة ليست ذات تاريخ وحضارة، إنها حديثة الحضارة، لكنها دولة قوانين وأنظمة، واقتصادها منافس شرس في السوق العالمية.

معيار جميع الدول التي تريد أن تصنع تاريخا لشعوبها ولحاضرها أن تحرص على تطبيق أنظمتها، تلك الأنظمة المسماة بالقوانين، وتنظم شؤون مواطنيها وممتلكاتها وفقا لرؤية أما تنموية أو لمصلحة عامة.

ليس مخرجا صعبا أن ينظم القانون بقانون، تلك سمات التشريعات والقوانين، التي يعرفها فقهاء القانون. الحرية الفردية وحرية العمل، هي مقومات أساسية بالنهوض بالواقع ورفع المستوى المعاشي الفردي، أو ممارسة الحياة العامة بشكلها العادي، لكن تلك الحرية من المؤكد ألا تكون معرقلة للمصالح العامة، أو مسببة أرباك للمواطنين الأخرين.

لدينا معضلة مرورية تسببها العجلة المسماة "ستوتة" والدراجات النارية والهوائية. آما خطط التنمية لم تدرس بشكل جيد التوسعة التي ممكن أن تحصل بعدد النفوس وزيادة معدل دخول السيارات، والدراجات، والستوتات....الخ.

والشوارع المكتظة بأنواع وأشكال المركبات لن تصلح في معظمها للسير على الأقدام...! بينما هي تعمل تحت خدمة عجلة المركبات ذهابا وإيابا في طرق "نحسة" تملؤها المطبات والمفاجئات، وصواعق الالتحاق بالحوادث المرورية المسببة الموت الفجائي أو العوق، أو أنواع الكوارث الهابطة بقدرة العجز العقلي غير الخاضع لحساب مخططات التنمية الحضرية والعمرانية.

يضاف إلى شريط المعزوفة الملحمية هذه، ضراوة السبق والمناورة لصاحب الستوتة والدراجة النارية والبخارية، يا سلام...!

الطريق لا يسع لثلاث مركبات كحد اعلى وأصحاب تلك العجلات يتنافسون بضراوة منقطعة النظير على أحداث صعقة مرورية في جبهة الواقع، كأنهم انتحاريون..! يأتوك من كل جانب، خلفا وأماما وشمالا ويمينا، بدون التقيد أطلاقا بالقواعد المرورية وبلا أوراق رسمية، وبإشكال غريبة، هنا تتدخل الدولة وأنظمتها بعد حدوث الكارثة، لان منظومة "السلامة والصحة والبيئة" في بلد كالعراق هي منظومة غير مهمة لأنها بتماس مباشر مع حياة المواطن، ومتى احترم أصحاب السلطة حياة المواطن كي يحترموها الأن في تطبيق أنظمة السلامة؟.

الكلام هنا ليس للجميع فالوسيلة هذه وغيرها المستخدمة في طلب الرزق أو إنجاز القضايا الشخصية وفقا لاحترام القانون، خارج مورد المقال وهم ليسوا معنيون بذلك، من نعني هم الأغلبية العائمة في الأرض المستخدمين لهذه الوسيلة التي دخلت بمختلف الصفقات التجارية والتي أغرقت السوق بهذه السلعة.

أما في المناسبات العامة أو الخاصة فكان هؤلاء (يأجوج ومأجوج) قد خرج من جحره يساوم أهل الأرض على البقاء وبأشكال فعلا مثيرة للتقزز!، سرعة مهولة، واشتباك مباشر مع المواطن الماشي سيرا أو الذي يقود مركبة، على شوارع  هي أصلا مصابة بالشيخوخة..! هكذا هم أصحاب الستوتات والدراجات، هي معركة اصطدام أو تخليص ما في الذمة من خطر لابد منه من قبل السائق أو الماشي "بحب الله".

ليس هناك ادنى خشية من حادث قد يقع لهم أو لغيرهم نتيجة السرعة أو المخالفة أو عدم احترام الذوق العام و القانون، الخشية معدومة إلى درجة الصفر، والاحترام للذوق العام خارج حدود بيانتاهم التعريفية، انك لا تستطيع حتى تنتقد أحدا منهم وتوجهه، فهم معظمهم أما أطفال خارج السن القانوني، أو خارج حدود التربية، فالتجاوز لديهم على أي كان هو تجاوز ارتجالي ولحظي وبلا أي خط رجعة أو احترام.

وظيفة الدولة هي ضبط إيقاع المنفلتين، فكل دول العالم تعج بالمتسكعين وأصناف أهل الشوارع، والمخالفين للقانون، الدولة هنا تبدا بأخذ تلك البيانات ومعالجة الإشكاليات من خلال توفير الطرق الملائمة لأصحاب المركبات مع تحديد السرع وتنظيم عملية السير ورصد المخالفات واتخاذ العقوبات والغرامات لكل من يخالف تلك القواعد، والعراق يعج أيضا ببعض أنواع السائقين " الجاكية" وغير " الجاكية" على نفس نسق أهل الستوتات والدرجات المنحرفين منهم.

ما وظيفة قوى الأمن الداخلي؟

من المهم أن يكون هناك رجل امن وقوة رادعة لمجموعة التجاوزات التي تحصل على المواطنين الذي يسيرون على الأقدام أو أصحاب المركبات الملتزمين بالقانون من هؤلاء المعتدين على حرية الفرد، والذوق العام بالمجتمع، والمتسببين لأنواع من الكوارث المادية والبشرية لأنفسهم وللأخرين.

فتفعيل المطالبة بالأوراق الرسمية جزء مهم في هذا الملف، وتفعيل المحاسبة للمخالفة ونصب دوريات مفاجئة للكشف عن هذه المخالفات، ونصب رجال امن  للإخبار عن نوع ووصف من ارتكب مخالفة وإلقاء القبض عليه، وتحديد السير بسرعة معينة، وتثقيف المجتمع وأصحاب تلك العجلات، مع فرض أوقات محددة للسماح لهم بالخروج، وبعكسه يتم غرامتهم قبل حجزهم، وتفعيل دور الغرامات الكبيرة، والعقوبات المشددة، مع وضع قانون أو الترويج للقوانين المرورية المعتمدة والخاصة بهؤلاء وغيرهم، وبعدها يتم محاسبتهم، وتغريمهم وانزال العقوبات بهم، مع المنع التام من خروجهم إلى الطرق العامة وتقييد حركتهم ضمن مناطق محددة وبقانون، وأوقات محددة ،والتقليل من الاستيراد غير المبرر لتلك العجلات، فالقانون متى ما تم تطبيقه بقوة وحزم مع عقوبات وغرامات عاجلة وكبيرة، ب موازاة حملات بناء وأعمار وتثقيف للمجتمع وتجسيد لجميع معاني العصرية في البناء تكون هناك دولة قانون حقيقية مهابة، وتقل نسب التجاوز والاستهتار بأرواح الناس من قبل المنفلتين وبهذا تكون الحريات ضمن قانون لا يتعدى الأضرار بالآخرين كحق شخصي وحق عام.   

 

انور الموسوي

 

اسعد عبداللهاتذكر جيدا خريف عام 2013 حيث شاركت في التظاهرات المطالبة بحقوق الشعب، كانت تظاهرات عفوية لم تنظمها جهة سياسية، بل خرجت الناس من حجم الضيم والقهر الكبير الذي تعيشه، وكل مواطن يحمل مطالبه، فهذا الخريج العاطل الذي يطالب بعمل، وذلك العجوز الذي كتب لافته كبيرة يطالب بتوفير العلاج المجاني لكبار السن، وتلك المرأة مع صديقاتها يحملن اعلام العراق ويطالبن بتعديل نظام الحكم الى رئاسي، ومازال في ذاكرتي كلام رجل خمسيني قال لي: " انها ثورة جماهيرية وليست مجرد تظاهرات، لكن لم تصمد امام نفاق الاحزاب التي ستركب الموجه وستاتي هنا غدا".

لم تمر أسابيع طويلة الا ودخلت احزاب السلطة على الخط، وتحول مسار التظاهرات الى ما ينفع الاحزاب المتنافسة!

كانت حسرتي كبيرة على اجتياح النفاق لساحات التظاهر، وقررنا انا واصدقائي ان نتوقف عن المشاركة، لأنها اصبحت تظاهرات لخدمة جهات معينة، تنطق بفكرة الرمز الاوحد وما يشتهيه، ولنفهم لاحقا اللعبة الخبيثة في تبادل الضغط لتعظيم المكاسب.

اصبحت ساحات التظاهر في بغداد عبارة عن صورة بائسة لا تعبر عن مطالب الجماهير، انما تعبر عن مطالب قادة الكيانات السياسية!

دعني احدثكم عن مخاوفي الان في عامنا الحالي (2019)، فهناك من يسعى لتسخير الساحات لمنافعه السياسية، مستفيدا من تجربة من سبقه من الاحزاب، حيث اعطى لنفسه المبرر للاستيلاء على الساحات، هكذا قررت الصنمية السياسية، وسيلبي عبيد الاصنام مسرعين للسطو على تلك الساحات، وسيعمل على صبغها بلون حزبه، في مزايدة سياسية واضحه، والاهداف كثيرة التي يسعى لتحقيقها، فمنها تسقيط زملائهم في الفساد، ومنها لبس ثوب النزاهة والشرف، ومنها انهم الوحيدين المطالبين بحق الشعب المظلوم، ومنها تسفيه وعي الامة، ومنها اشاعة ثقافة العبودية للأسياد.

ختاما: رهاني يبقى على وعي الامة، في ان تفهم مكر الساسة وبحثهم الدائم على اقامة اعراس للأصنام، وابرازها وتعظيمها حتى على جروح الوطن والشعب، ذلك الوعي الذي ننتظره ان يعري جهود اقطاب الفساد في العراق.

 

الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي

العراق-بغداد

 

رحيم الخالديتُدار الدولة وفق نظام يسير شؤونها بأمثل طريقة ممكنة.. وتختلف هذه الأنظمة وفق الطبيعة التي تلائم مجتمعاتها وأعرافها، وهي مشتقة ومأخوذة منها، وتشريعها يتم عبر القنوات التي يسمح لها بتشريع القوانين، بإستثناء بعض الدول العربية وخصوصا دول الخليج.

هذه الدول فيها الديمقراطية منقرضة كونها تدار من قبل الأسر الحاكمة، ومثالها المحافظات الشمالية "إقليم كردستان" ضمن القانون الذي أقرهُ مجلس النواب العراقي، في بداية تشكيل الحكومة بعد إنتهاء دور التسلط.

لا يمكن مقارنة الدول التي تمتع بالكونفدرالية، مع فيدرالية الإقليم.. بل تعدت وزادت إثر التسامح الذي تبديه حكومة المركز في التعاطي معها.

بالأمس القريب وبعد نفاذ صبر الحكومة، إتخذ السيد العبادي قرار كان في محله، والزم الإقليم بالإنصياع لحكومة المركز، في إدارة المنافذ الحدودية والجباية والطيران، وإخراج القوات التي لا تنصاع لأوامر المركز، وإخراجها من محافظة كركوك، بعد إجراء الإستفتاء، متصورين أن تأييد إسرائيل سينفعهم..

لو أجرينا مقارنة بما يجري مع الدول المتطورة التي تدعم الديمقراطية، لرأينا العجب.. حيث يستعمل الاقليم العنوان، ولا يلتزم بالمحتوى!

كمثلٍ تتمتع مقاطعة كيبك الكندية بصلاحيات كاملة في المجالات الداخلية مثل التعليم والصحة والبلديات والشرطة، بينما تتقاسم الصلاحيات مع الحكومة الفدرالية في مجالات الزراعة والموارد الطبيعية والضرائب، في المقابل تنفرد الحكومة الفيدرالية بمجالات الدفاع والسياسة الخارجية، حيث تتمتع حكومة كيبك بحق إختيار مهاجرين للإقامة في أراضيها، وهؤلاء يحصلون على التأشيرة من السفارات الكندية، بموجب تزكية من مفوضية كيبك.

هنا يأتي السؤال المحيّر، هل الإقليم فيدرالي كما هو منصوص عليه بالدستور؟ أم هي دولة منفصلة وخارج السياقات ولا تنتمي للعراق؟ أم أن هنالك أمر لا يعرفه المواطن.. وبات من حقه اليوم المعرفة؟ الإقليم يأخذ ميزانيته من نفط الجنوب، وكما هو معروف لدى الكل، وهو نص مدون في الدستور، أن النفط ملك الشعب، ولا يقبض هذا الشعب منه سوى العوادم، وباقي الآثار التي تسبب الأمراض إضافة لتلوث الأجواء، والفقر المدقع الذي يعيشه مواطن الجنوب، حاله حال بقية المحافظات .

دخل الإقليم بمجال ليس من إختصاصه، وليس من مشاريعهِ التي يتبناها فعلا، بل من خارج العراق، وهذا منحه مجالاً أكثر من حجمه، وعلاجه ليس مستعصيا، ويحق لحكومة المركز محاسبة أيَّ شخص كان، مهما كان منصبه وأصله وفصله وبالقانون، وإلا فهو العبث بعينه، وهذا يدل على ضعف أداء الحكومة الإتحادية.

المداخلة التي نقلتها القنوات لجلسة البرلمان، حول الموازنة وتصدير نفط الإقليم، والأموال المقبوضة سابقاً وحالياً، مع الأسف كانت مخيبة للآمال، من حيث تفاعل النواب معها.. وكأنها لا تهمهم وهم بعنوانهم يمثلون الشعب، الذي وضع ثقته بهم، وهذا يأخذنا لنتيجة واحدة لا غيرها، من أن هنالك إتفاقاً في الكواليس قد تم إتخاذُه دون علم الشعب، من باب (فيد وأستفيد).. وعلى هذا المنوال يبقى النفط نهباً للشخصيات والعوائل ...

الحكومة اليوم ننتظر منها تفعيل دور المحاسبة، وعدم خلط الأوراق وصنع هالات إشغال لصرف النظر عن المشاكل الأصلية، كذلك الدور الرقابي من المعارضين لفتح كل الملفات لنكون بالصورة، وبالخصوص مسألة الإقليم، وباقي الملفات المتعلقة بسرقة الأموال وتهريبها، والنفط والكهرباء، وإلا فلا يمكن المعالجة، وستغرق السفينة بمن فيها، وهنا الكارثة، وأمّا الإقليم فَهوَ خارج مِنطقة التغطية ...

 

رحيم الخالدي

 

فيصل غازي مجهولبعثوا إلينا رسائل، نسمِّيها الآن قديمة، مَن نحن؟ ليس أمراً مهماً.. وهل كان الجوابُ يعني شيئاً لهم.. لي.. لك.. لنا..؟! حياتُنا كلُّها أسئلةٌ كثيرة، وأجوبةٌ أكثر.. أو لا جواب.. وهذا بعضٌ من الأجوبة:

إلى:

العظيم أبي العلاء المعري

"إنَّ الشبيبةَ نار".. بادَرنا بها أموراً، وجاءَ مَن يُطفي..

حيرة دائمة "يا ليتَ شعري ما الصحيح"؟

"اثنانِ أهلُ الأرض" وما إن يظهر الثالث

حتى يختفي. ويعود الاثنان.

"تلوا باطلاً..." وما نزالُ نقولُ "نعم"،

نعم.. "في كل جيلٍ أباطيل يُدان بها"،

وقد "مُلَّ المقام".. ولا بديلَ..

لا بديل.

مدني صالح

لم يَفُتكَ شيء، فالفقراءُ هم الفقراء.. المغلوبون.. الضعفاء..

فقراء "يخدمون الأغنياء في السلم ويدافعون عنهم في الحرب"..

"نفطيون يخدمون الذريين في السلمِ ويتقاتلون نيابةً عنهم حمايةً لاحتكاراتهم في الحرب".

"ولا أرقى في نظرِ التاجرِ مِن الفلسِ إلا الفِلسين"..

وما تزال أطرافُ الدولار تُغري أكبر المثقفين.

يسوع

أعطيتُهم خدَّينِ، بحسب وصيتِك، فلم يكتفوا

فأوَّلتُ الوصيةَ إلى آخرِ ما تحتمل من التأويل.

يزدادون مع الأيام شدةً وقسوة وتسلطاً، وأزداد صبراً وقوة وقناعة.

وبينَ ظهورِ حقيقةٍ ونهايةِ رهان.. يكتفي من يُحبك بأنه يثق بك.

مُحمَّد

لم يظن المرءُ بل تيقَّنَ "أنه عَلِم"،

فكيف يكون جهلُه إذن؟

طرفة بن العبد

بلا ثلاثٍ أو أربع هُنَّ من عيشة الفتى

"وحقِّكَ لم أحفلْ متى قامَ عوَّدي".

عند كلِّ قومٍ "متى ما تُعلَ بالماء تزبد"

علناً فرحاً متعةً نفعاً.. إلا عند قومك يا ابن العبد!

ويكرون كَسِيدِ الغَضا المتورد،

لا إكراماً لضيفٍ ولا نجدةً لمستنجد..

بل تملقاً لِأتفَهِ متسلطٍ غالب.

ولن يُخطئ أحداً.. "لكالطول المرخى وثنياه باليد"…

محمد فاضل

شركة مأساة...

ندخل فيها ونخرج منها،

وفيها ومنها.. صدق وفن وحقيقة وخبرة ووفاء...

وأشياء أخرى مدفونة في القلب وفي العقل.

المتنبي

أصبحت الصغارُ التي "تعظُم في عينِ الصغير" كتباً

وبحوثاً وألقاباً ومناصبَ وجوائز ومؤتمرات وندوات...

هل أستمر؟.. كلا..

فهي كيفما كانت "تصغر في عين" مَن تعرف.

عنترة بن شداد

جُبناء هُم بلا عبلة

ليتهم كانوا يحبونها مثلك

فيكون مكانها "مكان الروح من جسد الجبان".

أبي نواس

"إذا أمكن الجهر".

في زمانك كان الجهر أيسر!

برتراند رسل

عندما كتبتَ عَلناً

قال كثيرٌ من الناس سراً "لماذا نحن لسنا متدينين"؟

وبينَ السرِّ والعلن أشياء كثيرة

يُعلنها ويكتمها أصحابُها في أمم حرة ومستعبدة.

طه حسين

قد حظيتَ بمحكمة

لأنكَ كتبتَ "في الشعر الجاهلي"

تمناها كثيرٌ ممن نُفذ بهم حكم

بلا كتابةٍ أو قول أو رأي... أو محكمة.

علي الوردي

بعد رحيلك ازداد "وعاظ السلاطين"

عدداً وتفاهةَ أسلوبٍ.. ومكانة

ويومياً تتجدد "مهزلة العقل البشري".

محمد عبد الوهاب

سألتَ: "كل ده كان ليه"

وأجبتَ: "من غير ليه"

عظيمٌ أنتَ بين السؤال والجواب

وعظيمٌ أنتَ بلا سؤال أو جواب.

جلجامش

لم تُجبنا الآلهةُ عن سؤال أمِّك،

وبقينا مضطربين غير مستقرين..

قلقين سائلين بلا جوابٍ أو راحة.

***

د. فيصل غازي مجهول

 

جمعة اللاميسجن "نقرة السلمان" ـ شارع المتنبي .

 في 14 تموز 2019

رسالة من حكمة الشامي في شأن عام !

الى كلّ مواطن عراقي، يعرف حقوقه وواجباته حيال مواطنيه وبلاده، ويناضل من اجلهما، بقلمه ولسانه، وبترفّعه المبدع .

"ليس قبل العراق، إلا الله"

(جمعة اللامي)

.........................

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

في البدء، أعرفكم على نفسي بنفسي: أنا حكمة الشامي، مواطن عراقي، ولدتُ في سجن نقرة السلمان. وغرضي في هذه الرسالة الخطيّة، أن أعرفكم بمن خلقني: إنه القاص، الروائي، والكاتب الصحافي، جمعة اللامي، أو: "جمعة عجيل درويش راشد اللامي "، السجين السياسي السابق، والموظف السابق بوزارة الثقافة والإعلام الملغاة .

جمعة اللامي، أكبر من أَيّ منكم عُمراً. وربّما، حين تكون هذه الرسالة بين أيديكم بشأنه، أو بصدد قضيته التي أطرحها عليكم الآن، يرجو لكم الفلاح في حياتكم العملية، ويتمنى على الله، أن يسعد أبناؤكم بأسمائكم، كما سَعد أبناء جمعة اللامي بوالدهم، الكاتب، والسجين السياسي في سنة 1963 لمدة اثنتي عشرة (12) سنة، خمس (5) منها حسب المادة 131 من قانون العقوبات العسكري، وسبع (7) من أجل كردستان العراق، حسب الفقرة (ا)  المادة (31/12) المعدلة من قانون العقوبات العراقي .

صاحبي – اللامي، موظف سابق بوزارة الثقافة والإعلام المنحلة، منذ سنة 1969، ثم استقال من الوظيفة في سنة 1980  برسالة خطيّة، احتجاجاً على الأوضاع السائدة في العراق في تلك الفترة، لاسيما بعد تقديمه إلى " محكمة الثورة " منذ سنة 1977 على خلفية مسرحية " انهض أيها القرمطي هذا عصرك " التي هزّت الوسط الثقافي في حينه، بناءً على أمر رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر، وخلفه الرئيس صدام حسين، بوشاية خطيّة من رئيس " جمعية المحاربين " خير الله طلفاح، الذي نشر مقالاً افتتاحياً بتوقيعه الشخصي في العدد (341) بتاريخ 4 تشرين الأول سنة 1978 بجريدة " المحارب " توعَّد فيه صاحبي اللامي، بتصفيته جسدياً، كما تم تصفية الشهيد " سلام عادل "  بـ " قصر النهاية " سيّء الصيت .  

1029 حكمة الشامي

وكان صاحبي – جمعة اللامي، يستنكف من المطالبة بأي حق من حقوقه المدنية، طيلة العهود السابقة، ولكن عندما حاصرته مجموعة الأمراض المستعصية، وفي المقدّم منها الفشل الكلوي الوبيل، وهو في بلدان المنفى، تقدم بطلب إلى وزارة الثقافة والسياحة والآثار، للحصول على حقه براتب تقاعدي، وعرض ما في جعبته من وثائق رسمية أصلية، وفي أرشيف نقابة الصحفيين العراقيين، لكي يثبت أنه مواطن عراقي، وموظف سابق في وزارة الثقافة والإعلام المنحلة. لكن هذا كله تمَّ تجاهله وإهماله، في " مكانٍ ما " بوزارة الثقافة الحالية، بطريقة لا يمكن تفسيرها إلاّ بكونها تحمل ثقافة وأخلاق الذين عذبوه، سجيناً وطليقاً .

يقول صاحبي – اللامي : " أنا أطالب بحقوقي التقاعدية، لأنني مواطن عراقي، أمرّ بفترة فاصلة في حياتي، حيث أنني مستوطنة أمراض مستعصية حالياً، ولا أريد أن  أترك عائلتي بدون مأوى وحياة كريمة على الكفاف، عندما يختارني الله إلى ملكوته، ولهذا أُطالب بحقوقي التقاعدية . ولكنَّ " المُتَنفِّذ " في ذلك " المَكانِ مّا " بالوزارة العتيدة، إختار ان يكون "مرضاً مستعصياً جديداً" ليس في جسدي فقط، بل ـ ايضاً، وصمة عار في حياة العراقيين، ينبغي تنظيف المشهد العراقي برمته منها " .

أنا لا اخلع صاحبي جمعة اللامي ... ابداً، بل أُثبّت حقوقه في رسالتي هذه إليكم، ولو تطلّب ذلك أن أنهض من لحدي، وأطوف على العراق من جهاته كلها، صارخاً بملء صوتي : "سيكون العار وصمة ثابتة في جبين من يريد الحاق الأذى بصاحبي جمعة اللامي ".

لذلك أدعوكم ـ اخوتي المواطنون، مجتمعين، وفرادى، من أجل الإنتصار لصاحبي، في نيل حقوقه التقاعدية، فتلك مسؤوليتكم أمام أبنائكم وعوائلكم، قبل أن تكون مسؤوليتكم أمام الله والعراق، لأنكم المواطنون الأحرار، الذي لا يبنيه مجدداً، حُرّاً وسعيداً، إلاّ أنتم .

 

حكمة الشامي

نقرة السلمان ـ شارع المتنبي

 

محمد ممدوحسؤال شغل بال المفكرين العرب منذ القدم، منذ اللاوجود، حيث لا حيث، يكمن جوهره فى الصيغة التالية.. هل تفنى الأمة العربية وتنقضى شوكتها وتذهب حضارتها سدى؟؟

 وعقب كل نكبة نُصاب بها يسود اليأس بين الجميع، مفكرين وعوام، مثقفين وأنصاف مثقفين، ليعتقدوا إجابة واحدة تحاصرهم من كل مكان، نعم إنه الفناء الذى لا مناص منه، فناء الأمة العربية..

 ولكن التاريخ يُكذب ذاك الاعتقاد ليولد للأمة العربية البقاء بعد كل إحساس بالفناء ويكتب لها النجاة بعد تدارك الغرق.

ويمور التاريخ مورًا وتدور دورته، تحاصر أمتنا العربية المشكلات والعواصف التى تكاد تقضى علينا، تلهث الألسنة بالدعاء .... ينخلع القلب .... يضطرب الفؤاد ... تخرس الألسنة ... يكتب المفكرون " خروج العرب من التاريخ " و"موت العرب إكلينيكياً " و" بيتنا الذى كان عربياً "، كلها كتابات تغذى الإتجاه اليأسوى وتنمى السلبية واللامبالاة داخل نفوس الجماهير، ثم عقب كل إحساس بالضياع نمر به، توهب لنا الحياة من جديد، ليعود المفكرون والفلاسفة يكتبون من جديد، يغذون الأرواح، وينمون العقول، ويرتقون بوعى الجماهير، يحدوهم الأمل نحو صناعة فجر عربى نهضوى وحدوى، فالوحدة قدرنا، تقدمت أو تأخرت، تباطئت أو تعاجلت، هى قدر الله المحتوم على هذه الأمة (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء92) هذا أمره سبحانه، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.

عبر هذه الأزمات المتلاحقة لوطننا العربى، عبر مأساواته المتعددة، عبر تشرذمه وتفرقه وبالتبعية خواره وضعفه  وبالتبعية هوانه وذلته، تولد الصحوة الفكرية من وسط ذاك الشوك لتشق الظلمات بالنور، ولتقطع الشك باليقين، ولتمحو اليأس بالأمل، لتخرج أصوات الفلاسفة من واقعية اليأس إلى إمكانية الأمل، من ظلم الجهل والإحباط إلى نور العزيمة والعلم، لترسم لنا طريق النهضة من جديد، من واقع ظنه القريب والبعيد فناءً لا رجعة فيه للعرب،  وبعد ما أسموه  بثورات الربيع العربى والتى تركت أوطاننا خراباً وبواراً، وأعطت الفرصة على طبق من ذهب للقوى الاستعمارية القديمة لتدخل أرضنا من جديد بحجج قد تبدو مشروعة لدى البعض، يزينها بعض المرتزقة، يصورونهم بالمخلّصين، فهم بمثابة عيسى ابن مريم (ع) الذى جاء ليخلّص البشرية من إثم الخطيئة الأولى، هم طوق النجاة، هم الأمل للمستقبل.

وللأسف الشديد تجد هذه التبريرات من المرتزقة والمأجورين وأصحاب المصالح هنا وهناك صدى لدى العوام فيستغلوا جهلهم بزيف أباطيلهم، ويلعبون على أوتار الجهل والفقر والمرض بمثل ما تلعب القرود على أغصان الأشجار بمتعة وأريحية.

ووسط هذا الظلام الدامس، وبعد ظلمات بعضها فوق بعضها فى أرضنا العربية، يخرج صوت مفكر العرب مصطفى النشار الذى سبق ونادى بثورة ثقافية عربية تسبق وجوداً تلك الثورات السياسية، حيث تكون الثورة الثقافية خير وأبقى، ثورة عقول وفكر وفهم ووعى، لا ثورة فوضى وتخريب وإرهاب واستغلال، يملأ صوته كل ركن سطعت عليه الشمس العربية، مقدماً توصيفاً دقيقاً للمرض، لأسباب الغرق والفناء، ثم مبتكراً لآليات النجاة وأسباب البقاء، ليقول بلسان قوميته وثورية قلمه وجرأة فؤاده :" لن تفنى الأمة العربية، فهى لم تخلق للفناء وإنما للبقاء" .

ثم يقدم تشخيصاً دقيقاً مخلصاً لله وللوطن لأمراضنا العربية ممثلة فى عشرة أسباب قد تودى – لا قدر الله – بحياة العرب وأمجاد حضارتهم العريقة، قد تؤدى إلى فناء وجودهم، حيث غياب الإرادة الجماعية، الضمير الجمعى، الوعى المجتمعى الذى يدرك حقائق الأمور وحجم التحديات ويقدر المشكلات حق قدرها، هذه الإرادة وذاك الوعى المجتمعى يغيبان تماماً عربياً مما أدى إلى التفتت والتشرذم، ثم اتساع رقعة هذا التشرذم  ببأس ذاك التفتت عقب ثورات الربيع العربى حيث اللعب على وتر الطائفية وحيث العصبية البغيضة التى قسمت العرب إلى دول متفرقة بداخل كل دولة طوائف مختلفة، بداخل كل طائفة جماعات منقسمة على نفسها، ليكون المصير المحتوم تخلفاً وفناءً محققاً يغذيه التخلف الاجتماعى الذى يعوق الانطلاق نحو مستقبل أفضل ويزيد تفتت الدول العربية ويقتل تماماً فكرة الدولة الفاعلة.

ولعل أبرز سمات الفناء فى وطننا العربى أيضاً غياب العدالة ومن ثمَّ غياب النظام وانتشار الفوضى، لأن العدالة تعنى الأمن المجتمعى العام للدولة وللأفراد، وغيابها يغنى انهيار منظومة الأمن داخلياً بطريقة أو بأخرى، خاصة أن المواطن العربى ينفعل لهذه المعانى الإنسانية منذ القدم، حيث تمتلئ نفسه قناعة بمقولة الإمام ابن تيمية (رحمه الله) :" إن الله يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة " وتستقر فى وجدانه آيات القرآن الكريم التى تحث على العدل (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)(النساء58) كما تتوق نفسه شوقاً إلى السنة القولية والعملية للنبى الكريم (ص) فى تحقيقه للعدل فى أكثر من مشهد ورفضه (ص) لشفاعة أسامة ابن زيد (رض) فى المرأة المخزومية التى سرقت إقراراً منه (ص) للعدل وحرصاً على تحقيقه.

وفق هذه القناعات كلها لدى المواطن العربى خرجت ثوراته التى انقلبت خريفًا لا ربيع فيه مطالباً بالعدل، فكان شعار الثورة المصرية على سبيل المثال فى يناير 2011م، "عيش، حرية، عدالة اجتماعية "، وحيث غاب العدل عربياً حيث تفقد العروبة جزءً عزيزاً من مكونانها النفسية والوجدانية وبالتبعية جزءً كبيراً من المصداقية لدى المواطنين.

وعلى إثر غياب العدالة يأتى الانهيار متتابعاً فى سلم القيم العربية الأصيلة، فبمقارنة بسيطة بين ما كان عليه الأجداد فى "فجر الضمير" وما أصبح عليه الأحفاد اليوم على أرض الواقع نجد انفصالاً شبكياً بين المثاليات الأخلاقية التى ابتدعها العرب وواقع حياتهم اليوم، انفصال تام بين النظرية والفعل، بين المثالى والتجريبى، الواقعى والطوباوى، هذه المثالية المغلفة فى ناحية، والقصور الفعلى عن واقعيتها من ناحية أخرى تهدم الوجود العربى ذاته، تقيم جداراً عربياً بين حضارات قامت من قبل على أسس أخلاقية استقاها العالم بأسره من أرضنا الطيبة، ومدنيات جوفاء، صماء، لا تعمل اليوم إلا على إشباع الجسد والخلو من كل مضمون.

ثم تستمر المأساة العربية فى أسباب الغرق ومسببات الفناء فى غياب الثقافة العلمية حيث غياب الموضوعية الفكرية بين المثقفين من ناحية، وجهل وعدم وعى يلاحق الأميين خاصة مع ارتفاع نسبة الأمية فى وطننا العربى من ناحية أخرى، ثم عدم تحقيق أدنى مصداقية من ناحية ثالثة حيث غلبة الأقوال على الأفعال، فنحن أمة تجيد الخطابة ولا تجيد الفعل، تجيد الحديث ولا تجيد العمل، والنهضة لا تُصنع بالتمنى ولكنها تؤخذ - بحد تعبير أمير الشعراء – غلاباً.

لعل المأساة الكبرى فى تلك المسببات كلها تعمد السياسيين إهدار طاقات الشباب وعرقلة حركة الأجيال سواء بإقرارهم لقوانين بيروقراطية تغذى روافد التخلف أو بتخاذلهم عن استثمار طاقات الشباب المعطلة وتوجيههم نحو ميادين العمل والانتاج بدلاً من تضييعهم عبر الجماعات الإرهابية والتكفيرية، وهى فكرة موضوعية وواقعية إلى حد كبير تفتقد إلى إرادة سياسية فى كل قطر عربى مخلصة لله وللوطن، لأجل صناعة نهضة عربية على أكتاف الشباب العربى، بأيد عربية لا شرقية ولا غربية، وحيث يكون استغلال الشباب تنمية لمهاراتهم وتنقيباً عن مواهبهم واستغلالاً لقدراتهم اللامحدودة من ناحية، وللقضاء على المشاعر السلبية التى تحيط بهم من ناحية أخرى حيث اللامبالاة والسلبية والانعزالية وتضييع الوقت وتعمد إهداره، وكلها آفات كفيلة بقتل البشرية بأسرها فضلاً عن تضييع وطن.

وكم كان المفكر مصطفى النشار واقعياً ومتصارحاً مع الجميع عندما كتب فى أسباب الفناء إهمال اللغة القومية التى نزل القرآن بلسانها تكريماً لنا (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف2) (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء195) وكفى بهذا الإهمال للغة سبباً لتضييع انتماء وولاء أجيال متعاقبة تنقم على أهلها أنهم ولدوا فى أرض العروبة، فقد كان حلمهم – بوهمهم – أكبر من العروبة مع أن العروبة أكبر من كل شئ، ومن كل أحد.

آفة أخرى أعظم من كل الآفات السابقة، ولعل المفكر مصطفى النشار عمد إلى تأخيرها ليلفت الأنظار إلى واقعية أهميتها، وإلى أن كل الأسباب المتقدمة ما هى إلا نتيجة لهذا السبب، إنه تدنى مكانة المفكرين والعلماء العرب، وللأسف كان تدنياً مقصوداً حيث لم يعدم الوطن العربى المفكرين والفلاسفة على مدار التاريخ، ولكن ثمة انفصال بين الفكر والسياسة بسبب وجود ديكتاتوريات عربية لم تسمح بترك مساحة للتفكير، ولم تسمح بصوت للعقل يعلو فوق صوت القوة والبطش، هذا فى أسوأ الأحايين، وفى أحسنها عدم الإنصات للعلماء والمفكرين وعدم الاكتراث بإنتاجهم الفكرى والعلمى، بل وعدم الإهتمام بأشخاصهم انطلاقاً من مبدأ (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (الكافرون6)

تلك هى الأسباب العشرة لغرق الأمة العربية عند مصطفى النشار،ليبقى التساؤل قائمًا.... تُرى كيف يكون الخلاص ؟! كيف يتم الانتقال من الفناء إلى البقاء ؟

 خمس آليات رئيسية تحقق هذا البقاء، والذى يبدأ أولى خطواته من بناء نظام تربوى وتعليمى جديد يخاطب العقل وينمى ملكات الذكاء والقيم الاجتماعية والإنسانية القويمة، تجديداً للبنية ومشتملاتها وبالتبعية تجديداً للمنتج الذى يقدمه التعليم ممثلاً فى خريج قادر على مواجهة التحديات، قادر على فهم واقعه وبناء مستقبله وتحديد غاياته والتفكير بعقلانية وإتزان، وهذا لن يكون إلا بتطوير البحث العلمى أيضاً للاستفادة من نتائج الأبحاث عملياً ولفتح آفاق بحثية جديدة ولبناء فرص واعدة للمستقبل عبر بوابة البحث العلمى، ومن ثمّ يتحول المجتمع إلى عصر اقتصاد المعرفة والذى يشمل البحث عن المعرفة، استرجاعها والتواصل مع من يمتلكون ناصيتها من أهل العلم والخبرة، واستيعاب المنظومة المعرفية الحديثة، حيث أصبح العلم مقياساً لتقدم أو تخلف الأمم، ولعل هذه النقطة بالتحديد مما أثارت انتباه القيادة السياسية فى مصر بدعوة منها إلى بناء عالم المعرفة وتنميته عبر المكتبة المعرفية الإليكترونية الكبرى، لبدء تصحيح المسار ووضعاً لقدم ثابتة على طريق النهضة.

هذه الآليات تقتضى ضرورة تجديد الخطاب الدينى وبعثه من رقدته، بعثه من عذاب القبر واللحية وقص الشارب وإسبال الإزار إلى قيم التقدم من عمل واحترام الوقت وإعمال للعقل ويقظة للضمير واحترام للآخرين فى المعاملات والسلوكيات وإذكاء للقيم الأخلاقية  الإسلامية الرفيعة من مراقبة وورع وخشية لله بالغيب وصدق وإخلاص ويقين، أى بعثاً من العرض إلى الجوهر، من الشكل إلى المضمون، وتلك قضية لابد من معالجتها جذرياً إذا أراد وطننا الحياة، لتتمكن بعد ذلك، بعد تنقية الخطاب الدينى من شوائبه وتصفيته مما يكدره ورفعه فوق النزاعات الطائفية والعنصرية والعصيبة، من إقامة وحدة عربية تقوم على الأخوة المشتركة فى الإنسانية والقومية والدين واللغة، بحكم الجغرافيا والتاريخ، بحكم الواقع، وبحكم الماضى والمستقبل، ليكن اسم تلك الوحدة ما يكون، المهم جوهرها وليس شكلها .... مضمونها وليس إطارها الخارجى .... مصداقيتها وليس شعاراتها .... فبتلك الوحدة فقط تكمن نجاة هذا الوطن، وبها يكون بقاؤه بقاءً سرمدياً إلى أن يشاء الله.

هذه الرؤية التى يقدمها مصطفى النشار فى كتابه القيم " الأورجانون العربى للمستقبل" والذى صدر عن الدار المصرية اللبنانية فى نهاية 2014م رؤية ذات واقعية ومصداقية فى التشخيص والتوصيف وذات قوة وصدق وجرأة فى المعالجة، وأظنها قفزت فوق سطح المستقبل استقراءً لأحداثه واستنباطاً لشكله المحتمل، وتالياً قفزت فوق رؤى كثيرة قدمها فلاسفة عرب محدثون ومعاصرون آخرون، القاسم المشترك بين تلك الرؤى جميعاً هو حب هذا الوطن والإخلاص له، لكن يبقى لمشروع مصطفى النشار النهضوى العربى فضل الواقعية والتجرد والجرأة فى طرح القضايا ومناقشتها، ليضع ذاك المشروع بين أيدى قادة العرب، لينتهى دور الفلاسفة من حيث يبدأ دور الساسة، متى البداية، العلم عند الله وحده، (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) (النمل65) لكن يبقى اليقين كله، متى توافرت الإرادة والصدق متى توافرت النهضة، ويسألونك متى هى، قل عسى أن يكون قريباً، تأتى من حيث لا تشعرون.

 

د. محمد ممدوح على

 

صادق السامرائيالواقع العربي تطغى عليه الكتابات المأسورة بالدين، والتي تتناول موضوعاته وتكررها، وكأننا لا نزال في حالة تجمد وركود كالمومياءات المحنطة منذ أكثر من ألف قرن في أقبية الأجداث المظلمة.

ولا تكاد تخلو حقبة زمنية في مسيرة الأمة من إعادة تدوير ناعور السلفية والأصولية والطائفية والمذهبية، وغيرها من التفرعات التي أوجدتها تفاعلات العقول المريضة مع النص الديني.

وكأن المسلمين لوحدهم عندهم هذه النزعات، بينما هي موجودة في كافة الأديان ومنذ أن إنطلق البشر بالوعي الديني بمستوياته وآلياته التصورية المتنوعة.

والديانات الثلاثة الرئيسية تتشابه في موضوعات السلفية والطائفية والمذهبية والفرق والجماعات، وما يتمخض عنها من سلوكيات متطرفة ومتوحشة بإسم الدين.

فالمشكلة ليست بالدين وإنما بالمفكرين والعلماء الذين توحلوا بالدين، وأنكروا الحياة وما إقتربوا منها بعقل علمي مبين.

فالمفكرون العرب والعلماء ومنذ قرون وقرون لم يتفاعلوا مع الواقع بأساليب علمية وتنموية للثقافة والمعرفة، وإنما تقوقعوا في كينونات تحوم حول الكراسي، وإعتبروا العلوم من حق الخواص أو النخبة كما نسميهم اليوم، وأنكروا على العوام أي عامة الناس العلم والمعرفة، وحشروا أنفسهم في المواضيع الدينية، فلا تجد عالما وفيلسوفا ومفكرا إلا وتناول الدين، وراح يدلي بدلوه في مواضيع تفسير وتأويل الآيات القرآنية،  والتركيز على ما يخدم الكرسي ويؤمّن منافعه الذاتية، فينال من ذلك المكارم والمقامات الرفيعة لأنه قد صار قريبا من الكرسي العتيد.

وبسبب ذلك أسهموا بتجهيل الأجيال وحرمانها من العلم والمعرفة، وإنسحب ذلك عليهم فأصابهم الويل والعذاب، لأنهم بلا قاعدة شعبية ولا تابعين من عامة الناس، الذين أصبح من موجبات التسلط عليهم القبض على مصيرهم بالدين، فكان للمتاجرين بالدين دورهم في تأمين التأييد الجماهيري للكرسي الذي يستخدمهم إلى حين.

وترانا اليوم نكرر ذات السلوك الخطيئة الذي مارسه المفكرون والفلاسفة على مر العصور، وتجدنا نكتب عن السلفية والفرق الدينية ونحاول أن نبرر ونفسر أن الذي أصاب الأمة ويصيبها بسبب الدين، وكأن المجتمعات لا يشغلها في الدنيا إلا الدين، ففيه الحياة والممات.

إن الإقتراب النافع عليه أن يبتعد عن هذه الهذيانات التي لا تفيد بل تضر، لأنها تدفع إلى مواقف دفاعية وتعزز التمسك بما هو خائب وبائد، فعلينا أن نركز على المنطلقات العلمية المعاصرة اللازمة لبناء الحياة وصناعة المستقبل، ونهمل الكلام في الموضوعات الدينية والتنظير والتحليل الغاشم، الذي في جوهره يساند ما يتصدى له ويمنحه آليات بقائية وتنموية وتوظيفية تؤهله لتجنيد المزيد إلى جانبه، فالإهمال هو الإقتراب الأنجع، والتركيز على إكتساب مهارات صناعة الحياة وتطويرها وتنمية قدرات الأجيال وإطلاقها لكي تساهم في مسيرة العصر المنيرة، هو الأكثر نفعا وقدرة على بناء الواقع الإنساني السعيد.

وعليه فأن المطلوب من المفكرين والمثقفين العمل على تغيير وجهة الخطاب التنويري نحو الإيجابية، ومهارات صناعة الأمل وتزويده بوقود التفاؤل والإنطلاق إلى قادم سعيد، وبهذا سيتمكنون من إنشاء تيار معرفي يزداد قوة مع الأيام.

ولا يمكن إنقاذ الأمة من مستنقعات التضليل وآفات البهتان وسلوكيات الإنكسار والخسران، إلا بالوصول إلى تيار تنويري يجري في ربوع الأجيال كالنهر الدفاق المولد للحياة الإنسانية الحرة الكريمة، التي تحترم العقل وما فيه من رؤى وتصورات ومعتقدات، وتحسبها زينة الدنيا وعدتها للنماء والرقاء الحضاري الخلاق.

فهل يمكننا أن نصنع تيار نور تستنير به الأجيال، وتبتعد عن أجيج النيران والإمتهان؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

محمد العباسيمنذ إنطلاقة حركات الربيع العربي الذي لا يمت للربيع بشيء لا من قريب ولا من بعيد.. وهنالك حالات من من البؤس والخراب تطل علينا عبر الشاشات والأخبار.. بدءاً من الوضع في ليبيا واليمن وسوريا.. وأضم معها الوضع في العراق على يد الدواعش من ناحية والمجازر الطائفية التي لا يتوانى عنها الحشود الشعبية ضد أهل العراق من السنة من ناحية أخرى.  فمنذ 2011 وقنواتي التلفزيونية "متسمرة" على المحطات الإخبارية.. وكل يوم أطمع في سماع أخبار عن إيجاد الحلول وإنتهاء الصراعات وتوقف المجازر.. لكنها ذات الأخبار وذات العذابات تتكرر كل يوم!

مشاهد القتل والدمار هي جل المشاهد.. جثث الأطفال تحت الركام.. بيوت تتساقط على العوائل.. براميل متفجرة وأحياناً حتى الألغام البحرية الصدأة تنهمر على رؤوس البشر من السماء.. صواريخ ارض-أرض وقذائف وقنابل عنقودية وفراغية وطائرات حربية تقصف بلا هوادة.. صور شتى لكافة فنون القتل وكأنما البشر مجرد حشرات زاحفة على الأرض لا حقوق لها في الحياة.. ومن بين كل المواقع والحروب الدائرة أقف مذهولاً مما يحدث في سوريا بالذات.. فالجيش "العربي" السورى (أو لنقل ما تبقى منه) يقصف أهل سوريا دون وازع من ضمير.. والقصف يطال كل شيء وأي شيء على الأرض، ولا يفرق بين البيوت والمستشفيات والمزارع والأسواق طالما يقطنها بشر ويتحرك في طرقاتها الأطفال والنساء والشيوخ.. بل وحتى الحيوانات!

في كل قرية ومدينة يتم قصفها وأريافها نجد مجموعات من المتطوعين يحفرون بأيديهم العارية بين الصخور والطوب بحثاً عن الضحايا، الأحياء منهم والأموات.. إنهم رجال الدفاع المدني الشعبي السوري.. فبعد كل عملية قصف على الدور والمستشفيات يتراكض هؤلاء الأبطال بلا هوادة للتنقيب عن الضحايا بين الركام والغبار والأتربة، لعلهم يجدون من يتنفس بين الحجارة والأسياخ وكتل الإسمنت التى تطمر عوائل بأكملها.. لعلهم بين العشرات ممن قضوا يجدون قلباً لا يزال ينبض بين الركام.. ومعها تتعالى نداءات "الله أكبر".. فيستخرجون من بين الحطام أطفالاً تهشمت أضلاعهم الغضة ونساء تقطعت أوصالهن وشيوخ تلاشت ملامحهم.. وأحياناً لا يجدون سوى أوصال وبقايا جثث وأحشاء دامية ملطخة بالتراب والأوحال.. مناظر تقشعر لها الأبدان.. ولن يتحمل مشاهدتها أقوانا عزيمة وأشدنا بأساً.

هؤلاء هم بحق الشجعان ممن وهبوا حياتهم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بين براثن الموت وجنون المعارك.. هؤلاء هم بحق الملائكة.. ففرق الدفاع المدني التي تعمل في المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة في سوريا تعمل بمنهجيةٍ مختلفة عن الفرق الأخرى (النظامية) وتقاليدها في دول الجوار والعالم، والتي يعمل أغلبها في ظروفٍ طبيعيةٍ ويستجيب للكوارث فور وقوعها..  ففي سوريا ومنذ الأيام الأولى من ثورتها الشعبية ضد النظام فإن حالة فقدان الأمن هي الصفة الملازمة للعمل هناك، فكثيراً ما تسقط قذائف النظام وبراميله أثناء قيام رجال الدفاع المدني بانتشال جثث الضحايا الأبرياء، ليسقطوا هم أيضاً قتلى فوق جثث من يحاولون أن ينقذونهم.. فهؤلاء المتطوعين هم رجال وشباب تخلوا عن وظائفهم وجامعاتهم وانخرطوا في هذا المجال القاسي لعلهم يقدمون قليلٌ من العطاء لوطنهم، دون أية أطماع في مكاسب مادية أو شخصية، ولا تغطيهم تأمينات صحية ولا حتى يتقاضون الرواتب في أغلب الحالات.. جل همهم أن يكون لهم دور في الحياة بين براثن الموت المحيطة بهم.

رجال الدفاع المدني الشعبي في سوريا هم الجنود الحقيقيون على الأرض.. فهم يعملون في أخطر مكان في العالم..  فإلى اليوم تعتبر البراميل أعظم قاتل للمدنيين في سوريا.. عادة تكون عبارة عن براميل قديمة وصدئة محشوة بالمتفجرات، المسامير، الزجاج، شظايا القنابل وفي بعض الأحيان حتى رؤوس الفؤوس أو المواد الكيماوية مثل غاز الكلور وغيرها من السموم.. وتأتي البراميل بأشكال متعددة، باستطاعة أكبرها والذي قد يزن 500 كغ أن يدمر منطقة يبلغ حجمها مساحة عشرة أبنية.. وعادة يتم إسقاط هذه البراميل من هيلوكوبترات من علو أربعة أميال دون تركيز أو هدف محدد، لتصيب بشكل عشوائي المدن والقرى دون أدنى مبالاة لمن تسقط على رؤوسهم.. بل يقول السيد "دندر ساهين" مدير معهد أكوت للتدريب والأبحاث : "حتى تستطيع فهم الضرر والتهديد والدمار الذي تخلفه الكارثة بدقة في سوريا.. إنهم يعانون ما يعادل زلزال بقوة 7.6 يحدث خمسين مرة في اليوم".

تخيلوا معي أيها الأعزاء تحت أية ظروف يعمل هؤلاء.. فوالله كل واحد فيهم يستحق عن جدارة جائزة "نوبل" للسلام.. فهؤلاء الأبطال هم أحوج الناس للدعم والسند والتدريب والإعداد والتشجيع.. بل هم بحاجة ماسة لجلسات علاج نفسي تعينهم على تحمل ما لا طاقة للبشر العاديين منا التعامل معه كل يوم من أهوال ومناظر مرعبة.. هؤلاء هم بحق الجنود المنسيون الذين يضحون بالغالي والنفيس من أجل الآخرين.. فمع بداية حملة البراميل المتفجّرة في نهاية 2013 وهم يعيشون الموت في كل لحظة.. حيث يبدأ القصف منذ الساعات الأولى في الصباح وقد يستمر حتى ساعاتٍ متأخرة من الليل.. ومعها يعايشون وجوه أهالي المدينة الضحية حيث تمتزج فيها جميع ألوان الطيف من الخوف والهلع والأسى والترقب لمزيد من الدمار.. وهم مستمرون ولا يتوانون عن العمل بكل إخلاص، وإن كانت عمليات القصف قد خفّت في السنة الأخيرة لكنها لم تنتهي بعد.. وعزائهم في كل ذلك أن يجدوا بين الأنقاض بعض الأحياء.. أو أشباه الأحياء.. أو أمواتاً يتسنى لذويهم الصلاة عليهم وإكرامهم بسرعة دفنهم ببعض الوقار.. قبل أن تنهمر عليهم المزيد من صنوف أسلحة الدمار!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

حسن حاتم المذكور1- كانت لنا ثورة، وزعيم، نزيه كفوء مثقف وشجاع، بيته مكتب في وزارة الدفاع، وسرير يفترشه ليلاً على ارضية المكتب، ومطبخه (سفرطاس) تبعثه اخته، كان في ظلام النظام الملكي الطائفي، يغزل في خلوته ثورة لتحرير فقراء العراق من كوارث العوز والجهل والأذلال والأوبئة، فأيقض صمت البركان العراقي، ثورة تموزية، اعادت بناء دولة كاملة السيادة، وحكومة تبني ولا تصرح، والعراقيون مشغولون بأكمال حلمهم، بعد اربعة اعوام فقط، استعاد العراق حقيقته، انجازات وطنية، على اصعدة الحريات والأزدهار والممارسات الديمقراطية.

2 - تجمعت حثالات الداخل، في هجين ولا اوسخ منه، وفي قطار امريكي معبأ بقوى الشر والعمالة والخيانات الوطنية، قوميين عرب وبعثيين ومثلهم عشائر كردية، واحزاب ومراجع شيعية سنية، انفجر قطار الردة عن مجزرة شباطية سوداء، مدعومة بوحشية امريكية، واطماع انظمة جوار منحطة، وصفقات مشبوهة بين الغرب الأمريكي وشيعوعية الأتحاد السوفيتي انذاك، ادواتها سيافين بعثيين وقوميين عرب، وافتاء اسلامي مشبع بالغدر، واكراد متوحشين لصيد الغنائم، وخذلان حزب شيوعي بلا شيوعية، عملية اغتيال وطن، وتصفية زعيم وطني لا يتكرر، وحكومة وطنية لا تتكرر، وثورة وطنية ستتكرر.

3 - استشهد الزعيم الخالد، حاول الأراذل ان يجدوا ثغرة في شخصيته الوطنية، فوجدوا في جيب نزاهته دينار وربع الدينار، ومديونية تقدر بثلاثة دنانير، وحياة واحدة اهداها لشعبه ووطنه، ولو كان يملك اغلى منها، لأهداها لفقراء العراق، شهود عيان نقلوا عنه، عندما وجد نفسه وحيداً مع قلة اصدقاء منهكين، قال لهم اذهبوا لعوائلكم، وخرج يواجه موته، حليقاً وسيماً مبتسماً بأعلى درجات السمو والشجاعة، وهو في سيارة المتأمرين، وعلى الجسر ودع دجلة على موعد يعود عبر ارادة الأجيال، وليس صدفة ان يكون قبره في ما دجلة الخير.

4 - مفارقة طريفة: عندما هاجمت قوات البعث، ضريح الأمام الحسين في كربلاء، وافرغوا رصاص غدرهم في قبته، لم يدافع عنه مرجع او رئيس حزب شيعي واحد، ولم تسقط حتى ولو عمامة او ماسة عن خاتم ثمين، جميعهم هربوا واخفوا رؤوسهم تحت رمال التقية، ولو كان الأمر يتعلق في دسم الفساد، لرقصت وتمددت اللحا، لتشرب نصيبها من برك الفرهود، فأين الثرى من الثريا، وتلك الكيانات من زعيم كان للعراق.

 

حسن حاتم المذكور

 

عماد عليالوضع الاجتماعي الاقتصادي في كوردستان بشكل يمكن ان يدع اي متتبع يرى فيه ساحة واسعة تتعرض للعديد من ما يمكن ان يُسمى بالمؤآمرات السياسية الكبيرة من اي كان، وهو في حال وموقع ثقافي سياسي اقتصادي اجتماعي من درجة ضعف يمكن استغلالها بسهولة عند من له المصلحة في التاثير على وضعها وضمان ما يهمه في مستقبلها، وما هو الواضح جدا هو التدخلات المختلفة الاخرى وهي الاقتصادية الاجتماعية قبل السياسية لدى الكثيرين منةحولنا وفي الشرق الاوسط بكشل عام واستخدام قوى داخلية تابعة بشكل مباشر او غير مباشر لتنفيذ اجندات عديدة من قبل هؤلاء المتطلعين لتغيير كوردستان باتجاه ما يهمهم ويضمن لهم بقائها على ضعفها لنيل اخهدافهم.

اضعف واسهل فجوة لاستغلالها في تنفيذ الخطط من قبل المتدخلين هو الاسلام السياسي المرتبط تنظيما وسياسة وفكرا وفلسفة بالقوى الخارجية والافكار العامة الواردة منها من قبلهم مرتبطة باهداف ونيات خبيثة باسماء وعناوين براقة مختلفة.

من له دراية ومعلومات بسيطة عن تاريخ كوردستان الاجتماعي يعلم بانها كانت في ابسط حالاتها وان المجتمع فيها عاشوا بابسط حالاتهم ولكنهم كانوا محبي الحياة ومناضلين ومضحين من اجل تحسين وضعهم ومعيشتهم واستغلوا كل السبل لقضاء حياتهم بالرفاهية والسرور ببساطة جدا.

اما اليوم وبعد التغييرات الكبيرة في سلوك الناس واسلوب معيشتهم وبروز الوسائل الكبيرة للتلاقي والتواصل عدا تلك التظيمات الخانعة التابعة، حدثت تغييرات كبيرة في طبيعة حياة الشعب الكوردستاني وتفصيلاتها بشكل يُلاحظ مدى تاثير المتدخلين بشكل كبير وواضح على الفرد قبل العائلة والمجتمع. ان من يؤدي الدور السلبي في الواقع الاجتماعي هو الاسلام السياسي التابع لافكار وفلسفات واهداف قوى غير اصيلة ليست من الواقع الكوردستاني ولا يمكن ان تكون نابعة من الرحم الاصيل لهذا المجتمع، واستوردت من خلال تنفيذ هذه الاجتندات والسياسات ونشرت كمجموعة من العادات والتقاليد المظهرية وليس لها علاقة بالموجودات الجوهرية التي لا تهم المصدرين، وهي اصلا لا تتوافق مع جوهر المجتمع الكوردستاني واصالته.

لو دققنا كثيرا وبشكل علمي عند تقييم الواقع الاجتماعي ومقارنة التغييرات التي حدثت بشكل يمكن ان تُعتبر حدث مفاجيء على ما يتسمه هذا الشعب الاصيل، فاننا نلاحظ تغيير نظرة المجتمع للحياة بتدرج دون ان يلمس بنفسه هذا وهو يتعايش في الواقع المتغير، فانه كان محبا للحياة ويعيش بكل ما يملك محاولا بكل ما يتمكن ان يكون بسيطا ومستغلا فترة حياته ليكون مسالما وامينا لما يؤمن. اما التغيير الذي حدث فانه تاثر بما ورد واصبح لا يبالي بالاصالة وما كان عليه اجداده من الخصال والسمات والصفات الحياتية البسيطة المؤمنة بما يعيش فيه، بل تاثروا بهذه الافكار السوداء وما اكثرهم تركوا الحياة بكل ما فيها ويعيشون لما فُرضت عليهم من الفلسفة البائسة والالتزام بالغيب والخيال بعيدا عن حياتهم اليومية، اي اصبحوا فقط اجسادا وماتوا فكرا وعقلا وغابوا عن المجتمع ولم يحسوا بالحياة وما فيها. فان المؤثر الاول والاخير بعد الظروف الاقتصادية والاجتماعية البائسة والازمات الكبيرة هو الاسلام السياسي الموجه للناس ويامر على من يتمكن بان يعيشوا للاخرة ويتركوا الحياة على عكس اجدادهم بينما المستفيدين يعيشون في ترف وابهة حياتية على عكس ما يدعون. وهم مسؤولون عن تغييب العقل الكوردستاني الاصيل والخصال التي تمتع بها هذا المجتمع، واحلوا بدل منها المستورد من الخرافة والغيبيات لدى الاطفال والشباب قبل البالغين الكبار. ومن المؤسف ان يواكب ثقافة الموت مع العنف والقتل والتشديد على التعصب الفكري الديني غير المالوف وغير المسبوق في كوردستان. والمشكلة الحقيقية هي انهم يدعون امتلاك الحقيقة وينفون اي فكر او فلسفة اخرى مخالفة ويقدسون ما يؤمنون وبادعاءات خيالية مستغلين الوضع الفكري الاقتصادي السياسي الضعيف في كوردستان، اضافة الى تدني الثقافة العامة لدى الشعب، ومهددين من يخالف ما يؤمنون بالموت والنحر والحرمان من الحوريات والملذات المحرمة الموجودة في حياة اليوم وهي مجانية ومحللة في الجنة الموعودة لمن يتغير ويؤمن بثقافة الموت ويترك الحياة.

المشكلة الاكبر في هذه القضية الناسآوية التي يعاني منها المجتمع الكوردستاني هو الادعاءات الكاذبة الكثيرة التي يدقونها ويفرضونها في عقل الفرد، واسهل الطرق هو استغلال النصوص التي يفرضونها ويدعون تقديسها بما يشاؤون ويفسرون ويدعون عدم الامكان بقبول غيرها وياتون بها من الكتب المقدسة ويؤولونها وفق مزاجهم ومصالهم واهدافهم، واول المهام هو الضغوطات على من يتبع على تركهم للحياة وايمانهم المطلق بالاخرة والغيب والموت، وبه ينشرون ثقافة الموت وترك الحياة بين الشباب وبه يموّتون الحياة لدى المجتمع، ويرسخون لدى المقتنعين القناعة بان الموت على تلك العقائد التي يفرضونها بالترغيب او الترهيب بانه افضل من هذه الحياة التي يعتبرونها فانية وان الموت الجميل للمؤمن بما يؤمنون سيؤدي الى حياة رفاهية سعيدة دائمة في الاخرة. انها حقا اكبر المشاكل والقضيا والتي تؤدي الى الموت الجماعي من خلال التاثير والتخدير للعقل وتحويل الانسان الى الة بعيدا عن التغيير مؤمنا بفكر وفلسفة واحدة وهي انتنظار موته، هذا ان لم يؤمروا هؤلاء المؤمنين والمقتنعين بتلك الافكار على الانتحار من خلال عمليات عسكرية سياسية ارهابية من اجل اهداف حياتية لمثل هذه الجماعات الضالة الخارجة من قانون الحياة.

اما المسؤول عن هذه الظاهرة الغريبة ونشر ثقافة الموت ليس الاسلام السياسي فقط وانما الحكومة الكوردستانية والفساد المتفشي من قبلها والاحزاب معها، اضافة الى التدخلات الخارجية عن طريق الاسلام السياسي وحتى الاحزاب والتنظيمات المسماة بالعلمانية لاهداف سياسية خارجية لا تمت بصلة بمصلحة الشعب الكوردستاني، مع الوضع الاقتصادي المزري الذي يفرض على الفقير التوجه نحو الغيب والخيال لانقاذ نفسه من الحال التي يعيش فيها وافضل الطرق هو التخيل المنعش للروح بتوفير المال والجنس والماكل والمشرب المجاني في حياة لا نهاية لها وبابسط الطرق والوسائل هو ترك هذه الحياة والرحيل الى الاخرة عقلا وفكرا ومعيشة.

 

عماد علي

 

قالوا في التعليم، إن" مهمة المعلم أن يزرع الصحراء، لا أن يقتلع الحشائش الضارة من الحقول "وقالوا أيضا" إذا كنت تعتقد أن التعليم باهظ الثمن، فلتجرب الجهل"، ففي لوكسمبورغ يصل متوسط راتب المعلم إلى 73 ألف دولار سنويا، وبنسب أقل في كوريا الجنوبية (34 ألف دولار)، والمانيا (46 الف دولار) وهي أعلى من مرتبات اﻷطباء والمهندسين بحسب منظمة التعاون الاقتصادي الدولية، فيما يتقاضى المعلم العربي بإستثناء دول الخليج ادنى الرواتب بوجود أزمات السكن والمواصلات والصحة والكهرباء والنتيجة هي مصانع لتفريخ العلماء والمخترعين والمكتشفين وبمختلف التخصصات في الدول اﻷعلى أجرا للمعلمين، مقابل مصانع لتفريخ الجهلة في الدول التي تتعامل مع شريحة المعلمين على أنهم اﻷدنى مرتبة واﻷقل مرتبا !

قبل بضعة أعوام جاءتني اﻷولى على دفعتها بعلوم القرآن الكريم في إحدى الكليات راجية كتابة كلمة تهنئة لها بالمناسبة وأثناء تجاذب أطراف الحديث معها واذا بها ﻻتفرق بين الإدغام والإقلاب، وﻻ بين الترقيق والتفخيم في أحكام التجويد والتلاوة مع إنها تعد الف باء علوم القرآن يعرفها أصغر طويلب علم في الكتاتيب يومها سألت نفسي " ترى كيف ستُدرس هذه الطالبة اﻷولى مادتها وماذا ستضيف لطلبتها اذا ما أصبحت معيدة في كليتها أو مدرسة لمادة التربية الاسلامية في المرحلتين المتوسطة أو الاعدادية بذات الإختصاص؟ ماذا لو أنها سئلت من قبل طالباتها عن أحكام الناسخ والمنسوخ، المحكم والمتشابه، المكي والمدني، أسباب النزول، معاني الكلمات وتفسير اﻵيات، الفرق بين التفسير الموضوعي والتفسير بالمأثور، إعراب القرآن؟ ماذا لو سئلت في القراءات السبع أو العشر، المجمل والمفصل، المطلق والمقيد، عن قصص القرأن وأمثال القرآن وأحكام القرآن وإسقاطها على واقعنا المعاصر مدلهم الخطوب؟ ﻻحظ أنا هنا أتحدث عن اﻷولى على دفعتها وليس عن ناجحة من الدور الثالث بالواسطة أو عن راسب للسنة الثالثة بنفس المرحلة وﻻ عن ناجح بالغش الورقي أو الالكتروني!

ما ذكرته يفسر لنا جانبا من المأساة التعليمية والتربوية في العراق ولماذا بلغت نسبة رسوب الثالث المتوسط لهذا العام 2019 أكثر من 60 %، فيما إكتفى بعض التربويين بالتبجح بأن النسبة وبرغم تدنيها هي أعلى من العام الماضي مقارنين بذلك بين العام الدراسي الفاشل باﻷفشل، بينما شرع عدد من النواب كعادتهم للتخلص من المأزق أو لغرض التشهير و التسقيط أو الضغط السياسي فضلا عن عشقهم للظهور الإعلامي بتقديم طلب لإستضافة وزير التربية وكالة ولما يتسنم الرجل منصبه هذا قبل 3 أشهر لا أكثر فأنّا لهم أن يحملونه المسؤولية أو يستوضحون منه عن اﻷسباب والتداعيات والقضية برمتها بحاجة الى مراجعة شاملة لسجل التربية والتعليم كله منذ عام 2003 والى كتابة السطور، فبعد ان تصدر العراق ولعقود قائمة اﻷفضل في مجال التربية والتعليم بنسبة أمية أبجدية بلغت صفر % بعد مكافحتها كليا أصبح اليوم يعاني من وجود 7 ملايين أمي ناهيك عن أنصاف اﻷميين وأرباع المتعلمين وأخماس المثقفين ؟!

ومن اﻷمثلة ايضا أن زميلا لي له باع في اللغة العربية سأل مدرسا في المرحلة المتوسطة عن أحكام المبني للمعلوم والمبني للمجهول فلم ينبس ببنت شفة ﻷن الكثير منهم إنما يراهن على مادة اﻷدب والانشاء - الدرخي - للنجاح بمادة اللغة العربية أما النحو والصرف فهذا - حقل الغام - بالنسبة للطلاب ومعلميهم على سواء لايقترب منه وﻻيخوض غماره الا النز اليسير منهم، عن المدارس الطينية والكرفانية والمدارس ذات الدوام الرباعي والثلاثي، المقاعد الدراسية الخشبية أم المسامير،دورات المياه التي لاتصلح حظيرة للخنازير، السبورات أم الطباشير المطلية بالبنتلايت اﻷسود أو الاخضر لتجديدها سنويا، وعن المساحة الاسفنج - مزدوجة الاستعمال - تارة لتنظيف اﻷواني والأقداح بعد الدوام، ولمسح السبورة خلاله، لن أتحدث ولايفوتني تكرار قضية - سطلة المسح - التي تتحول الى أداة لسقي المياه اثناء الامتحانات ثوابا - يعني هيج ثواب مليان جراثيم هم ماينراد - ناهيك عن غياب وسائل الترفيه في ساحات المدارس وأجهزة التكييف داخل الصفوف والفاعات - بطرك البنكة الهندية - علاوة على تكاليف المواصلات،ضيق ذات اليد الذي أجبر اﻻف التلاميذ على التسرب المدرسي لغرض العمل مبكرا ومساعدة ذويهم على أعباء الحياة بما يعرف بعمالة الاطفال،بعد المسافات،الاختنقات المرورية، اﻷوحال والمياه الاسنة وغرق الشوارع المؤدية الى مدارسهم شتاء، المشاكل اﻷسرية، انقطاع الكهرباء الدائم، الانشغال بالهواتف النقالة وألعابها " طالب بطول القزمة يحمل آيفون 6 !!".

والطامة الكبرى تكمن بهدم المدارس على يد مقاولين بنية إعادة بنائها ومن ثم " افتكرني، في لحظة حلوة، عشنا فيها الهوى "، و تغيير المناهج المستمر وغير المدروس من أجل ..أجل ماذا؟ طباعتها بملايين الدولارات دوريا بمطابع متفق على مناقصاتها سلفا بين البائع والمشتري، بروز ظاهرة الإعتداء على الكوادر التدريسية من قبل ذوي التلاميذ والتجاوز على إدارات المدارس، الظروف اﻷمنية المتدهورة في بعض المناطق، وكذلك قضية الطلبة النازحين داخل خيام النزوح، بروز ظاهرة المدرس الخصوصي واللجوء اليه لتحقيق النجاح على حساب الدوام والانتظام فيه من قبل المدرس الخصوصي والطلبة على حد سواء، كلها أسباب تراكمية أثرت سلبا على واقع التربية والتعليم بما لاينبغي إغفال أي منها وبأي حال من اﻷحوال، ﻷن النتيجة الكارثية هي اللجوء الى آخر العلاج المتمثل بالدور الثالث لترقيع نسب النجاح ضمن الإحصاء النهائي ليقال أن العراق حقق نسب نجاح كذا وكذا كما في كل عام دراسي نصفه حر وعطل واحتفالات وطنية ودينية، ونصفه اﻵخر " برد ورياح ومطر .. يتك تك على الشباك؟ هذا في حال وجود شباك سليم أصلا في المدرسة لم يتعرض لحجارة أبناء المحلة أو طابوق الطلبة الكسالى إحتجاجا على معدلات الرسوب !

 

أحمد الحاج

 

وداد فرحانشعر المرأة هو تاج مملكة جمالها وزينة انوثتها، وله مدلولاته في شخصيتها، تتباهى به في لحظات حياتها، ولا تفرط ببهائه إلا في الأحزان، عندما كانت العادة أن تجز المرأة ضفيرتها لفقدان عزيز.

واهتم الأدب العربي بشعره ونثره بالتغزل بجمال شعر المرأة، فقد احب العرب المرأة التي تمتاز بطول شعرها، الذي يشكل عنصرا مهما من عناصر جمالها، يقول إمرئ القيس:

غذائرها مستشذرات إلى العلى

 تضلّ العقاص في مثنى ومرسل

وأهمية الشعر عند المرأة وقيمته، لا يعرفها أحد أكثر منها، حتى أنها تتفحص انسداله وطوله على كتفيها كل يوم كأنه طفلها الذي تراقب نشأنه بين يديها. فهل تتخلى المرأة عن شعرها بسهولة؟

ربما يشاركني الكثير بالنفي، وهذه الحقيقة المتفق عليها بين نساء الأرض، إلا أنها تجاوزت الحقيقة عندما قررت خلع تاجها لتمنحه للأطفال المصابين بمرض السرطان.

إنها المرأة التي قاومت سر انوثتها من أجل بعد إنساني لا يفهمه البعض.

تقول ميرنا الشاعرة والانسانة "لأنه عزيز وغالٍ، رافقني كل عمري" تبرعت به.

هكذا شاركت الأطفال يوما بعث فيهم البهجة والأمل بالشفاء وهم يرون ميرنا بلا شعر تأسيا لفقدانهم له.

فكيف لهذا القرار أن يولد لولا التجرد المنفرد من ماديات الحياة وجمالها، لنوهب جمال الروح لهؤلاء المرضى، وهي تمشي الهوينا معهم كأنها  بضعة أمل بالشفاء، وما يدريكّ لعلها غيرت في كيميائية الأطفال نحو الشفاء.

لقد هوّنت الغربة عليهم وبفخر قالت:

”قصصته لأمشي مع المرضى جنبا إلى جنب ولنشعر معا أننا نحمل تيجانا على رؤوسنا".

تخلت ميرنا عن تاج رأسها لتزينه بتاج الإنسانية الذي لا يصدأ ولا يزول.

 

وداد فرحان - سيدني

 

عباس علي مرادليست رسالتي أن أتيكم بشيء غير حقيقي. رسالتي هي أنتم. وإيمانكم وعملكم يثبتان إن إيماني بكم كان في محله (سعادة)

هذه رسالة من آمن ان التحرير يبدأ بالانسان والاستثمار به، لان العقول المستعَمرة والمرهونة لا يمكن ان تبني أوطاناً.

لماذا نستذكر سعادة ومسيرته ، ولماذا يجب ان نعود الى فكره وعقيدته وننهل منهما وما عسانا نقول في من استشرف ما يحدث  ويثبت صوابية رؤيته؟

ادرك سعادة مُبَكِّراً ان الامة السورية تملك حساً بالوحدة، واراد ان يجنب ابناء أمته الفوضى والتمزق، فحذر من أسلوب زعماء  الطوائف،المذاهب القبائل والجهات (بشقيه الاجتماعي والسياسي) ومن خلفهم القوى الاستعمارية التي تتواطئ معهم وتستعملهم لتعزيز مصالحها من خلال خلق الاوهام في نفوس اتباعهم، لبسط وفرض سلطانهم السياسي الاجتماعي من خلال الاستثمار بالجهل، الذي نكب بلادنا بالويلات والحروب المذهبية والطائفية والقبلية والجهوية. ومثلاً ما زالوا يقولون عيش مشترك بدون بيع وشراء وتأجير وتزاور بين المواطنين في القرية الواحدة وبئس هكذا عيش!

اوليس سعاده من قال: في الوحدة الاجتماعية تزول الحزبيات الدينية وآثارها السيئة وتضمحل الأحقاد وتحل المحبة والتسامح القوميان محلها ويُفسح المجال للتعاو ن الاقتصادي والشعور القومي الموحد وتنتفي مسهلات دخول الإرادات الأجنبية في شؤون أمتنا الداخلية.

وأيضاً لقد أدرك سعادة ، ان مشروع إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين ليس من أجل تحقيق الاسطورة اليهودية على أرض الميعاد، بل هو مشروع استعماري يبغي السيطرة على مقدرات الامة وتفرقة أبناءها، ومع تقدم الايام بدأت تتضح الحقائق التي تدل على التخطيط المنظم للقضاء على كل ما يحافظ به المواطن في العالم العربي وسوريا الطبيعية على هويته وثقافته ووحدته حتى الاقتلاع من الارض، أي ان الصراع صراع وجود وليس صراع حدود. فيقول «المسألة الفلسطينية ليست مسألة إسلام ويهود، بل مسألة قومية من الطراز الأول» (الأعمال الكاملة، جزء 15: 145).

تمرد سعادة على الواقع السائد وادوات إنتاجه وبحث عن أدوات جديدة، اراد من خلالها تأسيس معرفة مغايرة كلياً تحرره أولاً، وتحرر أمته ثانياً، نتج ذلك عن الوعي الضدي بأن ما هو قائم وموجود لم يعد كافياً، لا بل أصبح عائقاً أمام تقدم الامة السورية وحلم أبنائها بسبب القيود الكثيرة وتمزق الهوية.

«إننا الآن أمام الأفعى ذات المئة رأس، لأن الأخطار التي تهدد كياننا وعمراننا من الشمال والجنوب والغرب والشرق كثيرة وعظيمة» (الأعمال الكاملة، ج 1: 400، عام 1933)

لذلك باشر سعادة وضع الاسس لمواجهة هذا المشروع المتكامل من خلال كتاباته وتوجيهاته وصولا الى تشكيل الحزب السوري الفومي الاجتماعي، الذي يعتبر الرد الاهم على هذا المشروع الذي ينافسنا على ارضنا وثقافتنا ووجودنا  حيث يقول: في الحزب السوري القومي الاجتماعي فقط نجد وحدة الشعب ولا يمكن أن ينشأ فيه مشكلة من هذا النوع من أجل مركز في السماء لم ينتدب الله أحدًا على الأرض ليقوم بالحشر والحساب نيابة عنه.

1948 في عين زحلتا الشوف  30 ايلول-) .. (سعاده)

كان سعادة على دراية تامة ووعي خالص، انه مهما كانت كلفة خيار المواجهة والتصدي أقل كلفة من خيار الخنوع والخضوع والاستسلام والتنازل، والشواهد على ذلك كثيرة، فعلى سيبل المثال لا الحصر فلسطين وما سمي بمسيرة السلام اين اصبحت ما عُرف بمسيرة السلام ومبادرة السلام العربية؟ التي تدرجت من الأرض مقابل السلام وحل الدولتين، الى السلام مقابل السلام، الى الوقت مقابل السلام، وغيرها من الشعارات التي رفعتها منظومة النظام الرسمي العربي والعدو الصهيوني،  وها نحن اليوم  امام ما سمي صفقة القرن صفقة الاستسلام والاذلال مقابل السلام والحفاظ على العروش وأي سلام مع عدو لا يعرف الا الاخذ. لانهم لا يريدون ان يعرفوا ان فيكم قوه لو فعلت لغيرت وجه التاريخ.

 

 وهذا ما يظهر بصورة متسارعة من السر الى العلن في المؤتمرات التطبيعية مع العدو واستبداله بإعداء مفترضين، خدمة لحكام دول الخليج وعروشهم الوهمية، او الاداة الاستعمارية التي رهنت نفسها وامكانياتها لخدمة المشروع الاستعماري بكل سيئاته، وبهذا الخصوص يقول سعادة :  إن حقيقة الأمم ليست رغائب عند بعض الناس، بل هي قواعد صحيحة عليهم أن يكتشفوها.

إن المنطقة المسماة الشرق الاوسط في أدبيات الاستعمار او الاستحمار كما سماه أحد الفلاسفة الجزائريين، والتي نجترها بوعي او بدون وعي، ومن ضمنها سوريا الطبيعية تغلي على مرجل الازمات والمؤامرات التي ترسمها وتنفذها  قوى الاستعمار الغربية الاميركية والصهيونية، من اليمن الى ليبيا والسودان وصولا الى سوريا وفي قلبها فلسطين، حيث الحديث عن فلسطين الجديدة والفلسطيني الجديد، وما ادراك ما فلسطين الجديدة والفلسطيني الجديد، متناسين ان المقاومة والقوى الوطنية التي هزمت العدو ودحرته من لبنان، وصمود الدولة والجيش العربي السوري والقوى والشعب الفلسطيني الحي سيعملون على إفشال هذه الصفقة واسقاطها رغم ان وراء الصفقة تحالف كبير وخطر لانه هناك اقتناع ان الصفقة ليست قدرا لا راد له، وهي مرحلة من مراحل الصراع الطويل والذي ما زال مستمرا تحت تسميات وصفقات، ولكن الشعب الفلسطيني والقوى الحليفة لم تُهزم ولن ترفع راية الاستسلام، وما نراها في مسيرات العودة ما هي الا تعبير عن التصدي حتى باللحم الحي للمشروع من هذا الجيل الشجاع الذي لا يهاب الشهادة هذا الجيل العصي على الكسر والهزيمة وقد كان سعادة نموذجا وسباقا بالتضحية لانه راى  إن الحياة كلها وقفة عز فقط...

 عليه ندرك لماذا اغتيل سعادة وكان التخلص منه بهذه السرعة من قبل الطغمة الحاكمة في لبنان والشام ومن كان خلفهم من القوى الاستعمارية.

سبعون عاما مضت على الاغتيال وما زال صوتك مدوياً

ختاماً، لا بدّ لنا من أن نردّد في هذه المناسبة المجيدة مأثورة سعاده: «سواء فهمونا أم أساؤوا، فهمنا فإننا نعمل للحياة ولن نتخلى عنها.

وهذه هي صفقة الكرامة والاباء والعنفوان والتضحية، ولتكن لهم صفقاتهم وقرونهم، وليبقى لهم ايضاً نموذج الفلكلور اللبناني الاصيل المتمثل بالحروب الطائفية المتجددة بين الحين والاخر وصفقات البيع ففلسطين بخمسون مليار دولار على مدى عشرة أعوام وهي ديون مع الفوائد بينما قدموا لترامب في أقل من 30 ساعة 450 مليار دولار.

 

عباس علي مراد

 

صادق السامرائيعقل الأمة مكبّل بما "قال" فلان وذكر فلان، ولا يمكنها أن تتنفس هواء الحرية وتتفاعل بعقلها مع عصرها إن لم تحطم قيود "قال"!!

أمة تتحرك في أنفاق "قال"، ولا تستطيع الحركة في فضاءات شاسعة، وتدرك ضرورات صناعة الحياة وبناء المستقبل، وتحميل الأجيال رسالات إنسانية واعدة.

إنها أمة مخنوقة ومحرومة من أوكسجين الوجود المعاصر، وتريد أن تعيد عجلات الزمن إلى الوراء، وتعرقل دورانها مع الأرض، فكيف ستواكب وتتناغم مع حركة الكون الوثابة الرائدة المتجددة الولاّدة؟

إن التعتق في أوعية "قال" يتسبب بتخمر الأفكار وإكتسابها درجة عالية من السمّية والتأثير المسكر، الذي يصيب العقول والنفوس والأرواح بالغثيان الرهيب، فيجعلها تتطوح في شوارع أيّامها وتترنح على أرصفة الويلات، وهي مغيّبة الوعي ومنقطعة عن واقعها وفي شرود عن ذاتها وموضوعها، بل أن هذه الأفكار تحيلها إلى وحوش كاسرة وضواري سابغة ذات فظائع منكرة ومآثم مقرفة، وإلى مشاريع خطايا وويلات رهيبة.

فالذين يعيثون في الأرض فسادا ويسفكون دماء الأبرياء، إنما هم من المصابين بالإدمان على أفكار "قال"، والمنومين بتأثيراتها المخدرة التي جردتهم من أية صفة آدمية، وقتلت كل نفس طيبة في ربوع دنياهم، وأطلقت إرادة النفس الأمّارة بالسوء التي إستفحلت وإنكلبت وتسعّرت، فتحولوا إلى عقارب سيئات تنفث زعافها من حولها فتبيد الموجودات وهي ترفع رايات "قال".

ويبدو أن مشكلة الأديان كافة تتلخص بمعضلة "قال"، لأنها تنفي العقل وتمنع دوره، وترفض التطور والإجتهاد، وتمحق أبعاد الزمن، وكأن "قال" دستور كوني وقانون شرعي، وأن الذي "قال" ليس من البشر بصلة ولا كان في مكان وزمان ما، وما قاله ليس إبن الحالة التي كان فيها بجميع ظروفها المحيطية والذاتية وغيرها، وكأن الذي قال قد إنتهى عند قوله كل شيئ، وعُقمت الحياة والعقول من الإتيان بجديد بعد قوله الذي أسهم في صناعة المتحجرات الآدمية.

إن "قال"، تتنافى مع بديهيات الوجود والحياة، وتنفي الحركة، وتأبى الدوران، وتجرّد الإنسان من عقله، وتحسبه صاحب جمجمة ودماغ عليه أن يُحشى، بمعطيات "قال"!!

ولا يمكن للأمة أن تكون إذا بقيت مرهونة بأقبية "قال"، فعليها أن ترى بعيون عصرها وعقله وروحه، وأن تجتهد وتثوّر العقول والنفوس لتخرجها من أسر الضلال والبهتان.

فتحرر من عبودية "قال"، ودع عقلكَ يقول ما يجب أن يُقال!!

مع الإحترام لكل قولٍ مِثال!!

 

د. صادق السامرائي

 

عماد عليتشكلت حكومة اقليم كوردستان في حمل طبيعي من تسعة اشهر وتسعة ايام بعملية ولادة حزبية قحة تنافست في وضع اسسها المصالح الكتلوية داخل جميع الاحزاب التي شكلت الحكومة  وبتصفية الحسابات الحزبية الداخلية فقط. عليه وبعد النظر في الامر من هذه الزاوية والتاكد من حجم ونوع  المشاكل والديون المتراكمة عليها يمكن لاي مراقب ان يخمن درجة نجاحها منذ اليوم دون اي جهد . هذا عدا التخمين على اساس تقييم من حالفه الحظ من الهذه المنافسات في تسلم المنصب ومنهم لم يصدق هو بنفسه انه فاز باليانصيب الذي يوزع كل اربعة سنوات ويسفيد منه ماليا ويضمن حياته واولاده واحفاده من يحالفه الحظ وما يحمل من الصفات وسلوكه ونظرته الى الحياة بعيدا عن الشهامة والهيبة وحتى الشرف الى الابد، ويزداد بهذا الفساد فسادا والمشاكل المتعددة مشاكلا عويصة اخرى والشعب هو الذي يدفع الضريبة والثمن على حساب الشباب ومستقبلهم قبل اي احد اخر.

اننا عرفنا انهم لم يستندوا على ابسط معيار في تشكيل هذه الحكومة التي يعتمد عليه مصير الملايين ومعيشتهم، انها حلا اعلم حكومة ام حومة عائلية بحتة وليست كما كانت بداية تشكيل الحكومات السابقة بل تركزت هذه التشكيلة على تعدد العوائل الاوليغارشية المتنفذة في الاحزاب بعدما كانت هناك عائلة واحدة من قبل وهي البارزانية المسيطرة على الديموقراطي الكوردستاني منذ تاسيسيه، بينما اليوم العوائل المتعددة التي برزت في الاحزاب وسيطرت على الاتحاد الوطني الكوردستاني وحركة التغيير  ايضا، اي بدلا من التاثير على الديموقراطي ومحاولة سحبه الى الحزبية الصحيحة بعيدا على المصالح العائلوية ومضارها على الشعب، فهم  جروا حلهم واتبعوا سياسات هذه العائلة  وعملها السياسي الاقتصادي، وهذا ما يزيد من الطين بلة وتنعكس افرازاته السلبية على حياة الشعب والتجربة التي لا يكون مصيرها الا الفشل بعد وضوح الامر منذ مدة ليست بقليلة.

لو دققنا في الموجود في المنطقة بشكل عام وفي العراق بشكل خاص، وحللنا المعادلات السياسية الاقتصادية العسكرية المعقدة وتوجه العالم وتركيزها على هذه الرقعة وكيف يتعاملون بدقة في خطواتهم، فاننا نعلم مدى دقة الامر ونعلم كوردستان ضمن هذه الرقعة وهي رقم ضعيف جدا فنتاكد ما تحتاجه من العقلية التقدمية الخبيرة النيرة في تحليل ما يجري وتحديد الاصح في الخطوات سياسيا واقتصاديا اكثر بكثير من الاخرين، اما داخليا فان الازمات التي حصدت الاخضر واليابس فيها وتراكمت معها المشاكل العويصة والحالة المادية المالية الميؤسة  وتبعات الديون التي بلغت ثلاثين مليار دولار على اقليم وليس دولة وبيع ما تحت الارض مقمدما بعملية هي اصلا ليست مجازفة فقط وانما مغامرة بمستقبل الشعب و قمار على حساب الشباب، فنتاكد من عدم حل ما توجد من مثل هذه المشاكل الضخمة المعقدة بهذه العقليات التكتلية الحزبية المخابراتية التي تسلمت زمام الامور وتحكم باسم حكومة وليست لها علاقة بفحوى وعمل جوهر ما يمكن ان تسمى بحكومة حقيقية. انها حكم عوائل واحزاب ودوائر متنفذة ولا تمت بمفهوم وعمل ومهام حكومة مدنية.

هنا لا نتكلم عن معيار الشخص المناسب في المكان المناسب اصلا، لانه بات من الغيبيات عند اهل المنافسات التكتلية، فهل من المعقول ان تهدي وزارة لاحد كونه خسر موقعا اخرا تنافس من اجله كي ترضيه وترضي تكتله وعائلته، فهل من المعقول ان تعطي منصبا وزاريا لاحد لا يمت باية خبرة من قريب او بعيد لهذا المهام المناط به لانه ضمن كتلة لو لم يحصل على المعروض من قطعة كعكة السلطة فانه سوف يضر الصراع الداخلي للحزب وللعائلة . فهل من المعقول ان تهدي منصبا وزاريا لاخر له الفضل الشخصي على راس كتلة ولا يمت بما يُعطى له من المنصب الوزاري باي شكل كان بل يتعارض المنصب مع اختصاصه؟

ونتيجة ذلك اننا لسنا من يتفائل ليضلل نفسه قبل غيره، وعليه نؤكد بان الحكومة ستكون افشل من قبلها وستاني من عدم امكانياتها وما تأِن من تحتها من  ثقل مشاكلها قبل ما تراكمت عليها من المشاكل وثمرات الازمات من الكابينات السابقة الفاشلة، ولم تتحاسب على عملها  وما تحتاجه مثل هذه الحكومة في مثل هذه الظروف، بل وزعت المناصب وفق الترضية لمن فشل من قبل.

هذه هي حال الشعب الكوردستاني الذي قدم ما يملك من دمه واغلى ما لديه من اجل تحقيق اهدافه وامانيه العامة، ويتلقى الضربات الموجعة من ايدي من ليس له مهمة الا الاستاثار بخير هذه الامة فقط ونتيجة فشل من استولى على زمام الامور، وصحيح من يفعل ويضحي هو في اخر المستفيدين ومن يستلم ثمرة تلك التضحيات من حثالى الشعب، لانهم يتميزون بالصفات التي تجعلهم قريبين من المتنفذين واول تلك الصفات التملق بكل اشكاله على حساب عرضهم وشرفهم وحياتهم مهما كانوا، والنتيجة ستكون مخزية للشعب وسوف يستمر يعاني من ويلات ما تصنعه ايدي هؤلاء اكثر كما فعلوا لحد اليوم دون ان يهز لهم شعرة من بدنهم. 

 

عماد علي

 

ميلاد عمر المزوغيلأننا كنا في غفلة من امرنا حيث اننا نعيش في فرح دائم، لم نتقدم اليكم بالشكر والتقدير على ما قدمتموه لنا نحن شعوب مصر وليبيا وسوريا وتونس حيث تم اسقاط تلك الأنظمة الديكتاتورية بفضلكم، إلا انه والحمد لله قد خرج علينا من ينبهنا الى ضرورة شكر قطر، فالفضل لصاحب الفضل والوفاء من شيم الرجال، ذكرنا مفتي الديار الليبية الذي آويتموه ونصرتموه وقت الشدة، بان من لم يشكر قطر فهو اقل وأخس من الكلب، عندها وفقط، افقنا من غفوتنا فقررنا ان نشكركم فاعذرونا لتأخرنا في القيام بالواجب وكلنا امل في ان تقبلوا عذرنا فانتم اصحاب القلوب الكبيرة والأحضان الدافئة والأيدي السخية والعقول النيرة الخيّرة الساعية الى اسعاد العرب والمسلمين اينما وجدوا وحيثما حلّوا.

لنبدأ بالشعب التونسي فلولا مساعدتكم لذهب دم البوعزيزي هباء منثورا، ولبقي بن علي في السلطة الى ابد الابدين، ذهب الرجل، تساقط المطر في ذاك العام بشكل لم يسبق له مثيل فكان ربيعا جميلا وهبت النسمات الرقيقة تدغدغ مشاعر التوانسة، ذهب النظام القمعي وحل اللا نظام، في هذه المدة الوجيزة من حكم النهضة حدثت وتحدث اشياء لأول مرة، لم يألفها الشارع التونسي منذ الاستقلال وحتى سقوط النظام، العصابات التكفيرية تجوب الشوارع قتلت المدنيين والعسكريين والساسة وأصحاب الرأي في وضح النهار، والحكومة لم تحرك ساكنا، بفضلكم انشهرت العديد من الاماكن التي لم يألفها السياح وتصدرت نشرات الاخبار ومنها جبل الشعانبي، اصبح المواطن التونسي غير آمن في بيته كما في الشارع فلزم سكنه، الشوارع امست خالية من المارة، تقلص عدد السياح مصدر الرزق، ازداد عدد العاطلين عن العمل، هباتكم ومنحكم كان لها بالغ الاثر في صمود الشعب التونسي، شكرا قطر.

في مصر تم بواسطتكم ازاحة النظام العسكري الجاثم على صدور المصريين لأكثر من نصف قرن، اتى الى الحكم اناس كانوا من المغضوب عليهم من الحكم العسكري وقد زج بالعديد من زعمائهم، كتعويض لهم عن الظلم الذي لحق بهم، وما جزاء الاحسان إلا الاحسان فما كان من هؤلاء المتسلطون الجدد إلا ان قاموا بأخونة مؤسسات الدولة ومحاولة بناء امبراطورية اممية، كيف لا فالعثمانيون ليسوا بأفضل من الاخوان ولا باس من الاستعانة بالأتراك اصحاب الخبرة وبالأخص السيد اردوغان، الشعب المصري اساء فهم الاخوان فأطاح بهم دون ان يعطيهم الوقت الكافي، فما كان من الاخوان إلا ان اعلنوها حربا شعواء على كافة ابناء مصر ولا تزال الاعمال الاجرامية من قتل وتدمير تحدث كل يوم، الشعب المصري يقدر دوركم الرائد في ايصال مصر الى وضعها الراهن من حيث غياب الامن وتزايد اعداد العاطلين عن العمل وفشل مؤسسات الدولة الخدمية والإنتاجية، شكرا قطر.

 الشعب السوري يتقدم اليكم بالشكر والتقدير لأنكم استطعتم (من خلال تمويلكم للحركات الخيرية التي اتخذت اسماء عدة منسوبة إلى الإسلام، داعش، النصرة، وغيرها الكثير) اخراج الملايين من ابنائه الى خارج الوطن في رحلات ترفيهية قد يطول امدها مدفوعة الاقامة full board من قبل دول اصدقاء سوريا والأمم المتحدة، حيث كان النظام القمعي يمنعهم من السفر، خوفا من اطلاعهم على ما يجري حولهم من تطور في عديد المجالات، ومن ثم يعودون الى البلد لافتعال الازمات، ألستم من قتل ابن المفتي احمد بدر الدين حسون الشاب اليافع المزهو بحب الدنيا وملذاتها، لولاكم لما دخل الجنة، لأنكم قصّرتم اجله وبالتالي منعتموه من ارتكاب المزيد من المعاصي، اما الباقون بأرض سوريا فإنهم تعلموا الصبر على ايديكم، الشعب السوري (الارامل واليتامى واسر الشهداء والجرحى) والمفتي حسون يقولون لكم، شكرا قطر.

اما الليبيون فإنهم مدينون لكم بإزاحة النظام الذي حكم البلد لأكثر من اربعة عقود، المهجرون بالداخل الذين تركوا ديارهم، عجزوا عن تعليم ابنائهم، يعيشون في مساكن غير صحية، اموال الشعب تم التلاعب بها من قبل من اتيتم بهم الى السلطة، ما يقرب من المليون ليبي يعيشون خارج الوطن، خوفا على ارواحهم وأموالهم من "اخوانكم" في الدين الذين اعمتهم السلطة فصاروا ينظرون الى من يخلفهم الرأي كافر زنديق، ما يقرب من الثلاث اعوام لم تتوقف اعمال القتل والسلب والنهب، امددتم مناصريكم بكافة انواع السلاح دربتم آلاف الشباب الليبيين لأجل ان يتقاتلوا فيما بينهم وتزداد الهوة بين اطياف الشعب وانتم تتفرجون وتتلذذون، شكرا قطر.

تتحدثون عن الديمقراطية وأنتم احوج اليها من غيركم من الشعوب، لم تتقبلوا قصيدة اعتبرها الجميع أنها لم تنقص من كرامتكم، بل كانت مجرد دعوة لإعطاء المزيد من الحريات فكان عقابه السجن ولم تنفع مطالبات المنظمات الحقوقية لكم باحترام حرية الرأي والتعبير وإطلاق سراحه فالرجل لا يزال يقبع في سجونكم، عفوا ضيفا عزيزا. لأجلنا انشاتم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ونصبتم القرضاوي مفتيا عاما لديار المسلمين، جعلتم من "الجزيرة" منبرا لبث افكاركم وفتاويكم الخيّرة البناءة، جلبتم الى الدوحة من ارتأيتم انهم سيكونون رجال دين"مفتّنون" على شاكلة القرضاوي ليقوموا بالإفتاء بدويلاتهم التي اصبحت تدور في فلككم.وأخيرا اتوجه بالشكر والتقدير الى مفتي الديار الليبية الذي نبهنا الى القيام بواجب الشكر ولنثبت له اننا اوفياء ولسنا كلابا، شكرا قطر. وعذرا على التأخير في القيام بالواجب. 

 

ميلاد عمر المزوغي

 

 

علي علييروي لنا تاريخ بلدنا ان ساحته السياسية لم تخلُ يوما من اضطرابات وقلاقل، كان جلها نتيجة أطماع في اعتلاء كرسي السلطة، بدءا من العصر الأموي فالعباسي، ثم عهد الاحتلال العثماني، وآخرها التغيرات المتتالية في نوع الحكم والشخوص والعائلات الحاكمة خلال القرن العشرين، والذي تنقلت فيه السلطة بين الملكية والجمهورية. والى يومنا هذا مازالت الساحة زاخرة بكم هائل من الصراعات والخلافات. وقطعا هناك فروقات جمة بين حكومات الأمس البعيد قبل قرون، وحكومات القرن الماضي والحكومات المعاصرة في القرن الحادي والعشرين. ففي الخلافة الاموية كانت الحكومة تتكون من الخليفة وحجّابه والوزراء والقضاة والمستشارين وقادة العسس (الشَرطة). وكانت جل مشاكلهم من تدخلات دول الجوار، اما المشاكل الداخلية فكما روى لنا التاريخ أيضا، كانت تـُحل بجلسات بين شخصيات ذوي مكانة اجتماعية مع كبارالدولة، وكان البلد سائرا في ركب التطور وان كان سيرا سلحفاتيا وئيدا.

اليوم وقد دخلت التكنولوجيا والعلم جميع مفاصل الحياة، بما يسهِّل ويعجِّل تقدم البلدان التي تضع مصالح شعوبهم من أولويات جداول أعمالها، ماذا يحدث في بلد هو مهد الحضارات، البلد الذي شـُرّعت فيه أول القوانين، وكـُتِب فيه أول حرف، وغير ذلك من الإختراعات التي كان سبّاقا بها. ماذا لو قارن أي مُنظـِّر بين مايملكه العراق من رصيد تاريخي في العلوم والمعارف، وبين ما هو عليه اليوم نسبة الى باقي الامم. وهو الذي يقول فيه الشاعر:

لا ينزل المجد إلا في منازلنا      كالنوم ليس له مأوى سوى المقل

أظن أن عملية حسابية بسيطة للغاية في النسبة والتناسب، توضح الفرق بين العراق في التقدم التكنولوجي والعلمي والثقافي وبين أمم وُلِدت بعده بقرون. فهو مازال يسير بذات السير السلحفاتي على الرغم من الفارق الزمني والطفرات العلمية والتكنولوجية التي استحدثت في العالم. فقد ملأ أجدادنا المكتبات بأبحاثهم واكتشافاتهم واختراعاتهم في العلوم كافة، واقترفت الحكومات المتتالية خطأ كبيرا في التعامل مع هذا الكم الهائل من الموسوعات، إذ يظن حكام العراق –السابقون والحاليون- ان الإرث الحضاري يحفظ في الأدراج والدواليب، وعدّوه كنزا ضموه كملكية خاصة مع التيجان والأموال والقصور والضيعات، ليكون رصيدا يجير لحسابهم وحساب عوائلهم وأحفادهم وليس لأبناء هذا البلد. وبذا نهضت شعوب الأمم من حولنا وتنعمت بالرفاهية والحداثة في وسائل العيش، فيما حكام وادي الرافدين -لاسيما الحاليون- مافتئوا يغذون الجدالات والصراعات والخلافات والاختلافات والمناكفات والمماطلات والتهديدات والوعيدات. الأمر الذي خلف سلبيات وأفرز ترديات أسفرت عن الانفجارات والاغتيالات والعبوات اللاصقات والكاتمات الساكتات والاختراقات والخيانات. ناهيك عن الاختلاسات والسرقات والتزويرات والتعيينات والشركات المخفيات والمقاولات الوهميات والخزعبلات اللامنتهيات. وبات ساسة وأرباب كتل يرون ان الساحة لاتصلح إلا للبهلوانيات، فظهرت -كنتيجة حتمية- البارزانيات والمطلگيات والهاشميات والعلاويات والليثيات والعلوانيات والحاتميات والضاريات. تاركين حبل البنى التحتية للبلد على الغارب، فطفح كيل التراكمات من الإهمالات في مجالات الكهربائيات والمائيات والتموينيات والسكنيات، والى آخره من تاءات التأنيث التي لم تعد ساكنة في العراق الـ -جديد- بل هي تارة (مرفوعة) تاركة المواطن محروما منها، وتارة (مفتوحة) وفاتحة أبواب البطالة والفقر والمرض والتخلف، وتارة (مجرورة) تجر معها أذيال الفشل والخيبة، وهكذا ضاع مستقبل المواطن بين ماضي حضارته وحاضر حكامه وساسته.

***

علي علي