بغداد عاصمة الثقافة العراقية...ملفات فساد منذ 2013

كشف تحقيق استقصائي أعده موقع خارطة درج هدر 112 مليون دولار بين أروقة وزارة الثقافة، على مشروع “بغداد عاصمة الثقافة العراقية” الذي انطلق عام 2011، تبعثرت بين إنتاج أفلام لم تعرض ومسرح لم يرمم وكتب لم تظهر، ودار أوبرا لم يرتفع منه سوى حجر أساس على كف من الإسمنت- ويقول التقرير إن الأنقاض ما زالت تتكدس على خشبة مسرح الرشيد وسط بغداد منذ قرابة 16 عام،، والأروقة التي شهدت عروضاً مسرحية لكبار الفنانين العرب والأجانب، باتت اليوم مكبّاً لكراسٍ محطّمة وأثاث متهالك !!!

تدهورت حال مسرح الرشيد، أشهر مسارح العاصمة أواخر القرن الماضي، مذ تعرضه للتدمير والنهب خلال الفوضى التي رافقت الغزو الأميركي للعراق عام 2003.  رغم وعود الحكومات المتكررة بإعادة تأهيله، ثم تخصيص 31 مليون دولار لإعماره، من ضمن نصف مليار لمشروع “بغداد عاصمة الثقافة العراقية 2013″، ولا يزال المسرح على حاله؛ ليس أكثر من أنقاض حرب،، فشل مشروع تأهيل مسرح الرشيد، يحاكي مصير مشاريع كثيرة استهدفت ضمن مهرجان بغداد عاصمة الثقافة العربية 2013، وقد خصّصت الحكومة العراقية انذاك (579) مليار دينار تأهيل مسارح ودور سينما وقاعات فن تشكيلي لتنفيذه على مدى أربع سنوات، رغم أن وزارة الثقافة اعلنت في موقعها الالكتروني أنها تتحمل صرف مبلغ 133 مليار دينار فقط من المبلغ المخصص، لكنّ المشروع انطلق وانتهى من دون ترميم أو إعادة بناء تلك المراكز الثقافية. ويرصد هذا التحقيق، دهاليز فساد وهدر رافقت تنفيذ المشروع، وكيفية تمرير عقود وصرف أموال من دون سند، مقابل عجز مؤسسات رقابية، بما في ذلك هيئة النزاهة العراقية والمنظومة القضائية عن تقديم المسؤولين المتورطين في هذه القضية للمحاسبة، على رغم مرور خمسة أعوام على إقفال المشروع. انطلقت تلك المشاريع عام 2011 وانتهت بحفل ختامي دام ثلاثة أيام في نيسان/ أبريل 2014،، عضو لجنة النزاهة البرلمانية السابقة النائب عالية نصيف، تلخّص حجم الفساد الذي شاب ذلك المشروع: “المسؤولون الكبار في وزارة الثقافة جميعهم متورطون، سواء من تم استبعادهم لاحقاً، أو أولئك الذين احتفظوا بمناصبهم حتى الآن

واشار التقريربان مسؤول رفيع في وزارة الثقافة يكشف كيف تعاملت الوزارة مع الأموال المخصّصة لمشروع بغداد، “ميزانية الوزارة كانت ضعيفة جداً، ولا تكفي لتسيير عملها، ولهذا اعتمدت على تخصيصات المشروع لدعم الميزانية”. على رغم ذلك “عادت أموال ضخمة إلى وزارة المالية”، من دون أن تحديد قيمتها، كما يشرح المسؤول الذي طلب حجب اسمه. أما المشاريع التي لم تنجز “فقد نهبت المبالغ المخصّصة لها، بطريقة أو أخرى، في غياب كامل للرقابة. باختصار لم يكن هناك أي رقيب على صرف الأموال في هذا المشروع وتابع قائلا \ غياب الرقابة كان السمة الأبرز في الملفات التي تعقبتها معدّة التحقيق بين عقود مشاريع لم تنجز، ومشاريع لترميم معالم أثرية لم يبدأ العمل بها، أو مناقلة أموال لم يعرف مصيرها بعد التحويل. كما تتبعت إنتاج عشرات الأفلام، التي لم يصل معظمها إلى صالات العرض، وطباعة مئات الكتب معظمها ظلّ حبيس المخازن

ويذكر التقرير ان حفرة عميقة بـ21 مليون دولار، وحجر أساس نقش عليه اسم وزير الثقافة الأسبق بالوكالة سعدون الدليمي (2010-2014)، هذا كل ما تبقّى من مشروع “دار الأوبرا”، الذي روّجت له الحكومة العراقية كأبرز منجزات مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية،، أما المشاريع التي لم تنجز “فقد نهبت المبالغ المخصّصة لها، بطريقة أو أخرى، في غياب كامل للرقابة في 15/9/2011، غربلت وزارة الثقافة 16 شركة عراقية وعربية وعالمية من بين 141 شركة تقدّمت للمناقصة الخاصّة لإنشاء دار الأوبرا والمجمع الثقافي. وفي المحطّة التالية وقع الاختيار على شركة “روتام” التركية مقابل 146 مليون دولار، على رغم أن هذه الشركة أسّست فرعها في العراق في 1/3/2011، أي قبل 6 أشهر فقط من اختيارها

وبحسب الوثائق التي حصلت عليها كاتبة التحقيق، فإن الشركة لم تلب في عرضها سوى أربعة من بين 11 شرطاً وضعتها الوزارة في تعليمات التقديم للمناقصة وعلى رغم ذلك وقّع وزير الثقافة الأسبق، سعدون الدليمي، العقد المرقم (21 لسنة 2011) مع شركة روتام، التي تسلّمت 10 في المئة من قيمة العقد (14.6 مليون دولار) كسلف تشغيلية، و5 في المئة تحت بند تحسين الأداء (7.3 مليون دولار)؛ أي (21.9 مليون دولار)، ما يوازي 4.3  في المئة من مخصّصات مشاريع بغداد عاصمة الثقافة العربية. بموجب العقد، يفترض بالشركة إنجاز المشروع وتسليمه كاملاً خلال فترة (540 يوماً) أي منتصف 2013

وتجنب معظم المسؤولين في وزارة الثقافة الرد على محاولات كاتبة التحقيق للوقوف على ردودهم حيال قضايا فساد تتهم بها الوزارة،، ويؤكدالتقريران سعدون الدليمي وزير الثقافة وكالة إبان انطلاق مشروع بغداد عاصمة الثقافة تجنب الرد على اتصالات كاتبة التحقيق على مدى أكثر من عام. وبمحض مصادفة تحقّق اللقاء معه في مبنى مجلس النواب خلال حضوره إحدى الجلسات في 27 آذار/ مارس 2019 وكان تعليقه على التفاصيل التي طرحتها كاتبة التحقيق، بأنه يرفض الرد على الاتهامات التي وجهت إليه في ما يخص مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية. واكتفى بالقول: “أنا شخصياً أفخر بما قدمته في هذا المشروع، علماً أنني كنت وزيراً للدفاع ولم يكن وزيراً للثقافة،، و سعت معدّة التحقيق إلى مقابلة فرياد رواندوزي – الذي حمل حقيبة الثقافة بعد الدليمي لكنّه تجنّب الاستجابة لمحاولاتها المتكررة على مدى ثلاثة أشهر، على رغم أنه كان أعلن رغبته في إحالة ملف فساد مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية إلى القضاء حال تسلمه للوزارة (2014-2018)

في تشرين الأول/ أكتوبر 2015، أعلن راوندوزي عبر وسائل الإعلام، أن وزارته رفعت أربعة ملفات فساد للجهات التحقيقية، أحدها يحوي قضايا ذات صلة بمشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية. لكنه أقرّ بأنه لا يملك صلاحية معاقبة أي من وكلائه أو المدراء العامين في الوزارة الضالعين في تلك القضايا،،لأن لديهم حصانة !!! رغم ذلك، حصلت معدّة التحقيق على وثيقة موجهة من المفتش العام في وزارة الثقافة فراس خضير تركي، إلى مكتب الوزير مؤرخة في 24/ 12/2014، أي بعد انتهاء المدّة المقررة لإنجاز المشروع بنحو 6 أشهر، يؤكد فيها أن العمل متوقف هناك وأن الشركة لم تقدّم التصاميم الخاصّة بالمشروع. ولفت آنذاك إلى أن عدد الموجودين في موقع العمل لا يتجاوز خمسة أشخاص

في 29/12/2014، سحبت وزارة الثقافة المشروع من شركة “روتام”، وطالبت المصرف المتحد للاستثمار، بمصادرة خطاب الضمان الذي قدّمه بالإنابة عن الشركة التركية لإعادة (21،9 )مليون دولار  لكن المصرف المتحد امتنع عن سداد المبلغ للوزارة.

إلى جانب فشل مشروع دار الأوبرا، أثار مشروع “خيمة فعاليات الاحتفاء ببغداد عاصمة الثقافة العربية”، جدالاً واسعاً لدى الكشف عن المبلغ الذي خصّص لها أواخر العام 2014. إذ تعاقدت وزارة الثقافة مع شركة “سان غيتس” اللبنانية لتجهيز خيمة مستأجرة ونصبها في حديقة الزوراء العامة وسط بغداد، مقابل أكثر من مليوني دولار لمدّة ثلاثة أيام فقط،، ويقول التقريران رئيس “هيئة النزاهة” القاضي عزّت توفيق، يبلغ كاتبة التحقيق بوجود ملف واحد حول قضية دار الاوبرا، يتصل بقيام أحد المدراء في الوزارة باستلام “عمولة” غير مشروعة من الشركة المتعاقدة على تنفيذ دار الأوبرا. “مع ذلك صدر قرار بإغلاق القضية، والإفراج عن المتهم لعدم كفاية الأدلّة”، كما يضيف توفيق دون أية تعليقات إضافية

في أيلول/ سبتمبر 2013، طلب المخرج وعضو لجنة اختيار الأفلام فارس طعمة التميمي إعفاءه من عضوية اللجنة، منتقداً إجراءات الوزارة ذات الصلة باختيار الأفلام المقرّر تمويل إنتاجها ضمن ميزانية مشروع بغداد عاصمة الثقافة. يعتقد التميمي أن رأي اللجنة كان مهمشا بالكامل، وأن وزارة الثقافة اعتمدت أفلاماً سبق أن رفضتها اللجنة. وهو يؤكد أن 20 فيلماً  “يعضها لم يكن صالحاً، وبعضها الاخر لم يكن يستحق أن يطلق عليه اسم فيلم أصلاً

 ووفق دليل أصدرته وزارة الثقافة عام 2014، فإن كلفة إنتاج الأفلام الـ37 ضمن المشروع، بلغت 16 ملياراً و482 مليون دينار عراقية (13.7 مليون دولار أميركي) التميمي يعزو تمرير هذه الأفلام إلى “المحسوبية” التي كانت تتحكم بقبول الأفلام المقترحة أو رفضها. ويستشهد برفض اللجنة – التي كان عضواً فيها- فيلمين من إنتاج فنانين يمتّان بصلة نسب مع الدليمي. لكن سرعان ما وافقت لجنة اختيار الأفلام البديلة عليهما مقابل 1.7 مليون دولار

وخصّصت وزارة الثقافة 3.8 مليون دولار لطباعة 600 كتاب أدبي وثقافي، بواقع ألفي نسخة لكل مطبوع وبتقسيم المبلغ على عدد الإصدارات، يتبين أن الوزارة خصّصت 6333 دولار للمطبوع الواحد، بغض النظر عن عدد الصفحات أعلى سعر طباعة،، وبسؤال ثلاث مطابع محلية عن كلفة طباعة ألفي نسخة لكتاب من 300 صفحة، جاء الرد بأن لا يتجاوز 3000 دولار!!

ويؤكد مثقفون عراقيون  أن فضائح الفساد في المؤسسات الثقافية ووزارة الثقافة العراقية لم تعد خافية على أحد، ففي كل موسم ثقافي أو مهرجان أدبي هناك فضيحة مدوية تلوك تفاصيلها وسائل الإعلام المختلفة لعدة أشهر، وهذا الأمر يتطلب عملية إصلاح عاجلة لإدارة المؤسسات الثقافية وإقصاء كل من تلوثت أفكاره بلوثة الفساد،، الفساد كظاهرة أخذت تستفحل وتستشري في معظم مفاصل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية في العراق، وما يؤسف له أن تطال هذه الظاهرة جسد المنظومة الثقافية ومؤسساتها ومنظماتها واتحاداتها، سواء كانت ثقافية منها أو إعلامية، فقد أصبحت المنظومة الثقافية اليوم غير محصنة ضد الأمراض الاجتماعية بعد أن تعرضت مؤسساتها إلى جملة من التدخلات الحزبية وباتت مسرحاً لتجاذباتها وتخضع لمحاصصتها المقيته التي جاءت بأفراد غير مؤهلين لقيادة المؤسسات الثقافية وإدارة الفعاليات والمهرجانات الأدبية والأنشطة الثقافية والفنية. اضافة الى التدخل الحزبي السافر في الشأن الثقافي أسهم بتردي الواقع الثقافي وانعكس سلباً على مجمل المنظومة الثقافية والأدبية والفنية والإعلامية وتسبب بتراجع أداء المؤسسات المعنية بها حتى بات الانتماء لهذه المؤسسات الثقافية لا يبعث على الفخر مثلما كان في السابق

نحن بامس الحجة لثورة ضد الفساد والفاسدين، والطبقة الثقافية تطالب المجلس الاعلى لمكافحة الفساد وهيئة النزاهة باعادة فتح ملفات الفساد الخاصة بوزارة الثقافة،، فهل نحن فاعلون ؟!!

 

نهاد الحديثي

 

 

منى زيتوناللغة هي مجموعة من الرموز الاتفاقية الاصطلاحية، يتم التعبير والإشارة من خلالها إلى أشخاص أو أنشطة أو مشاعر أو مفاهيم مادية أو مفاهيم مجردة.

واللغة ليست هي الواقع نفسه، فأي كلمة ليست هي الشيء نفسه الذي ترمز إليه، وبالأحرى يمكننا القول إن اللغة ترمز إلى جزء من الواقع وليس إلى الواقع بأكمله.

وأي لغة هي مجرد شفرة رمزية لا بد من إتقانها كي يمكن التواصل من خلالها. ولقد طوّر البشر أنواعًا عديدة من الأنظمة الرمزية عبر الزمن. ‏وتهدف النظم الرمزية إلى نقل المعلومات بدقة وبانتظام، والتي تكون ذات معنى من الناحية ‏الثقافية.

وأي لغة منطوقة ومكتوبة، وكذا النظم الرياضية بما تحوي من أرقام وعلامات الحساب والبسط والمقام والفواصل العشرية، والمعادلات المنطقية، ‏والخرائط والرسوم البيانية واللوحات، وغيرها، ما هي إلا أمثلة لتلك النظم الرمزية أو الشفرات التي لا معنى لها إلا لدى من يعرف مدلولاتها، لكن تبقى اللغة الملفوظة هي المعنية عند الحديث عن اللغة كونها تميز الإنسان؛ أي إنسان، ولا أعني الملكة الفطرية لدى الإنسان التي تمكنه من تعلم اللغة، بل أعني اللغة الصوتية المُعيَّنة التي يتعلمها الإنسان في بيئته بعد ميلاده لأنها وسيلة الإنسان الأهم للتواصل مع الآخرين.

تتعدد اللغات حول العالم باختلاف أجناس البشر وثقافات الشعوب. ورغم أنه بالإمكان الادعاء أن هناك قواعد عامة تتأسس عليها جميع لغات العالم؛ تمثل القدرة الفطرية التي تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات، وتمكنه من تعلم لغة أي مجتمع ينشأ فيه، مهما تباينت تلك اللغات، فإن تاريخ الإنسان الطويل على ظهر الأرض قد صنع اختلافات بين اللغات لا يُستهان بها.

التسمية

لعالم اللغة والفيلسوف فردناند دي سوسور الفضل في توضيح التصور حول الرموز التي تتكون منها اللغة، فالرموز (التسميات) يتكون كل منها من دال ومدلول. الدال عند سوسور هو الصوت الملفوظ أو الحرف المكتوب، والمدلول هو الصورة الذهنية التي يكونها العقل عن الرمز. فإن كان الرمز هو (الحقيبة) فالدال هو الأصوات الخمسة المكونة لكلمة (حقيبة) والمدلول هو ذلك التصور العقلي عن الحقيبة.

لأجل ذلك تتأثر رموز كل لغة بالنظام الصوتي للغة الذي يشكل الدلالات للرموز، كما تتأثر الرموز بالصورة التي تنقلها حواسنا ويكونها عقلنا عن مدلولات الرموز. لكن، وكما أوضحت في البداية فاللغة أوسع من أن تُحصر في اللغات الصوتية؛ فهي أي رموز اتفاقية، ولا يلزم أن تكون لغة صوتية.

ومما يميز اللغة العربية أن التسميات التي تُخلع على رموزها ليست اتفاقية اصطلاحية فقط بل ومنطقية، فهناك علاقة واضحة دائمًا بين الدال والمدلول، فالشجرة سُميت كذلك لاشتباك أفرعها وتشاجرها، وليس لأن العرب اتفقوا فقط على تسميتها شجرة! أما في اللغات الأخرى فتكون أغلب التسميات اعتباطية اتفاقية وليست منطقية. كما أن للرمز في العربية مدلولات كثيرة، وإن كان المستقرئ لتلك المدلولات يجد ارتباطًا بينها على اتساعها، بينما تكون مدلولات الرموز في اللغات الأخرى أقل عددًا وترابطًا.

وللأسماء التي تُطلق على الأشياء في أي لغة أثرها في تكوين تصور أغلب الناس عنها؛ فقلة من الناس من يلتفتون إلى حقيقة الشيء لتكوين تصورهم عنه، وهو ما يُعرف بالتوجيه العملي الواقعي، ولا يلتفتون إلى ما خُلع من تسميات على تلك الأشياء والتي قد تكون خادعة. بينما أغلب البشر يتم توجيههم توجيهًا متعمدًا إلى تكوين تصورات غير حقيقية عن الأشياء من خلال إطلاق مسميات لا تتفق مع حقيقة تلك الأشياء. من ذلك تسمية الجيش الإسرائيلي الذي يعتدي على المدنيين يوميًا ويقتلهم بـ "جيش الدفاع"! وتسمية جماعة دينية ذات فكر متشدد يخالف روح الإسلام وما عُرف عن الصالحين من سلف الأمة باسم "الجماعة السلفية"!

بل إن من الدراسات النفسية والاجتماعية ما أشار إلى أن تغيير وتحويل التسميات يؤثر في تغيير النظرة إلى الأشياء من سلبية إلى إيجابية أو العكس؛ فإن كان لابنك منظور سالب عن نفسه بأنه بطئ التفكير في اتخاذ قراراته، يمكنك تغيير هذه التسمية لتكون أنه يفكر مليًا في الأمور، وسينعكس هذا على نظرته لنفسه، ونظرة غيره له ممن يتبنون التسمية الجديدة. مع ملاحظة ضرورة توفر الصِدقية وعدم التهوين من شأن أي مشكلة حقيقية موجودة.

وينبغي تفهم أن التسمية في أغلب الأحيان لا تكون إلا تعميمًا وتكوينًا لمفهوم ما نتيجة التركيز على نواحي التشابه وتجنب النظر للاختلافات، فهذا كتاب والآخر كتاب، ولا يعني من يطلق التسمية محتوى أي منهما أو اسم مؤلفه أو أي عامل آخر من عوامل الاختلاف؛ فاستخدام المصطلح العام يصرف الانتباه عن تفرد كل شيء يندرج تحته.

وظائف اللغة

اللغة هي دالة الفكر، عن طريقها يصوغ الإنسان أفكاره؛ ويفكر داخل الحدود التي تمنحه إياها. هي "مجلى للفكر وترجمان له" كما ذكر الإمام محمد عبده. هي الوعاء الذي يحمل فكر الإنسان وينقله من عقله إلى عقول غيره في الدنيا الفسيحة. وكم تختلف نظرة الإنسان باختلاف اللغة التي يفكر ويعبر بها، ولا أحسبها مسألة تقتضي النقاش أن بنية اللغة التي يتحدثها الإنسان تؤثر في طريقة تفكيره، ولعلنا نلاحظ الفرق بين التفكير الشرقي والغربي. ومن جرّب الحديث والكتابة بلغتين مختلفتين يلاحظ أكثر من غيره كيف أنه حين يفكر ويتحدث ويكتب باللغة العربية يختلف كثيرًا عنه عندما يفكر ويُعبِّر بلغة هندو أوروبية.

وتتأثر عملية عقلية أخرى باللغة خلاف التفكير؛ وهي عملية الإدراك، وهناك دراسات تؤكد أن اللغة التي نتحدثها تؤثر على فهمنا وإدراكنا للعالم من حولنا، وما لا يوجد لفظ يعبر عنه في لغتك لن تستطيع إدراكه! بل وهناك دراسات تشير إلى أن تحدث الفرد بلغتين ينشط كلا النصفين الكرويين للمخ، ومن ثم تنشط عنده معالجة المعلومات المتعلقة بالفهم والإدراك، ويفكر بشكل أفضل، وينعكس ذلك في ارتفاع نسبة نجاح ما يتخذه من قرارات.

لكن ليست وظيفة اللغة الفكرية هي موضع حديثنا هنا؛ وإن كان لا يمكن الفصل بينها وبين وظيفتها في التواصل الاجتماعي؛ فاللغة هي وسيلة النوع البشري الأهم للتواصل. هي شأن إنساني خالص لا سبيل إلى مقارنته بتلك الأصوات التي تصدر عن الحيوانات.

وكل الألفاظ في اللغة العربية التي تدل على جودة التعبير اللغوي مادتها الأساسية هي الوصول والوضوح. البيان أصلٌ معناه الوضوح، والفصاحة من "فصح اللبن" عندما تزول رغوته ويظهر ويَضَح، والبلاغة مادتها بلغ؛ بمعنى أن ما أقوله قد بلغك فوعيت ما أعني. لكن الوضوح لا يعني الضحالة الفكرية وقلة العمق في المعنى على كل حال.

ولعل من أشهر تصنيفات وظائف اللغة ذلك التقسيم الثلاثي لها الذي وضعه عالم النفس الألماني الشهير كارل بوهلر، اعتمادًا على المكونات الثلاثة الرئيسية في أي حديث؛ وهي المُرْسِل والمُرْسَل إليه وموضوع الحديث. وعليه اعتبر بوهلر ثلاث وظائف للغة ترتبط كل منها بأحد تلك المكونات؛ فالوظيفة التعبيرية الانفعالية ترتبط بالمُرسِل، والوظيفة التأثيرية الانتباهية الإشارية ترتبط بالمرسل إليه، أما الوظيفة الوصفية التمثيلية فترتبط بالموضوع الذي يتم التعبير عنه.

وقد أخذ بتصنيف بوهلر فيلسوف العلم كارل بوبر، بعد أن أضاف إليه وظيفة رابعة وهي المُحاججة التي هي أساس النقد‏، وهي أهم وأعلى وظائف اللغة عند كارل بوبر.

وتصنيف بوهلر شأن أغلب التصنيفات التي حاولت البحث في الوظيفة الاجتماعية للغة باعتبار الهدف الرئيسي من التكلم هو التواصل بين مُرْسِل ومُرْسَل إليه.

إن اللغة الملفوظة هي أول ما يتعلم الإنسان، وهي تؤدي لنا وظيفة اجتماعية هامة أبعد أثرًا من نقل الكلمات؛ فاللغة هي أساس تكوين العلاقات الاجتماعية المتنوعة. ويذهب العالم اللغوي إدوارد سابير إلى أن اللغة هي على الأرجح أعظم قوة من القوى ‏التي تجعل من الفرد كائنًا اجتماعيًا. ويعلق د/عثمان أمين في كتابه "فلسفة اللغة العربية" أن ‏مضمون هذا الرأي أمران: الأول أن اتصال الناس بعضهم ببعض في المجتمع البشري لا ‏يتيسر حصوله بدون اللغة. والأمر الثاني أن وجود لغة مشتركة بين أفراد قوم أو أمة من شأنه ‏أن يكون هو نفسه رمزًا ثابتًا فريدًا للتضامن بين الأفراد المتكلمين بها.‏ والأمر الثاني هو ما يُشار له باسم القومية.

أما وأن البشر لا يمكن أن يتواصلوا بدون لغة الكلام، فهذا ولا شك جزء من معضلة التواصل البشري، وليس انعدام اللغة الملفوظة هو الحائل الوحيد الممكن، فكما أن وحدة اللغة تدعم التشابه في سلوك البشر وثقافتهم في المجتمعات الإنسانية التي تتكلم اللغة نفسها، فإن اختلافها يتزامن مع اختلافات سلوك البشر؛ لأنه من أبرز العوامل المؤدية إلى اختلاف الثقافة. يشير دين آرشر ‏(Dane Arsher, 2001)‎‏ إلى أن الثقافة أحيانًا ما تصبح مثل الحاجز الذي يمنعنا ‏من فهم الأشخاص من مجتمعات أخرى، وأيضًا يمنعهم من فهمنا، وكثيرًا ما نخطئ في فهم ‏الأفراد من ثقافات مختلفة عن ثقافتنا بسبب اختلافات في اللغة أو اللهجة أو القيم أو ‏الإيماءات أو التعبير الانفعالي أو المعايير أو الشعائر أو القواعد أو التوقعات أو الخلفيات ‏الأسرية أو خبرات الحياة.

وفي كتابه "فلسفة اللغة العربية" ينقل لنا د/ عثمان أمين ما أورده العالم ألبرت عن وظائف اللغة الاجتماعية فيقول: إنها تجعل للمعارف والأفكار البشرية قيمًا اجتماعية، بسبب استخدام المجتمع للغة بقصد الدلالة على أفكاره وتجاربه؛ وإنها تحتفظ بالتراث الثقافي والتقاليد الاجتماعية جيلًا بعد جيل؛ وإنها باعتبارها وسيلة لتعلم الفرد تعينه على تكييف سلوكه وضبطه، حتى يلائم هذا السلوك تقاليد المجتمع وسلوكه؛ وإنها تزود الفرد بأدوات للتفكير. وما كان المجتمع البشري ليصير إلى ما هو عليه الآن بدون التعاون الفكري لتنظيم حياته. ولا يتأتى هذا التعاون الفكري إلا بالتفاهم وتبادل الأفكار بين أفراد المجتمع. والوسيلة العملية الميسورة لهذا التبادل والتفاهم هي لغة الكلام؛ وبدونها ينحط التفاهم إلى مستوى التعبير عن المدركات المحسوسة والانفعالات الأولية.

ويُفهم من كلام ألبرت السابق أنه يصنف أنماط التواصل إلى لغة الكلام ولغة انفعالية حسية، وهو تصنيف يكاد يتفق عليه كل من درسوا التواصل الاجتماعي؛ حيث يكاد يكون هناك اتفاق بين العلماء على تصنيف التواصل الاجتماعي إلى تواصل لفظي؛ أداته الوحيدة هي لغة الكلام، وتواصل غير لفظي ويشمل كل السلوكيات اللفظية (الصوتية) وغير اللفظية بين الأشخاص عدا الكلمات المتحدث بها.

فالتفاعل الاجتماعي في مضمونه ليس سوى تبادل منظم للرسائل اللفظية وغير اللفظية بين الناس، أي إنه يحدث عن طريق وسيلتين من وسائل الاتصال هما اللغة المتحدثة (الاتصال اللفظي) Verbal Communication والاتصال غير اللفظي Non-verbal Communication، فإذا كان الاتصال اللفظي هو الكلمات الحقيقية المتحدث بها، فإن الاتصال غير اللفظي يشتمل كل السلوكيات بين الأشخاص عدا الكلمات.

وفي تصنيفه للمهارات الاجتماعية التواصلية قسّم رونالد ريجيوRiggio,1989)‎‏)‏  تلك المهارات كما تظهر في جانبين ‏من جوانب سلوك الفرد:‏

‏1-‏ الجانب الاجتماعي: ويختص بالاتصال اللفظي.‏

‏2-‏ الجانب الانفعالي: ويختص بالاتصال غير اللفظي. ‏

وكل جانب منهما يضم أنواع المهارات الثلاث: الإرسال (التعبير) والاستقبال (الحساسية) والضبط.

أ‌- مهارات في الإرسال Skills in Sending أو ما يعرف بالتعبيرية Expressivity

وهي المهارة التي يعبر بها الأفراد عن أنفسهم، وتظهر في الجانبين اللفظي وغير اللفظي (الانفعالي)، فهناك نوعان من مهارتيّ التعبير هما:

- التعبير اللفظي (إجادة لغة الكلام) Verbal Expressivity

- التعبير غير اللفظي (الانفعالي) Non verbal (Emotional) Expressivity

والفرد الذي يمتلك مهارة التعبير اللفظي هو الذي يجيد التعبير بالكلام عما يريد. يعرف كيف يبدأ محادثة ويستمر فيها وصولًا إلى إنهائها بعد تحقيق الغرض منها، أما الفرد الذي يمتلك مهارة التعبير الانفعالي فهو الذي يكون قادرًا على إرسال الرسائل غير اللفظية كتعبيرات الوجه ولغة الجسد وغيرها للتعبير عن نفسه من خلالها.

ب‌- مهارات في الاستقبال Skills in Receiving أو ما يعرف بالحساسية Sensitivity

وهي المهارة التي يفسر بها الفرد الرسائل التي يبعثها الآخرون، وتظهر أيضًا في الجانبين اللفظي وغير اللفظي (الانفعالي)، فيكون هناك نوعان من مهارتيّ الحساسية هما:

- الحساسية اللفظيةVerbal Sensitivity ، وتعني فهم مغزى ما يقول الآخرون، وكذلك فهم ما وراء سلوكهم اللفظي.

- الحساسية غير اللفظية (الانفعالية) Non verbal (Emotional) Sensitivity، وتعني القدرة على فهم وتفسير الانفعالات والمشاعر المُضمّنة في الرسائل غير اللفظية التي تُرسل للفرد من الآخرين.

ج- مهارات في التحكم والضبط والتنظيم Skills in Regulating or Controlling أو ما يعرف بالضبط Control

وهو المهارة التي بها يصبح الأفراد قادرين على تنظيم عملية التواصل في المواقف الاجتماعية، وتظهر كذلك في الجانبين اللفظي وغير اللفظي (الانفعالي)، فيكون هناك نوعان من مهارتيّ الضبط هما:

- الضبط اللفظيVerbal Control ، ويعني لعب الدور الاجتماعي المناسب، وضبط الاتجاه والمحتوى خلال الحديث.

- الضبط غير اللفظي (الانفعالي) Non verbal (Emotional) Control، وهو الكفاءة في ضبط الانفعالات.

الاتصال اللفظي  Verbal Communication

يُقصد بالاتصال اللفظي الكلمات الحقيقية المستخدمة في المحادثة، ويتم عن طريق استخدام اللغة بين المتحادثين؛ إذ إنه بالرغم من الأهمية التي أصبحت تُعطى لتفسير القنوات غير اللفظية في الاتصال، إلا أنه من المؤكد أن عملية الاتصال لا يمكن أن تتم دون وجود دعم لفظي.

نحن نستخدم التواصل اللفظي لتقديم النصائح أو عرض المعلومات أو توجيه الآخرين أو صنع القرارات، وغيرها، ناقلين ما لدينا من معلومات وأفكار واتجاهات ومعايير وقيم ومشاعر، مما يستحيل توصيله للآخرين دون كلمات.

وتُمكِّن إجادة مهارات الاتصال اللفظي الفرد من التأثير في الآخرين، وربما كانت مهارة التعبير اللفظي تحديدًا أكثر المهارات التي يُقدر الناس الأفراد المتميزين فيها؛ فالناس تتفاوت في امتلاكهم أدب الحديث، وفي صيغهم التعبيرية، وفي كيفية إظهارهم الاعتراض أثناء الحوار، وكذا في استخدام صيغ الأمر، وليس كل البشر قادرين على المبادأة وإدارة حديث ذي معنى مع الآخرين والتحدث بطلاقة ولباقة واقتدار، وعادة يُنظر إلى هؤلاء كحكماء. لكن قيمة الحديث التي يحددها مقدار مهارة التعبير اللفظي ليست كافية ليكون مشوقًا، فذلك أمر آخر تحدده مهارة التعبير الانفعالي.

ولا تقتصر مهارة الحساسية اللفظية على امتلاك الفرد القدرة على تفسير الكلمات أثناء التفاعل الاجتماعي، وإنما تشتمل إضافة إلى ذلك، الوعي بآداب السلوك الاجتماعي وفهم القواعد والمعايير التي تحكم السلوك الاجتماعي الملائم، والالتزام بها. ولأنها مهارة استقبال وليس إرسال، فإجادتها تستلزم الانتباه للآخرين والإنصات الجيد لهم وملاحظة سلوكهم، لأجل استقبال أي تلميحات أو إشارات لفظية تصدر عنهم، مهما كانت بسيطة.

يتميز الشخص مرتفع الحساسية اللفظية بملاحظته إشارات يغفل عنها من تنخفض عنده تلك المهارة، لكن المشكلة أن ارتفاع الحساسية اللفظية عندما يتلازم مع انخفاض التعبير اللفظي وانخفاض الضبط اللفظي يكون عائقًا كبيرًا أمام الفرد للمشاركة في التفاعلات الاجتماعية.

والضبط اللفظي هو المهارة في لعب الأدوار الاجتماعية المختلفة بكفاءة، والقدرة على التكيف والثقة بالنفس عند مواجهة أي موقف اجتماعي، وعند التعامل مع أناس من خلفيات مختلفة وذوي أهمية مختلفة، ويشمل ضبط الاتجاه والمحتوى في التفاعلات الاجتماعية.

صيغة الحوار اللفظي

إذا كانت الكلمات هي التي تشكل محتوى الرسائل اللفظية، فإن تلك الكلمات غالبًا ما تشكل في الحقيقة نوعين من المحتوى يتم تضمينه في الرسالة؛ محتوى معرفي يعبر عن الحقائق والمعارف والأفكار والأشخاص والحوادث المتصلة بموضوع الرسالة اللفظية، ومحتوى انفعالي يُعبر عنه أيضًا لفظيًا من خلال الكلمات؛ حيث يصف مشاعر الفرد تجاه الموضوع. وهذا الأخير يختلف عن المحتوى الانفعالي الذي يُعبر عنه عبر القنوات غير اللفظية، والذي يُصنف كاتصال غير لفظي.

ولإيجاز الحديث أو تفصيله أثره الكبير في جودة التواصل اللفظي؛ فالحديث القصير والكلمات الموجزة الوافية المعنى على اختصارها، أكثر قدرة على تكثيف المعنى، وترسيخه في الأذهان. وهذا لا يعني أن التفاصيل لا لزوم لها على الدوام، فهناك مواقف يصبح فيها الاختصار مخلًا بالمعنى والقصد، ويتسبب في إساءة الحكم. وتعد مشكلات معدل الحديث (ندرة الكلام- الثرثرة) من أكثر مشاكل السلوك اللفظي شيوعًا، ولعلها السبب الأول في قائمة أسباب مشاكل التواصل بين الجنسين، ولنا عودة معها في مبحث منفصل.

ويتغير كذلك محتوى الحوار الذي ينشأ بين فردي الجماعة الثنائية تبعًا لتغير موقف كل منهما في تفاعله مع الآخر، وقد يرغب أحدهما في الحديث بينما يتجنب الآخر الحوار فينقطع الحوار! وكثيرًا ما تتحول الحوارات إلى جدل أو يشتاط أحد الطرفين أو كلاهما غضبًا أو يسخر أحدهما من الآخر أو تحدث إطالة أو خروج عن هدف الحوار.

ومن أهم محددات التواصل اللفظي بين فردين ما إذا كانت الرسالة اللفظية المرسلة مباشرة أو غير مباشرة. فرق كبير بين أن تخبر صديقك أنك تود تناول البيتزا، وبين أن تطلب منه أن يرافقك إلى محل البيتزا. في الحالة الثانية الرسالة اللفظية مباشرة توضح الفعل الإجرائي المطلوب من المستقبل للتجاوب مع المرسل، ولا يمكن للمستقبل أن يخطئ فهمها، وإن كان منشغلًا. أما في الحالة الأولى فقد لا ينتبه المستقبل للمعنى الحقيقي للرسالة وأنك تطلب منه مرافقتك إلى محل البيتزا.

ورغم أن الرسائل اللفظية المباشرة أيسر توصيلًا للمعنى المراد إلا أن كثيرًا من البشر يلتفون ويراوغون في توصيل الرسالة، ويصيغونها صياغة غير مباشرة، ويرون في استخدامها تفاعلًا اجتماعيًا أكثر تهذيبًا من الرسائل المباشرة، كما أن من يستخدمونها أقل ثقة واستقلالية، أو لنقل إن ارتفاع حساسيتهم اللفظية وتخوفهم من أن تلاقي رسالتهم الرفض وعدم التجاوب من المستقبل يكون سبب تلك الصياغة غير المباشرة، وكذا قد يحمل هذا الالتفاف في الصياغة تهرب المرسل من الالتزام الحرفي الذي تحمله الرسالة اللفظية المباشرة.

ويشكل عدم المباشرة في صياغة الرسائل اللفظية ركيزة أساسية لمشكلات التواصل وسوء الفهم بين المرسل والمستقبل. وكثيرًا ما أتساءل: لماذا يفضلون الدوران حول رأس الرجاء الصالح، وعدم الدخول في الموضوع مباشرة؟ ولماذا هذه التكتيكات المستخدمة لإيهامي أن الرسالة المقصودة جاء الحديث عنها عرضًا في سياق الحديث عن أشياء أخرى لا علاقة لها بمحتوى الرسالة الأساسية التي تم كل هذا الالتفاف لأجل توصيلها؟!

كما تعتبر الطريقة التي يعبر بها الفرد عن نفسه خلال الحوار محددًا هامًا له. الفرد الذي يستخدم ضمير المتكلم (أنا) للتعبير عن نفسه يكون أكثر مسئولية وأكثر اقترابًا من مشاعره وأفكاره ممن يستخدم ضمير المتكلم (نحن)، أو ضمائر الغائب، أو صيغة المبني للمجهول، أو أي صيغ تبعد به عن الإقرار بمشاعره بشكل مباشر، وأشهرها استخدام ضمائر المخاطب لنسبة المشاعر إلى الآخرين وإلقاء المسئولية عليهم أو توجيه اللوم لهم. وفرق كبير بين "أنا أشعر بالضيق" وبين "أنت تسبب لي الضيق".

ينبغي أيضًا الانتباه إلى أن تحويل المسئولية ولوم الآخرين ليست الصيغة الوحيدة التي يستخدمها الأفراد لتشويه الواقع؛ فهناك صيغ أخرى مثل التبرير لشيء سيء، أو تسويف الأعمال بادعاء أن لا شيء يستلزم البدء في العمل الآن، أو التغافل عن الأخطار الحقيقية، أو إظهار الرضا عن الذات في مواضع يستلزم فيها الندم.

 

وأخيرًا تبقى كلمة أقولها: اللغة هي وسيلة تواصل لا وسيلة تفاخر. ونحن نتعلم اللغات الأخرى لأجل اكتساب العلم بها، وكي نفهم الآخرين ونساعدهم، ولكن تعلم اللغة الأجنبية بالنسبة لكثيرين من أبناء هذا الجيل في مجتمعاتنا ليس أكثر من وسيلة تفاخر وغاية في حد ذاتها، لتكون دلالة على حملهم الثقافة الغربية، رغم أنهم قد لا يحملون من تلك الثقافة إلا زخارفها، وأنهم لا يستطيعون إقامة حوار ذي قيمة مع فرد أجنبي، وماذا يملك من عقله فارغ أن يقول؟! فاهتمامهم الأول والأخير منصب على اكتساب اللهجة التي تتشابه ولهجة متحدثي اللغة بالميلاد، وليس على التعلم والتواصل البنّاء مع الآخرين من خلال اللغة!

بعض محددات التواصل اللفظي الفعّال

1- أن يكون محتوى الرسالة هامًا للمرسل والمستقبل.

2- استخدام لغة بسيطة وجمل مكتملة للتعبير عن الأفكار.

3- استخدام تعبيرات لفظية تتناسب مع المستوى الثقافي للمستقبل.

4- التسلسل المنطقي للأفكار.

5- أن يكون محتوى الرسالة صادقًا، ويُفضل أن يكون مباشرًا قدر الإمكان.

6- التحديد الجيد لمحتوى الرسالة، فيُراعى عدم الاسترسال في عرض تفاصيل يكون المستقبل في غنى عنها، وكذلك عدم الاختصار المُخل بمحتوى الرسالة.

7- مراعاة عوامل الاتصال غير اللفظي المصاحبة لإرسال الرسالة، سواء العوامل الخاصة بالصوت أو تعبيرات الوجه وغيرها.

8- الحرص على تبادل الأدوار، والاستماع الجيد عند القيام بدور المستقبل، والحرص على إيصال رسالة مفادها المتابعة والفهم للمحتوى، ثم الاستفادة من التغذية المرتدة (الآراء الراجعة) التي يمد بها شريك الحوار.

9- اختيار المكان والزمان المناسب لإرسال الرسالة.

معوقات الاتصال اللفظي الفعّال

أ- المعوقات المتعلقة بالمرسل

1- عدم الاهتمام بالعملية الاتصالية من أساسها، وربما عدم الاعتقاد بأهمية التواصل مع المستقبل، فهو يقوم بها كإجراء روتيني إن كان اتصالًا في مجال العمل، أو لاسترضاء الشريك في العلاقات الشخصية.

2- عدم الاعتناء بفهم أبعاد موضوع الاتصال وبالإعداد لعملية التواصل.

3- الارتباك والحرج من التعبير بوضوح عن محتوى الرسالة الذي يدور في ذهنه.

4- استخدام جمل مقطعة وغير تامة.

5- استخدام ألفاظ وعبارات غامضة أو لا تتناسب مع المستوى الثقافي للمستقبل.

6- عدم استخدام وسائل اتصال مناسبة.

7- عدم الانتباه لحديث المستقبل عند تبادل الأدوار للحصول على التغذية المرتدة المناسبة.

8- إحراج المستقبل والتشويش عليه عمدًا.

ب- المعوقات المتعلقة بالمستقبل

1- عدم الاهتمام بعملية الاتصال مع المرسل، أو عدم الانتباه لها.

2- افتقاده الاستماع الجيد للمرسل.

3- إساءة فهم الرسالة.

4- عدم الاستفسار عن أي محتوى غامض.

5- الحكم المسبق على الرسالة.

6- الاستماع للرسالة بغرض انتقادها لا بغرض فهمها.

7- عدم إصدار استجابة مناسبة للرسالة للحفاظ على دينامية التفاعل.

ج- معوقات مسار إرسال الرسالة

1- البعد المكاني بين المرسل والمستقبل؛ فبعض الرسائل يصعب إيصالها عن بعد.

2- الضجيج الذي يمنع المستقبل من استقبال محتوى الرسالة بشكل صحيح.

3- وسائل الاتصال غير المناسبة لنقل محتوى الرسالة.

4- تقنيات اتصال ضعيفة.

د-معوقات عامة

1- اختيار توقيت سيء من المرسل لإرسال الرسالة إلى المستقبل.

2- الإرهاق بالنسبة لكلا الطرفين المرسل أو المستقبل؛ فقد يُضطر أحدهما أن يشارك في عملية الاتصال تحت ضغط الإرهاق.

3- الإحباط الذي يصيب أحد طرفي عملية الاتصال، وعدم اقتناعه بوجه عام بجدوى عملية الاتصال.

4- الوقت المحدد لإرسال الرسالة أضيق من أن يتسع لكم المحتوى المطلوب إرساله.

5- لا يوجد نظام أو مكان مناسب لإجراء عملية الاتصال.

6- عدم الانتباه لأثر الفروق الفردية أو النوعية أو الثقافية في شخصية المستقبل.

الأسباب الشائعة لمخاوف التواصل اللفظي

1- عدم الإلمام بشكل جيد بموضوع الرسالة.

2- ضعف القدرة اللغوية.

3- تحدث اللغة بلهجة غريبة.

4- ضعف الذاكرة بالدرجة التي يصعب معها الاحتفاظ بتسلسل الأفكار.

5- الخجل كسمة من سمات الشخصية.

6- الخوف المبالغ فيه من رد فعل المستقبل إزاء محتوى الرسالة أو طريقة إرسالها.

7- ضعف الضبط الانفعالي لانفعال الخوف من التواصل اللفظي، مما يؤدي إلى ظهور علامات فسيولوجية واضحة له كالعرق ورجفة الصوت ورجفة اليدين.

والحل يكمن في التغلب على أسباب تلك المخاوف، وأهم تلك الطرق التدريب الجيد، وطلب رأي المقربين، وإهمال أمر اللهجة، واستخدام بطاقات للمساعدة في التذكر إن أمكن، والتدريب على استراتيجيات تساعد على الضبط الانفعالي للخوف كالتنفس بعمق وتجنب اتصال خط النظر والتحدث ببطء وفرك اليدين وغيرها.

وبوجه عام فإن للاتصال اللفظي أنماطًا أساسية ‏‏Verbal Communication Types‏ هي:‏

‏1-‏ التساؤل (الاستفهام) ‏Questioning‏.

‏‏2-‏ التفسير ‏Explaining‏.‏

‏3-‏ الإفصاح عن الذات ‏‎. Self-disclosure

‏4-‏ المبادأة والإنهاء (الاستفتاح والختام) ‏Opening and Closing‏.‏

‏5-‏ التوكيدية ‏Assertiveness ‎‏ .‏

‏6-‏ التدعيم ‏Reinforcement ‎‏.‏

‏7-‏ الاستماع ‏ (الإصغاء) Listening ‏.‏

‏    ‏

 

د. منى زيتون

 

قاسم حسين صالحفي سيكولوجيا الشخصية.. يشعر الأنسان بالنقص حين يكون الآخر افضل منه في صفة أو اكثر.. وتشتد حدّة هذا النقص حين يكون هذا الانسان شخصية عامة. ولقد تابعت حكومات ما بعد التغيير (2003) فلم اجد رئيس حكومة او رئيس حزب او كتلة يذكر عبد الكريم قاسم بخير، بل أن حكّام الخضراء لم يحيوا ذكرى استشهاد عبد الكريم قاسم في انقلاب شباط 1963 الدموي وكأن ذلك اليوم كان عاديا لم يقتل فيه آلاف العراقيين، ولم يحشر فيه المناضلون بقطار الموت، ولم يسجن فيه مئات الآلاف. والمفارقة أن الطائفيين يحيون ذكرى مناسبات تستمر (180) يوما ولا يحيون ذكرى يوما واحدا استشهد فيه قائد من اجل شعبه.. فلماذا؟!

ان اي عراقي غير طائفي سيجيبك بسطر يغني عن مقال:(لأن نزاهته وسمو اخلاقه وخدمته لشعبه.. تفضح فسادهم وانحطاط اخلاقهم وما سببوه للناس من بؤس وفواجع).

نعم. قد نختلف بخصوص عبد الكريم قاسم كونه عقلية عسكرية يعوزه النضج السياسي، ولك ان تدين شنّه الحرب على الكورد عام (61)، واستئثاره بالسلطة، ومعاداته لقوى عروبية وتقدمية، واصطناعه حزبا شيوعيا بديلا للحزب الشيوعي العراقي الذي عاداه رغم انه ناصره حتى في يوم الانقلاب عليه (8 شباط 1963). ولك ان تحمّله ايضا مأساة ما حصل لأفراد العائلة المالكة، وتصف حركته بأنها كانت انقلابا وضعت العراق على سكة الأنقلابات. ولك ايضا أن تتغاضى عن انصافه الفقراء واطلاقه سراح المسجونين السياسيين وعودة المنفيين وفي مقدمتهم الملا مصطفى البرزاني الذي استقبله اهل البصرة بالأهازيج.. ولكن، حتى أبغض اعدائه، لا يمكنهم أن يتهموا الرجل بالفساد والمحاصصة والطائفية والمحسوبية والمنسوبية.. وتردي الأخلاق، مع أن قادة النظام الحالي رجال دين، وان رسالة النبي محمد كانت اخلاقية بالدرجة الاساسية (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

والحقيقة التي تسكن اعماق قلوب حكّام الخضراء أنهم يكرهون عبد الكريم قاسم، لأنه يمثل انموذج الحاكم القدوة من حيث نزاهته. فالرجل كان يعيش براتبه ولا يملك رصيدا في البنك، ولهذا لم يجرؤ في زمانه وزير او وكيله او مدير عام على اختلاس او قبول رشوة او التحايل على مقاولة. وما كان اهله او اقرباؤه يحظون بامتيازات، فشقيقه الأصغر كان نائب ضابط في الجيش العراقي، وبقي بتلك الرتبة طيلة مدة حكم أخيه عبد الكريم قاسم. وما كان للرجل قصر او بيت لرئيس الجمهورية، بل كان ينام على سرير عادي بغرفة في وزارة الدفاع. ولقد منحه العراقيون لقب(ابو الفقراء).. لأنه بنى مدينة الثورة لساكني الصرائف في منطقة الشاكرية، ومدنا اخرى في البصرة واكثر من 400 مدينة جديدة وعشرات المشاريع الاروائية.

ولهذا فهم يخشون احياء ذكراه لأن الناس ستعقد مقارنة بين ما صنعه من اعمار وبين ما صنعوه من دمار، وأخرى تخزيهم!. فمعظم الذين جاءوا بعد التغيير كانوا لا يملكون ثمن تذكرة الطائرة، وصاروا يسكنون الآن في قصور مرفهة ويتقاضون رواتب خيالية، وعزلوا انفسهم لوجستيا بمنطقة مساحتها (10) كم مربع محاطة بالكونكريت وبنقاط حراسة مشددة سرقت احلام العراقيين وجلبت لهم الفواجــع اليوميــة، وأوصلتهم الى اقسى حالات الجزع والأسى.. ولهذا فهم ينؤون عنه.. لأن المقارنة ستفضي بالناس الى احتقارهم.

وحكّام الخضراء فعلوا من القبائح ما يجعلهم صغارا امام فضائل عبد الكريم قاسم.. اقبحها أن الفساد في زمنه كان عارا فيما صيّره الطائفيون شطارة، واصبح العراق في زمنهم افسد دولة في المنطقة، حتى بلغ المنهوب من قبل وزراء ومسوؤلين كبار ما يعادل ميزانيات ست دول عربية مجتمعة!، وراحوا ينعمون بها في عواصم العالم دون مساءلة. وصار رئيس الجمهورية ورئيس الوزرارء والوزراء يعينون ابناءهم وبناتهم مستشارين لديهم.. لا ليقدموا خبرة هم اصلا لا يمتلكونها، بل ليحصل من هو في العشرين من عمره على راتب يعادل اضعاف راتب استاذ جامعي.. دكتور وبروفيسور.. بلغ الستين!، فيما كان عبد الكريم قاسم يعتمد معايير الكفاءة والخبرة والنزاهة، ومبدأ وضع الرجل المناسب في المكان المناسب في اغلب اختياراته.. مثال ذلك:ابراهيم كبة (اقتصاد)، محمد حديد (مالية) فيصل السامر(ارشاد) هديب الحاج حمود (زراعة) ناجي طالب (شؤون اجتماعية).. نزيهة الدليمي(بلديات).. وهي اول وزيرة في تاريخ العراق. واختياره عقلا اكاديميا عبقريا درس على يد آينشتاين لرئاسة جامعة بغداد التي تاسست في زمنه.. الصابئي المندائي الدكتور عبد الجبار عبد الله، برغم معارضة كثيرين، فيما اعتمد الطائفيون مبدأ الانتماء الى الحزب والطائفة في المواقع المهمة بالدولة وان كان لا يمتلك كفاءة ولا خبرة ولا نزاهة.

وكان العراق في زمانه.. دولة، فيما صار بزمن سادة الخضراء دويلات، بل ان كل وزارة في الحكومة هي دويلة لهذا المكون السياسي او ذاك. وكان عبد الكريم محبّا للعراق ومنتميا له فقط، ولهذا كانت المواطنة، بوصفها قيمة اخلاقية، شائعة في زمنه بين العراقيين، فيما انهارت بزمن الطائفيين، وصار الناس يعلون الانتماء الى الطائفة والقومية والعشيرة على الانتماء للوطن.. وتلك اهم وأخطر قيمة اخلاقية خسرها العراقيون.. ولهذا فان الطائفيين يكرهون عبد الكريم قاسم، لأن احياء ذكراه توحّد الناس ضدهم.

وتبقى حقيقة.. أن عبد الكريم قاسم برغم مرور نصف قرن ونيف فانه باق في قلوب العراقيين الذين نسجوا عنه الاساطير، فيما حكّام الخضراء سوف لن يبقى لهم ذكر، واغلب الظن ان العراقيين سيلعنون معظمهم بعد مماتهم.

 

ا. د. قاسم حسين صالح

 

سامي محمود ابراهيمإننا لا نملك الا لحظة واحدة من لحظات العمر، لكن تلك اللحظة كفيلة بان تجعلنا ننسجم مع اهداف الحياة. بمعاني اشد فاعلية من الكلمات والالفاظ. ففي مسرح العاطفة وكوميديا العقل، القلوب ارجح وزنا من الالسن واللغات. فلم تعد الانسانية بحاجة الى لغة مشتركة ولسان عالمي اكثر من حاجتها الى قلب واحد، رؤية مستقبلية واحدة، ضمير واحد. فقد ذكر في التوراة ان شعوب الارض جميعا كانت تتكلم لغة واحدة، ولكن الناس عصوا الرب حين تراءى لهم ان يشيدوا برجا يصل بهم الى السماء، وضاق الرب بهم وعرف ان الناس اذا ما ظلوا يتحدثون بلسان واحد فسوف تتهيأ للانسان الاسباب التي تمكنه من بلوغ ماربه . لذلك قرر الرب ان يشيع الاضطراب بين ألسنة البناة حتى لا يفهم احدهم حديث الاخر ومن ثم لم يكتمل بناء برج بابل. ولكن على الرغم مما تتسم به هذه القصة من سذاجة الا انها تتضمن بعض الحقيقة. إذ لو اتحدت الشعوب جميعا فانها تستطيع ان تحقق اعمالا ضخمة.  وفعلا ارتقى انسان حضارة الجنون والتسلط الى السماء بغير حاجة الى ان يشيد برجا. اما حضارة بابل فقد نزلت الى الحضيض ولم ترق الا في تابوت موتها الذي بقي كابوسا يلازمنا الى يومنا هذا. ورحم الله شعبا عرف قدر نفسه. وكأن الحياة لعبة تمارسها الحضارات الدنيا على حساب الإنسانية. ونحن انفسنا من ينقذها من الضياع، نجعلها ذات ضرورية في سلسلة الحضارة العالمية، وبذلك نتخلص من حتمية السقوط والانحدار الى حتمية النهوض في مسار الحياة العالمية. هذا التحول يتزامن مع رؤية علمية عالمية كونية تمتلك بصرا حادا يغوص في اعماق بئر اللاحتمية لينتشل سر كينونتنا الغامض.. والاشكال الغالب ضعف عقل جمع الامة المخذول يرى ان المستحيل هو الحل.. وان حياة ترمي الى هذا الهدف ستكون شاقة جدا ومرهقة؟! هذا عقلنا المغيب المؤدلج، اما عقلنا الواعي المستنير بمقاييس العقلانية فقد أقر ويقر انه ليس هناك عسل اشهى من المعرفة، وانه سيشرق اليوم الذي تكون فيه السحب التي تجر الكدر غيثا يعمر الحياة... يمطر الارض خضرة وجمال..

 

أ م.د سامي محمود ابراهيم

رئيس قسم الفلسفة/ كلية الآداب جامعة الموصل/ العراق

 

 

عبد الخالق الفلاحانطلاقاً من العراق عام 1958 هزحدث تاريخي الشرق الأوسط  سماها البعض بالانقلاب ظلماً وخلافا لكل التعاريف والوقائع وقد سبقتها ثورات عديدة ضد الاحتلال البريطاني وأبرزها ثورة العشرين تلك الثورة الشعبية العارمة التي أقضت مضاجع الانكليز، وجسدت وحدة الشعب العراقي بأجلى وأنبل مظاهرها،إلأ ان في الحقيقة  كانت ثورة الرابع عشر من تموز،ثورة تحمل الاسم الحقيقي  لما لها من اهمية من الناحية السياسية والجغرافية للبلد وتأثيرها على دول المنطقة والعراق يمثل محوراً استراتيجياً يربط الشرق الاوسط كله بالغرب .

 الثورة احدثت زلزالا عنيفاً ليس على مستوى العراق والمنطقة  فحسب بل العالم اجمع، لان الحدث لم يغير نظاما سياسيا فقط بل احدث فاصلة تاريخية مهمة في حياة العراقيين شملت الناحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما ان هذة الانطلاقة المباركة  اثرت تأثيرا كبيرا على مجمل التوازنات في المنطقة والعالم و العراق فيه كان وما يزال  اليوم مركزا لتوازنات ألاقليمية والعربية واحلاف دولية عديدة سابقاً .

 كما اريد لبغداد ان تكون هي السد المانع لانتشار الاحزاب القومية والدينية  واليسارية العالمية وتم توظيفها من قبل الغرب على هذا الاساس لكبح الحريات والمعتقدات السياسية و للحدث أهمية بمكان لان الثورة قامت على ايدي مجموعة من الضباط كانت تضم العديد من الوطنيين  ويقودهم ضابط ذو كفاءة عسكرية متميزة وروح وطنية عالية ونزاهة وعفة وأمانة معروفة بين اوساط الضباط. وهو منظم كبير وذو عقلية استخباراتية وكان يقف على معظم التغيرات والاسرار في المؤسسة العسكرية ويسهر ليلاً ونهاراً ويشرف ويتابع بنفسه المشاريع الصغيرة والكبيرة وسرعة الانجاز منها دون ملل او كلل وهو الزعيم عبد الكريم قاسم وببرنامج يمثل منهج بناء الدولة، فيما لم يكن لدى أعداءه غير منهج بناء السلطة الذي لا يحتاج غيرإيجاد بعض المستنفعين واصحاب المصالح بعيداً عن مطالب الجماهير وما اشبه اليوم بالبارحة  .

لقد كانت الثورة ومنذ انطلاقتها تدعوا الى تحرير العراق من الاستعمار البريطاني وكانت جبهة الاتحاد الوطني قد تأسست و ضمت بين صفوفها بعض الاحزاب المؤتلفة في تلك الرحبة  مثل البعث والشيوعيين والحزب الوطني  الديمقراطي  والاستقلال وشخصيات سياسية اخرى . لقد كانت بحق امرطبيعي لمسيرة نضالية طويلة من قبل الاحزاب والعناصر الوطنية والقومية وبتأييد من قبل قطاعات واسعة من الشعب العراقي . و كانت نتاج ثورات وانتفاضات عديدة قامت بها النخبة من مثقفي واحرار العراق ابتداءا من ثورة العشرين مرورا بانتفاضات ووثبات عديدة و كانت ثمرة نضال سياسي الهدف منه قيام نظام جمهوري يحقق السيادة الوطنية والحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية للشعب

والثورة كانت  مدعومة من قوى الشعب العراقي بعربه واكراده وبعماله وفلاحيه وكسبته ومثقفيه وايدته منذ الوهلة الاولى،وكان البيان الاول للثورة اعلن عن "بعد الاتكال على الله وبمؤازرة المخلصين من أبناء الشعب والقوات الوطنية المسلحة، أقدمنا على تحرير الوطن العزيز من سيطرة الطغمة الفاسدة التي نصبها الاستعمار لحكم الشعب والتلاعب بمقدراته وفي سبيل المنافع الشخصية. إن الجيش منكم وإليكم، وقد قام بما تريدون" وكذلك  رسمت الثورة منذ البداية خارطة طريق باتجاه الإعلان عن منجزاتها واولها الإعلان عن تحرير الاقتصاد العراقي وذلك بالخروج من الكتلة الاسترلينية وتحرير الدينار العراقي، وقانون الإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي على الفلاحين وانهاء معاناتهم من تسلط واضطهاد الاقطاع وشرعت قانون الأحوال الشخصية والذي اخذ بالاعتبار حقوق وحرية المرأة، بموافقتها على إقامة الجمعيات الفلاحية والنقابات المهنية، وشرعت بعمل لجنة لدراسة حقوق العراق النفطية، وألغت سياسة الانحياز نحو الغرب والأحلاف العسكرية التي سار عليها النظام الملكي، "كان عضوا اساسياً في حلف بغداد المركزي الذي ضم ايران وتركيا وباكستان والعراق والولايات المتحدة بصفة مراقب" والتي أدت إلى إضعاف العراق عسكرياً، لأن الدول الغربية لم تجهز العراق بالسلاح خلال تلك الفترة مما تطلب إقامة علاقات مع المعسكر الاشتراكي، وتم تسليح الجيش العراقي بعد الثورة بالسلاح السوفيتي ومن الدول الاشتراكية الاخرى ونشطت الصناعة بشكل جيد  .والعمل على رفع مستوى الدراسة لان نسبة الامية في العراق ما قبل ثورة تموز كانت مرتفعة بشكل كبير، لاسيما في اوساط الفلاحين وتكاد تصل في بعض المناطق الى نسبة مائة بالمائة، باستثناء ابناء الاقطاعيين الذين توفرت لهم فرصة الدراسة في العراق وخارجه، فتمدنوا بالضرورة، وان كانوا من مرجعيات فلاحية.

و إننا اليوم ننظر إلى إنجازات هذه الثورة وفق ما حققته من تحولات كبيرة في المجتمع العراقي وبقيت تأثيراتها حتى اليوم رغم الانقلابات المضادة المتتالية التي حدثت والمسخرة من الامبريالية العالمية .

الثورة وما فجرته من تفجير للوعي السياسي لدى الجماهير الشعبية الواسعة التي كانت محرومة من المساهمة في النشاطات السياسية احدى ركائزها و رفعت مستوى الوعي لدى الجماهير بحقوقها وواجباتها الوطنية، وانغمرت في نشاطات الأحزاب السياسية. وإطلاق السجناء السياسيين، وحرية التعبير والتفكير والعمل النقابي والسياسي والثقافي وبشكل واسع منقطع النظير.. وتعزيز الإستقلال السياسي للبلد، للحفاظ على كيانه السياسي، واستقلاله وسيادته كمنجز  وطني كامل، وإلغاء جميع المعاهدات الإستعمارية الجائرة والمخلة بالسيادة الوطنية.الثورة ومنجزاتها اغاضت الكثير من القوى في العالم وبدأت عملية اجهاز متتابعة بتخطيط من مخابرات دول غربية وعربية وأقليمية لاسقاط هذه التجربة الوطنية ووأدها، وبالفعل اوكل العمل لقوى واحزاب ومنظمات  في الداخل العراقي ترفع شعارات القومية العربية كحزب البعث وبعض التيارات القومية والناصرية و ساعدتها قوى وتيارات مناهضة للديمقراطية واقطاعية واشتركت بعملها وساهمت  بأسقاط ذلك المشروع الوطني التحرري في 8 شباط 63 بانقلاب اسود اريقت فيه دماء الالاف من العراقيين، وبعد سبعة أشهر على الانقلاب، نقلت صحيفة "الاهرام" عن الملك حسين قوله". أسمح لي أن أقول لك إن ما جرى في العراق في 8 شباط/فبراير 1963 قد حظي بدعم الاستخبارات الأمريكية.

ان طعم الوقائع المرعبة ووخز الذكريات الموجعة وبصمات العذاب  لايام  الحرس القومي لايمكن  ان تنساها ذاكرة ما تبقى من ضحاياها وما تركته من جيوش الارامل واليتامى  والتي لم تسلم من ارث عصابات الحرس القومي  التي خلفت اكبر مؤسسة قمعية في العالم وابشع تقاليدالقسوة التي طورها الجيل الثاني من الحرس القومي في انقلابهم التموزي الثاني في   1968   فاهلك اولئك اليتامى وما ولد من اجيال في حروب وسجون وثرامات ومناف وتغيب ومعتقلات مرعبة ودهاليز مظلمة  وتهجير للالاف من ابناء العراق الشرفاء على اساس الهوية والمذهب والدين  . ولقد بقي القليل من عاش تلك الايام ممن يعرف او سمع بعض بواطنها والذين دافعوا بكل بسالة عن ثورة تموز وانجازاتها التاريخية وقدموا حياتهم

 

عبد الخالق الفلاح - باحث واعلامي

 

جواد غلومأعتدتُ بين فترة وأخرى ان أتصفح حسابي في موقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك" واطّلع على نشاطات أصدقائي وما يكتبونه لبعضهم البعض وأقرا التعليقات والرسائل الجديدة عندما أنهك من قراءة كتاب ما؛ وربما أحاور وأمارس الدردشة مع من أحبّهم كلما أمكن ذلك .

ومن محاسن الصدف أنني لقيت احد أصدقائي الذي لم أره منذ أكثر من ثلاثين سنة وسألته بين ثنايا الحديث عن وضعه الأسَري وأولاده وحياته الاجتماعية ..و.. واتضح لي من خلال اجابته انه مازال اعزب ولم يتغير شيء عن وضعه الاجتماعي فلا أسْرة ولا أولاد ولا مسؤوليات عائلية .

مذ عرفت هذا الرجل في سنيّ السبعينات والثمانينات من القرن الفائت كان صديقي العتيد عنيدا وباحثا عن الكمال في اختيار بنت الحلال وكذا اختيار معظم أصدقائه والمقرّبين اليه بعناية شديدة الى حدّ لايطاق . وقلما يتنازل او يتهاون عن بعض الهفوات التي غالبا ما تنتاب البشر ؛ وكم كان يعاني من نزق زملائه والمحيطين به والذين تظهر عليهم بين الفينة والفينة بعض الهنّات والأخطاء سواء عن قصد او غير قصد لكنه كان صعب الاقناع ومن العسير ترويض نفسه لتقبّل الخطأ ويتخذ مواقف في غاية التطرّف من اقرب المقربين له لمجرد حدوث هفوة صغيرة كالتأخّـر عن لقاء او موعد او نسيان طلبٍ ما .

ومن الغريب ان صاحبي هذا ظلّ على طبعه ولم يحاول تغيير حاله طوال السنوات التي عاشها مغتربا عن بلاده ؛ وأعجب كيف لا يفهم البعض ان الإنسان بطبعه يخطئ ويصيب ، يرضى ويغضب ، يفرح ويحزن !! . وهذه كلها تنعكس على سلوكه ؛ والكمال ما هو إلاّ حالة مثالية على الأرض ؛ فلنحتمل وخزات الأشواك المحيطة بالزهور الجميلة ولْنطِق زلاّتِ اصدقائنا مهما أزعجتنا وأغضبتنا ولنكن مثلما قال شاعرنا العربي :

اذا انـت في كـلّ الامـور معاتــبا ........ صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتبهْ

فعـشْ واحدا او صلْ أخـاك فإنـهُ..........مقـارف ذنبٍ مرةً ومُــجانبــهْ

ومن ذا الذي تُرضى سجاياهُ كلها........كفى المرء نبلاً ان تعدّ معايبُـه

ففي عالم النبات تخرج اجمل الزهور وأعطرها من نبات الصبّار الشائك ، ومن قحط الصحراء وجفافها ويباسها تطلع أكثر الورود البريّة سحرا وعطراً فلا شيء كامل سواء في طباعنا نحن البشر وحتى في طباع الكائنات الحيّة التي تعيش معنا وتشاركنا حياتنا كالحيوانات والنباتات ؛ ولعمري ان في ذلك لعبرة لبني الإنسان كي يتحمل صعاب الحياة وصولا الى متع الدنيا ، فاللّذة وليدة الألم ولا يحلو الوصول الى الأهداف السامية إلاّ اذا رافقتها المتاعب وهزّتها المطبّات والعثرات الجسام المليئة في طرق الحياة التي نسلكها سواء كانت وعرة ام معبّدة سالكة .

ومن أعاجيب عالم الحيوان وأطرفها ؛ لفتت نظري الغرابة التي تعيشها "القنافذ" تلك الحيوانات المكسوّة بالإبر الواخزة المؤذية جدا فهي لا تقترب من بعضها البعض في غالب الاوقات خوفاً من الوخز الّا في ليالي الشتاء القارصة طلبا للدفء وبذلك تتلقى وخزات بعضها البعض من اجل ان تستشعر الحرارة والدفء فيما لو تقاربت سويةً؛ فالتقارب وان كان موجعا افضل بكثير من الموت بردا وهي بعيدة عن أصحابها وشلّتها وبني جلدتها، وحالما يعمّها الدفء ويغلّف أجسامها؛ تنفرد بعيدا هربا من لسعات الوخز وهكذا يستمر حالها بين تقارب وتباعد وفقا لبرودة الجو والشعور بالحرارة .

هكذا هو وضعُنا في علاقاتنا البشرية فلا يخلو احدنا من أشواك تُدمينا اذا اقتربنا منها لكننا نقترب من بعضنا البعض طلبا لتواصل العلاقات الانسانية ودفئها ونقول لمن اراد صديقا بلا عيوب وزوجة كاملة الخلْق والخُلُق فليهرب من هذه الحياة وليبحث في زوايا المستحيلات الثلاث ويبقَ وحيدا فردا بلا صحبة او انيس ويعشْ طول حياته اعزب بلا رفيقة عمر مثل حال صديقي المسكين الذي اضاع عمره الطويل باحثا عن الكمال بين ظهرانينا فلم يجدْه . فلنصبر على وخزات الآخرين ولا نمعن النظر بكل شيء ولانحلل كل شيء فوق مايستحق وما الانجم الزاهرات التي ترصّع السماء بهاءً وجمالا وأضواءً إلاّ صخور وترابٌ وأحجار .

 

جواد غلوم

 

شعار رفعه ألسلف وتوارثه ألخلف؟؛ تتكرر ظاهرة ألتوريث لدى ألعرب منذ ظهور ألأسلام ألى يومنا هذا؛ وبشعارات مختلفة؛ منها نشر ألأسلام في ألجزيرة ألعربية ؛ ثم ألى شعار {أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة}؛ فالسلف باعوا ألأسلام بقتالهم ألبيني على ألخلافة ألعشائرية؛ فتأسست ألدولة ألأموية؛ تتنقل فيه ألخلافة بالتوريث؛ دون رغبة من ألأمة ألأسلامية وشعوبها؛ ثم جاءت ألدولة ألعباسية؛ وأتبعت نفس ألطرق؛ ووصل ألأمر أن يتقاتل ألأخوة{ ألأمين وألمأ مون}؛ من أجل ألكراسي؛ دون أعتبار للأمة وحقوق شعوبها؛ ولم تختلف ألدولة ألعثمانية؛ عن سابقاتها؛ وأستمرار ألملك ألعضوض؛ وحتى بعد سقوط ألدولة ألأموية؛ وهروب قبائلها ألى ألأندلس؛ قسموها على ألقبائل ألتي هاجرت؛ ثم تكونت مستوطنات ألأندلس؛ يقاتلون بعضهم ألآخر؛ وكل مجموعة أخذت تتعاون مع ألأفرنجة؛ لبقائهم في ألحكم؛ من أجل ألجنس ألأبيض ألناعم ألأوربي؛ وأخذوا يدفعون ألجزية للبقاء على ألكراس؟؟ ثم جاء ريتشارد قلب ألأسد؛ وسحقهم عن بكرة أبيهم رجالا ونساءا وأطفالا؟؟.وأنتهت ألدولة ألأسلامية في ألأندلس ألى ألأبد ؟؟ وما أشبه أليوم بالبارحة؛ زعماء ألدول ألعربية يتعاونون مع ألكيان ألصهيوني؛ وألدول ألغربية وأمريكا؛ وأخذوا يقتلون بعضهم البعض ألأخر؛ بدم بارد ؟؟. أنظروا ألى وضعنا ألحالي؛ يقتل ألعربي أخوه ألعربي وألمسلم بدم بارد؛ وتقسم ألدول ألعربية على حفنة من ألخونة وقطاع ألطرق؟؟.محميات ألخليج جميعها بما فيها مستوطنة آل سعود؛ تتحالف مع ألصهاينة؛ وبدلا من أرسال جيوشها لتخليص بيت ألمقدس من ألصهاينة؛ أصبحو حلفاء لهم؛ وأقاموا علاقات دبلوماسية وتجارية { وعلى عينك ياتاجر }؛ وعاد حلف يهود يثرب مع أعراب ألجزيرة؛ لمحاربة ألأسلام وألمسلمين ومن يعرض آمن ألدولة ألعبرية للخطر؛ مصيره ألزوال؟؟. ألأسلحة ألتي سلمت للمجموعات ألأرهابية في ألبلاد ألعربية وألأسلامية؛ قيمت بألوف ألمليارات منذ حرب أفغانستان وأليمن وغيرها من ألدول ألحليفة لأمريكا وأسرائيل؛ ولكنها لم تقدم لأهل غزة وفلسطين سوى ألوف ألدولارات؛ لذر ألرماد في ألعيون؛ وأعلنت أعترافها بالدولة ألعبرية وأقامت حلف ضد آيران؛ بينما آيران دولة جارة وأسلامية؛ أغلقت ألسفارة ألأسرائيلية وسلمتها لمنظمة ألتحرير ألفلسطينية؛ بينما أعلام أسرائيل ترفرف في معظم عواصم ألدول العربية؟؟.يبدوا أن ماحصل في معركتي ألجمل وصفين؛ لايختلف عن حروب دول ألمشايخ؛ ضد ألشعب أليمني؛ طلحة والزبير وعائشة؛ جاؤا بجيش جرار ؟ لمقاتلة ألأمام علي {ع} ألمنتخب شرعا؛ بحجة مشاركتهم بالحكم ؟؟علما بأن ألأمام علي؛ أنتخب في ألمسجد ألنبوي ألشريف؛ من قبل أهل ألمدينة {ومن خرج على أمام زمانه وجب قتله } حديث نبوي شريف؟؟.وفي كربلاء؛ ذبحوا ألأمام ألحسين {ع} وأهل بيت ألرسول {ص} بدم بارد؛ لأنه خرج على أمام زمانه يزيد أبن معاوية؛ الفاسق ألجزار شارب ألخمرة؟؟ولازال أهل أللحى يكررون أن ألحسين قتل بسيف جده؛ أستناد الى حديث نبوي {من خرج على أمام زمانه وجب قتله}؟؟هذه نفس ألعقلية ألتي تبرر قتل ألشعب أليمني ومحاصرته؛ ومنع ألغذاء وألدواء عنه؛ فمن يتعاون مع ألصهاينة؛ فهو مؤمن ؟؟ ؛ أما أهل أليمن فقد خرجو على أمام زمانهم أبن سلمان؟؟. تصوروا أن معظم ألدول ألعربية تقيم علاقات على مختلف ألصعد مع الكيان الصهيوني؛ من أجل بقاء ألديناصورات على كراسي ألحكم ألى يوم يبعثون؟؟.يقولون في أدبياتهم؛ أن ألمرأة ناقصة ألعقل وألدين؛ فهل ألصهيونية كولدا مائير قاتلة ألأطفال؛ من ألعشرة ألمبشرين بالجنة؟؟.أهل غزة وألضفة ألغربية يحتاجون للماء وألدواء وألغذاء؛ ولايحتاجون الى صواريخ وطائرات ألكيان ألصهيوني؛ ألتي تدفعها ألمشايخ لقتلهم!!.وكل ذلك من أجل أن يبقوا على كراسي الحكم في محميات الخليج؛ بينما يدعون أنهم مسلمون!!.تصوروا في عصرنا ألحالي؛ معظم ألدولة ألعربية تحكم بالتوريث {ألسعودية؛ ألكويت؛ ألأمارات؛ عمان ألأردن؛ المغرب؛ قطر؛ البحرين....ألخ}. لوبقي حسني مبارك؛ أوصدام حسين؛ أو ألقذافي؛ لتولى أولادهم وأحفادهم ألحكم كما حصل في ألخلافات  ألثلاث {بني العباس وبني أمية وبني عثمان }وألمضحك ألمبكي أن حافظ ألأسد قبل وفاته؛ جاء بولده بشار من لندن؛ لينصبه رئيسا لسورية؛ أسوة بالأخرين. بينما يموت مئات الألوف في العالم ألعربي وألأسلامي جوعا وعطشا؛ تدفع مستوطنات ألخليج؛ الجز ية سنويا بألأف ألترليونات من ألدولارات للعم سام .حاكم قطر تبرع بثمانون مليار دولار لترامب بالأمس؛ لتوسيع قاعدة ألعديد؛ التي أقامتها أمريكا؛ وأشترت أسلحة بألوف ألمليارات؛ وألسؤال تقاتل قطر من ؟؟ وهي تحت حماية أمريكا؛ أصبحنا مضحكة أمام ألعالم أجمع؟؟.   

 

د.عبد ألحميد ذرب          

 

نادية المحمداويالمشاكل التي تواجه الوافدين الجدد إلى أمريكا كثيرة جدا ومعقدة، لكنها رغم كثرتها ترتكز في مبناها العام على مرتكزالوهم الذي كان يملا عقول اللاجئين قبل وصولهم الى أمريكا، وعلى (الاتكالية السلبية) السائدة كطبع في نفوس طالبي اللجوء العراقيين القادمين الى أمريكا خصوصا وإلى الغرب بشكل عام.

المهاجر الوافد من العراق جاء إلى هنا وذهنه معبأ بتصور راسخ وقناعة تامة بأن أمريكا الغنية ستظل تنفق عليه وتتكفل بإعالة أولاده وزوجته من أموالها إلى أخر العمر دون مطالبته بعمل أو مجهود لقاء ذلك، لكن الحقيقة التي اكتشفوها بعد وصولهم صدمتهم بقوة وقلبت مفاهيمهم رأسا على عقب.

العلاقات الاقتصادية التي يعتمدها النظام الرأسمالي في إدارة الدولة والمجتمع، تختلف كليا عن الوهم الذي زرعته الدعاية الرأسمالية في نفوس الشرقيين بشكل عام، الرأسمالية بطبيعتها كنظام اقتصادي واجتماعي، لا تعيل أحدا دون مقابل خصوصا أولئك الاتكاليين المصرين على البقاء العاطلين عن العمل، ولا تسمح لأحد منهم أن يعيش عالة على كاهل موازنات الدولة الرأسمالية التي تجمعها من فرض الضرائب الباهظة، لذلك لا تمنح أي منهم سنتا واحدا دون جهد أو خدمة يقدمها للمجتمع والدولة، ومن يحاول أن يعتاش بالحيلة والمكر وبدون عمل، حتما ستؤدي به البطالة إلى خسارة أحلامه التي حلم بها قبل أن يهاجر ويتشرد مع الهيبيين في أحسن الأحوال، وربما تؤدي به إلى السجن.

الحكومة الفيدرالية أو حكومات الولايات، كلاهما دائما يقدمان للمجتمع وللمؤسسات خدمات متطورة جدا في المجالات البلدية والصحة والسكن والتعليم والاتصالات والكهرباء والمحروقات الخ، لكن ليس مجانا كما هو الحال في الدول ذات التوجه المغاير للرأسمالية، هنا نظام الفواتير يحصي كل شيء بدقة متناهية ويستوفي ثمنه من الجميع كل حسب استهلاكه وحاجته دون استثناء وكل شيء تقدمه الحكومة يجب أن يدفع ثمنه المستهلك ووفق نظام الفاتورة المعمول به في كافة المجالات وعلى أوسع نطاق.

في معرض التفاصيل تلك يجب الاعتراف أن البعض من المهاجرين الموهوبين والمحظوظين نجحوا في تخطى الأزمات المالية وأصبحت حياتهم مستقره اقتصاديا واجتماعيا، (والبعض من هذا البعض) وصلوا الى الغنى لكن الوضع الاقتصادي السائد بشكل عام، يحتم على العائلة المهاجرة أن تستنفر جميع أفرادها الذين هم في سن العمل رجالا ونساء كي تتمكن من سد تكاليف الفواتير وتأمين متطلباتها الحياة الكريمة للعائلة.

 

نادية المحمداوي

 

راضي المترفييوم امس اتصل بي صوت لم اعتاده ولم يسجل اسم صاحبه في هاتفي ولما تاكد من شخصي عرف نفسه فتبين انه سياسي متمرس من الخط الثاني لكنه ذو قدرة بحشر نفسه مع الخط الاول وسالني عن صحة خبر نية اسرائيل في مد خط للسكك الحديد من حيفا حتى الامارات مرورا بالسعودية . لم استغرب سؤاله لكن غبطته على ذكاؤه وجبنه وحسدته على حظه الذي منحه كلما اراد من كرسي نيابة الى كرسي وزارة الى ملايين الدنانير والدولارات ومع كل هذا يتشاطر علي ويريد معرفة مايحتاجه عن تقبل الناس لفكرة وجود اسرائيل بيننا وانا وجدتها فرصة لاستعرض التاريخ واعلن عن رايي بصراحة فسألته محاولا استفزازه: انت سني ام شيعي؟ وماعلاقة هذا بقبول اسرائيل؟ اكيد هناك علاقة تعرفها بعد الاجابة .. قال بهدوء وثقة عالية طيب سجل عندك .. نعم .. انا لا اسلامي ولاعلماني انا صديق الدولار والدينار والمكاسب . وصلت الفكرة وعليه يجب ان ترفع عقيرتك بكل ما تملك من قوة ضد التطبيع مع اسرائيل وارفع صوتك في المحافل حول فلسطين قضية العرب الكبرى ولاتنسى المطالبة بحق تقرير المصير لاخواننا الفلسطينين. لكن لماذا هذه الجعجعة الفارغة وانا لايعنيني حل القضية الفلسطينية او بقاؤها الى حين يبعثون ولست معنيا بتقرير المصير بالنسبة للفلسطينين . كلام منطقي ساجيبك عليه .. يا استاذ انت سياسي بلا ولاء ولاعقيدة سواء على مستوى الوطن او بخصوص الدين يعني بوضوح اشد انت منافق والتطبيع مع اسرائيل سيكون عليك اشد ضررا من التعامل مع داعش او امريكا او ايران او السعودية . لا ارجوك كلامك غير دقيق . كيف ؟ انا في دورتين للبرلمان كنت في الاولى مع السعودية وكان الصيد وفير وفي الثانية كنت مع ايران وكان الحال ممتازا فلماذا لايكون مع اسرائيل كذلك يارجل ولها نفس المصالح في العراق؟ الاختلاف ليس في المصالح ياصديقي اسرائيل هي المختلفة . كيف بالله عليك؟ اسرائيل يخاف التطبيع معها المنافقون والضعفاء لانها لاتجامل على حساب مصالحها ولاتتهاون في توفير الامن واحتياجات شعبها وليس لديها القدرة على خداع شعبها لذا ستكون واضحة في تشخيص المنافقين وعدم التعامل مع الفاشلين وانت احدهم وعليه يجب ان تعرف بأنك من مناصري الشعب الفلسطيني والمطالب له بتقرير المصير وتعلن في كل مناسبة عاشت فلسطين حرة عربية حتى تتحول الى عقبة بوجه التطبيع وعاش النفاق العربي من المحيط الى الخليج

 

راضي المترفي

 

عماد عليمن عايش الواقع الكوردستاني منذ عقود وتمعن قليلا في عمل الاسلام السياسي الذي ارتبط بقوى مختلفة وحصل فيها تغييرات وتراوح منحيات مكانتهم وحجمهم وفق تعاملهم مع الظروف الاجتماعية من جهة والظروف السياسية الاقتصادية لشعب كوردستان من جهة اخرى، يرى بوضوح جوهر عمل هذه القوى. هنا لا يمكن ان اقيمهم ابان النضال الثوري الكوردستاني لانهم كانوا ضمن قوة سياسية عسكرية واحدة وهي الحركة الاسلامية في كوردستان، وولدت البقية اما من رجمها او منافسا لها او تابعا لقوى اسلامية سياسية في منطقة  الشرق الاوسط، غير منسجمة مع الوسط الكوردستاني، ويمكننا ان نؤكد عدم ولادة اي حزب اسلامي من مخاض كوردستاني صافي وقح وانما كانوا وتاسست الاكثرية فيما بعد انتفاضة اذار 1991 اما انشقوا عن حزب الام بدوافع كثيرة لا يسع هنا الكلام عن جميعها او انبثق الاخر تابعا لاخوان المسلمين والمنظمات والحركات الاسلامية المختلفة الشكل والتركيب التابعة لها، وهم ارادوا نقل التجربة الى كوردستان دون دراسة وتدقيق الظروف المختلفة والواقع الاجتماعي السياسي التاريخي الجغرافي المختلف بشكل علمي.

فمن نافل القول بانهم كانوا متحالفين مع هذا وذاك من القوى الاسلامية ونفذوا ما طُلب منهم نتيجة  محاولة ضمان مصالحهم الحزبية الشخصية الخاصة بهم، وفي المقابل لا يمكن ان نؤكد بانهم جميعا خضعوا بشكل مطلق لهذه القوى التي كان لها الفضل على تاسيسهم  او دافعا بكل قواهم  لمسيرتهم، اي لم يدخلوا خانة العمالة بشكل كامل نتيجة ما بقي نسبة  معينة في تركيب وجوهرمجموعة كبيرة منهم من الحس القومي المؤثر في فكرهم وتوجهاتهم، وعليه فان من ابتلى بالعمليات الارهابية لا يعد كثيرا جدا وفق ما كانو عليه من الحجم وما امتلكوا من الاعداد الهائلة من المنتمين في مراحل متعددة من عملهم خلال العقود الماضية. وكعادتعم فانهم تحالفوا مع القوي الداخلي والخارجي دائما، ويُعد هذا خضوعا وعملا انتهازيا نتيجة  تحقيق هدف معين دنيوي وهو ضمان متطلباتهم وليس لتكامل بينتهم وتنفيذ عقيدتهم وفلسفتهم، وعليه كانوا معرضين لانقلاب مواقف القوى المتحالفة وتراجع بعضهم نتيجة ما فرضت مصالحهم على الانسحاب من تحالفاتهم التي كانت كثيرا على حساب الحس القومي والوطني والمظلومية التي الحق بالشعب الكرودستاني على ايدي الحكومات المتلاحقة  في الدول التي ينقسم فيها الكورد دون ان يلمسوا اي موقف مشرف من هذه القوى الاسلامية، هذا ان لم يكن هؤلاء داعمين للظالمين من حكام هذه الدول. فيمكننا ان نقول  حقا انهم عندما لم يصبحوا ورقة مربحة للقوى الاسلامية العالمية فلم يبال بهم هؤلاء وشعروا بان الاموال الهائلة التي صرفت لهم لم يحتل موقعا لتحقيق اهدافهم الاستراتجية وامنياتهم الكبيرة في منطقة الشرق الاوسط،  ومنهم كوردستان على الرغم بقاء شيء من الحنية بينهم، بينما تغيرت الحال كثيرا بعد سقوط الدكتاتورية العراقية واختلفت بشكل جلي المعادلات وتغيرت موازين القوى، وبعد الربيع العربي بدات مرحلة جديدة ومن ثم الانتكاسة التي اصابتهم تاثرت القوى الكوردستانية بشكل اكبر وتغير سلوك وحركات حتى المتشددين منهم .

من جانب اخر في كوردستان لم تسمح لهم الظروف والواقع الموجود من امتلاك الاحزاب لقوى عسكرية خاصة بهم والتاثير المعنوي للبيشمركَة التي كان لها الدور الاكبر في الثورة الكوردستانية التي سيطرت على زمام الامور من السلطة، ففقد الاسلاميين ابسط الطرق وهو التحالف مع العسكر، وهذا لم يسمح لهم في كوردستان كما حصل في الدول الاخرى وادوا الموالين في المواقع الحساسة للدولة اي عمل طُلب منهم من قبل الاسلاميين، وهكذا نفذوا عمليات كبرى اهترزت بها الدول كما حدث من اغتيال السادات، اضافة الى عدم وجود دولة خاصة في كوردستان بل بقي كاقليم تابع للدولة العراقية التي تغيرت بعد سقوط الدكتاتورية، فاصبح حينئذ منحنى اوضاع وامكانيات القوى الاسلامية الكوردستانية مرتبطة بالقوى العالمية والعراقية التي اتبعوها، وكان جميعهم بشكل مطلق من السنة، وهذا ما ادى الى عدم استفادتهم بشكل كبير نتيجة سيطرة الشيعة كما هو المعلوم على السلطة العراقية، ومن ثم ازداد ارتباط الكثير منهم بالقوى الارهابية وخسروا شعبيتهم وحتى  مواقعهم وسمعتهم التي كانوا يمتلكونها قبل هذا.

ما يلاحظ من القوى الاسلامية في كل مكان وكوردستان من ضمنهم بانهم يتمتعون بالانتهازية وما تسنح لهم اية فرصة يستغلونها ولكنهم يخطئون كثيرا في مراحل عزهم نتيجة فلسفتهم وافكارهم التي يعتمدون عليها في سرهم وهو السيطرة المطلقة وازاحة القوى الاخرى وعدم ايمانهم بالمشاركة والتحالفات مع القوى العلمانية حتى تكتيكيا في اكثر الاحيان.( لاحظنا كيف تصرفوا بداية الربيع العربي في مصر وكيف شاركوا في سوريا وتونس وليبيا) وهكذا فان الاسلاميين في كوردستان غيروا لهجتهم ايضا عندما لاحظوا ارتقاع منحنى القوى المماثلة لهم ولكنهم كسر شوكهم بعد فشل تلك القوى في هذه الدول التي انتفضت.

و عليه فان القوى الاسلامية الكوردستانية لم تشهد لهم مرحلة متنقلة وانما كما كانوا ضعيفين ابان الانتفاضة نتيجة سيطرة القوى العلمانية، ولكنهم ازدادت همتهم وتحركم بعد الوضع الاقتصادي الصعب والحصار الذي تعرضت له كوردستان على يد صدام، فاستغلوا هذا بالمال الخليجي وبرزت قوى جديدة وارتفع رصيدهم لحين سقوط صدام وتغييير موازين القوى، فانهم عادوا الى وضعم بعد حين.

في حين اختبأت بعض القوى الاسلامية خلف عباءات شخصيات وقوى اسلامية عربية وبالاخص الخليجية في عز مرحلة انتعاشهم على حساب العلمانيين نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة، فانهم دخلوا في خانة الاهراب نتيجة  حروبهم المتواصلة في تسعينات القرن الماضي واثر هذا على مكانتهم وحددت به مساحتهم وتقلصوا كثيرا بعد ذلك، واليوم بعد الانتعاش النسبي للوضع الاقتصادي الكوردستاني بقيت هذه الاحزاب الاسلامية في دائرة معينة دون تغيير ملحوظ او كبير، على الرغم من محاولات الاسياد التي كان لهم الفضل عليهم محاولين تحركهم ودفعهم عسى يفيدون في استخدامهم في المعادلات السياسية في المنطقة، ولكن بروز داعش وانكساره وما حصل في سوريا والعراق والانتهاكات التي حصلت ما وضح ما يخبئه هذه القوى عند التسلط على اي بقعة، فان التردد وعدم الانتماء اليهم انخفض جدا بل انعدم في مرحلة طويلة والتردد من  التقرب منهم  اصبح يفرض نفسه على من لم ينتم اليهم قبل هذه الفترة.

من المعلوم ان هناك صراعا خفيا وعلنيا ايضا بين هذه القوى المنتشرة في كوردستان، وتعدديتهم تناقض ادعاءاتهم بان الاسلام الواحد هو الصحيح، وعليه انهم انقسموا الى المتشددين والمعتدلين المختلفين مع البعض والسلفيين ومن انضم بين صفوفهم الى داعش وكسر جناحهم وبرز زيف ما ادعوه من اعتدالهم، واليوم يحاولون دون  جدوى توحيد صفوفهم الا ان المصالح الكثيرة الدنيوية هي التي تمنعهم على الرغم من انهم يعيشون ويتحركون من اجل الاخرة والجنة النعيمة وحور العين وانهر الخمر والغلمان وفق ما يعتقدون ويؤمنون ويستندون عليه من النصوص. فان شعبيتهم وان تتغير وتختلف بين مرحلة واخرى استنادا على الواقع الاجتماعي الاقتصادي الكوردستاني المختلف، فانهم بنفسهم حددوا لنفسهم الدائرة والشعبية التي يلتفون حولها بشكل ثابت لمدد معينة ولحد اليوم.

ان اختلاف القومية والثقافة والتعددية الدينية الموجودة مع التاريخ المختلف عن الشعوب الاخرى من عوامل تحديد هويتهم ودائرتهم الا ان تبعيتهم للقوى الاسلامية العالمية تفرض عليهم في كثير من الاحيان الخروج من الواقع والظروف الخاصة التي تحيط بهم في كوردستان وهم موجودون ويلعبون فيها، قد تضر بهم ويدخلون في تناقضات كبيرة تؤثر على مكانتهم والثقة بهم  اكثر حتى من قبل المنتمين لهم.

 

عماد علي

 

علي علييقول علماء الاجتماع ان لكل منا -وإن لم يشعر- حاجة للانتماء والولاء الى جهة معينة، وهذه الجهة تحددها ضوابط ومقاسات تختلف من شخص الى آخر، وقطعا يضع الانسان السوي منا لولائه وانتمائه ضوابط، تدخل في بلورتها التزامات اجتماعية وأخلاقية ودينية فضلا عن البيئية والظرفية.

وتدفعنا لهذا الولاء غرائز عدة، تنمو وتكبر معنا وتتشعب بازدياد متطلبات حياتنا، ففي أسرتنا ابتدأ أول ولاء، وفي مدرستنا الولاء الثاني، وحين دخلنا معترك الحياة العملية كان بانتظارنا ولاء ثالث. فمن كان منا عمله وظيفيا فرض الولاء وجوده بين الرأس والمرؤوس، وفي ميادين العمل الاخرى بين العامل ورب العمل، وفي كل ما تقدم يكون الولاء بحدود العمل وسياقاته، ليس أكثر فبانتهاء ساعات الدوام او ساعات العمل تذهب كل الأطراف الى اهتماماتها وحياتها الخاصة من دون تأثير شخص على آخر.

لكن هناك سقفا كبيرا يجمع الكل اينما كانوا، يتحتم الولاء المطلق له، ذاك هو سقف الوطن، وهو فرض على كل من يدعي الانتماء له بدءًا من رئيسه الى ابسط مواطن فيه، ومامن شاعر إلا تغنى بالوطن وحبه والولاء له والاستشهاد من اجله، وكم سطر التاريخ لنا قصصا بذلك حتى من جار عليه وطنه، وعانى من العيش فيه كما قال شاعرنا:

بلادي وإن جارت علي عزيزة

وقومي وإن شحوا علي كرام

ومن المؤكد ان الولاء للوطن ليس ثقلا مفروضا على النزيه والـ (شريف) بل هو سمو يعلو على كل المشاعر والاعتبارات من حيث يدري ولايدري.

يروى ان نابليون عندما شن حربه على النمسا، كان هناك ضابط نمساوي يتسلل بين الفينة والأخرى الى نابليون بونابرت قائد الجيش الفرنسي، يفشي له اسرار وتحركات الجيش النمساوي، وبعد ان يأخذ نابليون مايفيده من أسرار عدوه، يرمي لهذا الضابط صرة نقود على الأرض ثمنا لبوحه بأسرار جيشه. ذات يوم وكعادته بعد ان سرّب الضابط لنابليون معلومات مهمة، همّ نابليون برمي صرة النقود له، فما كان من الضابط إلا ان قال: يا سيادة الجنرال، ليس المال وحده غايتي، فأنا أريد أن أحظى بمصافحة نابليون بونابرت. أجابه نابليون: أما النقود فأعطيك إياها كونك تنقل لي أسرار جيشك، وأما يدي فلا أصافح بها من يخون وطنه. من هذا الموقف تتكشف لنا خسة من لا يكنّ لبلده الولاء كل الولاء.

الذي ذكرني بنابليون هو ما يحدث في ساحة العراق على يد ساسة اتخذ بعضهم من العراق -وهم عراقيون- سوقا لتجارة وربح ومآرب أخرى نأوا بها عن المواطنة والولاء للوطن، مآرب لأجناب وأغراب ليسوا حديثي عهد باطماعهم في العراق، فهم أناس لا أظنهم يختلفون عن ذاك الضابط النمساوي الخائن، لاسيما بعد ان سلمهم العراقي الجمل بما حمل، وحكـَّمهم بامره متأملا بهم الفرج لسني الحرمان التي لحقت به. فحق عليهم بيت الشعر القائل:

إذا أنت حمّلت الخؤون أمانة        فإنك قد أسندتها شر مسند

 

علي علي

 

قال تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ".

كثيرة هي اﻷمثال الشعبية واﻷفلام السينمائية التي تناولت اللصوصية بمختلف صورها وأشكالها (السرقة، الإختلاس، النهب والسلب، النصب والإحتيال، خيانة اﻷمانة، هدر المال العام، العبث بممتلكات وعقارات الدولة والإستيلاء عليها بغير وجه حق) ومن زوايا تباينت في أسلوبها ومضمونها، اﻻ إن أحدها علق في ذهني مذ شاهدته أول مرة في سينما النصر إحدى أرقى دور العرض السينمائي وسط العاصمة بغداد قبل أن يُحرمها بعد الغزو الاميركي الغاشم 2003 من أحَلوا إفتتاح مثيلاتها ولكن داخل المولات الكبيرة التي يمتلكون أسهمها وقسما منها بأموال السحت الحرام، أسوة بدور البغاء وصالات القمار والملاهي الليلية ومراكز المساج الصيني التي حللوها على بعد أمتار من دور العرض المُحرمة في قاموسهم أو في محيطها وتولوا خفارتها مقابل جبايتها بمبالغ فلكية يوميا كما كشف عن ذلك غير واحد من السياسيين وفي أكثر من لقاء متلفز بمفارقة عجيبة لاتحدث اﻻ في العراق،إغلاق السينمات الكبيرة بذريعة حرمتها وتحويلها الى مخازن لبيع قطع الغيار، مقابل افتتاح الكابريهات والصالات المشبوهة ﻷنها حرية وديمقراطية ودجاجة تبيض ذهبا حلالا للفاسدين والمفسدين في اﻷرض من أولئك الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض على وفق هواهم ومن أولئك الذين يعتقدون جازمين بضرورة إظهار الفساد ونشره للتعجيل بظهور المخلص بزعمهم "، الفيلم الذي علق في ذهني والذي سمحت لنفسي بإستعارة عنوانه مع بعض التحوير هو " لصوص لكن ظرفاء " بطولة احمد مظهر وعادل امام وماري منيب، ومرد التعلق في الذاكرة ليس مضمون الفيلم وﻻ إخراجه بقدر الرسالة القاتمة التي يطرحها للمشاهدين وخلاصتها أن اللص يمكن ان يكون لطيفا ووسيما وظريفا في محاكاة علنية تصهر - التراجيديا و الكوميديا - ببوتقة واحدة لتجسيد قصص الشطار والعياريين والفتوات والبلطجية التي حفلت بها كتب التراث وأشهرهم " الطقطقي وعلي الزيبق " وهؤلاء وأمثالهم كانوا لايجدون حرجا في سرقة اﻷغنياء والتجار وقطع الطريق على الناس في أوقات الفتن ومنهم من كان يقتسم ما يسرق مع العسس وحرس السلطان مقابل منحهم اﻷمان، وبعضهم كان يقاتل مع اﻷمراء ضد بعضهم بعضا للفوز بالكرسي مقابل إطلاق أيديهم في النهب والسلب وإظهار الخلاعة والمجون وترويع الناس في اﻷسواق والطرقات !!

النبي اﻷكرم صلى الله عليه وسلم بما أوتي من جوامع الكلم لخص لنا بسطرين كيف تقوم قيامة اﻷمم وتحل ساعتها في الدنيا قبل اﻵخرة قائلا : ((إذا ضيعت الأمانة فإنتظر الساعة)) قيل : كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال:((إذا أسند الأمر إلى غير أهله فإنتظر الساعة))، وأي إسناد لغير المؤهلين، غير الكفوئين، غير النزيهين، غير المؤتمنين أشد وانكى من ذاك الذي يشهده العراق منذ سنين طويلة في كثير مواقع المسؤولية الدنيا والعليا حتى بتنا نصدر الى العالم ظاهرة قل نظيرها بين الشعوب اﻻ وهي ظاهرة " لصوص نهبوا البلاد والعباد ولكن ..وجهاء !" فترى أحدهم وكلما أقرَّ على نفسه علانية بالسرقة والتزوير والرشوة كلما إزداد نفوذا ومنعة، كلما تراكمت أكوام الملفات التي تدينه بالفساد كلما صار - طنطلا - مرهوب الجانب يخشاه القاصي والداني بإعتباره - بايع ومخلص - حتى ماعاد أحد يثق لابمكاتب المفتشين العموميين ولا بلجان التفتيش وﻻ بفرق مكافحة الفساد وﻻ بالمراقبين وباﻷخص المسيسيين والحزبيين منهم ممن يطلق عليهم (حاميها حراميها) ﻷن - أخطبوطا - واحدا لم يودع خلف القضبان حتى اﻵن بإستثناء اﻷسماك الصغيرة التي جرت العادة على عصب الملفات برأسها ريثما يتسنى لتمساح المستنقعات الأكبر الترشح والفوز بدورة انتخابية جديدة أو الهروب خارج البلاد بالجنسية الثانية الى الدولة التي أتى منها - حافيا - سبقته سرقاته الى بنوكها على مراحل طيلة تسنمه المنصب، وذلك مصداقا لما قاله الذي لاينطق عن الهوى إن هو الا وحي يوحى صلى الله عليه وسلم : "إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد".

ما أطالعه يوميا من تقارير تنشر على المواقع الرسمية "وزارة العدل،مجلس القضاء الاعلى، هيأة النزاهة، المحكمة الاتحادية العليا، وزارة الداخلية "لجانب من تلكم السرقات التي تتجاوز على المال العام بأعتباره -مال السلطان- الذي يجوز نهبه على وفق عقلية المعارضة السياسية التأريخية والتي تورط فيها من أنيطت بهم مسؤولية إدارته والحفاظ عليه، يسبب لي صداعا وغثيانا فهذا الرئيس السابق لمجلس إدارة الشركة العراقية للنقل البري يحكم عليه بالسجن 7 سنوات مع مصادرة امواله المنقولة وغير المنقولة لإضراره بأموال ومصالح الشركة التايعة الى وزارة النقل ..وهذا المدير العام للشركة العامة لتجارة الحبوب سابقاً يحكم عليه غيابيا بالسجن 7 سنوات لإضراره بالمال العام بقرابة مليون دولار.. صدور حكم بالسجن ست سنوات بحق مدير التسجيل العقاري السابق في ميسان..مسؤولٍ سابقٍ في وزارة الإعمار والإسكان يحكم عليه بالسجن 10 سنوات بتهمة رشوة مقابل إحالة مناقصة قدمتها شركة أهلية ..صدور حكمين جديدين بحبس مدير التسجيل العقاري السابقة في كربلاء (ح.م.ج)،ومدة كل حكم ثلاث سنوات...حكم غيابي بالسجن لمدة سبع سنوات، بحقِّ مدير عقارات الدولة في محافظة صلاح الدين السابق لإضراره بالمال العام ..صدور حكم جديد بالسجن سبع سنين بحق المدير العام للمصرف الزراعي التعاوني سابقاً،لإضراره بالمال العام بما يصل الى (40) مليار دينارٍ سبقه حكم مماثل صادر بحقه بسبع سنين لإهداره 15 مليار دينار ..ضبط عددٍ من "المسؤولين والموظفين" من صغار القوم بديوان محافظة نينوى بتهمة الإختلاس وتبديد ما يقرب من 6 مليارات دينار من أموال إعادة تأهيل أبنية المحافظة المدمرة بالكامل وباﻷخص جانبها الأيمن وفرار كبيرهم الذي علمهم السحر المحافظ المقال نوفل العاكوب، ضمن لعبة ملاحقة - أسماك الجري - وإخلاء سبيل - الحوت اﻷوركا -جريا على قاعدة " لصوص لكن ..وجهاء، زعماء، سفراء، شرفاء، عظماء، حكماء، شركاء !" .

وأنوه الى أن عمليات النصب والاحتيال بغية سرقة مال الغير وما أكثر النصابين في سدة المسؤولية ومن جميع المكونات يصدق فيهم قول العوام " ودَّع البزون شحمه " فهذه من اختصاص قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 الذي نصت المادة (456) منه والمعروفة محليا بـ 56 والتي عادة ما تطلق على كل محتال بعقوبة الحبس على كل من توصل الى تسلم أو نقل حيازة مال منقول مملوك للغير لنفسه أو الى شخص آخر باستعمال طرق احتيالية أو إنتحال صفة والكذب والخداع !

أما خيانة الامانة فنصت عليها المادة 453 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل على كل من اؤتمن على مال منقول مملوك أو عهد به اليه بأية كيفية كانت أو سلم اليه على سبيل الأمانة فاستعمله بسوء قصد لمنفعته أو لفائدة شخص آخر أو تصرف بسوء قصد خلافا للغرض الذي عهد به اليه أو سلم له من اجله".

ولطالما إستعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من الخيانة وكان يدعو فيقول ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ؛ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ؛ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ" وقد قرن الجوع بالخيانة كونه أحد دوافعها ومسبباتها، كما إن خيانة اﻷمانة احد مسببات الجوع بمعنى ان احدهما يتوالد من اﻵخر، وأشير الى أن الايدي في الاسلام خمس " يد عاطلة أوجب الإسلام توظيفها، يد عاجزة أوجب رعايتها، يد سائلة أوجب إعطاءها " المتسولون النصابون غير مشمولين بهذه إنما المقصود بها اليد المضطرة المتعففة التي لاتسأل الناس إلحافا اﻻ للضرورة القصوى وبقدرها "، يد عاملة أوجب تكريمها وتقبيلها وتشجيعها، وووويد عابثة أوجب قطعها بشروط وضوابط صارمة ومن غير شبهة ﻷن الحدود تدرأ بالشبهات .

اما السرقة فتناولتها المواد 439 _ 446 من قانون العقوبات وتفاصيلها كثيرة إن كانت ليلا أم نهارا، تحت تهديد السلاح أم بدونه، مارسها شخص واحد ام مجموعة أشخاص ..الخ !

وقد عنت اﻷمثال البغدادية - وأبو المثل ماخله شي ما كاله - بمصير اللصوص والمحتالين ونهايتهم على طريقة - نهايتك سودة يازمباوي - ومن اشهر اﻷمثال قولهم " اللي أخذه من الحرامي انطاه لفتاح ِ الفال ْ" وله قصة طريفة خلاصتها أن حارسا ليليا ألقى القبض على لص وهو خارج من أحد المنازل بعد سرقتها فأقنعه اللص بأخذ نصف المسروقات مقابل تركه وشأنه فقبل الحارس -الجرخجي - اﻻ أن القلق ظل يساوره ﻻحقا خشية أن يعترف السارق بما دار بينهما وﻻسبيل لمعرفة ذلك من وجهة نظره اﻻ بالذهاب الى العراف الدجال او" فتاح الفال " لمعرفة هل سيفضحه السارق أم ﻻ وأخذ فتاح الفال يضحك عليه ويبتزه - فهذه هي مهنته الحقيقية في الضحك على عقول البسطاء وذقونهم شأنه في ذلك شأن ابو علي الشيباني وحجي ثقب والمسمري وسنما وغيرهم من الدجاجلة - حتى أتى على كل ما أخذه من السارق فذهب ماوقع به من مأزق مثلا بين الناس، وقالوا في المال الحرام ايضا " مال اللبن للبن، ومال المي للمي "وله قصة طريفة محلها كتب اﻷمثال و" اللي ياكله العنز يطلعه الدباغ " .

وخلاصة حديثنا اننا وفي حال لم نُفَعِل القوانين بحق السراق والمختلسين والمتجاوزين على المال العام لافرق في ذلك بين كبار اللصوص وصغارهم فلنستعد لمزيد من الخراب القادم، وبغير حملة وطنية كبرى تفتح خلالها جميع ملفات الفساد دفعة واحدة لامحاباة فيها وﻻ شفعة، ﻻمنسوبية ولا محسوبية، ﻻحزبية وﻻ عشائرية، مع التثقيف الجماهيري لمحاربة الفساد ومواجهة الفاسدين من دون استثناء - ﻻهذا من جماعة فلان وﻻذاك من ربع علان- فإن أمر الشعب بكل مكوناته وطوائفه لن يستقيم مطلقا،وبغير إسترداد جميع عقارات الدولة وأراضيها كونها ملكا للشعب وليست - طابو لروح شيب ابو الخلفهم - فإن قصة السرقة والنهب والسلب والهدر لن تنتهي في المستقبل المنظور !

وأختم بقول الحبيب الطبيب صلى الله عليه وسلم القائل " من أخذ شبرا من الأرض ظلما، فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين" وقوله بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن " وقوله صلى الله عليه وسلم " إنه لا يدخل الجنة لحم و دم نبتا على سحت، النار أولى به " فهل من متعظ ؟!

وعلى بعض الروزخونيين من عشاق اﻷساطير والخزعبلات والروايات الزائفة المرتجلة الكف عن ترديد عبارة " مو مشكلة يبوك وينهب ويسرق ويشرب، المهم من جماعتنه ..فإنتخبوه !!".

وكل من يظهر على الشاشات ليفضح سرقات بحق نفسه، حزبه، أو بحق اﻵخرين فعلى الجهات المختصة الإرسال بطلبه فورا كونه قد أقر على نفسه بالسرقة، والإقرار سيد اﻷدلة، كما عليها ان تستدعيه لما إدعاه بحق آخرين لإثبات صحة إدعاءاته أو بطلانها ﻷن البينة على من إدعى واليمين على من أنكر ..أما أن يتباهى بكشف الفساد وممارسته فيصبح نجما تلفزيونيا ككيم كارديشيان تتسابق الفضائيات لإستضافته فهذا بحق زمن "الرويبضة " وهو التافه الصغير الذي يتحدث بأمر العامة فيشتهر لينضم الى قائمة " لصوص لكن ..وجهاء " .

 

احمد الحاج

 

الكاتبـة: جين تارديف

ترجمة: د. هناء خليف غني

***

هل يمكن لشعوب العالم المختلفة ثقافياً التوصل الى فهم مشترك للثقافة؟ وفي ضوء الصلة الوثيقة التي تربط الثقافة بالقيم، هل ستفضي المناقشات المتواصلة حول هذا الموضوع الى وضع صيغ أو مقترحات واقعية تضمن اقامة علاقات متوازنة بين المجتمعات والثقافات خاصة في ظل الدور الذي تنهض به العولمة في انشاء الحواجز بينهم؟ وهل بمقدورنا انصاف الأبعاد الاقتصادية للثقافة والنتائج السياسية الفعلية المترتبة على دورها الفعال في حيوات المجتمعات البشرية؟ وهل يمكن القول إن التحد الرئيس الذي تواجهه العولمة هو ايجاد السبل المناسبة لتنظيم العلاقات بين مجتمعات تسعى جاهدة للحفاظ على هوياتها الثقافية وكيانات ثقافية  ناشئة (evolving entities) تتجاوز حدود الاطر الاقتصادية أو بين-القومية أو الولاياتية الضيقة؟     

كيف يتسنى لنا وضع الأسس السليمة وتهيئة الظروف المناسبة لاقامة علاقات بين-ثقافية حقيقية في ظل رفضنا قبول الثقافة مصدراً لصدام الحضارات أو  التعامل معها بوصفها اداة سلطوية؟

ابتغاء التوصل الى فهم مشترك لهذا المفهوم المثير للجدل وإيجاد القواسم المشتركة التي تمكن الاشخاص على اختلاف ثقافاتهم من العمل سويةً، تبرز الحاجة الى الاتفاق، إن بشكل مبدئي، على المفاهيم الرئيسة الضرورية لفهم مكونات عالمنا المعاصر الذي يشهد تغيرات يومية يصعب مواكبتها والاحاطة بها. واستكمالاً لمحور النقاش السابق "العولمة والثقافة"، يهدف البحث الحالي الى تقديم الاسئلة الثلاثة الآتية ومناقشتها: أولاً، ما مدى اهمية الحوار بين الثقافات؟ ثانياً، ما طبيعة تصوراتنا عن الثقافات والعلاقات فيما بينهما؟ واخيراً، ما السبل الامثل الكفيلة بتهيئة الظروف المناسبة لإجراء حوارات بين-ثقافية متوازنة؟

2 أهمية الحوارات الثقافية المتوازنة- الامن الثقافي: استهل هذا المبحث ببضعة أسئلة مهمة هي: هل فكرة الحوار بين-الثقافي مجرد ثرثرة فارغة لا معنى لها؟ وهل ثمة ما يمكن وصفه بالحوار الحقيقي بين الثقافتين اليابانية والالمانية، العربية والامريكية، مثلاً؟ وهل يمكن لحوار كهذا أن يتجاوز نطاق التأثيرات والتبادلات الثقافية الفنية والأدبية والفلسفية الضيقة؟ من نافلة القول خلو عالمنا المعاصر من الثقافات المنغلقة كليةً. وليس ثمة، في الواقع، ثقافات كهذه، فالثقافات تنمو وتتغير على نحو متواصل لمواكبة المتغيرات والتفاعلات  المتسارعة المؤثرة فيها. وعليه، هل يمثل "الحوار الثقافي" شيئاً خلا التعامل بإيجابية مع تعددية التفاعلات العصية على الفهم؟ تحوي هذه التساؤلات في طياتها حقيقة مهمة ينبغي الانتباه لها مفادها أن العلاقات الإنسانية لا تقتصر على الافراد حسب، كما انها لا تتحدد بالعلاقات بين الدول، انها في واقع الامر تُقام بين جماعات بشرية ذات اعراف وقيم وتقاليد وسلوكات وطرق متنوعة لتمثيل الآخرين ومتباينة من جهة تمثيلها الرسمي في المؤسسات. في ضوء ذلك، تكتسب العلاقات بين الجماعات البشرية اهمية ثقافية استثنائية لا سبيل الى تجاهلها. زيادة على ذلك، لا ينبغي  اغفال حقيقة تأثير الحدود الجغرافية على طبيعة وحجم هذه العلاقات على الرغم من أهمية الدور الذي اضطلعت به العلاقات بين المكونات البعيدة [جغرافياً] في تشكيل ملامح التاريخ البشري وحرص شريحة متنامية من "النخب" على التواصل مع الثقافات الخارجية. وقد كان للتطور الهائل الذي شهده قطاع النقل والاتصالات الفضل في عولمة النتاجات الثقافية، وتنفرد وسائل الاعلام حالياً بأداء دور يفوق في أهميته ربما وسائل النقل. كما يُسهم التواصل بين "النخب" في تنمية التفاعلات بين المجتمعات والثقافات وتدعيمها. تتعرض وسائل الإعلام، في هذا السياق، الى انتقاد متواصل من افراد الثقافات الآخرى الذين يرون فيها مجرد ادوات هدفها نشر القيم واساليب الحياة الغربية والترويج لها فضلاً عن اقامة حوار مجحف بحقهم من حيث ميل الثقافة الأقوى الى املاء شروطها على الثقافات الأضعف.

لقد افرز هذا الوضع تساؤلاً ملحاً ينبغي لعالمنا المعاصر مواجهته، تساؤل يتصل بمدى استعدادنا لقبول الثقافات الأُخرى وطبيعة الاسلوب الذي اعتمدته وسائل الاعلام الأوروبية في تقديمها للثقافات العربية والاسيوية والافريقية. هل ثمة بدائل اخرى- عدا منتجات وسائل الإعلام الأجنبية، بقدرة هذه الثقافات اعتمادها لتكوين صورة عن نظيرتها الاوروبية والامريكية واللاتينية؟ وهل تعمل أي من بلدان العالم، اذا وجدت بلدان كهذه اصلاً، على تأسيس مواقع أو مؤسسات او هيئات هدفها الرئيس تقديم الثقافات الأخرى في الجرائد والمجلات ووسائل الاتصال المرئية والسمعية لديها؟ هل بقدرتنا، في ظل الافتقار الى الإلمام الكافي بالثقافات الاخرى، الحديث عن ’حوار‘ حقيقي بين الثقافات؟ وفي ضوء حرص الدول الكبرى على إنفاق المزيد من الجهد والمال لتحسين ’صورتها‘ في اذهان أفراد الشعوب الاخرى، ألم يحن الوقت لتحويل وسائل الإعلام الى مواقع حاضنة لحوارات بين-ثقافية حقيقية؟ الا يجدر بوسائل الاعلام، التي تتخذ من الارباح غاية رئيسة لها توظيف قدرتها على التأثير والفاعلية على نحو اكثر ايجابية في مجال تحويل الحوار بين-الثقافي وبين-الاجتماعي من عملية بمسارٍ واحدٍ الى عملية بمسارات متعددة؟

في البحث السابق، ’العولمة والثقافة‘، تطرقنا الى الظروف المجحفة التي تحدث في ظلها التبادلات بين-الثقافية وظاهرة "احتكار القلة" لوسائل الاتصالات السمعية والمرئية.البعض يرى في ذلك وضعاً غير منطقي وبالتالي غير مقبول، وهم في رفضهم لهذا الوضع، لا يستندون الى مبررات اقتصادية وتجارية حسب وانما الى اعتقادهم الراسخ بميل المجتمعات المتأثرة بحالة اللاتوازن هذه الى التعامل معه بوصفه تهديداً لأمنهم الثقافي ولا يُستثنى من حالة الخوف هذه حتى الدول المتطورة صناعياً.

"الأمن،" بأبسط معانيه، هو قدرة مجتمع ما على الحفاظ على شخصيته المميزة في مواجهة الظروف المتغيرة والمخاطر الفعلية أو المفترضة،  الامن يعني بدقة أكبر، قدرة المجتمعات على الحفاظ على انساق اللغة التقليدية والاقترانات والبنى الثقافية والهوية والممارسات الدينية والقومية، هذا من جانب. ومن جانب اخر، تجنبها الانغلاق بسماحها بالتغيرات التي يُتفق على مقبوليتها. يتمتع مفهوم الامن هذا بقدر كبير من الاهمية لا للمجتمعات حسب، بل  للعلاقات الدولية التي تحظى بعناية متنامية في الوقت الراهن.

يستدعي هذا الحديث للأذهان توكيد صامويل هنتغتون الاهمية القصوى لحاجة المجتمعات الى الأمن بمعناه الشامل نظراً لتشكيله الأساس الذي تستند اليه فكرة "المصالح القومية".هل يعني ذلك تسليمنا بالتداخل الضمني بين مفهومي الهوية والأمة الذي يقره النظام الدولي القائم على الدول حتى في ظل استمرار حالة اللاتوافق السائدة بينه والواقع الفعلي؟ وهل صحيح أن الاعتراف بالهويات الثقافية مرهون بتوافقها مع الاطر القومية الحاضنة لها؟ وهل بقدرتنا تجاهل الأهمية الفعلية لما يطلق عليه البعض "الامة العربية" مثلاً او "مجتمعات الشتات" القديمة والجديدة؟ هذا إذا اخترنا الحديث عن مثالين فحسب لمكونات ثقافية تفتقر التوافق مع مفهوم الدول-القومية ( Nation-states ). إن الاحالات الكثيرة الى القيم التي ميزت الخطاب السياسي في اعقاب احداث الحادي عشر من سبتمبر تبين بوضوح الأهمية الكبيرة للقيم ودورها في توفير المسوغات التي تبرر ردود الافعال على الهجمات. هل يثير موضوع حماية الأمن الثقافي عناية القوى الاقتصادية الكبرى لوحدها من دون مشاركة الدول الأخرى في اتخاذ الخطوات اللازمة لذلك؟ إن من يتحدث عن القيم يتحدث قطعاً عن الثقافة. هل يمكن، في الميدان الثقافي، الفصل بين ’الانفتاح على العالم‘ وتمتع المجتمع بالحد الادنى من الاستعداد الحقيقي للتبادل؟ إن تساوي الثقافات في المنزلة والأهمية سيكون قطعاً مبدأً سخيفاً إذا لم نوفق في تهيئة الظروف المناسبة لإقامة حوار وتبادل حقيقي بينها، حوار يأخذ بنظر الاعتبار الاهمية القصوى للرأسمالية الثقافية في أحدث تطوراتها وأشكالها.

2 ما السبيل الامثل لدراسة الثقافة والتبادلات البينثقافية؟ ثمة طرائق مختلفة لتصور العلاقات بين المجتمعات والثقافات. وسواء أختارت المجتمعات معاينة الثقافة عبر تمثيلاتها ومنتجاتها الفنية أم عبر وظيفتها الاجتماعية، فإنها ستسلك طريقاً مختلفاً لمعاينة العلاقات بين-الثقافية الواقعة أما ضمن الدول القومية (أي ما يصطلح على تسميته بالتعددية الثقافية) واما في المستوى خارج القومي (extranational) (عندئذ تكون اما مصدراً للصراع وأما الاحترام المتبادل).

2ا الثقافة: من بين العدد الهائل المتوافر من تعاريف الثقافة،اختار دومينيك ولتون، العناية بثلاثة تصورات مفاهيمية رئيسة ملاحظاً "تمحور الفكرة الكلاسيكية الفرنسية عن الثقافة حول فكرة الخلق (creation)، خلق العمل ...أما المفهوم الالماني فهو الاقرب الى فكرة الحضارة، اذ يشتمل على القيم والتمثيلات والرموز والارث الشائعة في مجتمع في لحظة تاريخية محددة، أما المفهوم الانكلو-ساكسوني، الأعمق من جهة توجهاته الانثروبولوجية، فيتضمن أنماط العيش واساليب الحياة والمعارف العامة والصور والأساطير." ولكن ماذا عن المفاهيم الآسيوية والعربية والافريقية عن الثقافة؟ إن الغاية الرئيسة من تقديم هذا التساؤل المهم تتصل بإيماننا بضرورة "التحرر من عقدة الأنوية، في ميدان الثقافة تحديداً، لتفهم مشكلات الأمن والهوية".

في مؤتمر مونديكالت الذي عُقد في مكسيكو في 1982وفي "الاعلان العالمي للتنوع الثقافي"، حاولت منظمة اليونسكو  في تعريفها للثقافة الخروج بصيغة توافقية تجمع التصورات المفاهيمية المختلفة على النحو الآتي:"بمعناها الأشمل، يمكن معاينة الثقافة حالياً بوصفها مجموعة من التمظهرات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية المميزة لمجتمع أو شريحة اجتماعية، وهي، بالإضافة الى الفنون والآداب، تغطي أساليب الحياة وانماط التعايش المشترك والأنساق القيمية والتقاليد والمعتقدات." أما الدور الذي تؤديه ثقافة كهذه، فكانت اليونسكو واضحة تماماً في التعبير عن رأيها بقولها إن "الثقافة تمنح الجنس البشري القدرة على تأمل ذاته. إنها ذلك النوع من الثقافة التي تسهم في تحلي افراد الجنس البشري بالعقلانية والحس النقدي والالتزام الاخلاقي وتجعلهم يدركون أهمية القيم وتساعدهم في الاختيار. إنها الاداة التي يستطيعون بوساطتها التعبير عن انفسهم واكتساب الوعي اللازم بذواتهم. وزيادة على ذلك، بقدرة هؤلاء الافراد، بوساطة الثقافة تحديداً، النظر الى انفسهم بوصفهم مشاريع غير منجزة ووضع ابتكاراتهم وابداعاتم موضع تساؤل عميق والبحث بلا كلل أو ملل لإيجاد معان جديدة وخلق أعمال تسمو بهم."

الثقافة في واقع الامر، ليست كياناً مجرداً. إنها حالة شمولية منفتحة ومعاشة تنشئ وتتبلور بفعل استدماج الخيارات الفردية والجمعية التي تُتخذ بالتفاعل مع حالات شاملة أخرى. وللتعبير عن ذاتها، تتخذ الثقافة طرائق متنوعة وهذا قطعاً لا يعني اختزالها الى "الاعمال والمنتجات" الثقافية فحسب. إنها، في الحقيقة، نتاج لأرث بالغ التعقيد وخاضع دوماً لمتطلبات التمحيص النقدي والحاجة الى التكيف والاستمرار في تحقيق الانجازات في مختلف الميادين.

لا ينبغي لحقيقة تجسد الثقافات في هويات بعينها أن تشكل حجر عثرة امام محاولة الجنس البشري التوصل الى قيم مشتركة. وعلى الرغم من تجسيد الثقافة بمعناها الواسع للجهود المبذولة ابتغاء الوصول الى العالمي (universal)، فهذا لا يعني أن بقدرة ثقافة أن تزعم احتكارها لهذا العالمي، إذ أن العالمية في هذا السياق لا تشكل مرادفاً للتماثلية أو الانتظامية (uniformity). وليس ثمة مجتمع بقدرته العمل من دون نظام تمثيل وفعل شائع بين أفراده وفي الوقت ذاته يميزه عن الآخرين. وانطلاقاً من التمثيل او التصور الذي بحوزة مجتمع عن مجتمعٍ آخر، تبدأ العلاقات بين المجتمعات سواء ضمن الدولة القومية الواحدة أم في المستوى خارج القومي.

التعددية الثقافية: أحد الشؤون الداخلية للدول القومية: في المستهل، ينبغي التمييز بنحو لا يقبل الشك بين ’التنوع الثقافي‘ و’ التعددية الثقافية‘ التي دخلت حيز التداول مصطلحاً لاول مرة في كندا في سبعينيات القرن الماضي لدعم السياسات الداعية الى الاعتراف بالتنوع الثقافي والثقافات العرقية المتعددة. اللافت للانتباه  ميل القائمين على بلورة هذا المصطلح الى وضعه بإزاء سياسة استدماج المهاجرين.               

تساوقاً مع ذلك، يبدو الاهتمام المتنامي الذي يوليه عددٌ متزايدٌ من دول العالم بقضية الهويات الثقافية أمراً طبيعياً، لما لهذه القضية من اهمية لمستقبل المجتمعات الديمقراطية المعاصرة التي تهيمن خاصية  الثقافة التعددية على بنية العديد منها ربما بسبب تكونها في الأصل على هذا النحو او اكتسابها هذه الخاصية بفعل حركات الهجرة المميزة للمجتمعات المفتوحة. ولتعذر الاتفاق على  سياسة مقبولة لتحجيم هذه التعددية، اضحى لزاماً على مجتمعات كهذه ايجاد السُبل والسياسات الكفيلة بتنمية حالة التعايش المشترك والاعتراف المتبادل بين المكونات الثقافية المختلفة على اراضيها. جدير باللحظ أنه حتى في حالة ارتباط هذه السياسات بمعطيات الواقع الدولي وتأثرها بها، يبقى اختيارها مرهوناً بطبيعة السياسات القومية الداخلية شديدة التنوع كما يتضح من مقارنة الأوضاع في الولايات المتحدة الامريكية والمانيا وبريطانيا والسويد وكندا. وهذه السياسات تحديداً تندرج في خانة "الثقافة التعددية" الى حد اشتمالها على بعض الاعتراف القانوني بالمكونات المختلفة للثقافات القومية.

تتخذ هذه الندوة الخاصة بـ "التعددية الثقافية" من القضايا عبر القومية (transnational) محوراً رئيساً لها. أما الثقافة التعددية بوصفها شأناً داخلياً للدول فتقع خارج نطاق اشتغالاتها.

3-2 العلاقات بين-الثقافية في المستوى عبر القومي: "صدام حضارات أم حداثيات متعددة؟ تُعاين العلاقات بين الثقافات في هذا المستوى من زاويتين مختلفتين، أما بوصفها اسباباً لصدام الحضارات واما عوامل ايجابية في ديناميات العالم. لقد اسهمت احداث الحادي عشر من سبتمبر في تصاعد حدة الجدل بشأن صدام الحضارات الذي أشعل فتيله المقال الذي كتبه صاموئيل هنتغتون، عالم السياسة واحد مستشاري الادراة الامريكية في 1994. في هذا المقال ذائع الصيت، لم يزعم هنتجون، الذي تعكس تصريحاته تصريحات الستراتيجي الملتزم، القدرة على ترسيم حدود فاصلة دقيقة بين "الحضارات العظمى"، بل إن مسعاه كان اكثر تواضعاً من ذلك بأقتراحة انه الى جانب الصراع على المصالح، فإن الانقسامات الجديدة ومصادر التوتر التي سيشهدها العالم المعاصر في اعقاب الحرب الباردة وزوال النظام العالمي المنقسم ايديولوجياً بين قطبين ستكون ثقافية الطابع في جوهرها. في هذا السياق، يبدو تجاهلنا  حقيقة "التنامي المتواصل للتفاعلات بين الشعوب من الحضارات المختلفة" غير منطقي اطلاقاً لما تنطوي علية تفاعلات كهذه من مواجهات حتمية بين الأنساق القيمية والتصورات المتباينة حول العالم. وبهذا الصدد، يرى مانويل كاستلز في الهوية والحاجة الى الاعتراف (recognition) فضلاً عن التغير التكنلوجي مكونات ثابتة في خلق التاريخ. هل يمكن وضع تصور بديل للعلاقات بين المجتمعات والثقافات عدا كونها مواجهات تالية "لخطوط التصدع" (Fracture lines)؟ الا ينبغي المباشرة بالاعتراف بوجود الكيانات الجيو-ثقافية ودورها في الدينامييات العالمية المعاصرة؟ وهل يمكن فعل ذلك في ظل استمرار المجتمعات الغربية الادعاء بحملها راية التحديث في الوقت الذي لا ترى المجتمعات الأخرى فيها سوى قوى تحاول قسراً فرض قيمها وافكارها التي تدعي عالميتها وشموليتها؟ وابتغاء مواجهة هذه النزعات العدائية الميالة للسيطرة والتوجهات الخطرة نحو خلق "هويات دفاعية"، اعلن شاموئيل ايزتنسادت تخليه عن نموذج تلاقي الحضارات نحو النظام الغربي وشكك بمصداقية ادعاء الغرب تفرده بالتحديث، وقدم، عوضاً عن ذلك فكرة "الحداثيات المتعددة" في اشارة منه الى توافر العديد من الطرائق المناسبة لفهم التحديث نقدياً وتجربته ومعايشته، كما شددَ على أن كل حركة تحديثية تحمل معها جوانب ايجابية مغرية واخرى سلبية منفرة. السؤال الذي يملي نفسه بإلحاح هنا هو هل ستؤدي هذه الفكرة الى تنمية الرغبة بإقامة حوار حقيقي منفتح لدى المجموعات البشرية على اختلاف وجهات نظرها وتباين درجة استعدادها لتبني التحديث منهجاً وتطبيقاً؟ وإضافة الى تبيان المفاهيم، تنطوي هذه التساؤلات على مضامين عملية بالغة الأهمية تتصل بالتساؤل الآتي: هل ثمة نقطة التقاء تجمع من حيث الغاية المؤمل الوصول اليها بين المدافعين عن ’الثقافة التعددية‘ و’الاستثناء الثقافي‘ أو ’التنوع الثقافي‘ والداعمين لما اصطلح على تسميته بالتعددية الثقافية؟

3 - ما السبيل الأمثل لتعزيز الحوارات بين-الثقافية؟ هل يمكن حماية التنوع الثقافي الحاسم في أهميته للحوارات بين-الثقافية عبر تحرير عمليات تبادل المنتجات والخدمات الثقافية من سيطرة النظام التجاري الصارم لمنظمة التجارة العالمية وضمان حقوق الدول في تبني سياساتها الثقافية الخاصة؟ وفي مقابل السياسات الفو –ليبرالية (Ultraliberalism) التي تلزمنا معاينة المنتجات والسلع الثقافية بوصفها سلعاً عامة، هل ثمة نظام مختلف لا يعتمد الفعل العام فحسب،  وإنما يفسح المجال للفاعلين المتعددين المهتمين بتعزيز التعددية الثقافية ودعمها بأداء ادوراهم وتحمل المسؤوليات الملقاة على عاتقهم؟

3-1 الاستثناء الثقافي والتنوع الثقافي: اجراءات دفاعية فاعلة؟ لقد اسهمت المفاوضات التجارية متعددة الاطراف التي عُقدت مؤخراً في تدشين الصراع من أجل التنوع الثقافي، ففي ختام مفاوضات منظمة الغات التي اجريت في اوروغواي في 1993، برز مفهوم "الاستثناء الثقافي" الذي ما يزال الغموض يكتنف معناه، فبينما يقف في مواجهة هيمنة المنطق الاقتصادي في العالم حالياً، ثمة ما يوحي بميل هذا المفهوم الى التسليم بضرورة تحكم "القواعد العادية" (normal rules) التي تضعها الأسواق  بعمليات التبادل جميعاً. وهنا، لا يبدو مفهوم "الاستثناء الثقافي" معنياً بتأكيد ضرورة ترجيح كفة الاعتبارات الثقافية على القواعد الخاصة بالسوق في مجال التبادلات الثقافية. في ضوء ذلك، تساءل مارك اوليفير بادس "هل يشكل هذا المفهوم وسيلة لوضع السلع التي تبرز في عوالم قيمة أخرى "خارج السوق" أو تنظيم السوق بطريقة تضمن محافظة صناعة الثقافة الفرنسية على قدرتها على المنافسة؟

وفي ضوء ميل الكثير الى التفكير أن "الاستثناء الثقافي"- بمعناه المُقدم هنا- ينطوي على مضامين دفاعية ملحة، حل مفهوم "التنوع الثقافي" محله لدعم فرص نجاح حماية الثقافات المختلفة من تهديدات المعايرة (Standardization)ومخاطرها. وابتغاء تحقيق هذا الهدف، حرصت بعض من الحكومات مؤخراً على المطالبة بميثاق دولي جديد يضمن حق الدول في اختيار سياساتها الثقافية الخاصة المحمية من التوجهات الليبرالية المتضمنة في مفاوضات منظمة التجارة العالمية.

تستند هذه المقاربات الى منهج واضح يقضي بضرورة التخلي عن معاملة وتصنيف المنتجات والسلع الثقافية بوصفها سلعاً تجارية. وعلى وفق هذا المنهج، فإن المنتجات الثقافية ستفقد حتماً قدرتها على التنافس أمام منتجات  وسائل الاعلام الاخرى في حالة استمرار قواعد السوق وأحكامه بالتحكم بها على نحو مطلق. ولذا، اجد لزاماً على الدول رفض اللبرنة (liberalization) التجارية في قطاع المنتجات والخدمات الثقافية بعامة والأفلام والمواد المرئية والسمعية بخاصة، والحفاظ على حقها في تبني سياساتها الثقافية الداخلية المشتملة على تقديم الاعانات لإنتاج المنتجات الثقافية وتوزيعها. لقد شكل تشريع ’الاستثناء الثقافي‘ و’التنوع الثقافي‘ اللذان لا يتمتعان، حتى هذه اللحظة، بوضع قانوني مناسب  لعدم ايرادهما رسمياً في الاتفاقيات...شكلَ خطوةً مهمة وفعالة في التصدي للبرنة التجارية في مجال تبادل السلع والخدمات الثقافية التي سادت في تسعينيات القرن العشرين على وفق منطق ومقررات الاتفاقية العامة للتجارة في قطاع الخدمات (. (GATS

مقابل ذلك، ثمة اعتقاد شائع أنه حتى في حالة الاتفاق على أهمية هذه الافكار وعلى الحاجة الى ضمان حق الدول في تبني سياساتها الثقافية الخاصة، يبقى السؤال قائماً حول حجم فاعليتها على المدى البعيد. هل سيؤدي، مثلاً، اكتساب الدول لهذا الحق دوراً في منع هوليود من الاستئثار بـ 80% من صناعة السينما في العالم حالياً؟ تعمل العديد من الدول- ومنها دول الاتحاد الاوروبي- على دعم المساعي الرامية الى حماية التنوع الثقافي، ولكن هل سيستمر هذا الوضع في ظل تزايد عدد الدول الساعية لاعتماد الليبرالية منهجاً في اسواقها الثقافية بفعل الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة الامريكية؟ وزيادة على ذلك، وفي حالة الاستمرار بتقديم هذه المواضيع في اجتماعات منظمة التجارة العالمية تحت مسمى "الاستثناء"، ألن يؤدي ذلك الى انتصار المبادئ التجارية؟ وفي الختام، ثمة اعتقاد راسخ لدى المتخصصين في قطاع الاتصالات أن التطورات التكنلوجية التي تيسر سبل الاتصال مباشرةً بغض النظر عن الحدود الجغرافية بين المجتمعات والشعوب الى جانب المفاوضات متعددة الاطراف المتواصلة بشأن شبكات الاتصال والتواصل حيث التحالف الوثيق بين تشكيلات وسائل الاعلام عالمية الانتشار وقدرات التوزيع الهائلة والمصالح القوية في الاسواق المربحة المنتشرة في العالم ستؤدي دوراً حاسماً في مستقبل البشرية الى حد تبدو  فيه عملية البحث عن وسائل ضبط فاعلة "للمضمون" الذي تقدمه والتنوع الذي تنفرد به محض سراب لا طائل من الجري وراءه.  

وعلى نحو ماثل لمعاهدات واتفاقيات حماية البيئة التي تمت المصادقة عليها دولياً، فإن الاجراءات المتخذة لتنظيم عمل مكونات وسائل الاتصالات لن تكون كافية او فاعلة حتى لو حظيَت بالتأييد الدولي اللازم. إن البعد الستراتيجي للقضايا الجيو ثقافية والوضع الدولي الراهن والحاجة الى العمل بفاعليةٍ وجدٍ كفيل بجعلنا ندرك العواقب العملية المترتبة على هذه الحقائق ابتغاء سن اجراءات جديدة لتعزيز "التعددية الثقافية" وتطبيقها.

التعددية الثقافية: مقاربة ستراتيجية: إن إقامة الحد الفاصل بين مفهومي ’التعددية الثقافية‘ و’التنوع الثقافي‘ ليس محض مماحكة فكرية غير مجدية، فلا يُشك أن الهدف من "التعددية الثقافية" يتلخص في التوكيد على التحليلات المختلفة التي تعين في وضع ستراتيجيات سياسية متباينة وفي الوقت نفسه مكملة لأحداها الاخر. التنوع هو السمة الرئيسة للحياة على كوكب الارض. إنه هبة الطبيعة التي تعمل على انتاجه وتفعيله بأنتظام. ولذا، قد نرى في الحفاظ على التنوع الاجناسي والبيئي بوصفهما سلعاً عامة، في سبيل المثال لا الحصر، امراً بالغ الاهمية. تبعاً لذلك، ثمة من يشددَ على أهمية الدور الذي يؤديه "التنوع الثقافي" من حيث دعمه للغاية الرئيسة التي يرمي "الاستثناء الثقافي" إلى تحقيقها: حماية ثقافات العالم أجمع وتوكيد اهميتها في مواجهة مخاطر "التماثلية".

تؤكد التعددية، في ضوء ارتباطها الوثيق بالثقافة، حقيقة أن الثقافة لا تمثل واقعاً طبيعياً، وانما محصلة لتفاعل الخبرات البشرية الفردية والجمعية. وعليه لا تمثل التعددية الثقافية سلعةً عامة عالمية ولا شيئاً مادياً بحتاً. إن دعم مفهوم التعددية الثقافية بمعناه المقصود هنا لا يخدم غرض حماية حرية الابداع والخلق وتبادل الاعمال الثقافية مرموقة المكانة في عالم التجارة والأسواق فحسب، وانما ضمان حق الدول في تبني سياساتها الثقافية الخاصة وإدارتها. تعني التعددية الثقافية حسبما وردت في المادة الاولى "الدفاع عن الظروف الأساسية الملائمة لإقامة الحوار بين الثقافات التي تقبل أحداها الاخر من حيث تساويها في المكانة والأهمية وتبدي استعداداً لمراجعة قيمها وممارساتها ورغبةً في التكيف مع الظروف العالمية المعاصرة." وكما ذكرنا في أعلاه، ليس ثمة ثقافة منغلقة كليةً، وليس ثمة فرصة اطلاقاً لظهور ثقافة كهذه، ناهيك عن استمرارها. في الوقت نفسه، لن يكتب لأي حوار ثقافي النجاح في حال غلب التفاوت الشديد على العلاقة بين الثقافات أو محاولة الثقافة الاقوى فرض شروطها على عملية الحوار. تبعاً لذلك، يمكن تحديد الأهداف التي تسعى حركة النضال من أجل التعددية الثقافية لتحقيقها في الدفاع عن حق الفرد والجماعة وحريتهم في الاختيار وفي الوقت نفسه الزامهم بأحترام القيم العالمية المشتركة وتوكيد الحق في الاختلاف وادراك الأبعاد السياسية لهذا النضال. في ضوء ذلك، تخدم التعددية الثقافية غرض اسباغ الطابع السياسي على وقائعية التنوع الثقافي(اليونسكو). إان دعم التعددية الثقافية بالمعنى المطروح في ورقة البحث هذه تنطوي على المضامين المهمة الآتية:

1- تؤكد التعددية الثقافية اولاً: ضرورة الاهتمام بالابعاد الستراتيجية للعلاقات بين الكيانات الجيوثقافية في العالم المعاصر المعولم. وإذا سلمنا بأهمية الأمن من حيث اتصاله المباشر بحيوات الافراد وبالاراضي الطبيعية للدول وكذلك انطوائه على أبعاد ثقافية اساسية، لأدركنا ضرورة التعامل مع القضايا الجيوثقافية على قدم المساواة مع الجيوسياسية والجيواقتصادية. وعليه، الا يجدر بالكيانات الجيوثقافية الغائبة عن النظام الدولي الحالي ان تؤدي دوراً فاعلاً مماثلاً في تأثيره للدور الذي تلعبه "الكيانات الاقليمية" في  الكثير من القضايا الدولية بحيث تصبح ميداناً للتبادلات الثقافية المميزة؟

2- ونظراً لأن الكيانات الجيوثقافية لا تتداخل بالضرورة مع الدول، وأن المهم بالنسبة للثقافة والهوية لا يتلخص بالشخصي والخاص فحسب، تبرز الحاجة الى خلق فضاء جديد بين المجتمعات والثقافات لا ينبغي التعامل معه على وفق النظام الدولي الحالي أو معايير السوق التجارية فحسب. يمكن وصف هذا المكان بالنظام الاداري (regime) المتكيف مع ظروف التبادلات الثقافية والذي يحاول التوفيق بين حاجات منطق الهويات ومنطق الاسواق عبر تبني اجراءات مُعدة على وفق المبادئ الخمس التي تتحكم بعمل نظام كهذا وهي: تنظيم افتتاح الأسواق والوظائفية المتعددة(multi-functionality) والمبدأ التحذيري أو الاستباقي والمسؤولية والتبادلية (reciprocity)(تبادل للالتزامات الخاصة فيما يتصل بالتجارة بين بلدين).

3-  لأن النظام بين-الدولي (interstate system) لم يعد كافياً لمعالجة القضايا الجيوثقافية، من الضروري إنشاء هيأة سياسية من نوع جديد لوضع الاقتراحات الملائمة ومعالجة المسائل ذات الصلة بالجوانب الجيوثقافية والمراقبة والتنسيق بين مختلف المكونات الفاعلة المهمة للحوارات بين-الثقافية فضلاً عن محاولة التوفيق بين المصالح المختلفة عبر الاشتراك في اتخاذ القرارت ووضع الضوابط لزيادة كفاءتها في تنفيذ المهام والمسؤوليات الملقاة على عاتقها. إن المجلس العالمي للثقافات سيكون النظير الطبيعي لمجلس الأمن والمجلس الاجتماعي والاقتصادي الذي اقترح تأسيسه جاك ديلورز في 1998 واكد أهميته الرئيس الفرنسي جاك شيراك في مؤتمري مونتررري و جوهانسبرغ.

4- وزيادة على المهام أعلاه، يضع المجلس العالمي للثقافات نصب عينيه هدف الدفاع عن مفهوم الثقافة بوصفه سيرورة تفاعلية تكاملية لضمان تمتع سكان العالم بممارسة الخيارات الإنسانية الأساسية في اجواء من الحرية من دون قيود خارجية معيقة. وهذا، من دون شك، ليس دفاعاً عن نوع من التمييز الثقافي(cultural apartheid) الذي من شأنه اقامة الحدود الفاصلة بين الثقافات وبالتالي فرض واقع ثقافي ذا طابع اقليمي بحت. ينبغي أن يتحلى هذا الفضاء، في الواقع،   بانفتاحه على المكونات المختلفة الفاعلة في النسيج الثقافي وتسهيله مهمة التوفيق بين الطرائق المختلفة لممارسة التحديث وأختياره السياسة والظروف الانسانية الملائمة. إن العالم بوصفه سوقاً لا يخلق مجتمعاً عالمياً ولا ثقافة عالمية. والتحدي الرئيس المطروح التعددية الثقافية والعولمة المنظمة يتمثل في إيجاد السبيل الامثل للتعايش معاً وفق معايير احترام الاختلافات. وللتعامل بجدية ومواجهة هذا التحدي ينبغي علينا ضمان حق الدول في دعم سياساتها الوطنية الخاصة فضلاً عن تهيئة الظروف المناسبة على المستوى الدولي لتفعيل التبادلات والحوارات بين-الثقافية. وهذا، قطعاً يصب في مصلحة الجميع. وختاماً، نأمل أن تساعد الافكار والمقترحات الحالية موضع النقاش في احداث بعض التقدم في هذا المجال.

 

.......................

*تولت جين تارديف اعداد هذا البحث بالاشتراك مع بيير جين بنغوزي وجيرد جون وجورج زوس من اللجنة العلمية في (Planet Agora)

الهوامش:

1- اول ويفر، الامن الاجتماعي: مفهوم الهوية والهجرة والاجندة الامنية الجديدة في اوروبا، 1993. يرى كنت والتز ان الموضوع الرئيس في العلاقات الدولية لا يتصل- أو لم يعد معنياً- بالبحث عن التوازن عبر القوة العسكرية وانما الأمن بمعناه الأشمل. ثمة تماثل شديد بين فكرة الأمن التي اقصدها ومفهوم "المصلحة العامة". إنه يشمل الاقتصاديات بتفرعاتها وجوانبها كافة الى حد دفع الرئيس الامريكي بيل كلنتون الى وضع الأمن الثقافي والاقتصادي في مقدمة الاولويات كالأمن العسكري تماماً.

2- هنتجون، "انهيار المصالح القومية الامريكية"، مجلة الشؤون الخارجية، 78، 5، ايلول-تشرين1، 1997.

3- دي مونتريل، المصدر السابق. 220

4- التفكير بالاتصال،1977.

5- ثيري دي مونتريل، أفعال وأنظمة العالم، (باريس: بي يو اف 2002)، 221.

6- الان رينو، "الثقافة التعددية والشبكات الاتصالاتية"، في (Universite de tous les Savoirs, Le Pouvoir, L'etat, Le Politique) ) المجلد 9، (باريس: اوديل جاكوب، بوشيه، 2002)ص 9.

7- تحدث الكاتب الكندي ول كايملكا عن "المواطنة الثقافية التعددية". ينظر المواطنة الثقافية التعددية بنسخته الفرنسية (مونتريال-باريس: بوريل لاديكوفرت، 2001).

8- (Esprit)، اذار-نيسان 2002.

المصـــدر: (Planet Agora) ايلول 2002.

 

احمد شحيمطالمكان الضائع في خماسية عبد الرحمان منيف سرد للماضي وتوقعات في المستقبل البعيد . وقول في المنسي من الحكاية لإعادة التذكير بكل ما لحق المجال من تغيرات. والذاكرة من نسيان . والذات من خلخلة في صميم تفكيك المجتمع البدوي وبناء المدن الكبيرة. وتمكين الناس من الثروة الباطنية من خلال الاستعانة بالآخر . تاريخ الشرق العربي قبل النفط وبعده في حكاية تاريخية واقعية أدخل عليها منيف لمسة روائية . من خلال شخصيات متعددة ومتخيلة تدور في اطار الصراع والرفض والتحدير من القادم . في لعبة الصراع والنزاع بين الذوات المختلفة على الفكرة من طرحها وتعزيزها أو رفضها . يقدم منيف وثيقة تاريخية عن تاريخ الامس القريب بالسرد ونوع من الاخراج الفني يدل على قوة المتخيل السردي ودقة الالمام بجزئيات الاشياء. شخصيات من زمن الامس في كل جزء من مدن الملح . التيه ومتعب الهذال ونجمة المثقال . ومن باقي الاجزاء "خريبط" وخزعل و فنر ومانع وابن الراشد وهاملتون وشعلان" ... حياة البدو في البادية العربية يصورها منيف في وادي العيون وحران. الوشائج والعلاقات الاجتماعية وتماسك القبيلة اشياء موجودة ومستمرة في الوجود بفعل تفاعل الناس. ايقاع المجتمع البسيط الذي يعيش منسجما مع القناعات والقيم الاصيلة في الثقافة . وحياة البساطة في مقابل البذخ .من الغيمة للبنايات العالية . ومن الترحال للسكون والاستقرار . فجأة تدخل القيم المادية الغربية . عربات والات وصنائع وأسلحة وأفكار دون أن يساهم فيها الانسان العربي . بيت القصيد في فكرة منيف ان الاشياء ليست نابعة من قيمنا ولا دخل لنا في انتاجها . وكان بالأحرى ان يكون التطور بعوامل ذاتية داخلية . وان مدن النفط أشبه ببالونات واكياس ملح قابلة للذوبان في لحظة ما . لعل الروائي يدق جرس الخطر للغد عن نقمة البترول الذي شكل مدنا هشة وتحولات غير موازية لما هو قيمي وحضاري .

تتداعى الاشياء شيئا فشيئا بفعل التحول الذي اصاب الارض والانسان . جرافات واليات تقتلع الرمال والتراب بحثا عن الذهب الاسود وكنوز الارض .قرى تتغير ملامحها والعمران البسيط ينسف بأكمله لبناء مدن جديدة وتعويضات واموال للناس حتى أصبحت الاشياء قابلة للبيع والشراء واغتنى الناس . نقلة نوعية في شق التراب والاستعانة بالجرافات والآلات الضخمة . فالناس في البادية في حيرة من الغرباء الذين جاؤوا من اماكن بعيدة . الامريكان ذوي البشرة البيضاء . اصحاب رؤوس الاموال . والباحثين عن نفائس الارض من المعادن والسوائل .

تتداعى الاشياء الجميلة في قوة الروابط والوشائج التي جمعت الناس في مجتمع بسيط يعيش على الكفاف والعفاف . أو يعيش في تكتلات بدون طبقية . هذا التيه وليد مرحلة مفاجئة من التغير الذي اصاب النفوس والعمران . وبانتقال الانسان المفاجئ من البداوة الى الحضارة. من الترحال الى الاستقرار وبناء المدن الإسمنتية . المدن التي كان الناس يفرون منها . "حران" القرية الصغيرة على البحر. اصبحت مدينة كبيرة تستقطب اعدادا من الوافدين والحالمين بمستقبل افضل في ظل الثروة النفطية . شخصيات متخيلة في السرد من زمن الماضي . ويتعلق الامر بمتعب الهذال الذي نادى بصوت عال من الحكمة والترقب لما يمكن أن تصير عليه مدن الملح . حتى اصبح النداء بمثابة صرخة ورنين يسمع في مكان . صيحة لأجل الحقيقة . يعني عدم الرضى عن الواقع وأصحاب القرار في التحديث السريع . شخصية الهذال الحامل للقيم والمبادئ الاخلاقية والرافض لهذا النوع من التغيير في البيئة العربية . ان كانت الشخصية واقعية وحقيقة من أحد شيوخ العرب فان الروائي سكب عليها الوانا اخرى في الرفض وعدم القبول بالوضع العربي في العشرينات من القرن الماضي. القبول بالتحديث ممكن والرفض للآخر بمعايير ثقافته في الانفتاح غير مقبول. رسالة متعب الهدال للكل هي بالفعل رسالة للأمير والناس. واختفائه دليل عن عدم الرضى والخوف من المجهول . شخصيته القلقة ورفضه للواقع الجديد دون التلويح بالعصيان أو حمل السلاح وتحريض الناس على مقاومة الدخيل والغرباء. فمن المصلحة . تماسك الجماعة والاجدر الابقاء على الوحدة . رحيل متعب الهذال عن الوادي بمثابة رفض . يصبح طيف . يظهر ويختفي . شبحه يبقى قائما في التنديد والتحدير .واقواله منتشرة عند الناس في التعبير عن المكان الضائع . والزمن الذي انكسرت لحظاته عندما دخل الغرباء للمكان. وبفعل سياسة غير محسوبة العواقب .

يرفض الهذال الميل نحو الفكرة التي لم تكن نابعة من عمق الثقافة والتقاليد . فيها نوع من التسرع في انتشال الناس من قيمهم . وفي تحويل البدو من السكون والالفة وتقاليد الماضي البعيد والقريب نحو افق مجتمع استهلاكي .ونحو ثقافة تتجلى معالمها في صراعات على السلطة والحكم . تلك التحولات يرصدها الروائي في المجال السياسي والاجتماعي في الاجزاء الاخرى من مدن الملح . في "الاخدود " ومشكلة الحكم في الجمع بين الثروة والسلطة . وتوريث الحكم للأبناء. وفي الاجزاء الاخرى حقائق عن الصراعات والنزاعات التي تؤدي الى تحالفات .وهكذا ا ينتهي المشهد السياسي من السيطرة الى الاغتيال وبالتالي تكون الاوضاع في المدن الجديدة بالوصف الذي أراد من خلاله عبد الرحمان منيف توضيح فكرة التحولات القيمية والمجالية في الصحراء العربية . ولذلك تخيل شخصيات ومنحها دلالة للتعبير والرفض وتكونت بذلك مخاوف وهواجس من التغيير المفاجئ للبيئة والانسان معا . في محاولة للتعبير عن علاقة السياسة بالمال وعلاقة الانا بالآخر . والذات بالجماعة . فليس متعب الهذال أو نجمة المثقال الا شخصيات تمتلك وعيا اجتماعيا بالواقع وملامح المستقبل الذي يتشكل من تغيير معالم الواحات في وادي العيون . وتحول البدو من حياة الترحال. وشظف العيش وقوافل الجمال الى سكان المدن والبيوت الاسمنتية . وبمحاذاة ساحل البحر تكونت موانئ لتصدير النفط . واصبح المكان يعج بالغرباء . تحالفات مع الامريكان والانجليز والضرب بقوة كل من يعترض أو يخالف التوجهات العامة التي تصب في مصلحة الشعب . شخصية هاملتون الذي جاء من لندن فأصبح يلازم السلطان. ويسعى بكل جهد الى تغيير قيم الصحراء ومعالم الطبيعة الصحراوية . يجسد هاملتون الغرب الرأسمالي في محاولته للهيمنة والسيطرة على خيرات المنطقة بالحيلة والدهاء . ويرغم الحاكم على تنبني سياسة جديدة في الحفاظ على السلطة . وتكريس القوة في مجابهة التمرد الداخلي . لذلك نجد هاملتون ينصح الحاكم بقراءة التاريخ واتباع نصائح كتاب "الامير" لدى ميكيافيلي . باتباع نهج يتسند على الليونة والشدة. حتى يتمكن من تثبيت السلطة. وتنفيد القرارات وبالتالي تغيير العقول والنفوس نحو تقبل المدنية الجديدة . من الاشياء التي تتداعى وتفقد قيمتها الالفة والعيش المشترك بدون طبقية غير التقاليد والقيم الضاربة جدورها في التاريخ . الثروة النفطية هنا في خدمة الامة . وفي سبيل أن ينهض الوطن للتنمية وبناء الحضارة . هذا الطموح لا يعكس وجهة نظر متعب الهذال ولا يسكن فؤاد الراوي الذي عايش الكثير من الاحداث وشاهدها من خلال الخبرة في مجال الاقتصاد والسفر في كل الاوطان المنتجة للذهب الاسود .والاحتكاك بالثقافة المحلية والغربية .

يدرك الراوي بالتمام أن الثورة النفطية لم تساهم في نهضة العالم العربي بقدر ما رسخت الريع الاقتصادي والتبعية الاقتصادية للآخر. في تبادل المنتوجات المصنعة بالخيرات الطبيعية .وازديار الاطماع الاجنبية .والزيادة في التوتر والصراعات في المنطقة . طموح عبد الرحمان منيف أن تكون النهضة بأدوات ذاتية . من التدرج والتأني والانفتاح بوسائل داخلية خالصة . نوايا ومقاصد عبد الرحمان منيف من مدن الملح أن يستفيق العالم العربي من سباته نحو نهضة فعلية من صميم عمل الانسان في تدبير الوقت. وترشيد الموارد والعناية بالإنسان . أن يكون الانتقال من البداوة للحضارة بالكيف وليس بالعمران والبنايات الزجاجية  . وتحويل الصحراء الى مدن اسمنتية. تلك المدن قابلة للذوبان . مدن كما قال عنها عبد الرحمان منيف أنها بنيت بشكل غير طبيعي . وليست نتاج تراكمات بل هي نتاج الثروة النفطية . مخاوف مشروعة واستباقية من انسان خبر المكان والذهنيات وعاش كخبير في مجال النفط ومسافر في دروب وشوارع العالم العربي . وتعرف على خبايا الاشياء واحس بالحاجة للتثاقف والعبور بالعالم العربي نحو افاق أرحب في استنبات الديمقراطية والحرية. وفق جهد الانسان في تنمية داخلية بسواعد وطاقات ذاتية .

فالأشياء التي تنهار وتتداعى يعبر عنها منيف في الانتقال من قيم اصيلة الى قيم مصطنعة في بيئة عربية تحتاج للتدرج والتلاؤم بين عالم الاقتصاد والثقافة والسياسة . يذكرنا هذا الامر بأبو الرواية الافريقية تشينوا أتشيبي من نيجيريا الذي كتب رواية " اشياء تتداعى" عن الاستعمار لإفريقيا والسيطرة عليها بفعل دهاء المستعمر المدجج بالسلاح والدين . فاستطاع ان يغير من التقاليد والعادات .وحكم على الثقافة المحلية بالتخلف والجمود . وبذلك انقسم الانسان الافريقي بين تابع ورافض . ومن شخصيات الرواية "أوكونكو" الذي يمكن اعتباره صوتا ينادي بالحق والتحدير من دهاء ومكر الاخر الذي جاء غازيا ومستعمرا لأرض افريقيا الخصبة والغنية بالمعادن النفسية والطبيعة البكر . ظلت الشخصية المحورية تنادي بالحذر. وانتهت الحكاية الى نهاية مأساوية حيث أصبح "أوكونكو" مطاردا في بلدته ومنبوذا من طرف الغرباء. ولم تدافع عنه القبيلة. وانتحر اخيرا رافضا الاسر والذل على الاستسلام للمستعمر. اشياء تتداعى وتتزايد معاناة الافارقة مع الاستعمار والاستنزاف الاقتصادي والتبعية السياسية والثقافية . ويعود الروائي من جديد ليكتب بلغة الاخر لإسماع الصوت المنسي والتعبير عن طموح الانسان الافريقي في تحقيق العدالة والحرية والسيادة على خيراته .

لقد عبر كل من أتشيبي في افريقيا وعبد الرحمان منيف في الشرق العربي عن قلق المثقف من أحوال الاوطان التي تصارع من اجل اثبات الذات .ومن اجل السيادة على الارض وترك الانسان يحدد مصيره لوحده . وفي علاقة الذات بالآخر يكون الانفتاح والتلاقح نابعا من الرغبة المتبادلة في تبادل المنافع والاشياء المادية واللامادية . اشياء تتداعى بفعل التحولات السريعة من الثروة النفطية .ومن الانتاج الوفير الذي نقل البدو من عالم بسيط الى مدن كبيرة بدون تدرج . وتلك نظرة منيف للأشياء . فيقول دائما في اللقاءات الاعلامية والحوارات أن الانسان العربي في حاجة للديمقراطية والحرية . في حاجة الى نهضة شاملة من الداخل وباليات ذاتية .في حاجة للتنوير والوعي بالتاريخ وشروط نهضة الامم .

 

احمد شحيمط

 

صادق السامرائيأمضى العرب القرن العشرين وما قبله وما بعده منشغلين بمفاهيم ومصطلحات، كالعلمانية والأصولية والقومية والتراث والمعاصرة والعروبة والدين، وبمفاهيم ومسميات عفى عليها الزمن وأكلت فوقها الشعوب والأمم وشربت منذ قرون وعقود.

وبرز الكلام عن الأصولية، وتحولت العلمانية إلى بعبع وأنها الكفر والعدوان على الدين، وقس على ذلك ما لا يصدق ولا يخطر على بال من الأفكار والتصورات التضليلية والبهتانية.

ولو فرضنا أن الأصوليين لا يؤمنون بدين غير دينهم ويكفّرون كل مَن لا يتبع نهجهم ومنطلقاتهم، فعلينا أن نحتكم وإياهم إلى الكتاب المبين الذي يقول في سورة الكافرون:

"يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم وليَ دين".

فهذا نص واضح ومباشر بلا تأويل أو تفسير، فأين المشكلة، إن القرآن لم يقل إن لم تعبدوا ما أعبد سأقتلكم، وإنما لكم دينكم وليَ دين.

وما هي العلمانية؟

إنها بإختصار شديد "لكم دينكم وليَ دين"، أي أن يعمل كل منا بدينه ونتعايش ونبني مجتمعنا ودولتنا، ولا تكفرني ولا أكفرك،حتى وإن قلت بذلك، فلك دين وليَ دين، والرب سيحكم بيننا. 

فالتكفير حالة نسبية وليست مطلقة، أي فيها نسبة كبيرة من الخطأ، وبما أن الأصوليين يقرون بمحدودية العقل، فأن القول بالتكفير نابع من عقل محدود أي نسبي وهذا لا يجيز الإطلاق والحكم بالفعل والإجراء.

فهل أن العقل الأصولي مطلق؟

إن صح القول بذلك فهذا يتناقض مع دعواتهم التي تنص على محدودية العقل وعدم قدرته على التعامل مع النص القرآني أو الإلهي، لأنه فوق العقل أو أنه كلام الله وعلينا أن نقبله بلا تفكير أو إعمال عقل، وهذا يعني أن الأصوليين يناقضون أنفسهم عندما يسمحون لعقلهم النسبي بإطلاق توصيفات مطلقة، وعليه فأن التكفير لا وجود له ولا قدرة للعقل المحدود أن ينظر به، فالذي تكفره يرى أن هناك ما هو مطلق يؤمن به بلا إعمال عقل.

 

د. صادق السامرائي

.............................

الأصولية: التمسك بكل إتجاه فكري أو ديني قديم، والأصول: الأساسيات أو الجذور.

(أصول الدين، أصول الحديث، أصول الفقه)

 

زينب فخريتجد البرامج التلفزيونية التي تتطرق للإجرام صدى وقبول عند المشاهدين وتحظى بمشاهدات عالية، فالقائمون عليها يبتكرون وسائل للتشويق والإثارة في عرض المادة التلفزيونية!

وتبدو هذه البرامج من الوهلة الأولى أنها لا تحمل في طياتها سوى المتعة؛ فهي مادة منافسة للهواتف الذكية في جذب المشاهدين واستنزاف وقتهم؛ وهذا ما يتيح لبعض المحطات التلفزيونية بزجّ إعلاناتها الربحية!

ولكن بالتمعن والتأمل العميق سيظهر لنا الخدمة العظيمة التي تقدمها هذه البرامج للمجرمين ولمراهقين الجريمة وللمرضى المهوسين بإرعاب الناس وجمع المال السريع؛ فهي توفر لهم دروساً علمية مجانية ذات فوائد جمة!

فهذه البرامج المتفردة في علم الإجرام التطبيقي تثير مجموعة من الإشكاليات المتقابلة، فهي من جهة تسعى إلى تقديم خدمة الاخبار والتقارير والتحقيقات بتقريب الجمهور من ظروف عمل القوات الأمنية واشعار المواطن بأخطار الجرائم وتسلط الضوء على سلوك المجرمين، لكنها من جهة أخرى قد تتسبب بتأثير عكسي يصل حدّ الزيادة في نسب الجرائم، فهي تؤثر سلباً على المشاهدين لاسيما القاصرين.

وربّما لا يخفى على المهتمين بهذا الشأن أن هذه البرامج التي تبحث في عالم الإجرام قد أثارت في عددٍ من البلدان انتقادات واسعة لتأثيرها على فئات عمرية معينة، كما اعترف بعض ممن ارتكبوا جرائم أن ما قترفوه مستوحى من برامج الإجرام المعروض من شاشات التلفاز.؛ فهي تمدّ المجرمين بأفكار وطرق تساعدهم على تنفيذ خططهم؛ مما دفع ناشطو تلك البلدان بالمطالبة بمراجعة هذا البرامج وضرورة احترام أخلاقيات المهنة.

فالمجرمون يتصيّدون حالات مذكورة في هذه البرامج لتنمية خططهم وتطوير أدائهم بمعالجة أخطاء ارتكاب الجريمة والأدلة التي يتركها خلفه المجرم، فضلاً عن تأثر الناشئة بما يشاهدونه ويترسخ في أذهانهم ما يعرض أمامهم؛ قد تصل في أحيانٍ لما يسمى "التطبيع مع الجريمة".

وقد يجد البعض أن ليس هناك من ضرورة لحذف هذه البرامج أو ايقافها، فهي برامج شائعة في الكثير من الدول، إذن ينبغي اعتماد صيغ أخرى لتقديم هذه البرامج كي لا يؤثر سلباً على التنشئة الاجتماعية، على سبيل المثال استدعاء متخصصين من مجالات متعددة كالإعلام وعلم النفس وعلم الاجتماع قبل بث الحلقة، وعدم الإفصاح عن الخبايا والتفاصيل التي من شأنها تطوير أداء المجرمين، والاكتفاء بالتلميح والتمويه وذكرها جملة لا تفصيلاً، فضلاً عن التدقيق في تأثير الجوانب الفنية من إخراج وموسيقى وتصوير. وبالإمكان أيضاً تحسين أداء هذه البرامج بإغناء الحلقات بالمعلومات القضائية والقانونية، وبمداخلات المتخصصين في علم النفس وعلم الجريمة وأثر تلك الجريمة على الضحايا والمجتمع.

وأصبح لزاماً على الفضائيات أن تعيد النظر في برامجها هذه، وأن تصحح مسارها بالابتعاد عن دروسها المجانية في علم الإجرام التطبيقي.. اما إن لم تعر هذه الجهات لمقالتي أدنى أهمية فهي بذلك تجسد عن قصد أو دونه شعار "كلنا يداً بيد من أجل خوض حرب ناعمة ضدّ الشعب العراقي"!

 

زينب فخري

 

محمد الدعمينظرا لشغفي بمعرفة طبيعة الإنسان وميولاته ونزواته وإسقاطاته، إن كانت نمطية عادية، أو كانت شاذة غير طبيعية، ونظرا لاهتمامي بحركة “التحليل النفسي”، منذ زمن طويل، أي تلك التي أطلقها سيجموند فرويد Freud، تعمدت أن أقترح عناوين غير تقليدية ولا نمطية للإنشاءات التي كنت أطلبها من تلاميذي بجامعة بغداد، ومنها عناوين من نوع: “أغرب تجربة مررت بها”، “أكثر شخص أثّر على حياتك”، “أفضل كتاب قرأته”، بضمن محاولاتي إزالة طبقة الغبار التي تلف النفس البشرية، منقبا في أعماقها وكنوزها الخفية، ناهيك عما يظفر به كل معلم إنشاء من طرائف وغرائب هي مدعاة للتندر وللسخرية أحيانا، درجة أن زوجتي كانت تستغرب انفجاري بالضحك فجأة، فتأتي إلى مكتبي لتطمئن على سلامتي!

من غرائب أوراق الإنشاء التي اطلعت عليها وصوبت ما شابها من أخطاء لغوية وأسلوبية إنما كانت تلك التي خطها أحد تلاميذي، وأظنه أنه لم يبق متماسكا عقليا بعدما درسته، ودليل ذلك هو اعترافه بالفرح والسعادة الغامرة بسبب وفاة والده! إذ يعلن بأن الأرض لم تسعه من السعادة حين عاد إلى منزل أسرته من الكلية يوما، فوجد عشرات الأفراد والجيران المزدحمين على باب دارهم، وعندما سأل أحد المستطرقين عن سبب ذلك التجمهر، أجابه صاحب الدار (أي والد تلميذي) قد توفي فجأة. هذا كان سبب سعادته!

ومن النماذج غير القابلة لنسيان معلم الإنشاء هو ورقة إحدى تلميذاتي التي كشفت عن وقوعها في شباك حب غير ممكن، أي مع أحد ممثلي هوليوود، قاطعة العهد على نفسها بأن تعلن عن حبها لذلك الممثل الوسيم ولكن على ورقة الإنشاء، متعهدة بأن تكرس سني حياتها بعدئذ للفوز بلقاء الممثل العالمي الشهير، وربما العيش معه بقية حياتها! لست أدري إن كانت تلميذتي قد حققت حلمها، ولكني متأكد بأنها الآن أم فاضلة.

 

أ.د. محمد الدعمي

صادق السامرائيكل فكرة تعصف في الكيان البشري تجذب إليها أفكارا مشابهة، وتصنع لها متراسا من الحواجز تدافع من خلفه عن جمهرة الأفكار المتفاعلة معها، والمتصلدة كأنها رصاص مصهور صب في قوالب معينة لكي يبقى دون تغيير.

هذه الأفكار عندما تتكاثف وتتفاعل تتحول إلى قوة كامنة في أعماق البشر تسوقهم إلى حيث تريد من غير إدراك منهم أو وعي حاضر عندهم.

الأفكار تستعبد البشر وتتمكن من عقله وروحه ونفسه وأفعاله، فتسخره لغاياتها وتوجهاتها وما ترغب فيه لتأكيد دورها في الحياة.

فالفكرة- أية فكرة- عندما تجد لها مكانا في رأس البشر فأنها تسخره لتحقيقها وتدفعه لبذل كل شيئ لكي تكون. والفكرة أنانية ولا يهمها الشخص الذي إمتلكته، لأنها تعتبره أداة لها ولتحقيق دورها تحت الشمس، وهي قادرة على أن تحل في رأس آخر غيره وتسخره لغاياتها.

والبشر يوفر الظروف الملائمة لإحلال الفكرة فيه، وعندما تحل الفكرة في الرأس البشري فأنها تتطور وتجذب إليها العديد من الأفكار المساندة والمستوحاة من تأريخ ذلك الشخص وتجربته في الحياة، أي أنها تستجلب حشدا من الأفكار التي تقف لتحارب معها ولتكون جيشا مأمورا بها.

ويصبح مرهونا بإرادتها وعزمها وقوتها وإندفاعها، فالشخص المكتئب الحزين يستجلب كل فكرة حزينة مرت في حياته، ويأخذ بتكديسها وضغطها حتى لتراه قد حَسِبَ الحياة لا تستحق البقاء مما يدفع به للإجهاز على نفسه وقتلها.

والشرير الذي تعصف في رأسه فكرة شريرة، فأنها ستجذب إليها كل فكرة توحي بالشر وتشجع عليه، وتصهرها في كيانه وتصنع منه أداة فاعلة لتحقيق الشر.

وعندما نعود إلى التفاؤل والأفكار الجيدة المبشّرة بالخير والنجاح وتحقيق المراد، فالفكرة المتفائلة عندما تبلغ مقامها في الرأس، فأنها ستجذب إليها أفكار النجاح والتطور، وتجعل من الفرد قوة فعالة لتحقيق النجاح والتطور.

ومن هنا فالذي يفكر بحزن ويأس، يستحضر أفكار الحزن واليأس والشك ولا يحقق ما هو مفيد في الحياة، والذي يفكر بعين التفاؤل والإصرار والتقدم والإيمان بأنه سيكون وينجز شيئا ما في الحياة، سيجذب الأفكار ذات العلاقة بالصيرورة وروح النجاح وتحقيق ما يريد ويكون حتما بها.

وهكذا فأن التفاؤل بالخير يحقق خيرا وفيرا، والتفاؤل بالشر يصنع شرا مستطيرا، ومثلما يكون الداخل البشري فانه يصنع ظاهره، ومثلما تكون أفكاره العاصفة في كيانه فأنه حتما يكون.

إن العلاقة ما بين أعماق الذات البشرية والمحيط الخارجي علاقة متبادلة ومتفاعلة، قد يكون فيها تأثير الذات على المحيط أكبر من تأثير المحيط على الذات، لأن البشر سينتقي من محيطه ما يتفق وما فيه، ويتجاهل ما لا يتفق معه من الرؤى والأفكار والتصورات ويبتعد عنها وربما يمقتها ويرميها بأوصاف سلبية.

ففي أعماق البشرية فكرة أساسية تستحضر الأفكار الثانوية، وتصنع طابورا يقاتل من أجل أن تكون رغم كل ما يجري من حولها، لأنها ستلتقط أدواتها وتنمي مهاراتها التي تساهم في صيرورتها وتحققها في الحياة، وكأنها لا ترى ما يعيقها ويمنعها من الظهور.

ومن هذا المنظور يتوجب علينا أن نعيد النظر في أنفسنا، ونتفحص الأفكار الكامنة فينا والتي تؤثر في سلوكنا وتصنع محيطنا الذي نعيش فيه، وتحقق فينا مصيبة الإنتقاء في الرؤية والنظر وكأنها "فلتر" إدراكي خادع ومضلل.

فما يدور حولنا هو من نتاج الأفكار الكامنة فينا، والتي تريد أن تكون في بيئتنا لكي يتحقق التواؤم ما بين الذات والموضوع.

ولكي نكون لا بد من صهر رصاص الأفكار السوداوية في أعماقنا بنار التفاؤل والأمل والإيمان على أن الحياة تكون مثلما نريد، وأن الأفكار الخيرة الطاهرة البيضاء التي تعيش في أعماقنا هي التي سنراها حية من حولنا.

أما إذا كانت أفكارنا سوداء فكل شيئ من حولنا سيكون أسودا معتما، ولن تنفعنا ما عهدناه من أقوال: " تفاءلوا بالخير تجدوه"، "إن مع العسر يسرا"، لأن نفوسنا وأدمغتنا قد فقدت الإحساس بها، وما عادت ذات معنى وفعالية في ربوع أيامنا، وهذا الفقدان بمعاني الكلمات وقيمة العبارات له آثاره الخطيرة على سلوكنا، لأننا قد حققنا إنقطاعا مأساويا ما بين الكلمة والفعل، وصارت الأقوال أفعال وحسب.

وعليه فأننا أمام مواجهة عاتية مع النفس ومكنونات الذات الفاعلة فينا، وهذا يتطلب جهدا عزوما وإصرارا كبيرا على التحقق والكينونة الرقاء.

فهل من إرادة منورة بقكرٍ جديد؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

اياد الزهيرييمكننا تأصيل السلوك الدكتاتوري في العالم العربي الى زمن ما قبل الأسلام، والذي تمثل بسيطرة بيوتات وقبائل على المجتمع آنذاك من منطلق ممارسة السياده على الآخر القائمه على مبدأ الأستغلال والأستعباد .من هذه البيوتات  بيت عبد شمس الذي ينحدر منه أبو سفيان،ومن هذه القبائل قبيلة قريش، هذه القبيله التي تسيدت على الجزيره العربيه وفرضت هيمنه طويلة أمتدت الى شعوب مجاوره، وما الدوله الأمويه والعباسيه الا أمتداد لذلك الأصل القرشي ذو النظره الأستعلائيه الفوقيه التي تستمد جذورها من ذلك الأصل العشائري الذي يدعي السياده والتفوق على غيره من الأقوام، وشاعرهم يقول؛

فأنهم أفضل الأحياء كلهم      ان جد بالناس جد القول أو شمعوا

قد لا يختلف العرب عن غيرهم من الشعوب في ذلك الوقت في ممارسة هذا اللون من الفوقيه، ولكن ما يميزهم هو تجذر هذا اللون وأستمراره عبر الحقب الزمنيه الطويله، حتى أصبحت الدكتاتوريه خصيصه تلازم العرب، وظاهره تصطحبهم عبر الزمن وأصبحت جزء لا يتجزء من تقاليدهم بالحكم، حتى لتراها في تراثهم الشعبي، كما في المثال الشعبي (الأمام الي ما يشور ما ينزار). لكن كانت هناك فاصله زمنيه جمدت هذا السلوك في عالم العرب وهي فترة البعثه النبويه، فكانت قفزه حضاريه هزت قيم هذا المجتمع القائمه على القوه فأعلن الأسلام مبدأ (متى أستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) كما يبرز لنا التاريخ موقف النبي محمد (ص) من ذلك الأعرابي الذي وقف مرتجفآ خائفآ منه فخاطبه محمد (ص) (لا تخف فأني لست بملك، وأنما أبن أمرأه تأكل القديد) أراد الرسول ص أن ينزع من الناس ثوب الذل والعبوديه وأن يشعرهم بأنسانيتهم وأصلهم الواحد فقال لهم (كلكم للآدم وأدم من تراب) هذا المبدأ يعتبر غريبآ على حياة العرب ولم يألفوه في حياتهم فقاوموه بقوة السيف فعجزوا بسبب قوة الدعوه الأسلاميه، ولكنهم ألتفوا عليها بعد حين بعملية أنقلاب وتآمر على يد معاويه بن أبي سفيان والذي سار على نصيحة أبيه عندما دعى بنو سفيان الى أرجاع الأمور الى سابق عهدها، عهد السيطره والهيمنه السفيانيه فقال لأولاده وعشيرته (تلاقفوها يابني معيط لا جنه ولا نار) حتى حولوها الى ملك عضوض وهذا ما حدى بالوليد بن عبد الملك أن يتسائل بأستنكار(أيمكن للخليفه أن يحاسب) فقد أستوطنت الدكتاتوريه العالم العربي وليومنا هذا بما زرعه ملوك بني أميه من تقاليد وأعراف للأستبداد ما أتي به الله من سلطان، فهذا عبد الملك بن مروان يقول في خطبته الأولى عند أستلامه للحكم والتي أراد أن يبين فيها سياسته القادمه والتي جاء فيها (والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا الا ضربت عنقه) أي جبروت أكبر من ذلك وأي أستهجان أفضع من هذا . أن البيت الأموي هو أول من قنن الأستبداد في العالم العربي وحوله الى تقاليد في السياسه والحكم، حتى يمكننا أن نعتبرهم الأباء المؤسسون له، وكانوا مدرسه أستبداديه جذرت أعرافه، وثبتت تقاليده لكل من يسعى للبقاء طويلآ في حكم الشعوب، حتى أنهم سبقوا المنظر السياسي الأيطالي مكيافيلي في نصائحه للحاكم الدكتاتور في كتابه (الأمير) . فمعاويه كان بالحقيقه أبو المكيافيليه وأول من أسس لها، وما مكيافيلي الا تلميذ صغير في مدرسة معاويه. هذه المدرسه هي من أورثت مناهجها للمدرسه العباسيه في الأستبداد، حتى لقب مؤسس الدوله العباسيه بأبو العباس السفاح نظرآ لما سفحه من دماء لأجل أقامة دولته، حتى وصف الشاعر ظلم بني العباس في معارضيهم من أهل البيت؛

والله ما فعلت أميه فيهم      معشار ما فعلت بني العباسي

، فهذا زياد بن أبيه يقول في خطبه له (من قال لنا هكذا، قلنا له بسيوفنا هكذا)، سياسه لا يحق للرعيه الأعتراض ولا التظلم ولا حتى النصيحه، وهذا أبن المقفع الذي قاده قدره الى نصيحة المنصور العباسي بأن أرسل له رساله ينصحه فيه بحسن أختيار معاونيه، ورعاية الرعيه، فما كان من المنصور الا أن يأتي به ويحمي له التنور ويقطع بجسمه ويرميه في نار ذلك التنور، فأي قسوه أفضع من هذه، وأي ساديه ووحشيه تطبع نفوس هؤلاء الدكتاتوريون العرب . هذه هي المدرسه التي أخذ منها صدام دروسه بالقسوه، وهذا ما يذكرنا بالعائله الكربلائيه التي ذوبها صدام بالتيزاب بكامل أفرادها بسبب معارضة الأب للنظام الحاكم . أن الحكام العرب أرسو تقاليد أسسوا فيها ألغاء الآخر بدل التعايش والمشاركه وأبداء المرونه مع الرعيه، فالغوا كل أجتهاد في وجهات النظر، بل كرسوا الجهل والخوف في الأوساط الشعبيه لكي يشلوا عندهم أي دافع للمطالبه في حقوقهم العادله، وهذا ما يذكرني بذلك العراقي اللاجئ للمملكه السعوديه في حرب الخليج الثانيه عندما سأل حارس معسكر الأعتقال في منطقة الأرطاويه للأسرى العراقيين عن سبب بقاءكم تحكمون من قبل ملك فأجابه الحارس العسكري ألم يكن من أفضال الملك علينا يدعنا نعيش في أرضه، فالملك هو المالك والحاكم والأب، والمانح، والمفكر، هذا ما أكده المفكر الأيراني الدكتور علي شريعتي في كتابه (علي والمحن الثلاث)  في قول لروسو يقول فيه (لأن النظام الدكتاتوري لا يفكر فيه الا واحد فقط، والآخرون لا يحق لهم التفكير..) وهذا هو عين ما عبر عنه الأدب السياسي للبعث العراقي مختصرآ شعب بكامله بشخص دكتاتوره (أذا قال صدام قال العراق). أن التاريخ العربي عباره عن حكايه كتبها دكتاتور حكم بالحديد والنار، فالشعر العربي من قديمه الى حديثه يتغنى بالدكتاتوريه، والمثقف والأعلامي العربي ساهم بأغلبه بصناعة دكتاتوريه مقيته ودائميه، فالممارسه الطويله لهذا النوع من الحكم، ومساهمة الآدب العربي وخاصه الشعر، فيما نظموه من ملاحم شعريه لصالح الدكتاتور، ومثال ذلك ما نظم الشاعر الأندلسي هاني الأندلسي مادحآ المعز لدين الله الفاطمي؛ ما شئت لا ما شاءت الأقدار فأحكم فأنت الواحد القهار

هذا الشاعر الذي يرفع مقام الحاكم الى مقام الألوهيه، ولم يقف الأمر عند هذا الحد في محاصرة الناس من جو خانق للحريه، بل أن ما فعله وعاظ السلاطين ما هو أدهى وأمر في تطويق أي تفكير يمكن أن يتسرب الى ذهن المواطن في معارضة الحاكم، حيث يقول أحمد بن حنبل في رسالته (أصول السنه): "ومن خرج على أمام من أئمة المسلمين، وقد كان الناس أجتمعوا عليه، وأقروا له بالخلافه بأي وجه كان بالرضا أو الغلبه؛ فقد شق هذا الخارج عصا المسلمون، وخالف آثار الرسول- فأن مات الخارج عليه مات ميته جاهليه"، وقالت الشافعيه على لسان الأمام الشافعي (كل من غلب على الخلافه بالسيف حتى يسمى خليفه ويجمع الناس عليه فهو خليفه)، كما قالت الحنفيه على لسان الحصكفي الحنفي في الدر  المختار (وتصح سلطنة متغلب للضروره)، وهناك الكثير من الأقوال والفتاوي التي تكرس الأستبداد بالحكم وقد شرعنوه وأطروه بأطار التقديس، حتى أصبح الولاء لها جزء من العباده، وأن الولاء للحاكم المستبد هو علامه من علامات التنسك والألتزام الديني لديهم، وهذا من أخطر الأساليب في تقنين الدكتاتوريه وتكريسها، وهذا هو سر بقاءها في العالم العربي الى يومنا هذا، وهنا يمكننا فهم سر تلازم النظام السعودي الملكي مع المذهب الوهابي بأعتباره مذهبآ يأدلج الملكيه السعوديه ويرفعها الى موقع القداسه، كيف لا وهم من يلقنوا أتباعهم بأن الراد على السلطان كالراد على الله كما في مقولتهم الشائعه (الراد عليهم راد على الله). هذه هي أزمة القياده في العالم العربي، الذي يرجع الى غياب الضوابط التي تحدد مواصفات القياده، وطريقة أختيارها، وهكذا أتوقع أن هذه الأزمه ستستمر مادام ليس هناك طروحات فكريه تزود الوعي الأجتماعي والسياسي بالأسس الأصيله للأسلام في عملية أختيار القياده، كما أن الأزمه تتعمق ويطول عمرها مادام هناك عامل خارجي يحقنها بجرعات البقاء ويحرسها من كل محاوله للأنقلاب عليها، ولنا من موقف أمريكا المساند لكل الأنظمه العميله في العالم العربي، وهي الحليف القوي الذي يحيطها براعيته ويحميها بآلته الحربيه عند الطلب . أنه التخادم الأمريكي مع الدكتاتور العربي.

 

أياد الزهيري 

 

صائب خليلربما يستغرب الكثيرون حين يعلمون أن العلم حقق اكبر قفزة له حين انتقل من البحث عن "ماهية الأشياء" إلى دراسة "تأثيرها" كأهم جزء من نشاطه البحثي، ومن هناك تأسست التكنولوجيا. فالهدف النهائي للإنسان يجب ان يكون سعادته كما أوضح أرسطو منذ 22 قرناً، وأن دراسته للطبيعة والفلسفة يجب ان يكون هدفها البحث عن "تغيير" في ذاته يجعله اكثر سعادة. وقد اشتهر ماركس بعده بـ 22 قرناً بتحويل الانتباه الى "تغيير العالم" بمقولته: "لقد سعت الفلسفة حتى اليوم الى معرفة ماهية العالم، وقد حان الوقت ان تسعى الى تغييره". وطبيعي ان فهم ماهية العالم تساعد على تغييره أيضا، لكن يبقى هناك فرق ان نركز ونقف طويلاً عند فهم ماهية الشيء والتركيز على تأثيره.

لنأخذ الضوء مثالاً. العلماء لم يستطيعوا حتى اليوم إعطاء فهم دقيقة لـ "ماهية الضوء". هل هو موجات ام دقائق؟ فهو يبدو احياناً كموجات واحياناً أخرى كدقائق! ولا يمكن تصور حالة تجمع بين الاثنين رغم ان العلم استعمل تعابيراً لتجاوز هذا الإشكال مثل "الكمات"، إلا أن الأسماء لا تغير الحقائق. فهل هناك "شيء مادي" ينتقل في الفضاء أم لا؟ العلم لم يتوقف عند هذه النقطة بل استمر يبحث في "تأثير" الضوء والتعامل معه، رغم ان ماهيته لم تحل بعد، وتمكنا من اختراع الليزر وغيره.

هذه المقدمة العلمية الطويلة لا تتعلق طبعا بما قاله سفير العراق في واشنطن، حول العلاقة بين العراق وإسرائيل، إنما اردت أولاً جلب انتباه القراء إلى الاهتمام بـ "التأثير" الذي تحدثه الأشياء، أكثر من الأشياء ذاتها. وبشكل خاص ومطلق فيما يتعلق بالسياسة والمواقف السياسة والتصريحات السياسية. فـ "التأثير" اكثر أهمية بكثير من "الحقيقة الموضوعية" لتحليل الحدث السياسي. لماذا؟

لننظر الى كلمة السفير العراقي في واشنطن حول إسرائيل، ولنحللها بالطريقتين: الموضوعية و التأثيرية لنرى ايهما يعطينا نتيجة أهم لتحديد موقفنا منها.

قال السفير: هنالك أسباب موضوعية قد تدعو إلى قيام علاقات بين العراق وإسرائيل وهي ان هناك جالية عراقية مهمة في إسرائيل ولازالوا معتزين بصفاتهم العراقية في اعراسهم طبخات عراقية واغاني عراقية. وهنك سبب آخر وهو ان هناك تكنولوجيات تخص المناطق الصحراوية. الزراعة في مناطق شحة المياه، إسرائيل متفوقين فيها. ولكن هناك أسباب معنوية واعتبارية لا تسمح لنا ان نتواصل مع إسرائيل." (هذا هو القول الكامل وغير "المجتزأ" كما حاولت وزارة الخارجية الطمطمة عليه). (1)

لنحلل أولاً ما قال السفير من ناحية موضوعيته: رغم ان عبارة "جالية" هي مغالطة واضحة فهي تطلق على من يحتفظ بجنسيته في بلد اجنبي، ورغم انه لا توجد إحصاءات تدل على مدى "اعتزاز" هؤلاء بأصلهم العراقي وان كان ذلك يشكل اغلبية تتيح اطلاق مثل هذه الصفة عليهم ام ان بضعة افراد هم كذلك، فأن هذه النقطة ممكنة القبول مبدئيا. السبب الآخر عن "تكنولوجيا الزراعة في الصحراء" صحيح تماما من الناحية الموضوعية. اطلاق صفة "أسباب معنوية واعتبارية" على ما يمنع التواصل مع إسرائيل ليس دقيقا وفيه اجحاف لحقيقة تلك الأسباب، لأنه حتى من الناحية الموضوعية فهناك أسباب خطيرة لتجنب العراق العلاقة مع إسرائيل على الأقل طموح الحصول على أراضيه حتى الفرات وكذلك النتائج السيئة جداً التي حصلت عليها الدول التي "تواصلت" مع إسرائيل، مثل مصر.

ما الموقف "الموضوعي" من تصريح السفير حسب هذا التحليل؟ انه يبدو "وجهة نظر" فيها الكثير من الخطأ وفيها بعض الصح. يمكننا نقده من بعض الزوايا، لكن لا يفترض بنا ان ننزعج كثيراً منه.

وما الذي يقوله "تأثير" هذا الخطاب؟

الخطاب يقول من ناحية تأثيره: "إن ما يمنعنا من التواصل مع جالية تعتز بعراقيتها، ومن الاستفادة من تكنولوجيا الزراعة في الصحراء هو مجرد "أسباب معنوية واعتبارية" مبهمة. وأننا لو تجاوزنا تلك الأسباب الاعتبارية والمعنوية لأمكننا الاستفادة من تلك العلاقة الحميمة مع الجالية، ومن تكنولوجيا زراعة الصحراء الإسرائيلية المتطورة".

أي ان الخطاب من ناحية "تأثيره" إغراء صريح للشعب العراقي لإقامة العلاقات مع إسرائيل لأنه سيحول صحارينا الى مزارع، ودعوته لتجاوز الأسباب الاعتبارية التي تمنعه من القيام بتلك الخطوة العظيمة الأهمية لمصالحه! 

وهنا تتضح خطورة مقولة السفير، وضرورة محاسبته عليها بشدة. فهي دعوة مزيفة وخطرة على العراق، وإعلان نية بالاتجاه نحوها ولو تدريجيا. ولا نصدق حرفاً من خطاب وزارة الخارجية بأن السفير كان يتكلم خارج سياستها او سياسة الدولة، ولو كان الأمر كذلك لتم استدعاءه وايقافه عن عمله فوراً وارسال شخص اقل انبطاحاً للإملاءات الامريكية، ومعروف ان اميركا هي من تختار السفير العراق في واشنطن دائما، ضمن من تختارهم من المناصب المهمة.

لكن لماذا هي دعوة مزيفة وخطرة؟ للأسف فأن تدني الوعي السياسي يجبرنا ان نطرح هذا السؤال ونجيب عليه رغم انه يفترض ان يكون من البديهيات التي تعلم في المدارس.

إنه دعوة مزيفة لأن:

1- ليس لدينا جالية في إسرائيل، فكلهم تنازلوا عن جنسياتهم وتجنسوا كإسرائيليين. وليس هناك سوى عدد قليل من المسنين الذين مازالوا يستمتعون بالأغاني والبامية.

2- صحيح أن هناك تكنولوجيا متطورة لزراعة الصحراء في إسرائيل، لكن هل سيستفيد العراق منها؟ للإجابة عن السؤال علينا ان نفهم ما الذي تقدمه هذه التكنولوجيا اكثر من غيرها من التكنولوجيات المتوفرة في بقية العالم المتقدم؟ لو افترضنا فعلا انها الأكثر تقدما، فهذا يعني أنها استطاعت توفير بعض الماء اكثر من غيرها من وسائل التقطير المعروفة! فهل ما يعيق العراق هو تلك القطرات الموفرة؟ هل وصل العراق إلى حافة تكنولوجيات العالم المتقدم وبقي مصير الزراعة فيه ينتظر تلك النسبة المؤية الضئيلة التي تتفوق بها إسرائيل على الباقين؟ هل هناك مشاريع زراعية عراقية متوقفة لأن نجاحها لا يتم إلا بأعلى تكنولوجيا إرواء لا تتوفر إلا في إسرائيل؟ جميع من سيقرأ هذا سيضحك، لأن الجميع يعلم ان العراق اكثر بلد يهدر ماءه! والعراقيين يعلمون انه لا توجد اية محاولة حكومية لتوريد التكنولوجيات المتوفرة في العالم لهذا الغرض وانها ليست مهتمة بالموضوع. فلماذا هذا الاهتمام المفاجئ به؟ أم أنه مجرد حجة؟ وللعلم فأن حجة تقدم إسرائيل في الزراعة كانت من الحجج التي أوردها حكام مصر كثيراً كتبريرات لمواقفهم!

 

إذن فدعوة السفير مزيفة الأسباب، ماذا عن خطرها؟

1- أن لإسرائيل طموحات توسعية تصل الى العراق نفسه مازالت في الأدبيات الإسرائيلية ولم يقم أي سياسي مهم من قادة إسرائيل بالتنازل عنها. وإسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي لم تحدد حتى اليوم حدوداً لها، بل تتركها لتتوسع عندما يمكن ذلك.

2- الدول التي توكلت على الله وتواصلت مع إسرائيل بعلاقات وسفارات لم تجن من علاقاتها سوى الابتزاز والخسائر الاقتصادية والتسلط السياسي التام والسيطرة على حكوماتها بشكل مطلق والاهانة لكرامة شعب البلد المرة تلو المرة.

3- إقامة العلاقة مع إسرائيل يسبب شرخاً إضافيا خطيراً في كيان المنطقة، يهدد شعوبها كلها بأن تصبح تحت رحمة إسرائيل.

4- الأسباب "المعنوية والاعتبارية" المتمثلة بقبول الظلم والخضوع لثقافة عنصرية تقوم على إهانة الفرد العربي والإسلامي وتعتمد على خذلانه لمشاريعها السياسية. وهذا له تأثير مدمر على شخصية الفرد واعتزازه بنفسه في العراق اكثر مما هو مدمر اليوم. وهذا ليس سببا يمر عليه مرور الكرام كما فعل السفير، فالكرامة خطيرة الى درجة ان الكثير من البشر مستعد للتضحية بحياته من اجلها.

لست مضطراً للاقتناع بكل هذه الأسباب، فيكفي واحد منها لاعتبار تلك العلاقة خطرة على البلد والشعب، وبالتالي فان "تأثير" تصريح السفير هو تأثير مدمر أو كان المراد منه ان يكون كذلك، لأنه دعوة للشعب العراقي الى تبني مشروع مدمر!

تصريح الخارجية بانتقاد السفير موقف متوقع فكما يبدو ان ما اثاره التصريح بين الناس كان اشد مما كان ينتظر وبالتالي توجب تهدئة الامر والسير بخطوات اكثر حذراً نحو الهدف. ولو كانت الوزارة جادة في رفضها لتصريح السفير وانه يناقض سياسة الدولة كما اوضحته، فمن واجبها على الأقل ان تستدعيه وتجمده عن العمل. كما ان من واجب عادل عبد المهدي تقديمه الى المحاكمة لينال جزاءه وفق القانون 201 من قانون العقوبات العراقي الذي يحرم الترويج لإسرائيل. لكننا واثقون من أن شيئا من هذا لن يحدث. فمن يصرح بمثل هذه التصريحات محمي بذات الجهة التي حمت الضباط الخونة الذين سلموا الموصل والانبار وكركوك واسلحتهم معها دون قتال الى داعش والبيشمركة.

ما اريد تأكيده في الختام هو ضرورة التعود على البحث عن "تأثير" الموقف او التصريح السياسي وليس فقط عن "ماهيته الموضوعية" ومدى صحة ما جاء فيه من ادعاءات. وفي اغلب الأحيان في السياسة كما في الفيزياء، فأن اكتشاف "التأثير" اسهل بكثير من اكتشاف كل خفايا حقائق التصريحات ومدى دقتها. وكما في الفيزياء أيضا بل وأكثر، فأن "التأثير" هو المرشد الأول والأهم لتحليل صحيح لأي موقف سياسي، ويجب التعود على التساؤل عنه كأول رد فعل على أي خبر عن فعل سياسي جديد.

 

صائب خليل

................

(1) تصريح سفير العراق في واشنطن حول العلاقة مع اسرائيل

https://www.youtube.com/watch?v=s_TcSR6L9gw