"لن انزع ثوبا أكساني الله" هكذا رد الخليفة (الراشدي) الثالث على زوجة الرسول عائشة بنت ابي بكر، حين اتهمته بأنه أبلى دين وسنة محمد وحرضت الناس على قتله (اقتلوا نعثل فقد كفر). عثمان الذي عزز مواقع الارستقراطية العربية الصاعدة بعد ما يسمى بالفتوحات وواصل السياسة العمرية (نسبة لعمر بن الخطاب) في توزيع العطاء، إلا انه خص الفرع الاموي بامتيازات خاصة.

 قادت هذه السياسة الى دراما قتله ودفنه. عثمان هو أول من طرح هذا الشعار بلباسه الديني وهو انعكاس لنفوذ القوى الصاعدة، التي انطلق شيطانها نتيجة الثروة غير المعقولة، المتراكمة، خلال سنوات قليلة وبدون جهد يذكر. لا يعني هذا الامر، أن الذين قبله لم يجسدوا هذا الشعار وخاصة في سقيفة بني سعد، حين خاض المهاجرون والانصار الصراع على خلافة نبيهم، لكن لم تكن محاججتهم بلبوس دينية أو ذات طابع ديني، سواء على مستوى النص أو الممارسة وانما اخذت طابع أخر من المفاضلة والاسبقية والعشيرة وغيرها..

تحول تبرير عثمان هذا الى سلوك ونهج ثابتين في سياسية الامويين، الذين حولوا الخلافة الى وراثة ومُلكٍ عضوض ولم يتورعوا يوماً عن ذبح من عارضهم او شكّوا في معارضته لاستبدادهم. رغم إن الامويين لم يدمجوا الدين في الدولة على عكس العباسيين (كانوا فرقة شيعية وبعض الكتاب يعتبرهم فرقة شيعية متطرفة)، الا أن الامويين استخدموا الكتاب والسنة، بالطريقة التي ارادوها، بدءاً من (الامامة في قريش) واستخدام هذا الحديث الموضوع لاحقا لتبرير شعارهم (ما ننطيها)، الى فكرة أخرى مفادها (طاعة الله  والرسول وولي الامر).  ثم اعتبروا خلفاءهم، الذين تحولوا من خلفاء رسول الله الى خلفاء الله في الأرض. هم ولاة الأمر المفروضين الطاعة المطلقة .. كفّروا مَنْ عصاهم أو عارضهم واعتبروهم غير خاضعين للحساب في الآخرة وقد اصطفاهم الله من البشر لهذه المهمة وايدهم بسلطته المطلقة الواجب طاعتها المطلقة، بما في ذلك (الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وحتى معصية الخالق) وكفّروا معارضيهم.

الامويون هم أول من قالوا بـ(العصمة) لخلفائهم في الاسلام . والمفارقة، هنا، أن اول من أستخدم كلمة "المعصوم" هو (الحجاج بن يوسف الثقفي) في وصف الخليفة الأموي (عبدالملك بن مروان). انظر (أحمد الكاتب . تـطور الفكر السياسي من الشورى.. الى ولاية الفقيه. ص 40، نقلا عن العقد الفريد).

تحوّل شعار العصمة والمعصوم عند الامويين ولاحقاً عند العباسيين الى تبرير دينى لشعار (ما ننطيها) ليعيثوا في الارض فساداً ولتسيل بحور من دماء معارضيهم، الذين أرادوا العودة بالإسلام الى منابعه الاولى. أن أحد ابرز وجوه شعار (ما ننطيها) هو الصراع بين الارستقراطية العربية وسلطتها المطلقة واثرائها غير المشروع وعامة الناس، الذين كانوا بنتيجة الفوارق الطبقية والاجتماعية والسياسية وغيرها يٌدفعون من هامش الى أخر، ليغرقوا في مستنقعات الفقر والتجهيل. لكن أحدى مفارقات التاريخ الكبرى، ان تأتي قوى المعارضة لهذا الاستبداد لتلتحف بفكرة المعصوم في صراعها ضد الامويين والعباسيين. كان الشيعة وعلى مد التاريخ هم اكبر قوى معارضة في تاريخ الاسلام وهم فرق عديدة ويقدرها الباحثون بالمئات، ولن يبقى منها حالياً إلا فرق محدودة . يشكل الاثنا عشرية الفرقة الاكبر والأوسع، حالياً، بسبب ظروف معينة لا مجال لذكرها الان. هي فرقة ظهرت في القرن الثالث الهجري واستغرق استكمال صياغة فقهها ما بين قرن ونصف الى قرنين..

لم تستطع الفرقة الاثنا عشرية من إقامة نظرية بديلة عن نظرية الامويين في الحكم وانما انشأت عقيدة موازية لها أو بالأحرى على هامشها، واقامت نظريتها في (الإمامة) على أساس (الإمامة الإلهية) لأهل البيت المستندة على (النص والوصية والعصمة)، رغم أن التاريخ لم يحمل لنا في سلوك أهل البيت والائمة الاثني عشر وكذلك الكثير من المرويات الموثوقة والتي لا تتعارض مع النص القرآني، ما يؤكد ادعاءهم (العصمة) أو ادعاء النص على إمامتهم أو وصية أحدهم للآخر بــ(الإمامة) . بل على عكس ذلك، فهناك العديد من الدلائل وليس المرويات الموضوعة تشير الى انهم لم يدعوا العصمة ولم يدعوا النص على إمامتهم أو مشاركتهم في معارضة الحكم القائم أو دعوا للانتفاض عليه أو أوصى أحدهم لاحد أبنائه أو أورثه الامامة أو الزعامة.

بقى الاثنا عشرية ولأسباب مرتبطة بعقيدة المهدي المنتظر وغيرها بعيدين عن عالم السياسة ونشاطها، التي تعني بالنتيجة النهائية الوصول الى السلطة. التغير الكبير جاء مع الثورة الايرانية وطرح نظرية الولي الفقيه، التي تولاها الخميني . لكن هذا الاسلام السياسي الشيعي، كما اظهرت الاحداث اللاحقة، لم يختلف في جوهره عن نظيره الاسلام السياسي السني، فهو في النهاية جسّد، من جديد، شعار (ما ننطيها) واقام الخميني والاسلام السياسي الشيعي (دولة ديكتاتورية دينية) لم تحترم حقوق الانسان،سواء المسلم أو غيره، فلم يكن في دستورها تداول للسلطة ولا مؤسسات دستورية، مستقلة . بالنتيجة النهائية خلقت امبراطورية الاغنياء مقابل شعب يكدح،يومياً، من أجل العيش.

أما تجربة الاسلام السياسي الشيعي في العراق فهي غنية عن التعريف بالرغم من محاولة اضفاء الطابع الديني لممارساتهم وفسادهم واجرامهم بحق العراقيين ولا وطنيتهم فقد تصدر شعار (ما ننطيها) الراية الاعلى في كل سلوكهم، وقد عبر بعض قادتهم و(فلاسفتهم) عن (الشرعية الدينية) لوصولهم الى دست الحكم والتمسك به. ففي المحصلة الاخيرة اظهرت الاحداث والمواقف ارتباطهم بالولي الفقيه، رغم كل محاولات اللعب على الحبال. الأسوأ من ذلك هو انتقال  العدوى واقصد شعار (ما ننطيها) الى تيار واسع مثل التيار الصدري، الذي يختلط فيه الديني والسياسي بشكل عجيب. انه تيار تشكل فئات الكادحين والفئات الوسطية قاعدته الاوسع على عكس قيادته، التي هي جزء من نظام المحاصصة وذات الثراء الواسع وهي جزء من بنية منظومة الفساد. الصدريون هم الذين كانوا يٌثيرون العديد من الاسئلة المفتوحة، سواء في تحريك قواعدهم وتقبٌل سلوكهم وسياساتهم المتناقضة والمثيرة للأسئلة أو في سلوكهم بهذا القدر من الالتزام الصارم والطاعة العمياء والتشدد في المواقف والسلوك العدواني لهم ولمن يعارضهم والسعي للهيمنة (ما ننطيها) سواء أن كانوا في قمة هيكل الدولة أو في أوساط الساحات وبين جماهير المعارضة والمنتفضة رغم أنهم لم يعرفوا اشكال التنظيم الحديث والعمل الحزبي ولانعدام شكله المؤسسي أو الحزبي إلاّ في حدود مليشياتهم المسلحة . الحركة عندهم قائمة على مركز واحد هو (السيد) الذي ينظر اليه باعتباره (المعصوم) وهو بالتالي مطلق الطاعة وتكفير من لا يقول بمعصوميته (أنظر مقالة أحمد عبد الحسين، فصل جديد من كاتب المحنة. خطاب الى الامة الصدرية).

اخيرا لا يعني إن العلمانيين هم بعيدون عن شعار (ما ننطيها) ولم يمارسوه وللتاريخ شواهده العديدة في هذا الامر ولكن في الاغلب لن يكون المنطق الديني هو غطاء لهذا الشعار.

 

د. أحمد الشيخ أحمد ربيعة

 

موسى فرجمنذ أشهر والخلاف مستعر بين أكبر رأسين في السلطة القضائية في العراق أعني رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس المحكمة الاتحادية حتى ان رئيس مجلس القضاء الأعلى وصف بكتابه الموجه الى رئيس الجمهورية بتاريخ 23/ 1/ 2020 رئيس المحكمة الاتحادية بـ"اتخاذ قرارات شخصية ومخالفة الدستور والتجاوز تكراراً على الدستور والقانون والسعي لسلب مجلس القضاء صلاحياته"..

-تفجر هذا الخلاف بعد إن رشح رئيس المحكمة الاتحادية أحد القضاة المتقاعدين لعضوية قضاة المحكمة الاتحادية وصدر مرسوم جمهوري بتعيينه...في حين يرى السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى أن الترشيح لعضوية المحكمة الاتحادية يجب ان يكون من خلال مجلس القضاء الأعلى وليس من قبل المحكمة الاتحادية لأن المادة 91/ثانياً من الدستور تقول إن مجلس القضاء الأعلى هو من يرشح رئيس وأعضاء محكمة التمييز الاتحادية وعرضها على مجلس النواب للموافقة عليهم ومادام تعيين القاضي المذكور مخالف للدستور ولأن قانون المحكمة الاتحادية يقول بأن جلساتها تكون بكامل أعضاءها بالتالي فإن عدم دستورية تعيين أحد أعضاءها يخل بتحقق شرط اكتمال أعضاءها والذي يجعل من قرارتها معدومة وغير قانونية وغير دستورية ..

- ولم يكتف رئيس مجلس القضاء بعرض الموضوع على رئيس الجمهورية بل وبادر في نفس الكتاب بالتعميم على كافة المحاكم بعدم التعامل مع قرارات المحكمة الاتحادية التي تصدر بمشاركة العضو المشار اليه في حين ان حضوره حتمي لأن جلساتها مالم تكن بكامل أعضاءها التسعه -وهو من ضمنهم- غير قانونيه.

- رئيس مجلس القضاء الأعلى نبه أيضاً رئيس الجمهورية الى ان نتائج الانتخابات القادمة لن تكون دستورية لعدم وجود محكمة اتحادية مكتملة النصاب تصادق على نتائجها بحسب الدستور.

طبعاً للسيد رئيس المحكمة الاتحادية مبرراته أيضاً ولكن من بينها أنه ضمَّن قرار المحكمة الاتحادية المرقم 38/ اتحادية/ 2019 عبارة تقول: "واشعار مجلس النواب لتشريع مادة بديلة لها ضمن قانون المحكمة الاتحادية المنظور..." لكن لا مجلس النواب أنجز المنظور ولا السيد المحمود اسعفته درايته القانونية وممارسته للمهنة منذ عام 1959 لينتظر تحول المنظور الى سمسم، فوقع في المحظور.

كلمة لابد من الإشارة إليها: المشكلة بالقضاء أن الاعتراض على قرارته من قبل العامة لا يكون الا من خلاله هو أي القضاء عن طريق الاعتراض على الأحكام القضائية امام المحاكم الأعلى... وحتى الشكوى من سلوك القاضي لا تكون الا من خلال القضاء نفسه " هيئة الاشراف العدلي" ومع ان التبجيل للقضاء والقاضي حق مستحق تمليه ضرورة استقرار المجتمع لكن النقد للسلطة القضائية لا يعد حق مستحق للمواطن فقط بل واجب ينبغي ممارسته للارتقاء بالقضاء والقاضي ولا ينبغي للمواطن التنازل عن هذا الحق أو التقاعس في واجب القيام به من منطلق التحسب لتعسف القاضي في احد الأيام أو في موقف يكون به المواطن أمام القاضي منتظراً الحكم عليه ... فإنك إذا اردت تحاشي الوقوف أمام القاضي فالأولى ان لا ترتكب فعلاً يحاسب عليه القانون وإذا أردت تحاشي تعسف القاضي فعليك ألا تتوانى في نقده نقداً مهذبا يرتقي به مهنياً أو سلوكاً... أنا قبل عدة سنوات كتبت ما مفاده أن الحكم العادل لا يكون الا باستقلال القاضي وهذا لا يصنعه النص الدستوري باستقلال القضاء ولا النص في القانون القائل بأن القضاء مستقل ولا سلطان عليه الا للقانون وانما تصنعه بالدرجة الأساس مواصفات القاضي وسجاياه الشخصية وعمق التزامه بقيم الشرف واستقلاله في احكامه عن نوازعه وأهواءه الشخصية...

هذا الخلاف بين رأسي القضاء كشف لنا ولأول مره أنه يمكن وصف قمة القضاء العراقي بـ :"التجاوز على الدستور ومخالفة القانون واتخاذ القرارات بدافع شخصي "...بل ذهب أحد الكتاب ابعد من ذلك فكتب يقول: " يعتبر العراق من أكثر بلدان العالم خرقاً وانتهاكاً للدستور والقوانين سواء من قبل السلطة التنفيذية أو التشريعية أو القضائية، ويمكن تحديد أهم أسباب تلك الخروقات والانتهاكات هو انه يتم التوافق عليها سياسياً فيصبح واقعاً عملياً، وان كل ما يثار بصدد وجود خرق دستوري او قانوني من عدمه فانه يثار بسبب خلاف سياسي او شخصي، فاذا حسم الخلاف تم السكوت عن الخرق الدستوري وكـأنه لم يكن، أما اذا استفحل الخلاف فان المحكمة الاتحادية تفصل فيه بعدة طرق، الاولى ان تمسك العصا من الوسط وكأنها جهة تحكيم عشائري تريد ارضاء الجميع، اما الطريقة الثانية فهي ان تدقق في موازين القوى فتحكم لمن هو أكثر قوة وسطوة وتأثيراً، او تحكم وفق السياقات الدستورية والقانونية حسب اطراف الدعوى والموضوع"...

الله يرحم سيد حسن …

ايام زمان وفي أحد الأيام كنت حاضر في مجلس حسيني وبعد نزول سيد حسن –القارئ-الله يرحمه من المنبر تحولت طبيعة المجلس من حسيني الى ديوان وفي هذه الأثناء دخل متخاصمان بلغت حدة الخلاف بينهما حد التلويح بالتواثي وطفقا يعرضان كل منهما وجهة نظره وحقيقة الخلاف بينهما على الديوان بحثاً عن حل وكان المتخاصمين لكل منهما توجه معروف لنا فأحدهما علماني والآخر متدين والسيد الله يرحمه بعد انتهائه لم يغادر انما جلس بجانب المنبر واتخذ منه متكئاً.

وبينما انشغل الديوان كل اثنين او ثلاثة منهم يتدارسون القضية لاستنباط حل معقول أمسك السيد بمقبض المنبر وصعد ثانية وسط استغراب الجالسين "لأننا لم نألف سابقاً أن يكرر القارئ صعود المنبر مرتين كما لا توجد مما يعرف بالـ بريك في المجالس الحسينية " لكن سيد حسن الله يرحمه فعلها وصعد المنبر ثانية وصاح: صلوا على محمد وآل محمد... انقطعت النقاشات الجانبية في الحال وصاح الناس اللهم صلي على محمد وآل محمد ، صاح: ثانية يرحمكم الله فتم تكرار الصلاة على محمد وآل محمد، ثالثة على حب الزهراء فتم ذلك أيضاً بعدها مباشرة ركز نظره على المتدين وقال له : الحكَ ألك والتفت على العلماني وقال له: أنت ما ألك حكَ ونزل من المنبر والعلماني يدردم شنو هاي شنو هاي...؟ تحول الديوان الى ضحك عاصف بسبب تكرار صعود السيد على المنبر ولأن السيد استشرف أن رأيه وهو جالس على المنبر مثل قرارات المحكمة الاتحادية بات وملزم للجميع... هسا منين نجيب سيد حسن الله يرحمه حتى يقضي بين مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية حتى تمشّي الانتخابات المنتظره على رسلها...؟

قبل يومين انتقدت موضوع التقديس وطبعاً آنا أعرف أنه في خضم الأوضاع الحالية في العراق ممكن تنتقد الأنبياء والرسل وحتى الذات الإلهية لكن موضوع تنتقد تقديس الحشد وتقول ببطلان دعوات تقديسه ...هذا موضوع دونه خرط القتاد ولكن مع ذلك فعلتها ليس لأني أنكر تضحيات أبنائنا من الحشد الشعبي او استصغاراً لشأنهم أبداً ولكن لوضع الأمور في نصابها الصحيح وعندما انتقد القضاء ورجاله في العراق أنطلق من ذات المبدأ ...وضع الأمور في نصابها الصحيح ....

 

موسى فرج

 

صادق السامرائيالبشر يولد من رحم الهموم، ويتكون في قلب الويلات، ويتغير بتأثير حرارتها وتفاعلاتها وقدرتها على التأثير فيه وإحداث التغير المستعد له.

إن الهموم والويلات تطحن البشر وتعيد ترتيبه وصياغته من جديد، فترى ذلك التعبير والولادات الجديدة واضحة على قسمات وجهه وفي سلوكه وفعله.

وكلما تعاظمت الهموم وقست وتكدست، أنتجت بشرا بمواصفات تتناسب طرديا مع شدتها وعنفها وتأثيراتها وحرارة تفاعلاتها، وكذلك مع طبيعة كيان ذلك البشر وتركيبته العاطفية والنفسية.

ومن يتأمل الأجيال العراقية الحاضرة التي تتحرك على أرض العراق، سيعرف بوضوح أنها أجيال ناتجة من مطحنة الهموم والآلام والجراحات والحصارات والحروب.

فالجيل الأكبر هو الذي إستمر في معاناته وعصفت به الهموم المتنامية المتنوعة، والناجمة عن السلوكيات الإستبدادية وهموم حرب ثمان سنوات مروعة، والتي أكلت الأخضر واليابس، ومن بعدها حرب أخرى أشد بشاعة وقسوة، وإستمر في همومه حتى دخل في مأساة الحصار وعلى مدى ثلاثة عشر عاما، مما جعل همومه تغلي وتستعر وتدمر كل ما عنده وفيه.

الحصار كان أقسى من الحرب والموت، ولا يعرف همومه وقسوته إلا من ذاقه وتجشم ويلاته وعناءاته اليومية.

هذا الجيل المطحون بالويلات، كان ينتظر بارقة أمل وتخفيفا للهموم، وإذا به بحرب أخرى بكل تداعياتها القاسية، والتي توجت همومه وأدخلته في نفق المجهول المشحون بالخوف الإنفجارات وضياع الأمن والأمان.

هذا الجيل المسحوق بكل مافية، وجد نفسه أمام جيل آخر، جاء من خارج البلاد، ذاق بعض همومه ولم يعشها ويعانيها مثلما هو عاشها وعاناها.

وهو جيل أقل عددا من الجيل الذي قاسى قهر السنين وويلات الظلم والألم العميم.

وهو جيل مصنوع في معمل ويلات وهموم مختلفة تماما عن جيل الداخل.

إنه جيل منقطع عن حياة الداخل وعلى مدى عقود زمنية لها حساباتها الإجتماعية والنفسية.

أي أننا في العراق أمام حالة إجتماعية وتأريخية خاصة جدا، يتصارع فيها جيل الداخل مع جيل الخارج.

الجيل الخارج (القادم) يريد الحكم والسيطرة وإمتلاك زمام الأمور وفق رؤى وتصورات تستند إلى ظروفه ومعاناته، التي يمكن إختصارها بمجابهة النظام السابق والعمل على إسقاطه بالتعاون مع قوى دولية.

هذا الجيل الخارج (القادم) يريد تجريد الجيل العراقي الأكبر من دوره في الحياة لأسباب وذرائع ومنطلقات متناسبة وهمومه وتصوراته المصنعة خارج حدود العراق.

بينما جيل الداخل الذي قاسى وعانى، يرى أنه المحق الأول وصاحب المشكلة والضحية الأولى في مسيرة السنين السابقة، بكل ما جاءت به من جور وحرمان.

إن هذه الظاهرة تغيب تماما عن النظر ويتم الإلتفاف عليها بالتهميش والتضليل والدخول في صراعات طائفية ومذهبية لتشويه الحقيقة والقفز على الواقع الأليم.

إن جوهر الصراع القائم يكمن في عدم التوافق ما بين جيل الداخل وجيل الخارج.

إن النفس العراقية لا ترض بسهولة بالرضوخ إلى العراقي الذي جاء من الخارج، وتنظر إليه بعين أخرى، وتلك خصوصية قائمة في النفسية العراقية.

إن عدم وعي هذه الحالة وتأملها بصدق وعقلانية، سيؤدي إلى عدم الإستقرار الأكيد وسيبقى الصراع الخفي بين الجيلين، وهذا الصراع سيكون مرهونا بتواجد القوة الساندة للجيل الخارج.

 

وعليه فأن في العراق حالة صراع لا يمكنها أن تنتهي أبدا، لعدم إستيعاب الأجيال لهموم بعضها البعض، ولعدم تخلصها من إنفعالاتها وتكويناتها التي تصنّعت في ظروفها التي مرت بها.

القادم من الخارج والمنقطع عن أهله لعقود عديدة لا يمكنه، ومهما إدعى ورأى أن يكون قريبا من الجيل الداخل في معاناته وتصوراته.

لأنه لا يراهم بل يرى نفسه وما تحشد في صدره من إنفعال.

وبسبب ذلك، فانه يقع في خطأ التصورات والتعميم الأليم، فيحسب مَن في الداخل عدوا له، لأنه قد بقي تحت رحمة النظام ولم يغادر أرض العراق مثله، وهذا التصور له فعله ودوره في أحداث العراق المتواصلة.

وعليه فان مسلسل الفواجع العراقية سيتواصل، مادام التقاطع الإنفعالي ما بين الأجيال قائم، وما دامت الشراسة والوحشية قد طغت، وروح الإنتقام قد تصاعدت.

لكن التأريخ يقولها بوضوح، أن مجتمع الداخل المُعاني، حتما هو الذي سيربح، في ختام مسيرة الصراع الذي يكلف الطرفين الكثير جدا، وأن هذا الجيل سيلد جيلا يزعزع أركان السلطة وسيستعيد كرامة الإنسان.

 

وإنّ الجواب في صفحات الزمان!!

 

د. صادق السامرائي

20\11\2005

 

 

ناجي احمد الصديقكثيرون يرى ان أصل البلاء في الشرق الاوسط في الفترة الأخيرة هو (احتلال فلسطين) القضية والمركزية فى الصراع العربى الصهيونى، فهى تختفي من المشهد السياسي العربي لفترة، ثم تعود لتظهر من جديد بصور مختلفة وبرؤية مختلفة وبحلول مختلفة، إما بقوة أو بلين، ولكنها موجودة دائما في خلفية أي صورة سياسية، وفي الصورة الجيوسياسية الغربية تطبق القضية، على الشرق الأوسط برمته، وأصبح معتاداً الإشارة إلى الصراع العربي- الاسرائيلى، في الأدبيات الغربية وأجهزته الإعلامية، بقضية الشرق الأوسط، فقد أضاع المجتمع الدولي العقد وراء الآخر وهو يشاهد الحقوق الفلسطينية الموثقة بموجب قرارات الشرعية الدولية كما تعكسها قرارات الأمم المتحدة تذهب أدراج الرياح... مع غياب أفق حقيقى  لحلحلة القضية الفلسطينية، واستعادة حقوق شعب يبتلعها الاحتلال الاسرائيلى عاماً بعد عام، ويقف المجتمع الدولى عاجزاً عن إنفاذ الشرعية الدولية فى قضية عمرها جاوز السبعة عقود.

- تعنى القضية الفلسطينية الصراع التاريخي والسياسي والمشكلة الإنسانية في فلسطين منذ المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897م وحتى يومنا هذا، كما تعتبر قضية فلسطين  جوهر النزاع العربي الإسرائيلي الذي نتج بنشوء الصهيونية والهجرة اليهودية إلى فلسطين، وما نتج عنها من حروب وأزمات في منطقة الشرق الأوسط، وتتمحور قضية فلسطين حول شرعية دولة إسرائيل واحتلالها للأراضي الفلسطينية خلال عدة مراحل، والقرارات التي أصدرتها الأمم المتحدة، ومن أبرزها: قرار 194 والقرار 242 وبقية القرارات الاخرى مثل بقاء القدس علصمة لفلسطين وحق العودة اللاجئين  الفلسطينين، فقضية فلسطين هى قضية العالم التى لم يستطع حلها حتى الآن.

لم يتخلف السودان يوما عن ركب الدول العربية فى صراعها المستمر مع الاحتلال الاسرائيلى من اجل تحرير فلسطين، فقد كان حاضرا بقوة فى كل المحافل الدولية والإقليمية المعنية بذلك الامر، وكان السودان على مختلف مراحل الحكم فيه ملتزما بمطلوبات الإجماع العربي فلم يتنكر ولم يهادن ولم يتراجع – من الناحية الرسمية- عن تلك المطلوبات حتى انه أصبح فى يوم ما قبلة لقادة فلسطين حينما يضيق بهم الحال ويطلبون الدعم والمساندة . ولم يكن شعب السودان الا خط دفاع اول عن قضية فلسطين حينما اخرج المسيرات واحدة تلو الأخرى من اجل المساندة والدعم فى حروب شعب فلسطين مع جيش العدو الصهيونى.

فى القطار الصفقة ركب السودان بعد كل تلك الممانعة وكل ذلك التمنع لان من قاموا بصياغة بنودها كانوا أكثر حرصا على توفير فرص نجاحها ولان من كانوا فى مواجهة الإحداث وفى قلب العاصفة باتوا اقل مبالاة بفلسطين ولان أمد النزاع المتطاول قد فت فى عضد العرب حتى باتت فلسطين لا تمثل الا بيانات جوفاء فى قمم عرجاء يعلم حضورها انها لن تكون فى يوم سندا لفلسطين ولا ملا للشعب  الفلسطيني، ركب السودان قطار الصفقة ليبحث مع غيره عن رفاه لشعبه وهناءا لمواطنيه ولن تتحق تلك المقاصد إلا عبر اسرائيل، فالعالم أصبح فى عهد ترامب اقل حياءا بحيث لا يتهيب الرؤساء من البحث علنا عن السعادة والرفاه حتى ولو كان ذلك عبر بوابة اسرائيل وبمباركة ناتنياهو. فهل هى بداية النهاية لمأساة شعب رهن قضيته للأمة العربية؟ ام ان قطار الصفقة سوف يتوقف أخيرا والى الأبد فى محطة السودان .

 

ناجى احمد الصديق- المحامى / السودان

 

 

عبد الخالق الفلاحالمتظاهرون السلميون يريدون قولها و يهتفون بها عاليا سلمية..سلمية ومن هنا فقد سميت الاحتجاجات العراقية من حيث الجهة التي تشارك فيها من الطبقات المظلومة والمسحوقة وما حدث بالتحديد يدخل في خانة التظاهرات العفوية الشعبية على الاكثر، لكون ما تضمنته من مطالب هي محقة.

لقد قسم المحللون التظاهرات من حيث الاهداف التي تريد تحقيقها، اذا ما كانت ذات طابع سياسي، او ذات طابع خدمي"ونجد أن هذه الاحتجاجات المطلبية كان يرجى لها ان تنتهي باستجابة السلطات لمطالب المحتجين. ففي الدول الديمقراطية في الغالب وخاصة اذا ما كانت هذه المطالب محقة ولا تمس سيادة الوطن ولا تتضمن اسقاط النظام السياسي أو اسقاط نظام الحكم لانها مطالب شعبية يجب ان تتحقق وهي من اختارت الطبقة الحاكمة ولان ادارة النظم الديمقراطية والمدنية تكون على اساس الانتخاب الحر والتصويت الشعبي النزيه لاختيار من يراه مناسباً لتمثيله، والتركيز على توفير الخدمات والبنى التحتية، وتوفير فرص العمل، ناهيك عن حل المشاكل والتحديات التي يواجهها الشباب في عموم المجتمع. وهذه الاحتجاجات المطلبية السلمية لها نموذج مطروح في الدستور العراقي الدائم الذي صدر في عام 2005 يعرفه المختصون هو دستور نظام ديمقراطي .

للحياة الخاصة حرمة وهي مصونة بشرط ان لا تمس حق الناس وبالعكس والدولة ملزمة بحماية حق المواطن في استخدام التظاهرات العامة السلمية دون التجاوز على حقوق الاخرين الفردية والعامة وبكافة اشكالها ولا يجوز حرمان المواطنين منها لانهم سواء امام القانون ومتساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة ولا يجوز التمييز بينهم لاي سبب كان . لقد شابت الكثير من مثل هذه الاعتداءات على رجال الخدمة العامة منهم، رجال المرور، او سواق عجلات الاسعاف، او الاطباء ولم تكن الأولى... ولن تكون الأخيرة مثل هذا الاعتداء على رجل الأمن في جميع المحافظات و منها محافظة ذي قار وقد نفذت مثل هذا الاعتداء الغير المبرر اطراف وعناصر خارجة عن القانون اثناء تأديتهم الواجب"، ويعتبرأي اعتداء على رجل الخدمة العامة اعتداء على هيبة الدولة وانتهاك للقانون والنظام العام"، وهذا الفعل الاجرامي يشكل سابقة خطيرة وقد ضجت بها مواقع التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي بفديو يظهرفيه اعتداء مجموعة على شرطي المرور وهم ينهالون بالضرب والدفع وخلع ملابسه اثناء اداء الواجب بصورة مقززة بعيدة عن المنطق والعقل وتدخل الشرفاء الذين فضوا الاعتداء وهي مرفوضة من كل الحرصين على سلامة البلد وعزته وكرامة مواطنيه وكثيرا ما سمعنا عن الاعتداءات على رجال أمن، ولكن تلك الاعتداءات لم تأخذ نصيبها من الاهتمام، حتى برزت الحالة الأخيرة التي تم توثيقها بالصوت والصورة فتفاعلت مع القضية جهات رسمية وشعبية مستنكرة هذه العملية الغير اخلاقية في واقعة أثارت جدلاً واسعاً في الداخل والخارج والتعاطف مع مظلومية هذا الرجل المروري وبشكل جماعي لانه كان ضمن الواجب ولعل جزاء المعتدين هو المحاسبة القانونية وعلى ذمة التحقيق وهي عملية دنيئة تستحق اشد العقوبة لمرتكبيها ولانها تمس الحق العام .

اننا هنا كذلك نرفض في نفس الوقت تصرفات بعض رجال الامن التي قد تتسبب في وضع صورة سلبية عن كثير منهم لسبب من الاسباب قد تكون اخلاقية او قلة الثقافة المهنية او الذين تدفعهم الحماسة الزائـــــــدة الى التجاوز في استخدام السلطات الممنوحة له وايضا هناك مخالفون قد يواجهون المخالفة بنوع من العتب او الاعتراض وقد يتطور الى تعارك بالايدي. والاسلحة وتنتقل الى ثارات عشائرية .

ان هذه الحادثة وغيرها، تطرح سؤالا مهما، يتعلق بالتجرؤ على رجال الأمن الذين يمثلون القانون ويدافعون عنه، وما الذي يشجع البعض من الشباب إلى الخروج على القانون؟ الاجابة جاءت على لسان المواطنين الذي هم من صلب التظاهرات بأن هؤلاء ليسوا منهم في شيئ واكدوا رفضهم التعدي على رجل الامن الذي يقوم بحماية المتظاهرين ويحارب الجريمة و باعتباره صمام امان المجتمع و ألا يقــــسو على الناس ولا يستخدمون العنف.

أن منهج الاعتداء بهذه الصورة هو يخالف ما استقرت عليه الدول المدنية الحديثة والتي اباحت للمواطنين حق التظاهر لأبداء وجهات نظرهم كما يرفضه الدين والمعتقد، خصوصا إذا كانت هذه التظاهرات عفوية وغير مسيسة لجهة ما. اننا ندعوا العقلاء لاخذ دورهم بمواقف واضحة دون ترك الامور سائبة وفي فرض القانون بالتعاون مع الجهات المسؤولة وبصرامة وعدالة والقيام بمهامهم لحفظ السلم الاهلي وهو خط أحمر لذلك يجب دعم الجيش والاجهزة الامنية بمعزل عن أي ملاحظات سياسية، إلأ للمحافظة على الامن والتصدي بصرامة لمثل هذه التصرفات وتسليم الجناة لان هذه الظواهر التي اخذت تطل برأسها داخل مجتمعنا والتي تهدد امنه واستقراره تعود لعدة اسباب منها ما هو مدعوم من جهات خبيثة لاثارة الفتن والاطاحة بالاستقرار ومنها ما هو ذاتي، وان وأد هذه المظاهر والفتنة الداخلية تتطلب قبل كل شيء معالجة الاسباب الموجبة قبل النتائج حتى لا تظهر هذه المظاهر بين الفينة والاخرى والقضاء عليها والتي في حالة تفشيها ستهدد البناء المجتمعي برمته وستسهل على تمرير السياسات الرامية الى تهديم احساسات شعبنا الوطنية في الحرية والاستقلال والسلم الأهلي الاجتماعي ونشر وتعزيزهذا المفهوم اي (السلم الاهلي والاجتماعي) داخل المجتمع العراقي ضرورة مهمة للقضاء على حالة التشرذم والعمل المشترك على ترسيخ مفاهيم السليمة تعزز لغة الحوار بين طبقات الشعب وتعزيز دورهم في نشر مفاهيم تقبل الآخر بعيداً عن العنف، والتركيز على ثقافة التسامح بين أفراد المجتمع وهو ركن اساسي ان لم نقل هو السبيل الوحيد لبناء المجتمع وللمحافظة على الحقوق الوطنية الثابتة لشعبنا، وليس امام الجميع سوى العمل من أجل منع تآكل مقدراتنا بمثل هذه الافعال لأن عواقب ذلك ستكون وخيمة وهو مايريده الاعداء

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

حسن حاتم المذكور1 - سيدة عراقية، في مقابلة تلفزيونية من ساحة التحرير قالت "جابوا الصخل عبد المهدي واستقال، جابوا الصخل السوداني رفضناه، بعدهه جابوا الصخل العيداني، عفيه عراق ابو الحضارات، ماكوا بيه بس الصخول؟" وطن فيه الصخول تكلف الصخول لقيادة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والرئآسة، مقتدى الصدر رجل الدين القاتل، يستهلك اسم الله بدنائة مفرطة، لا يجيد حتى افراغ حاجته في مرافق التغريدات الملحة، مع العامري المشحون بالطائفية والتخلف، توافقا على تكليف، محمد توفيق علاوي صخل بلا قرون، لرئآسة مجلس الوزراء، هكذا ستتشكل حكومة الصخول، ليتخمر فيها موعد الأنتخابات المبكرة، ثلاثة اعوام جدلية بين صخول مجربة، انه العراق الذي صممته امريكا المحتلة، وفتحت عليه ابواب جهنم الأجتياح  لأيراني.

2 - هكذا قالت الأم العراقية، والنخلة العراقية والثورة العراقية، ان محمد توفيق علاوي، اُجهض عن تزاوج، بين صخل من فتح وصخلة من سائرون، وفي الجنوب والوسط ارض تتمرد، عليها امريكا محتلة وايران غازية وجوار يستقطع من اطرافها، وعليها خيانات محلية، فيها شعب يسقيها دماء، ويغمرها بالبقاء، متحد على ترابها، يمتلك القوة والثبات والحق في ان يكون له وطن، على مقاس وجوده ومستقبل اجياله، كان العراق خيمة مكونات تكونت فيه وكونته، بينها عرب وكرد وكلدواشوريين، واديان توحيدية عريقة، كالمندائيين والمسيحيين والمسلمين والأزيديين ويهود عراقيين كانوا، عليه نشأت اقدم الحضارات، وشتلات المعارف الوطنية والأنسانية، كان هذا قبل ان يصبح حضيرة لصخول مذاهب، اكلت منه اخضره، وتركت (روث) عقائدها وشرائعها،  على مهل تتعفن عن احزاب طائفية ومليشيات بربرية.

3 - قديم الأشياء يجب ان يترك مكانه للجديد، الناس والأفكار والمفاهيم والتقاليد ومستهلك الثقافات، يجب ان يأخذ الجديد مكانها، حتى الخطاب الديني’ عليه ان لا يطيل الأقامة في التاريخ، حتى لا يقطع صلته بالحياة، فتقطع الأجيال صلتها به، ما يحدث في العراق، اعصار تغيير انفجر من صميم الأشياء وعمقها، انها ولادة زمن جديد، من يحاول اعاقته الى حين، سينكسر ويُسحق في وقت لاحق، التغيير حقيقة عراقية، ليس كألأفعى تغير جلدها وتنصرف، انه البركان يغير وجه الأرض ويجدد الحياة عليها،الغابات تغتسل بحرائقها من شيخوخة موتها، قبل ان ترتدي جديد ربيعها، جديد العراق سينتصر على قديمه، وفي دماء الأجيال سيغتسل وجه الأرض، من اوحال التخمر المذهبي، وتنقرض عقائد وشرائع العبيد، ماض تغص به الذاكرة الوطنية والأنسانية، ويصبح العراق سبباً، في ان تقف شعوب المنطقة على اقدامها، فترتدي جديد حياتها ومستقبل آمن لأجيالها.

4 - الأديان التي تسقط في مستنقع فساد الدولة، وتبتلع سماويتها السلطات والثروات وسادية الغرائز، يسقط ريش مقدسها وتتعرى عن بؤس وضعيتها، تاكلها وتتآكل عليها، مذاهب الفتن والكراهية والأقتتال، النزف العراقي الراهن، دماء بشر وثروات ارض، لا صلة لها بأرادة سماوية، انها نتاج شيطنة وكلاء الّهوا انفسهم بالألقاب، ولا غرابة ان تكون ثورة الأول من تشرين 2019، على تراب الجنوب والوسط العراقي، مدهشة بعناوين اهدافها ووعيها وارادة فعلها الشبابي، وسخريتها من مراحل، موتها يقاوم واقع حي يصنع البديل لحياة تتشكل، الخليفة الصغير مقتدى الصدر، ذو القبعة الزرقاء يحلم، في علو لا تناله الا قامات نسور الأنتفاضة، اوهموه فحاول القفز على موجة الجديد، سقط متشظياً وتناثرت شظاياه الزرقاء، بعيداً عن ساحات التحرير، معتوهاً فاسداً كما خرج من بيضة 09/ نيسان/2003، والبيث الشيعي خرافة، تورمت على جسد الجنوب والوسط العراقي.

 

حسن حاتم المذكور

 

عماد عليونحن في انتظار تشكيل الحكومة الجديدة على يد رئيس الوزراء المكلف محمد العلاوي المكبوس بين مطالبات الكتل السياسية ودعوات واهداف المحتجين وتدخلات الاخرين خارجيا، هذا عدا ما يلعبه الاخرون من وراء الستار ايضا في هذا المسار وما يريدون ان يفرضوه سواء على العلاويكي يقبله مرغما  او تسقيطه في حال عدم تلبية ما ينووه فيما يهمهم في هذه اللحظات الحاسمة. المعادلات تعقدت بعدما ناور مقتدى الصدر كثيرا وفشل في العديد منها واخرها فض الاحتجاجات ليمن على المكلف بتشكيل الحكومة ويتسنم هو وكالة السلطةو هو العمل بالوكالة وا ن لم يكن بشكل مباشر. بينما اعتبر البعض من التشكيلات الجاخلية المتصارعة  انها فرصة سانحة ليتكسح الساحة ويهمش اعداء الامس ويبني لنفسه بطريقة ملائمة  وعملية لولبية بين الوضع العراقي وما يهمه اليوم وما تامله ايران من العراق مابعد قاسم سليماني واحتمالية وامكانية احلال بديل عراقي لاداء المهمات القديمة الحديثة لما تتطلبه ايران.

امريكا تترقب وتترصد ما يجري وتتدخل في الوقت الحاسم في كل صغيرة وو كبيرة وان كان سرا وتتحرك بين الموجات الوقتية في لحظتها فيما تربط ما يجري في العراق مع صراعها مع ايران وما يحدث في سوريا ولبنان واليمن بينما تنظر بمنظار اقتصادي وسياسي الى روسيا والصين وما يلمسها من تحركات هاتين الدولتين بسياساتهم المختلفة في المنطقة.

اما روسيا فلا تؤثر مواقفها كثيرا في العراق على الرغم من الاعتقاد بانها تهتم بسوريا قبل اي دولة اخرى وما يُقال مرات كثيرة او في اكثر الاحيان بان تحالفها مع ايران  وتكتيكاتها التي تعرضها على انها تحالفا مع تركيا هي من اجل تتسلم امر سوريا بالكامل بعدما صرفت كل جهدها وامكانياتها لتعيد لها النصاب وتكون ختاضعة لها مشتقبلا. وعليه فان امر العراق وما يجري في مسار السياسة الداخلية هو موضوع ثانويلسوريا  لو قورنت مع اهتماماتها وما يهم مصالحها في سوريا ، بالاخص بعدما تاكدت بان هناك من يمثل اداء  سياساتها في العراق وهي ايران، او تكون سياسات هذه الدولة اي ايران ونفوذها وسيطرتها الكبيرة على ما يجري في العراق هو لصالح سياسات روسيا  اضافة للصين اقتصاديا ايضا.

اما الدول العربية التي باتت متاكدة بان العراق لا يمكن ان يعود الى حضنهم الا ان محاولتهم لتحييده هو الهدف المنشود لهم وبالاخص دول الخليج ومعهم المصر وتوجهاتهم الى منطقة الشرق الاوسط وما تؤثر اوضاعهم  الداخلية على تعاملهم مع ما يجري في العراق والتغييرات التي تحصل هناك كثيرا.

اما داخليا والمكونات التي تنظر الى ما يحصل منذ سقوط الدكاتورية بمنظار المصالح الذاتية الضيقة البعيدة عن مصالح الدولة الموحدة وكل لسببه الحق المقنع، فهناك ترقب وعمل سري وعلني من قبل البعض لتحسين موقعه في قطار العملية السياسية بعد استمرار الاحتجاجات او ما يمكن ان نسميها الانتفاضة التي دامت كثيرا ولازالت مستمرة ومتواترة ومتغيرة المنحنيات قوة وتاثيرا. السنة في وضع لم يشهدوه منذ سقوط البعث في العراق والكورد استعادوا ما فقدوه في مغامرتهم في الاستفتاء سياسيا عدا الاراضي المستقطعة وكلما طالت الانتفاضة وقعت لصالح القضية الكوردية المشتقدة دوما في نهاية المطاف والمرالح المنتظرة من الوصول الى الاستقلال التام بعد فشل عملية القفزة السياسية التي ارادت بها السلطة السياسية الكوردستانية لتحقيق الحلم الكوردي المقدس لديهم.

الامر الواضح على العيان ان الوضع السياسي العراقي تعقّد اكثر من المتوقع سياسيا واجتماعيا وقانونيا منذ استمرار الانتفاضة الشيعية بكل صراحة وما يدور فيها ومن ورائها، الا ان فشل السلطة العراقية التي تديرها الشيعة منذ سبعة عشر عاما جعل العراق في المرحلة الثانية لمابعد السقوط والاحتمالات لما يمكن يخرج به من هذه الحالة كثيرة جدا ووفق مواقف الدول وتحركات القوى والمكونات ومصالح الاطراف الكثيرة وفي مقدمتها ايران وامريكا والموالين للمحاور التي تؤثر على السياسة العراقية.

الحالة الاقتصادية المزرية وشروط المنظمات الاقتصادية العالمية التي وتغلل وتربط ايدي الملمين بالامر اضافة الى الفساد المستشري وعدم وجود شعب موحد بعيد عن العرقية والطائفية مع انعدام الامل في بناء شعب متكامل يؤمن بالدولة في ظل سلطة موحدة، كل هذا يفرض على اي مراقب او متتبع ان لا يرى خروجا سهلا من عنق الزجاجة او القارورة الصغيرة المهلكة التي وقع فيها العراق، او يمكن ان نقول اوقع فيها دون ارادته او نتيجة ما فرضته الامور السياسية والتحركات الخاطئة عليه، او خفض مستوى الوعي وفي مقدمة الاسباب هو عدم انسجام المكونات نتيجة ما تفرضه الاختلافات السياسية التاريخية والجغرافية ومحاولة تغطية ما جرى ويجري وتجسد  بشكل مزيف او بعمل ورقي بعيدا عن تحقيق تطلعات كل مكون او تركيب الذي يختلف ما يحمله من الاهداف عن الاخر. وعليه فان اي تحرك عراقي سياسيا سيطفوا ما يخبئه التاريخ او ما فُرض عليهم  بالقوة والتعنت دون قناعة ذاتية ويطفح السيل.

 فهناك حلول جذرية نهائية وحلول تكتيكية مؤقتة مرحلية، وان توصل الجميع الى قناعة بالحلول الممكنة والجذرية دون اي مزايدات التي لا تحل ولا تربك اي شيء لما فيه العراق فانه يمكن ان ينتقل العراق الى مرحلة متقدمة من الوصول الى الاستقرار الدائمي  المؤمل منه، الا ان الشعارات والادييولوجيا والانتماءات الغيبية والاستناد على الثقافة والكلتور الخاص لما يعرف بالشعب نظريا فقط والذي لا يعلم اين مصلحته ان جاءت الامور العاطفية التي تفرض نفسها عليه وهي التي  تغل عنقه ويدخل به في عالم الغيب دون ان يتعمق فيما هو الاصح والمفيد لاجياله المقبلة.

 اننا لا نعتقد او نتصور خروجا نهائيا من عنق الزجاجة بهذه التشكيلة السياسية ونظرتهم الى البلد والشعب وما موجود بذاته بعيدا عن الخيال والاستناد على الوضع القائم والعقلية التي تدير الدولة منذ تاسيسها او بناءا على الضغوطات المتعددة المختلفة الشكل عليه مع تقاطع المصالح الكثيرة التي ترى اصحابها موجودة في هذا البلد ولا يمكن ان يضمنها الا بالتدخلات الواضحة الفاضحة ايضا وان انكروا ذلك ما يراه المتابع جهارا نهارا.

 

عماد علي

 

حسين سرمك حسنالصرخة النهائية المرعبة للحرب في قصة "زوجة محارب"

"الساعة تقارب الحادية عشرة مساءً، المطر في الخارج، ينزل برفق، تكاد لا تسمع له صوتاً. لكنك إذا ازحت الستارة، عن النافذة قليلا ً، فسوف ترى اسفلت الشارع المبلول يلتمع في ضوء المصابيح، صوت المغنية ياسمين الخيام يتردد، خفيضا ً، عذبا ً في فضاء الغرفة، وانا أقرأ مسرحية عن الحرب، للكاتب البريطاني " جون كوري "حيث يقول جندي جريح:

" سوف اجلس في الايام الجميلة في الشمس،

اشعر بها تدفىء قناعي من القطن الطبي،

رجل دونما أنف، ونصف فروة رأس،

ربط فكيه بالأشرطة، والخرق البيض،

ينصت للنسيم،للأقدام العابرة،

لسيقان النساء الرقيقات. "

ان قراءة مثل هذه الكلمات، من رجل عاد من الحرب مثخن بالجراح، تجعلك تقاوم الشعور بالإحباط، وتواصل الكتابة. "

مهدي عيسى الصقر

من كتابه " وجع الكتابة "

***

في العام 2001 كنت قد اصدرت الجزء الأول من كتابي عن المبدع " فؤاد التكرلي "، ثم بدأت بالإعداد والتحضير لكتابة مسودات الجزء الثاني، فكان لزاماً علي ّ أن أتابع وأحفظ و (أؤرشف) كل ما يصدره المبدع من روايات وقصص وأغلب ما ينشره من مقالات ولقاءات صحفية. في نفس الوقت كنت اوشك ان انهي الجزء الأول من مشروعي عن الراحل الكبير " مهدي عيسى الصقر " والذي نشر فيما بعد بعنوان" مخيرون بالشعور، مسيرون باللاشعور " عن دار الشؤون الثقافية ببغداد المحروسة. وكنت ولنفس السبب أجمع كل ما ينشره " الصقر" وأغلب ما يكتب عنه. في لقاء صحفي اجري مع المبدع " التكرلي "، لفتت انتباهي إشارة منه الى قصة مهمة أعجبته كثيرا ً للراحل " الصقر " اسمها " زوجة محارب ".

ولأن هذا النص يقع ضمن مشروعي الضخم عن أدب الحرب والذي اسميته " أدب الحرب الكبير يكتب بعد الحرب " وصدر الجزء الأول منه بعنوان " قطار الشظايا الندية " فقد ارسلت رسالة الى الاستاذ " الصقر " بيد العزيز الشاعر الراحل " حسين الحسيني" الذي كان حلقة الوصل بيني وبين " الصقر " ينقل وبكل تواضع ــ طلباتي من الصقر ويأتيني بكل ما أحتاجه منه فكان له فضل كبير في الإعداد لكتابي عن الراحل. بعد تأخير بسيط سلمني " الحسيني " رسالة من الاستاذ " الصقر " ثبت تاريخها في أعلى الصفحة " السبت، 24 شباط، 2001 " يعتذر فيها الراحل عن التأخير بسبب انشغاله في متابعة طبع مجموعته القصصية الجديد " شواطىء الشوق "، مع إرساله نسخة من قصة " زوجة محارب " والتي يشير إلى انها لم تنشر حتى الآن ولم يفكر بعد في ادخالها في اية مجموعة.

قصة هذه القصة كما يرويها كاتبها:

في كتابه " وجع الكتابة ــ مذكرات ويوميات ــ دار الشؤون الثقافية العامة ــ بغداد ــ 2001 " يروي المبدع الراحل " مهدي عيسى الصقر" الكيفية التي التقط فيها موضوع قصته" زوجة محارب " والآليات الواعية واللاواعية التي فعلت فعلها في تحويل هذا الموضوع الى نص ابداعي:

" 9 كانون الأول (ديسمبر): 1999

انتهيت من كتابة اقصوصة اسميتها (زوجة محارب) شغلتني تسعة ايام، اذ كتبت عدة مسودات لها، حتى اقتنعت بانها اكتملت بشكل لابأس به. حفزتني الى كتابة هذه الاقصوصة رؤيتي لإمرأة تخبز في تنور، على قارعة الطريق، في فسحة من الارض، امام هيكل لقصر كبير ما يزال العمال بشتغلون في اتمامه، اشتريت منها خبزا ً لأعرف حكايتها. قالت ان أباها يعمل حارسا ً للبناية وانهم يعيشون في احدى الحجرات " هناك " واشارت الى حجرة ما يزال بابها ونوافذها، محض فتحات يغطيها خليط غريب، من الخرق والاسمال واكياس الاسمنت (الفارغة)، وان امامهم بعض الوقت، حتى يكتمل البناء ويأتي اصحابه، ليقيموا فيه، وهي تعمل لتنفق على علاج زوجها الذي عاد من الأسر، لدى الاعداء، يحمل معه جرحا ً في ساقه. ولم تكن حاله سيئة كثيرا ً، الا ان قرحة نشأت بعد ذلك، في مكان الجرح، واخذت تنخر في الساق والاطباء ينصحون الان ببترها. شاهدت معها طفلا ً صغيرا ً جميلا ً بشعر اشقر يلمع في الشمس، يلعب بالحصى على مسافة قريبة، عرفت انه ابنها، طلبت مني المرأة ان اساعدها في حمل طست العجين، من داخل الحجرة، تبعتها، وعندئذ شاهدت زوجها المصاب، راقدا ً تحت الاغطية في احدى الزوايا، يعاني اوجاعه، في صمت، عيناه تلتمعان، في العتمة، وفي نظرته الينا ــ انا وزوجته ــ احساس بالحرج والهوان، اذ يرى امرأته تستعين برجل غريب " (ص 66 ــ 67).

ويلخص الراحل المبدع فلسفته في استثمار ما هو واقعي وتحويله الى عمل خلاق ونظرته الى انفعال الكاتب وانفعال المتلقي ونظرته الى جانب من غاية الفن واهدافه الاجتماعية فيقول: " اذا اردنا شيئا ً من البقاء لما نكتب (لبعض الوقت، طبعا ً اذ لاشيء يدوم في النهاية) فعلينا ــ في تقديري ــ ان نكتب عن شيء يترك صدى في نفوس الآخرين. وليس شرطا ً ان يكون الموضوع الذي نتناوله كبيرا ً، يكفي هاجس بسيط يحرك مشاعر القارىء، ويترك في نفسه اثرا ً يدفعه الى قليل من التأمل " (ص 67). وفي يوميات تشرين اول (اكتوبر) 1990 يعود ــ وبعد ان اكمل كتابة هذه القصة " زوجة محارب " ــ الى ذكر تفصيلات اكثر اهمية وتتصل بآليات عملية الخلق الابداعي بصورة اكثر حميمية وسخونة فيقول:

" خرجت في مسيرتي اليومية. السماء خالية من الغيوم، والهواء معتدل. مررت بالمرأة، التي كتبت عنها قصتي القصيرة " زوجة محارب ". وجدتها ما تزال تقف، بجوار تنورها، تخبز، وعلى مسافة ليست بعيدة جلس زوجها، الذي عاد من الأسر لدى الاعداء، يحمل جرحا ً في ساقه، المرة الأولى التي اشاهده فيها، خارج الحجرة المعتمة، حيث كان يتمدد، في الزاوية، يعاني آلامه ويأمل في شفاء قريب، في النهاية. غير ان الجرح راح ينخر في العظم، فاضطر الرجل في النهاية، الى الرضوخ، لمنشار الجراح، وها هو الآن يجلس علر حصيرة فرشتها له زوجته، على الارض، يغطي ما تبقى من ساقه المبتورة، بذيل دشداشته، يتأمل زوجته تخبز، ويداعب طفله الصغير، الجالس بجانبه، وبجواره، على الحصيرة، تستلقي عكازته المعدنية، تلمع في ضوء الشمس.. هؤلاء، إذن، هم شخوص اقصوصتي، جاءوا من المجهول (فانا لا اعرف عن ماضيهم شيئا ً) ودخلوا حياتي (او لعلي انا الذي اقتحمت عليهم دنياهم) وتركوا بصماتهم في ذاكرتي، ثم خرجوا، عند الجملة الأخيرة من اقصوصتي، ليتابعوا حياتهم، بعد ذلك، بمعزل عني، وبعد ان غيرت كلماتي من ملامحهم، وبعد ان لوَن كل طرف حياة الطرف الآخر، واضاف اليها ظلالا ً، ما كانت موجودة من قبل، تأملت البناء، الذي يعمل فيه والد المرأة حارسا ً، رأيته يوشك ان يكتمل. لقد تحدد مسار حياة هذه العائلة، خارج سياق القصة، دون تدخل مني، اذ سيأتي اصحاب البيت يقيمون فيه، ولن يكون لوجود الحارس ضرورة، وسف يهدم التنور، الذي بنته ابنة الحارس، لتعيل زوجها المعوق وابنها الصغير، وستحمل العائلة امتعتها القليلة، ويتوكأ الزوج، على عكازته المعدنية، ويرحلون جميعا ً، نحو مصائرهم المجهولة، ولن يتبقى منهم غير كلمات قليلة على الورق ربما تكون اكثر ثباتا ً من واقعهم المهزوز. " ثم يختم هذه اليوميات المتعلقة بالقصة بالعودة الى الحديث عن المسافة (الانفعالية) المحسوبة بين المثير / الموضوع / الواقع وبين المستجيب / المبدع خصوصا ً عندما يكون الكاتب مكتويا ً بنيران المحنة التي تحاصر مجتمعه ويتقلب على السنتها شخوص قصصه فيقول:

" لكي تستطيع ان تكتب، وسط المعاناة اليومية، التي تمس حياتك، وحياة الآخرين من حولك، تحت جور الحصار واعراضه الجانبية، يتوجب عليك ان تفلسف الامورمن اجل ان تحمي نفسك من الصدمات العاطفية، خصوصا ً اذا كنت تكتب عن اشياء ربما تكون بعيدة عما يكابده الآخرون، هذه الايام " (ص 88 ــ 90).

تأملات تحليلية: من ارض الواقع الى سماء المخيلة:

كيف نقل " مهدي عيسى الصقر " الحدث من ارض الواقع الصلبة الى (ارض) النص الرجراجة مستدعيا ً من مخزون ذاكرته ومشكلا ً اياه في سماء مخيلته ؟ يبدو الحدث بسيطا ً وبعيدا ً عن التعقيد في شكله الموضوعي (الخام)، كما ان النظرة المباشرة والسريعة تشير الى انه بقي ايضا ً بسيطا ً بعد ان حوله المبدع الى اقصوصة. لكن النظرة التحليلية العميقة الى استكشاف اغوار النص تظهر غير ذلك في قصة يعد صاحبها من رواد المدرسة الواقعية في الكتابة القصصية في العراق منذ ان نشر مجموعته الاولى " مجرمون طيبون " في العام 1954 والتي كتب مقدمة لها الشاعر " بدر شاكر السياب ". يرى " الصقر" ان شخوص الفصة: الإمرأة وزوجها المعاق وطفلها قد جاءوا من المجهول لانه لا يعرف عن ماضيهم شيئا ً ودخلوا حياته، ثم يضع صيغة احتمالية تقول " او لعلي انا الذي اقتحمت عليهم دنياهم، في حين ان الصيغتين ينبغي ان توضعا في هيئة معادلة متوازنة يحكم كلا ً من طرفيها شروط خاصة. فعمليا ً وجدنا ان " الصقر " وعبر رياضة المشي التي يمارسها كجزء من طقوسه الابداعية ــ هو الذي التقط الحدث اولا ً ثم اقحم نفسه في عالم هذه العائلة الصغير ثانيا ً ليعود و " يتلاعب " بحيوات الشخوص وفق مشيئته الابداعية ثالثا ً. وهو حين يضيف الصيغة الاحتمالية (اة لعلي انا...) فانه يحاول التخفف من الشعور بالذنب، لأن أي فعل ابداعي ينطوي ــ في ذاته ــ على بعد " جرمي "ونوايا "جنائية "اذا جاز التعبير لأن فيه خرقا ً بحدود لحيوات اخرى وإقلاق لمسارات الآخرين السلوكية ومحاولة ماكرة لفضح خصوصياتهم من ناحية والتملص من الدوافع الشخصية المسمومة للمبدع من خلال اسقاطها عليهم من ناحية اخرى. شخوص المبدع ما هي إلا " اكباش فداء اسقاطية " في الغالب. وضمن افرازات هذا المخطط الاسقاطي يأتي الشكل (المتناقض) للعبارة التالية "... ثم خرجوا...بعد ان غيرت كلماتي من ملامحهم، وبعد ان لوّن كل طرف حياة الطرف الآخر، واضاف اليها ظلالا ً، ما كانت موجودة من قبل ". ان المبدع هو الذي يخرق حدود و " حرمات " حيوات الآخرين ــ الفعليين او المتصورين ــ ويغير ملامحهم بنواياه وكلماته ويمنحها ظلالا ً جديدة مسقطة من مخزونه اللاشعوري ومكبوتاته بشكل خاص. ويبدأ هذا " التعدي " من لحظة (الانتباه) الى الحدث الواقعي والذي تتم اعادته من خلال (الالتفات) لجزئية بسيطة او لتفصيل دقيق يمثل عود الثقاب الذي يشعل حزمة الحطب المختزنة والمرجأة طويلا ً، وفي ذلك لا تلعب الشروط الموضوعية سوى دور ثانوي وتحكم الشروط الذاتية جل آليات الانتباه والالتفات. فكم من المبدعين شاهدوا امرأة تخبزامام هيكل لقصر كبيرلم يكمل بناؤه بعد ولم يلتقطوا (اهمية) هذا المشهد ؟ قد يكون " مهدي عيسى الصقر " هو " الكاتب " العراقي الوحيد الذي أقام قصة على اساس مشهد (بسيط) (التقطه) مصادفة وهو مشهد امرأة تخبز امام هيكل قصر لم يكمل فقرر اقتحام حياتها كما قال في يومياته: " حفزتني الى كتابة هذه الاقصوصة رؤيتي لامرأة تخبز في تنور.. فاشتريت منها خبزا ً لاعرف حكايتها ". وعزم الكاتب على التعرف على الحكاية يرتبط بـ (اهمية) الذي حرك سبابته وأغوى الكاتب واستدرجه.. وهي اهمية لا يمكن فهمها مطلقا ً دون ادراك المعنى الرمزي الذي يحمله المشهد بالنسبة للاشعور الكاتب. ويتجلى الدورالحاسم لهذا المعنى الرمزي من خلال مظاهر عديدة من بين اهمها (الانتقائية) التي يتعامل بها الكاتب مع مكونات موضوعه. فقد توفر للصقر (موضوع) اكتملت احداثه على مرحلتين:

المرحلة الاولى وهي التي ذكرها في يوميات يوم 9 / كانون الاول /1989حيث شاهد امرأة تخبز في نتور على قارعة الطريق امام قصر في طور التشييد. علم من الزوجة ان أباها ًيعمل حارسا ً للبناية وهي تعمل لتنفق على زوجها الذي عاد من الأسر بجرح في ساقه تطور الى قرحة فساءت حالته ويقترح الاطباء ــ الآن ــ بتر ساقه. شاهد طفلها يلعب بالحصى، طلبت منه مساعدتها في حمل طست العجين من الحجرة فشاهد زوجها المصاب.

المرحلة الثانية هي التي ذكرها في يومياته لشهر تشرين الاول / 1990 ــ أي بعد سنة تقريبا ً من اللقاء الاول ــ حيث شاهد ــ من جديد ــ المرأة تخبز في التنور وزوجها ــ اذي بترت ساقه الآن ــ يجلس على حصيرة يتأمل زوجته ويداعب طفله، بجانبه تستلقي عكازته المعدنية وهي تلمع في ضوء الشمس.

فما الذي انتقاه الصفر من هاتين المرحلتين ؟ ما الذي ابقاه من مكوماتهما وما الذي اهمله ؟ وما الذي تلاعب به وكيف تم هذا التلاعب ؟ وما هي (المصلحة) او (المصالح) النفسية اللاشعورية التي تقف وراء ذلك ؟

لقد انتقى الصقر ــ وهو امر له مدلولات فنية ونفسية كبرى ــ المرحلة الاولى فقط وأتم قصته ــ او اقصوصته حسب وصفه ــ خلال تسعة ايام بعد ان شاهد المرأة للمرة الاولى. لقد اكتفى بما اطلع عليه من تفصيلات عن حياة شخوصه في تلك المرحلة واهمل كل تفصيلات المرحلة الثانية بصورة كاملة، اهملها ليس لأنها غير مهمة بالنسبة لمصائر شخوص قصته ولكن موقفه (الفلسفي) هو الذي فرض ذلك الموقف كما سنرى بعد قليل. وعندما نقرأ القصة " زوجة محارب " بدقة وأناة سنجد ان القاص قد جعل المرحلة الثانية متضمنة ومتداخلة ضمن حوارات القصة ومستشرفة وهذا هو عمل الفنان الأكثر اهمية بصورة ايحاءات غير مباشرة نثرها في مواقع مختلفة من مسار سرد وقائع المرحلة الاولى. لقد اطمأن القاص الى ان ما التقطه في المشهد الأول امرأة تخبز على قارعة الطريق ــ من المرحلة الأولى هو المفتاح السحري والبسيط الملقى على قارعة الطريق ــ كما يتحدث الجاحظ عن المعاني ــ هو الذي سيستطيع استخدامه لفتح بعض خزائن لاشعوره التي تتململ شياطينها المغوية منذ زمن، يستخدمه دون ان يلفت انتباه احد ــ سوى المحلل الناقد طبعا ــ وسيصرف مكبوتاته تحت اغطية الفن الأخاذة وسوف يحصل ــ فوق ذلك ــ على اشباع ذاته من خلال توكيدها في لحظة الابداع الفائق ومن خلال مباركة المتلقين المسحورين بالعاب فنه المغيبة.

في القصة تحول الصقر الى (الرجل) حيث تروى الأحداث بصيغة الشخص الثالث حيث يقول في الاستهلال:

" وقف الرحل يتأمل في شيىء من الاستغراب المشهد الذي تكشف امامه.

بدا له المشهد دخيلا ً على معالم ذلك الحي المترف، الذي اختار ان يمارس رياضة المشي فيه ذلك اليوم في فسحة من الارض، على مقربة من دار جديدة، لا زال العمل يجري في بنائها، رأى تنورا ً من الطين وامرأة بثياب بنية قاتمة تلملم حطبا ً "

والشيء الاول الذي فعله القاص في الاستهلال هو اثارة درجة من الشعور بالدهشة في نفس القارىء بسبب المفارقة الناتجة عن وجود امرأة ذات مظهر (ريفي) تتهيأ لسجر تنور قرب قصر منيف وهو امر لم تعتده السياقات الاجتماعية العراقية، أي انه حول الدهشة التي تملكته فعليا ً كما ذكر في يومياته الى الرجل، ليرسخها في ذهن المتلقي، ومثلما اقحم ناسه في عالم المرأة الصغير، أقحم (رجله) في حياتها أيضا َ:

" هل تبيعين خبزا ً ؟ " رفعت رأسها ونظرت اليه:

ــ نعم لكنني لم اسجر التنور بعد.

ــ سأنتظر.

فرش الرجل منديله، فوق مجموعة من الاحجار، وجلس يرقب الطفل يلعب وحده بين مواد البناء ".

ثم تأتي واحدة من العاب اللاشعور الخلاقة في صورة فنية تعزز حبكة القصة لكنها تكشف جانبا ً مهما ً من دوافع القاص من ناحية ومن آليات العملية الابداعية من ناحية اخرى. تطلب المرأة من الرجل أن يساعدها في جلب طست العجين من داخل الغرفة. " فوجىء بوجود رجل آخر معهما داخل الحجرة.. كان الرجل يتمدد ساكنا ً بين طيات الفراش.. عيناه تتابعان حركاتهما، هو والمرأة باهتمام، وفي شيىء من عدم الارتياح، وتلمعان في محجريهما، مثل عيني حيوان حبيس.. " وعندما يخرجان بالطست يعود الرجل ليجلس في مكانه فوق الاحجار ويسأل الإمرأة: " ابوك يبدو مكدرا ً.

فتجيبه:

ــ ليس هذا ابي. هذا زوجي ".

القاص في المرحلة الاولى من يومياته ــ يشير إلى ان الإمرأة اخبرته بأن زوجها ــ الأسير العائد ــ قد اصبح معاقا ً وانه حين تبعها إلى الحجرة لمساعدتها في جلب طست العجين شاهد زوجها المصاب راقدا ً تحت الأغطية يعاني أوجاعه، في صمت وعيناه تلتمعان في العتمة فلماذا تلاعب بهذه المعلومة وجعل الرجل في القصة يعتقد بان الرجل الممدد في الحجرة هو ابوها ؟ لقد خلق القاص لعبة ابداعية تعزز انشداد القارىء لكنها كانت مصيدة تكشف ما خفي من دوافعها. وهذه الدوافع المستترة لا يمكن الامساك بها دون العودة ألى المغزى الرمزي الذي التقطه من رؤية المشهد الأوال: امرأة تخبز في تنور على قارعة الطريق. لقد أثار هذا المشهد دهشته وحماسته في وقت واحد " فقرر ان يعرف حكايتها " أي يطلع على طبيعة الظروف التعيسة التي اوصلتها إلى هذا الحال المزري. وعلى الرغم من كل مظاهر نضجنا وتقدمنا في العمر، تبقى الدفعات الاوديبية الطفلية لائبة في اعماقنا وقد تثيرها مشاهد (يومية) بسيطة مثل مشهد الامرأة التي تخبز على قارعة الطريق وسط العمال الغرباء الذين يقومون بتشييد القصر المنيف، وفي مقدمة تلك الدوافع ما يرتبط بـ (عقدة الانقاذ) المستلة من التاريخ النفسي الطفلي حيث ترسخ في روح الطفل قناعة مفادها ان الأم (موضوع الحب الأول والأخير " هو هدف بحاجة إلى جهده الإنقاذي دائما ً كما ان عملية الخبز وتأثيرها وما تثيره من تداعيات نفسية اسطورية والمعالجة الامومية البارعة التي تتضمنها تعزز تحقيق تلك الدفعات في نفس الابن ــ القاص ــ الرجل. وليس عبثا ً ان نجد مماثلة عامة لدى اغلب الشعوب بين حبة القمح والاله الابن في موته وانبعاثه وحاجته الدائبة والملتهبة للإنقاذ والتي تنقلب وتسقط على الام (والاهداف الانثوية البديلة لها) كهدف يستدعي كل محاولات الإنقاذ في حين ان التاريخ الاسطوري بأكمله يشير إلى ان المخلص الأول هي الام العشتارية التي فاقتها بمراحل الام العراقية الأسطورة، ومن نماذجها هذه الإمرأة التي يشير القاص إلى انها تعيش في حجرة متربة بابها ــ باب خصوصيتها الأسرية والجنسية ــ من الخرق والاسمال وأكياس الاسمنت الفارغة، وتعمل مكدودة لتنفق على علاج زوجها (منقذها المفترض) وطفلها الوحيد، في ظل حاضر محطم يائس وانتظار لمستقبل اكثر قتامة وافدح خسارة، هذا الولاء الامومي الساخن هو الذي اثار انفعال القاص في الواقع والرجل في القصة بمشهد الامرأة الأول، وهو (من ناحية ثانية) العامل الرئيس الذي جعل القاص يكتفي بالمرحلة الأولى من الحدث ويهمل عملية بتر ساق الزوج المعاق (رغم طابعها المأساوي) والتي أشار إليها في المرحلة الثانية (فهذه القصة هي قصة المرأة المعذبة / الأم والحاجة لإنقاذها). وهذه الدوافع هي التي جعلت القاص يضع الرجل في القصة في موقع قناعة خادعة في ان الرجل الممدد هو ابوها. من الواقع إلى القصة اشتعلت الدوافع الدفينة الضاغطة فأزاح الزوج المعاق والمحبط عن طريق جهده الإنقاذي. وهذا واحد من أهم دوافع العملية الإبداعية.

مداخلة مهمة:

لأن المؤلف (بالنسبة لمنهجنا التحليلي)لا يموت، وانه يتمظهر من خلال سلوكيات ابطاله ويقف (مباشرة) خلف افعاله، يمكننا ان نلتقط دلائل موحية (وقد نكون غير مباشرة) من تاريخ المؤلف الشخصي وأدلة من منجزه الإبداعي تعزز الاستنتاجات السابقة. في كتابه " وجع الكتابة " يتحدث (مهدي عيسى الصقر) عن حادث موت أمه وهو يقول: "عندما دهم أمي المرض، كنت أبدو وأنا اسمعها تتوجع، في ساعة احنضارها جلست عند رأسها نظرت إلى وجهي، بعينين ذاهلتين، وتساءلت: (ليش ؟)

تريد أن تعرف لماذا يتوجب عليها ان تموت، هذا السؤال الفلسفي (العقيم والأزلي) مع ذلك (ندّ عنها هي المرأة البسيطة) في لحظة جزع... لحظة رعب. لم أقو على مواصلة النظر في عينيها. شعرت بما يشعره الانسان، في مواجهة مصيره المحتوم، ومصائر الآخرين... العجز التام من فعل شيء. تشاغلت بالتحديق إلى الجدار الأصم وراء السرير. عندما ارتفع النشيج من حولي عرفت انها أطبقت أجفانها، غير ان عيني لم تدمعا وجدت في رحيلها خلاصا ً لها من عذاب لا مبرر له. مددت يدي أحاول أن اعدل رأسها الذي سقط عن الوسادة، فصدمني إحساس غريب.. إحساس يأني ألمس (شيئا ً).. لا انسانا... لا ألمس أمي.. فجأة بدت غريبة عني.. عنا جميعا ً. انقطع في أقل من جزء من ثانية، كل ما كان بينها وبين دنيا الناس، وانتسبت إلى عالم الأشياء وذهب هدرا ً ما كانت تكتمه من حاضر، ماضي، وذكريات، وتجارب، وأحلام، وعلاقات صداقة، وارتعاشات حب، وتوقعات، وخطط في المستقبل.. كل شيء. كان ذلك أول لقاء لي مع الموت...

ولكن يالها من نهاية... " (ص 14 ــ 15)

ويبدو ان هذا الخذلان المرير هو اول فشل تمنى به الرغبات الإنقاذية المكبوتة لدى الصقر الصغير. ومن يقرأ الجملتين الأخيرتين: (كان ذلك أول لقاء لي مع الموت) و (ولكن يالها من نهاية) فسيجد الارتباك واختلال الرابطة العضوية والسردية بينهما، وقد يكون صحيحا ً ان نقول يالها من بداية ارتباطا ً بكون فاجعة وفاة أمه تمثل أول لقاء له مع الموت / المثكل، أو تصاغ الجملة الثانية بطريقة تبين ان المقصود بـ (ولكن يالها من نهاية) هي نهاية الأم، لكن هذه الربكة مصدرها ان (الصقر) قد اهتز كيانه الصغير ــ آنذاك ــ حيث خلع من (أناه) الشخصي جزء كبير من خلال فناء الأم الحبيبة التي استدخلها كجزء اساسي من أناه. ومن يتابع حياة الصقر من خلال أحاديثه والوقائع الأساسية من حياته كما سردها في كتابه (وجع الكتابة) من ناحية ومن خلال تحليل أعماله الروائية والقصصية من ناحية اخرى سيجد ان هناك عاملين أساسيين ــ من بين عوامل أخرى أسهما في نمو وصيرورة المضامين الرئيسة في نتاجه وفي سلوكه وهما: سطوة قلق الموت من جانب وعقدة الإنقاذ من جانب آخر. لقد اشتعل قلق الموت في روحه منذ اللحظة التي فجع بها بوفاة أمه وعجزه المرير عن الإجابة على تساؤلها المشروع واليائس وهي تحتضر: (ليش ؟). وتساؤل الأم البسيط والمباشر هذا هو سؤال الإنسان الممتحن الأزلي، السؤال الأكبر المحير الذي لا جواب له، السؤال الذي يشكل كل المسافة بين الله والإنسان، بين السماء والأرض.

أبو الهول يسأل بين (اوديب عند باب (طيبة)السؤال الساذج ــ الحزورة: من الذي يمشي على أربع في الصباح وعلى اثنين... إلى آخره، بينما يطرح في جلجامش السؤال المزلزل: لماذا اموت ؟ فتأتي الملحمة التي كتبها الشاعر المجهول كعلاج إبداعي لشعور الإنسان بالقابلية على الإنجراح وكسبيل لتأمين الإحساس بالخلود جزئيا ً. وهي نفس المحاولة الالتفافية التي يقوم بها الصقر من خلال فعله الإبداعي الذي يقوم في أغلبه على موضوعة الموت والخراب وكخيار شخصي آسر لتخفيف الشعور بقلق الموت الموجع وفي عملية الكتابة (الموجعة) يقوم المبدع بـ (خلق) شخوص والتلاعب بمصائرهم، يحيهم ويميتهم ويخلق لهم واقعا ً على الورق هو اكثر ثباتا ً من واقعهم الفعلي المهدد كما فعل مع هذه العائلة الصغيرة التي تتزعمها وتقودها (زوجة المحارب) التي شاهدها تخبز على قارعة الطريق. ولأن هذا المبدع يعيش على ارض الرافدين، ارض اللونين المفضلين لآلهتها وهما الأحمر والأسود فان قلق الموت الممضي لأن يموت حتى الموت.

هناك عوامل مضافة في أرض الرافدين تشعل حدة هذا القلق اكثر من أي مكان على وجه المعمورة. فزوج هذه الامرأة الذي أهمل القاص دوره كما عرضه في (المرحلة الثانية) وقدمه متضمنا ً في سرد وقائع المرحلة الأولى من خلال تركيز السرد حول الشخصية المحورية وهي الزوجة / الأم، لم يهمله لضرورات فنية فحسب بل لضرورات موقف (فلسفي) مفاده ان مسيرة الخراب مثابرة وجنب الخطى بلاهوادة على هذه الأرض الثكلى. فمقترح بتر ساق الزوج المحارب السابق ستتم شئنا أم أبينا وهجرة العائلة / وقد يكون ضياعها / بعد ان يكتمل بناء القصر، بحثا ً عن قصر جديد تحرسه لغيرها ممن يضدونها طبقيا ً ويمتصون عرقها ودمها سوف يتحصل حقا ً رغم كل نوايا المبدع الخيرة. والمصيبة ان هذا المحارب الذي عاد من الأسر ــ من الخارج ــ بعرج خفيف في ساقه كما تقول الامرأة في القصة قد اكتمل خرابه الشامل في وطنه ــ في الداخل ـــ وقد عاد إلى وطنه الذي دافع عنه ليجد انه ــ هذه المدة ــ فعليا ً هو نفسه بلا وطن، وهاهو يعيش مع عائلته حياة اقرب إلى حياة البدو الرحل مع فارق مهم هو ان البدوي يرتحل إلى مكان آخر بارادته واختياره ومعه (بيته) بحثا ً عن رزقه في حين يهاجر هو وعائلته قسرا ً بارادة واختيار قوة خارجية مستغلا ً والفارق المدمر نفسيا ً هو ان للبدوي (خصوصية) في بيته البسيط الذي لا يستطيع أحد خرقها في حين ان هذا المحارب وعائلته بلا خصوصية ولا قداسة لحرمة المكان الشخصي وحدوده. لا كرامة لمحارب في وطنه، وبدلا ً من أن يكون هذاالمحارب ــ كما يعلن صفته ـ قائدا ً لعائلته وحافظا ً لكرامته تنقلب لعبة الأدوار في حياته فتتصدى الزوجة ــ المرأة ــ لتلعب دوره بالإضافة إلى دورها. الفن ليس مواعظ ونصائح وبلاغات. انه رسالة غير مباشرة تقوم على الرمز والتورية. المباشرة تقتل الفن. الفن لا يحاكي الواقع، الفن الحقيقي الباهر هو الذي يبدأ من الواقع ليعود الواقع إلى محاكاته. النماذج الواقعية المرجعية تلهث وراء زهرة عباد الشمس لفان كوخ وكعكة مارسيل بروست وبطيخة يوسف الصائغ. هذا ما يدركه (مهدي عيسى الصقر) بدقة وقوة وهذا ما فعله في قصته هذه " زوجة محارب ". فلو نقل لنا الحدث الواقعي نفسه غير معني بصورة اساسية بالصورة الكلية للحدث، انه معني أساسيا ً بدقائق الحدث وتفصيلاته وكيف يحول هذه الدقائق والتفصيلات إلى رموز غنية بالمعنى من ناحية وكيف (يؤسسها) و(يشخصها) وينفخ فيها الروح من ناحية ثانية مكملة بحيث (يحيا) الإنسان والأشياء في مناخ عضوي حميم تتعاضد كل عناصره على ان تعكس انفعالات الشخوص ومن خلفهم ومعهم المبدع نفسه. وهذا ما قام به الصقر بنجاح هائل. لقد خلق (معاونات) انفعالية تجسد الموقف النفسي للمرأة / زوجة المحارب وتصور / ببلاغة عالية / رسائل الاحتدام والإحباط والصراع التي حممها بدراية وحنكة. على يدي القاص البارعتين يتكلم الحجر. لقد جعل الجامد الأصم يتحدث ويشارك وينفعل بما يجري. ففي البداية ومع بدء حوار الرجل مع الامرأة ومحاولته التعرف على احوالها تتصاعد الأسئلة من عموميتها: " هل تبيعين خبزا ؟ "، " ذاك الصغير هناك أهو ابنك ؟.... " وأين تقيمون ؟ كانت الامرأة تجمع الحطب من الكرب والأعواد اليابسة وتدخلها في جوف التنور.. وكأنه يعد التنور والموقف العام في القصة للانفجار المقبل.. حريق المصير والأسئلة الأكثر خصوصية والاجابات الأكثر ألما ً وفجيعة. تقول الامرأة بعد أن جمعت الحطب اللازم:

" أبي يعمل حارسا ً لهذا البناء، ونحن نسكن معه "

" رآها تحمل علبة صفيح صغيرة، وتسكب قليلا ً من سائل شفاف في باطن التنور.

لم تكن امرأة كبيرة في السن، لعلها لم تبلغ الثلاثين بعد، وإن بدت هزيلة وشاحبة.

" وإذا اكتمل البناء، وجاء صاحب الدار ليقيم فيها ؟ "

" أشعلت الامرأة عود ثقاب، ورمت به، بين الجطب المبلول، ثم نأت بنفسها، فحدث ما يشبه انفجارا ً صغيرا، في جوف التنوروتصاعد اللهب محاطا ً بسحابة كثيفة من الدخان "

" إذا اكتمل البناء وجاء صاحب الدار، عندئذ نبحث لنا عن مالك آخر، يريد أن يبني له دارا ً أو عمارة جديدة ".

أخذ اللهب يتطامن في باطن التنور بقيت ألسنة صغيرة ممزقة وتتراقص عند حوافي الفوهة المتفحمة، في حين ازدادت كثافة الدخان المتصاعد.

" في البداية نبني لنا كوخا ً، وعندما يكتمل الهيكل "....

خمدت سحابة الدخان بعد قليل، فنظرت الامرأة إلى الرجل، في شيء من التردد:

"" هل بوسعك أن تساعدني ؟..."

هكذا ينفعل الجمر/ التنور ويرافق ويعكس انفعالات الامرأة الممتحنة الجريحة المهانة.

وفي حركة ثانية تبدأ أسئلة الرجل ــ من جديد ــ وتتطاير من إطار محايد في ظاهره إلى ان تلمس بؤرة موجعة، وبحركة موازنة تجمع الامرأة الأغصان اليابسة وقطع الخشب الصغيرة وتدخلها في جوف التنور لنقدة الحريق انفعالي (صغير) مقبل.

" ابوك يبدو مكدودا ً ؟ "

" ليس هذا أبي.هذا زوجي "

قالت ذلك ومشت صوب كومة الحطب، ثم عادت ببعض الأغصان... وادخلتها في التنور)...

" أهو مريض ؟ "

تصاعد الدخان كثيفا ً، مرة أخرى من باطن التنور. فجاءت الامرأة بمحراث حركت به النار فبدأت ألسنة من اللهب تلوح متصاعدة من الفوهة المتوهجة وسط سحابة دخان لم تلبث ان اخذت تخفت وتتبدد)...

وحتى حركات الطفل الصغير الجميل " ابن الامرأة " وصفها القاص بصورة تخدم الموقف النفسي العام في القصة من جهة والموقف النفسي للإمرأة وانفعالاتها من جهة اخرى.

ففي الاستهلال وحين يكون الموقف وصفيا ً محايدا ً يلمح الرجل الطفل يدرج حافيا ً في الشمس فهذه حركة تمهيدية تقدم نظرة عامة. وبعد ان تتصاعد حركة " الحريق " الثانية ثم تهدأ تسأل الامرأة الرجل عن عدد الأرغفة التي يريدها يمنحها القاص فرصة هدوء ويروح الرجل " يتأمل الصغير، يلعب بحبات الحصى.. طفل صغير جميل بعمر سنة او اكثر قليلا ً، شعره الخفيف مثل زغب اشقر، يضيء في الشمس "

شيء من برودة الانفعال واستقرار الاستجابة في ظل المحنة تجلب الإمرأة طاسة الماء وتبدأ بعمل كرات العجين وتقول للرجل ان زوجها أمضى في الأسر ست سنوات أي ان الخراب قد أصبح واقعا ً راسخا ً " لمح الطفل رغيفا ً محترقا ً، مهملا ً فوق الأحجار فمضى إليه كسر له قطعة صغيرة من الرغيف ودسها في فمه " وحين تبدأ المرأة بعرض معاناة زوجها المعاق للرجل وكيف ان القرحة أكلت لحمه ووصلت إلى العظم وان الأطباء يقولون لابد من بتر الساق... صرخ الطفل متوجعا ً إذ سقط الحجر على قدمه، فجزعت الامرأة تركت عملها وهرعت إليه "..ساق أخرى تشكل مصدر التهديد لهذه الأسرة المحاصرة وكأن القاص يجري مقابلة بين ساق الزوج المحارب المهددة بالبتر المؤكد وبين قدم ابنه الصغير والممتحن المشترك في كل هذا الخراب هو الإمرأة / الزوجة/ الأم.

نصل الآن الذروة القصصية، ذروة هادئة تخصص الصقر في تصميمها واخراجها في إبداعه القصصي، هادئة من حيث إيقاعها الداخلي ومفرداتها اللغوية ولكنها محتدمة وعاصفة في مراميها النفسية البعيدة التي تدين الحرب وفي تحديد الخط الأحمر الذي يفصل أهم أسباب إطالة أمد الحرب التي شهدتها البشريةعبر تاريخها الشيطاني المرير. فالرجل يطرح أمام الإمرأة المحطمة تصورا ً للاستهلاك المنطقي البارد مخدوعا ً بالاستجابة متبلدة الحس لهذه الإمرأة التي كانت تتكلم عن محنة زوجها ــ بهدوء وسيرة محايدة، بلا غضب وبلا ضغينة مثلما يتكلم إنسان عن كارثة من وضع الطبيعة... تتكلم عن محنتها وهي تكور العجين بحركات سريعة متقنة بمعزل عما يشغل ذهنها في تلك الساعة في القصة في لحظة ذروتها النهائية. يخدع الرجل باستجابة المرأة هي لكن القاص المبدع (الصقر)لا يخدع وهنا يقدم (فلسفته) التي تمسخ كل التحليلات الرسمية التي تتزيء بأزياء المسلمات المتفق عليها وفق نمطية اجتماعية زائفة رغم ضروراتها الوطنية والحياتية. العلم لا علاقة له بالانفعال وحتى الشهادة في علم النفس هي شكل من اشكال الانتحار.

" تمتم الرجل في شرود:

ابنك الصغير هذا سوف يكبر، بعد سنين ويغدو بطلا ً وهو أيضا ً يدافع عن وطنه مثل أبيه تماما ً " انقلبت ملامح الإمرأة في الحال. نظرت إليه بإمعان لحظة طويلة كأنها تحاول أن تعرف أي نوع من الناس هو. كانت عيناها قاسيتين يلتمع فيهما بريق غضب مريع، لم يندهش الرجل. شعر بشيء من الارتياح إذ اكتشف ان هدوءها الذي حيّره في البداية كان في الحقيقة هدوءا ً ظاهريا ً حاول أن يبتسم لها معتذرا ً عن كلماته الفظة إلا أنها أشاحت بوجهها عنه. "

وعند الختام تعود أصابع الفنان الساحر لتحرك الحجر وتنفخ من روحها في أوصال ما هو جامد لتحركه وتحييه، وعلى طريقة الصقر المتفردة يرى الرجل الإمرأة تبسط كفيها فوق فوهة التنور تتحسس بهما حرارة التنور المشتعل في القاع. لم تعجبها الحرارة. وجدتها غير كافية فذهبت لتأتي بالمزيد من الحطب تؤجج به النيران المحتدمة في جوف التنور. "

مجلة " ثقافتنا "

العدد الثاني ــ 2006 ــ بغداد

 

قصة قصيرة

زوجة محارب

مهدي عيسى الصقر

وقف الرجل يتأمل، في شيء من الاستغراب، المشهد الذي تكشف أمامه.

بدا له المشهد دخيلا ً، على معالم ذلك الحي المترف، الذي اختار أن يمارس، رياضة المشي فيه، ذلك اليوم. في فسحة من الأرض، على مقربة من دار جديدة، لا زال العمل يجري في بنائها، رأى تنورا ً من الطين، مبنيا ً على عجل وامرأة بثياب بنية فاتحة تلملم حطبا ً متناثرا ً، وتضعه فوق كومة من السعف وكرب النخل، والأغصان اليابسة على مقربة من التنور، وطفلا ً يدرج حافيا ً في الشمس بين الرمل والحصى والحجارة ومواد البناء الأحرى، المكدسة هنا وهناك. مشى الرجل صوب الامرأة وسألها:

هل تبيعين خبزا ً ؟

رفعت رأسها ونظرت إليه. نعم. لكنني لم اسجر التنور بعد.

سأنتظر.

فرش الرجل منديله فوق مجموعة من الأحجار وجلس يرقب الطفل يلعب وحده بين البناء.

ذاك الصغير هناك... أهو ابنك ؟

رنت الامرأة إلى الطفل وقالت نغم، انه ابنها. بعد ذلك حملت سعفة يابسة، من كومة الحطب، ثتت ساقها وكسرت السعفة على قماش الثوب فوق ركبتها ثم قطعتها وألقت بها في جوف التنور البارد.

وأين تقيمون ؟

هنا.

حملت الامرأة كربا ً، وأعوادا ً يابسة وادخلتها في جوف التنور. تلفت الرجل ينظر حوله في حيرة.

هنا أين ؟

أشارت الامرأة باصبعها ألى البناء، تأمل الرجل بناية الدار الجديدة التي لم تكتمل. أمامه كان ينتصب شامخا ً فوق الأرض، هيكل كبير من طابقين من الاسمنت المسلح، نوافذه العريضة ما تزال عارية من الزجاج وأبوابه فتحات سود مشرعة بوجه الريح. الا ان نوافذ احدى الحجرات، حيث أشار اصبع الامرأة كانت مغطاة بألواح من الصفيح ومستطيلات من ورق الكارتون، وأكياس اسمنت فارغة ومزق من القماش المهلهل.

" أبي يعمل حارسا ً لهذا البناء ونحن نسكن معه" رآها تحمل علبة صفيح صغيرة، وتسكب قليلا ً من سائل شقاف في باطن التنور. لم تكن امرأة كبيرة في السن. لم تبلغ الثلاثين بعد، وإن بدت هزيلة وشاحبة.

" وإذا اكتمل البناء، وجاء صاحب الدار ليقيم فيها؟

أشعلت الامرأة عود ثقاب، ورمت به بين الحطب المبلول، ثم نأت بنفسها، فحدث ما يشبه انفجارا ً صغيرا ً في جوف التنور، وتصاعد اللهب، محاطا ً بسحابة كثيفة من الدخان.

" إذا اكتمل البناء، وجاء صاحب الدار، عندئذ نبحث لنا عن مالك آخر، يريد أن يبني له دارا، او عمارة جديدة. "

أخذ الحطب يتطامن في باطن التنور. بقيت ألسنة صغيرة، ممزقة، تتراقص عند حواف الفوهة المنفتحة، في حين ازدادت كثافة الدخان المتصاعد.

" في البداية نبني لنا كوخا، وعندما يكتمل الهيكل "...

خمدت سحابة الدخان بعد قليل، فنظرت الامرأة إلى الرجل في شيء من التردد.

" هل بوسعك أن تساعدني ؟

نهض الرجل ومشى وراءها. سمع لغط الينائين يعملون، في جوانب أخرى من تلك الدار الواسعة. كانت الحجرة التي أدخلته الامرأة إليها معتمة، أرضها ما تزال متربة، وفي أرجائها تتناثر الأشياء كيفما اتفق: قدور وصحون وثياب وأفرشة مطوية، وما شابه من لوازم لاغنى عنها لإدامة الحياة، للعائلة الصغيرة. وفوجىء بوجود رجل آخر معها داخل الحجرة.

أوشك في البداية أن لا ينتبه لوجوده، لولا حسيس أنفاسه وبريق عينيه اللتين ومضتا في العتمة. كان الرجل يتمدد ساكنا ً ببن طيات فراش موضوع لصق الجدار، في زاوية الحجرة، عيناه تتابعان حركاتهما، هو والامرأة باهتمام، وفي شيىء من عدم الارتياح، وتلمعان في محجريهما، مثل عيني حيوان حبيس. تمتم الرجل محرجا ً وهو يتحاشى النظر إلى العينين اللامعتين في العتمة:

" صباح الخير. "

"صباح الخير عمي."

جاءه الصوت واهنا ً، مدحورا ً. أراد أن يقول شيئا ً آخر للرجل الراقد، الا ان الامرأة وضعت حدا ً لذلك الموقف المرتبك. قالت بصوت خال من العواطف، وهي تشير إلى اناء كبير، مغطى بقطعة قماش بيضاء:

" هذا هو طست العجين. "

وأخذت تمسك بطرف الطست، فانحنى هو أيضا ً وأمسك بالطرف الآخر، حملاه معا ً وخرجا به من الحجرة، تاركين الرجل ملقى في زاويته المعتمة.

كان الطست ثقيلا ً، وضعاه على الأرض وعاد الطفل يلعب بالحصى على مسافة قريبة، فاطمأنت.

" ليس هذا أبي. هذا زوجي. "

قالت ذلك ومشت صوب كومة الحطب، ثم عادت ببعض الأغصان اليابسة وقطع الخشب الصغيرة وأدخلتها في التنور.

توهمه كهلا ً وهو يراه متدثرا ً بالأغطية هناك، في ركنه القاتم.

" أهو مريض ؟"

تصاعد الدخان كثيفا ً مرة أخرى من باطن التنور، فجاءت الامرأة بمحراث، حركت به النار، فبدأت ألسنة اللهب تلوح متصاعدة من الفوهة المتوهجة، وسط سحابة دخان لم تلبث ان أخذت تخف وتتبدد.

" نعم هو مريض منذ مدة. كم رغيفا ً من الخبز تريد ؟ "

ذكر لها العدد، فتركته وذهبت صوب البناء وراح هو يتأمل الصغير يلعب بحبات الحصى، ينفلها من مكان إلى آخر. طفل صغير جميل بعمر سنة، أو أكثر قليلا ً، شعره الخفيف، مثل زغب اشقر يضيء في الشمس.

عادت الامرأة بعد لحظات تحمل في إحدى يديها طاسة مليئة بالماء، وبالأخرى صينية مستديرة واسعة، فرشت بطبقة من الطحين، وضعت الطاسة بجوار طست العجين.

" وهل هو مريض منذ مدة... قصدي زوجك ؟"

" نعم منذ مدة ". ابتعد الصغير عن كومة الحصى، وجاء يمشي متعثرا ً، واضافت هي بشرود:

" بقي هناك ست سنوات ! "

لمح الطفل رغيفا ً محترقا ً مهملا ً فوق الأحجار فمضى إليه. كسر له قطعة صغيرة من الرغيف، ودسها في فمه، وراح يأكل وينظر إلى وجه أمه، رنت إليه الأم ساهمة ً، ثم قرفصت على الأرض، وكشفت عن الطست. كان العجين المتخمر منتفخا ً بعض الشيء، يعلوقليلا ً، عن مستوى حواف الطست. مدت الامرأة يدها في طاسة الماء، ثم أخذت تقتطع بأصابعها مقادير صغيرة من العجين تكورها بين راحتيها، وتضعها فوق فرشة الطحين، الواحدة بجوار الأخرى." قبل سنتين، تقريبا، أعادوه إلينا، بادلوه الأسرى من الجرحى ".

شبع الطفل من الأكل فعاف بقايا الرغيف المحترق. تأمله الرجل، وهو يدرج مبتعدا ً. رآه يقف عند كومة من الأحجار، وينحني ليحمل حجرا ً من على الأرض.

" كان به عرج خفيف، عندما أعادوه إلينا فحمدنا الله ".

ظلت الامرأة تواصل عملها في تكوير العجين، ووضعه في الصينية، وهي تتكلم بهدوء ونبرة محايدة، بلا غضب، وبلا ضغينة، مثلما يتكلم انسان عن كارثة، من صنع الطبيعة.

" ولكن قبل أشهر ظهرت قرحة في مكان الجرح القديم. بعد ذلك أخذت تتسع، وتأكل في اللحم الحي، حتى وصلت إلى العظم، وما عاد يستطيع النوم ".

توقفت الامرأة عن الكلام، ورنت إلى يديها اللتين كانتا تواصلان عملها في حركات سريعة متقنة، بمعزل عما يشغل ذهنها في تلك الساعة ثم رفعت راسها، ونظرت إليه.

" والآن.... يقولون لي لابد من بتر ! "

صرخ الطفل متوجعا ً، إذ سقط الحجر على قدمه، فجزعت الامرأة... تركت عملها وهرعت إليه. حملته بين ذراعيها هدهدته حتى هدأ. وضعته بعد ذلك على الأرض فراح يتأرجح في مشيته، والدموع تخضل وجهه المستدير الصغير.

" قلت كم رغيفا ً تريد ؟ "

ذكر لها العدد مرة أخرى.

غسلت الامرأة يدها في طاسة الماء ثم نهضت وذهبت صوب التنور. تمتم الرجل في شرود.

" ابنك الصغير هذا سوف يكبر بعد سنين، ويغدو بطلا ً، هو أيضا ً، يدافع عن وطنه، مثل أبيه تماما ً ! "

انقلبت ملامح الامرأة في الحال. نظرت إليه بإمعان لحظة طويلة، كأنها تحاول أن تعرف أي نوع من الناس هو. كانت عيناها قاسيتين يلتمع فيهما بريق غضب مريع. لم يندهش الرجل. شعر بشيء من الارتياح، إذ اكتشف ان هدوءها، الذي حيّره، في البداية، كان في البداية هدوءا ً ظاهريا ً. حاول أن يبتسم لها معتذرا ً عن كلماته الفظة، الا انها أشاحت بوجهها عنه. رآها تبسط كفيها، فوق فوهة التنور، تتحسس بها حرارة الجمر المشتعل في القاع. لم تعجبها الحرارة، وجدتها غير كافية. فذهبت لتأتي بمزيد من الحطب، تؤجج به النيران المحتدمة في جوف التنور.

 

الدكتور حسين سرمك حسن

 

عبد الحسين شعبانتحوّلت دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المرشّحين «الإسرائيليين» المتنافسين لتولي رئاسة الوزارة بنيامين نتنياهو وبيني غانتس، لإطلاعهما على خطته المقترحة للسلام «الإسرائيلي»- الفلسطيني، والتي عُرفت ب «صفقة القرن»، إلى جدال وسجال وصراع سياسي داخل «إسرائيل» أيضاً، وإنْ كان مثل ذلك التجاذب يختلف عمّا هو عليه عربياً وإسلامياً، لكنه لم يمنع من الاختلاف حول توظيفها داخلياً، حيث اعتبر ما يُعرف باليسار «الإسرائيلي» الدعوة بمثابة «مؤامرة» مزدوجة من جانب ترامب ونتنياهو لإنقاذ بعضهما من «المحاكمة» المنتظرة لكليهما، لافتاً النظر إلى الخفايا المريبة لتلك العملية، وهي عكس نظرة اليمين «الإسرائيلي» الذي يرى في الدعوة «فرصة تاريخية ينبغي استغلالها وعدم تفويتها».

وجاءت خطة ترامب لتصب في سلسلة خطواته لاستكمال صفقة القرن الحادي والعشرين بعد أن كانت صفقة القرن العشرين قد بدأت ب«اتفاقية سايكس - بيكو» عام 1916 ووليدها «وعد بلفور» عام 1917، لكن الصفقة الجديدة كان من المفترض إعلانها كاملة قبل نحو عام، وتأجّلت بسبب الأزمة السياسية «الإسرائيلية» والجولات الانتخابية التي لم تثمر إعادة تكليف نتنياهو لتشكيل الحكومة، علماً بأن الرئيس الأمريكي قدّم مفرداتها على شكل جرعات:

الأولى - اعترافه بالقدس عاصمة أبدية ل «إسرائيل» وقيامه بنقل السفارة الأمريكية إليها.

والثانية - إهداؤه الجولان السوري المحتل إلى «إسرائيل» بحجة الاعتراف ب «سياسة الأمر الواقع».

والثالثة - إعلانه أحقية «إسرائيل» و«أمنها» في ضم غور الأردن وشمال البحر الميت.

أما الرابعة فقد كانت التتويج العملي للجرعات الثلاث والخاصة بإعلان «يهودية الدولة» وفرضية «السلام» الاستسلامية.

ولعلّ جميع هذه الخطوات مخالفة بشكل صريح وسافر لقرارات ما يسمّى ب «الشرعية الدولية» وميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي المعاصر.

ويأتي التوقيت الحالي لإعلان المرحلة الأخيرة من صفقة القرن خدمة لنتنياهو، الذي يحاول المناورة، حيث سيحمل الصفقة إلى المجتمع «الإسرائيلي» ليقول له «إننا على أعتاب مرحلة جديدة»، الأمر الذي يستوجب طيّ صفحة المحاكمة، وإعادة انتخابه ليستمر في رئاسة الحكومة التي تمنحه «حصانة» من المحاكمة.

لقد بدّدت الصفقة آخر ما تبقى من إمكانية إعلان دولة فلسطينية وفقاً لما يطلق عليه ب «الشرعية الدولية»، سواء للقرار 181 لعام 1947 أو قرارات مجلس الأمن الدولي 242 لعام 1967 و338 لعام 1973 وقرارات الجمعية العامة الخاصة بحق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني، ومع ذلك وبسبب الرفض العربي والإسلامي وتعاطف جزء لا يستهان به من المجتمع الدولي، فإن «إسرائيل» تحاول كسب الوقت من خلال سيناريوهات عديدة:

أولها- أنها حالياً لا تقوى على اتخاذ أي إجراء عملي قبل موعد الانتخابات الجديدة (آذار/‏مارس/‏2020)، لكنها ستحاول إضعاف الموقف العربي والفلسطيني الرافضين للصفقة ومفرداتها، والظهور دولياً بمظهر الحرص على مناقشة «خطة واشنطن» مع السلطة الفلسطينية تحديداً بشأن الخطوات التي يمكن اتخاذها بعد الانتخابات، حتى وإنْ اتّسم الموقف الفلسطيني بالرفض القاطع، لكن ترامب لوّح بأن ورثة الرئيس الفلسطيني محمود عباس يمكن أن يتقبلوا هذه الخطة، وتلك رسالة مهمة لا بدّ من التوقّف عندها.

وثانيها - محاولتها اتخاذ خطوات تمهيدية مع إبقاء باب المفاوضات مفتوحاً بالدعوة لاقتناص الفرصة لاتباع استراتيجية شاملة من منظورها للحل، بعيداً عن مطلب «حلّ الدولتين»، وهو الموقف الذي تبنّته واشنطن نظرياً.

وثالثها- ضمّها بخطة آحادية للأراضي المقترحة في «الصفقة» لتكون «أمراً واقعاً» بعد رفض الفلسطينيين، واعتبار تلك فرصة جديدة لفرض شروطها وإعلاء سقف مطالبها.

وتصبّ هذه السيناريوهات في تقسيم المتبقّي من الأراضي الفلسطينية وسيطرة «إسرائيل» تماماً على المداخل والمخارج للكيان الفلسطيني «الموعود»، بحيث تحبس الشعب الفلسطيني في سجن صغير وتخضعه لحصار شامل للرضوخ، وتمنع أي محاولة لقيام دولة فلسطينية حتى وإن كانت منزوعة السلاح في حدود ال 11% من أراضي فلسطين التاريخية، وذلك من خلال زحف هادئ لضمّ معلن وفعلي قبل الضم الشامل، وستضغط على الأردن لضعضعة العلاقة الأخوية الأردنية - الفلسطينية والتلويح بالوطن البديل مستفيدة من عامل الوقت باعتبار تلك الإجراءات (معركة بين حربين ) حسب صحيفة «هآرتس».

 

عبد الحسين شعبان

 

سنسترد الدقائق، والساعات وكل الأيام التي قضيناها معا، لن ننتظر حقا ضاع منذ عمر طويل، ولن نعلق الصور مجددا لنبكي، سنعلق كرامة الراحلين وننتشي من عبق رحيلهم الذي استشهد مرات عدة ..

نحن اليوم لا نأبه من منا سيقع، سنحاول قدر الإمكان ألا نسقط حتى لو كان السقوط أمامنا سهلا والتراجع خلفنا موت ..

أصبحنا اليوم لا نرجو من الحياة حياة، نحن نحلم بالكرامة على أرض كل شبر فيها يحمل رائحة الموت، نحن لا نحلم أحلاما ملونة، أحلامنا توقفت حين زهقت أمامنا غدرا، غادرتنا الأحلام الملونة وبقيت أحلام يقظة جدا وحذرة، تحمل قلوبها على كتفها وتمضي دون الالتفات أو البكاء، أحلام ثائرة تغرس الأحلام تباعا لا يقف في وجهها موت ..

سيرحل الكثير ولن نبكي أكثر مما فعلنا، وسنضيع بين غدرهم وظلمهم بين حدود الوطن وبين أذرع العالم كاملا، سيخبو الأمل وسيموت الحب وسيرحل كل من نعرفهم ولن يبقى لنا إلا أصوات تختنق وأخرى تموت ..

و نحن نمضي حتما سنعثر مجددا على كل ما ضاع خلفنا، بصور تتمثل أمامنا بكل ما نعرف وكل ما نسينا أن نشتاق إليه، سنعثر على أطفال وجوههم كالملائكة يلعبون ويمرحون، وسنسمع صوتهم يكبرون ويكبرون جدا وبسرعة خيالية، سيرتدون الأبيض وسيحملون الوطن في يد والكرامة في أخرى، وسنسمع صوتهم عاليا، ستقشعر أبداننا لبطولات فتية محلقة لا تطأطئ الرؤوس أبدا، ولا تهاب الموت، ولا تغريها الألوان، اتشح ماضيها بأوجاعنا وأمواتنا والمستقبل البعيد بكل درجات الأسود ولم يكن ليليق بهم حتما، فاختاروا الأبيض لونا لهم ..

هم لا يهابون الموت ولا يعشقون الحياة، هم اختاروا الحياة للوطن والكرامة للشهداء وقرروا أن يزرعوا الوطن بأرواحهم ليثمر جيلا جديدا عنيدا عتيدا ..

إنهم الجيل الذي خلق ثورة القمصان البيضاء التي تستحق ان تسقط أمامها كل القبعات والعمائم بكل الوانها وانتماءاتها ..

 

د. فرح الخاصكي

 

صادق السامرائيهي فوهة البركان الصيروراتي، المعبرة عن أصالة الكينونة الذاتية والموضوعية اللازمة للأمة والشعب، ولها القدرة على النماء والولادة والتناسل والتفاعل والتواصل الخلاق.

والمجتمعات لكي تلد جوهر ذاتها لا بد لها أن تمر بمقاساة ذات طاقات تحدي وتوثب وثبات وإيمان بالقدرة على صناعة حاضرها ومستقبلها، وشق طريق أجيالها في رحلة البقاء والرقاء.

ووفقا لهذا القانون الحضاري الإنساني  الراسخ  الفعال، فأن الإرادة المتوهجة والتطلعات المتأججة، ستلد رموزها  وأعلامها  وقادتها ومفكريها ورسلها المنورين وأبطالها الميامين الطالعين نحو فجر سطوع.

وتتناسب قوة الولادة مع حجم التضحيات وعنف المواجهات والتحديات، وهذا يعني أن الأمل قائم، والوصول إلى الهدف حتم لا زم، مما يستدعي الإيمان بالقدرة على التعبير عن الكيان الوطني المتماسك،  والعمل الجاد على إبقاء شعلة الإنتصار على أعداء الشعب والحياة متّقدة.

فالإرادة الوطنية المستعرة والدفق الشبابي الوهاج المتعاظم الأمواج المتواكب التيار، سيهتدي إلى شق مجراه وتحدي العقبات والمصدات للوصول إلى مصب وجوده الأعظم.

فشلال الكينونة الحضارية يصنعه دفق روح الشباب الطالع إلى مجد خصيب.

وإنها لوثبة، وفرصة ذات إصرار على بناء الحياة الأفضل، وبها ستكون الأجيال وتلد ذاتها العلياء.

فالفرصة الحضارية التأريخية يجب أن تكون أصيلة الولادة والنماء، وقادرة على إنجاز التطلعات النابضة في أعماق الأجيال الوافدة.

فقوانين الجريان تؤكد أن الحياة تمنح الفرص المناسبة للأجيال، وعليها أن تغتنمها وتنطلق منها للإستثمار في عناصرها ومفرداتها المتوافقة مع إرادة المكان والزمان الذي هي فيه.

وكم من الفرص التي سنحت وأضاعتها الأجيال في مجتمعاتنا، ولم تجتهد بإغتنامها والتفاعل معها بقدرات معاصرة ذات قيمة تنموية.

والأمل والثقة يحدوان الاجيال الواعدة المنورة بالمعارف والعلوم المتجددة، ولا بد أن يفوز جيل من الأجيال بفرصة تنبثق فيها قدرات الأمة وتعبر عن ذاتها ومقامها اللائق بها.

فهل سنغنم فرصة نكون فيها ونتجلى؟!

نعم سنفوز بفرصتنا العظمى المجسدة لكينونة أمة ذات جوهر منير!!

 

د. صادق السامرائي

25\1\2020

 

رائد عبدالحسين السودانيعندما نتابع المؤلفات والنشريات عن الجامعات الامريكية ومراكز الدراسات والبحوث الستراتيجية في الغرب عن الشيعة في العراق بعد 2003لاسيما عن الزيارة الاربعينية . نخرج بفهم عميق لما يدور في العراق منذ 1/10/ 2019 وحتى اليوم 12/2/2020 والى مدى قد يقصر أو يطول حسب المخطط وحسب مصدات الدفاعات ضده، وعلى سبيل المثال صدر كتاب ولي نصر بعنوان الانبعاث الشيعي وكتاب الى كربلاء وكتاب الاعلم عند الشيعة وكتب لجامعات عربية مثل اطروحة الدكتوراه بعنوان صناعة الذاكرة للتونسي صلاح حسن وكتاب لمحررين أكثرهم عراقيين بعنوان الشيعة في العراق بعد 2003وجميع هذه المؤلفات أما اعتمدت على مؤلفين شيعة مغتربين أو شيعة متأمركين أو أمريكان يعتمدون على الدراسة الميدانية أو عراقيين علمانيين ينحدرون من أصول شيعية ولذلك تكون المعلومات فيها شبه دقيقة وصلت إلى أمر مهم يتمثل بتوصلها لاندكاك ابناء الشيعة العراقيين بضابطتهم الدينية (المرجعية)عندها بدأت الاحتجاجات بعد عدة اشارات لا مجال لذكرها الان لكن الحراك ابتدأ بتناول كل التيارات السياسية الاسلامية الشيعية بألفاظ نابية جدا وتناول الدين من خلال شعار قديم من أيام 2011و2015تجدد في هذا الحراك (باسم الدين باكونا الحرامية) أي سرقونا ثم بدأوا بانتقاد المرجعية وبدأوا حراكهم بحرق كل المقرات للتيارات الاسلامية الشيعية أما حصة الاسد من التنكيل كان للحشد الشعبي ثم وصلنا لمرحلة اقتحام وحرق مرقد السيد محمد باقر الحكيم والحقيقة ان هذه الخطوة تعد خطوة لما هو أكبر وأشد والتي وصلنا اليها بسرعة بعد استشهاد كل من قاسم سليماني وابو مهدي المهندس وانطلاق التظاهرة المليونية، هنا وصلنا للهدف المنشود (الاحتراب الداخلي) من خلال اطلاق السباب والشتائم للمرجع الشهيد محمد صادق الصدر رضوان الله تعالى عليه أما لماذا نعتقد أن الوصول لمرحلة سب وشتم المرجع الصدر بداية للاحتراب الداخلي حسب الخطوات التي رسمها المخطط يعود لسببين أساسيين، معرفتهم بالامتزاج والاندكاك والعشق الفكري للسيد المرجع من مقلديه، الثاني هدف رسمته الدوائر المخططة منذ 2012تاريخ تنفيذ الاتفاقية بين حكومة السيد نوري المالكي وامريكا القاضية بانسحاب قوات الاخيرة، يقتضي هذا الهدف بتصفية التيار الصدري من الداخل نظرا لمقاومته للاحتلال ولما وجدت صعوبة تحقيق هذا الهدف على الرغم من الضربات التي تلقاها التيار سعت هذه الدوائر أن تبتدأ حراكها الفعلي وهو المشهد العنفي بمس الرمز الاكبر للتيار الصدري فضلا عن السبب الذي سقناه، تعرف هذه الدوائر ان التيار هو القوة الشيعية الاكثر تنظيما ومركزية على الرغم من عدم وجود مكاتب للتيار منذ سنوات عدة لمصاعب مادية .ومن الضوابط الاخرى التي ضربت هي الضابطة العشائرية والقانونية فقد انزوت الدوائر الرسمية واضمحل وجودها في الجنوب والوسط وضربت المنظومة التعليمية اغلاق للجامعات، اهانات للاساتذة، غلق المدارس الابتدائية والمتوسطة والاعدادية، الهدف من ذلك سلخ الواقع العراقي عن العالم الخارجي أما لماذا ففضلا عمّا ذكرناه يعد العراق عقدة الهلال الشيعي المقاوم، لبنان، سوريا، العراق، ايران، اليمن وحتى افغانستان، بعثرة عقدة أساسية من عقد طريق الحرير الذي أحيته الصين كما إن روسيا بدأت بالتقرب من العراق من خلال سوريا، وذلك ممنوع أمريكيا.

 

رائد عبد الحسين السوداني

 

ابراهيم مشارةعمل أجدادنا من المغرب العربي ومن إفريقيا ومن إسبانيا والبرتغال في شق أنفاق الميترو منهم من قضى نحبه في العمل ومنهم من دفع صحته ثمنا لأجرة يرسل بنصفها إلى البلد ليعيل أسرة كثيرة العدد والحق أن الميترو إنجاز حضاري عظيم إنه تماما كالشرايين تحمل المسافرن تحت الجلد الترابي إلى وجهاتهم الخلوية تماما كما لا ترى الدم يتدفق في العروق ولكن ترى أثره الحياة تتدفق والروح ممراح والنشاط يدب في الجسم تحت باريس مدينة أخرى من الأنفاق تتيه فيها بلا لوحات تحدد الوجهة تيه بني إسرائيل في سيناء وقد تاهوا أربعين سنة أما أنت فستتيه قرنا بالتمام بحر متشابه من الأنفاق ظلمات بعضها فوق بعض لولا الإنارة ولكن ماذا تعمل في غياب اللوحات الإرشادية، بالميترو لا تحتاج إلى سيارة تصل إلى مبتغاك أسرع من استعمال السيارة عمل خلاق وإبداع إنساني فريد بعض الميتروهات في العالم متاحف كميترو موسكو لكن ميترو باريس له مذاق خاص إنه متحف وصالة للعرض المسرحي والغنائي والدعاية السياسية ، تصادف عازف قيتار يعزف ،أو عازف كمنجة تسيل عذوبة ورقة أنغامها ، في الميترو تشم العطر الأنثوي الذي تنتشي به فتختلس نظرة مؤدبة لبقة إلى صاحبته ،أو رائحة نبيذ من سكير تعتعه السكر وتسمع لغات شتى ولكن في هدوء ونظام وسكينة فهذا غارق في قراءة كتاب والآخريتصفح في جريدة،لكن للميترو حكايات مع عمالنا في بداياتهم لاستعماله فأحد أبناء بلدتنا وكان الرجل لا يقرأ كان يتعرف على المحطة التي ينزل فيها من لوحة إشهارية عملاقة تمثل رأس عجل وقد دام الإشهار مدة فلما استبدلوه تاه الرجل وظل في العربة قابعا لا يعرف أين ينزل حتى أوشك الليل على الانصرام فنزل رفاقه في الليل يبحثون في اتجاه الخط لقد أدركوا بحاستهم الاجتماعية أن الرجل تاه لأنه لم يجد رأس العجل.

وبعضهم من الذين لا يعرفون القراءة كانوا يضعون الحصىفي جيوبهم بعدد المحطات وكلما توقف الميترو في محطة نزعوا حجرا حتى تنتهي الحجيرات فيعرفون أنها محطتهم المعنية.

حتى الأستاذ مالك بن نبي-رحمه لله- لما قصد باريس أول الأمر نزل إلى الميترو واشترى تذكرة إلى الوجهة المقصودة لكن العاملة أرشدته إلى ضرورة الاتجاه إلى الجهة المقابلة فما كان من الرجل إلا أن هم بالنزول مرورا بالسكة ليعبر إلى الرصيف المقابل فأدركته العاملة صائحة بضرروة التوقف لأنه سيقتل نفسه لأن الخط عالي التكهرب بل لا بد من الخروج من النفق والسير في الشارع ثم النزول إلى النفق المناسب نعم حكى ذلك في مذكرات شاهد قرن، كما حكى عن محاولته اجتياز ساحة الكونكورد مشيا على الأقدام وكاد يتلف نفسه وسبب توقفا للسيارات والكل يهتف: يا عبيط انزل تحت الأرض وغير الجهة، نعم مالك العملاق هكذا كانت بداياته الباريسية مع الميترو وميدان الكونكورد.حتى جدي محمد مر مع أحد اصدقائه في أحد الآحاد بساحة الكونكورد وكان الصديق نكاتا خفيف الروح انبهر بشساعة الميدان فاخبر جدي أنه يصلح لصلاة العيد فعاتبه جدي على هذا الكلام لأن الفرنسيين يدنسون المكان بكلابهم وكان الصديق يمزح فقط.

منذ سنوات خلت عدت بالميترو متأخرا وكنا ثلاثة في العربة أنا ومتشرد وشاب يلبس بزة أنيقة رأيت عجبا الشاب الأنيق يخرج صكا يمضي عليه ويقدمه للمتشرد فقلت في نفسي ليس للمعروف ملة إنه فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ومرة عدت بعد منتصف الليل وكنت وحدي داخل العربة صعد شخص طويل عريض بلحية كثة تفوح منه رائحة الكحول وكان السكر قد نال منه وكان متعبا ويريد النوم فماكان من الرجل إلا أن تمدد على أرضية العربة واستسلم للنوم العميق ولا أحد اعترض عليه أو أفسد عليه نومه ضحكت في كمي وقلت في نفسي مرددا بيت امرئ القيس:

وتضحي فتيتُ المِسكِ فوقَ فراشها

نؤُومَ الضُّحى لم تَنْتُطِقْ عن تفضُّل

فغدا سينهض من نومته وسيجلس على الرصيف ويستجدي ويعود إلى السكر والتمدد على أرضية الميترو دون إيذء من بشر أو رقابة.

ليلتكم هادئة في ميترو الأحلام إلى محطات السعد واليمن والبركة في ليلة مباركة.

 

إبراهيم مشارة

 

اياد الزهيريكما أني كتبت بأكثر من موضوع، وغالباً ما كانت مواضيعي ذات طابع سياسي جرياً لما تفرضه الأحداث من مواضيع، ولكن وبسبب الأغلب الاعم من الناس الذين يكتبون ويحللون الوضع السياسي بالبلد، حتى أصبحت السياسه مهنه من لا مهنة له، كما بدأ البعض يستنسخ أفكار الاخر رغبةً بالمشاركه، حتى كدت اعتقد ان العراقيين يتخيلون ان كل واحد منهم وكأنه سيصبح رئيس وزراء .هذا الوهم هو احد أسباب المخاصمه والتصارع بين أفراد الجمهور العراقي، لذا آليت على نفسي ان أتطرق الى علم الاجتماع كأداة يساعدني في تحليل الشخصيه العراقيه ومدى تأثير ما حدث على خصائصها الاخلاقيه والثقافيه، لما جرى من تحولات واحداث عليها.

أن هذه التحولات التي أشرنا أليها هي نتاج تظافر عدة عوامل طرأت على حياة العراقين في فترات متعاقبه، طبعاً لم تكن وليدة السنوات الاخيره بل سأركز على فتره تسارعت فيها الأحداث، وحدث فيها منعطفات كبيره، الا وهي الفتره منذ بداية الثمانينات وهي الفتره التي بدأت بها الحرب العراقيه الايرانيه الى يوم كتابة هذا المقال وما شهدته من حرب الخليج الثانيه وما تخللها من احتلال العراق وسقوط النظام الصدامي، وتأثير الانفتاح على العالم، كل هذا عرض القيم والعادات للمجتمع للاهتزاز العنيف، فقد ساهم الانفتاح الغير ممنهج واللامنضبط وخاصه في عالم التواصل الاجتماعي الى صدام القيم الموروثه مع منظومة القيم الحداثويه والغريبه، ومن خطورة هذا الانفتاح انه شمل كل طبقات المجتمع وكأن إعصاراً تسونامياً أجتاح الكيان الاجتماعي العراقي، مما عرضه الى هزه عنيفه افقدت توازنه، فسبب حاله من الارتباك العنيف حتى جعل الناس في ذهول مما يحدث، ولا يعرفوا كيف يتجاوزوا ما يمر به المجتمع من أزمه خطيره، ومما تجدر الاشاره اليه والذي يعتبر منعطفاً كبيراً في حياة الشعب العراقي هو الانهيار السريع للنظام السياسي الدكتاتوري فأنكسر حاجز الخوف عنده، مما ساهم بتفجر كل المكبوتات التي أختزنها خلال حكم النظام ذو القبضه الحديديه، فانفجرت على شكل عنف وأحقاد وتمرد في محاوله لتفريغها.كما يمكننا أضافة عامل التمايز الاجتماعي والقومي والطائفي ووجود قنوات ساهمت بتغذيتها، حيث ساهم بتمزيق الهويه الوطنيه والنسيج الاجتماعي للشعب العراقي، الذي هو أساساً يعاني من الضعف وعدم التماسك .هذه العوامل ساهمت بحدوث ما يشبه حرب أهليه استمرت عدة سنوات، ساهمت بها عناصر غير عراقيه بتغذيه طائفيه، والتي انتهت شكلياً بالقضاء على داعش بفعل تضحيات الحشد الشعبي العراقي.

أن حالة التداعي من العوامل المذكوره أعلاه لم تكن هي الوحيده في صناعة ما يحدث، بل مازاد بالطين بله هو توقف المصانع والمعامل والمزارع بفعل القصف الامريكي، أما التدهور الزراعي فكان بسبب عوامل الجفاف الذي مر به العراق من قلت أمطار وبفعل السدود التركيه الجديده التي منعت تدفق المياه الى العراق، كما ساهم التدمير المتعمد لهذه المصانع بزيادة البطاله بين الشباب خاصه .هذه الامور زادت من منسوب الازمه المجتمعيه، مما أمتدت الى خلق حاله من الحنق بين الدوله والمجتمع، والذي زاد من الازمه هو الانفتاح الذي زاد من نزعة الاستهلاك وخاصه بعد زيادة الرواتب للموظفين، وهذا ما ألقى بظلاله السلبيه على العلاقات الاجتماعيه، حيث أصبحت العلاقات الماديه هي التي سادت في العلاقات العامه، حتى مع أقرب الناس، مما ساهم بالتفكك الاجتماعي، وهنا تعرضت البنيه الاجتماعيه الى تشويه خطير، ساهم ببروز ظواهر أجتماعيه شاذه وغريبه، لم يستوعبها الكثير، حتى أصبحت الفجوه بين الأجيال كبيره فخلق حاله من مشاعر الاغتراب في النفسيه العراقيه وهذه حاله لها تداعيات خطيره ومن ابرزها حالة الاكتئاب الشديد.

أن الشخصيه العراقيه تتعرض الى أزمه أخلاقيه خطيره حتى كادت ان تنطمس خصائصها المتميزه، وهذا سيساهم في خلق أجيال جديده لا تعرف للانتماء والولاء من أثر، فتضخمت ألانا وشغلت كل آفاقه، حتى ان الفرد لا يرى في الأفق الا ذاته وهذا ما عزز ألنرجسيه في الذات العراقيه.

 

أياد الزهيري

 

كفاح محموديبدو إن مقولة تعددت الأسباب والموت واحد تتطابق تماما مع نتائج ما سنبحثه في هذا المقال عن تعدد المسميات والعناوين لكيان أو أصل فكري واحد، وما تسببه تلك التعددية من مآسي وكوارث لشعوب ودول، وكما إن الموت نتيجة حتمية وان تعددت أسبابه، فان الخراب والدمار نهاية مؤكدة لسلوكيات تلك الكائنات وان اختلفت في أسمائها ونقطة شروعها، وهي بالتالي من إنتاج تراكم هائل من ثقافات وتقاليد بدائية متخلفة ما تزال تتكلس في مفاصل النظم السياسية الشمولية وملحقاتها، وعودة سريعة إلى تاريخ لم يمض عليه سوى نصف قرن، سندرك ترجمة حقيقية لتلك الثقافة المقيتة في الغزو والنهب والسلب والتدمير.

دعونا نتذكر أيام حكم البعثيين ومقولات صدام حسين الشمولية، وخاصةً تلك التي استخدمها الكثير شمّاعة للتخلص من التوظيف في حزبهم، وأصبحت مقولة طالما رددها كل محاصر من المستقلين والمنتمين لأحزاب ممنوعة حينها، تلك المقولة التي غدت سُلم النجاة، وهي واحدة من أقوال صدام حسين عندما خاطب مجموعة من الموظفين، قائلاً:

(إنَّ الموظفين المخلصين بعثيين وإن لم ينتموا) وفي واحدة أخرى قال: (العراقي بعثي وإن لم ينتمِ)، وكأنما المنتسب لحزبهم معصوم من أي شائبة، وهو مثال مفترض للإخلاص والوطنية، ويمتلك الحقيقة المطلقة التي تؤكد سيادة وتميز وتفوق تلك الطبقة أو القومية أو العرق أو الدين والمذهب، وهكذا بقية أصحاب هذه النظريات التي تؤدلجها لدعم بقائها الأبدي في السلطة!

ورغم التضحيات الجسام والخسائر الفادحة التي خلفتها تلك النظريات والأفكار، وشهدنا قسم كبير منها في بُلداننا الشرقية عموماً والشرق أوسطية خاصةً، ابتداءاً من مصر ومروراً بالعراق وسوريا واليمن وليبيا والجزائر وانتهاءاً بإيران التي كمنافستها تركيا ما رأت غير المذهب وسيلة لإعادة امبراطوريتها إلى الظهور بعدما حكم الزمن عليها بالزوال، تدخلت قوى عظمى لتغيير نمط تلك الأنظمة على افتراض أنها ستأتي ببديل يختلف في نهجه ويقترب من التجارب الأوربية في نُّظم المؤسسات والتبادل السلمي للسلطة، وابتدأت في العراق حيث أسقطت عسكرياً الهيكل الإداري لنظام صدام حسين وحزبه، وألغت بجرة قلم مؤسسات مضى على تكوينها عشرات السنين منذ تأسيس مملكة العراق مطلع عشرينيات القرن الماضي، لكنها لم تدرك - تلك القوى- أن مجرد إسقاط هيكل الحكم لا يعني انتهاء ثقافته وسلوكياته التي تكرست في عقلية معظم الأهالي بمن فيهم الكثير من الحاكمين الجدد، وخاصة فيما يتعلق بالثوابت الأساسية، وهي النظام الديمقراطي الجديد وقبول الآخر واحترام مؤسسات الدولة والقانون المشرع.

إن نشوء تنظيمات مسلحة خارج المؤسسة العسكرية مدعومةً من السلطة يعكس هذه العقلية مهما كانت الأسباب الموجبة، بما فيها تلك التي أسسها النظام السياسي لغرض خدمته في تحقيق مآربه، خاصة تلك التي ادّعى فيها احتواء العشائر وتسليحهم بوحدات تحت مسميات مختلفة، وهو ما فعله نظام البعث الأول في الحرس القومي والثاني في الجيش الشعبي، وفلول الأفواج الخفيفة (الجته) في كوردستان، ولاحقاً الميليشيات المسلحة التي نشأت على أسس مذهبية، وما يحدث اليوم وخاصة بعد اندلاع التظاهرات في الوسط والجنوب العراقي، وعمليات التصفية المنظمة للناشطين في تلك الاحتجاجات فراداً وجمعاً، يؤكد أن هذا النهج ما يزال أسير ثقافة الغزو التي رافقت المجتمعات عبر آلاف السنين، وتسببت في إنتاج الانقلابات والميليشيات والقتل باسم الرب تارةً وباسم القومية تارةً أخرى، وهي اليوم وبدون استثناء، استنساخ لعمليات وفعاليات القاعدة وداعش، وما تفعله الميليشيات اليوم ليس في العراق فحسب وإنما في كل من سوريا وإيران وليبيا واليمن ولبنان، اختراقا للقانون تحت أي مسمى أو تكييف خارج المؤسسة العسكرية، إنما هو امتداد لفكرة الغزو البربري والإرهاب الداعشي وأن اختلفت التسميات.

 

كفاح محمود كريم

 

 

هادي جلو مرعيالحب ليس هو الشعور تجاه الآخر وحسب، هو ممارسة أيضا. فالقديس فالنتاين اعدم ليس لأنه كان يدافع عن الحب كشعور، بل لأنه كان متدينا، وكان يقوم بإجراءات عقد القران، ويمضي معاملات الزواج على خلاف ماكان يأمر به الحاكم المستبد.

الحب ممارسة أيضا. ولذلك يصفون الممارسة الجنسية ب(ممارسة الحب) وكان الكولومبي غابريل غارسيا ماركيز أبدع في روايته (الحب في زمن الكوليرا) وربما إحتاج العالم أن يقرأ لروائييه مؤلفات تكون الأمراض عناوينها، كما في (الطاعون) لألبيير كامو، أو يكون المرض محور الرواية كما في (السائرون لوحدهم في الحياة) وكان بطلها مصابا بالجذام.

يعيش العالم على وقع الكوارث حيث داهم فيروس كورونا أجساد الصينيين مطلع العام 2020 واصاب الآلاف، وقتل المئات، ولاندري الى اين يمضي بنا، وكم هو عدد من سيصاب به، وكم عدد ضحاياه، ومتى سيتوقف؟ لكننا لانستطيع الإستسلام، بل لابد لنا من المزيد من الصبر، والإبتكار، والتضحية، والتعاون ضد الأوبئة والأمراض والكوارث. فالكوكب الأزرق صار أشبه بحي سكني صغير يعرف قاطنوه بعضهم البعض بأسمائهم وافكارهم ونواياهم، ولابد أن نواجه الخوف بالحب الذي هو السبيل الى الإنتصار على تحديات الحياة.

نقلت BBC خبرا هاما من مكان قريب الى الصين. حيث شارك الآلاف في حفل زفاف جماعي أقامه اتحاد الأسرة من أجل السلام والتوحيد العالمي، المعروف أيضاً بإسم كنيسة التوحيد، في كوريا الجنوبية، وأقيم في مركز تشونغشيم للسلام العالمي في غابيونغ بالقرب من العاصمة سول على الرغم من المخاوف من تفشي وباء كورونا بسبب التجمع الكبير.

العالم يمكن أن يصدم بالتحديات الصعبة، ولكنه سرعان ماينتفض على مخاوفه، ويبدأ بلملمة الجراح، والعمل على صناعة الحياة، وبعث معاني الجمال فيها. وليس كالحب صانع للحياة.

 

هادي جلو مرعي

 

ابراهيم ابوعتيلهتابعت ورأيت وسمعت كل  خطابات عباس منذ ان أعلن ترامب عن صفقته مع نيتنياهو لتصفية القضية الفلسطينية .. خطابات لم تخلو ابداً من الشكوى والتذمر والرجاء والاستجداء والتأكيد على نهجه برفض الكفاح المسلح علهم يؤيدوه فيما يذهب إليه ويمنحوه شبه  دولة ... ورغم كل ما فعل اتهمه مندوب العدو لدى الأمم المتحدة وجاهةً أمام مجلس الأمن والعالم أجمع بالكذب وهنا لا بد من وقفة مع كل ما وعد وهدد به منذ اعلان ترامب ..

إن المتابع لعباس يلاحظ ما يلي:

- الخطابات متماثلة مضموناً منذ اوسلو ، وعود ب " السلام " والدولة الموهومة واعترافات صريحة ب " دولة كيان العدو " .

- التنسيق مع العدو على كافة المستويات بما فيها الأمنية مع التهديد الأجوف باللجوء إلى المجتمع الدولي والأمم المتحدة متناسياً بأن تلك المنظومة لم تقدم شيئاً لإنصاف الفلسطينيين منذ عام 1948 ولغاية الآن رغم صدور القرارات الكثيرة لمصلحة القضية الفلسطينية وقرارات أخرى تم وأدها قبل إقرارها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية .

- تغننيه وإصراره على مقاومته السلمية فيما لم يشر ولو مرة واحدة لإمكانية مقاومة الاحتلال بالسلاح تلك المقاومة التي يكفلها القانون الدولي رغم أنه وسلطته ما كانت لتأتي لولا المقاومة والانتفاضة والتي لولاها لما اعترف العدو بمنظمته كممثل للفلسطييين.

- التزامه بمحاربة العنف والإرهاب وهو أمر يعني بالضرورة محاربة المقاومة المسلحة وفق ما جاء بالتزامات أوسلو التي تعتبر المقاومة المسلحة عنفاً وإرهاباً وهي الالتزامات التي سعى عباس إليها ووافق عليها .

- التهديد الفارغ بالخروج من التزامات أوسلو بشكل ممل وممجوج لا يغني ولا يسمن لكونه لا يتعدى لسانه وآذان مستمعيه .

- الإرباك الواضح عليه في الآونة الأخيرة وظاهرة النسيان التي يسعفه فيها طاقم من جماعته وعلى الرغم من بلاغته في اللغة العربية إلا أنه كثيراً ما خرج على النص وتحدث باللهجة العامية المرتبكة .

وريما كانت الفائدة الوحيدة من مؤتمراته الأخيرة وهي كشف التردد والتمويه من قبل العديد من دول العرب التي تنسق سراً وعلناً مع العدو الصهيوني وتريد التخلص نهائياً من قضية فلسطين منذ حولها سلفه إلى قضية قطرية فلسطينية وأخرجها بالتعاون مع الأنظمة العربية من بعدها القومي.

وبعد ان صال وجال من الجامعة العربية إلى مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي إلى الاتحاد الإفريقي ، شمر عن ذراعية وذهب إلى مجلس الأمن الدولي وهو يعرف حق المعرفة بأنه لن يصل إلى شيء أكثر من تصريحات غوتيرس بأن مرجعية السلام هي قرارات الشرعية الدولية ومجلس الأمن ، ولن يستطيع عباس بأي حال إدانة ترامب وحليفته دولة الكيان الصهيوني فالفيتو حاضر دائماً ... بل وتجاوز الأمر ذلك حيث أن ما قدمه من مشروع للقرار أثار الكثير من الجدل ولم يحظى حتى بالموافقة المطلوبة على تقديمه للتصويت لغاية الآن .... فما الفائدة التي جناها ....

ولربما ... أقول ربما كان من الأفضل دبلوماسياً التوجه مباشرة للجمعية العامة على قاعدة ”متحدون من أجل السلام " لعقد إجتماعاً استثنائياً خلال 24 ساعة وذلك بعد أن اتضح فعلياً بأن هناك تهديداً وخرقاً للسلام ، أن مجلس الأمن لن يتمكن من التصرف بسبب التيقن من التصويت السلبي من جانب أمريكا التي تملك حق النقض ، وهي الخصم هنا ، ويمكن والحالة هذه أن تقوم الجمعية العامة بالنظر في المسألة على الفور من أجل إصدار توصيات إلى الأعضاء باتخاذ تدابير جماعية لصون أو إعادة السلام والأمن الدوليين – رغم القناعة بعدم جدوى ذلك أيضاً ولكنه أفضل مما كان - .

إن كل ما فعله عباس في الأيام الأخيرة لا يعدو كونه استجداءاً وتسولاً لتحقيق المطالب متناسياً أن كل ذلك لن يجدي نفعاً، حيث يظهر ذلك جلياً في أرشيف الأمم المتحدة من خلال كثرة ما أُتخذ من قرارات سواء من مجلس الأمن أو من الجمعية العامة ... ولعل تجاربنا وتجارب الشعوب كافة لا تعترف إلا بالقوة طريقاً لانتزاع الحقوق وعندما تتخلى عن المقاومة المسلحة فلن ينظر لأمرك احد ....

ومن الغريب في الأمر والتناقض المريع وبعد أن تغنى عباس بمحاربته للفساد وطالب بمراقبة ما تقوم به سلطته أن يقوم فور انتهاء اجتماع مجلس الأمن بعقد مؤتمر صحفي مع أولمرت الخارج من السجن بجرم الفساد !!!! فلماذا قام بذلك وما الحاجة لأولمرت ، ألكي يقول ويشهد بأن عباس شريك حقيقي للسلام ... متناسياً أن الصهيونية لن تغفل عن استعمال كل وسيلة خبيثة ممكنة لتفنيد ونقد هذا المؤتمر الصحفي .

ليعترف عباس بحق شعبه بالمقاومة المسلحة وليتنصل من كل قيود أوسلو واتفاقاته مع العدو وليقر بحقيقة كون الضفة الغربية أرضاً محتلة وليتنازل عن منصب المختار الذي عينه فيه العدو وفق اتفاقات أوسلو كي يطلبه المحتل عندما يريد شيئاً يلحق الأذى بأي من أفراد الشعب الفلسطيني أوبأرضه ..

وطالما يدعي عباس بشرعيته .. فليفعل معروفاً قبل أن يتنحى ويطلب بانعقاد المجلس الوطني كي يلغي كل تحريف تم على الميثاق الوطني الفلسطيني وليؤكد أن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين كل فلسطين .

 

ابراهيم ابوعتيله – الأردن

 

محمد سعد عبداللطيفالجمعة 11 من فبراير 2011 م كان يومًا مشهودًا فی الربع الأول من الألفیة الجدیدة في مصر، ففي هذا اليوم خرج عُمر سُليمان نائب الرئيس المصُري ومدیر جهاز الأستخبارات السابق. ليُعؑلن في بيان مُقتضؒب تنحي الرئيس "حُسني مبارك " عن الحكم وتسليمه مقاليد السلطة والبلاد للمجلس الأعلى للقوات المسلحة. بالطبع لم يأتِ هذا القرار من فراغ أو بين عشيةؑ وضُحاها، فقد كان تتويجا لسلسة طويلة من الأحداث استمرت لثلاثة أسابيع وبدأت في يوم 25 من يناير/ 2011 م. تولي حسني مبارك مقالید الحکم.

بعد حادث المنصة عام 1981م خلفا للسادات بصفتة ناٸب الرٸیس بعد عملیة سریعة لنقل السلطة من رٸیس مجلس الشعب الدکتور صوفي ابو طالب، أصدر قرارا بالأفراج عن المعتقلین السیاسیین. التی تم التحفظ علیهم الرٸیس السابق السادات فی 3 من سبتمبر عام 1981م. شمل العفو البابا شنودة بابا الأسکندریة. والاستاذ هیکل الکاتب المعروف، ویاسین سراج الدین، والشخصیات العامة واساتذة الجامعات. کذلك تم الافراج عن کل من الفریق محمد فوزی، وزیر الحربیة، وشعراوي جمعه وزیر الداخلیةِ، وسامي شرف، وعلی صبري، ناٸب رٸیس الجمهوریة، وأخرین مما شملهم العفو الرٸاسي والقضیة المعروفة بمراکز القوي فی بدایة عصر السادات فی مایو 1971م وقد کان هناك ارتیاح عام فی الشارع المصري فی بدایة حُکمه

وبدأ فی کتابة تاریخ وتغییر صورتة کأحد ابطال حرب أکتوبر وصاحب الضربة الجویة الأولي. ظلت الأمور فی مصر هادٸة فی بدایة تولیة الحکم. أن ذلك البريق الذي بدأ به مبارك حكمه بدأ يخبو رويدا رويدا وتتحطم صورته المعتدلة على صخرة الواقع المر من سحق للمعارضة وتغول لأدوات القمع، الشرطة ومباحث أمن الدولة، وانحطاط الأوضاع الاقتصادية وسيطرة الحزب الواحد ورجال أعماله على مقدرات البلاد. وبعد ثلاثين عاما من الحكم أصبح فيها مبارك الحاكم بأمره، بدأ في إعداد العدة والخطط لتمرير الحكم إلى نجله، جمال، وهو ما كان القشة التي قصمت ظهر البعير.

. وبدأ فی عودة مصر الی الصف العربي. وعودة مقر جامعة الدول العربیة الی مقرها فی القاهرة. بعد قرارات جبهة الصُموؒد والتصدي. ضد السادات بعد اتفاقیة السلام مع إسراٸیل، فی منتصف الثماینیات من القرن المنصرم حدث تمرد لقوات (الأمن المرکزي) أدت الی نُزول القوات المسلحة لإخماد التمرد. والقضاء علیه وزیر الداخلیة اللواء / احمد رشدي یقدم استقالتة نتیجة هذة الأحداث. وحدث تقارب عربي مع مصر وخاصتا العراق والیمن. حتی إجتیاح العراق للکویت. وقفت مصر مبارك. مع الکویت ودول الخلیج. وظهر ذلك فی مٶتمر جامعة الدول العربیة الطارٸ فی القاهرة. بالوقوف مع تحریر الکویت. والتحالف مع الدول الغربیة وأمریکا وفی إرسال قوات مصریة لتحریر الکویت. وعلی الصعید الداخلي نشط التیار الجهادي من جماعات الجهاد والجماعات الأصولیة ضد النظام بضرب السیاحة وتصفیة بعض ضباط الشرطة. والدخول فی مواجهات دمویة. اسفرت عن استقالة وزیر الداخلیة اللواء / حسن الألفی. بعد حادث الأقصر وقتل أعداد من السیاح الأجانب کما جري عملیات تفجیرات فی مواکب الوزراء. ومنهم موکب رٸیس الوزراء عاطف صدقی. ووزیر الداخلیه السابق/ ذکی بدر، وعملیة اطلاق النار علی السید / حسن ابو باشا. ومقتل رٸیس مجلس الشعب الدکتور / رفعت المحجوب.. وکانت البلاد قد دخلت مرة أخری فی داٸرة العنف والعنف المضاد. ظلت الأوضاع بعد ذلك حتی یوم 2 أغسطس عام 1995م حیث تعرض موکب مبارك. فی العاصمة الأثیوبیة لعملیة اغتیال من قِبل الجماعة الإسلامیة. ونجا مبارك من العملیة التی أدت الی توتر العلاقات المصریة السودانیة علی خلفیه تهریب المتهمین خارج السودان. ومع الألفیة الجدیدة وحرب الخلیج الأولی والثانیة. کانت مصر لدیها علاقات قویة مع الولایات المتحدة. وتعاون أمني بعد حادث برجي التجارة العالمي. وفی عام 2003م وفی حدیث مع الصحفی" رضا هلال" بعد عودتة من زیارة قام بها الی امریکا صرح عن شخصیة جمال مبارك وعلاقتة برجال اعمال یهود فی لندن. وکان أول من أدلي بتصریح عن عملیه التوریث.

ومازال مختفي حتی هذة اللحظه ولم یعرف مصیرة حتی کتابة هذة السطور.. وفی انتخابات عام 2005م کانت الصفقة الکبري بین التقارب مع الأخوان وکان مهندس العملیة کلا من; السید / کمال الشاذلي زعیم الأغلبیة فی المجلس وممثلاً للحکومة والسید / المهندس خیرت الشاطر. ممثلاً لجماعة الأخوان وقد فاز الاخوان بأکثر من 80 مقعدا فی المجلس. وفی صیف عام 2010م. غاب عن المشهد کمال الشاذلی وخیرت الشاطر وصعود. لجنة السیاسات فی السیاسة العامة وصعود جمال مبارك امین الحزب الوطني الحاکم. وتشکیل حکومة من المقربیین من جمال مبارك. من رجال الأعمال. وتولی رجل الأعمال المهندس / احمد عز دور / الوزیر المخضرم کمال الشاذلي فی اختیار الاعضاء المرشحین للمجلس ورسم السیاسات للحزب الحاکم. وکانت بدایة القشه التی قصمت ظهر البعیر لحکم مبارك.. کانت الولایات المتحدة تبحث عن البدیل. وما بعد مبارك. وکانت لجنة السیاسات بالحزب الحاکم تستعد لعملیة توریث الحکم للسید / جمال مبارك بعد الأنتهاء من عملیة الانتخابات التشریعیة بمجلسي الشعب والشوري وإستبعاد ای تیارات أخری للوصول الی المجلس. بدأت توزع منشورات فی القاهرة وبعض المدن. عن التوقیع لترشیح السید جمال مبارك ووضع ملصقات علی الحواٸط کذلك صور تأیید أخری للسید / عمر سلیمان المرشح الأخر للرٸاسة وکانت تختفی هذه المُلصقات بعد قلیل. حاولت الولایات المتحدة فتح حوار بین الأخوان وتم بالفعل فی داخل فندق کبیر فی وسط العاصمة برعایة کندیة. وقد ساعد علی ذلك الدکتور / سعد الدین ابراهیم رٸیس مرکز ابن خلدون بالقاهرة. اثناء تنفیذ حکم قضاٸي ثلاث سنوات مع جماعه الأخوان داخل السجن. وفی تصریح للدکتور محمد بدیع المرشد العام للجماعة فی صیف 2010م صرح قُبیل الأنتخابات التشریعیة فی اکتوبر 2010م إذا تم استبعادهم من العملیة الأنتخابیة والتوریث سوف تشعل النار فی مصر. ولم یحدث وبالفعل تم استبعاد الاخوان من مجلس الشعب وکل القوي الوطنیة فتم تنسیق مع قوي معارضه بتشکیل مجلس موازی. کان رد مبارك (خلیهم یسلوا) وفی نهایة العام کانت الشعلة الأولي فی جسد (محمد بوعزیزی ) الشرارة الأولي. لإشعال الثورة فی مصر. تحت کلنا خالد سعید.. وجماعة کفایة. لتآخذ منعطف أخر بعد تصعید المظاهرات وإقالة الحکومة وتعین ناٸب لمبارك. وکانت مطالب المتظاهریین أولاً: رحیل مبارك عن الحکم وتقدیمة للمحاکمة، ومحاسبتة عن مصادر ثروتة..

رغم أنه لم يعلن صراحة رغبته في تولي ابنه المسؤولية من بعده إلا أن كل المؤشرات والاستعدادات كانت تتجه بمصر إلى هذا الاتجاه، فقد أصبح جمال مبارك الأمين العام "للحزب الوطني الحاكم" وهو المنصب الذي يلي مباشرة منصب رئيس الحزب، مبارك، وأيضا رئيسا للجنة السياسات بالحزب والمسؤولة عن وضع كل سياسات الدولة. بالطبع لم يرق هذا كله لقادة الجيش الذين اعتبروه خروجا عن النهج الذي خطته ثورة يوليو/ 1952م رغم نهج الثورة من وجهة نظری قد ماتت مع نکسة 1967م، فقد جرت العادة أن يخرج الرئيس من عباءة المؤسسة العسكرية وجمال ليس عسكريا..

وعندما هبت نسائم "الربيع العربي" على مصر قادمة من تونس، وخرجت الجموع في الشوارع يوم 25 يناير 2011م مطالبة بإصلاح النظام ومرددة الشعار الشهير " عیش. حرية عدالة اجتماعية" قابلتها قوات الأمن بقمع غير مسبوق ما أدى إلى سقوط قتلى في المظاهرات وهي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك منذ وقت طويل، اشتعل الموقف وارتفع سقف المطالب ليصبح "الشعب يريد إسقاط النظام"

تولي الجيش حفظ الأمن والحفاظ علي الممتلكات العامة والخاصة. تولي الشرطة العسكرية مهام الشرطة المدنية لحفظ النظام في البلاد. عزل قيادات الشرطة ومدیري الأمن وقيادة أمن الدولة والأمن المركزي ووضع ضباط وجنود الشرطة تحت تصرف الشرطة العسكرية. التحفظ علي المسؤولين السابقين ومنعهم من السفر تمهيدا لتقديمهم لمحاكمة عادلة. تجميد أموال المسؤولين السابقين وأسرهم لحين لمعرفة مصادرها. الإعداد لانتخابات رئاسية وتشريعية وفقا للدستور الجديد حال الانتهاء منه بعد إقراره من الشعب في استفتاء عام. وعاش الشعب ألمصري قصة الفیلم المصري " أحلام هند. وکامیلیا. لیتحطم الحُلم علی صخرة. ویعیش الشعب علی. ولا یوم من أیامك یامبارك...

 

محمد سعد عبد اللطیف

کاتب مصري وباحث فی الجغرافیا السیاسیه.

 

عزيز الحافظليس تفخيما في التصوير الدرامي لقصة خيالية.. وليست حبكة لمقدمة مسلسل هندي متكررالسيناريو والموسيقى التصويرية الحزائنية... بل إنها حقيقة واقعية حسب الاطر التي وضعتها الآمم المتحدة للجريمة ضد  الإنسانية: !!!!Genocide  للمتقاعدين العراقيين.. لن اختار مفرداتا البسُها ثوب الهلع والتخويف والتضخيم

وأردد ببغاوية كلماتا...يكتبها الجميع عن مظلومية مجتمعية قاسية الملامح لإحوال عوائلهم وجريمة الإبادة الجماعية التي نكلت بهم وبإحلامهم ومشارق مستقبلهم الذي وجدوه فجأة قاتما مظلما!

انا لاأبحث عن اوسكار لمظلوميتهم....ولا اتوسط بينية القتلة... فهم هنا بين الحكومة العادلية ومجلس نواب منتقم من الشعب...أمتيازاته أسطع من إمتيازات مجلس الشيوخ الأمريكي ومجلس العموم البريطاني...ليكونا قوسين فقط لجريمة كبرى ضد الإنسانية مسكوت عنها..لإن المتقاعد العراقي لايملك مايملكون من سطوة ووسائل إعلام وفسحة ديمقراطية وبحبوحة عيش حلمية... ستتهموني بالتضخيم! وحتى من بين المظلومين المتقاعدين سيقول أن طرحك أشبه بالخيال والسفر بين النجوم.. بمركبة فضائية مجانية...ولكني اقول! إنها جريمة إبادة جماعية لالاف العوائل العراقية الصابرة...والتي ولي امرها المتقاعد...

الإبادة الجماعية حسب التوصيف الدولي: تعني إرتكاب أي عمل من الإعمال الآتية بقصد الإبادة الكلية أوالجزئية لجماعة ما...على أساس القومية أوالعرق أو الجنس او الدين مثل:

1- قتل اعضاء الجماعة.

2 - إلحاق الأذى الجسدي او النفسي الخطير بإعضاء الجماعة.

3- إلحاق الأضرار بالاوضاع المغيشية للجماعة بشكل متعمد بهدف التدمير الفعلي للجماعةكليا أوجزئيا!

ساكتفي بهذه لتعرفوا ان الفقرتين 2-3 تمسنا بدون دليل إضافي.... وبرهان بوليسي.. اننا تعرضنا لإبادة جماعية يعاقب عليها القانون الدولي!

نحن لم نعلم اننا مشمولون بهذا السطوع الإجرامي لمن قتل احلامنا وطموحنا ومستقبلنا وأمانينا بعيش رغيد... وطحن كل مستلزمات الفرح في ذواتنا!

إن مافعلته الحكومة العادلية ومجلس النوّام العراقي... ضد المتقاعدين العراقيين/ جريمة ضد الإنسانية والشواهد قرأتموها!

يجب أن تصل هذه المآسي... للعالم كله..أين الجامعة العربية التي تغّط في سبات عميق... بعد ان خفت بريق الكفاح المسلح ضد اللقيطة إسرائيل؟ أين منظمة المؤتمر الإسلامي التي تجتمع حول خلاف نواقض الوضوء.. وتحديد إتجاه الكعبة... ولاتآبه للقتل الجماعي للمتقاعدين من كل المذاهب والاديان... في العراق؟

أرسم تمنيات وهواجس واحلاما وردية......ان تصل المقالة للامم المتحدة ويكون منبرها صاروخا عابرا لكل القارات... يحمل مظلومية الملايين من شعب العراق الأبّي..من المتقاعدين!

أريد ان يعرف العالم كله مجنونية هذه الجريمة.... ولكني اصطدم بضعف إمكانياتنا اللوجستية فلانملك إلا الصوت الهادر... والتظاهرات السلمية التي تقابلها بتوجس قوات مكافحة الشعب.... العراقية... ولم تسقط النقطة جزافا...فهي قوات مكافحة الشعب لاالشغب!

تريدون قتل أحلامنا؟ وتريدون تشويه صورة لم يرسمها مايكل انجلو ولادافنشي.. ولكن رسمتها بسمة طفل لايعلم معاناة أبوه ولايفقه دمعة امه  على مستقبل مجهول...

 ... هذه الصورة معلّقة في بطين قلب الأب الحزين...وأذين قلب الأم الصبورة....

هذه جريمة إبادة جماعية للمتقاعدين العراقيين وضد الإنسانية ...فلتتحرك الضمائر الصامتة!

 

عزيز الحافظ

 

 

نجوى السودةعملية الجرب الكبرى وعملية إطلق وشوط التي قام بها فيلق من علماء الكيمياء بالجيش الأمريكي مابين شهري أبريل حتى نوفمبر 1956 حيث إستخدوا فيها البراغيث والباعوض حاملي الأمراض وقاموا بإلقائها على المدن الآهلة بالسكان الزنوج . إهتمت العملية بالدور الذي يمكن من خلاله إستخدام البراغيث والباعوض كأسلحة. أطلق الفريق في عام 1956  600000 باعوضة غير مصابة عبر طائرة على أفون بارك، ولاية فلوريدا .في غضون يوم، كان الباعوض قد إنتشر على مسافة ما بين ميل إلى ميلين وقام بمص دماء الكثيرين من البشر .أطلقوا الباعوض على الكثيرين من السكان السود بولاية فلوريدا مما أدى إلى إصابة العشرات بالمرض والموت .في عام 1958، قاموا بعمل إختبارات أخرى حيث قاموا بنشر الباعوض عبر الطائرات الهليكوبتر، فانتشر أسرع وأكثر إلى مسافة أكبرمن الميل عبر كل الإتجاهات وبهذا إستطاع أن يدخل في كل المباني ."لم تعرف بيترايس بيترسون بامر الباعوض المنتشر ولكنها تذكر ما حدث في أواسط عام 1950عندما إنتشرت البراغيث وكان عمرها في ذلك الحين 14عاما . "نحن على علم بأنهم قاموا بإلقاء البراغيث علينا، لكننا لانعلم ماالسبب وراء ذلك ولماذا، لا أستطيع أن أتذكر لماذا لأنني كنت عائدة من المدرسة وكان ذلك في عام 1950،"ظلوا يفعلون ذلك من وقت لآخر .

حدثت عملية مشابهة لتلك العملية في جورجيا، أطلق عليها "عملية الأزيز الكبرى ."وقعت تلك التجربة في مايو عام 1955 في الولايات المتحدة في ولاية جورجيا .كانت العملية تجربة ميدانية يقرر من خلالها مدى الإستفادة من إنتاج وتخزين باعوض حامل للحمى الصفراء في ذخيرة الأسلحة ونشره عبر المجال الجوي (رغم أنها لم تكن مصابة). الهدف الثاني للعملية كان الغرض منه تحديد إذا ما كان الباعوض سوف يظل حيا وهو في حالة التشتيت وهل سيقدر على العثور على الغذاء على الأرض . حينما جمعوا الباعوض قرروا أنه يتغذى بشراهة على دماء البني آدميين .كانت عملية الجرب الكبرى سلسلة من التجارب قام بها هؤلاء العلماء في الكيمياء بالجيش الأمريكي في عام1954 في داجواي ليبرهنوا فعاليتها على الأرض .قاموا بتخليق أشكال منيرغوث الفأر الإستوائي ليستخدموه في الحرب البيولوجية كمرض نقال .حملوا البراغيث داخل نوعين من الذخائر وألقوا بها عبر الجو . حشدوا القنبلة إ 14 والقنبلة إي 23، داخل القنبلة إي 86وإي77، بالتناوب . وعندما وصلت القنابل المحشوة على بعد 2000 أو ألف قدم قاموا بإطلاقها عبر الباراشوت، ومنها يتفشى نقل المرض .أثبتت عملية الجرب الكبرى نجاحها، وأثبتت التجارب كذلك أن البراغيث لا تستطيع التي أطلقوها عبر الهواء من الطائرات أن تعيش فقط، لكنها قادرة أيضا على أن تلتصق سريعا بمضيفها .

 

الكاتبة /نجوى السودة

............................

 

source:

https://prezi.com/herfa_3demzy/operation-big-buzz/

http://www.wow.com/wiki/Operation_Drop_Kick

http://www.wow.com/wiki/Operation_Big_Itch

 gamefly May 3, 2019 - 10:01 pm Reply

Great blog! Do you have any tips and hints for aspiring writers?

I’m hoping to start my own blog soon but I’m a little lost

on everything. Would you advise starting with a free platform like WordPress or go for a paid option? There are so

many choices out there that I’m completely confused ..

Any tips? Cheers!

mojang minecraft download May 7, 2019 - 10:30 pm Reply

Thankfulness to my father who informed me about this webpage, this blog is in fact remarkable.

nope September 11, 2019 - 8:45 pm Reply

remarkably biased

minecraft download free May 9, 2019 - 4:59 pm Reply

Great beat ! I would like to apprentice while you amend your site,

how can i subscribe for a blog site? The account helped me

a acceptable deal. I had been a little bit acquainted of this your broadcast provided bright

clear concept

g May 13, 2019 - 12:11 am Reply

Fascinating blog! Is your theme custom made or did you download it from somewhere?

A design like yours with a few simple tweeks would really make my blog stand out.

Please let me know where you got your theme. Appreciate it

download minecraft May 15, 2019 - 12:37 am Reply

My coder is trying to persuade me to move to .net from PHP.

I have always disliked the idea because of the costs.

But he’s tryiong none the less. I’ve been using WordPress

on various websites for about a year and am worried about switching

to another platform. I have heard very good things about blogengine.net.

Is there a way I can transfer all my wordpress posts into it?

Any help would be really appreciated!

how much is lacoste shoes May 20, 2019 - 8:29 pm Reply

Find Men’s Shoes on the Lacoste online store. All kind of different Lacoste shoes for men available on the Online shop: boots, trainers and boat shoes.

how much is lacoste shoes May 20, 2019 - 10:14 pm Reply

Lacoste Sport Kids Shoes White Size 1 | Clothing, Shoes & Accessories, … New Children Shoes Kids Boys Sneakers Girls Sport Casual Athletic Running Shoes.

fjallraven pants May 26, 2019 - 1:38 am Reply

G-1000 is our cornerstone material. With Greenland Wax you can adapt your garment to your specific needs. Read more about G1000 here.

gamefly free trial May 29, 2019 - 11:33 pm Reply

Thank you, I have recently been searching for information approximately this topic for a while and yours is the best I have found out till now.

However, what about the bottom line? Are you certain in regards to the source?

FranMonry June 2, 2019 - 1:37 pm Reply

Tadapox Online No1 Online Pharmacy viagra online prescription Where I Can Buy Ropinirole 2 Viagra Assunzione Cena Acheter Vrai Viagra

gamefly free trial June 3, 2019 - 4:38 pm Reply

With havin so much content and articles do you ever run into any issues of

plagorism or copyright infringement? My site has a lot of completely unique content

I’ve either authored myself or outsourced but it appears a lot of it is popping it up all over the internet without my permission. Do you know any solutions to help reduce content

from being ripped off? I’d certainly appreciate it.

son dakika yalova haberleri June 8, 2019 - 3:56 am Reply

The new Zune browser is surprisingly good, but not as good as the iPod’s. It works well, but isn’t as fast as Safari, and has a clunkier interface. If you occasionally plan on using the web browser that’s not an issue, but if you’re planning to browse the web alot from your PMP then the iPod’s larger screen and better browser may be important.

FranMonry June 9, 2019 - 3:20 pm Reply

El Viagra Femenino Viagra Generique Le Moin Cher How To Get Narcotics Online cialis 20mg price at walmart Propecia Depression Male Pattern Baldness

quest bars June 16, 2019 - 12:40 pm Reply

It’s perfect time to make some plans for the future and it’s time to be happy.

I have read this post and if I could I desire to suggest you some interesting things or tips.

Perhaps you could write next articles referring to

this article. I want to read even more things about it!

FranMonry June 17, 2019 - 12:08 pm Reply

Rumalaya Oil Propecia 2mg Cialis Listino Prezzi viagra Doxycycline Hyclate 100mg Order Online Buy Valtrex Online Cheap No Prescription

nope September 11, 2019 - 8:46 pm Reply

What incredible bias

  • • Armes biologiques: un aperçu factuel utile et opportun – DE LA GRANDE VADROUILLE A LA LONGUE MARGE February 8, 2020 - 5:04 am Reply

[…] (8) https://blackthen.com/operation-big-itch-operation-drop-kick-fleas-infected-mosquitoes-dropped-black… […]

  • • Armas biológicas: Una visión general útil y oportuna de los hechosLarry RomanoffGlobal Research 07.02.2020 – L'HORA February 9, 2020 - 6:06 pm Reply

[…] (8) https://blackthen.com/operation-big-itch-operation-drop-kick-fleas-infected-mosquitoes-dropped-black… […]

  • • Armes biològiques: Una visió general útil i oportuna dels fets [Larry Romanoff – Global Research, 07.02.2020] – L'HORA February 9, 2020 - 6:09 pm Reply

[…] (8) https://blackthen.com/operation-big-itch-operation-drop-kick-fleas-infected-mosquitoes-dropped-black… […]

  • • Armes biològiques: Una visió general, útil i oportuna dels fets [Larry Romanoff – Global Research, 07.02.2020] – L'HORA February 9, 2020 - 6:21 pm Reply

[…] (8) https://blackthen.com/operation-big-itch-operation-drop-kick-fleas-infected-mosquitoes-dropped-black… […]

  • • Biological Weapons: A Useful and Timely Factual Overview (Part 1 of 3) – Bill Totten's Weblog February 10, 2020 - 7:00 pm Reply

[…] {8} https://blackthen.com/operation-big-itch-operation-drop-kick-fleas-infected-mosquitoes-dropped-black… […]