محسن الاكرمينالحديث عن القيم والطهر والنصيحة في عالم السياسية المغربية بالتخصيص صعب التوفر بتمام الكيل. من الفجوات التي تغرق الفعل السياسي بالمغرب افتقاده التوافق الحقيقي على بناء ثقة الأمل في مستقبل التغيير نحو الأفضل. مغرب (الآن) يحمل مفارقات اجتماعية متباعدة ،وحنقا من وضعية الإصلاح المتكلسة في ظل حديث الاستمرار في السلم الاجتماعي ، شعب يئس من التبشير بالتغيير القريب وحتى البعيد ومن استعمال حرف (سنــ )، شعب يعرف السياسة ولغة الأحزاب بفن الكذب والمناورة والتسويف المطلق، يعرف السياسي بأنه خصب المنافع ويوزع صكوك الغفران عن الذات والحزب بتجديد لغة الخطاب.

تضيع حقيقة خدمة الشعب في عالم السياسة، وتحضر السفسطة المملة ولغة (دون كيشوت)، يمارس بمغرب المفارقات الاجتماعية سجال عميق آت من سياسة الالهاءات في صراعات شكلية بين أحزاب تمارس التناوب على لدغ المواطن البسيط من نفس صندوق الاقتراع.

لن نحاكم النوايا المفصلة في السياسية، ولكن نحاسب الأحزاب عن  الحقيقة المعيشية للشعب حين نلحظ أن نفس المشاكل لازالت قائمة منذ سنة (56)، وأن نفس الحلول لازالت الأحزاب تنتجها للسيطرة على السلطة التنفيذية. كل الأحزاب تلبس ثوب الموعظة الفضلى وتقدم نفسها أنها البديل الممكن (الآن)، لكن ثوب الناصحين نفسه بات غير ممكن في ظل كفاف نضج الفكر السياسي وبناء الأمل.

من اللعبة الانتخابية الأحادية إلى  ورقة اللائحة، ولازالت سنوات تضييع التنمية الوطنية الكلية تزيد. نعم، ازدواجية الخطاب بين تموقع اليمين ويسار المعارضة بات غير مجد في التسويق الانتخابي، وأضحت جل الأحزاب في سلة واحدة من برامج انتخابية (كوبي كولي). لكن الحقيقة أن الشعب أدمن على استهلاك وجوه سياسية حتى البدانة، ومن تم كانت النصيحة السليمة أن يتبع تناول حبوب التخسيس من الممارسة السياسية الكاذبة.

الشعب لا يعيش لحظة تبخيس للفعل السياسي فقط، بل يعيش لحظة تيئيس من صعوبة تصويب مشاكل الحاضر والمستقبل والأمل في العيش الكريم بلا مزايدات التدليس. الشعب يريد التطهير، ومكاشفة الحقيقة عبر حكامة ومساءلة ومحاسبة عادلة.

بمغرب التمييع السياسي وليس التبخيس أضحى الحديث عن الفساد ممكنا، بات انتقاد الفاسدين وسياسة الريع مباحا حتى لمن رغب في تطهير الذات والحزب والظهور بصوت الحكيم. وحتى لا يشتد الخوف الجماعي من سياسة الفساد التي ممكن أن تلحق بمستقبل المملكة ما بعد سنة (2021) هناك سؤال متعدد بسذاجة الغباء، عن عيوب النظام الانتخابي السياسي المغربي الذي مازال ينتج نفس الوجوه السياسية وكأن شبيبة الأحزاب لا خزان لها ممتد، سألت عن الصوت الاجتماعي الذي مازال يزكي صور طيور الفنيق التي تعود الحياة لها من رمادها، سألت عن صدمة ممكنة من عدم تحقيق التغيير وبناء رؤية أمل صادقة في المستقبل، سألت عن الشعب البسيط الذي لا يبتغي غير عيش بمواصفات الكرامة والعدل.

 لكن محصلة الأجوبة كانت في خوف التمكين من الثقة التامة بتدبير تغير في سياسة المستقبل بحكامة، عن أجوبة تمتلك سياسة غير الممكنات لحل مشكلات التنمية والتعليم والشغل والصحة و العدالة...، أجوبة تتحدث عن تحويل المغرب إلى قوة اقتصادية ودولة ديمقراطية وشعب سعيد.

 حين أحسست أن الكلام يكرر من طرف السياسي (منذ56) ويتبناه قبل فطامه من الدولة،  تيقنت أن الزوبعة الحزبية الكثيرة غير مستقلة القرار، تيقنت أن الدولة لازالت تنتج التنمية و توجهها، ثم تلعب دورا في نقد التنمية الماضية وتستنجد بالتوقيع على تنفيذ ميثاق "مثالية الإدارة" في مجال التنمية المستدامة، تيقنت أن الأحزاب تعيش لحظة كفاف في نظافة ابتكار الحلول ومسوغات الإصلاح السليم، تيقنت أن التمكين من التغيير السياسي ممكن، إذا كانت هنالك حركة تصويب سليمة تستهدف التغيير في الفعل الاجتماعي .

 

محسن الأكرمين.

 

حسام الدجنيوافق مجلس النواب الاتحادي الألماني (البوندستاغ) قبل أيام على مشروع قانون يدين حركة مقاطعة (إسرائيل) وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها المعروفة دولياً بـ  BDS ويصفها بأنها معادية للسامية.

ما هي دوافع البرلمان الألماني لاتخاذ هكذا قرار..؟ وما هو موقع  BDS في الاستراتيجية الصهيونية..؟ وما هو المطلوب لحماية BDS وضمان ديمومتها واستمراريتها ...؟

أولاً: دوافع البرلمان الألماني لاتهام BDS بأنها معادية للسامية (اليهود).

مازالت ألمانيا تشعر بعقدة الذنب لما قام به النازيون من مذابح بحق اليهود (الهولوكوست)، ومنذ ذلك الوقت تحاول ألمانيا بأحزابها المختلفة كسب ود إسرائيل، لذا وجدت أن التصويت على مشروع قانون يصنف حركة المقاطعة لإسرائيل BDS أنها حركة معادية للسامية يندرج ضمن السياق، رغم ما تتسم به BDS من احترامها للقانون والنظام في الدول التي تعمل بها.

إن عقدة الذنب التي يشعر بها الألمان تعكس ازدواجية معايير وانفصام داخل المركب الثقافي لدى المجتمع الالماني، وهذا الاستنتاج نابع من حتمية أن الانسانية لا تجزأ، وأن المجتمع الألماني كما يشعر بعقدة الذنب من مذابح النازيين ضد اليهود، لماذا لا يشعر نفس المجتمع ما تعرضت له أقلية الغجر في ألمانيا من إبادة جماعية عندما قام النازيون في سنة 1943 بجمع أكثر من 500 ألف من الغجر من الدول الأوروبية التي كانت واقعة تحت الحكم النازي، وتمت إبادتهم بشكل بطريقة وحشية.

ثانياً: موقع  BDS في الاستراتيجية الصهيونية.

مؤتمر هرتسيليا يعقد بشكل سنوي، ويبحث مستقبل (إسرائيل) ويقيم المخاطر المحيطة بها، وتشارك فيه قيادات حكومية وأمنية ودبلوماسية وضيوف من دول مختلفة، والمفارقة العجيبة أنه في أحد الأعوام السابقة ناقش المؤتمر موضوع المقاطعة بينما كان يحضر ممثل عن اللجنة التنفيذية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد المجدلاني، وضيوف عرب آخرون.

كيف تناول المؤتمر حينها حركة مقاطعة (إسرائيل) B.D.S ؟ وما هي الاستراتيجية المضادة..؟

عقدت جلسة للبحث في تحديات وأخطار حركة المقاطعة الدولية (BDS) على دولة الاحتلال، مع تشويه حقيقة الحركة، وتحويلها من حركة تدعو إلى مقاطعة الاحتلال والمستوطنات إلى أخرى تتستر وراء حق انتقاد الممارسات الصهيونية، وسياسات الاحتلال لكونها حركة لا سامية معادية لليهود. وزير الداخلية الإسرائيلي حينها، جلعاد أردان، استعرض وللمرة الأولى، الاستراتيجية التي وضعتها الحكومة الإسرائيلية لمواجهة حركة المقاطعة الدولية. وحدد أردان، في مداخلته، الأسباب الرئيسة التي يعتبرها مؤثرة لجهة تعزيز ونمو حركة المقاطعة. وبحسب أردان، فإن الشبكات الاجتماعية والتطور التكنولوجي، على غرار تطوير الأجهزة الذكية، ساهمت بشكل كبير في نشر رسالة حركة المقاطعة الدولية، إلى جانب قرار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، منذ عام 2009، بعدم العودة إلى طاولة المفاوضات، وهو ما سهل على الطرف الفلسطيني عبر استغلال الصور، التي يتم بثها من الضفة الغربية، في الترويج لسياسات مناهضة لـ(إسرائيل) والانتقال من انتقاد هذه السياسات إلى عملية نزع الشرعية عن (إسرائيل) ووجودها.

وضعت الحكومة الإسرائيلية استراتيجية تشبه تكتيكات الحروب لمواجهة حركة المقاطعة الدولية".

واعتبر أردان أن تعاظم دور المجتمع المدني ومنظماته، ورواج خطاب حقوق الإنسان، مع "الجهل في المعلومات"، بحسب ادعائه، زاد من انتشار خطاب حركات المقاطعة الدولية. وأوضح أن الحكومة الإسرائيلية وضعت، العام الماضي، للمرة الأولى، إستراتيجية واضحة تقوم على أربعة أسس لمحاربة ومواجهة حركة الـ"BDS".

الخطوة الأولى في الاستراتيجية الإسرائيلية، هي كما في أية حرب عادية، جمع المعلومات الاستخبارية عن الجماعات والحركات الناشطة في مجال مقاطعة (إسرائيل)، مع جمع معلومات أولية عن هوية الناشطين، ونواياهم، وعن الفعاليات والنشاطات المقررة قبل موعد تطبيقها حتى يتسنى لـ(إسرائيل) العمل والتحرك ضد هذه النشاطات.

العنصر الثاني في الاستراتيجية الإسرائيلية، يقوم، على عنصر الردع، وأنّ رسالة الردع الإسرائيلية مفادها أن الانخراط في نشاطات حركة المقاطعة لن يكون مجدياً لصاحبها، وسيكون له ثمن باهظ يدفعه صاحبه، سواء كان المقصود فرداً عادياً أم جمعية ومنظمة، إذ سيكون عليها أن تتحمل تبعات الانخراط، بما في ذلك إلحاق ضرر بالغ بها، وملاحقة حساباتها المصرفية، ومواردها الاقتصادية والتضييق عليها.

العنصر الثالث هو الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، وإدخال حركات المقاطعة الدولية، ونشطائها في خانة الدفاع عن أنفسهم بدلاً من الهجوم على (إسرائيل). ويعني ذلك، التركيز على مصادر تمويل هذه الحركات، والبحث عن رابط أو علاقة بين مموليها وبين "منظمات إرهابية"، حتى تضطر هذه الجمعيات والحركات إلى الدفاع عن نفسها، وإبراز وتقديم معلومات عن مصادر تمويلها. وفي حال تبين أنها تخرق القوانين في بلادها، فيتم التوجه إلى سلاح المحاكم والقضاء لمصادرة أموالها أو تجميد أرصدتها.

تهدف إستراتيجية الاحتلال إلى محاصرة BDS إعلامياً وشعبياً وإلكترونياً لتشويه صورتها وتقويض جهودها.

أما العنصر الرابع، فيقوم على الانتقال إلى الدعاية والتوجيه الإعلامي، لجهة تحسين صورة (إسرائيل) أمام المجتمع الدولي وفي المحافل المختلفة، وتوجيه وفود طلاب ورجال أعمال وأنصار لـ(إسرائيل) إلى مختلف المؤتمرات والساحات، التي تدور فيها رحى "حرب المقاطعة" مثل الجامعات الأوروبية والأميركية، وإبراز "إيجابيات (إسرائيل)"، ونفي الدعاية اللا سامية ضدها، والتأكيد على أن حركة المقاطعة هي غطاء لمعاداة السامية ورفض حق (إسرائيل) في الوجود.

وفي السياق نفسه، اعتبر رئيس حركة "رؤوت"، التي تنشط في مجال محاربة حركة المقاطعة، غدي غريندشتاين، أن الحركة يجب أن تكون وفق الخطاب الإسرائيلي محاربة لمعاداة السامية، خصوصاً أنها تشهد تنامياً كبيراً في أوروبا بفعل ما سماه بـ"اللقاء بين حركات اليسار الأوروبي الراديكالي وبين الإسلام المتطرف"، وهي تنتقل من أوروبا إلى الولايات المتحدة، وبالتالي يجب وقف هذا الزحف ومواجهته.

ومن أخطر ما كشف عنه غريندشتاين هو كون نشطاء هذه الحركات يأتون في الولايات المتحدة من وسط الجمهور، المعروف بأنه تقدمي وليبرالي، ومن ضمنه نسبة كبيرة من اليهود. وهؤلاء يشكلون مخزوناً كبيراً لهذه الحركة، ومن أبرزهم، الناشطة اليهودية سيمون زيمرمان، التي جاءت من قلب الإجماع اليهودي في الولايات المتحدة، وحتى من خريجي جمعيات اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة "إيباك".

ولفت غريندشتاين إلى أنه سيكون على (إسرائيل) عدم الاكتفاء بالاتصال بقادة الدول والحكومات، وإنما العمل في صفوف الشرائح الاجتماعية المختلفة، خصوصاً في أوساط الشباب، والمجموعات المختلفة، وفي مقدمتها الأميركيون من أصول إسبانية ولاتينية، والأميركيون السود. وطالب بتعزيز الاتصال بهذه الشرائح والمنظمات، وتعزيز الروابط مع من يمكن لهم أن يكونوا قادة دولهم في المستقبل. ويشير إلى أن عدم الوصول إلى هذه الشرائح ينذر بتحول حركة المقاطعة الدولية إلى خطر إستراتيجي حقيقي على بقاء (إسرائيل) كدولة يهودية، خصوصاً أن قادة الـ"BDS" لا يسعون إلى حل الدولتين، إنما إلى دولة واحدة، من خلال استلهام تجربة جنوب أفريقيا، مما يهدد بتغيير النظام السياسي في (إسرائيل)، وضياع نموذج الدولة اليهودية.

مما سبق نخلص إلى جوهر الاستراتيجية الاسرائيلية التي تم الاعلان عنها عام 2015 في مؤتمر هرتسليا واليوم تحصد إسرائيل أولى ثمارها وحتى لا يتكرر ما حصل في ألمانيا في العواصم الغربية الأخرى لابد من دور دبلوماسي عربي إسلامي للحديث مع ألمانيا وبشكل موازي تتحرك الجاليات العربية والإسلامية وأحرار العالم للضغط على البرلمان الألماني والحكومة لمراجعة القرار.

 

بقلم/ د. حسام الدجني

 

شعارات الأحزاب على إختلاف آيديولوجيتها وبرامجها السياسيّة، هي في الحقيقة خارطة طريق تضعها هذه الأحزاب كهدف آني أو مرحلي أو إستراتيجي لها للوصول إليها وتحقيقها وهي تخوض غمار العمل السياسي. وعادة ما تصوغ هذه الأحزاب برامجها وترسم سياساتها من وحي شعارها،  أو قريب منه جدا إن كانت  الظروف السياسية غير مؤاتية في فترة تأريخية معينة ما كشكل من أشكال التكتيك السياسي، الا أنّ مبدأ تحقيق الشعارات التي في الحقيقة هي الهدف النهائي لأي حزب تبقى في صلب برامج وسياسات الأحزاب المختلفة.

وطن حر وشعب سعيد هو في الحقيقة شعارين،  تماهيا مع بعضهما البعض حتى أصبحا شعار واحد. هذا الشعار الذي صاغه ثاني سكرتير للحزب الشيوعي في سوريا ولبنان خالد بكداش، ما لبث أن أصبح شعار الحزب الشيوعي العراقي منذ تأسيسه وليومنا هذا. وقد قدّم الحزب الشيوعي العراقي قوافل من الشهداء في سبيل تحقيق شعاره هذا، فهل هناك جهة سياسية غير الحزب الشيوعي العراقي رفعت هذا الشعار يوما ما؟ وهل هناك إمكانية لتبنيه وتحقيقه من أي حزب أو جماعة سياسية أخرى غيره؟ لقد أصبح شعار وطن حر وشعب سعيد جزء من تأريخ وتراث الشيوعيين العراقيين على الرغم من عدم تحقيقه لليوم، ولا يمكن عرضه للبيع تحت أي ظرف كان. 

بلدنا وشعبنا اليوم بحاجة ماسّة لتحقيق شعار الحزب هذا، والذي لم يفقد محتواه الوطني منذ تبنيه قبل خمسة وثمانون عاما ولليوم. فظروف العراق اليوم لاتختلف من الناحية السياسية مقارنة مع وقت تبنيه، فالعراق وقتها كان تحت الهيمنة البريطانية وكأنه تحت الإحتلال بالضبط وإن نال " إستقلاله"، أما الوضع اليوم فهو أكثر سوءا من الأمس فالبلد اليوم فاقد لإستقلاله وحريته وكرامته. وإن كان محتلا من البريطانيين عند تأسيس الحزب الشيوعي، فأنه اليوم تحت إحتلال أكثر من بلد. أمّا عن سعادة شعبه، فنسب البطالة العالية وإزدياد رقعة الفقر وإنهيار التعليم وإنعدام الخدمات وإستشراء الفساد وشيوع الجريمة،  تشير وبوضوح الى شقاء الإنسان العراقي وليس سعادته.

لقد ناضل الحزب الشيوعي العراقي وهو يرفع شعاره هذا، ضد كل أشكال التمييز القومي والديني والطائفي. وهذا يعني بشكل أو بآخر أنّ القوى القوميّة والدينية والطائفية خصوصا اليوم، ليست قادرة على تبني هذا الشعار ناهيك عن العمل لتحقيقه. فالقوى الثلاث ومن خلال تجربة سنوات ما بعد الإحتلال، أثبتت من أنها في واد وشعبنا ووطننا في واد آخر. ولم يكتف الحزب الشيوعي طيلة تأريخ نضاله الشاق  بالوقوف ضد أشكال التمييز هذه، بل ناهض السياسات والممارسات والثقافة  التي ترتكز على أشكال التمييز هذه. ومناهضته لأشكال التمييز هذه هي من ساهمت بإلتفاف الجماهير حوله لتحقيق المواطنة من جهة، وتنكيل الحكومات وحتى الأحزاب والجماعات القومية والدينية والطائفية التي إقترب منها أو تحالف معها يوما،  به وبرفاقه في أكثر من مكان وأكثر من مقطع تأريخي من جهة ثانية.

القوى والجماعات الطائفية والإسلامية التي تمثل الدولة العميقة، بميليشياتها ومحاكمها الخاصّة وتمويلها المشبوه. غير مؤهلّة سياسيا وأخلاقيا لتحقيق شعار وطن حر وشعب سعيد. ومجرد التفكير بتبنيه أو إمكانية تحقيقه من قبلها هو ضرب من الخيال للحالمين به. ولو أردنا أن نحلم كما البعض في إمكانية تيار أو حزب أو جماعة ما تحقيق هذا الشعار الذي يحلم به كل عراقي، فلنقترح عليهم رفعه علنا إن كانوا قادرين أو كنّا صادقين مع أنفسنا.

يبدو إننا بحاجة أحيانا لقراءة تأريخ الأحزاب الدينية والطائفية وشعارها المقدّس (الحاكمية لله) بتروي وهدوء. فجميع الأحزاب والجماعات والتيارات الإسلامية، لا تتنازل عن شعارها المركزي والمقدّس هذا، كونه الشعار الذي تنتهجه لبناء الدولة الإسلامية التي تعمل على تحقيقه. في خضم الصراع السياسي اليوم، ومن خلال فشل الإسلام السياسي في قيادة الدولة والمجتمع، علينا كشيوعيين وديموقراطيين ومدنيين، أن لانكون ملكيين أكثر من الملك. وإن كان الطلاق هو أبغض الحلال عند الله في الشرع الإسلامي، فأنّ طلاقنا مما تسمى بالعملية السياسية  والتي لم تضف لرصيدنا السياسي شيئا، هو أجمل حلال وأبهى حلال في شرعة شعبنا الذي يعاني من شعار الحاكمية لله والعمائم والأحزاب الطائفية تتحكم بمصيره ووطنه. هذه الأحزاب والتيارات والجماعات التي شرّعت الفساد والطائفية والمحاصصة هي التي تقود البلد نحو المجهول، ولا تبحث عن حرية الوطن ولا سعادة شعبه.

شعارالحاكمية لله وحكم الشرع الذي يرفعه الإسلاميون الطائفيون وشعار وطن حر وشعب سعيد الذي يرفعه الشيوعيين ، برزخان لا يلتقيان.

 

زكي رضا - الدنمارك

 

علي عليمع تعدد المهام وزخم الواجبات التي تناط بنا، تتأرجح الإنجازات عادة بين مرضية وخاذلة، والأخيرة هذه غالبا مايصاحبها الإحباط واليأس في إعادة المحاولة بإنجازها، وقطعا تتولد مبررات وعلل كثيرة، نلقي عليها اللائمة لعلها تمدنا بعذر يقينا اللوم والتقريع، وتنجينا من المحاسبة والعقاب، وقد جرت تسميتها "شماعات" وصرنا نعلق عليها مسببات إخفاقاتنا وكبواتنا، فتكون حصانة لنا من أصابع الاتهام في حال توجيهها صوبنا.

من هذه المبررات واحدة جرى العرف أن نطلق عليها مفردة (ضغوط). وكلنا نعلم أن الضغط مفردة تعبر عن حالات عديدة، فالضغط فيزياويا يولد قوة تتسبب بفعل، والأخير بدوره يتسبب بردود أفعال، هي الأخرى لها تأثيرات وآثار. وبعيدا عن الفيزياء، فإن مفردة الضغط لها معانٍ أخرى تفضي الى ناتجين؛ إما الانفجار وإما النفاذ الى حلول تفك الضغط الى الأبد، وهناك مقولة كنت قد استشهدت بها في مقال سابق، أراني اليوم أتعلل بأسبابها ثانية، ولن أتوانى إن اقتضى الأمر عن تكرارها ثالثة ورابعة وعاشرة، تلك المقولة مفادها:

"اذا تم كسر بيضة بواسطة ضغط خارجي، فإن حياتها قد انتهت، أما إذا تم كسر بيضة بواسطة ضغط داخلي، فإن هناك حياة قد بدأت، فالأشياء العظيمة تبدأ دائما من الداخل".

ماجرني الى الحديث عن الضغوط ودواعيها وتداعياتها، أن في خطابات الساسة وتصريحات المسؤولين ولاسيما القياديين منهم، تكاد تكون هذه المفردة من أوسع الكلمات انتشارا واستخداما من بين كلماتهم المتداولة والجارية على ألسنتهم. فهم لايألون جهدا في التشكي من ضغوط الحزب الفلاني، اوالكتلة العلانية، وقطعا قبل هذا وذاك الضغوط الدولية والإقليمية. وعلى مايبدو ان الشماعة التي دأبوا على تعليق أخطائهم عليها، باتت مزدحمة بسلبياتهم وإخفاقاتهم، فاستحدثوا شماعة جديدة لتعليق مااستجد منها، ليوهموا بها أنفسهم ويخدعون رعيتهم، فكأنهم قرروا وعزموا ان لايقدموا شيئا يخدم البلاد والعباد، مقابل هذا هم يقدمون أعذارا ومسوغات جاهزة. وقد ظنوا ان اتباعهم هذا السلوك في التملص من إتمام المسؤوليات الملقاة على عاتقهم، ينجيهم من وضعهم في قفص الاتهام عاجلا ام آجلا، وقطعا هذا ناتج عن أمنهم واطمئنانهم من سوء العاقبة والعقاب، فقد قيل سابقا؛ (من أمن العقاب ساء الأدب).

أرى أن الضغوط التي يتشبث بتلابيبها أصحاب القرار في بلادي ويتحججون بها درءًا للوم، كان حريا بهم أن يجعلوها محفزا ودافعا لهم باتجاه الإسراع والإصرار بإنجاز أعمالهم، فالتحدي في مسيرة العمل خير داعم للإرادة، وأٌقوى سند يقي من تعثر الخطوات في سيرها. كما أن الضغوط التي يدعي ساستنا أنها تؤثر على منجزاتهم، ليست موجهة ضدهم وحدهم، فالمواطن أيضا يعاني اكثر مما يعانونه من ضغوط قسرية في حياته، تضيق عليه الخناق، وتضعه في زاوية لايحسد عليها، فلا يجد في نفسه بدا غير أن يثور رافضا واقعه، وهذا مانلمسه بتظاهره وخروجه بين الفينة والأخرى، معلنا نفاد صبره في تحمل ظروف معيشته المريرة، مطالبا بالحلول الناجعة والجذرية والفورية، بعد أن مل الوعود والكلام المعسول، فكأني بالمواطن يهب من موقعه يردد ما قاله شاعرنا الرصافي قبل ثمانين عاما:

هبوا واملأوا صكا للعلا    فإني على موتي به لموقع

أقول.. لاأظن أن اثنين يختلفان على أن حلولا كثيرة لما وصلنا اليه من ضغوط داخلية وخارجية بأيدي ساستنا، وعليهم وحدهم تقع مسؤولية انفجار المواطن من الضغط الذي يتعرض اليه، وإني لأخشى على البلد من تراكم الضغوط على كاهل المواطن، فحينها لا رادّ لثورته، ولا رادع لهيجانه، وقد قال صاحب المثل: (كثر الدگ يفك اللحيم).

 

علي علي

 

سليم مطرلا تورطوا انفسكم وعوائلكم وشعبكم في صراع ايران مع الآخرين!

قبل ان تتورطوا اعرفوا الحقائق التالية:

غريزة ايران التوسعية نحو العراق والمشرق!

ـ ان ايران طيلة تاريخها، عينها وغرزيتها دائما تدفعها نحو العراق، اولا لنهريه الوفيرين وسهوله الخصبة وحضارته العريقة. ثم كذلك من اجل بلوغ بلاد الشام حيث ضفاف البحر المتوسط الواعدة، وصولا الى مصر الخصبة الغنية المتحضرة.

ـ ان ايران هي اكثر بلد استعمر العراق طيلة تاريخه لفترات متقطعة تفوق الالف عام!! ولا زال حتى الأن الوطنيون الايرانيون يحتفلون كل عام  بـ(يوم كورش) وهو يوم (سقوط بابل) قبل 2600 عام على يد الملك الاخميني (كورش).

ـ نعم ان الهوية التاريخية الايرانية نفسها، تأسست على العداء للعراق وغريزة السيطرة عليه. بل يمكن الجزم ان الدولة الصفوية الايرانية تبنت التشيع عام 1500م، خصوصا من اجل تبرير تعلّق ايران التاريخي الجنوني بالعراق والسيطرة عليه.

ـ لا ننسى ان نظام شاه ايران قد استولى على(الاحواز ـ عربستان) العربية العراقية التي منها يأتي كل نفط ايران! بالاضافة الى اعلانه الدائم  لطموحاته التوسعية في الخليج العربي.

ايران الاسلامية وغريزة التوسع

ـ اما دولة ايران الاسلامية، فهي في جوهرها لم تختلف ابدا وورثت نفس الغريزة التاريخية التوسعية، رغم اختلاف الاسلوب والتبريرات الثورجي:.

ـ اما الاسلوب الجديد والشيطاني الذي اتبعته ايران الاسلامية فهو:

ـ تجنيب ايران اية مواجهة مباشرة مع الخصوم، وذلك من خلال توريط انصارها العرب في حروبها ومشاكلها. لا حظوا هذه الامثلة:

ـ إستخدام حزب الله في صراعها ضد امريكا وفرنسا في لبنان. من اولى العمليات الانتحارية كانت عام 1983 ضد القيادات الامريكية والفرنسية في بيروت.

ـ استخدمت حزب الدعوة وقوات بدر العراقية، في حربها ضد نظام البعث في العراق.

ـ استخدمت انصارها الحوثيين في صراعها ضد السعودية ودول الخليج.

ـ حتى دعمها للنظام السوري، ليس حُبّا بسوريا ولا حتى بنظامها، بل لخدمة صراعها غير المباشر ضد نفوذ تركيا والخليج..

ـ لاحظوا ان ايران ابدا لم تتدخل في حرب افغانستان، ولم تناصر(الشعب المسلم) هناك (بما فيهم الشيعة) ضد (الشيطان الامريكي)، لانها منذ البداية، وباتفاقات سرية، ضمنت ان هذه الحرب لا تهدد امنها!

ـ ان ايران من اجل اسقاط (نظام صدام) عدوها اللدود، رضيت بالتحالف حتى (مع الشيطان الاكير) امريكا وانكلترا، وامرت انصارها من الاحزاب والميليشيات الشيعية والكردية العراقية بالتحالف مع الجيش الامريكي الغازي، وتدمير العراق دولة وشعبا، بما فيهم الشيعة، لكي فقط فقط فقط تتشفى بالانتقام من هذا العراق الذي تسبب بموت (الخميني) حسرة وحقدا لاضطراره لعقد السلام!!!

ـ ان ايران وبفضل عميلها (نوري المالكي) رئيس الوزراء عام 2014، سهّلت استيلاء داعش على الموصل، كي يستمر تدمير العراق واضعافه، وتستمر هي بتسلطها عليه وتكوين ميليشياتها الحشدية الشعبية باسم الحرب ضد داعش.

ايران والعداء الغريزي لشيعة العراق

ـ اعلموا اخيرا يا اخوتي بهذه الحقيقة المهمة جدا:

ان اشد اعداء شيعة العراق هي ايران، اكثر بكثير من الوهابية والسلفية، لماذا؟

لان ايران اشد ما تخشى تنامي قوة شيعة العراق وتوحدهم مع السنة والاكراد في قيادة العراق. لان هذا يعني ان يتمكن فعلا شيعة العراق من قيادة باقي شيعة العالم. خصوصا خصوصا ان (النجف) و(كربلاء) وباقي العتبات المقدسة الشيعية، هي في العراق وليس في ايران. وان العراق هو معقل ومنبع التشيع، وقد انتظرت ايران اكثر من ثمانية قرون بعد العراق، كي تصبح شيعية، وبقرار الدولة وقوة السيف. ان استعادة شيعة العراق لدورهم القيادي الوطني، يعني بكل بساطة، ان ايران، عمليا ستكون تابعة لشيعة العراق وليس العكس كما هو عليه الحال الآن..

نعم اخوتي، ان ايران تخشى شيعة العراق، وان اكبر واسطع دليل:

انها رضيت منذ 2003 بأن يتسلط عليهم، ليس الامريكان فحسب، بل اشد خونة وفاسدي ومرتشي ومعدومي الضمائر من قيادات الشيعة التابعين لها! بفضل ايران وعملائها اصبح شيعة العراق، ينامون في المزابل، ويصحون على القنابل، وتموت زهرات شبابهم في حشود القتال..

اخيرا نقول: نعم نحن ضد الامبريالية الامريكية وحليفتها اسرائيل، وضد جميع عملائها وعبيدها من حكام المنطقة، لكن (ايران) شرّ آخر، لا يقل اذى عن الآخرين. وسنوات سيطرة عملائها على العراق منذ 2003 اثبتت ذلك بصورة قاطعة.

 

سليم مطر ـ جنيف

.........................

لمزيد من التفاصيل:

1ـ طالع مقالتنا القديمة: تاريخ العشق الامتلاكي الايراني للعراق

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=306663

2 ـ الاحتفالات بـ(يوم كورش) وهو يوم (سقوط بابل) قبل 2600 عام على يد الملك الاخميني (كورش):

https://www.alarabiya.net/ar/iran/2016/10/28

3 ـ تفجيرات القيادات الامريكية والفرنسية في بيرون عام 1983

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D9%81%D8%AC%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D8%AA_%D8%A8%D9%8A%D8%B1%D9%88%D8%AA_1983

4 ـ تفجيرات حزب الدعوة ضد السفارة العراقية في بيروت عام 1981 والتي قتلت فيها زوجة الشاعر نزار قباني، العراقية (بلقيس الراوي)

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D9%81%D8%AC%D9%8A%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A7%D8%B1%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9_1981

5 ـ تحول ايران الى التشيع:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%8A%D9%84_%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%81%D9%88%D9%8A%D9%8A%D9%86_%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_%D9%85%D9%86_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B0%D9%87%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D9%8A_%D8%A5%D9%84%D9%89_%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D9%8A

 

شاكر فريد حسنبعد حياة عريضة وممتدة زاخرة بالعطاء والمنجزات الفكرية، ارتقى إلى السماء وعالم الخلود، أستاذ الفلسفة، المفكر العربي والمثقف السوري الكبير، د. الطيب تيزيني، بعد  صراعه ومعاناته من مرض عضال، تاركًا وراءه تراثًا فكريًا خالدًا للأجيال العربية الجديدة والقادمة.

الطيب تيزيني من ابرز واهم الفلاسفة والمفكرين والمثقفين السوريين والعرب في العصر الحديث، عرف بمشروعه الفكري الذي يراجع فيه منجزات وأسس التراث العربي، وظل طوال حياته وفيًا لقناعاته ومبادئه، مشتبكًا مع التراث والسلطة .

وهو أحد أنصار الفكر القومي الماركسي، ومن المعارضين السوريين للنظام السوري المطالبين بتفكيك الدولة الأمنية، وبخلاف عديدين من المعارضين أبى الرحيل عن بلده حمص، ولم يغادرها طوال الحرب الدامية المستمرة منذ العام 2011 .

والطيب تيزيني فيلسوف وناقد سوري اعتمد الماركسية كمنهج في كتابه " من التراث إلى التراث، وحاول اعادة قراءة الفكر العربي وصياغته من جديد من خلال عملية نقدية منهجية . والمشروع الذي حلم به، رؤية جديدة للفكر العربي – من بواكيره حتى المرحلة المعاصرة لما يكتمل، ولم يتحقق كغيره من المشاريع الفكرية كمشروع محمد عابد الجابري ود. حسين مروة ومحمد أراكون، وكمشاريع النهضة والتنوير العربية، التي أخفقت بل واجهضت .

الطيب تيزيني من مواليد حمص العام 1934، تلقى تعليمه فيها، وغادرها لاحقًا إلى تركيا ثم بريطانيا فألمانيا، حيث أنهى دراسته بموضوع الفلسفة، ونال شهادة الدكتوراه العام 1967، وشهادة الدكتوراه في العلوم الفلسفية العام 1973 .

اشتغل في التدريس بجامعة دمشق، وأستاذًا للفلسفة حتى وافته المنية . وجرى انتخابه عضوًا في لجنة الدفاع عن الحريات في الوطن العربي .

نشر الكثير من الدراسات والمقالات الفكرية، وصدرت له مؤلفات ومنجزات عديدة ، هي: الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى، مقدمات أولية في الاسلام المحمدي الباكر، من التراث إلى الثورة – حول نظرية مقترحة في التراث العربي، مشروع رؤية جديد للفكر العربي منذ بداياته حتى المرحلة المعاصرة في 12 جزءًا، من يهوه إلى اللـ .. مشروع رؤية جديد للفكر العربي، دراسات في الفكر الفلسفي في الشرق القديم، فصول في الفكر السياسي العربي ، من الاستشراق العربي إلى الاستغراب المغربي – بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي، وفي آفاقها التاريخية، من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني، ومن اللاهوت إلى الفلسفة العربية الوسيطة، ابن رشد وفلسفته، بيان في النهضة والتنوير، في السجال الفكري الراهن وغيرها .

وكان طيب تيزيني قد صرح: "بعد كل الذي حدث في سورية وفي غيرها، أعلن أن كل ما كتبه في حياتي أصبح ملغى وفي حاجة إلى اعادة نظر . وقد انتهيت في رحلتي الفكرية إلى الايمان بوحدة العالم، بما في ذلك وحدة الاديان كلها .. الخطاب الديني المشتعل حاليًا، والذي تشعله مجموعات زائفة وأخرى صالحة لكنها لم تمسك بالحقيقة تمامًا، هؤلاء يجب العودة اليهم ومحاولة تحريرهم من الزيف الذي وقعوا فيه كي نعمم السلام الحقيقي في العالم، وفي كل وطن منه، واخص بالذكر سورية الجريحة".

الطيب تيزيني اشتغل على تأسيس مشروع فلسفي معرفي معاصر، وتمسك بعقائده ومسلماته ويقينياته التي لم تتغير، بدأ متفائلًا وانتهى بالوقوف والبكاء على الأطلال، ومات تاركًا خلفه أسئلة فكرية ومشروعًا فكريًا نهضويًا يستوجب اعادة قراءته ومراجعة طروحاته واستلهام دروسه ..!

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

زيد الحليموقفان، بعيدان جداً عن بعضهما، ومراميهما، شكّلا عندي منعطفاً عميق المعنى، لا زال يرنُ في وجداني، منذ أن اطلعتُ على تفاصيلهما في الأمس .. تُرى ما الذي يجمع نقيضين على سطحٍ واحد؟، احدهما حالك السواد، بعيد عن الإنسانية، والآخر ناصع البياض، قريبٌ من الله .. وهذان الموقفان هما، حملات الإبادة التي قام بها المجرمون لأقدس المحاصيل الزراعية (الحنطة والشعير) غذاء الإنسانية من خلال حرق آلاف الدونمات من الأراضي المزروعة بهذين المحصولين الاستراتيجيين، وهي محاصيل تشكل عماد المعيشة لمئات بل آلاف المزارعين وعوائلهم، ما ادى الى زيادة مساحة الأرضي السبخة، التي اصبحت غير صالحة للزراعة لسنوات قادمة واتساع مساحة التصحر في بلدنا.. والموقف الآخر على النقيض تماماً، هو حملة البنك المركزي العراقي بالتعاون مع وزارة الزراعة، لزراعة شتلات متنوعة بواقع 200 الف شتلة، وهي حملة ممولة من صندوق "تمكين" الذي يشرفُ عليه البنك المركزي العراقي ورابطة المصارف العراقية الخاصة، وشركات الصرافة .

ان خطوة البنك المركزي العراقي، في مبادرة "تمكين" تؤكد ان العراق الحقيقي، هو اليد البيضاء التي تمتد لتزرع الخير، وتوزع الشتلات الخضراء التي تنعش الأرض والهواء، فيما الأيادي السوداء، هي التي تسعى الى فرش الظلام، لكن إرادة العراقيين اقوى، واكثر صلابة، واجدُ ان كل شتلة جديدة تُزرع في ارض العراق في مبادرة "تمكين" هي عصا غليظة بوجه أدوات الرذيلة التي قامت بالعمل المشين الذي ادى الى موت هكتارات من الاراضي المزروعة بخير المزروعات، واقدسها .

ان الـوطن كلمة صغيرة، من خمسة أحرف لكنها تختصر معاني الدنيا كلها، فهو التاريخ والأمان والحضن، هو الذي يسكننا، وكلما ابتعدنا عنه ازداد احساسنا به وزاد ارتباطنا به.. وجريمة الحرائق التي عمت اجزاء عديدة من الاراضي، ينبغي ان تكون حافزا لجميع الوزارات والدوائر للقيام بحملات شبيهة بمبادرة البنك المركزي العراقي ورابطة المصارف الخاصة، حتى نعطي صورة صلدة للأعداء بان في العراق ركائز ودعائم، تقف متحدية الصعاب وصناع الموت، حيث يحذر المعنيون بالتربة والزراعة، من مغبة الفعل الاجرامي المتمثل بحرائق محاصيل الحنطة والشعير، كونها تؤدي إلى اتساع مساحة التصحر وتدمير التربة الصالحة للزراعة، وهي من أخطر التهديدات البيئية ما يعرض الأمن الغذائي العراقي للخطر، وربما نتائجها سلبية وكارثية من ناحية فقدان الأراضي القابلة للزراعة وتحرك الكثبان الرملية باتجاه المدن والمناطق الزراعية .

 

زيد الحلّي

 

عدنان حسين احمدصدرت عن دار "الرافدين" ببيروت رواية "العلموي" لمرتضى كزار وهي الرواية الخامسة في رصيده السردي الذي يختلف تمامًا عن منجز الروائيين العراقيين والعرب في التقنية، والبناء المعماري، والمعالجة الفنية. فالأحداث تبدو حقيقية متسلسلة تارة، ووهمية متقطِّعة تارة أخرى حتى ليشعر القارئ بأنه يدور في متاهة لا مّخرَج لها مع يقينه التام بأن هذه الحلقة الدائرية تضم في دوّامتها العراق وإيران والكويت، هذه الدول الثلاث المُصابة بلعنة النفط، وأشباح الحروب التي تظهر وتتوارى مثل شخصيات هذا النص السردي المُراوغ.

تُعدّ هذه الرواية سيرة ذاتية لعبّاس ربيع يدوّنها القاص والروائي مديّن حيّاوي الذي جاء من أميركا لزيارة أهله في العراق وكُلف بهذه المهمة العسيرة التي تسحق الأعصاب. يعود بنا الكاتب السيري إلى ربيع فالح الملقّب بـ "مستر كثافة"، ومنه تتشظى الأحداث الغريبة، والحكايات العجيبة، فنعرف أنه خدم مع مهندسي النفط في المدن الجنوبية العراقية لأكثر من 40 عامًا "فقدَ فيها نصف صوته، وثلث عمره، وكامل ذراعه" فسُميّ بالأكتع، وقد تزوج من العاملة "هدى" التي أنجبت له توأمًا أسماهما عباس وفاضل يشبهان بعضهما بعضًا إلى حدّ التطابق رغم وجود بعض الفروقات البسيطة التي تستدعي من الناظر أن يُدقق جيدًا ليعرف أنّ عباس أيسر وسِنّه مخلوع، وفاضل أيمن وسِنّه مكسور لأن أباه اعترض على شتمه للرئيس. تموت الأم هدى وهما في سن الخامسة، ويُعتقل الأب بسبب التقارير الحزبية التي كانت تكتبها زوجته، فتتبناهما السيدة فيرونيكا. يدرس عباس الهندسة ويبرع فيها بينما يكتشف قدرة شقيقه فاضل على تعلّم اللغات. وبما أنّ أبناء المدينة مصابون بمتلازمة العبقرية أو الاختراعات فإنه يقدّم للجيش البريطاني الذي بسط نفوذه على مدينة البصرة برمتها اختراع "الرجل الآلي"، بينما تقدّم زينب رحيم، الموظفة في مصلحة الضرائب والعقارات اختراع الجهاز الكاتم لصوت المرحاض رغم أنّ زوجها المُقعد والمشلول قد اتهمها بصناعة كواتم للمسدسات. تتوالى محاضرات عباس العلمية عن الكمومية ومبدأ اللايقين، وتتواصل أبحاثه الرصينة، وأطاريحه الكثيرة التي تدلل على أنه شخصية علموية بامتياز لكن كليهما لا تزوره الأحلام.

تجمع هذه الرواية بين البحث والتنقيب عن النفط، والحروب الداخلية والخارجية، بدءًا بالحرب العراقية-الإيرانية، مرورًا بحروب الخليج المتكررة، وانتهاءً بالاحتلال الإنغلو _ أميركي للعراق لكن المشاهد السردية تتداخل بطريقة غامضة يصعب فرزها وفكّ اشتباكها نتيجة للتقنية السردية الجديدة التي لا تعوّل على الوضوح كثيرًا، وإنما تلجأ إلى التقاطع، والإيهام، والفانتازيا المحاذية للواقع العراقي في سنوات الرعب والتوحش والطائفية. ومن بين الشخصيات الإشكالية التي تنبثق من هذا المناخ الهمجي هي شخصية الشاعرة صبرية ﭼياد التي وجدناها طافية على الشطّ، ومربوطة بسلك تليفون، وملفوفة ببطانية، ومع ذلك فقد عدّ البعض طريقة اغتيالها البشعة بالموت الرحيم، إذ لم يشوّه الجناة بدنها، ولم يعلقوا أمعاءها على أسلاك الكهرباء. ومن خلال هذه الشاعرة المغدورة نكتشف أنها ابنة جادو، المهاجر الأرمني الذي اعتنق الإسلام في التسعينات أيام الحملة الإيمانية التي أطلقها الدكتاتور المخلوع، لكنه غيّر اسمه إلى ﭼياد كي يتناغم مع الأسماء العراقية الشائعة في الجنوب. سيق جادو إلى الجبهة في حرب الثمانينات، ووقع في الأسر، وظل قابعًا في قصر فيروزة للأسرى، وبعد عشرين عامًا عاد مع الوجبات المتأخرة، لكن قبل خمس ساعات من لقائه بابنته صبرية انقلبت الحافلة ومات الأسرى كلهم قبل أن يكحّلوا أعينهم برؤية أهلهم وذويهم.

رغم أن عباسًا يؤمن بالعلم وينفي وجود الخرافات والأساطير في حياته إلا أن ذلك لا يمنع من وجود شخصيات أخرى تؤمن بالسحر والشعوذة، فحسين المُجلِّد يعتقد بوجود الجن والكائنات اللامرئية لكنه يعزوها إلى الكتاب الذي جلبه عباس لتجليده، ومنذ تلك اللحظة تحوّل محله إلى "علبة جنيات". وفي هذا السياق يتعالق الروائي مرتضى كزار مع عدد من الكتب من بينها "رسالة التوابع والزوابع" لابن شهيد الأندلسي التي تقول بأنّ لكل شاعر تابعًا من الجن يتبعه ويلهمه الشعر فلاغرابة أن يطلب عباس من حسين المجلد أن يصاحب جنيات الشعراء علّه يقع في حُب واحدة منهن ويصبح شاعرًا لوذعيًا غير أن أمه المؤمنة بالخرافات تريد أن تربطه في حضرة الإمام علّه يتماثل للشفاء ويتخلّص من السحر الذي عملته "سنّاوي" لكن الأمور سوف تتكشف تباعًا، فحسين لا علاقة للجن به، وإنما هو يستنشق السموم الموجودة في غراء التجليد ويسقط مغشيًا عليه.

تحتشد الرواية بالصور والمَشاهد الديستوبية، فثمة رتل من الجنود العميان يخوضون في مستنقعات نفطية، وحينما خرجوا داس خروف من القطيع المجاور لهم على لغم نائم فتصاعدت موجات الصوف في عنان السماء والتصقت بالجنود المُنهكين فأصبحوا مثل خراف مشوّهة ومع ذلك فهم يعترضون السيارة التي تقودها فيرونيكا ويهجمون عليها مثل ذئاب شرسة ينهشون لحمها، وينتهكون شرفها بينما هي تحثّ التؤام على الهروب إلى أي مكان في الصحراء المفتوحة.

ثمة شخصية أخرى فاعلة تُدعى "حِدبة" يلتقي بها التوأم أكثر من مرة فتقترح أن تدلهما وسط هذه المتاهة على "فيّة الرقوق" لكننا سنكتشف في خاتمة المطاف أن "فيّة" هي أختها وليست مكانًا بعينه، وقد تآمرت هي وفاضل عليه وأوغلا في خديعته.

بعد موت شقيقه فاضل يصمّم عباس جهاز الرجل المرحاض الذي يعد "المعادل الموضوعي للسوبرمان والباتمان والبيردمان" وهو عبارة عن مرحاض مقلوب يثبّته على رأسه مثل خوذة من البورسلين لكنه صنع له شقًا يشبه شقّ صندوق البريد وبينما هو يتجول في المدينة يضع الناس أسئلتهم المكتوبة ليجيب عليها بحسب أهميتها.

يستمر التداخل حتى الصفحات الأخيرة من الرواية لأن السارد يتخيل دائمًا صوت صبرية التي أحبها من طرف واحد، فحينما يطرق مدين حيّاوي على خوذة عباس يذكّره بأنه المؤلف الذي سيكتب سيرة حياته لكن الأمور تظل مشوّشة لأنه يتخيل وقائع لم تحدث، ومع ذلك فهو يطلب من مديّن أن يكتب الحقيقة كما هي من دون أن يقبض عليه شرطي الزمن. تأخذ صبرية دور الراوي لتقول له:"سنكتب كل شيء إلاّ أنا، أقسمتَ لي بأنك ستحذفني من عقلك ولسانك، كل قصتك حقيقية إلاّ ما يخصّني. أنا لم أُقتَل يا عباس، ولم يقذفني أحد في الشطّ، لولا أن الناس يعرفون وضعك لصدّقوك". يتواصل السرد لنعرف أنها متزوجة، ولديها طفل في المدرسة الابتدائية، وأنها ليست حبيبته، وليست مُعجبة به ولكنها جاءت لإخراج الطبول المدوّية في رأسه، ثم ينفكّ الاشتباك حينما تقول له:"نادني مديّن حيّاوي" لتكتمل الدائرة، ونفهم النص الروائي الذي كتب بصيغة سيرية رغم أن اسم المؤلف لا يتطابق مع اسم الكائن السيري وحجة الروائي أنّ مدين حياوي كتب سيرة غيرية طعّمها بنَفَس علموي، وتبّلها ببعض الخرافات والأساطير التي جعلت النص السردي يترجح بين الواقع ونقيضه. كما أن الأسلوب الساخر قد خفّف، هنا وهناك، من سوداوية النص وكابوسيته وجعلته يقف في منتصف المسافة بين الجد والهزل. جدير ذكره أن مرتضى كزار  قد أصدر أربع روايات وهي: "كومبيوتوبيا- صفر واحد"، "مكنسة الجنّة"، "السيد أصغر أكبر" و "طائفتي الجميلة".

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

قاسم حسين صالحتنويه: بدءأ.. انني أجلّ وأقدر المرجعية الموقرة في النجف الأشرف، وكنت من الذين بادروا الى ترشيح سماحة السيد علي السيستاني لنيل جائزة نوبل للسلام لدوره المؤثر في اخماد الفتنة الطائفية ووحدة العراق ودعوته الى اقامة دولة مؤسسات مدنية.

وبقدر ما تريد المرجعية من الكتّاب والمفكرين الأستماع لها، فان عليها ايضا ان تقرأ ما يكتبون وتستمع لمن يختلف معها في الرأي ويتفق معها في النوايا في المواقف التي تخص قضايا الناس والوطن.. ومن هنا تأتي هذه المقالة.

حيثيات الموقف

في العاشر من هذا الشهر( مايس 2019) القى فضيلة الشيخ عبد المهدي الكربلائي خطبة المرجعية في اول يوم جمعة من شهر رمضان المبارك، خص الجزء الأول منها في تبيان (فضائل وكرامات هذا الشهرالعظيم) وخص الجزء الثاني في (كيفية توظيف معطيات هذا الشهر المبارك لأجراء التغيير لاصلاح النفوس للفرد والمجتمع).

اننا نحن السيكولوجيين، وانا تحديدا، نقدّر الموعظة الدينية ونعدّ العلاج الروحي أحد اهم اساليب العلاج النفسي في المجتمعات الدينية للأشخاص المأزومين نفسيا، والذين يعانون من الأكتئاب، أويشعرون بانعدام المعنى من وجودهم الذي يفضي بعدد منهم الى اليأس وقتل النفس.. وقد برع الشيخ الكربلائي في تبيان جوهر الصوم والصلاة في منح الأنسان الشعور بالطمأنية وراحة النفس.

ما يعنينا هنا هو رؤية المرجعية الموقرة في (اجراء التغيير لأصلاح النفوس للفرد والمجتمع) كون علماء النفس والأجتماع معنيون بهذا الأمر، ومحاورة الشيخ الفاضل في تشخيصه بأن (كثرة حالات الانتحار والطلاق والتفكك الأسري سببها الخواء الروحي والمعنوي).

ولأن من عادتي أنني استطلع ألآراء في مثل هذه القضايا، فقد خصصت (اصبوحة يوم 11 /5/ 2019) بهذا النص:

(أمس قالت المرجعية:" ان كثرة حالات الانتحار والطلاق والتفكك الأسري سببها الخواء الروحي والمعنوي".. فلماذا لم تقل من كان السبب في هذا الخواء).

نتائج الأستطلاع

بلغ عدد الذين اطلعوا على هذا المنشور (3207) وعدد المعلقين (69) بينهم أكاديميون ومثقفون واعلاميون.. وتم تصنيف النتائج على النحو الآتي:

بلغت نسبة الذين انتقدوا هذا الموقف 78%، الى حضراتكم نماذج منها:

 - الجفاف سببه الفقر والبطالة والمستقبل المجهول المظلم وتفاوت في طبقات المجتمع .. ناس قلّة تعيش في ترف معاويه واكثرية فقراء ونساء معنفات.

 - تحليل غير منطقي.. كل ابحاث النفس تقول ان اسباب الانتحار تكون بوصول الانسان مرحلة اليأس والشعور بالقدرة على عدم الانتاج.

 - السبب هو الوضع السياسي والفوضى التي خلقتها النخب السياسية

 - الأنظمة المتعاقبة هي السبب، وقلة الوعي لدى الأغلبية من الشعب.

ولأن المرجعية هي المرجع الروحي لكثيرين، وانها تحتضنهم وان قسوا في تعليقاتهم .. فأننا نذكر هنا نماذج بينها من يحملّها المسؤولية:

 - وجود خلل في منظومة المجتمع حتى الدينية منها، ولهذا لم تتوصل افكار المتحدث باسم المرجعية، للأسف، عن سبب تردي وضع المجتمع.

 - هي احد اسبابه لدخول معممين في السياسة ومشاركتهم في الفساد

 - انهم شركاء بخواء المجتمع وهم من ساهموا به

 - دكتورنا، المؤسسة الدينية أحد أهم وسائل التخدير للمجتمع

 - المرجعية اصلا تعاني من خواء روحي، يتحدثون من خلال الشاشات فقط ويسكنون بروجا عاجية .حتى مناطق سكنهم محصنة وتختلف جذريا عن مناطق سكن الناس البسطاء . خطبهم لم تعد تجدي نفعا .. عليهم النزول للشارع ليعيدوا ثقة الناس بهم.

 - السلطة الدينية لم تراعى الشعب بالرغم من انها تصدت لذلك وانحسرت الرعاية فكان الشعب هو الضحية

 - يشخّصون السبب ولا يذكرون المسبب

 - على مر العصور السلطة الدينية حامية لمصالح الدولة.

وجاءت ثلاث اجابات لصالح موقف المرجعية، هي:

 - تبقى المرجعية صمام أمان

 - المرجعية تقف في المنتصف من كل هذه المتغيرات

 - للمرجعية اجتهادها فيما تقول

وكانت هنالك اجابات فيها طرافة، مثل:

 - أريد اضحك بس صايمه ومابيه حيل.. يخوطون بصف الاستكان

 - خطب الجمعه.. حزورات في اغلبها واقاويل تحتما التأويل

 - شعلق .. والله ما ادري (ومعها صورة السيد اياد علاوي.. صافن!)

 - نحن نعيش بدايات القرون الوسطى في اوربا

 - دائما.. المرجعية عندما تصل الى وضع النقاط على الحروف.. يبح صوتها!

محاورة علمية

تفضل ممثل المرجعية الشيخ الكربلائي في خطبته تلك قائلا:

(وانتم لا شك تتابعون وتقرأون كثرة حالات الانتحار مثلا ً، لماذا؟ شباب مع الأسف الشديد في عمر العشرين او في عمر الثلاثين.. كل فترة نقرأ في المكان الفلاني انتحر الشاب او الشابة الفلانية، وهناك حالات الطلاق كثيرة وحالات التفكك الاسري كثيرة وحالات المشاكل الاسرية والمشاكل الاجتماعية.. )

ويتساءل فضيلته:

(لماذا هذا الانتحار وهذا الطلاق تجد ان هناك تعقيدات ظروف الحياة المادية والضغوط النفسية والاجتماعية التي تؤدي الى حالات من القلق والكآبة والخوف والحزن والاحباط واليأس من المستقبل).

ويعود يتساءل:ما هو الحل وما هو العلاج؟

فيجيب:

(يأتي هنا اخواني تعزيز الجانب الروحي والمعنوي، نحن نشكو في مجتمعنا من حالة الجفاف الروحي والمعنوي، نحتاج الى إغنائه، اذا قويّت الاتصال والارتباط بالله تعالى وهذا يعني انني اعتقد ان لي رب قادر وحكيم ورحيم وعطوف بي وحنون عليَّ هو سيعينني على ان اتجاوز هذه المشاكل والازمات واتخلص منها بنجاح ولا اقع في الفشل والاخفاق واليأس والاحباط وغير ذلك من هذه الامور النفسية..)

ولأن فضيلته تحدث في اختصاصنا، فأننا نقول:

ان الدوافع التقليدية للأنتحار تتحدد بـ:البطالة في قطاع الشباب (34% نسبتها في ذي قار)، وتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية(سبعة ملايين عراقي دون مستوى خط الفقر).. والذي حصل بعد التغيير أن تزايدت شدة وحدة هذه الأسباب وظهرت اسباب عراقية! جديدة نوجزها بـأربعة:

 - توالي الخيبات. صبر العراقي خمس سنوات بعد (2003) ثم خمسا، ثم خمسا.. ولأن للصبر حدود، وقدرة على التحمل، فان البعض من الذين نفد صبرهم عمد الى الانتحار بوصفه الحل الأخير لمشكلته.

 - الشعور بالحيف والندم.تجري لدى بعض الشباب مقارنة بين شخصه وقدراته وقيمه وبين آخرين يحتلون مناصب بمؤسسات الدولة يقلّون عنه خبرة وكفاءة وقيما، مصحوبا بشعور الندم على اضاعة الفرصة.. فيعاقب نفسه بقتلها.

 - الاكتئاب واليأس والوصول الى حالة العجز. حين يجد الشاب أن الواقع لا يقدم له حلّا لمشكلته، ويصل مرحلة اليأس والعجز، فانه يلجأ لانهاء حياته.

 - فشل السلطة واستفرادها بالثروة. تعرّف السياسة بأنها فن ادارة شؤون الناس، وما حصل في العراق ان الطبقة السياسية عزلت نفسها مكانيا ونفسيا في عشرة كيلومتر مربع لتعيش حياة مرفهة وتركت الناس يعيشون حياة الجحيم، ولم تستجب لمطالبهم وتظاهراتهم من شباط (2011) والى الآن.

وبدلا من التفكير بايجاد حلول لمشكلة البطالة، ابتكر السيد رئيس مجلس محافظة بغداد حلاّ للقضاء على انتحار الشباب ببناء اسيجة على جسور بغداد.

ومع احترامنا الكبير لشخص فضيلة الشيخ الكربلائي، فان (حلّ) جنابه بأن يطلب من الشاب الذي يقرر الانتحار ان يتوجه الى الله سبحانه ليحلها له أو يصبّره عليها.. لا يختلف عن (حلّ) السيد رئيس مجلس محافظة بغداد.. فكلا الحلّين لا يثنيان شاب عن قتل نفسه وجد الموت ارحم له من حياة هدرت فيها كرامته وأهين، وآخر انتظر فرصة عمل ستة عشر عاما دون جدوى في بلد هو الأغنى في العالم بخيراته وثرواته، نهبها (حيتان فساد) باعتراف المرجعية ولم تفعل له شيئا. بل ان في قول الشيخ الكربلائي ما هو اخطر، لأن ما يفهم من كلامه انه يدعو الشباب تفويض أمرهم الى الله سبحانه وترك الفاسدين من السياسيين يستمرون بسرقة ثرواتهم ومستقبلهم، فضلا عن ان فيه تخديرا يصرفهم عن دورهم في التغيير بتحقيق العدالة الأجتماعية التي أمر بها الاسلام، وعمل أمير المؤمنين الأمام علي على تطبيقها في خلافته واوضح تفاصيلها ومواصفات الحاكم في عهده لمالك الأشتر.

سيدنا الفاضل.

ان الدور الرئيس في حصول ظواهر سلبية في اي مجتمع كان هو نوعية النظام السياسي .ولك ان تقارن ما حصل للأنسان العراقي في زمن حكومات المحاصصة والنظام الدكتاتوري والأنظمة الجمهورية الخمسة والنظام الملكي.. لتصل الى نتيجة بأن كثرة حالات الانتحار والطلاق( الذي وصفته المرجعية بانه ارهاب آخر)، وشيوع تعاطي المخدرات، وتعرّض الضمير الأخلاقي لضربات موجعة، والألحاد الناجم عن التطرف الديني، وتحول الفساد من فعل كان يعدّ خزيا الى شطارة.. هي، في قناعة أغلب العراقيين، حصيلة حكم احزاب محسوبة على المرجعية بما فيها قائمة (555) التي دعمتها ثم تخلت عنها. وأن ما تؤاخذ عليه المرجعية هو انها خبرت كل المواقف.. من النصح الهاديء للسياسيين، الى بح الصوت، الى الابتعاد عن السياسة وفواجع الناس، الى الرجوع اليها والتعاطف معها.. الا موقفا واحدا هو الأنتصار للشعب بفعل صريح يخيف السياسيين.. بدونه تبقى مصائب الناس تزداد سوءا.. مع وافر التقدير والأحترام.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

رئيس المجلس ألأستشاري للثقافة والأعلام بالعراق

ألاتحاد الدولي للصحافة العربية

12/5/2019

 

رائد عبيسيُمثل الوعي، والوعي العملي حركة متقدمة في فكر الإنسان، وتوجهه نحو مفاهيم متعالية، ومتجردة، وعقلانية، وموضوعية، يكشف بها الإنسان الوجه الاخر للعالم، والكون، والحياة، وأن لا يجعل من وعيه المتيقظ، أن يلتجئ الى التكاسل او عن متابعه إدراكه ليقظته، فما قيمة الوعي إن لم يكن ممارسة ؟ وقد قال في ذلك علي بن ابي طالب "لا خير في العمل إلا مع العلم" هذه القرينة، تضع لنا منهاجاً واضحاً، في تحقيق الوعي والوعي العملي، فإن أي معرفة تقترن مع طاعة عمياء، فهي معرفة عرجاء،لا تصل بصاحبها الى النجاة، ولا تسترشد به خطوات الخير، ولا يَتنور به أو ويُنور طريق غيره، هذا الوعي هو الوعي المخبأ خلف وتحت افكار الارتهان،سواء كان لفكرة، أو شخص، أو عقيدة، أو مبدأ، أو تقليد، أو اعراف، أو موروث لا يمكن تجاوزه، لأنه مهيمن على الوعي الجديد، فالوعي المُحتكم الى مخلفات النشأة والموروث، والعقيدة، والتصديق الأعمى،والارتهان،هو وعي مشوه،ان لم يكن بقصدية، وان كان بقصدية فهو وعي متفاعل مع الوعي الجمعي ومشارك له. وطبيعة هذه المشاركة ناتجة عن تفكير نفعي، ومصلحي، تكسبي، يتظاهر صاحبه به، أو بفاعليته حتى يكتسب اهتمام جمهوره، ويحقق بهم أفكاره، ومشاريعه، وارباحه.وهو يعلم جهلهم، وزيف وعيهم الذي عليه أن يتظاهر أمامهم بنقيضه، إدراك النقيض نعده وعي مخبأة، ولكن خبئ لمصلحة متقدمة في طموحه، وعليه أن يعلن الطاعة العمياء لقائده الذي يعلم جهله، وعليه أن يظهر التبعيه له وهو يشاركه جهله، وعليه أن يجاري الجمهور، وهو يعلم فقر مبدأهم ومتبعهم. مثل هذان النموذجان من الوعي يبقيا في صراع داخلي عند أي شخص يحملهما، أن كانت نفسه تميل إلى الترجيح، ورفض النفاق الداخلي، والتبعية المرة وان كان مستحليها، وكشف الزيف الضميري، اتجاه قضايا مصيرية، تكون معه على المحك، وقد فعلها كثير ومارسها وكشف بها التناقض النبي إبراهيم، عندما وضع الفاس عند كبيرهم، وقال للقوم هو من صنع ذلك بآلهتهم بعد سؤالهم له. فولاءات الطاعة التي تفرضها مناسبات مختلفة، مثل؛ التربية، والموروث، والاعتراف الرخيص، والاعتقاد الفارغ، والاستحباب العاطفي، مثلت لكل تابع وعي مستعار عن نموذج قائده، وأفكاره، ومنطلقاته، ولم تتوفر له بعد فرصة تحقق الوعي الذاتي المستقل عنده، وعندما تكون غير متوفره، يكون الولاء والارتهان قد وقع بين انسان لإنسان، وهذه إشكالية التبعية البشرية، بمن يعتقد أنه قائد، وحاكم، وزعيم، وما كوارث الحروب الا دليل على وضع البشر لوجودها وقيمته، تحت تصرف الآخر المسمى الحاكم، وبعد أن نكشف حقيقة هذا الارتهان الزائف، نصير إلى قناعة أن فكرة الحكم وسلطته، هي زيف أيضاً، وغير موجودة الا في عقول من يكون الزيف عقله، وقناعته، وارداته. وامثلة ذلك في عالمنا العربي والإسلامي لا تعد، ولا تحصى، فكل التفكير السلطوي مؤسس على تلك الأرضية من الاستعدادات، لقبولها بدون الاعتراض عليها في البدأ، ففكرة الاعتراف الساذج والرخيص، هي الأقرب إلى تقوية السلطة بنفسها وجمهورها، والسلطة القائمة على العاطفة، لا تصمد أمام العاصفة، سواء كانت هذه العاصفة ايديولوجية، أو عسكرية، أو سياسية.وتحدث في الغالب نتيجة القبول بالارتهان المباشر بين إنسان لإنسان، أو بشكل غير مباشر، المهم تتحقق التبعية نتيجة الطاعة، أو نتيجة الارتهان المتحقق بها، وعندها يصادر الوعي، أو يتبلور بوعي مستعار بلا شعار.

 

الدكتور رائد عبيس

 

صادق السامرائيالفكر عماد الأمم وإذا إنتفى فكرها، إنتهى ذكرها. فالأمم بفكرها وأفكارها. وأمم الدنيا القوية، أمم ذات فكر، أوجد مروج أفكار ذات قدرات تبرعمية وآليات إنبثاقية تواصلت في صيرورات إبتكارية خلاّقة ومطلقة.

والأمم الحديثة لم تأتِ من الفراغ المعرفي والخواء والفكري، وإنما شيّد صرحها ووضع أسس وجودها القوي مفكرون عظام وفلاسفة أفذاذ، رسخوا في وعي الأجيال القيم الحضارية والإنسانية المستوعبة للمستجدات والمتغيرات والتطورات والتطلعات.

فلو نظرنا إلى الصين، لأدركنا أن المفكرين قد تفاعلوا في صناعتها، وكذلك اليابان المعاصرة، فهي مُشيّدة على أسس فكرية وفلسفية مسبوكة في أوعية الوطن العزيز المقتدر.

وكذلك الدول الأوربية وأمريكا، وماليزيا شيدتها أفكار ورؤى طبيب أخرجها من قيعان الفقر والعجز إلى فضاءات الرقاء والتقدم والتوهج الإبتكاري والصناعي الدفاق.

والأمثلة كثيرة، ولا تجد واحدا منها في مجتمعاتنا المتخبطة في مستنقعات الضلال والبهتان، والحائرة في صحارى الأباطيل وإشارات الضوء الفئوية الحمراء دائما، وإن أصبحت خضراء لبرهة فأنها تدعو للسوء والبغضاء.

فكل جميل أمامه إشارة حمراء، وكل قبيح إشارته خضراء.

والحقيقة الغائبة عن الواقع المأساوي العربي أن الفكر قد إنتفى وقيمة الحياة تبخّست، وصارت رؤى وأفكار الموت سائدة ومؤثرة في المجتمع، وبهذا فأن الحركة تنحدر نحو الإنجداث والخراب.

فالفكر قوة ذات قدرات طاقوية وتوجهات تنموية وعطاءات متوالدة، تحث على الجد والإجتهاد والإبداع وتساهم في إشعار الإنسان بذاته وطاقاته، وتمحه المهارات الكفيلة بإستثمار ما فيه من العناصر الإيجابية والدوافع الصيروراتية.

فهل سنُحيّ الفكر ونعزّهُ لكي نحيا ونكون؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

صائب خليلفي فيدو انتشر في التواصل الاجتماعي يظهر النائب الصدري السابق عواد العوادي وهو يتباكى ويتوسل بمقتدى الصدر ويرفع صورته وصورة ابيه في تذلل مثير للتقزز.

عواد العوادي شخصية لطالما كتبت عنه وعن دعواته المشبوهة لخصخصة الكهرباء عندما كان يعمل تحت حماية السيد مقتدى، ولست آسف عليه أبداً، لكن هل هذا هو المطلوب وهل هذه هي الطريقة التي تؤدي الى بلد حضاري سليم خال من الفساد؟ من الواضح ان القانون قد تمت اهانته هنا إهانة علنية شديدة وعلى الهواء، فكانت فضيحة مدوية لضعفه. لكن هل يفقد البلد كثيراً بالدوس على الدستور والقانون الضعيفان أصلاً؟ اليس تحقيق بعض الضربات للفساد أمر جيد بغض النظر عن الطريقة التي تتم فيها؟ انصار السيد مقتدى فرحوا بالمشهد واحتفلوا به كعادتهم واعتبروه جزء من "الإصلاح".

وقد يكون في الامر بعض الإصلاح بالفعل، لكن التخريب بلا شك اكبر. اكبر بكثير جدا. المشكلة فقط ان هذا التخريب لا يرى بسهولة، فهو يقع في المستقبل، ولا يمكن ان يراه الا من كان بعيد النظر. 

ليست الاحداث الأخيرة هي أول مرة يدوس فيها السيد مقتدى على النظام والقانون، فقد سبق له أن شكل محاكمه الخاصة لمعاقبة "الفاسدين"، محطماً القانون المسكين اكثر مما هو محطم، بدلا من ان تكون قوته وسلطته في خدمة القانون والدفع باتجاه احترامه.

حين يسأل احدهم السيد مقتدى فإنه يعترف بأهمية القانون والحفاظ عليه، لكنه يفعل العكس تماما. وإن كان السيد مقتدى لا يقر علناً باحتقاره للقانون فأن المتابع لمنشورات اتباعه يرى بوضوح مدى احتقارهم للقانون وسعادتهم بما يحدث من الفوضى التي يرون أنها سوف تعاقب الفساد بعد ان عجز القانون عن ذلك.

الغريب اننا لا نجد السيد مقتدى ولا احد في الحكومات العراقية يحقق شيئا حينما يمكن تحقيق ذلك مع الالتزام بالقانون والنظام والأصول المرعية وبالتفاهم مع الآخرين في قرار مشترك. فمثلا نجد السيد مقتدى يهدد بضرب السفارة الامريكية، لكنه لم يدع يوماً إلى تظاهرة واحدة امام السفارة احتجاجاً على فعلته اميركا في العراق من جرائم كان آخرها قصف الشرطة العراقية التي كانت تصور الدعم الأمريكي لداعش، ولا فعل ذلك أي من ورثة الحشد، ولم يقم هؤلاء كلهم بتقديم مشروع القانون إلى مجلس النواب لإخلاء العراق من القوات الأمريكية، وكلها اعمال سلمية بسيطة نسبياً، تستطيع ان تقوم بها اية منظمة في العالم، بينما تخنع دونها كل الجهات ذات الشعارات الرنانة في مقاومة الاحتلال في العراق اليوم. وفي رأيي انه لم يكن القصد من شدة ارتفاع أصوات تلك الطبول إلا للتغطية على خوائها وخيانتها التامة لقضيتها ورفضها القيام بأي تحرك فعلي.

لذلك فإني لا أرى في تلك الحركات "الإصلاحية" الأخيرة إلا امتداداً لطبول التغطية هذه، ولتحطيم القانون في البلد اكثر واكثر.

لكن كبرى خطايا السيد مقتدى الصدر ليست هذه ولا تلك، بل سحقه الدستور نفسه تحت حذائه وترشيح "المستقل المستقيل من الفساد"، والأمنية الامريكية القديمة لحكم العراق، عادل عبد المهدي، بنقض المادة الدستورية بأوضح ما يكون الوضوح:

المادة (76): أولاً:- “يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً، بتشكيل مجلس الوزراء”(1)

ولم يجد السيد مقتدى تبريراً لهذه الجريمة الدستورية سوى السخرية من الدستور حينما قال مبرراً إياها بأن: "العراق أكبر من الكتلة الأكبر"!(2) وهو تلاعب مؤسف بالكلمات لا ينتظر ان يقوم به رجل يقود واحداً من اهم التيارات العراقية. فهل كان هناك تنافس بين "العراق" و "الكتلة الأكبر" لنقول ان العراق اكبر من الكتلة الأكبر؟ هل قام السيد مقتدى بتنظيم استفتاء شعبي وتبين له ان الشعب العراقي ضد مبدأ الكتلة الأكبر؟ إن لم يكن قد فعل، ولم نسمع بمثل هذا الاستفتاء، فالمنطق يقول ان العراق مع الكتلة الأكبر! فهي التي حصلت على اكثر الأصوات من الشعب! إضافة الى ذلك فمقتدى لم يحتقر أصوات الشعب فقط في اختيار الكتلة الأكبر، بل احتقر أيضا الدستور الذي صوت عليه العراق فهل سيقول لنا السيد مقتدى أن  "العراق اكبر من الدستور" أيضا؟ نعم انه اكبر، لكنه معه وليس ضده! ثم احتقر نصار الربيعي مجلس النواب نفسه، فهل سنسمع ان "العراق اكبر من مجلس النواب" أيضا كتبرير؟ أم ربما يلجأ مستقبلاً إلى ما قاله بوش ويدعي ان الله هو من امره وأن الله اكبر من كل شيء، وبالتالي يمتلك تبرير أي عمل يقوم به؟

طبيعي أن السيد مقتدى لا يتحمل لوحده جريمة الدوس على الدستور بل شارك الجريمة معه من كان الشعب يعتمد عليهم وتصور انهم سيكونون رجالا عند كلمتهم للشعب وعند قسمهم باحترام الدستور، لكنهم لم يكونوا كذلك للأسف. ولا نقول شيئا عن الحزب الشيوعي المسخرة الذي شارك الواقعة، وقد صار حزباً هلاميا لا شكل له ولا طعم ولا رائحة ولا موقف معروف من أي شيء!

بعد جريمة دعس الدستور بالأحذية، قام السياسي الصدري نصار الربيعي بلعب دور رئيس المافيا في مسرحية الرعب التي أوقفت عبد المهدي قبل ان حتى يكمل قراءة المرشحين من أسماء وزرائه! وبالطبع فأن رئيسا للحكومة مرشح من خارج الدستور، ليس له أي سند ليقف بوجه التيار الذي رشحه، دع عنك صفاته الشخصية المعروفة بالامتناع عن الدفاع عن نفسه (أو حتى عن ابيه) بوجه أية إهانة توجه له. ولعل هذه الصفة إضافة إلى كونه رجل أمريكا والبنك الدولي في العراق، والمتعهد بالتخريب الاقتصادي للبلد كما تبين منذ اسابيعه الأولى، هي الأسباب التي دعت من رشحه الى ترشيحه.

العصابة التي يقودها نصار الربيعي والتي تعمل بتوجيه من السيد مقتدى لم توجه الإهانة الى هذا الرئيس الخانع وحده، بل وجهتها الى حلفائها الذين يباهون برجولتهم وشجاعتهم التي يبدو انها استهلكت تماما في الطريق الى السلطة ولم يبق منها شيء يمكن ان يراه المرء في مواقفها التالية. لا في تحالفاتها المشينة قبل الانتخابات، ولا في مواقفها من المسرحيات الهزلية اثناء تشكيل الحكومة ولا في تهربها من وعودها بإخراج القوات الامريكية من البلاد، والتي لم تحاول القيام بها ابدا، ولا في أي موقف.

تبرير موقف عصابات المافيا لنصار الربيعي تم تبريره بطريقة مشابهة لتبرير كسر الدستور، فسمعنا عبارات مثل أن "الفياض" جاء بفرض من "سليماني" و"أن احداً لن يقف امام أرادة الشعب"، (ردده المعروفون بعلاقات مشبوهة مع إسرائيل مثل غيث التميمي، الذي صار يحظر المقابلات كانه ممثل عن الصدريين) ولا يوجد أي دليل أو معنى لهذه الشعارات ولم يحاول احد اثبات ان لها علاقة بالواقع. ولا تختلف عبارة "أن احداً لن يقف امام أرادة الشعب" عن عبارة "الشعب اكبر من الكتلة الأكبر"، فكلتيهما الاعيب لفظية تم تهيئتها للتغطية على التفاف على القانون والدستور. وتم حرمان مجلس النواب من حقه بالتصويت ووقف المجلس موقفا في غاية الجبن والتخاذل. لقد منع المجلس حرفياً من ابداء رأيه. وقال الربيعي لهم: نحن من نقرر، وليس لكم أي راي في الحكومة فطأطأوا رؤوسهم! وهذا يشي بأن مجلس النواب الحالي تم انتقاءه بتزوير انتخابي دقيق لاستبعاد كل من كان يتكلم، ولم يبق فيه الا المسيطر عليهم. وهذا الأمر سيثبت أنه ضروري لتمرير الفضائح التي تم تمريرها فيما بعد.

الصدريون يبدون سعادتهم في كل مرة يقوم بها السيد مقتدى او من يمثله بحركة احتقار للقانون والدستور، ويتعاملون معها على أنها "شجاعة" و "حزم"، وأنه لم يكن هناك طريقة أخرى في بلد لا يحترم القانون. وطبيعي ان الأمر لا يقتصر على الصدريين، فها نحن هنا نرى الجميع مشارك في والجدير بالذكر أن هذه الأخلاقية وهذه التبريرات هي ما كانت تميز صدام حسين وكل اتباعه. فهو القائل أن القانون ليس سوى ورقة وانه يمكنه تغيير ما كتب فيها بـ "جرة قلم"!

إنني على يقين من ان هناك جهة تعمل بجد واجتهاد على تحطيم العراق، وان نظرية ان العراق يتحطم تحت تأثير الفساد الذاتي والجهل لا تستطيع ان تفسر كمية الخراب وسرعته الفائقة. فرغم اننا يمكن ان نفسر الحماس التخريبي للخصخصة بأنه فساد داخلي، لكن نظرية الفساد الداخلي لا تستطيع ان تفسر عقود عبد المهدي مع الأردن ولا التدمير المخطط للبصرة لدفعها للانفصال كما لا تستطيع تفسير الانتصارات التي حققتها داعش ولا تمكن الضباط من الإفلات من العقوبة بخيانتهم، ولا تستطيع تفسير استحالة حل مشكلة الكهرباء وغيرها كثير. لذلك فإني اشعر بالثقة بأن تحطيم القانون هو جزء من المخطط الخاص بتدمير العراق، بل هو اسرع الطرق لتحطيمه، وان المخطط يتم تمريره بشكل أو بآخر إلى الجهات المنفذة له، سواء عرفت بدورها أو لم تعرف.

يقول مثل إنكليزي: "لا تحرق بيتك لكي تخيف الفئران"، وما حدث بالضبط هو حرق القانون من اجل اخافة بعض الفاسدين، او بدعوى اخافتهم. ولا استبعد أن يسمح من خطط الأمر، ببعض النجاح للحركة في استئصال بعض الفساد ليتم تثبيت ذلك التصرف على انه شيء صحيح وانه الوحيد القادر على تحقيق أي تقدم في "الإصلاح"، ولكي يتم التشجيع على تكرار هذه الحركات مستقبلا.

لذلك قال الرسول ان من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة، وأكد ذلك بالقول بأن بعض دم أي قتيل سيكون مسؤولية قابيل لأنه سن سنة القتل.(3)

وليس صعباً ان نرى في المستقبل اية جهة تمتلك القوة الكافية، لن تجد صعوبة في فرض ارادتها، مهما كانت تلك الإرادة، ذلك ان من حطم القانون قبلها، عود الناس على احتقاره، وعود مجلس النواب على الخنوع وعبد لها الطريق لتمضي بفعلتها دون مشكلة. ومن كسر الدستور بهذه الصراحة وبهذا الاحتيال اللفظي الرخيص، هيأ المشاعر الشعبية لقبول أي كسر قادم للدستور كأنه ليس شيئا غريبا، ولن يواجه بالمقاومة المفروضة من قبل الشعب ونوابه، ومهما كان هدف من يكسر الدستور. فهل يدرك السيد مقتدى واتباعه وحلفاءه، أنهم سيحملون "كفل من دم القانون" في كل تحطيم له تقوم به أية جهة كانت مستقبلا؟

 

 صائب خليل

.....................

(1) الدستور العراقي

http://ar.parliament.iq/الدستور-العراقي/

(2) مقتدى الصدر: العراق أكبر من الكتلة الأكبر

https://almadapaper.net/Details/213591/

(3) "من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بهامن بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيءٌ "

"لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا ، لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ"

https://www.alukah.net/sharia/0/114861/#ixzz5oBn1M6qm

مقالة إضافية حول الموضوع - صائب خليل: انتقام القانون

http://www.tellskuf.com/index.php/mq/79290-dr23.html

 

 

رفع الدكتور عادل عبدالمهدي، رئيس الوزراء العراقي شعار محاكمة الفساد منذ توليه لمنصبه قبل بضعة شهور، واتخذ ومنذ ترشيحه سلسلة من الإجراءات التي تصب في طريق مكافحة الفساد، ومنها النافذة الألكترونية التي فتحها لإنتخاب أعضاء الحكومة، كما بادر الى نقل مكتبه من المنطقة الخضراء وتريّث كثيرا في اختيار العاملين معه في مكتبه، وتوّج خطواته باعلانه تأسيس المجلس الأعلى لمكافحة الفساد الذي استبشر به العراقيون خيرا، لكن سرعان ما ضعفت ثقة العراقيين بالمجلس الذي لم يفتح أي ملف من ملفات الفساد الكبرى التي ضاعت بين طياتها 360 مليار دولار فقط خلال الأعوام 2006-2014 فقط بحسب تقديرات اللجنة المالية في البرلمان العراقي.

ودارت شكوك حول مدى جدّية رئيس الوزراء في مكافحة الفساد، لكن تلك الشكوك سرعان ماتبدّدت لأن سيرة الرجل في الحكم كانت بعيدة عن التمسك بالمناصب التي تدر مالا وفيرا لشاغليها فقد استقال مرتين طيلة السنوات الماضية، مرّة من رئاسة الجمهورية ومرّة من وزارة سيادية هي النفط. مما طرح تساؤلات عن سبب تلكؤه في محاسبة الفاسدين مع إن آلاف ملفات الفساد تعج بها ادراج هيئة النزاهة ولجنة النزاهة البرلمانية ومكاتب المفتشين العموميين. وكان الكثيرون يعتقدون بأن عادل عبدالمهدي لن يستطيع مواجهة حيتان الفساد كما فشل سلفه حيدر العبادي الذي أعلن من كربلاء بعد تسنمه لمنصب رائسة الوزراء عام 2014، بأنه سيحارب حيتان الفساد ولو كلفه ذلك حياته، لكن تلك الحيتان ابتلعته لاحقا حتى مكث في بطنها والى اليوم!

ووفقا للمثل القائل اذا عرف السبب بطل العجب! فقد حُلّ ذلك اللغز على لسان مؤسس الدولة العميقة وراعيها،واحد أعرق قيادات حزب الدعوة الذي حكم البلاد لاربع دورات متتالية، والذي كان ولا يزال ركنا أساسيا في العملية السياسية التي وضع العم سام بصماته عليها منذ العام 2003، إنه القيادي علي الأديب. فالأديب يعتبر أحد القيادات التاريخية للحزب وانتخب عضوا عن الحزب في اول مجلس وطني إنتخب بعد اسقاط النظام، ثم انتخب عضوا في الجمعية الوطنية التي تولّت كتابة الدستور العراقي وكان عضوا في لجنة كتابة الدستور ورئيسا للجنة التربية والتعليم في الجمعية. وانتخب عضوا في مجلس النواب في العام 2005 ثم أنتخل عضوا ببفترو بين 2006 و 2010. ورشح مرات عدة لمنصب رئاسة الوزراء قبل أن يتولى حقيبة التعليم العالي في حكومة المالكي الثانية.

لعب الأديب دورا كبيرا في تعيين عدد كبير من المسؤولين العراقيين سواء كوزراء او ووكلاء وزارات او مداراء عامين أو سفراء أو رؤساء جامعات وغير ذلك، وذلك من خلال تأسيسه للمركز العراقي للتنمية والتطوير في العام 2005 الذي كان يعقد إجتماعاته الأسبوعية داخل مقر الحزب في مطار المثنى. كان المركز يستقطب لعضويته الكوادر الحزبية وتلك المقربة من الحزب ليزج بها في مؤسسات الدولة في اول مسعى لبناء دولة عميقة لحزب الدعوة داخل الدولة العراقية. ولذا فهو يعتبر المؤسس والراعي الرسمي للدولة العميقة.

لقد أدلى الأديب بشهادة تاريخية خلال لقاء تلفزيوني حول مجريات العملية السياسية ومنذ السقوط، لكن الجزء الأكثر إثارة فيها هو ربطه مكافحة الفساد بانهيار العملية السياسية وسقوط رموزها! وفي ذلك اتهام بتورط جميع المشتركين في العملية السياسية بنهب أموال العراق إضافة الى استماتتهم في الدفاع عن أنفسهم والى حد تخريب العملية السياسية وإدخال البلاد في حالة من الفوضى في حال فتح ملفات الفساد. فقد قال الأديب وبشكل واضح وصريح“ إن محاربة الفساد قد تؤدي الى إنهيار العملية السياسية وسقوط رموزها“! فهل يجرؤ عبدالمهدي على ذلك؟ بالتأكيد لا! لا لتقصير منه بل لأنه قاصر بحسب البعض!

فأركان العملية السياسية اليوم يهيمنون على مقدرات البلاد العسكرية والإقتصادية والإعلامية والسياسية ويرتبطون بعلاقات وثيقة بالخارج، ولذا فإن أي فتح لملفاتهم سيعني فتح أبواب جهنم على عبدالمهدي! واولها إتهامه باحداث الفتنة والفوضى في البلاد وسيتم العزف على اسطوانة جرائم النظام السابق بهدف تبييض صفحة النظام الحالي ورموزه وإجراء مقارنة بائسة بأن السرقة اهون من القتل! فعليكم ايها العراقيون أن تشكروا الله لأنكم تعيشون في ظل سارقين يبنون لكم بأموالكم ”مولات“ يعتاش منها العديد من المواطنين، كما وان تلك الأموال هي مصدر قوة لأحزابكم الحاكمة ولسياسييكم الذين سيستخدموها لمنع العودة المزعومة لحزب البعث وغير ذلك من الأعذار الواهية.كما ولا يستبعد أن يجتمع حزب الفساد العابر للقوميات والمذاهب ويقرر وبأغلبية كبيرة الإطاحة بعادل عبدالمهدي وحكومته في البرلمان!

إلا أن هناك عاملين مهمين ينبغي أخذهما بالحسبان وهما قادران على ارباك هذه المعادلة الظالمة ألا وهما عاملي الشعب والمرجعية. فاما بالنسبة للثاني فإن أي خطوة جادة من عبدالمهدي لمكافحة الفساد ستحظى بدعم منقطع النظير من المرجعية ولن يجرؤ أحد من الفاسدين على الوقوف بوجهها وتكفي كلمة واحدة في خطبة الجمعة لحسم الأمر. وأما العامل الأول وهو الشعب فإنه القوة الضاربة التي ستقف خلف عبدالمهدي خاصة اذا ماصادر أموال الفاسدين وممتلكاتهم وسخرها لخدمة المواطنين.

وفوق كليهما فإن الله سيبارك اي خطوة لمكافحة الفساد وإحلال الإصلاح وسيكتب لها النجاح، فياسيادة رئيس الوزراء توكل على الله وأضرب بيد من حديد أركان العملية السياسية الفاسدين ولا تخف دركا ولا تخشى، فإن نجحت ولا شك في ذلك فقد أديت الأمانة الى أهلها وإن فشلت وانهارت هذه العملية فلا أسف عليها لأنها أصبحت وبالا على البلاد، ومخطيء من يظن أن إنهيار هذه العملية السياسية ورموزها الفاسدين فيه شر على العراق، لأن الإطاحة بالفساد وبهذه الرموز البائسة خير مابعده من خير!

 

ساهر عريبي

 

انور الموسويانضمت قوات الجيش الفرنسي إلى الشرطة في باريس يوم السبت للتعامل مع احتجاجات "السترات الصفراء" المستمرة للأسبوع التاسع عشر على التوالي ضد حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون.

ومُنع المحتجون من التجمع في الشانزليزيه بعد نهب متاجر ومؤسسات وعمليات تخريب في مطلع الأسبوع الماضي مما دفع الحكومة إلى استدعاء وحدات من الجيش فيما أطلق عليها اسم "عملية سنتنيال".

وبدأت مجموعات صغيرة من المتظاهرين تتجمع في مناطق أخرى من باريس وغيرها من المدن الفرنسية في أحدث موجة من الاحتجاجات التي بدأت في نوفمبر تشرين الثاني بعد غضب عام من زيادة الضرائب على الوقود.

وتحولت الحركة إلى رد فعل عنيف وأوسع نطاقا ضد حكومة ماكرون رغم إلغاء الحكومة ضرائب الوقود Euronews.

مقارنة منطقية بين ما حدث من احتجاجات للشعب الفرنسي وبين ما تحلى به المواطن العراقي في التظاهرات المتكررة والمستمرة ولك ان تقارن بين الأحداث وحالة الشعور بالظلم والحيف وكيف تتعامل الشعوب مع المواقف، وقارن بين الشعب العراقي "المبتلى أصلا" وكيف يتعامل بالمطالبة بحقوقه؟ ان شئت المقارنة، وانظر حجم الانضباط والتضحيات والالتزام الذي يقدمه هذا الشعب على الرغم من اختلاف الواقع الجذري بالحياة بين الشعبيين.

الصدر وأنصاره:

المشهد الأخير الذي قام به السيد الصدر لم يكن مشهدا معتادا بل هو مختلف على صعيد الساحة العراقية وفقا لظروف المرحلة، بل هو استثنائي، وانا ذكرت في مقال سابق ان سائرون بشكلها العام والتيار الصدري بشكله الخاص سيكون مختلفا عما سبق وهذا مالم يتقبله الأخرون فالاختلاف سمة دائما تكون غريبة في أول انبعاثها لكنها وبعد مرور زمن ستكون حالة طبيعية يسير على خطاها الأخرون.

وفقا للمواقف الكثيرة والكبيرة التي تبناها السيد الصدر في مسيرته الإصلاحية والتي انتتجت سائرون وهي لغاية اللحظة امل منشود للكثيرين. فأن خطواته الأخيرة بمحاسبة وطرد الفاسدين من تياره "حصرا" وكشفهم أمام الراي العام وتنظيف جسد التيار هي خطوة عميقة ورائدة في التغيير والتعديل ومنطلق أساسي لخطوات اكبر.

هل هناك اختلاف على أساس المصالح الشخصية كانت وراء هذه الحملة؟

هذا ما يروج له البعض لكن من المؤكد أن الأيام حبلى بالمفاجئات والتصفيات للمسيئين ومن مختلف الأماكن (مقربين وغير مقربين) وهذا السؤال سيكون الزمن كفيل بالإجابة عليه من خلال الخطوات الأخرى التي سيقوم بها سماحة السيد الصدر، وليس بالأمر الجديد ان يكون الصدر محاسبا ومعاقبا لبعض قياداته، لكن المرحلة الأن تختلف بالنسبة للتيار الصدري وفاعليته الحركية ونظرة الخصوم له، وبالمجمل ان عملية من هذا النوع تطال المقربين من التيار وبهذه الحملة الإعلامية الواسعة لو كانت الأمور على أساس المصالح الشخصية كما يدعون، لرأينا ردود أفعال واسعة من قبل الأطراف المتضررة وأصبحت الإشاعات والأقاويل والدعايات الفيس بوكية حدث ولا حرج..! بينما الرجل واضح في مبتغاه وحملته ضد المستفيدين باسم التيار، وبلا وجه حق، والحملة لم تطل المقربين فحسب بل هي عامة حسب فهمي، تنظيف لجسد التيار الصدري من (الموالين في اللسان والمستفيدين بغير وجه حق بالميدان)، الرجل أراد ان يوقف تجارة غير مباركة طالما تاجر بها البعض باسم الصدر والتيار. وهذا موقف جريء وعظيم ويمهد في خباياه لخطوات أوسع ستطال المفسدين.

انصار الصدر مضحون لا ننسى الشهداء الذين سقطوا على محراب هذا الوطن من اجل الحرية والكرامة ومحاربة الإرهاب، } كما لا أود ان ابخس حق الأخرين بالتضحية أيضا والفداء{، لكني أتكلم ضمن سياق الموضوع المخصص. أبناء الخط الصدري الشريف طيبين القلب، مطيعون لقائدهم ومخلصين في نواياهم لانهم يعتبرونه قائد روحي عقائدي قبل ان يكون ذو صفة سياسية، لذلك هم يلتزمون بالسلمية والتظاهر الإيجابي والاحتجاج الهادف.... فان أعمال التخريب والحرق هي ليست سمة من سماتهم في الحادثة الأخيرة لحرق الأبنية (المولات)، لان التكليف كان واضحا وصريحا بالالتزام بالسلمية أمام (المولات) فبالتأكيد ليس لهم يد بذلك بينما سقط منهم شهداء وجرحى في تلك الحادثة وعلى العموم، هذا الأمر يترك للجهات المعنية والتحقيق، ليبين كشف الدلالة في الموضوع ويحاسب المسيء وفقا للقانون.

 الصدر الأن أمام تحديات كبيرة فبعد تحقيقه على نسبة عالية من الأصوات في الانتخابات الأخيرة فالأمل منوط بكتلته على التصحيح وسن القوانين والمراقبة كونه الراعي الرسمي للإصلاح، بينما هو يواجه الخصوم من الخارج، اذ تراه يحارب في ذات الوقت ضمن جبهة داخلية تتمثل في تنقية رئة التيار وتشذيب أطرافه من الذين تثبت أدانتهم، التكليف صعب على زعيم التيار الصدري ومرهق ولعله يحتاج إلى وقت طويل مع تزايد حاد بالمعارضة التي ستواجه من الداخل أو الخارج، فضلا عن التدخلات الإقليمية في المنطقة والتي هي ذاتها عنصر مقلق أيضا ويحتاج إلى رعاية واهتمام كبير، فضلا عن الخصوم التقليدين.

 التيار الصدري أول المبادرين بالمحاسبة هكذا وبتلك الطريقة الاستثنائية لفضح كل من تثبت أدانته أمام الشعب بينما نجد الكثير من الجهات السياسية تتستر على الفاسدين وتمنحهم الحصانة والحماية.

الغرابة ان هذه النقطة يتم حسابها على زعيم التيار الصدري وليست له..! فلا عجب من ذلك فان الأنصاف مكلف وقول الحق اصبح خسارة وضعف اكثر مما هو ربح وقوة.

هناك مجموعة من الظروف الخطرة والحساسة على صعيد بنية التيار الصدري العقائدي، وعلى صعيد البلد ومشاكله، وهذا ما أشار اليه السيد الصدر من خلال حديثه ضمن صفحة إعلامية خاصة بالتيار الصدري " صالح محمد العراقي" حينما أشار إلى حجم الإساءة إلى والده المقدس وتاريخه والى الخط الصدري الشريف نتيجة للأفعال التي يقوم بها ممن هم محسوبين على هذا الخط الشريف هذا ضمن التيار نفسه، أما على مستوى البلد والظروف السياسية فان أي متتبع سوف لن يجهد نفسه بالكشف عن تلك المشاكل.

الأجراء المهم الذي يتم اقتراحه:

 أولا: المصارحة مع الذات على خلفية الأحداث الأخيرة والمكاشفة حول كل شيء بوضوح ومن الجميع داخل التيار وبلا تردد لوضع التشخيص الدقيق للحالات ومعالجتها جذريا.

وثنايا: الاهتمام بالكسب لعناصر جديدة تهتم بمشروع الإصلاح تحت مسمى "انصار الإصلاح السياسي" و بغض النظر عن طبيعة الولاءات والتوجهات كون مشروع الإصلاح يمثل خيمة وطنية كبرى تلتقي بها الأطراف المتباينة أو المختلفة في التوجهات، كما ان الشعب متعطش لإحداث ثورة وطنية سياسية مستقلة تهدف إلى تغيير الواقع وإحلال بدائل مناسبة غير خاضعة لسلبيات المرحلة السابقة، فوضعهم وإشراكهم تحت فرضية "الإصلاح السياسي" كسب جماهيري واسع ونافع.

 ان تعزيز التيار الصدري على المستوى السياسي بمستقلين يؤمنون بالقضية الوطنية يتم كسبهم وفقا لشروط بالغة الدقة، سوف لن يسبب أرباك في العمل العقائدي والإرث التاريخي لسماحة السيد الصدر كما انه لن يتم استغلال الولاءات بحجة هذا الاسم وهذا الخط المبارك كونهم ليسوا محسوبين ايدلوجيا على اسم التيار الصدري وبنفس الوقت محاسبون مهنيا ضمن واجبهم السياسي.

فك الاختناق هذا سيأتي بانفتاح اكبر للتيار الصدري، وسيحقق نشاط سياسي جديد غير تقليدي لكسب قواعد جماهيرية شابة أوسع واكبر تنخرط ضمن مشروع "الإصلاح السياسي" تحت رعاية الصدر وتواجه الواقع بخطى (مسنودة من زعيم الإصلاح) وبالإضافة إلى النتيجة السابقة فان هناك نتيجة تكون تحصيل حاصل ضمن هذا المسار وهي ديمومة الوجود السياسي والحضور الفعال لتغطية أحداث الواقع السياسي ورسم صورة لدى الوعي الجمعي بوجود وجوه من المستقلين كعناصر واسعة وفعالة على الساحة السياسية، (بالإضافة بكل تأكيد إلى الأخوة الوطنيين الأكارم من التيار الصدري)، فليس في الأمر استبدال بل هو استحداث قواعد جماهيرية سياسية تكون ظهير فعلي للقاعدة الأم وهي القاعدة الجوهرية في بنية التيار الصدري. أظن ان هذه الفرضية "فرضية انصار الإصلاح السياسي" ستكون تجربة مهمة وسباقة للعمل السياسي لان مصدرها سيكون على يد راعي الإصلاح وهذه الركيزة حصرية لغاية الأن بيد الصدر.

من المتوقع أيضا ان المرجعية الرشيدة ستعزز هذه الفرضية وتسندها لما لها من احتواء تحت رعاية المصلحين ولما فيها من خير يعم البلد للمستقبل وللانتخابات القادمة اذ سيحدث تغيير موضوعي وهادف في العملية السياسية التي نسعى لأجل التصحيح في مجمل مسارتها وخلق بيئة ملائمة للعيش المحترم في بلد مزدهر و متطور.

 

انور الموسوي

 

اسعد عبداللهاحاول في هذه السطور تبيان رؤية للصراع القائم بين ايران وامريكا، لكن من جهات اخرى يمكن تعريفها بالطرف الاخر في الصراع، حيث تتمظهر بين حين واخر مواقف وتفسيرات للحدث السياسي، الشاغل الاكبر حاليا في الشرق الاوسط، والترقب الحذر ما بين اندلاع حرب جديدة، ام انها مجرد تصريحات اعلامية لتبادل الضغط، وكما عبر السيد الخامنئي (لا حرب ولن نفاوض)، مفسرا بجملة مختصرة واقع ما يجري، لكن اغلب خيوط القصة تتحدث عن لعبة شطرنج كبيرة، يديرها الكبار بحثا عن الربح.

طبيعة الصراع واطرافه ستنكشف لكم بعد قراءة السطور اللاحقة، فكن صبورا واقرأها بعناية:

بريطانيا حليف وشريك ورغبة

بريطانيا تتابع عن كثب ما يجري في الشرق الاوسط، وتحاول ان تكون دوما حاضرة، فهي حليف رئيسي للأمريكان، لذلك رؤيتها مهمة وفيها تفسير لما قد يحدث، ففي افتتاحية صحيفة الايكونوميست جاء ما يلي: " أنّ الولايات المتحدة الأميركية وإيران أصبحتا على مسار تصادمي"، منطلقةً من إعلان الرئيس الإيراني حسن روحاني حيث صرح: "أنّ إيران ستعلّق بعض تعهداتها في الاتفاق النووي، بعد إرسال الولايات المتحدة الأميركية حاملة طائرات وقوة من القاذفات إلى الشرق الأوسط"، فتكشف الصحيفة في تحليلها عن تصادم قريب قادم سيحصل، والمسؤول الاساسي عنه ليس ايران بل هي امريكا، حيث تحاول الدفع نحو الحرب، ايران تحاول فقط الحفاظ على مكاسبها المتحققة بجهودها فقط، وهذه الاشارات البريطانية واضحة.

امريكا بعقلية مضطربة وتتمثل في "ترامب التاجر" الذي يبحث عن ارباح سياسية سريعة، كما كان يعيش دوما باحثا عن الربح السريع، وهنا سيكون على حساب من؟ بالتأكيد على حساب العرب!  هكذا تم له الامر سابقا، فلا يمكن نسيان كيف اجبر ترامب مشايخ الخليج لدفع فاتورة، بمئات المليارات للبيت الابيض، فقط لأنه اراد ذلك، فكانت مكاسب ضخمة بقرار عنتري من ترامب، لم تكلفه شن حربا وما تحمله معها من كلفة كبيرة.

بريطانيا ترى الخطوة التي اعلنت عنها ايران، من انها ستخفض من التزاماتها في اطار الاتفاق النووي، ثم الاقتراب نحو خيار صناعة قنبلة نووية، خطوة متوقعة كرد طبيعي للضغوطات الامريكية، وهذا عمل دبلوماسي لمصلحة ايران، هدفه تقليل الضغط، والانتقال لمرحلة جديدة في اللعب الكبيرة، وقد يكون بعدها الدفع بترامب للقاء الرئيس الايراني، وتشير الاخبار الى محاولات عديدة من قبل ترامب للحصول على فرصة لقاء الرئيس الايراني، كما فعلها مع كوريا الشمالية، لكن كل جهوده فشلت لحد الان.

اسرائيل الطرف الخفي في الصراع

الصحيفة البريطانية تشير الى امكانية دخول طرف ثالث للحرب، الا وهو الكيان الصهيوني، حيث تشير الصحيفة الى ان "اسرائيل" تدرس وبشكل جدي الخيار العسكري ضد طهران، عبر ضربات جوية صاروخية لمواقع حساسة، واسرائيل سعت بشكل جدي للدفع بأمريكا لضرب الحشد الشعبي داخل الارض العراقية بذريعة معلومة اسرائيلية عن تحركات مخيفة لقوات الحشد، واسرائيل ترغب بدور اكبر وعلني في الشرق الاوسط، لذلك هي طرف مهم في كل ما يجري حاليا، والاخبار كثيرة عن سعيا لحرب جديدة في المنطقة.

لكن انا اختلف مع رؤية سعي اسرائيل لحرب مباشرة، ف"اسرائيل" تخشى كثيرا خيار الحرب ضد ايران لأنه سيفتح عليها ابواب جهنم من كل صوب، فالصحيفة البريطانية هنا تحاول التشويش، او ان تكون ضمن سرب نشر الرعب في الداخل الايراني، والنفخ في البعبع  الصهيوني "اسرائيل"، ضمن الحرب الاعلامية الغربية المستعرة ضد ايران.

لكن لا يمكن تجاهل الدور "الاسرائيلي" الخبيث، في ما يجري حاليا من صراع ومصاعب.

محاولة توريط غربية

اسرعت الالة الاعلامية الامريكية بدعم صهيوني، نحو توريط قوات الحشد الشعبي في الصراع الحالي، لكن جاء التصريح الهام لعدد كبير من ساسة العراق وخصوصا التصريح الذي اتى على لسان قائد منظمة بدر السيد هادي العامري، كما نقلت ذلك قناة الحرة،: " لن نسمح بأن يصبح العراق ساحة معركة تصفّي فيها البلدان الأخرى حساباتها" ليشكل مفاجأة للغرب، حيث ابعد الحشد عن المخطط الغربي الخبيث.

فلا احد في الداخل العراقي يرغب بحرب جديدة، وتكون منسجمة مع الارادة الغربية، الطامحة بحرق المنطقة، والتي من خلالها تحقق منافعها فقط، فكان المسؤول العراقي مدركا لطبيعة الصراع الحالي، الذي لا يعد اكبر من صخب اعلامي ضاغط.

ماذا يريد بومبيو؟

التساؤلات الكثيرة التي طرحت بعد الزيارة المفاجئة لوزير الخارجية بومبيو للعراق، والتي جاءت بعد انفتاح عراقي كبير نحو اللمانيا وفرنسا والسعودية وايران ، ففي الزيارة الأخيرة للوفد الحكومي إلى ألمانيا، وقّع العراق مذكرة تفاهم مع الشركة الصناعية الألمانية العملاقة "سيمنز" لتطوير شبكة الكهرباء في العراق، في إطار عقد قيمته 14.5 مليار دولار. وتقضي هذه الصفقة على الجهد الأميركي لضَم شركة "جنرال إلكتريك! فكانت الزيارة البومبيومية تمثل حركة شطرنجية ضاغطة لمنع العراق من الانطلاق خارج القفص، الذي وضعته امريكا له، حيث يرى البيت الابيض ان هنالك صفقات تجارية تجري بين العراق واخرين بعيدا عنها، وهذا ما لا تسمح به، ويجب ان تكون لها حصة ويد في كل اتفاق.

لذلك اختلق فجأة التهديدات لأمريكا داخل الارض العراقية، للضغط كي تعود الصورة كما كانت، باعتبار العراق تحت الوصاية الامريكية، ولا يمكنه التصرف كبلد حر. وتشير التسريبات الاعلامية ان وزير الخارجية الامريكي حث العراق بدلا من اتفاقا اللمانيا على عقد صفقة تُطوّر بموجبها شركة "إكسون موبيل" البنية التحتية لقطاع النفط والغاز في جنوب العراق، وهو عقد يُقال إن قيمته تبلغ 53 مليار دولار.

وكان بومبيو يشير للتهديدات الجدية الخطيرة، والتي تتعرض لها القوات الامريكية والعاملين في العراق، مستخدما اسلوب الحلو والمر في طرحه، وان امريكا مع استمرار اعفاء العراق من العقوبات ضد طهران، لكن عاد بعدها ليهدد ويرعد ضد تهديدات لبعض فصائل الحشد، والتي يقول عنها انها تسعى لضرب المصالح والقوات الامريكية في العراق.

صورة متداخلة

صراعات سياسية اقتصادية وتحالفات ومحاور، كلها تدفعنا للتشكيك بوجود حرب قريبة، لكن لنقل انه صدام سياسي، وضغوطات لتحقيق مكاسب اقتصادية، ورغبات لأدوار اكبر، مع طغيان امريكية لفرض ارادته على المنطقة، واقول اخيرا كما قالها السيد الخامنئي (لا حرب ولن نتفاوض) والعاقل يفهم الاشارات.

 

الكاتب  اسعد عبدالله عبدعلي

 

نجيب طلالأبـَــجـِــدْ: تأسيس

مبدئيا فظهور النقابة  كإطار ارتبَط  أساسا بظهور الطبقة العمالية / البروليتاريا؛ وذلك من أجل الدفاع عن مطالبها واحتياجاتها؛ ورفع الحيف الذي يلحق  الشغيلة  من لدن الباطرونا؛ وبالتالي  فحرية تأسيس النقابة؛ يـعَـدُّ من الحقوق الأساسية التي نصت عليها القوانين والتشريعات الدولية والوطنية، والانتماء إليها  حَق مشروع طبقا لتلك القوانين والتي تم التنصيص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ وخاصة في المادة 23 الفقرة الثانية منه؛ كما نصت الاتفاقية الدولية الصادرة عن المنظمة الدولية للشغل رقم: 87 لسنة 1948 وهي خاصة بالحريات النقابية وحماية حق التنظيم في مادتها الثانية: « للعمال … بدون تمييز الحق في تكوين المنظمات التي يختارونها بأنفسهم أو الانضمام إليها بدون حاجة إلى إذن سابق، ودون الخضوع إلا لقواعد هذه المنظمات فحسب. ولكن إن عدنا للوراء قليلا؛ فبالنسبة للمغرب فالنقابة لم تنشأ إلا في أواسط 1936  وقبل هذا التاريخ كانت تؤسس وداديات للموظفين  وجمعيات للمأجورين وتجمع مهني: وتبدو الحركة النقابية بالمغرب عند بدايتها – وستظل حالها كذلك– لمدة طويلة – كامتداد للحركة النقابية الفرنسية، مع بعض الخصوصيات المترتبة عن الطبيعة الاستعمارية  للبلد. فقد كانت هذه الحركة فيما بين 1919-1930- من إنشاء موظفين فرنسيين وجلبت شيئا فشيئا عمالا أوربيين، لكنهم لم يلعبوا فيها إلا دورا ثانويا. أما الطبقة العاملة المغربية، فإنها لم تلعب أي دور لسبب بسيط، هو أنها لم تكن موجودة آنذاك كطبقة (1) لكن حينما تقوت النقابة وخاصة (الكونفدرالية العامة للشغل ): دخل المكتب في علاقة مع فيدرالية نقابات الموظفين التي يترأسها شارل لوران؛ والتي استعادت استقلالها الذاتي تحسبا لوقوع انشقاق في صفوفها، إذ أن العديد من أعضائها كانوا من أنصار الكونفدرالية العامة للشغل الوحدوي(2) فصدر ظهير بتاريخ 24 يونيه 1938 يحَـدد عقوبات زجرية بحق المغاربة الذين ينخرطون في النقابة؛ فالتضييق الذي عرفه العمال والموظفين المغاربة؛ لم يسمح لهم الاطلاع جيدا على آلية تفعيل العملية النقابية تنظيميا وتكتيكيا وتحاوريا. بحيث قبل سنة 1936 نجد قانونا: أصدر في سنة 1928 القاضي بمنع النقابات العمالية بالدخول إلى النقابات الفرنسية خوفا من التأثير الكبير عليها (3) ولكن قبل أن نضع ظهير المنع في إطاره؛ فلقد: كان مجموع العمال يشكلون بروليتاريا من أصل قروي وغير منفصلة عن جذورها بشكل تام، وليس لها بعد وعي طبقي ولم يكن بإمكانها أن تتوفر عليه وبالتالي لم يكن بإمكانها أن تكون حاضرة بنوع ما في تنظيم مهني جنيني (4) فمن خلال المنبع والسيرورة التاريخية هاته حقائق بشكل أو آخر تنعكس على الحاضر؛ بأن المغاربة لا دربة لهم في المجال النقابي وبالتالي لماذا انشق (الاتحاد المغربي للشغل) سنة 1955 عن النقابة الفرنسية الكونفدرالية العامة للشغل؟

فمن خلال ما يشاع أن الضغوط وحملات القمع التي مارستها السلطات الاستعمارية في حق العديد من العمال؛ حاول بعض النقابيين تنظيم أنفسهم للانقلاب على النقابة الأصل وبالتالي: فميلاد الاتحاد المغربي للشغل لا يمكن فصله عن رغبة أطر الحركة الوطنية في تأسيس عمل نقابي من أجل خدمة النضال السياسي الحزبي، وفصل الحركة العمالية عن التأثيرات الممكنة للمناضلين الشيوعيين داخل الكونفدرالية العامة للشغل (CGT) وربط النضال النقابي بالنضال من أجل الاستقلال(5) ولكن من المغالطات أنه يتم القفز وممارسة التضليل حول الصراع أو بالأحرى الانقلاب الذي أحدثه (المحجوب بن الصديق) على (الطيب بن بوعزة ) هذا الأخير الذي انتخب  بالإجماع في المؤتمر التأسيسي؛ بدل منافسه الذي هدد بالانشقاق؛ لأن تصريح (بوعزة) الذي يشير بالقول: أنا نقابي قبل كل شيء، وهذا بالضبط ما تسبب في إبعادي في وقت لاحق، لم يكن لدي هاجس سياسي أو مطامح سياسية، كنت أسعى دائما لتأسيس عمل نقابي صرف . يحظى بدعم الأحزاب؛ لكن دون أن تتدخل في شؤونه  الخاصة. بيد أن هذا لم يكن رأي الأغلبية الساحقة من قيادي حزب الاستقلال. باستثناء عدد قليل من الشخصيات كمحمد اليزيدي الذي كان يحذر دائما من التفرقة واستحواذ السياسي على النقابي(6) وبالتالي أمسى (المحجوب بن الصديق) الزعيم التاريخي؛ وإن كان هذا الأخير سعى لفصل السياسي عن النقابي فإن: الخلفية التي كان ينطلق منها سياسية محضة؛ وكدليل على ذلك حضور في فرنسا لتحضير المفاوضات إلى جانب الوطنيين، بحيث لم يعد للمغرب إلا يوما واحد، قبل المؤتمر التأسيسي للاتحاد المغربي للشغل؛ في الوقت الذي كنت أدير فيه العمل النقابي(7) فهذا التصريح نشم منه روائح الطبخات السرية؛ وما الانقلاب السريع إلا إشارة  توحي بأن النقابة في شخص (الزعيم التاريخي) بشكل أو آخر ستخدم مصالح فرنسا وغيرها؟ فالسؤال تجيب عنه  إحدى المقدمات بصيغة الفاهم يفهم: حيث قام الإتحاد المغربي للشغل بتجنيد كثير من الأطر التي التحقت حديثا بالحركة النقابية؛ والذين مثلت المسؤولية النقابية بالنسبة  إليهم امتيازا، ذلك أن الدولة وضعت رهن إشارة المنظمة النقابية منذ الاستقلال إمكانات كثيرة: كالمقرات والاعتمادات المالية؛ وأداء رواتب المئات من المداومين عن طريق التفرغ (8) فهذا الوضع أدى بتراجع مريب عن الاختيارات والمبادئ الأساسية؛ التي كانت بمثابة  النداء الاول الذي وجـه الى الطبقة العاملة  التي دعاها الى الوحدة والتضامن لبناء مغرب حر وديمقراطي. فأمست البيروقراطية  واللاديمقراطية بصمة عارفي تاريخ النقابة المغربية؛ مما أدى للانشقاقات؛ حينما خول قانون الحريات العامة الصادر في 16 يوليوز 1957 الحق للمواطنين في تأسيس جمعيات ونقابات مهنية. بحيث كلما ظهرت منظمة نقابية إلا وتعلل نشأتها بغياب الديموقراطية الداخلية والاستفراد بالتسيير وخلود الزعامات. وهذا في بداية الستينات من (ق، م) ك: الاتحاد العام للشغالين- اتحاد نقابات القوى العاملة – اتحاد نقابات العمال الاحْـرار -......- مع العمل أن الحقيقة المرة في مسألة التعددية النقابية لم تكن وليدة صراعات اجتماعية او ضرورة نضالية مِـن أجل الأجَـراء بل هي نتيجة صراعات ذاتية وحسابات  شخصية ومساومات تحت الموائد... هنا لا نخون؛ ولكن نبض التاريخ النقابي والواقع من خلال إفرازت أحداثه  ومعطياته يكشف لنا ماهية العمل النقابي بالمغرب.

فهل النقابات الفنية تخرج عن هـذا السياق؟

هَــــوَز: تـفعيــل

نلاحظ عمليا بأن المشرع المغربي لم يعرف النقابة المهنية، وإنما اكتفى بتحديد وظائفها فقط مما يلاحظ تغييرا واضحا بين ظهير 16 يوليوز1957 ومقتضيات مدونة الشغل الجديدة رقــم: 99-65  وخاصة في المادة 396. حيث ينص الظهير في فصله الأول على: " أن القصد الوحيد من النقابات المهنية هو الدرس والدفاع عن المصالح الاقتصادية والصناعية والتجارية والفلاحية الخاصة بالمنخرطين فيها" هنا نتساءل فالمجال الفني وفنون الآداء في أي خانة نضعه؟ وإن كان الفصل الثاني من نفس الظهير ينص على أنه: « يجوز أن تتأسس بكل حرية النقابات المهنية من طرف أشخاص يتعاطون مهنة واحدة يشبه بعضها بعضا، أو حرفا يرتبط بعضها ببعض … ويمكن أن تحدث نقابات فيما بين الموظفين » فهل الفاعلين في المجال الفني يتعاطون نفس المهنة؟ بالتأكيد لا ولكن يجمعهم (الفن/ الإبداع) فهاته الصفة غير واردة في مدونة الشغل ولافي الظهائر ولا في قانون العقود والالتزامات؛ ولاسيما أن أغلب المواد القانونية؛من التشريع الفرنسي؛ ولا زال بعض من مواده سارية المفعول؛ ولكن لماذا لم لم يشرع للفن والإبداع المغربي كمقتضيات؟ بكل بساطة فالمشرع الفرنسي لـم يعتبر المسرح وفنون الأداء  كمهنة في المُستعْمرة. وهذا ما أدى بالمسرحي- ع الواحد الشاوي- في بداية النداء من تحويل جوق التمثيل الفاسي إلى فرقة الاتحاد المسرحي؛ لكنه التزام الصمت عن المطالبة بتأسيس نقابة للمسرحيين  رفقة المهدي المنيعي الذي كان يترأس جمعية ثانوية مولاي ادريس .

من تلك الفترة لا وجود لنقاش أو إشارة حول النقابة الفنية، إلى حدود 1961 استنهضت همة بعض المسرحيين المحترفين للمطالبة بتأسيس نقابة مهنية؛ نتيجة صدورمذكرة تمنعهم من المشاركة في مهرجانات مسرح الهواة . إذ قوبل الطلب بالرفض من لدن بعض المسرحيين وبإيعاز من وزارة الداخلية التي كان يديرها أنذاك- امبارك البكاي- ونفد المنع رضا أكديرة الذي حل محل البكاي بعد موته (تاريخ مسرحي مسكوت عنه) فهاته التوضيحات المبسطة والتي ربما يجهلها العديد من المسرحيين تقودنا للسؤال الجوهري: هل المسرح المغربي يحتاج إلى نقابة؟

طبعا الإجابة ستختلف؛ ولكن السؤال الحاسم للاختلاف: منذ عقود وعقود ولا وجود لنقابة للفنانين؛ فأين كان المسرحيُّون؟ فمن زاوية العطاء كان الإبداع يحمل نوعيته الإشراقية؛ رغم اختلاف المدارس والاتجاهات على مستوى المحترفين/ المتفرغين؛ فكان لا داعي لرفع مستوى المهنة ولا لتنظيم مزاولتها والدفاع عن حقوق منتسبيها. من خلال تأسيس نقابة مهنية .لأن العطاء والإنتاج متوفر؛ وكل مبدع وفنان يدافع عن مهنته بطرقه الخاصة . طبعا فالمسرحيون المغاربة أغلبهم لا يتوفرعلى تأمين صحي وضمان اجتماعي أوأجرتقاعدي. نظرا لغياب قوانين ناظمة لحياتهم . ولنكن أكثر شفافية؛ فمنذ تأسيس نقابة (المحترفين) والتي  تأسست على طمع (1في المئة) المذكورة سنة 1999 وليس كما يشاع للدفاع عن حقوق الفنانين وإيقاف الاستغلال الريعي الذي مارسته بعض من الجهات مستغلة الفراغ القانوني؛ وتلعب خارج الضوابط القانونية المعروفة . مع العلم أن النقابة  التي تفرعت عنـها نقابات أخرى؛ وتلك إشكالية (عظمى)  كلهم يتخبطون في البحث عن صيغ قانونية تحمي بها المنتسبين إليها كإنشاء التعاضدية الوطنية للفنانين سنة 2007 وسن قانون الفنان سنة 2003 ومراجعته وتعديله سنة 2016، وإحداث البطاقة المهنية والدعم المسرحي والدعم السينمائي ودعم الإنتاجات الدرامية المختلفة. كل هذا جميل.  لأنها تـعَد أوراشا عمقها  شراكة بين (النقابة /الوزارة ) وبالصيغة النضالية بين (النقابة / الباطرونا) فإذا دققنا في الظهير الشريف رقم 1.16.116 الذي يحَـدد تعريفا للفنان: كل شخص ذاتي يبدع أو يشارك من خلال أدائه في إبداع أو إعـادة إبداع أعمال فنية؛ والذي يعتبر العمل الفني عنصرا رئيسيا في حياته ويساهم في تطوير الفـن والثقافة أو خريج إحدى المؤسسات المختصة  في التعليم الفني المعترف بشهادتها من طرف الدولة؛ ويعتبر فنانا مهنيا كل فنان يمارس نشاطا فنيا بصفة دائمة أو متقطعة مقابل أجر فني أو في إطار القيام بعمل فني لحسابه أو لبيعه أو كرائه لصالح الغير وتصنف وضعية المهنية للفنان المهني من حيث طبيعة العقد وتعدد الأجر الفني بحيث يكون فنانا مشتغلا بصفة دائمة - مشتغلا بصفة متقطعة – يشتغل لحسابه الخاص – يشتغل مقابل دخل إضافي- (9) هنا التعريف واضح أن الفنان ذاك المتفرغ لمهنته وعمله . ولا علاقة للموظف أو الذي تقاعد وغيره بالنقابة الفنية؛ وإن كان هنالك تصنيف يقول [يشتغل مقابل دخل إضافي] القصد منه (الموظف) ولكن بشروط قانونية لأن الفصل 15من الظهير الشريف بشأن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية؛ المعدل بالمادة الاولى من القانون رقم05-50 في شأن منع ازدواجية المهنة؛ ومقتضياتها. وهناك منشور وزاري (10) الذي  يذكي الفصل 15 من الظهير والفصل73من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية؛ مانعا ﺍﻟﺠﻤﻊ ﺑﻴﻦ  ﺍﻟﻮﻇﻴﻔﺔ  ﻭﺍﻷ‌ﻧﺸﻄﺔ ﺍﻟﺤُـﺮﺓ (إلا) بترخيص إداري. هنا الإشكالية محسومة في قضية من له الأحقية أن يتأطر كفنان محترف. وما دون ذلك فهو تطاول وانتهازية مكشوفة؛ علما أن صفة الفنان يؤطره الظهير الشريف رقم 1.16.116 بمثابة [أجير] هنا النص  بشكل أو آخر يضع الفن في المجال الاقتصادي/ التجاري. وبالتالي سنكون أمام إشكال نقابي هل هو مهني أوفني أو عمالي؟ لأن الصفة والإطار يختلف قانونيا. فمثلا [المحامي / الطبيب/...] مهني وليس فني أو عمالي . ويحكمه القانون الخاص .كما أن هنالك اختلاف بين الأجير/ الموظف/ العامل/ المستخدم . فمدونة الشغل وضعت تعريفا للأجير في المادة 6 التي تقول: يعـد أجيرا كل شخص التزم ببذل نشاطه المهني تحت تبعية  مشغل واحد أوعـدة مشغلين لقـاء أجـر أيا كان نوعه وطريقة أدائه. ويدخل في مفهوم الأجير أيضا ما يعبر عنه  بالمستخدم الذي يشتغل في مؤسسة عمومية أو شبه عمومية. وبالتالي فمن هو المؤاجر في هذا الباب هل المقاولة أم الشركة أم وزارة الثقافة؟ لنعمق الرؤية  ونمارس الشفافية؛  ونسأل أنفسنا هل الأجير/ الفنان  هل هو ضمن أجـراء عاديين (الذي يستخدم لمدة معينة أو لعمل مؤقت أو عارض) أومن الأجَـراء الموسميون(الذي لا حق له تجاه الدولة، بعد انتهاء الفترة الموسمية التي استخدموا من أجلها، سوى التقديمات التي يستفيدون منها وفاقا لأحكام قانون الضمان الاجتماعي)؟

فمادام الكل يتهافت على الدعم المسرحي والسينمائي؛ فالفنان المغربي (أجير موسمي) باعتبار الدعم (موسمي) فمن سيحمي الفنان من عوائد الزمان؟ وإن كانت هنالك لخبطة في المفاهيم ومقتضيات مدونة العمل/ الشغل؛ إذ هناك أكثر من (عشرين مادة )تتعلق بحماية الأجير/ الفنان فمن سيحميه من الأخطار والأمراض المهنية كمثال (الإضاءة) وهَـذا الأمر لا يعْـرفه جيدا إلا من عانق الركح سنوات؛ بأنها تؤثر على بنية الجـسم (هُـزال داخلي) وعلى الذهن والعينين ونسوق ما تقوله المادة 24 من مدونة العمل: يجب على المُـشَّغِل بصفة عامة؛ أن يتخذ جميع التدابير اللازمة لحماية سلامة الأجراء وصحتهم وكرامتهم لدى قيامهم بالأشغال التي ينجزونها تحت إمرته. وأن يسهر على مراعاة حسن السلوك والأخلاق الحميدة؛ وعلى استتباب الآداب العامة داخل المقاولة ...لكن المادة 39 و40 تحدد علانية عن الأفعال والأخطاء الجسيمة التي هي منافية للأخلاق الحميدة (؟؟) إذ ما نريد قـوله أن الفنان المغربي يتخبط خارج المنظومات القانونية ومساطرها وبالتالي هل الفنان دخوله تندرج ضمن الوعاء الضريبي الذي  له علاقة بالأرباح التجارية؛ سواء أكانت أجورا أودخولا في حكمها. وحسب مقتضى الظهير الشريف المنظم للضريبة المهنية يشير [المادة الأولى]: يخضع لضريبة المهنة (الباتانتا) كل شخص أو شركة من جنسية مغربية أو أجنبية تزاول بالمغرب مهنة أو صناعة أو تجارة غير داخلة في المستثنيات المحددة بمقتضى الظهير الشريف (11) كل هاته الحيثيات القانونية بعيدة وبعيد عنها الفنان المغربي؛ لأن قضية (الدعْـم)  ليست دخلا ولا يحتسب في الدخول التي في حكمها؛ لأنه بمثابة إعانة ومساعدة للنهوض بالحركة المسرحية  ليس إلا. بحيث في اليوم الوطني (14مايو) الذي يعتبر يوم إنزال للرسالة السامية للمناظرة الوطنية الأولى حول المسرح الاحترافي. وعلى ضوئها تحركت النوايا للاستفادة من مسألة (1 في المئة) التي حولتها وزارة الثقافة إلى عملية الدعم الذي: أعتبره الضربة القاضية التي وجهت للجودة والإبداع الحقيقيين، اللذان اعتمدا في السابق كمعيار لشراء العروض المسرحية وترويجها من طرف وزارة الثقافة ومسرح محمد الخامس ..إذ كرس الدعم بشكله الحالي مبدأ المحسوبية والزبونية، وذلك بتخويله لعدد من الفرق لم يكن لها وجود في السابق، وإنما نبتت كالفطر بقدرة قادر(12) فتم ردم وهدم مسرح الهواة؛ وانزلق الجميع إلى (الاحتراف) الذي لازال يتخبط في عوالم عشوائية وغياب ترسانات قانونية تحمي (المحترف) المهني؛ حفاظا على حقوقه المهنية والاجتماعية: كالتقاعد/ التعويض عن العجز والمرض/ الضمان الإجتماعي/ هنا فما دور النقابة التي تشرذمت لنقابات؛ وأنتجت صراعا من نوع آخـر منه  العـزوف عن حضور عُـروض من ينتسب لنقابة غير نقابته؛ استفحال ظاهرة الوشايات والنميمة التي غـزت مدرجات المقاهي والحانات ... فرغم تعدد النقابات المهنية/ الفنية  فلماذا لا يفكرون في خلق آلية لتنسيق العملي فيما بينهم؛ رغم اختلاف وجهات النظر وليس المواقف (حتى لا نغالط أنفسنا) بحيث الهدف الأسمى ربط جسور التواصل لدعم جهود كل منظمة ومقترحاتها العملية تجاه النهوض بالممارسة الإبداعية والفنية نحو أفق أفضل؛ وتفعيل الترسانة القانونية وتطويرها لصالح الممارسة المسرحية والفنية والثقافية بدل الانفصال والمواربات فيما بينهم؛ وبالتالي  ماذا قدمت النقابات في اليوم الوطني للمسرح؛ تجاه المسرح من جلسات وتنظيم موائد محلية وجهوية لمناقشة جادة وعميقة، للوصول إلى كـُنه حقيقة هذا الوضع المسرحي الكارثي؛ ما طبيعة النقاشات البناءة التي ستخدم الفن عموما؟ ها هي القوانين والمساطر؛ التي يمكن تفعيلها وكيف؟.؟ وأسوق مثالا من فاس كجواب مكشوف(المدينة  نائمة/ هادئة ليلا بطعم صباحية رمضان الذي ربما أثر فيها؛ لا عرض مسرحي ولآ نشاط ولا لقاء بين الجمعيات أو أفراد النقابات لتدارس ما يمكن تدارسه)؟  وفي هاته الأجواء التي لا تخدم الفن والإبداع كمظهر اقتصادي؛ حسب مجريات مظاهر العولمة؛ لا مناص أن يطرح المسرحيون سؤالا عريضا ماذا نريد من النقابة المسرحية وماذا تريد هي  من المسرح؟ لأن في اليوم الوطني لهاته السنة أفرز انفجارا غير مسبوق بالحدة التي تمت الآن تجاه الدعم في قضية (الإنتاج / التوطين) إذ الكل يستنكر ويشجب ويوقع عرائض؛  فتلك الاحتجاجات فلما ذا لا تؤطرها النقابات لإحتضانها وتفعيلها كملف ضد الوزارة بدل تصريحات الفيدرالية  (؟)

إن النقابات الفنية وإن كانت حاضرة فهي اليوم غائبة أو مغيبة ! لا تمارس وظيفتها الحقيقية، فإن كانت عكس ذلك فلماذا الانشقاقات حتى في مشاهدة العروض المسرحية؛ ولماذا لا ترفع دعاوي ضد الحيف الذي وقع للجمعيات المسرحية حَـسب بياناتها وتصريحاتها . لأن القانون يبيح للنقابات حـسب الظهير في الفصل الثاني من مرسوم 5 فبراير 1958 أنه: « يمكن للنقابات أن ترافع لدى أية محكمة» لأنها أولا تتمتع « بالشخصية المدنية » كما تنص على ذلك إحدى فقرات ظهير 16 يوليوز 1951 فيجوز لها أن تمارس جميع الحقوق المحفوظة للمطالب بالحق المدني بشأن كل واقعة أو فعل يحلق ضررا مباشرا أو غير مباشر بالمصلحة الجماعية أو الفردية للمهنة التي تمثلها.

وثانيا: يجوز للنقابة ككل شخص معنوي أن تتقاضى لدى المحاكم للدفاع عن حقوقها وخاصة المادة 15 من ظهير 17 أبريل 1957 المتعلق بالاتفاقيات الجماعية تقول فيه: « النقابات والتجمعات المؤهلة للتقاضي، والمرتبطة باتفاقية شغل بإمكانها أن ترفع باسمها الخاص دعوى المطالبة بتعويض عن الضرر … » هل ستستطيع أمام انسداد أبواب الحوار وعدم التوصل إلى تسويات ملائمة للخلافات حول قضية (الدعم)؟ ما أعتقــد لأن الفنان يحكمه القانون الخاص ومساطره ومقتضياته . والوزارة يحكمها القانون العام ومساطر قانون الوظيفة العمومية . وحـسب مدونة الشغل فوزارة الثقافة لا تعـَد مُشغـِلا (للفنان)  بل مساهمة في عملية النهوض بالمسرحي المغربي  من خلال الدعم المسرحي والسينمائي وغيرهما؛ هذا ما يجب أن نفـهمه. مقابل هذا مـا يستعَـصى عن الفهم فإن وزارة الثقافة والاتصال تضع نفسها موضع المُشـَّغل والمٌشـَّغـل: مادامت ستشرع في تنزيل مقتضيات قانون الفنان وتوفير الحماية الاجتماعية للفنانين. وتمكينهم من الاستفادة من مجموعة من الخدمات وخاصة الفنانين الحاملين البطاقة المهنية؟؟؟

 

نـجيب طــلال

....................

الإحــــــالات:

1 – الحركة النقابية في المغرب:لألبير عياش ترجمة: نور الدين سعودي /ج الأول 1919-1942 ص8 دار الخطابي-  د.س. ن

2 – نـــفـــســــــها ص14

3 –  تاريخ المغرب السياسي في العهد الفرنسي لمولاي الطيب العلوي ط – 1/2009   ص145 زاوية للفن والثقافية-  الدار البيضاء

4 –   الحركة النقابية في المغرب:لألبير عياش - ص24

5 –  أزمة العمل النقابي بالمغرب المظاهر- الأسباب- المخارج: لعبد السلام أديب في صحيفة الحوار المتمدن- عدد: 1186 - بتاريخ - 03/05/2005  /

6 – الطيب بن بوعزة يحكي مساره بقلم سامي لقمهري - مجلة زمان عدد18/أبريل 2015

7- نفـــســـــهـــا

8 – ميلاد الحركة النقابية العمالية الحرة بالمغرب:  الطيب بن بوعزة، ترجمة: عبد الله سعد، دار النشر المغربية، الدارالبيضاء 1992  - تقديم: ص7/8

9 – انظر قانون 68.16  المتعلق بالفنان والمهن الفنية في الجريدة الرسمية عدد6501 بتاريخ 19 سبتمبر2016

10- ﻣﻨﺸﻮﺭ الوزارة الأولى ﺭﻗﻢ 99/30 ﺑﺘﺎﺭﻳﺦ 10 ﺷﻌﺒﺎﻥ 1420 (19 ﻧﻮﻧﺒﺮ 1999) ﺣﻮﻝ ﺍﻟﺠﻤﻊ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻮﻇﻴﻔﺔ ﻭﺍﻷ‌ﻧﺸﻄﺔ ﺍﻟﺤــﺮﺓ.

11 - الظهير الشريف رقم 1.61.442 بشأن: تنظيم ضريبة المهنة (الباتانتا) طاله النسيان؛ وتم تفعيله من خلال الظهير الشريف رقم 1.89.116 صادر في 21 من ربيع الآخر 1410(21 نوفمبر 1989) بالعطف

12- اليوم الوطني للمسرح …أي شئ تحقق؟؟؟ بقلم بوشعيب الطالعي في موقع الناضور24 بتاريخ 10مايو2010

 

هادي جلو مرعيأرى إن السياسة المتبعة في الحياة العامة بين الأفراد والمجموعات لاتختلف عن تلك المتبعة بين الدول والمنظومات السياسية، فالناس العاديون حين يدخلون في صراعات ومنافسة مادية دنيوية يهددون بعضهم ويتوعدون، ومنهم من يدفع الأمور الى التأزيم المشدد مايشبه الهاوية التي قد يقع فيها الجميع، وتكون رسالته تحمل معنى واحدا هو،علي وعلى أعدائي، أو إما أن نهوي جميعا في الجحيم، أو ننجو ونصنع السلام والمصالحة.

يصف الشاعر إمرؤ القيس حصانه في معلقته الشهيرة بقوله

مكر مفر مقبل مدبر معا

كجلمود صخر حطه السيل من عل

ووصف سرعته وإنقضاضه بحركة الصخرة حين يهوي بها السيل من مكان مرتفع، فحافة الهاوية ببساطة، وبمعناها المعروف هي المكان المرتفع، أو الهوة العميقة التي يهوي منها الشيء، أو الإنسان، ويقع سريعا، فلامنجى له من الهلاك.

أحاول الحديث بقدر عال من السذاجة، فبرغم عظمة الصراع والأهوال التي يمكن أن تترتب عليه في منطقتنا العربية والشرق أوسطية التي تجتذب الوحوش والكواسر من أقصى الأرض بسبب السياسات الحمقاء، أو الإستقواء، أو المطامع، أو العناد السياسي، فإنه صراع يؤكد تفاهة البشرية، وميلها الى الفناء والعناد وتحقيق المآرب الخاصة، ونيل المطامع والمطامح على حساب شعوب تتحطم آمالها وأمانيها، وجغرافيا تتهشم وتتقسم، وبيئة تدمر، ومناخ يتغير، وخسارات تزداد بأحجام مختلفة وبأنواع لاتعد ولاتحصى تؤثر في مستقبل الإنسان ووجوده.

سياسة حافة الهاوية نوع من الممارسة التي تقوم بها حكومات ومنظومات دولية بغية تحقيق مكاسب، وإرغام الآخر على التنازل والتراجع، وفي بعض الأحيان ترتد على من يمارسها فيكون هو الطرف الخاسر، ففريق كرة القدم الذي يطبق مصيدة التسلل قد يقع في المحظور عندما لايصفر الحكم، ولايرفع المساعد راية التسلل فيدخل في المرمى هدف غير متوقع، وغير منتظر، وغير مرغوب فيه في ظروف خاصة يمر بها الفريق وهو لايحتمل الخسارة.

كم من أمم إنهارت بفعل صراعات وحروب وغزوات خارجية ونكسات إقتصادية وبراكين وفيضانات وهزات أرضية، فليس ممكنا تجاهل هذه الحقيقة التي تشير الى إن الحضارات الإنسانية إندثرت بفعل الظروف الطبيعية، أو بفعل سلوك الإنسان المنحرف وطمعه وجشعه، بينما قضت الحروب على حضارات، وجعلتها تتراجع، وحتى التوسع فإنه كان في الغالب سببا في تراجع أمم عن مكانتها حين تفتح على نفسها جبهات حرب عدة لاتتمكن في النهاية من تغطيتها فتنهار كما حصل مع اليابان وألمانيا والإمبراطوريات الفارسية والرومانية والعثمانية، والحضارات المعروفة في وادي النيل وبلاد الرافدين، وغيرها من حضارات نشأت وعلت وإزدهرت ثم ذوت.

في الغالب لم يكن واردا لدى تلك الأمم التراجع عن مطامحها ومطامعها ومواقفها، فكان العناد والغرور سببا في الإنهيار والهزيمة المذلة، ولذلك فليس معيبا أن تكون الإرادة حاضرة للتفاوض والتنازل والتراجع أمام العاصفة حتى تمضي لحفظ المصالح وكرامة الشعوب.

 

هادي جلو مرعي

 

عبد الخالق الفلاحالحرب الاعلامية الغير موفقة التي يشنها ترامب ليست إلا حرب نفسية استفزازية لتخفيف الخيبة التي يشعر بها جراء التحدي الكبير الذي واجهته ايران بها بكل قوة وبحكمة دون اي اهتزاز للثقة العالية التي تتميز بها اذا كان يتصور ان في مواجهة ايران سيجد الظروف الى جانبه وان الخوف قد ملء قلوبهم رهبة والطريق من السهولة التي ترعب شعبها لان الولايات المتحدة في مواجهتها وكانها لم تجرب حظها سابقاً معها.

لا شك ان طهران صارت أقوى بكثير من السابق بالاعتماد على العقول والكفاءات التي تعمل من اجل الوصول الى مرحلة الاعتماد على الطاقات الذاتية التي حيرت الصديق والعدو وان العقوبات المفروضة عليها قرابة 40 عاماً كانت رحمة من اجل الوصول للاهداف المرسومة دفعتهم بالاعتماد على كل شئ في الداخل. أن التصعيد الكلامي لترامب لا يعكس ميولا مقلقة للغاية في سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران انما هي زوبعة يراد منها جني ثمار خطابات الرئيس الامريكية خلال حملاته الانتخابية قبل وصوله الى البيت الابيض  ، رغم ان فكرة تغيير النظام في ايران قد ترسخت في واشنطن إلأ انها تفتقر الى المصداقية لانها اعجز مما تكون في تنفيذ هذه الهلوسة او الجنون. وقد يرى البعض من المحللين ان هذه السياسة لا تجر معها الحرب إلى المنطقة في نهاية المطاف وواشطن تعرف حق المعرفة هذا الامرالغير الممكن . لان مثل هذه الحرب اذا ما وقعت ستكون كارثة إنسانية وسياسية ذات أبعاد عالمية خطيرة ، كما هو معلوم وايران سوف لن تدخر جهدا في استخدام كافة  امكانياتها العسكرية والتصنيعية للدفاع عن نفسها وعلى استعداد تام لذلك، وهو ما صرحت به أكثر من مرة  ولكن لا تريد الحرب إلأ في حالة الدفاع عن نفسها اذا ما اجبرت عليها.

هذه التهديدات أدخلت المنطقة العربية في حالة من الترقب الحذرووالد الخوف في قلوب حكامها واهتزت العروش ومن هنا دعى العاهل السعودي سلمان عبد العزيز الى عقد قمة عربية لهذا الغرض في نهاية الشهر الحالي ، لا سيما بعد الرد الإيراني بأن المعركة لو حصلت فإنها ستشمل المنطقة بالكامل وحذرت واشنطن من "اللعب بالنار" ومن هنا عرف ترامب بانه قد اخطأ التقديرات ووقع في فخ بعض من مستشاريه مثل وزير خارجيته بومبيو وجون بولتون . وفي تصريحات جديدة والتي اعتبرها بعض المراقبين بأنها تصالحية، أعلن ترامب ارقام هواتفه للاتصال به وانفتاحه على التفاوض مع إيران بشأن اتفاق جديد ، على اعتبار أن الاتفاق الذي أبرمته الإدارة السابقة كان كارثة حقيقية والرفض القاطع بعدم التفاوض من القيادة الايرانية ولان الزمن لا يمكن ان يعود الى الورا ء كما كانت في زمن الحرب العراقية الايرانية التي شنها صدام ضدهاعندما خطط الغرب وبعض الدول النفطية الخليجية مع النظام البعثي لضربها ثم انقلبت الامورحين دخل صدام الى دولة الكويت حيث وقفوا مع الكويت لطرد الجيش العراقي منها.

اما الان فقد تيقن العالم بأن ترامب في موقف لايحسد عليه ..مع ان المصيبة مع رجل غير قابل للتوقع أو الضبط مثل ترامب فإن احتمالات الصفقات ومخاطر الحروب متساوية جدا كما يحلو لبعض الخليجيين للاحتماء بالولايات المتحدة وإسرائيل وإشاعة القول بأنهما ـ أي واشنطن وتل أبيب – يمكن أن يتصديا لقوة ايران "الذي يهدد المنطقة " كما يشيعان .

ويستشهدون على ذلك بأن أمريكا أنجدتهم من الخطر العراقي خلال العقد الأخير من القرن الماضي يعني صدام وحزب البعث.

أن إدارة ترامب التي تفكر على أسس تجارية لا سياسية تريد على الأغلب ابتزاز دول الخليج عبر "إشعارها بأن الخطر الإيراني يتصاعد "وعبر عويلها بأن الولايات المتحدة هي المتصدي الوحيد لهذا الخطر وتريد استغلال الامر من اجل حلب هذه الدول وابتزازهم، وعليه فإن المكاسب التي تجنيها هذه الدول من عودة أسعار النفط إلى الصعود ستدفعها إلى أمريكا بشكل أو بآخر، ليصبح الأمريكيون بذلك هم المستفيدون من ارتفاع الأسعار ومن هبوطها على حد سواء. ... ورغم  ايقان البعض أن رئيسا كدونالد ترامب قد يحتاج انزلاقا صوب الحرب لوقف هجمة الداخل عليه تماما كما أن "إسرائيل" قد تجد الآن الوقت مناسبا للتحرك اعتقادا منها أن جزءا من العرب مدمر وجزءا آخر ينشد العلاقة معها.

إلأ ان اكثر الاحتمالات تؤكد بأن الولايات المتحدة لن تخوض حرباً مع إيران، ولا تستطيع أن تخوضها، لأن حرباً كهذه تشكل تهديداً للسلم العالمي ولسوق النفط العالمي بأكمله، فضلاً عن أنها يمكن أن تغير خريطة المنطقة، إضافة إلى أنها لا يمكن أن تنتهي إلى تحقيق مكاسب لاحد، وللحقيقة ان الطرفين ايران والولايات المتحدة الامريكية لا يريدان الحرب انما هناك طرف ثالث يدفع للحرب وهوي اللوبي الصهيوني .والتصعيد والتوتر والأزمة الكلامية والسياسية هذه التي نشاهدها فهذه يمكن أن تؤدي للعديد من المكاسب للأمريكيين كي يحصدوا الاموال لانها كما تدعي بأنها تحمي هذه الدول، وأغلب الظن أن الأزمة الراهنة لن تخرج عن هذا المسار ولن تتجاوز هذه الحدود. وواقع الحال وحقيقة الموقف هو أن أمريكا لن تحارب إيران هذه المرة، وإيران أصلاً ليست خطرة على المنطقة وهي تعرف حق المعرفة ، وعليه فإن تلك النظرية غير صحيحة برمتها وواشنطن لوحدها وبكل جبروتها تحسب ألف حساب لمثل هذه الحرب وتخشى رد فعل عسكري ايراني وصواريخها والتطور التسليحي وتمتلك ترسانة أسلحة متطورة قادرة على قلب المنطقة رأسا على عقب، ولذلك فإن المواجهة العسكرية المباشرة والمفتوحة مع طهران تعني بالضرورة تهديد العديد من دول المنطقة والحرب تعني  ما لا تقبل به على الأغلب الولايات المتحدة ولا دول المنطقة من ثم فإن الاتفاق مع إيران الذي وقعت عليه ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا ابقت الولايات المتحدة وحيدة بعد الانسحاب من الاتفاق، وعلى لسان الرئيس الايراني الشيخ د حسن روحاني ان ايران غير مساعدة للتفاوض مع امريكا ولن تستسلم ابداً لغطرستها وجعلت الثقة بالسياسة الأمريكية على المحك من جانب حلفائها الأوروبيين ولان دول المواجهة من الجانب المقابل مثل الصين وروسيا خاصة التي وقعت على الاتفاق النووي تنظر الى ان الحرب سوف تكون بقيمة مصالحها ولا تؤيد مثل هذه الحرب ولن يقفوا مكتوفي الايدي للحفاظ على مصالحهم ولن تهمهم السياسة الامريكية في زمن ترامب لان الحوار معها سم اما في زمن ترامب فانه سم زعاف.

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

علجية عيشالمتأمل في حركة الطلبة الجزائريين يقف على الفارق الواضح بين طلبة 19 ماي 1956 وطلبة 19 ماي 2019، ثلاثة وستون (63) سنة كافية للمقارنة بينهما رغم أن الاثنان أحدثا طفرة إعلامية، كيف نرسم حراك أمس بحراك اليوم؟ أو بالأحرى هل يمكن أن نضع الطلبة اليوم في كفة الميزان ونقارن من هم أكثر وطنية؟ المتأمل في المرحلتين يقف على الفروقات بين زمنين اتسما كلاهما بالعنفوان إلا أن المطالب كانت مختلفة (من التحرير إلى التغيير)، ولو يسعيان لغاية واحدة هي "التحرر"، التحرر من قيود الاستعمار والتحرر من قيود التبعية للنظام وكسر جدار الصمت

في مثل هذا اليوم من 19 ماي 1956 أعلن طلبة جزائريون الوقوف إلى جانب الثورة التحريرية وهي تدخل عامها الثالث، حيث تركوا مقاعد الدراسة من أجل دعم مسيرة الكفاح المسلح والدفاع عن الوطن، فقد شكل إضراب الطلبة الجزائريين مرحلة حاسمة في تاريخ الجزائر تركت المستعمر الفرنسي منبهرا بإيمان الشعب بوطنه، وحبه لأرضه، وتشبثه بأصوله وثوابته، بعدما وصفته بالإرهابي وقاطع طرق، لكن تمسك الطلبة بمواقفهم في استرجاع السيادة الوطنية لم يشككهم يوما فيما كانت تذهب إليه فرنسا وما كانت تروجه أمام الرأي العام الدولي، كان القرار جماعيا وخارج عن أي وصاية سياسية، أو عسكرية وكان استجابة لنداء الواجب الوطني، حيث حقق الإضراب عدة أهداف، أفشلت كل مخططات الاستعمار الذي كان يروج لمقولة أن من يقومون بالعمليات العسكرية هم "قطاع طرق" وأبرز الإضراب الذي قاده الإتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين، أن الأمر يتعلق بثورة شعب بأكمله، تقف إلى جانبه نخبة مثقفة مكنت من إيصال صوت الجزائر إلى المحافل الدولية، رغم أنه لم تكن لديهم وسائل متطورة كالتي نراها اليوم (الفيسبوك والتويتر والأنستغرام) لإيصال صوتهم إلى العالم، نشير أن الإتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين تأسس في الرابع من شهر جويلية 1955، وكان يهدف إلى توحيد الطلبة في حركة طلابية واحدة موحدة.

كان من نتائج إضراب 19 ماي 1956 التحاق شباب من كلا الجنسين بالثورة الجزائرية، نذكر من بينهم الرائد عمار ملاح مجاهد التحق بالثورة بالولاية الأولى، (ما زال على قيد الحياة) محمد الطاهر بن مهيدي شقيق محمد العربي بن مهيدي بالولاية الثانية، طالب عبد الرحمان بالولاية الثالثة، وكذلك اللواء حسين بن معلم، دون أن ننسى العقيد محمد شعباني بالولاية السادسة، كذلك مريم بوعتورة وزهور ظريف بيطاط وأسماء كثيرة استشهدت، حيث لعبت دورا لا يستهان به في محاربة الاستعمار الذي أراد أن تكون الجزائر فرنسية، مرت 63 سنة على هذه الأحداث، لكنها عادت في شكل جديد، وبأسلوب مغاير، لم تكن هناك دبابة ولم تكن هناك نازلات ماحقات الواردة في النشيد الوطني الجزائري، لكن هناك سلطة ونظام متسلط أراد لهذا الشعب أن يركع، وهو الذي رفض الركوع أمام أقوى إمبراطورية، نعم لقد انضم الطلبة إلى الحراك الشعبي الذي أحدث ثورة سلمية.

لا يختلف اثنان أن خروجهم في المسيرات الشعبية لدليل على وعيهم بأن هناك رسالة تنتظرهم، وواجب وطني يؤدونه، وعلى عاتقهم مسؤولية كبيرة، وبذلك فهم مطالبون بمواصلة "المسيرة" من أجل لتعبير عن رفضهم لواقع سياسي ملوث، ورفع الظلم والاستبداد، رغم أنهم منقسمين بين أحزاب موالية وأخرى معارضة (اتحاد الطلابي الحر المحسوب على حزب الإخوان في الجزائر واتحاد الطلبة الجزائريين المنضوي تحت لواء حزب جبهة التحرير الوطني) لكنهم تركوا القبعة الحزبية جانبا، وانضموا  الجماهير الشعبية، ساروا في صف واحد ممسكين أيديهم بأيدي بعض، فكانوا قلبا واحدا، لأن الأمر متعلق بمصير جيل كامل، أراد أن يغيّر ويطهر الساحة السياسية من الفساد، من أصحاب المصالح والمشبوهين، أراد الطلبة والشباب وهم يخرجون في مسيرات شعبية كسر جدار الصمت، و تغيير لغة الخطاب السياسي، والتخلي عن لغة الخشب والديماغوجية التي استعملتها الأحزاب في الانتخابات، أو بالأحرى إسقاط زعامات الزيف الجزائري، التي جثمت على صدر الشعب لمدة تزيد عن 20 سنة أو أكثر، أراد الطلبة والشباب الذين رفعوا شعار: "نحن طلاب الجزائر، نحن للمجد بناة" أن يغيروا الواقع الجزائري ويضعوا خارطة طريق جديدة من خلالها يقدمون أفكارا جديدة تليق بالعصر الذي يعيشونه وبالمستقبل.

 

علجية عيش

 

 

المهدي بسطيلي"يبدو أن كل مثقف كافر وملحد ومغضوب عليه إلى يوم يبعثون"

هي الفكرة والرواية التي تقيد نظرة الأفراد للفئة المثقفة وهي آخر أسطوانات العصر بعد الفضفاضين والجنون والحمقى وغيرها من النعوت التي ارتبطت بهؤلاء، ولم تكن غير ضريبة للسؤال والتحليل والنقد الذي يرفضه المجتمع، فالسائل في الحقيقة إنسان يعلن كفره بالمكتوب والمقدر سلفا ويجب إبعاده حتى لا تصيب خطاياه الجميع.

أنا أتساءل فقط كيف تكون ضريبة السؤال بهذه الشناعة وكيف يعمل المجتمع على شيطنة مبادئ العقل والتفكير؟ هل تكون الثقافة هي السبب؟ أم للمثقف دور في ذلك؟

لا يمكن لعاقل أن يلقي باللوم على أية ثقافة مهما كانت هشاشتها ليصفها بالمتأزمة أو ليصمها بالمتخلفة، لأن الثقافة في أبسط تعريفاتها هي تراكم لمجموعة من الممارسات والمعلومات والمهارات والطقوس والسلوكات والمعتقدات، التي يشارك فيها الأفراد داخل المجتمع في زمان ومكان محددين.

وبناء عليه، فالثقافة هي نتاج بشري مرهون بمستوى الذكاء الوعي الفردي الذي يُتوصل إليه ضمن منظومة سياسية واجتماعية معينة، أساسها مشروط بإطلاق الحرية وتنمية الحس بأهمية العقل والوعي داخل المجتمع، فهل تشجع مجتمعاتنا ذلك حقا؟

"تذكرني المسألة بقصة الملك الذي بتر أنفه جراء مرض أصابه، فأمر ببتر أنف كل فرد في مملكته حتى يتساوى الرعية مع ملكهم في عاهته، فأصبح كل واحد أنفه معتدل حالة شاذة بين الناس ولا يصلح أمره إلا بعد بثر أنفه"

هو نفس الأمر يحدث في مجتمعنا فالمثقف هو الحالة الشاذة بيننا، فأسئلته وجرأته غريبة عن العامة منا ومرض لا يليق بنا يجب القضاء عليه حتى تعتدل أحوالنا، إن لللأمر طبعا إيديولوجيات رسخت في الثقافة الشعبية تحميها مصالح خفية لا مجال لذكرها اللحظة.لكن هل يكون المثقف المغربي بريء من هذه الجريمة؟

يجب أن نشير إلى أن الأصول العامة للمثقف المغربي كانت وما تزال أصولا بدوية اعتراها الانبهار بالمدينة ومظاهرها البراقة البرجوازية المزيفة، ومن هنا، كانت أحلام المثقف خلال مساراته المتنوعة مصطبغة بألوان اليسار- الذي لم يتنكر للمعتقد الديني-  عموما بسبب شعوره بالتخلف والقهر والحاجة إلى الرقي الاجتماعي الذي يضمن له مكانة ما ودورا معينا في الوسط الاجتماعي الذي فرض عليه مع الاستعمار، وهي سياسة احتظنتها السياسات الاستعمارية، فانتكس وانشطرت أحلامه التي جاء بها من ريفه البسيط  ذي الإشارات والرموز الواضحة.

ولقد زادت سياسة تكميم الأفواه المنتهجة  من تعميق الهوة بينه وبين مجتمعه وضاعف جو غياب الحرية من اغترابه في وطنه، ثم جاءت قوى الظلامية والأصولية الطارئة في السنوات القليلة الماضية داخل السياقات العربية طبعا، فدمرت كل أمل فيه، بل وجعلته يدخل في دوامة إضافية جديدة محورها السؤال الوجودي القاتل: ما الذي أستطيعه في ظل الخراب الشامل الذي يحيط بي؟ هل أستطيع إيصال رسالتي لأشخاص ماتوا وليست هناك حتى شواهد على قبورهم تدل عليهم؟ هل أنا فعلا أنا أم أنني شخص آخر جاء من كوكب غريب وابتلي بقوم لا يشاركونه الهم ولا السؤال ولا المصير؟

هذه التيمة بالذات موجودة بكثرة في الروايات العربية وهي تقدم النموذج الواضح عن أزمة المثقف إزاء القطيعة المجتمعية التي يعيشها المثقف بغض النظر عن مجتمعاته، تتنازعه مجموعة لا متناهية من النوازع تدفعه في كثير من الأحيان إلى الخيانة، فشعوره باللاجدوى من كتاباته وإحساسه ببعد المسافة بينه وبين أفراد مجتمعه، واعتقاده بتخلي الجميع عنه ولا مبالاتهم بمصيره ولد فيه الشعور بالنقمة والسلبية مما جعل كتاباته تصدر في الغالب عن ردة فعلوهو مادفع البعض للقول بأن الأزمة هي أزمة مثقف لا ثقافة،ذلك أن منطق التغيير المنتهج لحد اليوم من فئة المثقفين، لا يؤسس لمخرج من هذه الأزمة، بل يماشي ويساير الوضع العام بمواقفه المهادنة والمداهنة للسياسي الذي ابتلعه وجعله تابعا له.

لقد تجوف صوت المثقف وأصبح جزء من الأزمة الشاملة التي تنذر بالإنهيارالكامل لكل النسيج الاجتماعي، الذي تفكك تحت وطأة الاغتراب لماذا يهرب المغاربة من السؤال ؟ لماذا أصبح التدين إرهابا لدينا؟ لماذا نحن لا نعرف بأية لغة نتخاطب وإلى أية حضارة ننتمي؟ ربما هي أسئلة البدء والتي تحتاج للجواب على الأكيد.

فانحصر المثقف في الزاوية بين أزمة الثقافة وأزمة هويته أصلا، وبين استحواذ السياسي على السلطة وجلده بسوط التهميش، وبين عنوة اللاوعي المجتمعي التي ترفض كل فكر خارج المكون الديني، وتعتبر كل سؤال يضرب في الواقع تهديد مباشر للمعتقد الذي يجب أن لا يطاله النقاش والشك.

"المثقفون هم منارات الشعوب وعلى عاتقهم تقع مسؤولية التنوير والتغيير، والتاريخ سيحفظ بأن عددا من المثقفين المغاربة لم يكونوا في مستوى تطلعات الشعب، بل تواطؤا ضده، أي ضد أنفسهم"

 

المهدي بسطيلي