عصمت نصارما زال الآباء والقائمون على التعليم في مصر - منذ الربع الأخير من القرن العشرين - يجهلون الفارق بين المعاني اللغوية والاصطلاحية من جهة، والإجرائية التي تبرهن التجربة والاستقراء على صحتها من جهة أخرى، ولاسيما في ميدان التربية والتعليم، وبالأخص في أحاديثهم عن الامتحانات ونتائجها ومستوى الطلاب ومقدار ذكائهم والتخطيط للنهوض بالتعليم عن طريق الاستثمار (المدارس والجامعات والمعاهد الخاصة المصرية والأجنبية). ولعل أشهر الكلمات في هذا السياق هى (النجاح، النبوغ، الاستثمار).

وإذا ما حاولنا تطبيق قواعد المراجعة والتقييم العلمي لهذه المصطلحات سوف نجدها أبعد ما تكون عن الحقيقة، وليس أدل على ذلك من تدني مستوى التعليم في جل مراحله، الأمر الذي أكدته عدة نتائج، فتأتي مصر في ذيل الإحصائيات الدولية في جودة التعليم وتشغل المرتبة 135 من 139 دولة، وتراجع مستوى طلاب المدارس في كل المراحل على نحو لا يؤهلهم للالتحاق بالتعليم الجامعي الذي تدنى بدوره حتى فقد مصداقيته. ومن ثم حمل خريجو الجامعات صفة أنصاف المثقفين، أما خريجي المدارس والمعاهد الفنية المتوسطة فحدث ولا حرج، فهم أقرب إلى أمية القراءة والكتابة وعشوائية التفكير منهم إلى من كنا نطلق عليهم متعلمين.

وقد انعكس ذلك كله، على سوق العمل - في الداخل والخارج - من جهة، ووعي الطبقة الوسطى وكفاءة الموظفين وأصحاب الحرف من جهة أخرى، وباتت الشهادات التي يحملها الناجحون في شتى مراحل التعليم لا تساوي قيمة الأحبار التي كُتبت بها.

وإذا ما أردنا فحص الأسباب التي أدت إلى هذه النتائج، فإننا يمكننا إيجازها في:

- عدم وجود إستراتيجية واضحة للتعليم، تستطيع الإجابة عن السؤال المطروح (لماذا نتعلم؟ وكيفية تحقيق الغاية من التعليم؟)

- انتحال الخطط التربوية والتعليمية وبرامج الجودة من الخارج دون استيعاب ومراعاة الفارق بين الثقافة الوافدة والواقع الفعلي لمدارسنا وجامعاتنا.

- فساد البنية التنظيمية بداية من البيئة المدرسية، ونهاية بالكليات والمعاهد الكرتونية الحكومية والكليات الخاصة التي لا يرمي أصحابها إلا الربح المادي.

ولم يقف مستنقع الفساد عند هذا الحد بل حاق بالقائمين على التعليم في المدارس والجامعات واستحالت رسالة التعليم والتعلم إلى صنعة أو مهنة لا أخلاق ولا ضمير ولا كفاءة ولا وعي فيها. وتحت ضغط الأعباء الاقتصادية سكتت الأصوات الإصلاحية، وتسرب اليأس إلى سواعد وعقول الراغبين في النهوض بالتعليم وتقويمه.

وعندي أن إصلاح التعليم في مصر ليس معضلة بقدر احتياجه إلى قرارات جريئة وحاسمة، ووعي اجتماعي ورقابة غيورة على صالح مصر، وعقول وسواعد مؤمنة بأن العملية التعليمية هى حجر الزاوية لإنهاض الأمة وشفاءها ممّا حاق بها من جراثيم التخلف والانحطاط الأخلاقي وفساد الأذواق وضياع مكانة المتعلم في ميدان الاستثمار البشري، ومدركا كذلك أن إهماله يؤدي حتما إلى إهدار المال العام والطاقات البشرية، ناهيك عن تهيئة المناخ الأمثل لانتشار البدع والخرافات وذيوع الأكاذيب والشائعات وسيادة التطرف والعنف والجنوح في شتى صوره على سلوك المجتمع. ولمّا كانت فلسفة التعليم تعدُّ من أعرق المباحث الفلسفية التي انصرفت إليها جهود التربويين والفلاسفة في الشرق والغرب منذ أقدم العصور، فسوف أقتبس في عجالة ما يمكن الاستفادة به في مراجعة المصطلحات الثلاثة التي أشرنا إليها (النجاح، النبوغ، الاستثمار).

أولها جعل مصطلح النجاح معيارا حقيقيا لتحقيق المآل والظفر والفوز والوصول إلى ما ينبغي أن يكون، وذلك تبعا لبرنامج علمي دقيق في فصله بين ثوابت الهوية الشخصية والوطنية والعقدية، والمتغيرات الثقافية والحضارية، ويعني ذلك أن ميزان التقييم يجب أن ينصب على مقومات بناء الشخصية والكشف عن الطاقات والملكات الذهنية، والتأكيد على غرس روح الانتماء والولاء للمجتمع وحب العلم وأهله، وذلك في المراحل الأولية في التعليم (رياض الأطفال، الابتدائي، الإعدادي)، أما المرحلة الثانوية فيجب أن تهتم في وضع معايير تقييمها - بتحديد وبشكل دقيق - بمواطن القوة والضعف والميول والمواهب والقدرات التي بمقتضاها يوجه الطالب إلى التعليم الجامعي، حيث البحث الحر الذي يمّكن الطلاب من الوقوف على أصول العلم ومناهجه.

أما النبوغ فينبغي ألا نطلقه إلا على العقول المجيدة واسعة المعارف، والفائقة والظاهرة على الأنداد، فالنابغ الحقيقي هو ذو العقلية العبقرية المبدعة، وليست الحافظة أو التابعة دون نقد أو تمحيص، وهي التي تقدم الحلول المبتكرة المستوعبة للواقع والمخططة لتصورات أفضل، فإنني أعجب ممّن نطلق عليهم أوائل المتفوقين في المرحلة الثانوية ثم تأتي المرحلة الجامعية بنتيجة مناقضة لهذا التقييم، الأمر الذي يكشف عن تهافت معايير التقييم. وعندي أن النجاح في الحفظ وصحة التلقين لا يكشف عن مواطن القوة الذهنية والقدرات الإبداعية، بل يجب أن يكون النبوغ في الوقوف على الإجابات غير التقليدية لأسئلة وُضعت خصيصًا لأصحاب المهارات الخاصّة. وعليه لا يلتحق بالجامعات إلا العقليات النابغة المؤهلة لاستيعاب أصول العلم والتدريب على طرائق التفكير في ضوء المعارف التي يتلقاها عن طريق الحوار والمناقشة بين جدران الجامعات.

فالدراسات الإمبريقية تشهد بأن ليس كل من التحق بالتعليم الجامعي والكليات التي أطلقنا عليها (كليات القمة) نبغ في تخصصه وأجاد فيه واستفاد المجتمع من تعليمه، ولا يرجع ذلك لعدم وجود فرص في سوق العمل في الداخل أو الخارج، بل يرجع لأن الطالب لم يصل إلى درجة الإجادة التي توهم أنه حصل عليها؛ أما الدراسات النظرية الإنسانية فحدث ولا حرج، فمعظم خريجيها عالة على سوق العمل، ويشكلون أحد الأسباب في تضخم حجم البطالة بين الشباب؛ الأمر الذي يدفع معظمهم إلى تغيير مساره؛ فيعمل أعمال حرفية بعيدة كل البعد عن مجال دراسته. وأخيرا مصطلح الاستثمار في ميدان التعليم، فلا يصدق عليه سوى معنى الاستغلال والنفعية، وليس إثمار الجهود وتوظيفها لصالح المجتمع والعلم؛ فإذا نظرنا إلى المدارس الخاصة الأولية (ابتدائي، إعدادي) سوف نجد شرَّها أكثر من نفعها، وذلك لأنها تعمل على تعدد الولاءات واستقطاب العقول وتزايد الفروق الطبقية بين أفراد المجتمع، وكذب من يزعم أن خريجيها أفضل من خريجي المدارس الحكومية، ولعلّ نتائج اختبارات التعليم الثانوي خير شاهد على ذلك، فلم تحظ المدارس الخاصة إلا بنسبة 20% تقريبا في قوائم الأوائل الناجحين.

ويتراءى لي ضرورة توحيد البنية التنظيمية في المدارس الأولية، وإتاحة المجال للتعليم الخاص في المرحلة الثانوية، وذلك تحت رقابة نزيهة وصارمة من قبل مؤسسات الدولة لمتابعة سير العمل فيها وإلغاء التصاريح للمدارس التي تحمل طابع أيدلوجي أو عقدي (مدارس الإخوان والسلفية).

أما الاستثمار في التعليم العالي؛ فيجب إعادة توجيهه للتخصص في المجالات العلمية المبتكرة، المتمثل في الجامعات الأجنبية التي ينبغي عليها هى الأخرى مراعاة مصلحة المجتمع المصري واحتياجاته في المقام الأول، وذلك في مناهجها وبرامجها الدراسية، ومن ثمّ يجب إلغاء كل الجامعات الموازية التي تسعى إلى التربح والمتاجرة، وليس أدل على إخفاق وفساد معظمها من تسكع خرجيها وعدم قدرتهم على المنافسة في سوق العمل.

وأعتقد أن ميدان الاستثمار الحقيقي يكمن في التعليم الفني والتدريب المهني والدبلومات المهنية المتخصصة، الأمر الذي يستلزم توعية الرأي العام بقيمة هذا الضرب من ضروب التعليم وأهميته التي لا تقل عن التعليم الجامعي، وإدراك أصحاب المصانع والمشروعات الاستثمارية الضخمة وشركات التنقيب والملاحة والنقل والسياحة ضرورة استثمار الأموال والطاقات لإنشاء مدارس متخصصة لتخريج عمالة مدرّبة، ذلك فضلا عن مؤسسات الدولة التي سوف تتخلص تمامًا من قوائم البطالة، وذلك لأنها تستثمر مخصصات ميزانيتها في التعليم في المجال الأهم والأصلح، فغمر سوق العمل للأيدي العاملة الفنية المدربة هو الطريق الأصوب من إهدار ميزانية الدولة وأموال أفراد المجتمع في ميدان التعليم العام الذي لم يحقق الإثمار المأمول ولم يكفل كذلك العمل المناسب لخريجيه.

أما الفائض من تلك الطاقات الفنية المدربة، فسوف تجد مكان لها في السوق الدولية؛ وذلك لأنها تجمع بين النجاح والنبوغ والعبقرية.

وإذا ما راجعنا المصطلحات السابقة انطلاقًا من هذه القراءة سوف تختفي تمامًا الفروق بين معانيها ودلالاتها في الواقع.

 

بقلم: د. عصمت نصار

 

 

 

محمد عرفات حجازييتّخذ الناس في عصرنا الحاضر موقفين متعارضين تجاه الفكر اليوناني. الموقف الأول، وهو الأكثر ذيوعًا: ينظر إلى اليونان باحترام يكاد يبلغ حدّ الخرافة، معتبرًا أنّهم مبدعون أفضل الجوانب في كلّ شيء، وأنّهم رجال ذوو نبوغ خارق للطبيعة البشرية بدرجة يستحيل معها على المحدثين أن يرجوا الوقوف معهم فيه على قدم المساواة. أمّا الموقف الثاني، والذي أوحت به انتصارات العلم: فيعتبر سلطان القدماء كابوسًا جاثمًا، وأنّه من الأفضل اليوم أن ننسى معظم ما أضافوه إلى عالم الفكر.

إنّ كلًّا من الرأيين السابقين بعضه على صواب وبعضه على خطأ، ومن هنا يحاول برتراند رسل، في كتابه "تاريخ الفلسفة الغربية"، أن يقرّر أيّ نوع من الحكمة يمكننا حتى اليوم أن نحصّله من دراستنا للفكر اليوناني.

يعتبر رسل أنّ اليونانيين هم الذين خلقوا التفكير النظري خلقًا، ذلك التفكير الذي استقلّ لنفسه بحياة خاصة به، ونموّ خاص به، والذي برهن على أنّه قادر على البقاء والتطوّر، خلال أمد يزيد على ألفي سنة.

لقد استكشف اليونانيون الرياضة، وفنّ التدليل القياسي. إلاّ أنّ ضيق نظر اليونان وانحصاره في جانب واحد يظهر في الرياضة؛ فتفكيرهم كان يتّجه بهم في التدليل على نحو قياسيّ، يبدأ من البديهيات، ولم يكن استقرائيًا يبدأ من الحواس.

ويرى رسل أنّ اليونان قد وفقّ في التفكير القياسي توفيقًا هائلًا، ضلّل العالم القديم، والشطر الأعظم من العالم الحديث. ولأنّ المنهج العلمي الاستقرائي لم يستطع، إلّا بخطوات وئيدة، أن يحلّ محلّ العقيدة الهيلينية التي تؤمن بالاستدلال القياسي الذي يبدأ من البديهيات، يذهب رسل إلى أنّ من الخطأ أن نعامل اليونان باحترام خرافي، وإنّ محاولة تمجيدهم بالتصغير من شأن التقدّم العلمي الذي تمّ في القرون الأربعة الأخيرة لممّا يقعد بالفكر الحديث عن النهوض.

وثمّة حجّة أخرى، أهمّ، ضدّ المغالاة في احترام غيرنا، مفادها أنّه إذا أقبلت على دراسة فيلسوف، كان الموقف الصحيح هو ألّا تشعر نحوه باحترام ولا باحتقار؛ بل أن تنظر إليه أوّل الأمر بنوع من مشاركته وجدانه مشاركةً تقوم على افتراض أنّك توافقه وجهة النظر، حتى يمكنك إدراك شعورك حين تؤمن بنظرياته؛ وعندئذ فقط، يمكن أن تقوم بدور الناقد، وهو موقف يجب مطابقته قدر الإمكان بالحالة العقلية لشخص في سبيله إلى نبذ آراء كان يعتقد في صدقها.

وفي هذه الحجّة الأخيرة، قد يتسلّل الاحتقار إلى موقفنا في نصفها الأول (موافقة الآخر وجهة النظر)؛ وقد يتسرّب الاحترام إلى موقفنا في نصفها الثاني (نبذ الشخص لآراء كان يعتقد صدقها).. وهنا يشدّد رسل، على ضرورة أن نظلّ ذاكرين لنقطتين؛ الأولى: هي أنّ الرجل الذي استحقّت آراؤه ونظرياته أن تكون موضع درس، لك أن تفرض فيه أنّه كان على قدرٍ من الذكاء. والثانية: هي أنّه لا يحتمل أبدًا لأيّ إنسان أن يكون قد بلغ الحقّ النهائي الكامل في أيّ موضوع؛ فالرجل الذكي إذا ما عرض أمامك رأيًا ظاهر البطلان، لا ينبغي أن تحاول البرهنة على أنّه مصيب على وجه ما من أوجه الصواب..

ويخلص برتراند رسل، إلى أنّنا بهذا المران على الخيال التاريخي والنفسي، نزداد في أفق تفكيرنا، وفق تبيّن مقدار الحماقة في كثير من أهوائنا الفكرية العزيزة على نفوسنا، إذا نظر إليها أبناء عصر آخر يختلفون في مزاجهم العقلي عن أبناء عصرنا..

 

محمد عرفات حجازي

باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية ـ مصر

 

ميثم الجنابيالأيديولوجية السياسية وفلسفة الأمل: إن الصفة الباطنية والظاهرية لفكر مطهري ومواقفه تتسم بما يمكن دعوته بروح الأمل والمستقبل، أي بالتفاؤل الواقعي والمبني في الوقت نفسه على اساس فكرة التوحيد والعقائد الشيعية. ففي موقفه على سبيل المثال من قضية العلاقة الواقعية والممكنة والواجبة بين الإسلام والقومية، نراه يشدد على ما اسماه بخطورة فكرة القومية بالنسبة للشعوب الإسلامية، انطلاقا من أنها قد تجاوزت هذه المرحلة والصيغة في الاجتماع بأثر الإسلام. من هنا نقده للفكرة القائلة، بان الإسلام يؤيد القومية ولكن بالضد من طابعها العنصري. إذ اعتبرها فكرة خاطئة، وذلك لأنها تتعارض مع حقيقة الفطرة الإلهية للإنسان. فالإنسان من حيث كونه كيانا فطريا (من حيث الأصل) لا علاقة له بالقومية. وبالتالي، فإن القومية كيان مصطنع وإضافي وليس جوهري بالنسبة لحقيقة الإنسان. وبما أن الإسلام هو دين الكمال والتكامل، كما يقول مطهري، من هنا ضرورة السير نحو المجتمع الموحد والثقافة الموحدة بالشكل الذي يتجاوب مع حقيقة الفطرة الإنسانية. ووضع هذه الفكرة في نقد مختلف المذاهب والفلسفات، بدأ من الفكرة القومية المتطرفة وانتهاء بالماركسية. غير أن نقده، وبالأخص ما كان موجها ضد الماركسية وفهمها المادي للتاريخ، اتسم في اغلبه بطابع فلسفي وليس أيديولوجي وسياسي. بمعنى انه لم يكن يرمي إلى تهديم الفكرة اليسارية أو الوقوف بالضد منها، بقدر ما انه كان يسعى لتأسيس البديل الإسلامي الايجابي. بعبارة أخرى، لقد كان هذا النقد المتنوع لمذاهب المرحلة وبالأخص في النصف الثاني للقرن العشرين، مرحلة الصعود الثوري واليسار الرومانسي، يهدف إلى إبراز الخلل الثقافي والذاتي لليسار التقليدي في العالم الإسلامي آنذاك، ومن ثم لا معنى لجعل الإسلام ثوريا على الطريقة الماركسية لكي يكون ثوريا. وعوضا عنها سعى للبرهنة على أن فلسفة الإصلاح الإسلامي ينبغي أن تبنى على مبدأ أولوية العمل المصلح والانتهاء بالبديل الإيجابي. وهذا بدوره ينبغي تأسيسه على المبدأ الجوهري في الإسلام: العدالة والمساواة. أما الصيغة العملية لبلوغ ذلك فينبغي أن تجري من خلال ثلاث مراحل وهي: التوعية والتذكير بالمعاد، والتعاليم الإنسانية المتعلقة بكرامة الإنسان، وأخيرا الدفاع عن حقوق الإنسان وواجباته. ووضع هذه المبادئ النظرية والعملية في اساس موقفه من علاقة الدين بالدولة والنظام السياسي والثورة الإسلامية.

واعتبر مطهري إن ما هو مشترك فيما تحتاجه فكرة الدولة الإسلامية، والنظام السياسي الاسلامي، والثورة الإسلامية، إلى جانب العدالة الاجتماعية، هو مثالها الروحي والمعنوي النبوي والإمامي. فقد ترك المثال النبوي والإمامي بصماته العميقة في العقائد السياسية الشيعية. بحيث تحولت فكرة المهدي (الإمام المنتظر) إلى حجر الزاوية في الفلسفة السياسية والروحية والأخلاقية الشيعية. فمن الناحية المجردة والعامة تجمع الفرق الإسلامية على فكرة المهدي بالشكل الذي يتطابق مع فكرة انتصار الحق على الباطل. إلا أن ما يميز تاريخها وتراثها الشيعي هو تغلغلها في كل مسام الرؤية الفلسفية واللاهوتية والدينية والشعائر. وقد طوع مطهري هذه التقاليد المتنوعة والعميقة في الفكر الشيعي بالشكل الذي جعلها تستجيب لما يمكن دعوته بفكرة الأمل السياسي والتفاؤل التاريخي بالمستقبل. فهو ينطلق بهذا الصدد من أن الإسلام منذ البداية حتى النهاية يقر بفكرة التفاؤل بالنسبة للمستقبل. اذ شدد القرآن على أن العاقبة للصالحين والمتقين والمؤمنين. وبالتالي، فان فكرة الإمام المنتظر ينبغي فهمها ضمن سياق فهم معنى انتظار الفرج. وانتظار الفرج نوعان فيما يتعلق بالنظر إلى المستقبل، الأول مثمر بنّاء يبعث على الحركة، وبالتالي فهو عبادة وطلب طريق الحق. أما الثاني فهو هدّام يؤدي إلى العبودية.

وتوسع في شرح هذه الفكرة من خلال التأويل الفلسفي القائل، بان القوانين العامة تخضع للطبيعة، أما الصدفة فهي نسبية وعابرة مع أن لها أسبابها. وبالتالي، فإن الفهم السليم للتاريخ يستند إلى إدراك شخصية  المجتمع واستقلاليته، أي كيانه الذاتي والعام. وبدون ذلك لا يمكن وجود فلسفة للتاريخ. من هنا توصل إلى استنتاج يقول، بأن انتظار الفرج هي فكرة إسلامية قرآنية ولها طابع فلسفي أيضا. فالنظرة القرآنية تقر بوجود قوانين عامة  ثابتة في التاريخ وحياة الأمم كما تقر بالإرادة والحريّة. والتفسير القرآني للتاريخ يقوم على أن التاريخ هو صراع بين الحق والباطل، وان انتصار أو فشل الحق أو الباطل مرتبط بمقومات اجتماعية واقتصادية وأخلاقية. من هنا تكلم القرآن الدائم عن صراع المستكبرين والمستضعفين، لكنه ينظر إلى صراعهما على انه صراع معنوي لا مادي، أي أن ما يحدده وما هو جوهري فيه فكرة الحق والباطل وليس المصالح المادية المباشرة. من هنا تصبح قضية المهدي والمجتمع المثالي، قضية اجتماعية وفلسفية كبرى.

إن المهدي هو "الانتظار الكبير"، أي المستقبل المتفاءل. ومن ثم فهو انتظار عملي، أي صيرورة متراكمة في الصراع من اجل الحق. فهناك من يقول بان الشر يلازم وجود الطبيعة البشرية، وآخر يقول بان البشرية تقود نفسها نحو الهلاك. وفي كل منهما قدر من الواقعية ولكن الفكرة الثالثة (الإسلامية) تقول، بان البشرية تتوجه صوب مستقبل مشرق وسعيد يقضي على الظلم. وان هذه الفكرة الثالثة هي فكرة الدين الاسلامي وبها ترتبط "نهضة المهدي".

إن "نهضة المهدي" هي الصيغة العامة للأفكار المنادية بانتصار الحق والعدالة والقضاء على الجور، وضرورة الدولة العالمية الحكيمة، والقضاء على مصادر الشر، ووحدة الكل الإنساني، واستغلال الطبيعة على أفضل وجه، وبلوغ النضج الكامل للبشرية وتذليل الغرائز، وإزالة شبح الحروب وإحلال السلام، والمواءمة بين الإنسان والطبيعة. من هنا ضرورة التفريق بين "الانتظار المخرّب" و"الانتظار البنّاء". فالأول هو ذاك الذي يعتقد بأن ازدياد السوء والخراب أفضل لأنه مقدمة الظهور الحي للمهدي. وبالتالي فإنه يقف ضد الإصلاح. أما الثاني فهو الذي ينظر إلى ظهور المهدي على انه حلقة من حلقات الصراع لإحقاق الحق، ومن ثم فهو استمرار وتتويج لتاريخ الصراع بين الحق والباطل. وبالتالي فان له مقدمات في التاريخ الواقعي. وقد وضع مطهري هذه الحصيلة في عبارة تقول:"المهدي المنتظر تجسيد لأهداف الأنبياء والصالحين والمجاهدين على طريق الحق".

 إننا نعثر في التحليل الفلسفي واللاهوتي لفكرة المهدي عند مطهري على صيغة يمكن مطابقتها مع الحكم القائل، بأن فكرة المهدي متأتية من الهداية صوب فكرة الأمل الأبدي. إذ نعثر فيها على فكرة الإصلاح الدائم وفكرة الثورة. ولم يكن ذلك معزولا عن الحالة الأيديولوجية والفكرية لستينيات وسبعينيات القرن العشرين، أي المد الهائل لفكرة اليسار والثورة على النطاق العالمي. بمعنى مشاركته في إحياء ودمج التراث اللاهوتي والفلسفي الشيعي بكل ما له صلة بفكرة المهدي بالشكل الذي جعلها عصرية وحيوية من حيث التأسيس الفلسفي والتطويع العملي السياسي. فقد سلك سلوك الحجج العقلية والنقد الفلسفي وليس السياسي والأيديولوجي. وحاول الانتقال بالفكرة من الجسد إلى الروح، ومن الغيبة اللاهوتية إلى الحضرة السياسية. وفيها نعثر على احد نماذج الصعود الجديد للفكرة الإسلامية في إيران والتشيع بشكل عام. بمعنى إننا نرى فيها حالة من حالات الانتقال من ثقافة وتقاليد الحوزات الدينية المغلقة (والاستثناءات نادرة) إلى إشكاليات العصر والحياة الواقعية. وأعطى لفكرته هذا مذاقها الخاص بالارتباط مع تقاليد الأئمة الشيعية الاثني عشرية. فقد وجد في تعددهم (اثنا عشر إماما) شكلا من أشكال التعددية والتنوع في التاريخ والمناهج العملية. إذ لكل منهم خصوصية مرتبطة بأثر تباين الزمن والأحوال. وبالتالي، فإن الفكرة التي تحاول أن تجعل من التقية (الباطنية والسرّية) عنصرا جوهريا في التشيع لا تستقيم مع التاريخ الفعلي والحقيقة. لهذا نراه يعتبر أن التقية ليست من صلب التشيع ولا يتماهى معها. وبالتالي، فإن قضية "المهدي المنتظر" فيما لو جرى إزالة الحشو اللاهوتي أو اليقين العقائدي منها، فإنها تتخذ في فكر مطهري وتفسيره صيغة المرحلة الثالثة في التطور الإنساني، حسب تصنيفه وتقسيمه لها، أي مرحلة الكمال التي يتناغم فيها العقل والدين بعد تجاوزه لمرحلة الخرافات والأساطير، أي مرحلة الجاهلية ومرحلة العلم الممزوج بالشباب (القوة والشهوة).

وقد تطورت هذه الأفكار عنده وبالأخص بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران. حيث تبلورت بوضوح أفكاره عن النظام السياسي الإسلامي، وولاية الفقيه وفكرة الديمقراطية. وقد حل كافة هذه القضايا بمعايير الرؤية الإسلامية.

ففيما يخص الديمقراطية توصل إلى أنها لا تتعارض مع فكرة الجمهورية الإسلامية. وذلك لان فكرة الجمهورية الإسلامية لا تتعارض مع حق السيادة للشعب، بمعنى أنها لا تتعارض مع المبدأ الأساسي للفكرة الديمقراطية. كما أن الالتزام بعقيدة كبرى بالنسبة للدولة لا تتعارض مع الديمقراطية. ووضع هاتين الفكرتين في أساس موقفه من الديمقراطية بشكل عام ونمطها الخاص في إيران ما بعد الثورة الإسلامية.

وانطلق في تأسيسه النظري للفكرة المذكورة أعلاه من أن فكرة الجمهورية الإسلامية قائمة بذاتها، اي أنها تحتوي على مبادئ الحكم وإدارة الدولة. أما النظام السياسي فهو ليس نتاج المنطق التجريبي بل هو الصيغة المثلى للطريقة المثلى في التعامل مع وجود الدولة والمجتمع، اي بما يتطابق مع مبادئ وحقائق الدين الإسلامي. بحيث نراه يحسم هذا الأمر منذ بدء الانتصار التاريخي للثورة الإسلامية في إيران عندما رفض الخميني إضافة كلمة الديمقراطية إلى جانب عبارة الجمهورية الإسلامية. فقد اعتبر عبارة "الجمهورية الإسلامية" كافية بذاتها لذاتها. وكل ما عداها هي زوائد وحشو لا قيمة له. والسبب يكمن في أن الإسلام هو اكبر وأوسع من أن يجري حصره بمصطلح يشير إلى إرادة الشعب. إن الإسلام هو إرادة الأمة والشريعة الإلهية، أي تلك التي تحتوي على رؤية تتناسب فيها مبادئ الثبات والتغير، أو الفكرة والتاريخ، أو الأصول الكبرى والتجريب العملي لتحقيقها. 

فالتصور الذي يجعل من الديمقراطية رديفا لفكرة إرادة المجتمع وسيادته، كما يقول مطهري، هو تصور القرن الثامن عشر المرتبط بمتطلبات الحياة المعيشية آنذاك. بينما تؤسس الفكرة الإسلامية لمفهوم أوسع عن الديمقراطية، بحيث يدخل فيها الانتماء الفكري والتكامل الإنساني. وبالتالي فان فكرة الديمقراطية بالمعنى الاسلامي هي أوسع مما هو متعارف عليه في التصورات السياسية الغربية. إضافة لذلك أن الدعوة للجمهورية الإسلامية كان مطلبا شعبيا. أما الدعوات التي تقترن عندها فكرة الديمقراطية بالصراع ضد الإسلام فهي دعوات جاهلة ومعارضة للروح الحضاري والتاريخي لإيران. فالديمقراطية أو إرادة وسيادة الأمة بالنسبة للإسلام تحتوي بالضرورة على مبدأ الانتماء الفكري. وهو اصل لا يمكن فصله عن الروح الحضاري والتاريخي لإيران، وهذا بدوره لا يمكن فصله عن الإسلام.

أما فكرة ولاية الفقيه فهي تعادل فكرة ولاية الفقيه العامل. ومن الناحية الشكلية هي اقرب ما تكون إلى فكرة الفيلسوف الحاكم أو المستبد المستنير، لكنها تختلف من حيث مضمونها ووظيفتها. وذلك لأن ولاية الفقيه لا تعني تحكم فَقِيه فرد في الدولة. وذلك لأن حقيقة ولاية الفقيه هي أولا وقبل كل شيء فكرة أيديولوجية، بينما الفقيه منتخب من قبل الشعب. بمعنى أنها جزء من تراث وتجارب الانتماء الفكري لعالم الإسلام، وتتطور بإرادة الشعب نفسه. وهذا بدوره جزء من الحقيقة القائلة، بانعدام التعارض بين حقيقة الإسلام ومبدأ التغير والتبدل والتطور. وذلك لأن مضمون الفكرة الإسلامية هو التكامل الإنساني. وهذه عملية دائبة. فالإنسان غير ثابت، لكن مداره ثابت، كما أن هناك قيم لن تتغير، كما يقول مطهري. أما التجربة الإسلامية فينبغي أن تكون إسلامية، في حين أن تجارب الغرب الديمقراطية والاشتراكية والنزعة الإنسانية هي تجاربه الخاصة، رغم اختلافها الشديد من الناحية العملية عما تعلنه في الدعاية.

لقد قام الغرب بثوراته الخاصة. وللعالم الإسلامي ثوراته الخاصة. وما يميز الثورة الإسلامية عن غيرها بالنسبة لمطهري هو أن ماهيتها تقوم في استجابتها للفطرة الإنسانية ونزعة التكامل الإنساني. أنها رجوع إلى الأصول، ومن ثم تخطي تجارب الشرق والغرب الليبرالية والاشتراكية. أنها ترتبط بأصالة قيادتها وإخلاصها في إرساء أركانها الثلاثة الكبرى وهي: العدالة الاجتماعية، الحرية والاستقلال، والمعنوية الإسلامية. والأخيرة هي أساس التكامل، بوصفه محرك وغاية الرؤية الإسلامية عن وجود الإنسان نفسه. 

البديل الحضاري الإسلامي المعاصر

لا تخرج فكرة البديل الحضاري الإسلامي المعاصر عند مطهري عن المنهج العام لتفكيره وفلسفته الإصلاحية. فالمقدمة النقدية العامة للحالة الحضارية في العالم الإسلامي تقوم حسب عبارته في أن "الإسلام حي، بينما المسلمون أموات". وان "العالم الاسلامي متخلف وممسوخ" تماما كما أن "الأفكار والمفاهيم والقيم الإسلامية ممسوخة في أدمغة المسلمين". الأمر الذي حدد أولية البديل الفكري والمنهجي في التعامل مع إشكاليات الثقافة والعلوم. من هنا تحديده لماهية الإسلام باعتباره دين العلم والمعرفة وليس دين القوة. فالإسلام من وجهة نظره ليس دين القوة، مع أن القوة ضرورية. ومع أن القوة هي من صفات الكمال لكنها ليست صفة جوهرية أو مكونا ملازما لحقيقة الإسلام. من هنا فكرته عن ضرورة ألا يكون البديل الاسلامي بالقوة. لهذا نراه يحدد حتى موقفه من العلوم بطريقة "ثقافية" عندما توصل إلى "أن كل علم مفيد هو علم ديني". ولهذا اعتبر تقسيم العلوم إلى دينية وغير دينية تقسيما ليس دقيقا.

وعندما نقل هذا الموقف الخاص من الثقافة والعلوم إلى مجال الموقف من الحضارة، فإنه حاول تأسيس وتوسيع موقفه النظري من خلال تحليل ونقد "فلسفات التاريخ" السائدة آنذاك من اجل تحديد الفكرة الإسلامية البديلة بهذا الصدد. فهو ينطلق من أن كل النظريات الواسعة الانتشار عن التاريخ وفلسفة التاريخ تعاني من نقاط ضعف جوهرية. وكان يقصد بذلك النظريات التي تعتمد في تفسيرها للتاريخ ومساره ومستقبله على عوامل البطولة، أو الجغرافيا، أو العنصرية أو الاقتصادية أو الإلهية.

وعوضا عنها حاول رسم معالم البديل الحضاري الإسلامي، الذي اختصره بجملة مبادئ أولية وهي: إن المستقبل هو تحقيق للفطرة الإنسانية، وأن المستقبل يفترض كمال الإنسان والمجتمعات وتكاملها الفعلي، وأن هذا الكمال هو انتصار وتحقيق للإسلام الحق، ومن ثم صنع الكيان العالمي الموحد. وهذا بمجمعه يمثل مضمون الفكرة التي وضعها وبلورها الإسلام والمستمدة من عقيدة التوحيد.

غير أن الدراما الحياتية لمطهري وانقطاعها بأثر اغتياله قد حالت دون التوسع والتأسيس النظري لفكرة البديل الحضاري الإسلامي. لكننا نعثر في ما كتبه وسعى لتأسيسه بهذا الصدد على معالم الفلسفة العملية التي ينبغي استكمالها بالفعل. فالنظام السياسي الذي ساهم في بنائه في إيران ما بعد الثورة الإسلامية يتضمن، كما يقال، المحك الفعلي للبرهنة على مشاريع البدائل النظرية بما في ذلك في مجال الثقافة والحضارة. وشأن كل مشروع مستقبلي لا يجيب عليه إلا المستقبل. (انتهى).

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

حسن الحضريهي عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الباعوني، نسبتها إلى باعون (من قرى عجلون، في شرقي الأردن)، وُلِدت في دمشق، وتوفِّيَت فيها سنة 922هـ [«الأعلام» للزركلي (3/ 241)]، وقصيدتها التي نتحدث عنها في هذا المقال موجودة في ديوانها «فيض الفضل وجمع الشمل» (ص 76- 77)، تحقيق ودراسة وشرح: الدكتور مهدي أسعد عرار؛ وهي قصيدة من أربعة عشر بيتًا من بحر البسيط، تقول في مطلعها:

كيف احتيالي وقلبي للهوى عَرَضُ= وليس لي في السِّوَى قصدٌ ولا غَرَضُ

وهذه القصيدة مِن رَوِيِّ الضاد المعجمة المضمومة، عدا أربعة أبيات منها وردت بِرَوِيِّ الظاء المشالة، منها ثلاثة أبيات متتالية؛ هي:

ولم يرقُّوا لحالي في ملامِهِمُ= ولا رعوا لي ذمامًا لا ولا حفظوا

ونوَّعوا الوعظَ في عذلي ولو عدلوا= وأنصَفوا لنفوسٍ منهمُ وعظوا

لكنَّهم إنْ أسَوْا في العذل إنَّهمُ= قد أحسنوا بمرورِ الذِّكرِ مُذْ لفظوا

والبيت الرابع هو قولها:

كتمتُه زمنًا حتى غُلِبتُ به= فشاع مكنونُ سرٍّ كان ينحفظُ

وذكر محقق ديوانها في تفسير ذلك الخلط بين الرَّويَّين «أنها تعتمد في ذلك على هيئة قراءة الضاد في بعض البيئات واللهجات، فقد تُقرأ ظاء كما في قولنا في بعض عامياتنا (الأرظ) مكان قولنا (الأرض)» [الديوان ص 76]، وهذا الذي ذكره المحقق له وجه، لكن لا أراه جوابًا شافيًا؛ والذي أراه هو أن تلك الكلمات التي وردت برويِّ الظاء المشالة في هذه القصيدة لها أصلٌ آخر تعرَّض للتصحيف، ربما أكثر من مرة؛ وذلك على النحو الآتي:

قولها (ولا رعوا لي ذمامًا لا ولا حفظوا) الأصل فيه (حَفَضوا) ثم تصحفت؛ يقال: حَفَّضَ [بتضعيف الفاء] الله عنه؛ أي: خفَّف [«لسان العرب» لابن منظور (7/ 138)] وتخفيف التضعيف جائز في الشعر لضبط الوزن، ويكون المعنى أنهم لم يقلِّلوا أو يخفِّفوا من ملامها.

وقولها (وأنصَفوا لنفوسٍ منهمُ وعظوا) الأصل فيه (لَعَضوا) ثم تصحفت فأصبحت (وعضوا)، ثم صحَّفوها مرة أخرى فاشتقوا لها من (الوعظ) المذكور في صدر البيت، فأصبحت (وعظوا)؛ يقال: لعَضَه بلسانه؛ إذا تناوله؛ وهي لغة يمانية [«لسان العرب» لابن منظور (7/ 227)]، وعلى ذلك يكون المعنى أنهم لو كانوا عادلين لتناولوا أنفسهم باللوم بدلًا من عكوفهم على لوم الشاعرة.

وقولها (قد أحسنوا بمرورِ الذِّكرِ مُذْ لفظوا) الأصل فيه (وَفَضوا) ثم تصحفت فأصبحت (لفضوا)، ثم تصحفت مرة أخرى فصارت (لفظوا)؛ يقال: أوفضتُ لفلان: إذا بسطت له بساطًا يتقي به الأرض [«لسان العرب» لابن منظور (7/ 250)]، وعلى ذلك يكون المعنى المقصود في البيت أنهم قد أحسنوا منذ صاروا إذا ذُكِرتِ الشاعرة عندهم؛ حفظوا غيبتها فلم يتعرضوا لها بسوء.

وقولها (فشاع مكنونُ سرٍّ كان ينحفظُ) الأصل فيه (ينحفض) ثم تصحفت، يقال: حَفَضَ العُودَ؛ أي: حناه وعطفه [«لسان العرب» لابن منظور (7/ 137)]، والمعنى هنا أنه قد شاع سرٌّ كان منطويًا في صدرها.

وبذلك تكون الفصيدة موحدة الرَّويِّ بالضاد المعجمة، ولعل هذا هو التوجيه المناسب لطبيعة ذلك التنوع في قافية القصيدة بهذين الرَّويَّين، ولا سيَّما في ظل كثرة التصحيف الذي يقع من الناسخين والناشرين، وقد قيل عن الشاعرة: «ونالت من العلوم حظًّا وافرًا، وأجيزت بالإفتاء والتدريس، وألَّفت عدة كتب؛ منها: (الملامح الشريفة والآثار المنيفة)، و(در الغائص في بحر المعجزات والخصائص) وهو قصيدة رائية، و(الإشارات الخفية في المنازل العلية) وهي أرجوزة اختصرت فيها (منازل السائرين) للهروي، وأرجوزة أخرى لخصت فيها (القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع) [«الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة» للغزي (1/ 288)]، وقيل: «والذي أجمع عليه العارفون أن عائشة هذه بين المولدين تزيد عن الخنساء بين الجاهلين» [«الدر المنثور في طبقات ربات الخدور» لزينب فواز (ص 293)].

وهذا لا يمنع بالضرورة احتمال وقوعها في الخلط بين رويَّيْن على النحو الوارد في قصيدتها هذه، لكن أرى أنه حيثما وُجِد مَخرج مناسب فالأولى تقديمه ما لم يتعارض مع بيِّنةٍ تؤكد وقوع تلك الأخطاء مِمَّن نُسِبتْ إليه.

 

حسن الحضري

عضو اتحاد كتاب مصر

 

سليم الحسنيمئة يوم تُعد فترة طويلة بحساب التظاهرات الجماهيرية، وقد فرضت تظاهرات تشرين نفسها بقوة على الساحة العراقية، حيث حاولت كل القوى السياسية مجاملتها، خصوصاً بعد أن حظيت بتأييد المرجعية العليا، مما أعطاها زخماً معنوياً هائلاً.

جاءت قوة التظاهرات من طرحها شعار الإصلاح وضرورة محاسبة الفاسدين، وهذا الشعار يمثل نقطة مشتركة لا خلاف عليها، وقد عكس وعياً ناضجاً للمطلب الجماهيري لتصحيح المسار السياسي، وإنقاذ البلاد من الكتل والمسؤولين والبرلمانيين الفاسدين.

لكن التظاهرات وبالاتساع الكبير الذي شهدته في أيامها وأسابيعها الأولى واجه ضربتين موجعتين، كانتا أشد من الإجرام القمعي الذي مارسته الحكومة:

الأولى: الموقف المتخاذل من المحافظات الكردية والسنية، واتخاذها موقف المتفرج الذي لا يعنيه الأمر، مع أن المتظاهر الشيعي لم يكن يرفع شعاراً فئوياً، إنما كان يريد المصلحة الوطنية العامة. وقد كشف هذا التخاذل السني الكردي أن لديهم تنسيقاً ومعلومات وتعليمات صارمة بعدم الدخول في التظاهرات لكي يجري تمرير مخطط خفي يستهدف روح التظاهرات. وكان ذلك المخطط هو توغل السفارات وحرف مسار التظاهر نحو التخريب وصناعة الاقتتال الشيعي ـ الشيعي، أي العمل على تدمير الشيعة بأيدي بعضهم البعض.

الثانية: الضربة الأخطر التي تعرضت لها التظاهرات، أنها كانت سهلة الإختراق، فظروف العراق المعقدة والرخوة تفتح عليها بوابات السفارات والعناصر المندسة والجماعات المرتبطة بالمال الخليجي. ولم يفكر المتظاهرون المخلصون بشكل كافٍ لوضع آليات سريعة لتفادي هذا الاختراق. وبذلك استطاعت القلة المندسة أن تنجح في حرف المسار، وأن تشوّه صورتها المطلبية. وقد كان مشهد الطفل الذي تم قتله وتعليقه في ساحة الوثبة بمثابة الإنذار الصارخ على سرقة التظاهرات. ورغم بشاعة تلك الحادثة وصخب الإنذار التحذيري الذي تتضمنه، إلا ان التظاهرات لم تعالج المشكلة، بل برزت مشكلة ثانية هي مجموعات حماية المتظاهرين التي أحاطتها الشبهات في كونها تتسبب في أعمال عنف وفوضى ولها أغراضها الخفية.

كان من نتائج المندسين أنهم فرضوا سيطرتهم على الجو العام للتظاهرات، فصارت أعمال التخريب وحرق الممتلكات مشاهد يومية، لم يتخذ المخلصون إجراءً عملياً لتطهير تظاهراتهم من هؤلاء، ولم تجر عملية التطهير حتى الآن رغم مرور مئة يوم على التظاهر، بل أن الكثير من المتظاهرين المخلصين، فضلوا العودة الى منازلهم بعد أن رأوا أن انتفاضتهم قد تم سرقتها.

إضافة الى اعمال الحرق والتخريب والاغتيالات المجهولة، تعاظمت ظاهرة طارئة شاذة في أجواء التظاهرات، وهي أفواج مكافحة الدوام، وهيمنت هذه الجماعات على شوارع العديد من مدن الوسط والجنوب، ولا تزال هذه الجماعات تمتلك السطوة والتحكم على المدارس والطلاب المساكين.

إن مئة يوم من التظاهر، يجب أن تخضع لتقييم مدروس من قبل المخلصين، فلابد من هيكلة التظاهرات من جديد، قبل أن تذهب سهلة يسيرة الى المندسين والمعتاشين على السفارات، فتضيع دماء المئات من الشباب العراقي الذين استشهدوا فيها، وعشرات الآلاف من الذين جرحوا في حوادثها.

إن المراجعة السريعة والإجراءات العاجلة التي يمكن أن يلتزم بها المخلصون، هو التمسك بانتفاضتهم وعدم التفريط بها، فالثورات الجماهيرية ـ وكما يسجل التاريخ ـ إنما تُسرق لظروف مشابهة لما تشهده هذه التظاهرات. وأن أول خطوات الحفاظ عليها من السرقة، هو العودة بها الى السلمية، وتطهيرها من المندسين، وتحديد الأهداف الواضحة المحددة.

لقد فرضت التظاهرات على الطبقة الحاكمة أن تستقيل الحكومة، وفرضت إجراء انتخابات مبكرة، وهذه إنجازات عظيمة لا يمكن الاستهانة بها.

وتبقى أهداف أخرى واضحة ومحددة، تختصر المسافات وتقرب النتائج، وفي مقدمة ذلك، المطالبة بإصلاح القضاء، فمع بقاء الفساد في القضاء، ستضيع الدماء وتتلاشى التضحيات، وسيعود الفاسدون مرة أخرى، أو تولد طبقة جديدة من الفساد أشد جشعاً ومكراً من السابقة.

القضاء الفاسد في العراق، هو المتسبب بكل كوارثنا، وهو مصدر القوة التي يتكئ عليها كل الفاسدين في الدولة. لن تكون للتظاهرات نتيجة مؤثرة، ما لم يتجه الصوت والنداء والشعار نحو إصلاح القضاء الفاسد.

 

سليم الحسني

 

محمد غانيما أشد غباءنا في كثير من الأحيان حين نخوض تجارب تبدو لنا جديدة، في حين ان الحياة عبر التاريخ ملأى بتجارب مماثلة، وسيناريوهات مشابهة يمكن ان نقتبس منها المخارج والحلول، وليس ذاك الا بالتوسل بوسيلة مثلى، تجمع بعضا ليس بالهين من قصص وتجارب وسيناريوهات الآخرين.

لكي نوضح الأمر أكثر ونجعله للقارئ أكثر جلاء، كم نجد بين الناس من مغموم، بسبب هجر حبيب أو ابتعاد صديق أو عدم تضامن خليل وقت شدة، الى غير ذلك  من الحالات مما يمكن ان نتصوره من التجارب الحياتية التي قد تبدو أكثر ألما للبعض من بعض آخر، بحسب تعلقات الانسان بالاشياء أو الاشخاص أو الأماني.

تراثنا المكتوب من نثر وشعر، سواء في حضاراتنا العربية أو الاسلامية أو الامازيغية أو غيرها من الحضارات المجاورة أو البعيدة عبر القارات، مليئة بالقصص والأمثال  التي تلخص حكما وتستلهم عبرا مفيدة أشد ما يكون الإفادة اذا استثمرت بشكل سليم في حيواتنا المعاصرة.

كثير من الناس يشقون على أنفسهم بالتدقيق في صغير الاشياء حين ينبغي التركيز فقط على الأهم، والعكس صحيح، نجد بعضا آخر لا يدقق حين ينبغي التدقيق مما يضع أشخاصا في وضعيات حياتية لا يحسدون عليها، في حين سلك النبيه منهم مسالك الفوز والنجاة.

لذلك نصحنا احد حكماء التاريخ المجهولين قائلا: اذا اردت أن تعيش سعيدا فلا تفسر كل شيء ولا تدقق بكل شيء ولا تحلل كل شيء فان الذين حللوا الالماس وجدوه فحما...

ونفس الأمر هذا، هو ما عاشه السير تشارلز سبنسر تشابلن الممثل الانجليزي الكوميدي الشهير وكاتب السيناريو والمسرحي والمخرج والملحن الشهير عالميا تحت اسم "شارلي شابلن" حيث خرج بحكمة بليغة مفادها "لكي تعيش، عليك أن تتقن فن التجاهل باحتراف".

تبقى مسألة في غاية الاهمية ينبغي التنبه اليها، عند سبر اغوار تجارب الآخرين عبر التاريخ، ينبغي استلهام تجارب الناجحين المتفائلين والهروب من النظرة التشاؤمية مثل قول أبي العلاء المعري:

من كان يطلب من أيامه عجبا   فلي ثمانون عاما لا أرى عجبا

الناس كالناس والأيام واحدة   والدهر كالدهر والدنيا لمن غلبا

أو قول  الكاتب المعروف عبد الرحمن منيف، الذي أصاب في كثير من كتاباته، غيرقولته الموالية هاته" ان أغرب شيء في هذه الحياة يا صاحبي أن الناس السيئين لا يموتون، يعيشون أكثر مما يجل لكي يفسدوا حياة الآخرين".

فأقل ما يمكن أن نجده في مقابل هذين الرأيين الأخيرين أن نوحا عليه السلام لبث في قومه ألف سنة الا خمسين عاما وهو من خيار الناس عبر التاريخ، وكذا يمكن الاستشهاد ردا على المعري بالعجب العجاب الذي خطته أنامل كبار العلماء والفلاسفة والحكماء والشعراء الكبار عبر التاريخ، أسوق واحدا من ألوف الآلاف المبثوثة في بطون الكتب، منها ابيات لموسى بن علي بن موسى الزرزاري القطبي أوردهما ابن حجر العسقلاني في كتابه النفيس الدرر الكامنة في اعيان المائة الثامنة:

تواضعْ تكنْ كالنجمِ لاحَ لناظرٍ   على صفحات الماء وهو رفيع

ولا تكُ كالدخّان يرفع نفسه          إلى طبقات الجوّ وهو وضيع.

 

د محمد غاني، كاتب- المغرب

 

 

صادق السامرائيهاتفني أحد الأخوة القراء، وكان متأثرا بخاتمة إحدى المقالات التي قارنت فيها بين المجتمع الألماني ومجتمعاتنا.

وقال: يا أخي إنها العروبة، وهناك في كل مجتمع، مَن هو ناكر لأصله وقيمة هويته.

وأضاف: أنا عربي، وأعتز بعروبتي!

قلت: إن المقالة تشير إلى ذلك لو تأملتها، فما فيها تعبير عن ضرورة إدراك قيمة العروبة وأهميتها، كهوية حضارية ذات قدرات جامعة وخلاقة لإطلاق الطاقات الإنسانية في مجتمعاتنا.

قال: إنهم يحاربونها، ويتنازلون عن اللغة العربية، ويريدون تحقيق إنتماءات غريبة، تنكر جوهر وجودنا وتأريخنا وثقافتنا وتراثنا وقيمنا وتقاليدنا، إننا نعيش زمنا لسحق معالمنا الإنسانية.

إذا تحدثنا عن العروبة، يتهموننا بالشوفينية، وإذا تحدثوا عن هوياتهم القومية، يحسبونها حقا وضرورة للقوة والتلاحم.

وتواصل الحديث بيننا لما يقرب من الساعة، وبعد أن إنتهينا، تساءلت عن عروبتنا، وهل لها وجود في سلوكنا وتفاعلاتنا السياسية والوطنية، وما بين دول أمة العرب، ورحت أبحث عنها، فلاقيت صعوبة في العثور عليها إلا في بعض بلداننا!!

فالعروبة تدوسها سنابك الجهل والتنكر والتنازل، والسقوط في حبائل التبعية لهذا وذاك، ولجهةٍ أو غيرها من المسميات، المنطلقة نحو تفتيت المفتت، وتقسيم المقسم إلى أقصى ما يمكن.

ولا يُعرف كيف أنكرت الأحزاب المؤدينة العروبة، وحولتها إلى عدو للدين، وكأن الرسول الكريم لم يكن عربيا هاشميا، ولا القرآن قد أنزل بلسان عربي!!

وهذه الحالة السائدة في النشاطات الثقافية والسياسية والفكرية، تضع الأجيال في موقف الحيرة والتشويش، وكأنها تريد أن تقول لهم، بأن كل ما يمت بصلة إلى العرب، لا يتعدى  كونه أكاذيب وإفتراءات، فالعرب أمة جهل وقبلية وتبعية، ولا يمكنها أن تعيش إلا كما تعيش المخلوقات الأخرى في سوح الغاب!!

حتى صار الحديث عن العروبة، والكتابة في موضوعاتها، نوع من التطرف والكلام المعادي للحياة الوطنية، بل أن بعض الحكومات أخذت تقدم الأدلة والبراهين على أن العروبة عدوة العرب، وأن عليهم التنازل عنها، والتخلي عن لغتهم وما يشير إليهم، ويذوبوا في مجتمعات الدنيا، حد الغياب الحضاري المروّع.

لا زلت أفكر بكلام القارئ العزيز، وأتساءل: لماذا أردينا العروبة قتيلة على قارعة طريق الديمقراطيات المستوردة، والمدججة بأسلحة الفردية والفئوية والتحزبية العمياء، والمجردة من القيم الوطنية، وهي تضع تاج الفساد على رأسها، وتحقق إرادة الآخرين، وقهر الشعب بالحرية؟!!

فهل يستطيع الواحد منا القول: "أنا عربي وأعتز بعروبتي"؟!!!

"هيَ العروبة لفظٌ إن نطقت به....فالشرق والضاد والإسلام معناهُ"!!

 

د. صادق السامرائي

 

علاء اللاميوأكاذيب البشير

1- ردا على إصدار مجلس النواب العراقي لقراره القاضي بإنهاء وجود قوات التحالف الدولي "الأميركي" في العراق شنت الأذرع الخفية للسفارة الأميركية في بغداد هجوما شرسا على القرار والبرلمان ورفعت شعار "البرلمان لا يمثلني" وطال الهجوم والترهيب كل مطالب وطني بإخراج قوات الاحتلال الأميركية المفروضة قسرا على العراق حتى لو كان هذا المطالب رافضا للنظام وبرلمانه وحكومته ومطالبا أيضا بإنهاء الهيمنة الإيرانية وحل المليشيات الولائية وأحزاب الفساد الموالية لإيران. وكان المهرج أحمد البشير صاحب برنامج " البشير شو" والذي يسميه البعض متندراً "البشير شوز" أي "البشير أحذية"، كان في صدارة المتصدين بالرفض لقرار سحب القوات الأجنبية، وقد خصص لهذا الموضوع إحدى حلقات برنامجه الساخر، حاول فيها ترويع وإرهاب العراقيين من ردود أفعال أميركا على طرد قواتها من العراق. وقال ما معناه إن العراقيين سيموتون من الجوع لأن أميركا لديها حصانة على أموال العراق وعائداته النفطية المودعة في حسابين ماليين في البنك الاتحادي الأميركي، أحدهما يدعى "صندوق دعم العراق"، والحقيقة هي أن لا وجود لأي حساب بهذا الاسم حسب استقصاءاتي، بل هناك حساب اسمه "صندوق تنمية العراق (DFI) "، أما الحساب الآخر لتحويل العملة من الدولار إلى الدينار العراقي أو بالعكس فهو حساب عادي مالي باسم المصرف المركزي العراقي في البنك الاتحادي الأميركي لتحويل العملات وهذا ما يحدث لجميع الدول التي تتعامل أو تبيع نفطها وتجري تبادلاتها التجارية بالدولار الأميركي، وحال العراق كحال روسيا ومصر والهند ودول الاتحاد الأوروبي وجميع الدول الأخرى طالما استمر نظام اقتصاد الدولار قائما!

وأضاف المهرج أحمد البشير أن أموال عائدات النفط في حال رفع الحصانة التي (يوقعها سنويا الرئيس الأميركي، تعني أن الدول التي يدين لها العراق بأموال ستصادر عائدات النفط العراقي لمدة عشر سنوات وسيموت العراقيون من الجوع خلالها)! فما حقيقة هذا الموضوع؟ وما هي دلالاته؟

2- أنشئ صندوق تنمية العراق (DFI) في مايس -أيار من العام 2003، بقرار من قبل قوات الاحتلال الأميركية وقع عليه رئيس "سلطة الائتلاف المؤقتة" الجنرال الأميركي جاي غارنر، وتم الاعتراف به، بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحد رقم 1483، وبعد حل سلطة الائتلاف  الاحتلالية في حزيران من العام 2004، تم تفويض الحكومة الأميركية من قبل حكومة العراق لإدارة أموال صندوق تنمية العراق، التي أتيحت لمشاريع إعادة الأعمار، وقامت وزارة الدفاع الأميركية بإدارة أموال الصندوق المذكور نيابة عن الحكومة الأميركية، وقد تم سحب التفويض اعتباراً من 31 كانون الأول 2007. ولكن الحصانة الأميركية استمرت على الأموال العراقية لكي لا تذهب هدرا على مطالبات بتعويضات غير حقيقية وديون غير موثقة وزائفة على العراق.

3- يؤكد الكاتب أسعد عبد الله عبد علي في مقالة مهمة له سنة 2016 حدوث عمليات سرقة ونهب كبرى قام بها المحتلون الأميركيون لأموال العراق في تلك الفترة فيكتب، بعد قرار سحب التفويض (تم نقل مئات ملايين الدولارات في أكبر عملية نقل جوي للأموال، والغاية المعلنة الأعمار، لكن الذي حصل هو أكبر عملية لتبديد المال العراقي، وبتصريح من مكتب المحاسَبة الأمريكية الذي أجرى فيما بعد مراجعة لمشاريع الأعمار، التي كانت تحت إشراف القوات الأمريكية، حيث أنه سحب 21 مليار دولار من الصندوق، لكن المفتش العام أكد أن هناك 8.8 مليار دولار قد صرفت من دون مستندات صرف أو وثائق تبين كيفية صرفها، على الرغم من أنها مؤشرة كمبالغ مصروفة في زمن بريمر، كما أنه تم صرف 7 مليار دولار وفقاً لوثائق تحتوي على إشكالات وخروق بخصوص المطابقات، كما هناك مبالغ أخرى تصل قيمتها إلى 25 مليار دولار كانت قد دخلت صندوق التنمية، وصرفت في مشاريع أمنية من تجهيزات عسكرية وغيرها، المبلغ الكلي قيد التدقيق يبلغ 61 مليار دولار).

4- كان مجلس الأمن الدولي قد ألزم الحكومة العراقية، في نهاية عام 2010، بوضع خطة لتسلم مهام الإشراف على "صندوق تنمية العراق"، فقررت الحكومة العراقية بعدها وضع أموال الصندوق في الخزانة الفيدرالية الأمريكية لضمان الحصانة من قبل القانون الرئاسي الأمريكي عليه وحماية واردات العراق النفطية من الحجز من قبل الكثير من الدائنين، على ان تستقطع نسبة 5% من عوائد النفط العراقية لتودع في حساب صندوق الأمم المتحدة للتعويضات الخاصة بحرب الكويت والتي تناولتها المادة 21 من قرار مجلس الأمن الدولي في أعلاه.

5-في 14 مايس -أيار سنة 2014 طالبت الحكومة العراقية، بعدم تجديد الحماية الأميركية على الأموال العراقية المودعة في مصارفها، ليتولى البنك المركزي العراقي مسؤولية إدارتها بعد الخروج من طائلة البند السابع لميثاق الأمم المتحدة، بعد أن أعلن البنك المركزي العراقي أنه قد وفى بالتزاماته تجاه الغالبية العظمى من الدائنين، وأن ما تبقى منهم (لا يشكلون مصدر قلق).

6-وقد رفضت جهات نيابية وسياسية عميلة للاحتلال ورافضة لاستقلال العراق كالتحالف الكردستاني وغيره طلب رفع الحصانة ليبقى العراق تحت الهيمنة المالية الأميركية، مثلما رفضوا إخراج قوات الاحتلال سنة 2011 وطالبوا بإبقائها لمدة عشرين عاما أخرى، ومثلما يرفضون اليوم إخراج القوات الأجنبية، حيث بررت عضوة اللجنة المالية النيابية عن الكردستاني، نجيبة نجيب، في حديث إلى (المدى برس)، رفضها لرفع الحصانة الأميركية باحتمال ظهور دائنين جدد للعراق!

7- وافق الرئيس الأمريكي باراك أوباما على الطلب العراقي برفع الحصانة الأميركية على الأموال العراقية في العام ذاته. وقال الرئيس الأمريكي أوباما في بيان نشر على موقع البيت الأبيض الأمريكي إنه (بموجب السلطة المخولة لي كرئيس وفق الدستور وقوانين الولايات المتحدة الأمريكية، بما في ذلك قانوني السلطات الاقتصادية الدولية الطارئة، بصيغته المعدلة والطوارئ الوطني، قررنا رفع الحصانة الممنوحة لصندوق تنمية العراق وممتلكات خاصة تعود للحكومة العراقية في الخارج"، عازيا القرار إلى "التطور الحاصل في قدرات الحكومة العراقية، على إدارة التبعات المرافقة للديون المترتبة على النظام السابق).

8- أخيرا، فإن هذا اللغط والتهريج حول موضوع الحصانة الأميركية وحول التهديدات بالاستيلاء على عائدات النفط العراقي في الخارج لا صحة لهما، وقد انكشفتا أخيرا كحرب نفسية ضد الشعب العراقي وأكاذيب، وخصوصا بعد تصريح لا سابقة له للرئيس القفاص ترامب اليوم هدد فيه بالاستيلاء عنوة على أموال عراقية موجودة فعلا وتقدر بخمسة وثلاثين مليار دولار في حسابات عراقية في أميركا وترامب بتهديده هذا كشف عن عدة أمور منها:

*كذب مزاعم وجود حصانة أميركية رئاسية على عائدات النفط العراقية وأمواله المودعة في الخارج وإلا لكان هدد برفع الحصانة، فهذه الحصانة انتهت منذ ستة أعوام ولهذا اضطر ترامب للتهديد بالاستيلاء على الموجود من هذه الأموال عنوة كأي لص دولي.

*انفضحت حقيقة الولايات المتحدة وإدارتها الحامة في البيت الأبيض كلص دولي ينهب أموال الشعوب التي تطالب باستقلالها ويخرق جميع المعاهدات والاتفاقات الدولية ويدمر اقتصاد الدولار نفسه بسبب فقدان الثقة بالدولة الأميركية عالميا.

* إن ترامب يساوم العراقيين يقول لهم ما معناه: إن ثمن حريتكم وإخراج القوات الأميركية من بلادكم هو 35 مليار دولار من قوت شعبكم. أي، باختصار: إما أن تكونوا عبيدا وبلادكم محتلة من قبلنا وإلا نسرق أموالكم!

*انفضحت حقيقة شخصية ترامب أكثر مما هي مفضوحة وظهر كلص وناهب لا يستحق الاحترام الذي طالب العراقيين به والذين بدأوا يطلقون عليه في مواقع التواصل " القفاص ترامب" والقفاص في اللهجة العراقية المعاصرة تعني "النصاب واللص"!

* انكشف مزيدا من الكشف جبن النظام العراقي وانتهازيته وخضوعه التام لدولة الاحتلال حيث لم ترد السلطات العراقية على تهديدات ترامب بمصادرة أموال العراق ورفضه وسخريته من قرار برلمانه بكلمة واحدة، ولم تتحرك لا السلطة التنفيذية ولا التشريعية ولا القضائية ضد تهديدات ترامب.

9- ورغم أن تهديدات ترامب بمصادرة الأموال غير جدية ولا تحمل خطرا كبيرا لسهولة الطعن بها قانونيا، ولكنها تبقى مصدرا لتهديد مقلق، والخطأ الكبير تتحمله الحكومات العراقية المتتابعة بعد 2003 والإدارة المالية العراقية. وقد وضح الخبير المالي العراقي عبد الرحمن المشهداني هذا الأمر في تصريحاته اليوم والتي وردت فيها هذه الخلاصات أنقلها هنا مع التحفظات:

*  قرار حجز الأموال العراقية في البنك الاتحادي الأميركي غير قانوني والأموال الأجنبية هناك محمية بموجب قوانين ومعاهدات دولية قدم البنك الفيدرالي الأميركي تعهدا باحترامها.

* يمكن للولايات المتحدة أن تتخذ قرارا كهذا، فهي احتلت العراق دون قرار دولي من الأمم المتحدة، ولا تلتزم بالقوانين الدولية، ولكن من السهل الطعن بقراراتها خصوصا وأن المصرف المركزي العراقي أقرض الحكومة العراقية، لأنه مستقل عنها، ولأنها مدينة له بـ 21 ترليون دينار (في الخبر الرقم بالدولار وهذا خطأ كما أعتقد بل بالدينار العراقي) ولا يزال يطلب الحكومة 17 ترليون "دينار".

* إن الخطأ الاستراتيجي ارتكبه المصرف المركزي العراقي حين أودع أمواله في البنك الاتحادي الأميركي ولم ينوع أماكن الإيداع ويوزعها في بنوك دول أخرى كالصين وبريطانيا وفرنسا.

10- أخيرا، وبخصوص احتمال لجوء ترامب الى فرض عقوبات على العراق كما فعل مع العديد من دول العالم الكبرى كالصين وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي في حال فرض عقوبات اميركية على العراق علما أن ترامب لم يصرح بفرض حصار أو ما شابه حتى الآن بل طالب بأموال وهدد بالاستيلاء على أموال موجودة في البنك الاتحادي الأميركي- فالعراق سيصمد ستة أشهر كما قال الخبير المشهداني وليس لمدة شهر كما قال بعض المحللين من أربيل لقناة الحدث السعودية، والذين ينطبق عليهم المثل الشعبي (مثل البزونة – القطة - تدعو الله ليصاب أهل الدار جميعا بالعمى)، لأن العراق غير مستعد لهذه العقوبات ومحكوم من قبل عملاء أميركا، ولكن، وبوجود نظام وطني استقلالي فيمكنه استيعابها بالتدريج كما استوعبتها إيران رغم الحظر النفطي عليها والعراق ليس عليه حظر نفطي مثلها وأميركا لا تستورد النفط كثيرا من العراق لحسن الحظ ... تبقى إذن تهديدات ترامب بفرض الحصار على العراق لفظية وغير جدية حتى الآن، وخصوصا إذا قام نظام وطني استقلالي عراقي على انقاض هذا الحكم التابع لأميركا وإيران...

إنَّ مَن يريد أن يعيش حرا في وطنه المستقل عليه أن يدفع ثمن هذا التطلع الحر النبيل أما من يريد أن يعيش عبدا تابعا في بلد منزوع السيادة والاستقلال والكرامة فيمكنه الركوع لترامب وغيره من قفاصي ولصوص الإمبريالية العالمية وسينال العار ولعنات الأجيال، أما المقاومين الأحرار فلهم المجد دائما وأبدا!

علاء اللامي

......................

 * روابط:

1- لمزيد من المعلومات حول آليات إدارة الموارد المالية النفطية للعراق في الوقت الحاضر هنا رابط يحيل الى مقالة مفصلة للباحث الاقتصادي العراقي د. مظهر محمد صالح حول الموضوع:

http://iraqieconomists.net/ar/2016/01

2- رابط يحيل الى تصريحات الباحث الاقتصادي د. عبد الرحمن المشهداني:

https://baghdadtoday.news/news/107260

 

جلسة البرلمان التي ناقشت اخراج القوات الاجنبية من البلاد اثارت العديد من التساؤلات من قبيل: لماذا غاب الكثير من النواب عن الحضور؟ ولماذا لم تحضر كتل تمثل مكونات البلد.. هل الموضوع لا يخصهم ام انهم لا ينتمون الى العراق: وان كان لهم رأي مخالف فكان عليهم الحضور وتثبيت موقفهم امام الرأي العام العراقي... فلماذا حدث ما حدث؟.

من الصعوبة بمكان تحليل سبل نجاح عمل البرلمان في الوقت الحالي، وذلك يعود لعدة اسباب اهمها:

1- بنية البرلمان التقليدية القائمة على المحاصصة القومية والطائفية.

2- الخلافات الحادة بين المكونات حول مختلف القضايا الفرعية والوطنية، وآخرها ما شهدناه في التصويت على انسحاب القوات الاجنبية وهو من القضايا التي لا خلاف عليها في اي بلد بالعالم ورغم ذلك غاب تحالف القوى والكتل الكردستانية عن الجلسة.

3- الصراع داخل المكون الواحد وبالذات المكون الاكبر الذي يشكل اكثر من نصف عدد النواب، اضاف تحديا جديدا امام عمل البرلمان ومستقبله.

وبعد هذه التحديات المتأصلة في بنية البرلمان وسلوك القوى السياسية المكونة له على اختلاف توجهاتها ومشاربها فان المستقبل قابل لعدة خيارات يحتكم فيها الواقع الى نتائج صناديق الاقتراع، فالبرلمان الحالي بحاجة الى خطوات جدية للنهوض بواقعه وتفعيل آلياته، ومنها على سبيل المثال لا الحصر :

- الاتفاق والتعاون بدل الخلاف في اقرار التشريعات والقوانين الملحة وهو ما اكدت عليه خطبة المرجعية في الجمعة الماضية.

- تقديم المصلحة الوطنية العليا بدل المصالح الفئوية والحزبية، وبالذات في اختيار رئيس وزراء مناسب يمكنه النهوض بمتطلبات المرحلة.

- اقرار القوانين المعطلة والاستجابة للمطالب المشروعة والتناغم مع الجمهور والتواصل معه عبر مختلف السبل على اعتبار ان البرلمان هو الممثل الشرعي للشعب الذي يعتبر مصدر السلطات.

اما بالنسبة للقواعد الضامنة للتغيير الجذري في عمل البرلمان الحالي، فانه لا قواعد ضامنة للتغيير غير تغيير الكتل السياسية المكونة للبرلمان من تفكيرها وتغيير النواب من سلوكهم وتقديم مصلحة البلد والمواطن على غيرها من المصالح، وتبقى مسألة التداول السلمي حاضرة في المشهد العراقي ما دام هناك التزام بالدستور وآلياته وتجنب خرقه تحت اي ظرف.

 

جواد العطار

 

نجاح العطيةيستدعي معاقبة مرتكبيه باشد العقوبات

سؤال يطرح نفسه على المراقبين في عراق المحن والاحن لماذا تم تجميد العمل في العراق بقانون حالة الطواريء المعمول به في جميع بلدان العالم وهو يشهد هذا الارهاب الجوكري الممنهج تحت ذريعة التظاهرات وشتان بين التظاهرات وحرق وتخريب مؤسسات العلم والتعليم وتعطيلها؟

وهل يعلم الشعب العراقي الجريح المبتلى ويعلم المتظاهرون المبرمجون من حيث يشعرون او لا يشعرون وركاب موجة التخريب تحت ذريعة المطالبة بالتغيير ومحاربة الفساد السياسي والمالي الحكومي ان حرق الجامعات والمدارس هو عمل ارهابي تخريبي اجرامي محض بحق الشعب والطلبة والعلم والتعليم والثقافة وجميع القيم الانسانية والوطنية ولا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد باهداف اية تظاهرات سلمية ولا تدخل ضمن حيثيات سياقاتها في اي بلد في العالم وعلى راسها الدول الكبرى مهما كان حجم الفساد السياسي والمالي الحكومي والازمات في تلك البلدان وان تخريب وحرق وتفجير المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية ومعاهد البحث والتعليم هي خط احمر وان التظاهرات السلمية واحراق الجامعات والمدارس ضدان لا يلتقيان لانها تعود بالضرر الفادح على الشعب ومستقبل اجياله وتشوه صورة شعبنا لدى الراي العام العالمي وتثلج صدور اعداء شعبنا وتعكس نظرة الشعوب الاخرى الينا على اننا شعب همجي يحتقر العلم والعلماء والقلم والتعليم والحضارة والحياة الكريمة العزيزة.

وهل يعلم الشعب العراقي ان من يقوم بهذه الاعمال الارهابية يصنف وفق قوانين الطواريء الدولية في كافة دول العالم على انه ارهابي مخرب مجرم لانها اعمال ارهابية تخريبية وتستدعي القاء القبض السريع على مرتكبيها وبالسرعة الفائقة من قبل القوات الامنية لاي بلد ومعاملتهم على انهم مجرمين ارهابيين واحالتهم الى المحاكم وفق قانون حالة الطواريء والحكم عليهم باشد العقوبات وقد تصل عقوبتها الى الاعدام ليكونوا عبرة لمن تسول له نفسه تخريب المنشات والمؤسسات التي تعود للشعب

ان احراق الجامعات وعلى راسها جامعة الكوت من قبل حيوانات وحشرات الجهل المجندين والمدفوعي الثمن من قبل السفارة الامريكية هو مخطط حقير لتدمير العلم والانسان في المحافظات العراقية في الوسط والجنوب الخاصة بالشيعة العراقيين وهو ارهاب اسوا من اي ارهاب داعشي ويساوي قتل الشعب برمته وان الذي يقوم بهذه العمليات الاجرامية الارهابية المدفوعة الثمن يعتبر ارهابيا يتفوق على الارهابيين الدواعش في حقارته وقذارته لانه جاء بحجة التظاهر السلمي ليقوم تحت هذه الذريعة والحجة بنسف كل مقومات وجود الانسان لا سيما في مناطق ومحافظات العراقيين الشيعة بينما بقية مناطق العراق الشمالية والغربية تنعم بالتعليم والهدوء وتتفرج على هذا الارهاب والتخريب المتعمد دون استنكار لما يحدث من كارثة بحق العلم والتعليم .

وانا من جانبي شخصيا احمل المسؤولية كاملة لقيادات القوات الامنية والقضاء العراقي بضرورة التصدي الحازم لهذا التخريب الارهابي الجوكري تحت ذريعة التظاهر والضرب بيد من حديد فولاذي لكل من تسول له نفسه من المجرميم بارتكاب هذا الارهاب التخريبي الشنيع كما وادعو القضاء العراقي لتحل مسؤوليته في التصدي لهذه الزمر الجوكرية العميلة والحكم عليها باشد العقوبات تحت بند الارهاب وممارسة الاعمال الارهابية الفظيعة ودون هذا فان القوات الامنية والقضاء العراقي يعتبران مسؤولين وشريكين في هذا الارهاب التخريبي القذر والساكت عن الحق شيطان اخرس وترك الامور بهذا الشكل الكارثي يعتبر خيانة للدين والوطن والشعب وجميع القيم الانسانية.

فكفاكم سكوتا على هذا الارهاب الشنيع فقد صار العراق مهزلة ما بعدها مهزلة اثر هذه الممارسات الارهابية الاجرامية التي يندى لها الجبين والتي تشكل عارا ما بعده عار على الجهات الامنية والقضائية اذا التزمت هذا التسامح الغريب العجيب مع الارهابيين الجوكريين السفلة .

 

نجاح العطيه

كاتب وباحث سياسي عراقي

 

 

يتفق الجميع على ان الطبقة السياسية التي حكمت العراق بعد 2003 قد فشلت في بناء ما يطلق عليه في لغة السياسة "الدولة الوطنية" اي الدولة التي يتساوى فيه الجميع امام القانون مهما كان منصبهم الوظيفي او موقعهم في السلم الاجتماعي. ورغم اني اعرف ان هناك الكثير من الناس، لا فرق ان يكون مثقفا او جاهلا، مصابون بمرض "متلازمة المالكي" اي انهم يحسون برجفة تجري في اوصالهم كلما ذكر اسم الرجل فلا بأس ان يتحملوا جملة واحدة مفادها ان المالكي كان اول رجل اسمعه في احدى المقابلات التلفزيونية التي مضى عليها قرابة سنة يعترف بفشل الطبقة السياسية في هذه المهمة وعندما رد عليه منشط الحوار بانك كنت جزءا من هذه الطبقة أجاب بان ما قاله ينطبق عليه هو أيضا.. ومن نافلة القول أن جميع من حكموا العراق منذ العهد الملكي قد فشلوا في مهمة بناء أمة عراقية لأسباب لا تتعلق جميعها بغياب النية بقدر ما تتعلق بطبيعة النظام السياسي وطبيعة الشخصية العراقية غير الميالة إلى النظام وطبيعة التركيبة الاجتماعية المشوهة السائدة. وادين بمحتوى هذه الفكرة الاخيرة وليس نصها للمثقف الكبير جمعة عبد الله (عدا أفكار أخرى أكثر عمقا طرحها) سمعتها منه في آخر مقابلة معه أجرته الفضائية العراقية شبة الرسمية والتي أغاضني فيها كثرة مقاطعة منشط البرنامج للاستاذ جمعة حتى وهو يهم بالبوح بأفكار غاية في العمق الأمر الذي يشي بضحالة المستوى الفكري لمقدمي البرامج الحوارية في فضائياتنا وهو ما اعتبره فسادا في المفهوم الثقافي. ودائما ما يكون الامر على هذا النحو عندما تكلف شخصا غير مؤهل معرفيا بادارة حوار مع مثقف كبير كالاستاذ جمعة أو أي شخصية بوزنه. ومن المحزن أن نقول ذلك ونحن نتحدث عن فضائيات جادة كما ومن الانصاف القول ان هناك استثناءات قليلة.

و إني أرى أن الحديث عن هذا النمط من الدولة اي ما يسمى الدولة الوطنية ما هو إلا كذبة بورجوازية قديمة تلقفناها وبتنا نرددها هي وكثير من المفاهيم الأخرى بناء على عقدة النقص أزاء الغرب التي يبدو أنها تجذرت لدى نخبنا قبل هجرهم الماركسية وانتقالهم الى خليط من فوضى الافكار والمواقف وانتقلت عدواها الى بسطاء الناس ومنهم من نراهم يتظاهرون تحت شعار "نريد وطنا". ذلك أن "المواطنة" الحقة التي يتساوى فيها الجميع هي المواطنة القائمة على كيف توزع الثروة المتولدة بفعل العمل المبدع بما يتناسب والجهد الجسدي والفكري والقدرة الابداعية للفرد وما يعادلها من حيث القيمة المقدمة إلى المجموعة البشرية التي يعيش فيها الفرد.

لذلك فأنا منحاز لفكرة أن "النزال" الدائر بين الجماهير الغاضبة في "سوح الوغى" والدولة أو الطبقة السياسية الحاكمة لا تمت بصلة لفكرة "الدولة الوطنية" بل تدورحول فكرة أن الطبقة السياسية تتصرف بالثروة أو تديرها بطريقة غير عادلة تضمن استفادة فئات على حساب أخرى ووالدليل على ذلك ان من تسمعهم من بعض نماذج المشاركين في الاحتجاجات (نقلت لهم محطة فضائية حوارا في مناسبتين) لا يتشاركون بأي فكرة سوى فكرة أن الطبقة السياسية الحاكمة فاسدة بالمفهوم المادي الصرف للكلمة. بمعنى آخر أن لسان حال المحتج هو: "أنتم تاخذون أكثر مما تعطون وهذا لا نقبل به ويجب إعادة القسمة". أما طريقة إصلاح النظام السياسي فلا أحد لديه فكرة واضحة عنها وما قام به البرلمان من خطوات إصلاحية كان من بناة أفكار الفئة القليلة من البرلمانيين الرافضين للصيغة السائدة والذيم وجدوا في الضغط الجماهيري فرصة لانتزاع تنازلات من القوى السياسية المتشبثة بصيغة المحاصصة التي يخفونها تحت ثوب مهلهل طرزوا عليه كلمة "الشراكة". وهذا مع الاسف ما لا يعترف به او يفهمه عدد كبير من المحتجين.

واني لأرى أن طبيعة الصراع الدائر في أوساط الطبقة السياسية الحاكمة هو من نفس طبيعة ما يدور بينها وبين الجماهير والذي يتعلق بمجمله بطريقة اقتسام السلطة وبالتالي الثروة.

وما يجب الإشارة إليه أيضا هو أن الناس انفسهم يمارسون عملية الابتزاز والسرقة من بعضهم البعض والذي يتمثل بانتشار الارتشاء في جميع دوائر الدولة وعلى مستوى الموظفين العاديين (بل قد يكون فراشا في الدائرة من يتولى المهمة مع حصة من الغنيمة ويحمل التبعة القانونية لوحده عندما تحين لحظة الحساب) وكثير من المظاهر الاخرى التي تثبت أن منظومة القيم الأخلاقية لدى الفرد العراقي والتي عكست نفسها في طبيعة اختيار من تولوا السلطة السياسية قد تعرضت للانهيار وأن هذا التآكل ثم الانهيار قد بدأ منذ أن دخل العراق حربه مع إيران ثم احتلال الكويت ثم الحصار الذي لم يدمر البنية التحتية المادية وحسب بل والبنية الاجتماعية أي منظومة القيم التي كان يتعايش العراقيون فيما بينهم بموجبها. وقد جرى ذلك كله بعناية وبدراسة اعتمدت حماقة النظام الحاكم آنذاك كسبيل لتحقيقه وصولا إى ما نراه اليوم من مظاهر عجيبة أحد تعبيراتها أن وزير خارجية أمريكا بومبيو يدعو العراقيين للنزول للشارع للتعبير عن احتجاجهم لقرار البرلمان العراقي بإخراج القوات الأمريكية من العراق ونرى من يتجاوب معه حتى من أوساط محسوبة على الطبقة المثقفة وهو ما سأورد بضعة أمثلة عليه.

ويحاول بعض السياسيين الذين دخلوا عالم السياسة بعد 2003 ان يلصقوا بالسياسيين القدامى الذي كانوا يعيشون بالمنفى القسري "تهمة" انهم سبب الفشل السياسي والفساد وهي محاولة ميتة بالمهد لان السياسيين الذين كانوا في المنفى لم يكونوا منقطعين عن التطور الفكري والتغيرات العميقة التي حصلت في العالم في وقت كان فيه العراقيون في الداخل محرومين من كل وسائل الاتصال مع العالم الخارجي بل ان اكبر رأس في السلطة الحاكمة آنذاك اي صدام حسين لم يحسب اي حساب لتبعات التغيرات التي حصلت في الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية عند تولي غورباتشيف السلطة والذي هيا في السنوات القليلة اللاحقة لانهيارها قبل ان يقدم على مغامرة غزو الكويت وسمح لسفيرة الولايات المتحدة ان تخدعه بكلمة "ليس للولايت المتحدة موقف من الخلاف العراقي الكويتي" التي نطقت بها السفيرة غلاسبي بحضرته من الناحية الاخرى فان انهيار المنظومة القيمية في المجتمع العراقي نتيجة الحروب والحصار كان ضحيتها عراقيو الداخل الذين عانو من الجوع والحرمان ومشاهد الموت والقتل اليومية التي اعتادوها واعتقد ان دراسة تصنيفية لطبيعة الاوساط التي ساد وسطها الفساد (اي التعدي على المال العام) ستثبت ان نسبة عراقيي الداخل من مجمل الموظفين الفاسدين في مفاصل الدولة ستكون اكبر بنسبة ملحوظة ممن استلموا مناصب بعد مجيئهم من المنفى و لايعني ذلك باي حال ان "عراقيي الخارج" كانوا يعيشون في بحبوحة بل على الكفاف وخاصة من كانوا في لبنان وسوريا وايران.

ومن مظاهر تحلل القيم لدى الفرد العراقي هو المظهر المنافق. لنورد بعض الامثلة:

اينما ذهبت تسمع الناس تتحدث عن فساد الحكومة والبرلمان ولكن ما ان يقوم احد اعضاء الحكومة او البرلمان بزيارة مدينة ما الا و يجد نفسه وقد احاط به مئات الناس وعلى راسهم اكثر الناس انتقادا للحكومة والبرلمان وسنرى ان من استطاع بالتدافع أن يكون أقرب إلى هذا المسؤول يهمس باذنه كلاما لا يعرف أحدا من المحيطين عن ماذا يدور. حدث ذلك في إحدى المدن التي زارها مسؤول كبير في الدولة. وفي الحالة الطبيعية التي تعبر عن وجود مجتمع حقيقي متضامن يفترض ان تجتمع الشخصيات المعروفة بنزاهتها والتي هي محل ثقة تلك المدينة وتتفق على ماذا يتحدثون لذلك المسؤول الكبير ولكن ليس ذلك هو ما حدث.

قبل شهور عديدة من اندلاع الاحتجاجات احتج احد اعضاء مجلس إحدى المحافظات على قيام المحافظ باختيار معاون فني معروف بكونه مقاول فاشل قبض ثمن 28 مشروعا ولم يكمل واحدا منها وظهر عضو المجلس على سبع فضائيات متحدثا عن الموضوع وعندما دعى إلى مظاهرة احتجاج في محافظته ضد اجراء المحافظ لم يخرج معه في المظاهرة سوى بضعة عشرات. لماذا؟ الجواب لدي بسيط؟ ان لسان حال العراقي يقول:" أنا اعرف انك لص ولكني بما إنك ابن مدينتي ولديك مرافقين وحرس ومؤيدين فاني اما اخاف منك او استحي منك وربما ياتي يوما استفيد به منك فلماذا انتقد فسادك؟"هذا هو سلوك عراقي اليوم.

وفي دائرة تقاعد تلك المحافظة التي تعج بمتقاعدين كثير منهم مضى سنوات على قرار احالتهم على التقاعد دون ان يقبضوا شيئا من مستحقاتهم يجول "محامون" (لأني لا ادري عمن يحامون او يدافعون) يعرضون على المواطنين الذي لا حول ولا قوة لهم توكيلهم من "أجل الحصول على حقوقهم". ذات يوم سألت أحد هؤلاء "المكرودين": كم يتقاضى هذا المحامي لقاء استحصاله على حقوقك؟" فرد بالقول: "لا أدري، هناك من يقول ان المبلغ قد يصل إلى نصف مستحقاتك". فلنا أن نتصورأن متقاعدا ينتظر ثلاث سنوات ليحصل على ما رواتبه المتراكمة لنقل ما يعادل 10 أو 12 مليون بواقع 400 ألف بالشهر فيأتي "محامي" ليأخذ نصفها. وبالطبع عندما تسأل المواطن هل أن المحامي شريك للموظف الذي يعطل المعاملة يرد عليك "لا أعلم" ولا يخفى على أحد أن النفي هنا يعني الاثبات. هذه هي القيم التي يتحلى بها جزء غير قليل من المحامين ونحن نتحدث عن تحلل القيم. أما الأطباء الذين يدخلون أربعة مرضى لعيادتهم في كل مرة فاصبح حديثا عاديا بينما من يعرف من درس الطب أن حالة المريض هي سر لا يجوز للطبيب أن يبوح به لأحد.

وفي مثال له صلة شاهدت على شاشة التلفزيون احد الاعلاميين يجول في ساحة التحرير بين المتظاهرين في عنفواها فلاحظ وجود طفل بين المتظاهرين فتقدم عليه وساله:

كم عمرك؟/ 14 سنة./هل تدرس؟/نعم والاول على صفي؟/من أين جئت؟ من محافظة كذا (نفس المحافظة التي ذكرت أعلاه). مع من جئت؟/ لوحدي./وما هي مطالبك؟/اريد حقي؟/ وما هو حقك؟ اريد كهرباء وماء وخدمات (مع العلم ان الماء متوفر والكهرباء يعمل بحدود 20 ساعة يوميا في تلك المحافظة ما لم يتم تخريب الشبكة او يلجأ احد موظفي الكهرباء بالاتفاق مع رئيسه لقطعها باتفاق مع اصحاب المولدات الذي اصبحوا خائفين من تناقض الاشتراكات بالطبع مقابل حصة من أرباح المولد تذهب لموظف دائرة الكهرباء ما لم يكن الموظف نفسه أو رئيسه هو صاحب المولد).

ومن حقنا أن نسأل ونحن نتحدث عن القيم كيف سمح رجل او ام لابنهم البالغ 14 سنة ان يذهب لوحدة في مكان لا يعرف ما يمكن ان يحدث له فيه؟ ولماذا لم يرسلوه لمشاركة في المظاهرة التي دعى لها عضو مجلس محافظته ضد تعيين مقاول فاسد معاونا فنيا للمحافظ؟ اي اطار نظري او علمي او تحليلي يمكن ان نضع سلوك اب وام هذا الطفل؟

في مقابلة بثتها "العراقية" مؤخرا بمناسبة عيد الشرطة سأل مقدم البرنامج المدير العام للشرطة حول علاقة الشرطة اليوم بالمواطن قياس بما مضى. لا يهمنا التفصيل في جوابه رغم اهميته واريد فقط ان انوه الى ما قالة مدير الشرطة وهو يتحدث عن غرابة سلوك المواطن العراقي قال:

"كنت واقفا لاراقب حركة المرور في احدى التقاطعات فرايت شابا يهم بعبور الطريق اثناء سير المركبات وعند وصوله منتصف الطريق وسط زحام السيارات المارة توقف واخرج علبة ساكائر من جيبه وراح يشعل سيكارة. عندما اكمل عبور الشارع ناديته وسالت: هل لديك عائلة؟ فاجاب نعم لدي زوجة وطفلان. اذا لماذا تعرض نفسك للخطر؟ الم يكن امكانك ان تكمل عبور الطريق ثم تشعل سيكارتك؟

كيف يمكن ان نفسر هذا السلوك؟

وليس من الصعب ان يكتشف المرء ان كثيرا من الذين يحرضون الناس على مواصلة الاحتجاج وعلى الانقطاع عن الذهاب الى المدارس والكليات هم حاملو شهادات و انما يفعلون ذلك من منطلقات شخصية بحتة لان كل واحد منهم  لديه حسابا يصفيه مع من لا تعلم. دعوني اورد المثال التالي الذي حدث معي:

إمرأة (قبل ان اعرف انها تعيش في بلد اوربي) تملئ احد الصفحات الفيسبوك (اسمها شناشيل ديالى) تحريضا للطلبة على الانقطاع عن الدراسة وعندما قلت لها: ايها السيدة باي حق تحرضين الاطفال على الانقطاع عن الدراسة والنزول للشارع؟ تستطيعين ان تفعلي ذلك مع اطفالك ان كنت تعتقدين انهم ملكية خاصة وليست كيانات لها وجودها المستقل. ردت بالقول لان الحكومة فاسدة. بعد بضعة أيام عاودت تلك المراة الكرة في نفس وقت دعوة وزير الخارجية الامريكي بومبيو للعراقيين للخروج للشوارع احتججا على قرار البرلمان العراقي باخراج القوات الامريكية وعندما علمت من احد الاصدقاء ان تلك المراة تعيش في بلد اوربي وكشفت ذلك في الفيسبوك ردت بالقول انها انسانة مضحية وان ابيها كان شيوعيا ولولا حبها للتضحية لما ذهبت لعراق في 2003 وقدمت طلبا التدريس في الجامعة لانها تحمل شهادة الدكتوراه ولكن "الطائفيين والاسلاميين لم يقبلوها". ومن أجل أن تعبر عن "تضحياته الجسيمة" كتبت ما يعادل 15 كلمة فيها خمسة كلمات مليئة بالاخطاء الاملائية (أسفت على حذف الحديث لاحقا ليرى القارئ ما كتبت)

قلت لها "تدعين أنك تحملين الدكتوراه وارتكبت العديد من الاخطاء الاملائية في بضعة أسطر ":

ردت بالقول ان الغربة التي طالت 40 سنة قد انستها اللغة.

سألت: وما كان موضوع إطروحتك للدكتوراه؟ ردت أنها كانت في الادب المقارن بين روايات غوركي وغائب طعمة فرمان. قلت لها ولماذا لم يعينك للتدريس في الجامعة الجهة التي اعطتك الدكتوراه؟ لا جواب.

 اذا نحن إزاء امرأة لا تجيد حتى الإملاء العربي تنال دكتوراه لا ندري من اي جامعة في موضوع لا يمت صلة باي من حاجات العراق العلمية في الوقت الحاضر تريد ان تصبح استاذة في الجامعة وعندما يرفض طلبها لا تكتفي بصب جام غضبها على النظام السياسي بل تحرض حتى الاطفال على الانقطاع عن الدراسة. اي مستوى علمي يمكن ان ينتج من هكذا اناس اذا ما سمح لهم بان يكونوا اساتذة جامعة؟

ليسمح لي القارئ بان اسرد نموذجا اخر فاقع بل باعث عى الخجل والاشمئزاز لأنهي حديثي :

إمرأة (لن اذكر اسمها) تنشر في نفس الصفحة التي تنشر فيها المرأة المذكورة سابقا تدعو الناس للخروج يوم 10/1 وتصف من لا يخرج بانه "فاقد للغيرة" وعندما رددت بالقول ان من يخرج فاقد للغيرة لانه مطلب امريكي (اثر تصريحات بومبيو) من اجل ان ينسى العراقيون جرائم امريكا ردت علي بما نصه:

"انعل ابوك لابو الامريكان لا بو ايران احنا طالعين نطالب بحقوقنا يا كلب ابن الكلب والدستور يكفل تظاهرتنا والمرجعية موافقة... ها نسيت... لابو عشيرتك".

وعندما دخلت على بروفايل هذه المرأة التي تخفي وجهها وراء كوفية ماذا وجدت؟

يقول البروفايل أنها تحمل شهادة الماجستير بالادب الجاهلي من جامعة بغداد وانها درست في ثانوية المتميزات في المنصور؟

وعندما اطلعت على أصدقائها عرفت أن العديد منهم شيوعيون..

هذا هي نماذج من دعاة المدنية الذين يكيلون السباب للاحزاب الدينية وهذه نماذج من حملة الشهادات الذين يطالبون بأن تعينهم الحكومة اساتذه في الجامعة.

إذا من يصلح من؟

 

ثامر حميد

 

جمعة عبد اللهتدور في الغرف السرية للاحزاب الشيعية بتقديم طبخة سياسية من نفاياتها المعروفة. بتدويرها من جديد، في اعادة تكليف عادل عبدالمهدي بتشكيل حكومة تنتهي بأنتهاء الدورة البرلمانية الحالية، يعني بقاءه في منصب رئيس الوزراء مع تغيير طاقمه الحكومي لمدة اربع سنوات حسب الدستور، بحجة مضحكة وهزيلة بأنها لم تجد شخصية توافقية تحظى بقبول المحتجين، لكن دوافعها الخبيثة، هي اجهاض ثورة التغيير، وانهائها وافراغ ساحات التظاهر من المتظاهرين. بعدما افرغت كل محاولاتها الفاشلة ووجدت بغيتهم في بقاء عادل عبدالمهدي في رأس الحكم. لانه رفع زوراً وخداعاً، لواء معارضة الوجود الامريكي، والبقاء على الوجود الايراني. بتسويق النفاق في المسرحيات التهريجية، لا تفضي الى طرد الامريكان، وهو يعرفون انها للاستهلاك الداخلي لا اكثر ولا اقل. ولا تستند الى حقائق ملموسة. يدركون خطورتها، لكن لتمرير بيعة عادل عبدالمهدي من جديد. بهذا الشكل القفز على الواقع، لانهم هم الذين جاءوا بدبابات المحتل الامريكي، هم انفسهم وضعوا صرماية العراق المالية في البنك الفدرالي الامريكي وتبلغ عشرات المليارات الدولارية، هم انفسهم وقعوا معاهدات واتفاقيات بالوجود الامريكي. وبالتي يدركون انهاء الوجود الامريكي والبقاء على الوجود الايراني، سيكلف العراق ثمناً باهظاً. وهم لا يمكن ان يتجاسروا على انهاء الوجود الامريكي، ليس حرصاً على اموال العراق، التي ستذهب للتعويضات في بناء القواعد ودفع تكاليف الحرب ضد داعش. وانما الخوف من مصادرة اموالهم في البنوك الامريكية والاوربية. بأن امريكا هددت بوضع البنك المركزي العراقي في القائمة السوداء وانهاء التعامل بالدولار. لذلك هذه اكبر فرية مخادعة في طبختهم السياسية في اعادة تكليف عادل عبدالمهدي، والتفاف خلفه بأعتباره حفظهم من السقوط الوشيك من قوة ثورة تشرين، ولانه ظهر ايرانياً اكثر من الايرانيين انفسهم، ولانه وضع الفاسدين في الحماية والحصانة من التبيعات القانونية. لهذه الافضال لهم. ارادوا تكريمه في البقاء في منصبه، ضرب عصفورين بحجر واحد. بقاء عادل عبدالمهدي، كأن لم يحدث له خدش من الاحداث العاصفة.  وثانيهما وهو الاهم اخماد ثورة الشباب، بعدما جربوا كل المحاولات الامنية والسياسية، لكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً.. لكن الشارع السياسي والشعبي، يرفض هذه المحاولات السخيفة بالمهزلة، لانه لايمكن نسيان التضحيات الجسيمة بسقوط مئات الشهداء بالقتل المتعمد، والآف الجرحى والمعوقين، ولكنها تدل على مهزلة العقل السياسي الحاكم، ففي ارجاع عقارب الساعة الى الوراء. لا يمكن غفران الجرائم الدموية بغزارة الدماء التي نزفت، واعطاء صك البراءة والغفران الى عادل عبدالمهدي وطاقمه الحكومي المتورط بالجرائم والفساد والقتل. ان هذا الاختيار ماهو إلا خطف ثمار الانتصار، في التلاعب في المهل الدستورية المحددة التي مرغت بالوحل ومزقت، كأنه لا يوجد دستورفي العراق، وفي سبيل انجاح مخططهم الشرير في الاغتيالات اليومية بحق الناشطين، بأنهم يعتقدون بأنها ستدفع الى اخماد التظاهرات وهذه هيهات ان تتحقق، بل هي اوهام لا يمكن ان تمر وتنجح، وبتحويل المسار السياسي لصالحهم. كمن من يريد ان يثبت بأن طلوع الشمس من الغرب وليس من الشرق. ان هذه المحاولة في اعادة تكليف احدى نفاياتهم،  تسرع في انهاء وجودهم. بدليل بدأ زخم التظاهرات اكثر زخماً وشعبية من السابق. لانها اصبحت مسألة وطن، وقريباً سيقول لهم الشعب. كش ملك.... كش ايران.

 

 جمعة عبدالله

 

رائد الهاشميدخلنا عام 2020 ولاتزال موازنته في أدراج حكومة عبدالمهدي المستقيلة ولم يتم ايجاد مخرج قانوني لارسالها الى قبة البرلمان بالرغم من كل الأوضاع الساخنة التي يمر بها البلد والمنطقة وبالرغم من استمرار التظاهرات والاعتصامات في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب, والحقيقة ان هذا الأمر غريب ومستهجن ويزيد من حجم الفجوة بين المواطن والطبقة السياسية التي تلاعبت بمقدرات البلد طوال ستة عشرة عاماً وتلاعبت وتحايلت عشرات المرات على دستور البلد الذي كتبوه بأنفسهم وكان هذا التلاعب عندما تكون هناك مصلحة لهم ولأحزابهم ولكن الأمر عندما يكون في مصلحة البلد والمواطن نراهم يتحججون بالدستور والقانون, فهل من الصعب أن يجتمع برلماننا العتيد ويناقش قضية مصيرية وخطيرة مثل احالة الموازنة من الحكومة الى البرلمان ويجدون لها مخرج قانوني أو يصوتون على منح صلاحية لحكومة تصريف الأعمال لاحالة الموازنة اليهم بدلاً من التصويت على قانون الادارة المالية رقم 6 لعام 2019 والذي بموجبه يريدون تدوير مبالغ المشاريع التشغيلية فقط والانفاق عليها في عام 2020 على شكل موازنة مؤقتة ويتركون الأمور الأخرى سائبة بدون حلول .أتسائل هل ان التصويت على اعطاء الصلاحية للحكومة بتمرير الموازنة هو أمر مستحيل ويخالف الدستور الذي تعودوا على انتهاكه دائماً. الجواب على هذا التساؤل ان الأمر يسير ولايوجد فيه تجاوز على الدستور فوضع البلد الحرج والتحديات الكبيرة التي يمر بها سواء كانت داخلية أو خارجية تحتم عليهم أن يتخذوا هذه الخطوة بدون تأخير, وعليهم أن يمارسوا دورهم الوطني المطلوب في انقاذ البلد من منزلق خطير خاصة في الجانب الاقتصادي حيث أن موازنة 2020 وكما هو معروف ستحمل عجزاً مالياً مرعباً لم يسبق له مثيل في تاريخ موازات البلد حيث سيتراوح العجز من 45 الى 48 تريليون دينار وبما يعادل موازنة ايران لعام 2020 التي تفوقنا بمساحتها وتعداد سكانها واقتصادها لمرات عديدة ,وهذا العجز يقارب ثلث حجم الموازنة الكلي التي تبلغ من 140 الى 145 تريليون دينار.

المطلوب من البرلمان أن يسارع بهذه الخطوة وبعدها وحين وصول الموازنة اليه أن تتفرغ اللجان المالية واللجان الخاصة بوضع الحلول الفورية وبالاستعانة بالخبراء الاقتصاديين والماليين لوضع خارطة طريق مستعجلة لتجاوز الأزمة الاقتصادية المحتملة في عام 2020 واستغلال فرصة ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب الاضطرابات السياسية الحالية ووصول سعر البرميل الى أكثر من 70 دولاراً والتوقعات بصعوده أكثر في المرحلة المقبلة لتقليل العجز الكبير في الموازنة  وعليهم المسارعة باتخاذ اجراءات كثيرة تساعد الحكومة على تضخيم الموارد المالية وتقليل العجز ومنها اتخاذ قرارات وتعليمات فورية بالزام كافة مؤسسات الدولة بضغط نفقاتها بأكبر قدر ممكن لأن حالة البلد غير طبيعية والتصعيد الخطير في التطورات السياسية وخاصة بين أمريكا وايران والذي أثر وسيؤثرعلى العراق بشكل كبير جداً, والاجراء الآخر الذي يجب على البرلمان اتخاذه هو تفعيل لجان رقابية عديدة بالتعاون مع الحكومة للسيطرة على ايرادات جميع المنافذ الحدودية البرية والبحرية والجوية وبما فيها منافذ اقليم كردستان وانهاء حالات سيطرة الميليشيات والأحزاب السياسية وانهاء الفساد المستشري فيها,واذا ماتم اتخاذ هذا الاجراء بشكل صحيح فان الموارد الكبيرة التي ستدخل الى ميزانية الدولة ستساهم بشكل كبير في تقليل حجم العجز وتقليل الكارثة الاقتصادية المرتقبة على البلد.  

 أقول لقد آن الأوان أن يسارع البرلمانيون للتكفير عن الذنوب الكثيرة التي اقترفوها بحق هذا الشعب المسكين والذي يغلي في ساحات الاعتصامات منذ أكثر من ثلاثة أشهر وأن يكون هناك انعقاد دائم لمجلسهم وتمنع فيه الاجازات والغيابات منعاً باتاً وتكون جلساتهم علنية أمام وسائل الاعلام لكي يطلع الشعب بشكل مباشر على ممثليه ويفرز الوطني من غير الوطني وأن يسخروا جهودهم لخدمة هذا الشعب المسكين وأن ينأوا بالبلد من التأثيرات والولائات الخارجية التي أوصلت البلد الى هذه الحالة البائسة.

 

رائد الهاشمي

 

حسن حاتم المذكور1- لماذا لا نحاول - في وعينا على الأقل - ان نجد مكان آخر لعراقنا، من خارج ضربات المطرقة الأيرانية والسندان الأمريكي، قبلها نعيد قراءة تاريخ معاناتنا - شعب ووطن - على كامل مسيرة موتنا بين القوتين، ونختار البداية السوداء، من نقطة الأنقلاب الدموي في 03 / شباط / 1963 وحتى يومنا هذا والقادم اعظم، قد نستفز ركودنا المريح، عندما نستيقظ على واقع جريح، نحس فيه كثافة الأوجاع، ونلمس حجم الضياع، لا خيار لنا فيه غير ان نتذوق الأمر، علينا ان نستعيد رشدنا ونهذب اداء بصيرتنا ونقترب الى بعضنا، هناك ثمة خيمة وطن لمشتركاتنا المصيرية، نضمد من داخلها اصابات الأحباط وشلل اليأس، هناك من سبقنا الى ساحات التحرير، يهتف بأسمنا نحن الذين فقدنا الوطن، يبحر بدماء شهدائه، ليستعيدنا والوطن، من بين فكي المطرقة الأيرانية والسندان الأمريكي.

2 - "نريد وطن" هتاف الطريقة والطريق، الى وطن سرقته المصالح والأطماع الخارجية، وسمسرت عليه اطراف التبعية والأرتزاق، امريكا لها مجنديها وايران لها عملائها، حثالات تجمعت في عملية سياسية، ليس للعراق فيها، لا ناقة ولا جمل، تبلورت عنها مليشيات للموت اليومي، هكذا هو العراق موجوع يتألم، بين ضربات المطرقة الأيرانية والسندان الأمريكي، واللعبة تبتلع التي قبلها، والموت العراقي واحد، اغلب السياسيين في العراق، غرقوا في مستنقعات الفساد، والكثير من المثقفين (الكتاب) على جرف السقوط، يمدون اقلامهم في دسم المستنقع، ثم يبتلعونه ممزوجاً بلعاب الأحباط، ومن خلف ظهرهم تتمدد دماء الأنتفاضة الشبابية، وعياً وارادة ووضوح رؤيا، فوجدت مستقرها في صميم المجتمع العراقي، هوية وانتماء وولاء، انها ارادة الحق العراقي، في ان يكون للمواطن وطن.

3 ــ من جهنم الواقع العراقي، يدعونا بعضهم الى جنة الديمقراطية الأمريكية، وبعضهم الأخر يدعونا، الى الفوز العظيم في جنة للمجاهدين، جربنا الذهاب هنا وهناك، فكان حصادنا محرقة وطن، ربما سذاجة ام بلادة، نعود رماد انتكاسة على طريق احباط الدعاة، من خارج الحراك الشبابي للأنتفاضة الوطنية، هكذا نحن سليلي ألأنتكاسات وخيبات الأمل، بعضنا يعيش وهم اصطياد الفرص المجانية، بين محرقة واخرى، وبعضنا يتدرب على صعود الموجات، بين المطرقة والسندان، فاقدين الرشد مكابرين، نتجنب النظر الى ساحات التحرير، ثورة شبابية تشرق على مهل، عبر تاريخ عمره ثمانية آلاف عام، مشبعة بوعي سبعة حضارات كونية، على كفها مستقبل عراقي، آن له ان يكون.

4 - لنستذكر ديمقراطية السندان الأمريكي بعد عام المحرقة الأولى في 08 / شباط /1963، ونبحث في مقبرة الذاكرة الوطنية، عن مجازر الأرهاب البعثي حتى عام 09 / نيسان / 2003، حيث فُتحت على العراقيين ابواب جهنم القمع والحروب والحصارات وشرائع الشعوذة، سنجد مصداقية امريكا وايران صفراً، بعد ان ادركت امريكا النهاية الحتمية للبعث، تخادمت مع ايران فقدمت للعراقيين خدعة "مشروعها لتحرير العراق" فأسقطت النظام البعثي، لتورث الأحزاب الشيعية كامل ادواته القمعية، زرعت في صميم مجتمع الجنوب والوسط ، مليشيات ايرانية دموية، وسلطت داعش على المحافظات الغربية، وعزلت المحافظات الشمالية عن العراق تماماً، انه الوجه الدموي لديمقراطية المطرقة والسندان، ظلام قاتم للموت والجوع والأذلال، الذي خرجت من تحت ثقله، ثورة شباب تريد للعراقيين وطن، فمن يبحث له عن سكينة، بين فكي المطرقة الأيرانية، والسندان الأمريكي، كمن يبحث لعطشه، عن زلال في السراب، انه الموت المؤجل على سرير الأحباط - مع سبق الأصرار.

 

حسن حاتم المذكور

12 / 01 / 2020

 

 

 

مجدي ابراهيم (12)

لم تكن اللغة الصوفية وفق خطابها إلا اللغة المرتهنة برمزيتها. ومع هذا؛ فقد نجد باحثاً ممتازاً كــ (ولتر ستيس W.T.stace) يرفض اعتبار اللغة الصوفية رمزية، بمعنى أنها "تجاوز الفهم"، أو "تعلو على العقل"، وذلك في فصل كان عقده عن "التصوف واللغة" من كتابه "التصوف والفلسفة"، ويجادل من أجل نفي هذه النظرية ليقدّم نظرية جديدة مقترحة، لكن جدله الفلسفي إزاء رمزية اللغة الصوفية لا ينفي بالفعل : أن إدراك المتصوفة جميعاً للواحد لا يشارك في طبيعة الفهم أو الفكر المُجَرَّد، على نحو ما تفعل معرفة الموضوعات العقلية البحتة، كما يقول أفلوطين.

غير أن صعوبة فهم كلام الصوفية أو إدراك مراميهم، راجع إلى أن التصوف حالات وجدانية خاصة يصعب التعبير عنها بألفاظ اللغة العادية، وليست هى بالشيء المشترك بين الناس.

ولم يخطئ عالم النفس الأمريكي وليم جيمس (James. (w.) في كتابه صنوف من التجربة الدينيةthe varieties of  religious experience, p.p.371-373))، حين حاول أن يُحدِّد الخصائص العامة المشتركة بين أنواع التصوف المختلفة؛ فوصف إحدى هذه الخصائص، بأنها "أحوال لا يمكن وصفها أو التعبير عنها (ineffability)، وذلك لأن هذه الأحوال أحوال وجدانية (states of feeling)، وهو ممَّا يصعب نقل مضمونه للغير في صورة لفظية دقيقة.

هكذا يكشف التَّطرُّق إلى هذه الجوانب من حظيرة التصوف خاصَّة، عن كيفية فتح اللفظ اعتماداً على "قوة الشعور" في فاعلية التجربة، فضلاً عن كونها جوانب تُعيننا على فهم تلقي المعاني بمطلق "الإشارة" ثم استخراج معانٍ من اللفظ المفتوح، من طريق الإشارة، بمعنى مختلف تماماً عمَّا توحي به دلالة اللفظ القريب؛ وهو ما نعنيه بميتافيزيقا الألفاظ المفتوحة، وأخصَّها هنا التفسير الإشاري للقرآن الكريم الذي يقوم على "الإيحاء"، وعلى "الاستنباط" كما تقدّم ذكر أمثلة منه.

إنما الإدراك الروحي للرموز والإشارات هو العامل الفاعل في تجربة العارف. ومن هنا كان وجوب التأويل ألزم ما يلزم لتعلق العارف بملكة التعلق؛ تلك التي يفترضها الإدراك الروحاني للرموز والإشارات، وهى ملكة (أي ملكة التأويل) شَرَحَها وأفاض في شرحها "هنري كوربان"، وربطها بقوة الخيال التي تسبق الإدراك الحسي وتصوغه، فالإدراك الروحاني يُحوِّل مُعطيات الحس إلى إشارات ورموز. وفيما يشير "كوربان" في " الخيال الخلاّق في تصوف ابن عربي (ص 77- 78) : أن هذا الإدراك الشهودي يتحقق في عالم المثال الذي يعتبر الخيال الشهودي عضوه الفاعل؛ لأنه هو الذي استطاع ولا يزال دوماً تحويل المعطيات الحسية إلى رموز، والأحداث التاريخية إلى قصص رمزية، ومن ثمَّ فإن توكيد المعنى الباطني يتطلَّب التأويل: ويتطلب التأويل ملكة لإدراك التجليات، ويغشى الصور المرئية بوظيفة شهودية. وهذه الملكة هى قوة الخيال لدى ابن عربي خاصَّة؛ والصوفية على التعميم.

وإذا تعلَّق العارف من طريق ملكة التعلُّق هذه، بالأفق اللانهائي المفتوح، تحرَّر من الحَرْف والعنوان، وخرج من اللغة على وجه الإجمال، وتمَاهىَ مع المطلق، وقامت فيه معارف لا تعطيها اللغة العقلية المألوفة، إذْ لم يعد يهتم بالأداة، ولا بالوسيلة، ولا بما في اللغة من اتصال؛ بمقدار اهتمامه بما هو فيه من كشف جديد يأتي على لغة جديدة تتناسب مع ما تعطيه التجربة ومع ما يسوقه ذَوْق العرفان.

وملكة التعلُّق هذه؛ إنما هى ملكة مشروطة بخصائص لا توجد إلاَّ عند العارفين بالله تحديداً؛ وبها وحدها أيضاً يفهم العارف ما يفهمه من كتاب الله عن طريق ملكة التعلَّق الكُلِّي. ولا شرط لقيام هذه الملكة سوى الجهاد والعزم والإرادة من جهة، وتوفيق الله، وهو الأصل، على جهة "التَّوجُّه"؛ وذلك أن العارف في توجُّهه "بجمعية القلب"، وهمته، لا يقصد شيئاً غير الحق، وما يعنيه من مقاصده أن تجيء تصرفاته مُوجَّهة نحو الأشياء والموجودات والكائنات. ومعنى التوجُّه المقصود، أو "الجمعية القلبية"؛ كما قلنا في كتابنا " فعل الهمَّة في المحبة والإرادة عند الصوفية، ص 79"؛ هو المُراد بحضور القلب ومراقبته عمَّن سواه من صور الأكوان والكائنات. وتوجَّه العبيد المُفْرَدين؛ فيما يرى ابن عربي؛ وهم أهل الاختصاص، إنما هو توجَّه صادر عنهم على قدر قوة إخلاصهم في أعمالهم، وهذا هو توجُّه "الكُمَّل" وهو : أنْ لا يجعل العبد لهمَّته وسَمته في عبوديته لربِّه وعبادته له متعلِّقاً غير الحق، وأن يكون ذلك تعلّقاً حَمْليَّاً كُليَّاً، غير محصور فيما يعْلمه العبد منه، تعالى، أو يسمعه عنه، بل على نحو ما يعلِّمه سبحانه نفسه في أكمل مراتب علمه بنفسه وأعلاها.

ومتى ارتفعت الهمِّة عن الهبوط الشائع والتدنِّي المرذول في غير فتور ولا اعتراض، برزت ملكة التعلق ولا شرط لها غير ظهور الرحمة وخصوص العناية، على ما قال الأستاذ الإمام "محمد عبده" في " رسالة التوحيد" فصل بعنوان "إمكان الوحي"، (ص111 - 112) إنَّ : "من النفوس البشرية ما يكون لها من نقاء الجوهر بأصل الفطرة ما تستعد به من محض الفيض الإلهي لأنْ تتصل بالأفق الأعلى، وتنتهي من الإنسانية إلى الذروة العليا، وتشهد من أمر الله شهود العيان ما لم يصل غيرها إلى تعقُّله أو تحسَّسه بعصى الدليل والبرهان، وتتلقى عن العليم الحكيم، ما يعلو وضوحاً على ما يتلقاه أحدنا عن أساتذة التعاليم، ثم تصدر عن ذلك العلم إلى تعليم ما علمت، ودعوة الناس إلى ما حملت إبلاغه إليهم، وأن يكون ذلك سُّنة الله في كل أمة وفي كل زمان على حسب الحاجة، يظهر برحمته من يختصه بعنايته ...".

هذه عبارات مُلْهَمَةٌ ومُلْهِمة !

ففي عبارات الإمام محمد عبده نلحظ أولاً : إمكان الاتصال لبعض النفوس النقيِّة، بالأفق الأعلى، وهو غاية ما تصل إليه المدارك الإنسانية، ثم ماذا؟ أن تشهد ثانياً هذه النفوس شهود العيان من أمر الله ما لم يستطع أصحاب العقول والأدَّلة أن يصلوا إليه ممَّا ليس بإمكانهم أن يعقلوه أو يتصوَّره !

لابد أن الأمر أعمق من العقل؛ وأبلغ من ملكات التصوِّر مجتمعة. الأمر هنا يتعلّق "بأمر الله"؛ على ما في أمر الله من عظمة وجلالة وجبروت. ولتطلق لخيالك العنان ليُريك أن نفوساً بشرية تشهد هذا الأمر، وأي شهود ! إنما هو شهود العيان مع ما قد تقرَّر أن هنالك فرقاً بين المشاهدة التي هى بالبصيرة والمعاينة التي هى بالبصر. وفي أثناء الشهود, أي بعد "الجمعية القلبية "، أو في لحظتها، تتلقى هذه النفوس عن العليم الحكيم. تتلقى ماذا؟ تتلقى العلم والحكمة ممَّا يعلو وضوحاً على ما يتلقاه أحدنا عن أساتذة التعاليم.

إلى هنا؛ وحضرة التلقي والإلقاء لا يُسيعَهَا لفظ ولا يتصوَّرها معنى، هى حضرة "جَمْع" ليس فيه "فَرْق"؛ ولا يمكن للمُدْرَك البشري العادي أن يعرف كُنْهُهَا؛ لأنها حضرة تموت فيها اللغة تماماً ويحلُّ مكانها البكم والخرس، وهو المقصود بقولنا فيما تقدَّم "بشلل التفكير والتعبير"؛ "انعدام الوعي العادي" : "العَمَى اللغوي"! ليس لِلّغة هنا دورٌ ولا مكان، وإنما الأمرُ كله "ميتافيزيقا" محضة، وغيبُ مطلق؛ عَمَاء؛ تَمَاهي مع الوَاحِد، اتصال لا انفصال فيه، عجز عن الوعي العادي، وسُكْر وغيبة وفناء؛ هنا : معنى خالص لا صورة له، أو اتِّحاد تام بين الصورة والمعنى.

العارف والمعروف واحد، الشاهد والمشهود واحد، الواصف والموصوف واحد، السالك والمسلوك واحد. والانتهاء إلى الواحد وقوفُ لا يبقى معه واصف ولا موصوف، ولا سالك ولا مسلوك، ولا عارف ولا معروف، على حدِ تعبير ابن سينا في الإشارات والتنبيهات.

وليس للصوفي العارف في حضرة الشهود أن يعبِّر "بالدليل"؛ لأنه في رحاب "المدلول". من طريق ملكة التَّعلُّق، تَعلَّقْ.

تغيب اللغة كما يغيب الصوفي ويفنى اللفظ كما يفنى الصوفي.

وما اللفظ قبل الشهود سوى وسيلة، وما الحرف إلاّ دليل، وما اللغة إلاّ محلِّ اتصال يُقتَدي به فيه. فإذا حصل الشهود استغنى العارف بالمعروف عن المعرفة : استغنى عن اللغة وحروفها، وعن الحرف وعنوانه، وعن المبنى ولفظه، وعن القالب وشاراته، وعن اللسان وأذكاره، وذلك كما يقول الشعراني شارحاً الوصية المَتْبُوليَّة؛ لأن : "حضرة شهود الحق تعالى حضرة بُهْت وخَرَس يستغنى صاحبها عن "اللفظ"، إذْ هو بمنزلة "الدليل"، فإذا حصلت "الجمعية" بالمدلول استغنى العبد عن الدليل".

لكن هذا الشهود لا يدوم. هو فقط "لحظة كاشفة"، كالبَرْقِ الخَاطِفِ كما وصفه الغزالي؛ هو لحظة اتصال يعقبها انفصال، جَمْعٌ سرعان ما يَفْتَرقْ، سُكر يعاوده صحو، وغيبة يصاحبها حضور، وفناء يلزمه بقاء. حتى إذا ما عاد الصوفي من تجربة الشهود، وأراد أن يُعَبِّر عما تلقى من علم وحكمة من لدن العليم الحكيم، عَاَدَ لَمَّاحَاً ذَاَ إشارة رامزة:

كلامٌـــــهُ لمحةٌ دالَّة. وحديثهُ عبارة مختصرة. ومعارفــه تلويحــات، ومعناه بعيدٌ بعيدٌ من ظاهر لفظه.

يدلُّ "العارف" على المعاني بالإشارة لا بلفظ العبارة. يهمل اللفظ القريب لتنوب الإشارة عنه؛ وهى معنى بعيد مُلْغز. يفتح اللفظ حتى يبلغ به الإشارة ويَذرف المعنى فيه ذرْفاً كما يُذْرف الدمع قهراً من جفن ساهي.

يخفي الدلالة ويبطنها عِنوَة في جوف الكلمات؛ لأنه يُصبح إذْ ذَاَكَ هو نفسه كلَّه معنى، وكله غيباً، وكله خفاءً وسرِّيَّة وغموضاً.

هنا تجيء معاني ألفاظه لتكون "مُسْتَبْهِمَةً على الأجانب" كما وَصَفَ القشيري حقيقةً، وتصبح لغته أداة اكتشاف جديدة لعالم جديد ومثير وغريب. إلاَ إنه المجهول الذي ينطوي فينا والغيب الذي يضمُّنا ويحتوينا. والمحجوب الذي يطوينا. واللاتناهي الذي يتوَّق إليه تناهينا.

وما دامت هنالك نفوسٌ بشرية لها من نقاء الجوهر بأصل الفطرة ما تستعد به من محض الفيض الإلهي لأن تتصل بالأفق الأعلى؛ فمن الطبيعي أن تكون علومها إشارات، ولغتها رمزية، ومعارفها تلميحات، وخطابها لغة صادرة عن تجربتها وكفى. ومن المؤكد أنها تفهم عن الله بملكة التَّعلُّق ما يصير الفهم لديها "خاصَّة عِرْفَانيَّة" يكتمل فيها الفهم كلما ازدادت الإشارة بُعْدَاً عن ظاهر اللفظ وسطح الصورة. فهى لأجل هذا تبدو ذات وجهين : أحدهما أن قوة العارف الروحية تتعلق بالله بغير فتور أو انقطاع، فتحظى بالمعرفة بعد تحصيل وسائلها الذوقية.

والوجه الآخر: أن هذه القوة الحاصلة لا تكون إلاّ بمدد إلهي تتعلق به إرادة الله حين يشاء أن يمنح العبد المعرفة الوهبية. ففي الوجه الأول جهدٌ من العبد. وفي الوجه الثاني وهبٌ من الرَّب.

ولعلّ هذا الجهد لا يتيسر بغير معونة الله، فهو وهب على وهب إذا شئنا الدقة وأصبنا من ثمَّ جوهر التحقيق؛ بل هو المسمى في الكتاب العزيز: "نورُ على نور"، ذلك هو نور التوفيق في فهم الكتاب، وفي إدراك كُنْه التوفيق في معرفة النور.

هذا كُلُّه وغيره الكثير هو بعض ما يحتمله المقام من سياقات عددناها استشهاداً على أن من الألفاظ ما هو مفتوح، تُجيزُه الإشارة الرمزية في تجربة العارف بمقدار ما تجيزُه رُوح المجاز اللغوي، وتجيزُه بنفس الكيفية لغة الخطاب الصوفي، ويرمي من طريق الرمز إلى "ما وراء" بعد إشارته إلى المحسوس ودلالته المفهومة من أول لقاء.

غير أن الوعي الصوفي الحاصل دوماً في حال الفناء والمُوحي بلغة الخطاب ينقل المعطي الحسي كما ينقل دلالته المفهومة إلى لغة رمزية، ويحوله تباعاً بوصفه مُدْرَكاً روحياً وشهودياً قام على خصوبة الخيال؛ إلى إشاراتٍ.

(وللحديث بقية)

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – الطريق طويل عندما تسير وحيدا.

التعليق – نعم، الطريق طويل جدا عندما يكون الانسان بمفرده، ولهذا فاننا نبحث قبل السفر عن (الرفيق) انطلاقا من مثلنا (الرفيق قبل الطريق) . المثل العربي هذا هو الحل الصحيح و الدقيق والحاسم للمشكلة التي يشير اليها المثل الكوري .

**

الترجمة الحرفية – الاحمق وفي ملابس جديدة يبقى أحمقا .

التعليق – يوجد مثل باللهجة العراقية يقول – الزمال ذاك الزمال بس الجلال تبدّل . (الزمال – الحمار، بس – غير ان، الجلال – ما يوضع فوق الحمار لجلوس الراكب) . المثل العراقي أقبح، لكنه أوضح وتصل فكرته الى المتلقّي رأسا .

**

الترجمة الحرفية – المرعوب من النمر يخاف من القطط .

التعليق –  صحيح جدا، ونحن نقول بلهجتنا العراقية - العاضته حيّة يخاف من جرّ الحبل، وهناك صيغة اخرى لهذا المثل وهي – الملدوغ يخاف من جرّ الجبل. الصور الفنية في الامثال تختلف طبعا باختلاف البيئة ليس الا (عندهم نمر وعندنا حيّة)، ولكن المعنى العام للمثل يبقى نفسه .

**

الترجمة الحرفية – سمكة واحدة صغيرة تعكر كل الماء .

التعليق – صغائر الامور يمكن ان تلعب ادوارا كبيرة في مسيرة حياة الانسان وحتى في حياة المجتمع . لنتذكر المثل العربي المعروف – معظم النار من مستصغر الشرر . الصورة الفنية طريفة ومبتكرة فعلا في المثل الكوري .

**

الترجمة الحرفية – ليس من الضروري ان تشرب كل ماء البحر كي تعرف انه مالح .

التعليق – يجب ان تسود النظرة العقلانية و المنطق  في حياة البشر، وتحدث نتائج مأساوية عندما نفقد هذه العناصر الضرورية في مسيرة حياتنا، اذ يقتضي عندها (ان نشرب كل ماء البحر!!) من أجل استنتاج بسيط . ما أجمل الصورة الفنية لهذا المثل الكوري رغم كل هذه المبالغة فيها.

**

الترجمة الحرفية – المعرفة بداية الشك .

التعليق – مثل فلسفي بامتياز، اذ ان الشك يطرح الاسئلة المتشعبة حول كل الظواهر والاشياء، وهذا هو الطريق الوحيد نحو التعمق في التفكير والوصول الى المعرفة .

**

الترجمة الحرفية – اعمل اطول، وتكلم أقصر .

التعليق – مثل حكيم جدا، فالعمل ونتائجه هي التي تتكلم ويراها الناس والمجتمع . كلنا نعرف الآية الكريمة – وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ...

**

الترجمة الحرفية – الهزيمة ام النجاحات .

التعليق – المفهوم العام لهذ المثل يتكرر عند مختلف الشعوب، بما فيها طبعا شعوبنا العربية، فنحن نقول الخسارة تعلم الشطارة، ويقول المثل الياباني الفشل اساس النجاح . يتذكّر جيلنا القصة التي قرأناها في درس (القراءة) بالمدرسة الابتدائية عن القائد المهزوم وكيف راقب عمل النملة بعد هزيمته وعاد الى المعركة وانتصر .

**

الترجمة الحرفية – يشبه القط، لكنه لا يعرف اصطياد الفئران .

التعليق – مثل مرح جدا، ولكن صاحبي قال، انه مثل رمزي عميق، لانه يذكّرنا بـ(اشباه الرجال) الذين يتصدرون الامور في مجتمعاتنا، والذين جعلوا (الفئران!) يسرحون ويمرحون بيننا وحولنا لأن الفئران تعرف، ان اشباه الرجال هؤلاء لا يعرفون كيف يصطادوهم . اتفقت مع صاحبي في مفهومه لهذا المثل، ولكنني كررت – مع ذلك - ان صياغة هذا المثل ظريفة جدا...

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

صادق السامرائيمنطقة الشرق الأوسط التي أصبحت غريبة عن القرن الحادي والعشرين، بمنطلقاتها وسياساتها وتوجهاتها، مما يجعلها هدفا كبيرا تسعى إليه القوى الباحثة عن مصادر الطاقة وينابيع الثروات .

فالصراعات بين دولها لا تخدمها، وإنما تحولها إلى ساحة لتفاعلات مصالح عالمية، وميادين حروب غير مباشرة بين القوى المقتدرة.

ولكي تتشافى من جراحها وتضع حدا لويلاتها وتداعياتها، لا خيار أمام جميع دولها  بكل ألوانها وأطيافها ومعتقداتها ولغاتها وأعراقها، إلا أن تكون كتلة واحدة لتحقق التواصل والبقاء والتفاعل الإيجابي مع عصرها وتُبعِد المخاطر والحروب عنها.

فلا يمكنها أن تبقى مفتتة متصارعة، لأن هذا السلوك يساهم في تفريغها من القدرات والطاقات، ويجعلها هدفا سهلا وضحية وقربانا، وكأنها تتطوع بكافة دولها لتحقيق غايات الآخرين.

فعليها أن تتعلم الدروس، وتتحرك وفق منظار صحيح يحافظ على ديمومتها ودورها .

فلكي تنجح وتنتصر على واقعها، يجب أن تسعى نحو الإتحاد والعمل سوية من أجل شرق أوسط مزدهر متقدم آمن سعيد.

ولا بد لدول المنطقة أن تستوعب التجربة الأوربية، وتستخلص منها المناهج والآليات اللازمة للإنطلاق بإتحاد شرق أوسطي معاصر.

فما جرى في القارة الأوربية من صراعات وتداعيات وحروب على مر القرون، يتفوق كثيرا على ما جرى ويجري في منطقة الشرق الأوسط، وبرغم ذلك تمكنت أوربا بقياداتها المعاصرة الواعية المدركة لمصالحها، أن تتجاوز أصعب العقبات، وتنطلق في مشروع الإتحاد الأوربي الذي تتنعم به القارة، وتتفاعل إقتصاديا  وثقافيا  وسياسيا ، مع الحفاظ  على خصوصياتها التأريخية والحضارية  ولغاتها المعروفة.

فالإتحاد الأوربي خليط من جميع الأجناس البشرية  واللغات الأرضية والأوربية ، لكنه أثبت  قوته وقدرته  على الحياة  الأفضل والعطاء  الأكبر.

ولا خيار أمام المنطقة إلا أن ينهض قادتها بالسعي الجاد الصادق لإقامة الإتحاد الشرق أوسطي، الذي عليه أن يكون مشروع جميع دولها في القرن الحادي والعشرين، وأن تعد العدة والمستلزمات والدراسات والتحضيرات، الكفيلة بصناعة وصياغة دستوره وآليات عمله، لكي يتنعم  أبناء المنطقة بالحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية، ويتحرروا من ويلات الصراعات المتوالية.

فهل ستدرك المنطقة خطورة ما تقوم به، وكيف عليها أن تكون ذات غاية واحدة؟!!

وهل  من جرأة ونكران ذات ورؤية حضارية واعية، وقيادة حكيمة حليمة قادرة على إنجاز هذا المشروع الذي لابد منه لكي تستقر المنطقة؟!!

 

د. صادق السامرائي

20\1\2014

 

اسماء شلاشالحديث عن الثورة السورية لايشبه كل حديث، إنه حديث التاريخ والذاكرة، حديث البدايات والنهايات، وعطر الدم العابر للحدود، والألم الذي يرفض أن "يترجّل" عن صهوة الريح واللامنطق. هو الحديث الاستثنائي جداً الذي تجاوز منطق التعبير والإنشاء، إلى منطق الحزن المركَّب. هو حديث الساعات والأمم. ليس لأن قضيتنا تعنيهم، بل لأنَّ وقار الثورة يبدو أكثر وضوحاً في الشمس، لذلك اختاروا الظل لكي يحطموا آمال آخر طفل يقف على باب خيمة، وقد عجزوا بكل قدراتهم التمثيلية أن يمزّقوا منطق الخيمة لمئات الآلاف من اللاجئين الذين تهادنوا مع منطق الغياب. لعلَّ السّر يكمن في انتظار صحوة مفاجأة، فالتاريخ أعطى الدروس في فنون الصدفة، أو في نبوءات التاريخ ذاتها، هكذا تماماً، عندما صارت الثورة نبوءة أو قدراً أو ألماً فاق الألم، "فللحرية الحمراء باب".

وفي غرف العالم السّرية هناك كلمة أخرى، وقرار آخر، ورؤية مختلفة لتدير الأزمة التي تعمَّقتْ جداً، وتعقدت جداً بفعل الإرادات لتصبح أزمة تتم إدارتها.

فتعقيدها وتشتيتها و"تأزيمها" المتعمد، لا لشيء، بل لتشتيت الأهداف عن المسبّب الرئيس لكل آلام السوريين، وإبقائه في الحكم، فلا خيار أمام النظام العالمي الجديد وحكوماته الخفية بانتزاع نظام يخدم كل أهدافه الاستراتيجية.

فصارت الثورة السورية هي السوق التجاري الرابح الأكثر نشاطاً في الكون، فلا أحد له مصلحة في إنهاء أزمة تدر الأموال في السوق السوداء والبيضاء، بما في ذلك تجارة السلاح والممنوعات. بل حتى تجارة المثاليات والقيم التي تم استعراضها بتمثيليات فضفاضة طوال كل السنين على جراح السوريين، وتلك المنظمات التي تعمل بأسماء شتى، والدول والأمم وغيرها من أفراد وجماعات. فالاتجار في زمن الحرب يجني ثماراً.

عندما بدأ الربيع العربي قبل عشر سنوات، كان لزاماً أن تلحق سورية بركب هذا الربيع وتصنعه، فهي المنظومة الحضارية التي وقعت تحت حكم الفرد والعائلة، بطابع شمولي استبدادي، متمثلة بحم (عائلة الأسد) التي اغتصبت السلطة في انقلاب حافظ الأسد الشهير الذي يسمونه الحركة التصحيحية، عام 1970.

فالحرية هي قدر كلّ شعب يبحث عنها ويدق بابها. والحديث عن الثورة السورية لايبتعد كثيراً عن هذا وذاك. الثورة التي ستكمل عقداً دون حل أو أملٍ بحل..

فكيف استطاع العالم، لمدة عقد تقريباً، أن يصمت عن هذه المأساة التي لا تتعدّى أن تكون فضيحة العالم المعاصر الذي يدّعي الحرية والإنسانية، وأن حقوق الإنسان من أولوياته. إنها، كما صُنفت، مأساةُ القرن بامتياز، وليست ثمة مأساة تفوقها، بما في ذلك ما نتج عن الحربين العالميتين، الأولى والثانية.

لذلك يكون الحديث عن الثورة السورية حديث طويل، يبدأ بالياسمين ويتعمَّد بالدّم وينتهي بأعداد هائلة من بشر. بشرٌ إما فُقِدوا أو فَقدوا، أو غابوا أو تغيَّبوا، أو تشرَّدوا أو تقطَّعت بهم السّبل على الحدود وفي كلّ أصقاع الأرض. فمن أين نبدأ..؟ هل نبدأ بالأعداد؟ فسهلٌ جداً أن نحصي الأعداد. فالسوري صار رقماً، لكنه ليس رقماً صعباً، فهو الرقم الأضعف في المعادلة، معادلة الأمم ومعادلة السياسة، لأنه فقد صيروة الوطن والاستمرار كإنسان طبيعي فوق أرض هي من حقه، ومن حقه أن يكون عليها حراً أبياً سيداً لنفسه، معتزا بهويته السورية التي تمتد عميقة جداً في التاريخ.

اليوم تصبح تلك الأرقام بلا وطن، تحت ذريعة الفشل، وتعمُّد الفشل بإسقاط نظام كان السبب الأول والأخير في مأساة هذه الأعداد. فلا إرادة ولا أصدقاء حقيقيين للشعب السوري الذي تلاعبت به أهواء السياسة والسياسيين. لتصبح تلك الأعداد أسيرة الانتظار، وليبني أمراء الحروب والسياسة ومافيات السلاح أمجادهم وثرواتهم، أما الشعب السوري الذي ضاعت موانئه، فليذهب إلى الجحيم.

وبين صحوة التاريخ والضمير ينتظر السوري مواكب العائدين من النصر، لعل اسمه –بالصدفة- موجود بينهم. ولتسقط كل مقولات التاريخ. فنحن فلم نعد نحصي الأيام، و لا حتى الأشهر. ها نحن الآن نعد السنين، ونكدّس في أرشيف ذاكرة الألم مزيداً من الذاكرة والخيبة والصور. صور لاحصر لها، تم التقاطها خلسة أو دون ذلك. وغدا سيتم اختيار "صورة العام المثالية" من مأساتنا، فهذا أقصى ما وصل إليه العالم، وهو أن تكون مأساتنا معرض صور، يتسابق العالم فيه لاختيار الصورة الأفضل، بين مفاضلة الألم، ووفق منطق الدم والضياع.

فالكل يتاجر بنا على طريقته، والكل يريد أن يبني مجده الشخصي على ملامح التعب والوجع في وجوهنا، وعلى بقايا دمائنا وأجسادنا التي تقاسمتها ضباع العالم. ووفق منطق الشهوة إلى المزيد، لازال التعطّش لإطالتها مفتوحاً على مصراعيه. حتى الصبر استنفذ قواه، وتجمَّدت عروق الضمائر، وانتهى مخزون الألم وصار الحزن روتيناً سورياً. وصارت لعنة الموت تطارد السوري في كل مكان، فإن لم يمت بسيف بشار مات بغيره. مات برداً، أو قصفاً، أو جوعاً أو غرقاً، أو على الحدود، أو برصاص طائشٍ، أو في أحد بلدان اللجوء. حصة دمنا توزَّعت في هذا العالم، وكل أخذ حصته، ولم تنتهِ الحكاية، ولم تنتهِ شهوة الموت إلى الجسد السوري. فنحن لم نمت على طريقة النبي يوسف، نحن لم نُصلَب، ونحن لسنا أنبياء، كي تطالبوننا بالصبر، ولسنا ملائكة كي نتحمل. ولسنا مجرمين كي نقف أمام العدل لندافع عن حقنا في الحياة والوطن، فنحن نريد العدل فقط، أو نريد ظلماً عادلاً.

وقريبا ستدخل الثورة السورية عامها العاشر، ويكون العالم أمام اختبار إنساني جديد، فهل سيطيل أمدها لسنين أخرى –لا قدَّر الله-، أم يفعّل ميزة الإنسانية الضمير ليتخلّص من هذا النظام المجرم، الذي لولا تلك الفرص الممنوحة ممّن يسمون أنفسهم المجتمع الدولي، لَمَا بقي لحظة في السلطة، خاصة أن الثورة بدأت سلمية بيضاء كالياسمين، وهي رغم "سلميتها" زلزلت كيانه.

المجتمع الدولي الذي ترك الجاني لمدة سنين طويلة يستخدم ويجرب كل وسائل القتل والدمار بحق الشعب، بدعم روسي وإيراني قل نظيره. المجتمع الدولي استطاع بأساليبه أن يدير الأزمة ويجعلها أزمة لاجئين، ويركز على قضية اللجوء ليصرف النظر عن أصل المشكلة المتمثلة بنظام شمولي أمني يحظى بدعم عسكري مباشر من أحد أهم أقطاب العالم السياسي، وهي روسيا.

لم يستطع إلا أن يجعل المأساة السورية مأساة إنسانية، ورغم ذلك فشل حتى إنسانياً، فهو بتركيزه على قضايا اللجوء يجعل من الثورة قضية لاجئين، وليست قضية شعب أمام نظام مجرم، جثم على صدور السوريين لأكثر من نصف قرن، تحت حكم العائلة الواحدة التي حولت سورية إلى مزرعة لها، عائلة الأسد التي حكمت بقرار فرنسي استعماري. باعتراف سفير فرنسا في الأمم المتحدة، ووثائق التاريخ.

لكن الدور الذي بدأته فرنسا يوماً ما، تابعته روسيا بكل سفاقة وإجرام. اليوم وكل يوم، كانت روسيا ودعمها العسكري الكامل للنظام الذي بدأ في السنة الأولى من الثورة، إضافة إلى الدور الإيراني والميليشيات الطائفية

لم تكتف روسيا بجيوشها وسلاحها الذي جربته على أجساد السوريين، بل عمدت إلى إجهاض كل قرار دولي من شأنه إدانة النظام أو محاسبته، فالفيتو الروسي كان يداً مرفوعة لحماية نظام بشار الأسد.

تلك هي روسيا ومنظومة الإجرام التقليدية المتأصلة في بنيانها منذ النشوء، كما منعت كل قرار قائم على مبدأ محاسبة النظام على جرائمه، وحتى ملاحقته مستقبلاً.

حتى في أشد لحظات إجرامه، عندما أحرق الغوطة بالكيماوي، في مجزرة الكيماوي الشهيرة التي ذهب ضحيتها الآلاف، وقفت روسيا ضد محاسبة النظام. ففي أول فيتو ، رفعت يدها، ضد قرار فرض عقوبات على نظام الأسد لاستخدامه العنف ضد المتظاهرين. كما وقف الفيتو الروسي ضد مشروع قرار تحويل ملف النظام الى الجنائية الدولية، وكان مشروع القرار قائم على إعطاء محكمة الجنايات الدولية حق الولاية بمحاسبة الأطراف المسؤولة عن ارتكاب جرائم بحق الإنسانية. ومنها مفاقمة مأساة حلب عندما اجتاحها النظام والروس في محرقتها الشهيرة التي هزت العالم عام 2016. كما اُستخدِم ضد مشروع قرار فرض عقوبات على النظام لاستخدامه الكيماوي. ومرات كثيرة أخرى لامجال لذكرها، استخدمت فيها روسيا حق النقض" الفيتو". دعم سياسي بالتوازي مع آلة عسكرية امتهنت قتل الجسد السوري، ووجود ميداني كامل، من عسكريين وقواعد عسكرية. روسيا اليوم كما الأمس، روسيا النار والدم والدعم المطلق للأنظمة المرتبطة بها والمانعة الممانعة لكل ثورة تتطلع إلى التحرر من قيود القمع والاستعمار، تلك الأنظمة التي تتبع لها أيديولوجياً، فهي تحمل عقيدة الاتحاد السوفياتي، تلك العقلية "المافيوية" الإجرامية الاستخباراتية التي شكلت منظومة الاتحاد السوفياتي.

ثم ألم يعلن الرئيس الروسي بكل صراحة ذات يوم، أنه يريد فرض سطوته على العالم تحت طموحات سيادية تنطلق من إرث وعقلية الاتحاد السوفياتي، فالرجل يريد أن يعيد أمجاد اتحاده البائد فوق جماجم السوريين. عشر سنوات من الدعم الروسي العسكري الواضح للنظام تحت أنظار العالم، ومؤسساته العاجزة عن فعل أي شيء سوى الإدانة وإبداء القلق.فتاريخ الإجرام والدم في السياق السياسي الروسي قصة لاتنتهي، فتاريخ روسيا يشهد لها. أما حقبة روسيا مع بوتين، فهي الأكثر دمويةً، لرجل قادم من عمق العقل الاستخباراتي الروسي الدموي الذي تربَّى في أحضان أكثر أجهزة المخابرات إجراماً، وهو حهاز "الكي جي بي".

ولا ننسى دعمها للأحزاب اليمينية المتطرقة في أوروبا وتغذيتها، وخاصة في ألمانيا، تلك الأحزاب التي وقفت ضد اللاجئين السوريين، لكي تتم محاصرة كل سوري حتى لو فرَّ إلى آخر نقطة في الكون.

اليوم، ومع عجز العالم عن كبح جماح التمدد، والدعم الروسي لبشار الأسد للتمادي في قتل السوريين، ما هي الحلول؟

  هل هناك حلول سياسية قادمة يحملها العام الجديد؟

أملنا كبير أن يزهر الربيع السوري ياسميناً يعبق في فضاءات الحرية.

 

أسماء شلاش

 

علاء اللاميإسقاط القوات الإيرانية لطائرة الركاب الأوكرانية مأساة إنسانية كبيرة ومدانة، راح ضحيتها 176 راكبا بمن فيهم طاقمها. وهي خطأ فظيع ومؤشر عملي على هشاشة المؤسسة العسكرية الإيرانية، أما إنكار السلطات للمسؤولية الإيرانية عن هذه المأساة لعدة أيام بعد وقوعها فيكشف عن خلل كبير في منظومة القيادة الإيرانية. أيا يكن الأمر فقد اعترفت إيران أخيرا بمسؤوليتها، ووضعت الحادث في سياق المجابهة مع الولايات المتحدة الأميركية ومغامراتها في المنطقة... وبغض النظر عن حجج إيران، التي لا تخلو من النفحة التبريرية، ولكنها لا تخلو أيضا من الصحة حين ينظر إلى هذه الحادثة المأساوية في سياق العدوان المستمر الذي تشنه الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون على شعوب المنطقة، وخصوصا على العراق، وتحديدا في سياق عدوانها الأخير والجريمة التي ارتكبتها على الأراضي العراقية، والرد الإيراني عليها، فإن المراقب المنصف للأحداث لا ينبغي له أن يحجم عن نقد إيران وتحميلها المسؤولية المباشرة عما حدث، ولكنه أيضا مدعو لتذكر الكوارث المشابه التي ارتكبتها القوات الأميركية في المنطقة وضد الطائرات المدنية وأشهرها مأساة إسقاط البحرية الأميركية لطائرة ركاب الخطوط الجوية الإيرانية (الرحلة رقم 655)، وهي طائرة نقل جوي مدني كانت تنقل نحو 290 راكبا، يوم 3 يوليو عام 1988، إلا أن القوات البحرية الأمريكية أسقطتها ما تسبب بمقتل جميع الركاب، وغرق حطامها وأشلاء الضحايا في مياه الخليج العربي.

لقد سكتت الإدارة الأميركية عن هذا الحادث المأساوي، بل ورفضت الاعتراف بمسؤوليتها عنه، فرفعت إيران شكوى إلى محكمة العدل الدولية ضد الولايات المتحدة في عام 1989، وبعد سبع سنوات، أي في فبراير 1996 وافقت الولايات المتحدة على دفع مبلغ 131.8 مليون دولار لإيران من أجل وقف الدعوى، ولم تعلن عن تحملها مسؤولية اسقاط الطائرة.

ومن المعلومات المهمة والموثقة بهذا الصدد نذكر: لقد أسقطت الطائرة الإيرانية بصاروخين من السفينة الحربية الاميركية "يو أس أس وينسس" التي دخلت مياه إيران، وأمر قائدها "ويل روجرز" بإطلاق صاروخين من طراز ستاندارد 2 نحو الطائرة، فأصاب أحد الصواريخ الطائرة ودمرها وقتل من فيها.

عللت السلطات الأمريكية ما حدث بـ "خطأ تقديري"، وقالت إن القوات البحرية الأمريكية اعتقدت أنها كانت طائرة عسكرية إيرانية من طراز "إف-14". وهذا يكشف واحد من ثلاثة أمور أو كلها معا: كذب السلطات الأميركية، أو هشاشتها العسكرية والمخابراتية أو وضاعة قيادتها الأخلاقية.

وفي فبراير 1996، وافقت الولايات المتحدة على دفع مبلغ 131مليون وثمانمائة ألف دولار لإيران من أجل وقف الدعوى التي رفعتها إيران عام 1989 ضد الولايات المتحدة في محكمة العدل الدولية. كما أعربت عن أسفها للخسائر في الأرواح البشرية، بدون أن تعتذر رسمياً عن ذلك لإيران أو لذوي الضحايا.

وبعد أقل من سنة، أي في سنة 1990، منحت إدارة جورج بوش الأب وليام روجرز قائد السفينة الحربية التي أسقطت الطائرة الإيرانية وسام الاستحقاق الأمريكي، (بسبب حسن تصرفه وتنفيذ خدمات متميزة في فترة تولى مسئوليته في وينسس بين أبريل 1987 ومايو 1989) وفي مراسم احتفال منحه الوسام، لم تتم الإشارة إلى جريمة إسقاط الطائرة الإيرانية ومقتل ركابها...

التذكير بهذه المأساة المروعة مفيد لمن يريدون فعلا تنشيط الذاكرة وحاسة الإنصاف والشعور الإنساني بالعدالة والكرامة وأخذ صورة متوازنة وعادلة عن المأساة الأخيرة وظروفها هي ومثيلاتها ووضع هذه المآسي في سياق العدوانية الإمبريالية الغربية المعادية لشعوبنا منذ أكثر من قرن وحروبها الإبادية المستمرة ضدها! 

 

علاء اللامي

 

شاكر فريد حسنإن مفهوم الاستيطان الصهيوني يقوم بالأساس على سلب الأرض وتفريغها من سكانها الفلسطينيين، وتوطين مواطنين اسرائيليين بدلهم، وما يرافق ذلك  من ابتلاع ومصادرة للأراضي التي تعود ملكيتها للفلسطينيين، دون أي اعتبارات إنسانية أو سياسية.

والهدف الأساس من وراء ذلك هو تكريس الاحتلال واطالة أمده، وتقويض ركائز الوجود العربي الفلسطيني ووأد حقوقه الوطنية المشروعة.

إن بناء المستوطنات في الضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة، هو خرق للقانون الدولي وللمواثيق الدولية ولحقوق الانسان المتعارف عليها بموجب القانون الدولي. ولكن دولة الاحتلال المدعومة من أمريكا رأس الحية تضرب بعرض الحائط بكل المواثيق الدولية، وتساندها بـ "الفيتو" بمجلس الأمن الذي يمنع أي إدانة للاحتلال الاسرائيلي، وآخر ما تفتقت به عنجهية وذهنية ترامب "شرعنة" الاحتلال واعتباره غير مخالف للشرعية الدولية.

ولا شك أن إنشاء هيئة اسرائيلية جديدة للاستيطان والاعلان عن توسيع الاستيطان في منطقة الاغوار والقدس، جريمة أخرى تضاف لسلسلة جرائم دولة الاحتلال.

إن الاستيطان بات قضية القضايا، التي يجب أن تأخذ حيزها ومداها وتتحول لقضية عربية، وليس فلسطينية فقط واعلامية، بل يجب أن تتجسد سياسيًا ودبلوماسيًا واعلاميًا.

الهجمة الاستيطانية تبدو كاسحة، والمخاطر كبيرة، والتحديات التي تواجه شعبنا وتهدد كيانه ومستقبله السياسي، والمخاطر التي تحيط وتحيق بالمشروع الوطني الفلسطيني بغية تصفيته وإنهائه، تشتد أكثر، وتتطلب انهاء الاقسام والتشرذم على الساحة الفلسطينية، ومراجعة نقدية حقيقية لكل التجربة الفلسطينية منذ التوقيع على "اتفاق اوسلو" وحتى اليوم، وقراءة صحيحة للأوضاع الداخلية والأداء السياسي والدبلوماسي، وتحديد أشكال المقاومة وأساليب الكفاحية ضد الاحتلال ومشاريعه الاستيطانية، والعمل بروح المسؤولية الوطنية، بعيدًا عن المشاحنات والمناكفات والتعصب الفصائلي والتراشق الكلامي، وسياسة المحاور، والاصطفافات الحزبية التي لا تخدم قضايا شعبنا، والمضي قدمًا نحو اجراء الانتخابات الفلسطينية بما فيها القدس.

 

 بقلم : شاكر فريد حسن