إنحطاط وخور جمعي كامن في اللاشعور!!

بعد تفكك قطعات الجيش جنوبي العراق عام 1991 على إثر إنسحاب مفاجئ من الكويت وإختلاط الحابل بالنابل منذ ذلك الحين والى يومنا هذا، وأثناء إعادة تشكيل القطعات مجددا على عجالة وجدت نفسي وبعد رحلات مكوكية جبلية وأخرى صحراوية سابقة هذه المرة بالقرب من اﻷهوار، وتم تكليف أحد الجنود بجلب الماء يوميا حيث كان يأتينا به لنشرب ونطبخ ونتوضأ وذات يوم وبعد أن أعطاني قدحا من الماء عبارة عن بقايا - شيشة - معجون زجاجية وأثناء الشرب واذا بي ألمح - عكركة- صغيرة جدا تسبح داخله فراشة وظهر، و" العكركة" بالعراقي تعني - الضفدعة - فسألته " من أين أتيت بالماء ؟ قال " من المكان الذي أجلبه منه طيلة الفترة الماضية " قلت هلا أرشدتني الى المكان لطفا ﻻ أمرا ؟" قال " مو تدلل " .

فذهبت بصحبته الى المنبع واذا به مبزل مائي ملئ بالإطارات المستهلكة والفلين وبقايا العجلات المدمرة !

ومنذ ذلك الحين تعلمت أمورا ثلاثة " اﻷول ليس كل ما يهدى اليك يكون عن طيب خاطر، وقد يكون ملوثا وغير صالح للشرب واﻷكل فتأمل بسجايا من يهديك أو يخبرك شيئا وإن زعم حبك قبل قبول هديته أو تصديق خبره "، اﻷمر الثاني " لاتثق بعدو يتجهمك وﻻ بكسول أو أحمق أو أناني ملكته أمرك فكلهم يوردك المهالك "، الثالث " ماحك جلدك مثل ظفرك فتول أنت جميع أمرك ".

وشاهدنا مما أسلفت أن قيادات الكتل واﻷحزاب السياسية العراقية ولشدة حرصها على المغانم وإستقتالها على المناصب تراها عجولة في كسب السيئات وإبرام الاتفاقات التي تضر جمهورها وﻻتنفعه، كسولة في الحسنات التي تجلب له المنافع وتدرأ عنه المفاسد يستوي في ذلك ممثلو السنة والشيعة، العرب والكرد والتركمان وبقية الطوائف واﻷقليات اﻷخرى، اﻷمر الذي إنعكس سلبا على قواعدهم الشعبية التي باتت بدورها كسولة في نصرة الحق الذي يصب في الصالح العام، نشطة في تأييد الباطل الخاص بالمكون ولو على حساب المصلحة العامة، فلو أن مزارع الحنطة والشعير التابعة للمكونات اﻷخرى قد إحترقت بالكامل بفعل فاعل فلن يحرك أي منهم ساكنا مع إضرارها الشامل باﻷمن الغذائي للبلاد لصالح المستورد اﻷجنبي، فيما لو إحترقت مزرعة واحدة فحسب بحادث عرضي للمكون الذي ينتسبون اليه فإنهم سيقيمون الدنيا ولايقعدونها بوجود المحرض السياسي والاعلامي التابع له والذي بات يعتاش على تحريض المكون ضد إخوته في الدين ونظرائه في الخلق وشركائه في الوطن لحصد مزيد من اﻷصوات وصرف أنظار القواعد الجماهيرية بعيدا عن سرقاته ومثالبه التي لاتحصى بحقهم، وعليك ان تتعامل مع قياداتك - العكركية - التي أثبتت الوقائع لؤمها وفشلها عبر مئات التجارب السابقة ايا كان انتسابك بما قاله عنترة بن شداد ذات يوم :

إن الأفاعي وإن لانت ملامسها ..عند التقلب في أنيابها العطب

(2)

دروس من وحي " المعركة والكونة "

حدث في منتصف الثمانينات أثناء الحرب العراقية - الايرانية أن مرض أحد المراتب في الجيش فإضطررت الى صعود القمة الجبلية بدلا منه قبل يومين من حلول رمضان آنذاك، وبقيت هناك 32 يوما بعد إكمال عدة الشهر الفضيل بالتمام والكمال وكلي أمل بأن أحتفل بالعيد في إجازة مع اﻷهل والخلان اﻻ انني فوجئت بزميل ثان وأظنه نفس الزميل الاول يمرض أيضا، واذا بي أصعد هذه المرة الى قمة جبلية أخرى أعلى من سابقتها ﻷحتفل بالعيد هناك، العجيب أنني كنت قد تبرعت وفي مغامرة غير محسوبة العواقب بإعداد مائدة الافطار يوميا وتجهيز حلويات العيد وكنت أخترع أكلات لم تدرج حتى الان، ﻻ في كتب الطبخ الشرقية ولا الغربية ولطالما تحول - قدر التمن - في نهاية المطاف الى - مجدرة - أو حلاوة رز بالسكر، واﻷعجب أن طبخاتي الغريبة تلك على - صوبة علاء الدين - كانت تحظى بشعبية مع عدم رغبتي بتناولها والاكتفاء بصمون الجيش مع التمر الزهدي والشاي ربما وكما قال ماركيز (عند الجوع لا يوجد خبز سيء) وﻻ ادري حتى اليوم كيف كانوا يطيقون الطبق الذي علمني إياه احدهم زاعما أن جدته علمته إياه وهو عبارة عن - معكرونة بالمعجون بالبيض بالدهن بالطماطة بالبصل في قدر واحد - بما كان يحلو لي تسميته " طبق المعركة والكونة " وغالبا ما كان نصف المزيج العلوي ﻻ يؤكل اﻻ بصعوبة بالغة فيما كان نصفه الثاني - اللاجع - اسفل القدر يصبح عصيا على التنظيف ليرمى مع قدر الطبخ من اعلى الجبل الى اسفل الوادي ويدرج في قائمة " خسائر المعركة " وما اكثرها في نهاية المطاف !!

هذه التجربة علمتني أن " لاتحشر أنفك فيما لاتجيد صناعته أو إدارته أو قيادته " ﻷن الخسائر الناجمة عنه ستكون كبيرة جدا ﻻمحالة، وشاهدي أن محاولة الكثير من سياسيي الصدفة تسويق أنفسهم على أنهم الممثلون الوحيدون لمكوناتهم مع إصرارهم على قيادة جماهيرهم والتشبث بالمناصب بعد ظفرهم بها في كل دورة انتخابية برلمانية أومحلية تشبه قدر " المعركة والكونة " نصفه ﻻيصلح للاكل ونصفه الاخر سيرمى في الوادي، ورحم الله إمرأ عرف قدر نفسه وعليك أن تتعامل مع هؤلاء بما قاله مارتن لوثر كينغ :

لا يستطيع أحد ركوب ظهرك، إلّا إذا كنت منحنياً

(3)

ذات يوم صلينا العيد وكانت عندي سيارة - بونتياك نص مجرقعة - ومن عادتي يعرف ذلك جميع المقربين أني أحاول تجاوز المعوقات والعقبات والمنغصات في العيد قدر الامكان، وبعد خروجنا من الصلاة اكتشفنا أن - السلف مشكل - وعبثا حاولنا تشغيله هنا تدخل عدد من الباكستانيين والبنغلاديش مع بعض الاصدقاء العراقيين مشكورين لدفع السيارة وأنا بداخلها -مسلطن- والابتسامة لاتفارقني وفي النهاية ترجلت قائلا ﻷصدقائي ﻻ نريد ان نفسد فرحة العيد وهلموا بنا لنترك السيارة وشأنها ولنذهب لتناول الكاهي والقيمر كعادة العراقيين صبيحة العيدين وسط ذهول الاصدقاء حتى ان احدهم قال لي والعرق يتصبب من وجهه بعد محاولات عدة لدفعها الى الامام و الوراء - معقولة تضحك في هكذا مواقف ؟!- قلت - حاول ان تضحك وتستهزئ بالمواقف الحرجة واياك ان نتغص عليك وعلى من حولك فرحتهم اذ ليس من صفات المؤمن الهلع والجزع في أحلك الظروف وأشد المواقف !

وشاهدي أن العراقييين باتوا هلعين يشجعهم على ذلك قادتهم اضافة الى وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي فتراهم ينهارون سريعا اذا السماء أمطرت خشية الغرق " مع تكرار شائعة انهيار سد الموصل، وتهويل فيضان دجلة والفرات، وخطر السيول ..الخ " جزعين اذا السماء حبست ماءها خشية العطش،الجفاف، سد اليسو، التصحر، إنخفاض مناسيب الانهار صيفا " كل ذلك من دون اتخاذ الاجراءات اللازمة لإستثمار المياه على النحو الامثل، بناء السدود، ملءالخزانات، كري الانهار، تنظيف البحيرات، شق القنوات، اجتثاث زهرتي النيل والشنبلان، عقد الاتفاقات الرصينة طويلة الامد مع الدول المتشاطئة بما يخدم مصالح الجميع والكف عن لغة التهديد والوعيد الفارغة التي درج عليها - الطرزانيون والطرزانيات - وهم لايساوون في المعادلات الدولية شعرة في جلد خنزير بري، وعدم الاكتفاء بلطمية الصيف والشتاء على مستوى القادة والجماهير في التعامل مع تلك الاحداث المتكررة الى حد الاستهلاك، علاوة على تكرار اسطوانات مشروخة يعمل الإعلام المسيس على تضخيمها لحرف الانظار عن كوارث حقيقية يراد حجبها عن الرأي العام وغاليا ما تتتمحور تلك الاسطوانات حول " ظهور غرير العسل، الجراد، انفلونزا الطيور والخنازير، الكوليرا، الكلاب السائبة ..الخ " والاكتفاء بالهلع والجزع وتبادل النكات السمجة ومقاطع الفيديو السخيفة والتصريحات الجوفاء وعلى المستويات كافة، والحل هنا يكمن بما قاله الامام الشافعي رحمه الله :

وكنْ رجلاً على الأهوالِ جلدا ..وشيمتكَ السماحة ُ والوفاءُ

فلو ان شعوب الارض تجزع كجزعنا وتلطم الخدود وتشق الجيوب عند المصائب كما نفعل نحن لما تمكن الالمان من بناء مدنهم المدمرة بالكامل بعد الحرب العالمية الثانية والإرتقاء بإقتصادهم ليكون الثالث على مستوى العالم ببضع سنين لا اكثر، ولما نهض اليابانيون بعيد قنبلتي هيروشيما ونجازاكي الذريتين لتصبح رقما صعبا على خارطة الابداع البشرية، ولما قامت للفتيناميين بعد احتلالين غاشمين " فرنسي - اميركي - " أهلك الحرث والنسل قائمة، ولو هلع الروس كهلعنا لما أصبحوا ثاني أقوى دولة في العالم برغم الخسائر المادية والبشرية التي لاتحصى على يد النازيين، والحديث يصدق على جميع اﻷمم والشعوب الحية التي عانت الامرين من ويلات الكوارث والمجاعات والحروب، وبما اننا لسنا بدعا من الشعوب فلابد من إجتثاث هلع القادة وكذبهم وفضح زيفهم، مكافحة ظاهرتي جزع الجماهير وخورها قبل تحولهما الى مرضين مزمنين قاتلين يصعب علاجهما، تجاوز الشعور بالانحطاط والعجز والدونية في اللاوعي الجمعي للامة، وبخلافه فأن جيلا سيولد من ارحامنا وبين آظهرنا "لو امطرت السماء عليه حرية فسيرفع المظلات " بل وسينكس الاعلام ويعلن الحداد العام وينصب سرادق العزاء حزنا على مفردات الحصة التموينية وعلى عبوديته التي صهرت اغلالها بتنور الوعي وكسرت قيودها بمعاول الحرية !.

 

احمد الحاج

 

 

ميلاد عمر المزوغيالمجرمون مستعدون لفعل أي شيء في سبيل تحقيق مصالحهم اللامتناهية، احرقوا مطار العاصمة الدولي النافذة الوحيدة على العالم، بما حوى غير آبهين بما يمثل احراقه من معاناة لسكان العاصمة والمنطقة الغربية بمجملها لجمهور المسافرين لأغراض متعددة، فكان البديل قاعدة امعيتيقة الجوية التي تم تكييف عملها لتتناسب ومتطلبات المسافرين وتخفيف اعباء السفر.

المتعارف عليه ان الاماكن العامة التي تقدم خدمات للمواطنين يتم تحييدها ابان الحروب لكي تستمر في تقديم خدماتها، ولأن من يقبعون داخل اسوار العاصمة ويتحكمون في مصيرها بل مصير البلد بأسره نظرا لاستحواذهم على مقدرات الشعب من خلال البنك المركزي الذي تودع فيه كافة مبيعات النفط او الغاز (الذي يصد ر بطرق رسمية- اما ما يتم تهريبه فيذهب رأسا الى جيوب المجرمين) لا يعترفون بالمواثيق والأعراف الدولية ولا يولون أي اهتمام للبشر ومتطلباتهم، بل يعتبرونهم مجرد قطيع من الحيوانات يجلبون لها ارذل انواع الاعلاف وان استدعى الامر يعمدون الى قتلها فلا حاجة لأكلها، فترمى على قارعة الطريق.لبث الرعب في نفوس كل من تسول لهم انفسهم للتعبير عن مدى سخطهم مما يحدث.

خمس سنوات من القتل والتدمير والتشريد وإهدار المال العام، اصبحت الخزينة على وشك الافلاس رغم ان صادرات النفط والغاز لم تتوقف يوما، المجتمع الدولي غير مكترث بما يحدث للناس، فهناك قضايا عالمية تسترعي اهتمامه، بل يغض الطرف عن قيام بعض الدول بتزويد حكومة الوصاية بكافة انواع الاسلحة والمسلحين الذين يطردون من بلاد الشام تباعا عبر تركيا وبتمويل قطري.

يخوض الجيش الوطني الليبي معركته لتحرير العاصمة من براثن الميليشيات التي اتت على الاخضر واليابس، لم تعد قوات حكومة الوصاية تسيطر إلا على شريط ساحلي جد ضيق لا يتعدى عمقه 20 كيلومتر(تنقص او تزيد قليلا) اما طوله فهو يمتد من سرت الى الحدود التونسية، اشبه بربطة عنق يمكن ان تلتف على صاحبها فتخنقه في اية لحظة وينتهي الامر.

الميليشيات المسيطرة على العاصمة لم تعد لها حاضنة شعبية، ندرك ان الحرب قذرة وللبشر في زمن الحروب بعض الحقوق منها الحصول على التموين وعدم التعرض لهم عند التنقل، ولان مجرمينا قد فاقوا كل تصور في تصرفاتهم الخبيثة، يعمدون الى اذلال الناس وتحقيرهم والقبض على الهوية، ووقف المواد الغذائية والوقود عن المناطق التي انتفضت عليهم.

حكومة الفرقاطة وما تمثله من العصابات الاجرامية بالعاصمة والموالون لها من بقايا مجالس بنغازي ودرنة الارهابية يهدفون من خلال استخدامهم لمطار امعيتيقة الى اقفاله (فالجيش لن يسمح باستخدامه ضده) وبالتالي فان الخاسر الاوحد هو جمهور المسافرين، وسوف يلقي المجرمون باللائمة على الجيش لإنهاء الحرب وذلك مبلغهم لأنهم اصبحوا يدركون ان معركتهم جد خاسرة بعد ان فشلت كافة استغاثاتهم التي ما فتئوا يطلقونها، العون التركي القطري لن يكون ذا جدوى فتأخير التحرير ولو لبعض ايام لن يفقده بريقه، بل سترفع الغمّة التي جثمت على صدر الشعب وستنطلق مسيرة البناء والمصالحة، فالوطن يتسع الجميع.

متساكني العاصمة، امعيتيقة تستغيثكم لأجلكم، فهبوا بالتحرك ليس لأجل قذف الميليشيات وحكومتهم في البحر، فذاك امر متروك لقواتكم المسلحة التي صممت على اجتثاث الارهابيين وأعوانهم من جذورهم، بل لتحييد امعيتيقة وجعلها مطارا مدنيا، وإلا فان التنقلات ستكون جد صعبة ان لم نقل مستحيلة.وفي كل الاحوال فالنصر بعون الله آتٍ لا محالة .

 

ميلاد عمر المزوغي

 

نعم إن لها روائح... إنسانية وضرورية، فاحتياجات كبار السن هي احتياجات كبيرة لاسيما وهم يحتاجوا للرعاية الإنسانية والاجتماعية ولكثير من الرعاية والأدوية ولأن لا شيء متوفر بالمجان ولا شيء يمنح لهم! لذا هم مجبرين على الاعتماد بعد الله على أنفسهم وعلى الذهاب إلى الصيدليات الخاصة والتجارية لشراء الأدوية مقابل مالهم الخاص إن كانوا يمتلكونه! وان العديد من المتقاعدين ليسوا فقراء فقط إنما هم مهانين ومهجرين وهم محبطين ومتروكين ومعزولين! وجميعنا يعلم إن كبار السن يتطلب الاهتمام بهم اهتماما حقيقيا وحتى أكثر من الاهتمام بالأطفال وهذا أمر نادر وغريب وحتى مخيف لبعض الناس في مجتمعاتنا! أننا لسنا أوفياء لهم !! وهم عاجزون عن التأقلم مع الظروف الجديدة ومع العالم الجديد المتغير والغير مألوف ومع تغير القوانين واللوائح والمنظمات والعادات وحتى التقاليد!! وان القانون الرئيس للحياة الجديدة يتلخص في إن عليك أن تدفع ثمن لكل شيء، فغالباً ما نسمع  رجلا كبير السن وفقيرا وهو يردد " لقد حان الوقت لكي أموت" والحال أسوأ عندما يكون ذلك الرجل المسن وحيدا في ذهنه وفي حياته وفي روحه، ومدركاً أنه يموت ببطء، ولا معين له، وفي حالة من النسيان.

وأنت... نعم أنت... ان لم تستطع مساعدتهم فعلى الأقل استمع لهم لأنك بهذا ستريحهم وتفرغ كبتهم وحزنهم إلى حد ما، واعدك... ستستمع منهم ببساطة وبعفوية إلى مونولوجات طويلة عن الإهانة والفظاظة وعن عجزهم عن الرد وسترى تساقط دموعهم بلا هوادة ومع  كل عبارة ينطقونها وهم يتسألون: "لماذا هذا؟ أين العدالة؟  وستصمت متوجعا لأنك تعرف تلك ال لماذا وتفهمها !!!

يتم احتقار والسخرية من المسنين في الدول في كل مكان وفي كل شيء، واغلبنا يعتقد أن كبار السن لا يحتاجون إلى الكثير، وحتى تكلفة المعيشة لهم غالبا ما تكون أقل مما هي عليه من الفئات الاجتماعية الأخرى، لذلك يجب إن ندرك انه يحق لهم الحصول على قيمة ومميزات حياتية حقيقية لا كلامية، ويجدر بدولنا إن توفر لهم الأدوية المجانية، ولكن كيف يمكن تحقيق كل ذلك؟ يا سادتي نحن نغفل أو نتغافل أن كبار السن حساسين جدًا ومحتاجين للراحة البدنية فليس كل حذاء يناسب الساق المشوهة ولا كل شيء يتلاءم مع الجسد المتعب، ولا كل اسلوب يناسب التعامل معهم، ولا كل عبارة تقال لهم، ولا كل طعام يناسب جهازهم الهضمي !! والناس المسنين وبسبب سياسات الدول فهم محكوم عليهم بالانقراض إذ وبمفهوم حكوماتنا لم يعد بإمكان فئتهم تحقيق الربح، ولان أنظمة الحكم لا تستطيع دفع جميع الأشخاص المسنين إلى غرفة الغاز أو المواقد لحرقهم لذلك انتهجت قتلهم ببطء وبطرق مختلفة وأكثر تطوراً ومأساوية  !!

هنا نتساءل كيف يتصرف الإنسان في ظروف يائسة وغير إنسانية؟ وهل وصلنا إلى الحالة التي وصل بها الساسة والقادة وحاشيتهم بالمشي على أرجلهم الخلفية فيرمون العظم على شكل راتب يرثى له بينما يحتفظون باللحوم لأنفسهم؟ وهل وصلنا إلى الحالة التي تقوم بها الحكومات على الإنفاق والوفاء بالمتطلبات الغبية وغير المنطقية وعدم الالتفات إلى كبوة المسنين؟! إن محاولات تغيير شيء قد تؤدي إلى لا شيء في الظروف اللا إنسانية والتي فيها لا يمكن لذلك الشخص البائس أن يكون إنسانًا !!! ولو هناك نموذج مدعيا للنجاح فسيقول ازاء الذي ذكرته: "إن كل الذي ذكرته  مجرد خرافات"!! وقد يقول ذلك لأن لديه وظيفة رائعة، وراتب لائق، وعلاقات رائعة مع رؤسائه وزملاءه في العمل، حسنا كل يحط بطريقته الخاصة فمن يشرب وهو بصير ليس كمن يشرب وهو كفيف، فربما الكفيف يحس لكنه لن يلاحظ اشكال ومعاني وبؤس عمله ولأنه من الأسهل بالنسبة لمن يدعي السعادة ألا يلاحظ بؤس وعبثية هدف العمل المدعي سعادته الوهمية الزائلة!!  فنرى هنا من هو الذي المتدهور حقا؟ شخصا أدعى النجاح وصنع لنفسه سعادة وهمية وغبية وسريعا ما ستزول، أم مدمن الكذب والعمى؟ مدمن الكذب والعمى أغرق ذاته في حالة غير إنسانية من أجل محو بقايا الضمير والروح والحساسية والرحمة من نفسه، بينما الشخص مدعي الناجح الزائف يجعل هذا الطريق اللا عقلاني سلوك مبرر بألف حجة واهمة !!! ومن الغباء القول أن جميع مدمني الكذب هم أناس طيبين أو ضحايا أبرياء لمجتمع قاسي لان العديد منهم من الشخصيات المرضية والأوباش والساديين، لكن وصفنا هذا لا ينفي تأثير الظروف الاجتماعية والاقتصادية ففي هذه الدنيا يمر مدمن الكذب بالفقر وينقله لأطفاله، غير ان أطفال مدمني الكذب لديهم عيون طفولية خطيرة وتعاطف عميق وإحساس شديد بالظلم في هذا العالم.

التعب بعد العمل والاكتئاب بسبب انخفاض الأجور يستنفد القوة البدنية والعقلية للشخص يوما بعد يوم، سواء كان ذلك مرضًا أم نكسة أم خسارة، ولذا فأن الروح البشرية يثقلها كاهل الفقر واليأس، والتي هي اصلا تكون ضعيفة الإرادة في الجسد المنهك الضعيف، ويضعفها أكثر الفقر وعدم توفر نظامًا غذائيًا متوازنًا مما يعني أن الشخص يشعر بالتعب بشكل أسرع ويعاني من التعب المزمن واضطرابات الانتباه والتفكير المشوش، والأهم من ذلك أنه قد يواجه خطر الإصابة بمرض خطير وكيفية التعافي إذا لم يكن هناك مال للأدوية والأطباء والأغذية والملابس؟ ولان الإنسان هو المخلوق الحي الوحيد القادر على ابتكار شيء ما لم يكن يظهر له من قبل وبدونه في الطبيعة، أي إن الإنسان كائن إبداعي وكمبدع يمكن أن يدرك نفسه في أنشطته المهنية، فكم هو رائعا حين نقول لذلك الإنسان الفقير ما عليك إلا إن تتذكر الإبداع وأن تظهر التفاؤل وكل شيء في حياتك سيكون جيدًا! نعم سنقول له تلك النصائح الوردية وبطوننا مليئة بالطعام وجيوبنا مليئة بالنقود ومن دون إن نلاحظ إن ذلك الفقير مقيدا تماما بعقبتين رئيسيتين، الأولى هي الحالة الموضوعية في مجتمعنا والزاخرة بالفقر المتفشي والبطالة المتعددة الأقنعة والانخفاض الحاد في الأجور إضافة لظروف العمل المنهكة وغياب الأمن وانعدام العدل وتفشي الفساد، والعقبة الثانية هي أن الإبداع هو ملك حصري للإنسان فكيف نطلب من الفقراء والمساكين والمسنين إن يبدعوا ويتفاءلوا وهم أصلا محاطين ورازخين في ظروف معيشية لا إنسانية !!!

وان تساءلت عزيزي القارئ عن النظام الكامل للبرامج الحكومية والخدمات الاجتماعية التي أشغلتنا ودوختنا بها وسائل التواصل والإعلام الحكومية وبرامجها الخمسية والعشرية والمئوية ضد البؤس والفقر والعجز؟ وأردت إن تعرف هل حقا تهتم الدول بمواطنيها المسنين والفقراء والبؤساء؟ فأقولها لك وبملء الفم، بالطبع إنها تهتم لأنه لابد إن تهتم أسماك القرش، إن كانت ذكية، بشأن الأسماك الصغيرة حتى لا تموت في وقت مبكر لتنمو وتنضج وتأكلها!!  وبعد كل شيء تحتاج الحكومات النخبوية لرأس المال لذلك ترمي ببعض المال على الأقل حتى لا ينهار ذلك النظام الأعوج، ومن المفيد لها عبر رميه أن تصنع لهم منه لفائف الحلوى المشرقة، ولكن الفارغة!! حتى لا يفكر الناس إلا بانتظار الخلاص من البؤس والفقر الذي يعيشون فيه عبر أماني مغرقة بدموع سراب الأمل والوجع !!!!!

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

ابراهيم أبراشبداية وللتذكير فقط فإن مفردة أو مصطلح (النكسة) نحتها وروجها الإعلام الرسمي العربي وخصوصا المصري لوصف ما جرى في مثل هذا اليوم عام 1967، حيث انهزمت الجيوش العربية في مصر وسوريا والأردن أمام الجيش الإسرائيلي الذي باغت هذه الجيوش بعدوان صبيحة الخامس من حزيران / يونيو وكانت النتيجة أن احتلت إسرائيل خلال خمسة أيام سيناء والجولان وبقية فلسطين –قطاع غزة والضفة الغربية - .

ولأن الجمهور والعقل السياسي العربي آنذاك كان منتشيا بالخطابات الرنانة التي تهدد إسرائيل بالويل والثبور إن هي اعتدت على أي شبر من الأراضي العربية، مع تضخيم الإعلام العربي من قدرة الجيوش العربية وما تمتلك من صواريخ كالقاهر والظافر يمكنها إزالة إسرائيل من الوجود خلال ساعات، لكل ذلك لم يهضم الإعلام الرسمي العربي هذه الهزيمة وكان من الصعب عليه والمُهين له أن تسمى بالهزيمة، فكانت كلمة النكسة محاولة للتعبير عما جرى من منطلق أن النكسة حالة عابرة أو طارئة وسيستعيد الجسم العربي عافيته !.

التفنن في نحت المصطلحات للتحايل على الواقع والهروب من تسمية الأشياء بمسمياتها سمة تميز الخطاب والعقل السياسي العربي دون غيره . ففي عام 1948 تم وصف الهزيمة الشنيعة لسبعة جيوش عربية أمام العصابات الصهيونية بأنها نكبة، والنكبة توحي بأشياء كثيرة مثل أنها قضاء وقدر أو ظرف طارئ لا حيلة على رده الخ .

وعلى نفس المنوال سُميت الانقلابات العسكرية التي شهدتها الدول العربية ما بعد الاستقلال بالثورات، والأنظمة والأحزاب الدكتاتورية والشمولية بالثورية والتقدمية، وأنظمة الملكيات الوراثية الاستبدادية بالأنظمة المحافظة أو يتم تلبيسها لبوس الدين، وجماعات التخلف والارتزاق بإسم الدين بالجماعات الإسلامية، وتم تسمية الفوضى والخراب والإرهاب الإسلاموي بثورات الربيع العربي، والاستسلام للإدارة الامريكية والتطبيع مع إسرائيل بالواقعية والعقلانية والرغبة بالسلام الخ ، وكأن العقل السياسي العربي يهرب من الحقيقة والواقع حتى لا تُجرح رومنسيته وبراغمادياته الموهومة والكاذبة والتي تغذيها أيديولوجيات تتفنن في خداع الشعب .

كانت نتيجة النكبة والنكسة أن ضاعت كل فلسطين، 78% في النكبة و22% في النكسة، وما زال الفلسطينيون يعانون من نتائج هزائم الجيوش العربية في فلسطين، ونعتقد لو تُرك الأمر للفلسطينيين ليعتمدوا على أنفسهم في مواجهة العصابات الصهيونية والاستعمار البريطاني منذ ثورة 1936 ولم تتدخل الأنظمة العربية لكان وضع الفلسطينيين أفضل حالا .

ما بعد نكسة 67 كانت الحرب أو (الانتصار) العظيم في أكتوبر 1973، ودون تجاهل شجاعة وبطولة الجيشين المصري والسوري ومن ساندهما من وحدات عسكرية مغربية وعراقية وفلسطينية، فإن نتائج هذه الحرب لم تُحرِر ما تم فقدانه في نكبة 48 ولا في نكسة 67، وإن كانت مصر استعادت سيناء عام 1982 فإن الشروط التي التزمت بها مصر ومنها توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل شوهت فرحة استعادة سيناء أو جعلت النصر منقوصا . ليس هذا تشكيكا بكل الجيوش والأنظمة العربية التي شاركت في الحرب حيث كان بعضها متواطئا والبعض الآخر صادقا ويملك الإرادة في مواجهة إسرائيل ولكن حساباته كانت خاطئة وغير مدروسة بدقة .

يا ليت الأمر توقف عند النكبة والنكسة، بل نشهد في السنوات الأخيرة وكأنه إصرار على أذية الشعب الفلسطيني والمساومة على حقوقه الوطنية التي انتزعها بالنضال والثورة وبدماء أبنائه والأحرار من أبناء الشعوب العربية والإسلامية .

فإذا ما تجاوزنا التطبيع المتدرج مع إسرائيل من طرف بعض الدول العربية فإن ما يجري الإعداد له في صفقة القرن بموافقة وتواطؤ بعض الدول العربية يعتبر نكبة ونكسة لا تقل خطورة عما جرى في حربي 48 و 67، فهاتان الحربان أو الهزيمتان وإن أضاعتا أرض فلسطين فإن صفقة القرن وما يتم الإعداد له في مؤتمر المنامة نهاية الشهر هو بمثابة مؤامرة لإضاعة والتفريط بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وإضاعة الحق أكثر خطورة من ضياع الأرض .

بالرغم مما جرى في النكبة والنكسة إلا أن الفلسطينيين لم يفقدوا الأمل بالأمة العربية وصدَّقوا اللاءات الثلاثة – لا صلح ولا اعتراف ولا مفاوضات مع إسرائيل -في مؤتمر القمة في الخرطوم التي عُقدت على إثر حرب 67، وصدَّقوا وتجاوبوا مع المبادرة العربية للسلام 2002، كما تفاءلوا عندما قال الزعماء العرب في قممهم المتوالية (نقبل بما يقبل به الفلسطينيون)، كما تفهموا صعوبة الأوضاع وخطورة التحديات التي تواجهها الدول العربية في ظل فوضى ما يسمى الربيع العربي فلم يطلبوا من العرب أن يحرروا فلسطين التي أضاعوها بحروبهم الفاشلة ولا حتى مددا عسكريا، إلا أن ما لا يمكن السكوت عليه أن يساوموا على حقوق الشعب الفلسطيني مقابل الحفاظ على عروشهم وكراسي حكمهم .

كانت الدول العربية سندا للشعب الفلسطيني أما اليوم فالفلسطينيون باتوا يتخوفون مما تدبره لهم بعض الأنظمة العربية بالعلن أو بالخفاء.

 

إبراهيم ابراش

 

 

صائب خليلقال عادل عبد المهدي في مؤتمره الصحفي الأسبوعي، إن "كردستان لم تسلم الحكومة الاتحادية برميل نفط واحد" لكن "الحكومة الاتحادية لن تقطع رواتب موظفي إقليم كردستان" ولا بيشمركتها طبعاً. وسمى سرقة كردستان العلنية والصريحة للنفط بأنها "خلافات سياسية"!، ثم دافع عادل عبد المهدي عن موقفه من تسليم رواتب كردستان بأنه يفعل ذلك لكي لا تصير تلك الخلافات "مصدرا لتهديد السلم المجتمعي".!!(1)

هذه الصلافة في التلاعب بالكلمات تدق جرس الإنذار بأن هناك خللاً خطيراً في فهم الناس لما يجري، يتيح للساسة المحتالين أن يتلاعبوا بالكلمات بهذا الشكل المفضوح، وهذا الخلل خطر ويجب تعديله.

عبد المهدي (إن صح الإسم) يستند في موقفه إلى مادة في الموازنة. وفي الموازنة عشرات الألغام التي قام البايعين بلادهم من جهة وبليدي العقول من الجهة الأخرى (وهي كل مكونات البرلمان الحالي والحكومة) بتثبيتها. لكن اللغم الأكبر والأخطر والخنجر الأعمق هو خنجر المادة الخاصة بتسليم موظفي كردستان رواتبهم حتى في حالة عدم تسليم الإقليم لنفطه. فما المشكلة في تلك المادة حقيقة الأمر؟ اليست الحكومة العراقية مسؤولة عن موظفي كردستان مثل غيرهم من الموظفين العراقيين، بغض النظر عن علاقتها بحكومة كردستان و "الخلافات السياسية" (كما يقول عبد المهدي)؟ ما المشكلة إذن في أن تدفع الحكومة رواتب الموظفين في كردستان؟

الحقيقة ان هذا السؤال أو الخطاب، قد تم نشره من قبل ساسة كردستان بشكل كبير وكثيف جدا في الإعلام، حتى اقتنع بصحته نسبة كبيرة من أبناء الشعب العراقي، أو على الأقل اعتبروا أن "فيه وجهة نظر". وكان الفضل في اقناع الناس بهذا الاحتيال يعود للإعلاميين "العراقيين" الذين ادوا دورهم التشويشي بامتياز من خلال "الصمت" عن كشف الحيلة والمراوغة المنطقية.

أسهل طريقة لاكتشاف المراوغة وخللها هو ان نحاول تطبيق نفس المنطق على الجميع، وفق مبدأ المساواة الأساسي في الدستور. لنفرض أن البصرة وذي قار وكل المحافظات، "اختلفت مع الحكومة سياسيا"، كما يقول عبد المهدي، وامتنعت عن تقديم أي من ثرواتها أو مدخولاتها الى الحكومة، واشترطت وفق مبدأ المساواة، ان تستمر الحكومة بدفع رواتب موظفيها، فماذا ستفعل الحكومة؟ من أين ستأتي بالرواتب؟ إذن هذا المنطق يقودنا الى تناقض وإلى حالة مستحيلة، فهو منطق مختل، لكن أين الخلل؟ وكيف وصلنا إلى العلاقة المختلة مع كردستان إذن؟

الامر بدأ منذ ان صار العراق تحت سلطة أمريكا منذ خيمة صفوان. فمنذ ذلك الحين فأن "حكومات إسرائيل المختارة" مثل حكومة الأردن، تحظى من العراق بما لا تحظى به بقية الدول المماثلة – الأردن مثالا. كذلك فأن كردستان كانت "إقليم إسرائيل المختار" وكان لها من "الحقوق" ما ليس لغيرها من مناطق العراق. وقد تم تنفيذ هذا الأمر بالضغط على الحكومات العراقية حتى اليوم، فلا يوجد لدى صدام او المالكي أو العبادي أي سبب لإحراج نفسه وخسارة ثروة تحت تصرفه لكردستان، ما لم يكن الضغط الأمريكي الإسرائيلي هو السبب مستفيداً من فساد الحاكم واستماتته من اجل الكرسي. وحين وصل عبد المهدي، اختلف الامر، فهو من "آل البيت الإسرائيلي" وليس بحاجة إلى الضغط لكي يتصرف كما يراد له ان يتصرف.

منذ البداية، سارعت حكومة اياد علاوي، وباقتراح من عادل عبد المهدي، الذي نصب وزيراً للمالية حينها، إلى تخصيص حصة من الثروة ومقاعد مجلس النواب تبلغ مرة ونصف بقدر نسبة كردستان الحقيقية التي عبرت عنها الاحصائيات السابقة والبالغة بحدود 10,5 %، إضافة الى رئاسة الجمهورية ومنصب وزاري سيادي أو اكثر، واشياء أخرى كثيرة. إضافة الى موارد الحدود والضرائب وغيرها. وفوق ذلك كله اكتشف ان عشرات المليارات قد تم تسليمها لكردستان فوق حصتها المغشوشة أصلا، وبطرق لم يعلن عنها، ولن تعود تلك المبالغ ابداً فقد تم دفنها في النسيان ولا يذكرها أحد.

إضافة الى استخدام الضغط الأمريكي على الحكام الفاسدين، حققت كردستان ابتزازها المتزايد باتباعها نصيحة السفير الأمريكي غالبريث، بسياسة تتخلص في "السعي الى اثارة المشاكل، ثم السعي الى حلها بطريقة تجبر الحكومة على تقديم المزيد من التنازلات." وقد كتبنا الكثير جدا من المقالات حول هذه النقطة ولا ننوي إعادة طرح الأمثلة على تطبيقها هنا، ويمكن مراجعة هذه المقالة لأخذ فكرة جيدة عنها لمن يحب: (2)

استنادا الى هذه السياسة، ثبتت كردستان الحصة الرسمية التي تبلغ مرة ونصف من حقها، ثم بدأت تحفر آبارها وتعطي المقاولات للشركات بطريقة "مشاركة الإنتاج" وقامت بنقل بعض الحقول المنتجة وسلمتها للشركات كمناطق استكشافية في عقود لم تطلع الحكومة العراقية عليها ولا حتى برلمان كردستان. وحاول المالكي والشهرستاني وقف هذه العملية دون جدوى وتحولا الى شيطانين بفضل الإعلام الأمريكي الشديد القوة في العراق، وكذلك الامر بالنسبة لحنان الفتلاوي وعالية نصيف.

ومع الانتقال الى العقود المباشرة دخلت عملية الغش الكردستاني مرحلة خطيرة، لا تكتفي بإفقار البلاد فقط، بل تهدد كيانها ووحدتها. لم يعد الأمر مجرد سرقة 50% من قيمة حصتها، لأن "حق" التعاقد مع الشركات، يمكن ان يدمر البلاد لو طالبت بقية المحافظات بشيء مماثل.

ثم توالت تلك الأفضليات المدمرة. فبعد تثبيت "حقها" في توقيع العقود السرية، وكأنها دولة أخرى، وتصديرها النفط سراً من خلال تركيا، طالبت كردستان بكل وقاحة، تنفيذا لاستراتيجية غالبريث أعلاه، من حكومة العراق ان تدفع لها "مستحقات" الشركات حسب العقود التي وقعت بدون موافقة أو علم بغداد! وبعد صمود لفترة من الزمن وافق المالكي حفاظاً على كرسيه، وطالبهم فقط بالوصولات ليدفع على أساسها. لكن كردستان، وقد تحقق لها ما أرادت، رفعت مطالبها وفق الاستراتيجية المذكورة، فطالبت بدفع مبالغ المستحقات الأولى أولا، قبل تقديم الوصولات! رفض المالكي وقاوم لفترة من الزمن، ثم رضخ ودفع القسط الأول على ان تقدم الوصولات بعد الدفع، فكانت خطوة كردستان التالية أن لا تقدم الوصولات وتطالب بقسط ثان! ووافق على دفع القسط الثاني في انتظار الوصولات، ولم تقدم الوصولات، وحسب علمي فلم تقدم اية وصولات حتى اليوم! وتخيلوا كم مشينا في هذا الخلل، لو طالبت بقية المحافظات المعاملة بالمثل!

لم تكتف كردستان طبعا بهذه الانتصارات فحاولت ان تبيع النفط المستخرج سرقة، في سوق النفط العالمية. وهنا واجهت كردستان مشكلة عويصة حيث ان المالكي قدم شكوى إلى جهات عالمية لم تستطع كردستان رشوتها او تهديدها فبقيت شاحنات النفط الكردستاني المسروق تجوب البحار خشية مصادرتها لصالح العراق. وأخيرا استقر بها الحال الى بيع النفط الى الكيان المارق عن كل القوانين، إسرائيل. وبلغ البيع كمية غطت ثلاثة ارباع حاجة اسرائيل.

كطريقة للتعايش مع الحال الأعوج المفروض بالقوة، تم في اثناء حكم المالكي تحديد "حصة" يتوجب على كردستان لتقديمها للحكومة، وهو تنازل مدمر آخر، لأن النفط كله يجب ان يمر من خلال المركز وليس بعضه. بعد تحقيق هذا الإنجاز، كانت الخطوة التالية لكردستان ان امتنعت تدريجيا عن تقديم “حصتها” من النفط وكانت تستلم حصتها من الموازنة بلا اشكال، ثم حولها المالكي الى شكل قرض لحين تسليم النفط، الذي لم يسلم ابداً. قرض كان المالكي يعلم ان العراق لن يستعيده ابداً. ثم توقف المالكي عن الدفع لاستمرار حكومة كردستان بالامتناع عن تقديم النفط. واثيرت ضد المالكي الذي كان قد قدم لكردستان تنازلات هائلة، حملة إعلامية عجيبة جعلت منه شيطانا رجيما وشوفينيا عربياً لا رحمة في قلبه لموظفي كردستان "الأبرياء" الذين لم يستلموا رواتبهم. وطبيعي أن كردستان كانت تصدر نفطا اكثر من حصتها لكنه مخصص لجيوب اشتي هورامي وعائلة البرزاني والطالباني وغيرهم فقط. اما "الموظفين الأبرياء" فالقوا بهم على المالكي. على حكومة بغداد "الشوفينية" التي يبدو انها ارحم من قادتهم!

تفاقمت الابتزازات، وصار المالكي بين ضغط كردستان وتهمة التخاذل لها من قبل حزبه والناس، فلم يعد قادرا أو راغبا في تقديم التنازلات اكثر، فتمت ازاحته ليؤتى بالعبادي الذي كان من ضمن صفقة الكرسي ان يوقع لكردستان على مليار دولار مسبقاً في اتفاق في غاية الغرابة، وان يسحب دعوى المالكي التي تمنع كردستان من بيع نفطها في سوق النقط وأن يعين هوشيار زيباري وزيرا للمالية وعبد المهدي وزيرا للنفط لإحكام كردستان السيطرة على الموارد، وشروط أخرى كثيرة خارج هذا السياق. فعل العبادي ذلك ودفع ثمن الكرسي وارسل وزير نفطه عبد المهدي الذي لم يكن يعرف أي شيء عن النفط الى كردستان لتوقيع شروط كردستان على بياض وبدون اية مفاوضات ودون ان يصحب معه أي خبير من وزارة النفط، وعاد في اليوم نفسه.

لكن العبادي نفسه ورغم توقيعه على دفع ثمن الكرسي لكردستان، لم يكن مدركاً (كما افترض، لغبائه المعروف) استراتيجية كردستان بالابتزاز المتصاعد رغم قربه من الصراع في زمن المالكي، واضطر ان يصطدم معها في النهاية.

وأخيراً “تمكنوا” من تحقيق الحلم الكبير بوضع عبد المهدي على رئاسة الحكومة، وكذلك تم تزوير الانتخابات بأجهزة تزوير جديدة، واحراق الصناديق وتهديد الناخبين، لكي يحصلوا على مجلس نواب يكاد يخلو إلا من المبيوعين والحمقى بأكثر من السابق. وهكذا تم تمرير هذا الشرط العجيب بدفع رواتب موظفي كردستان دون تسليم النفط!

إنها ببساطة "دعوة لكردستان لنهب العراق" بكل حرية! دعوة وجهها كل أعضاء مجلس النواب المتآمر على بلده وحكومة عبد المهدي التي ولدت سفاحاً ضد الدستور، لكردستان لكي لا تسلم نفطها ابداً، وقد تحقق ذلك بالحرف الواحد. إن من يتظاهر بالدهشة والغضب من هؤلاء الساسة جميعاً، إنما يمارس النصب، وخاصة عبد المهدي. فما وصلنا اليه كان نتيجة حتمية مخططة ومعلومة الخاتمة بكل تفاصيلها، ويحتاج كل من يدعي من السياسيين والإعلاميين البراءة وعدم إدراك الأمر، أن يأتي بوثيقة طبية تثبت تخلفه العقلي لكي نصدقه. فلا يوجد في الطيف السياسي الحالي شرفاء ولو بالحد الأدنى، سوى من كان بليداً!

الجزء الثاني سيكون بعنوان: " تسليم الإقليم أموال العراق لكردستان بلا مقابل – كيف يتم تغطيته إعلامياً وسياسياً؟ ج2" وسيكون عن تفكيك المراوغة الإعلامية التي تم نشرها، وتفكيك السياسات المتبعة لتوزيع مسؤولية الجريمة وإبقاء الشعب مشوشاً وأخيراً الخيارات التي يفرضها الحال المستحيل أمام الحكومة.

 

صائب خليل

...................

(1) عبد المهدي: كردستان العراق لم تسلم بغداد أي برميل نفط لكن سندفع رواتب الموظفين.

https://arabic.rt.com/middle_east/1023310-

(2) حل المشاكل مع كردستان - موسم قطاف الابتزاز

http://www.albadeeliraq.com/ar/node/1640

 

صادق السامرائيالأديان قٍوى تراجعية، بمعنى أنها تؤدي إلى تدحرجات ورائية وإبتعاد شاسع عن ركب الحاضر والمستقبل، فهي ذات زخم إرتجاعي متواصل الإنحدار إلى أسفل سافلين، بينما الدنيا تتسلق سفوح الأنوار المعرفية وتجني ثمار الإنجازات العلمية المتواكبة كالتيار.

ذلك أن الأديان ذات طبائع عقائدية منغلقة، وتميل إلى التعبير الأصولي والتخندق في دوغماتياتها الإنفرادية الإنغلاقية القاهرة لإرادة التفاعل والتحمل والإنفتاح.

وبما أنها عقائدية، فأنها ستعزز أوهامها بتكرارية متوارثة ومتراكمة عبر الأجيال، مما يجعلها ذات أتراس فولاذية وقدرات تنافرية هائلة تدفعها للتصادم الفتاك مع غيرها.

ولا يوجد في تأريخ البشرية نظام عقائدي إستطاع أن يتواصل في قيادة المجتمعات ويبني حياتها المتلائمة مع عصرها، بل أنها أحزاب وأديان وفرق وجماعات، تمكنت فدمرت وخربت وسفكت دماءً وجرّمت وكفّرت وأمعنت ببناء السجون والمعتقلات وأقبية التعذيب البشري والبلاء، وإستنفدت قدراتها السلبية فانكمشت وتهالكت.

وقد تعلمت البشرية من تجاربها المريرة الوحشية القاسية، أن عليها أن لا تشركها بإدارة شؤون الحياة، لأنها في جوهرها ضد الحياة ومن أشد الدعاة للموت وفقا لمنظورها العقائدي الفتاك.

ولهذا إتخذت من العلم منهجا لصناعة القوة والنماء وتحقيق السعادة البشرية الصالحة لإستيعاب تطلعات الأجيال، فأصبحت العلوم بفروعها ومنطلقاتها هي البوصلة المنيرة لدروب المسيرة، فتحرر العقل من أسر الأوهام، وأخذت التجربة دورها والأدلة قيمتها، وإبتدأت الحياة التي نعيش مبتدءات توثبها نحو آفاق علمية ومعرفية وإدراكية غير مسبوقة.

وتمكنت وتطورت المجتمعات التي تعز العلم وتساند العلماء، وتتخذ من التفكير العلمي سبيلا للتقدم والرقاء، وإندحرت المجتمعات المكبلة بالعقائد الدينية المانعة لفعل العقل وللسؤال والبحث عن الإنجاز والإقتدار.

ذلك أن الأديان بمفهومها التجاري والإستثماري تحث على التبعية الخنوع والإستسلام، وتجرد البشر من المسؤولية والحرية، وتجعله يتيقن بأنه رقم من الأرقام، وعليه أن يكون رهينة عند ألف دجال ودجال.

ومن هنا فأن المجتمعات التي يقبض على مصيرها ما يسمى بالأحزاب الدينية المعممة بالفساد، ستمضي متدحرجة إلى الوراء، وسينتفي فيها العلم ويُحتَقر العلماء، وستمعن بتأخرها وبلائها والدنيا من حولها تتقدم بإضطراد منقطع النظير، وهذا سيؤدي إلى صراعات داخلية مروعة مع توارد الأجيال المنورة بإرادة الحياة، التي تكشفها لها وسائل التواصل السريعة مع البشرية المتنعمة بالعلم والأمل، والتقدم العلمي والرقاء المدني المعاصر المشعشع الأضواء.

فهل سنعي أن الحياة العزيزة في العلم والتفكير العلمي، وأن الموت يتوطن جُبَبَ الأدعياء؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

صائب خليلفي هذه الأجواء المفعمة بالغضب الشعبي من الضربة الأمريكية وعدم وجود رد حتى شكلي من حكومة الخاضع عبد المهدي (او عبد الهادي)، ضجت وسائل الاعلام بعنوان ناري: "الصدر يطالب بغلق السفارة الأمريكية في العراق ويحذر من استهدافها"!(1) وقامت وسائل التواصل الاجتماعي بترديد صدى القنبلة بحماس شديد ودهشة. كذلك قام وزير الخارجية البحريني بإطلاق اكثر من تغريدة يهاجم بها الصدر بقسوة، وخلال ساعات من صدور البيان وكأنه كان ينتظره على تويتر!

تتوقع أن شيئا ما قد حدث، وأن التيار الصدري ربما عاد فعالا بعد ثمان سنوات من السبات. لكننا حين نقرأ البيان نصاب بصدمة! البيان لا يأتي على ذكر الضربة الأمريكية أبداً! ما هو سبب هذه الهبة إذن بعد طول رضوخ شامل للأحداث بلا رد فعل؟

نقلب على عجل، الكلمات التي ملأت صفحتين كاملتين، باحثين عن النص الخاص بالمطالبة بإغلاق السفارة، فنجدها في "خامساً"، ولكن بالشكل التالي: "غلق السفارة الأمريكية في العراق في حال زج العراق في هذا الصراع"! أي صراع؟ هل نسمي قصف الأمريكان للشرطة صراع؟ وزج من، وهم يقصفوننا؟ تقرأ فتدرك عندئذ أن هناك لعبة وأن هذا البيان قد لا يكون الا قنبلة صوتية كما خلت من قبله بيانات القنابل الصوتية منذ نهاية العقد الماضي!

دعونا نقرأ بقية البيان ونحلله بهدوء ونفصل منه ما كان مادة وما كان حشواً. من البيان لفتت نظري النقاط التالية (ويمكن القارئ قراءة البيان كله من الرابط المرفق).

بدءأً، يؤكد السيد مقتدى في النقطة الثانية على موقفه القديم من السعودية، والذي تصورنا انه يجب ان يكون قد تراجع عنه بعد الجرائم المتتالية للسعودية في اليمن وفي قنصليتها، واكثر من ذلك بعد الإعدامات الأخيرة التي لم تجف دماء ضحاياها بعد. ونقصد به موقفه حين قال: "السعودية اب الجميع ويسعى الى السلام"، والذي نتذكره بألم عند كل اعتداء سعودي على أطفال اليمن او صيادي السمك فيها او اية جرائم تقوم بها. لكن السيد مقتدى لم يشر إلى أي من هذه الأمور بل تحدث عن "السعودية التي تريد تقاربا مع الدولة العراقية"! ونلاحظ في مقارنة السعودية بإيران تحيزاً للأولى. فمقتدى يتحدث في الخاتمة عن "توقيع اتفاقية بين العراق وايران على احترام السيادة لكل من الطرفين" وكأن بين الطرفين حالة حرب او اعتداءات وخلاف على الحدود. أما حين يضيف السعودية ضمن المقترح فهو "لإضفاء أجواء السلام"!

في البند الرابع يريد السيد مقتدى تشكيل حماية للحدود من "الجيش والشرطة حصراً"!! وماذا يفعل الجيش المهول الذي نملكه حاليا إذن؟ ولماذا هذه الـ "حصراً"؟ لا يفهم منها الا استبعاد الحشد الشعبي وابعاده عن الحدود! ونزداد دهشة حين نتذكر ان الحشد يخوض صراعاً مع القوات الأمريكية حول التواجد على الحدود وقد حدثت حالات توتر عديدة خلال الأشهر الأخيرة، وقبل ضربة كركوك الامريكية.

البند السادس اعجب البنود طراً، يتقمص فيه السيد مقتدى سلطة لا تملكها لا الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن ولا اكبر قوة عظمى في العالم، فيطالب بوقف الحرب في ثلاث دول فوراً وتبديل حكوماتها فوراً ايضاً!! من هذه الدول اثنتان، تسعى أميركا وإسرائيل والسعودية بكل حماس لاستبدال حكامها منذ سنين دون جدوى، فسوريا واليمن تصمدان بوجههم، فلماذا يطالب السيد مقتدى بتحقيق ما يسعى اليه هذا الخندق الشرير "فوراً"؟ ولماذا أضيفت البحرين وليس فيها أي حرب، الا اللهم ما تشارك به من العدوان السعودي على اليمن؟ إنني لا أرى سبباً إلا ذر الرماد في العيون لكي يبدو البيان "متوازنا" فلا يظهر مطالباً فقط بإزالة الحكومتين التي تسعى اميركا لإزالتهما بكل السبل، وبكل ادواتها الخليجية. أما "وقف الحرب" فأميركا والسعودية اعلنتا مرارا وتكرارا انهما مستعدتان لوقف الحرب في اللحظة التي يتم فيها تبديل الحكومات، أي ان موقف السيد مقتدى، إن استبعدنا البحرين المضافة بشكل مفتعل، لا يختلف شعرة عن الموقف الأمريكي السعودي من هذه القضية!

البند السابع هو مطلب امريكي سعودي أيضاً، فهو يطالب نصاً بـ "انسحاب الفصائل العراقية المنتمية للحشد الشعبي وغيرهم من سوريا ورجوعهم إلى العراق فوراً وبلا تأخير"!!! اليس هو ذات المطلب الذي يحرص عليه كل سفير امريكي وسعودي وكل ممثل للأمم المتحدة في العراق وهم جميعا يتم انتخابهم من بين أصدقاء إسرائيل كما تدل صحائفهم الشخصية؟

يكمل البند السابع حديثه عن الحشد، فيقول "... فوجودهم يعني زج العراق بأتون الصراع أعلاه"!

إذن فالحشد (إن رفض العودة فوراً) هو من سيتهم بزج العراق "بأتون الصراع" ولن يكون ذنب السفارة الأمريكية، ولن نحتاج إلى إغلاقها ابداً!

نلاحظ أن كل المطالب المحددة والممكنة في البيان، هي مطالب الخندق الأمريكي ومشاريعه الخطيرة في المنطقة، وأن بقية الكلمات عن "الجار الإيراني اللطيف" واضافة "البحرين" مجرد حشو لإعطاء انطباع بالحيادية، بل أحيانا لإعطاء انطباع بالتحيز للخندق الإيراني أمام الخندق الأمريكي الإسرائيلي. حشو البحرين بهذا الشكل، طريقة إعلامية ناجحة بامتياز للتشويش على الموقف، استخدمت في مناسبات عديدة سابقة. فتظاهرت أميركا بمعاداة السيسي، ومطالبته باحترام حقوق الإنسان، ودفع الاعلام بعادل عبد المهدي إعلامياً إلى أحضان إيران وبدت أميركا وكأنها مشغولة بملاحقة الأمير محمد بن سلمان على جريمة خاشقجي .. الخ.

لكننا لو راجعنا مواقف السيسي، فلا يمكن ان نجد أي سياسي يمكن أن يخدم اهداف اميركا وإسرائيل بمثالية كما يفعل السيسي، حتى في إهانته المتعمدة للشعب المصري وتنفيذ كل ما تطلبه إسرائيل عسكريا واقتصاديا واجتماعيا. وينطبق الأمر ذاته على عبد المهدي – الهادي بالنسبة للعراق، ضمن الظروف الممكنة، وكذلك محمد بن سلمان.

فمن يريد ان يصدق ان أميركا يمكن ان تحارب هؤلاء من اجل حقوق الانسان فهذا شأن من يصدق ذلك، وإلا فلا يوجد أي سبب او حجة لتصديق وجود تلك العداوة الخرافية.

أما ما نصدقه نحن فهو ان تلك “العداوة” المسرحية تخدم طرفيها، وخاصة الأمريكي. فالسمعة السيئة لأميركا في العالم العربي، تجعل من المفيد لأي حاكم عربي ان يصبغ بصبغة العداء لأميركا. أما اميركا نفسها فستتمتع بسمعة كاذبة بأنها تقف مع حقوق الإنسان حتى ضد مصالحها. إضافة إلى ذلك، فهي لن تتحمل الكراهية التي ستثيرها في ذهن المواطن اعمال عملائها الإجرامية. لذلك كان القاء عبد المهدي على ايران ذو فائدة مضاعفة، رغم تنفيذه الحرفي للتدمير الأمريكي المخطط للعراق وخدمة ذيول إسرائيل في داخله (حكام كردستان) والمنطقة (الأردن ومصر). ولا بأس من القاء بعض العظم لإيران بشكل بعض الفوائد الاقتصادية والاتفاقيات، لتكون للصورة مصداقية اكبر.

وعلى ضوء هذا يمكننا تفسير حشر البحرين من قبل السيد مقتدى، رغم انه لا توجد فيها اية حرب، ولا مبرر لإدراج مطالبته بتغيير حكامها، حتى لو اعتبرنا الحرب مبرراً لمطالبته بتغيير حكومتي اليمن وسوريا. كذلك فأن سرعة رد الفعل البحريني على البيان مؤشر إضافي إلى هذه المسرحية.

نعود إلى البند الخامس الخاص بغلق السفارة، ووضع شروط مبهمة لذلك. ويبدو أن الغرض منه تشتيت الانتباه عن النقاط السلبية المحتوى في البيان، إضافة إلى دور هذا البند الإعلامي بتقديم العنوان المناسب للأخبار ليبدو البيان ثورياً بعكس مضمونه الحقيقي، ولكي يتخلص السيد مقتدى من الاتهامات الكثيرة بعدم الجدية في الوقوف ضد اميركا، والذي تزايد خاصة بعد التحدي الأمريكي بجلوس الجنود الامريكان تحت صوره وصور عائلته. وكذلك التناقض الذي كشفه إعلان رئيس الحكومة تباهي الصدر يوماً بترشيحه من "المستقلين"، حين قال انه لا يعتبر القوات الأجنبية لها علاقة بالسيادة، وهذا مناقض لموقف الصدر الرسمي. وبعد ذلك اختفاء الصدر فور إعلان التحالف الحكومي النية بتقديم مشروع قانون نيابي يطلب اخراج القوات الأمريكية. وأخيراً الاحراج الذي سببه تجدد الاعتداء الأمريكي على القوات العراقية مؤخراً، وتساؤل الناس عن رد الفعل، حتى داخل التيار نفسه!

لماذا اللجوء إلى البيانات الضخمة المستحيلة التحقيق، مثل إغلاق السفارة، ثم وضع شروط مائعة لا يمكن تحديدها، لتنفيذ ذلك؟ لماذا لا يطالب الصدر بدلا من ذلك، ومثل الآخرين، بطلب معقول وممكن ومهم لتنجب كل الويلات المتوقعة، أي سحب الجيش الأمريكي لننتهي من هذه المشكلة؟ لماذا التهرب من الممكن إلى ما هو تعجيزي وغامض الشروط؟

السيد مقتدى نفسه يلمح إلى استحالة تنفيذ تهديده، وهو حزين بسبب حاجة العراق الى كل من إيران وأميركا وهذا يسبب له الإذلال كما يقول. فالعراق لا يستطيع ان يستغني، برأي السيد مقتدى، عن الغاز الإيراني من جهة، وأرصدة العراق والعقوبات "الرعناء" من الجهة الأخرى. ولذلك "صار العراق خاضعاً ذليلاً بين المتصارعين"! (انظر مقدمة البيان).

ولنلاحظ هنا أولا أن السيد مقتدى يضع ايران وأميركا على خط المساواة في إخضاع وإذلال الشعب العراقي كما يقول، وهذا تجني كبير في المقارنة بين دولة دعمت العراق في حرب داعش وبين أخرى خلقت داعش ودعمته. بين دولة سلحت الحشد وأخرى قصفته مراراً. بين دولة ليس لها جيش احتلال (ولا غيره) في العراق وأخرى تحتله بشكل صريح وباعتراف السيد مقتدى نفسه.

 

بماذا تسيطر ايران على العراق؟ بالغاز؟ اللعنة على الغاز! الف من يبيعك غازاً، فتخلص من هذا الإذلال!

وماذا عن أميركا؟ الأرصدة والعقوبات؟ أين كانت الأرصدة والعقوبات حين قرر التيار قبل عشر سنين طرد المحتلين، ولماذا لم يكن يخاف عليها او منها؟ لا نفهم كيف يتخذ السيد مقتدى هذا الخطاب الضعيف. فإن كانت الحجج هي "التعقل" و "الواقعية" وهي الحجج المستعملة هنا عادة، فأين ذلك "التعقل" و "الواقعية" في المطالبة بوقف فوري للحرب في ثلاث دول ومطالبتها بتبديل حكامها فوراً؟

إنه خطاب غير صدري على الإطلاق، بل هو النقيض التام لما كنا نعرفه عن خطاب التيار الصدري حتى عام 2009، وكان خصومه هم من يردد هذه الحجج لمنع طرد القوات المحتلة وكان التيار الصدري هو المصر الوحيد والواضح الوحيد في الساحة! إنني لا افهم من هذا الخطاب إلا انه تهرب من طرد القوات الأمريكية، وما وضع إيران معها إلا لذر الرماد في العيون، وأما التحجج بالحاجة اليهما فهي ضعيفة بشكل مخجل.

إنها خيبة امل كبيرة أخرى، خاصة لمن كان مازال يضع آماله في التيار الصدري أو حلفائه. فبيان السيد مقتدى الصدر ليس كما كنا نرجو وكما فهم الجميع، رداً الضربة الأمريكية التي اغضبت العراقيين بشدة من الاحتلال ومن خنوع قادتهم. لم يكن هناك اية إشارة اليها. بل ان محتواه كان عبارة عن مطالب أمريكية أساسية وعديدة، وضعت بصراحة ووضوح يثير الدهشة والعجب. وإن افترضنا أن الضربة الأمريكية الأخيرة في كركوك ليست حركة مفردة طارئة، بل تمثل بداية حملة عدوانية أمريكية لحسم أمور الحدود والحشد في العراق لصالحها، وإعلان حرب على معارضي الأمريكان في العراق، فسيبدو بيان السيد مقتدى اقرب إلى ان يكون امتداداً لتلك الضربة واهدافها، وليس رداً عليها.

 

صائب خليل

......................

(1) الصدر يطالب بغلق السفارة الأمريكية في العراق ويحذر من استهدافها

https://baghdadtoday.news/news/82489/

 

 

صبري الفرحانالرسالة الاولى: حزب الدعوة الإسلامية ما بين الوصية الأولى والتقييم الأخير

بعد إن رأى السيد الشهيد محمد باقر الصدر طهرت روحه الهجمة الإجرامية الشرسة لحزب البعث العربي الاشتراكي بشقيه(1) البريطاني بقيادة احمد حسن البكر والأمريكي بقيادة صدام (2)، أطلق كلمته المشهورة وتعتبر الوصية الاولى: اوصيكم بالدعوة خيرا

ووصف حزب البعث بالكافر، وتناقل الشارع العراقي المقولة: لو كان اصبعي بعثيا لقطعته (3)

 نشط حزب الدعوة في نهاية الستينات وبداية السبعينات وانتشر انتشارا واسعا في العراق لدرجة ان كل من كان يصلي او له نوع من التوجه الديني يقال له حزب دعوة، ومن معتقله اطلق طاهر يحيى (4) التقيم الاول لحزب الدعوة في سنة 1975 مخاطبا كادر الدعوة الذي كان معه في معتقل الافضلية

لقد دخلتم التاريخ

 في إحصائية خاصة بحزب الدعوة في 1980م ان هناك 180 الف شابه وشاب جامعي وهذا جزء من جمهور الدعوة وألا جمهور الدعوة أكثر من هذا بكثير إذ امتد الى كل قطاعات المجتمع من التجار، الكسبة المهنيين العمال الموظفين الفلاحين العسكريين ...والا المنتمي يعد اعداد خاص ويعرض الى امتحان واذا نجح في الامتحان يضم الى صفوف الحزب(5).

ولم يكتفي حزب البعث باصدار قرار إعدام كل من ينتمي الى حزب الدعوة والقرار رجعي (6) بل زج بكل جمهور الدعوة في السجون وقال صدام حسين كلمتة 1982 وما آدراك ما 1982 ومن قفص الاتهام خاطب احد المتهمين مسلم الجبوري(7)

 قائلا: انتم دخلتم القصر الجمهوري بدبابة واحدة وعدد البعثيين لا يتجاوز المئه في العراق كله كيف ونحن الماثلون إمامك أكثر من مئة شخص من قضاء واحد وكلنا ننتمي لحزب الدعوة هذا يعني عدم بقائكم في السلطة.

 أجاب الجبوري: كعادته بالسب والشتم وحكم قسم منهم بالاعدام والباقي بالسجن المؤبد وقلة قليلة بالسجن بمدد تتراوح من 5 الى 15عام، وأفرج عن 2 منهم .

وقبل هذا التاريخ بقليل قررت قيادة حزب الدعوة الخروج الى خارج العراق، وان كان قد خرج قسم من كوادره في السبعينات الى خارج العراق، وخرج جل جمهوره الى الخارج بعد فشل خطة حزب الدعوة لفصل البصرة وتأسيس جمهورية إسلامية فيها ويبدأ الزحف باتجاه بغداد، التي اشرف على تنفيذها الدكتور شاكر صيهود تشرين الاول - 1980 كخطة استباقية قبل ان ينهي صدام كادر وجمهور الدعوه

وهذه اول مرة تفشل خطة حزب الدعوة فشلا ذريعا. اذ يشهد لحزب الدعوة (8)

- انه ثاني اقوى تنظيم في العالم بعد الجيش الايرلندي السري

- انه كان المثل الوحيد للحركة الاسلامية في العراق وان كان هناك هامش تحتله منظمة العمل الاسلامي التي يشرف عليها السيد محمد مهدي الشيرازي طهرت روحه

- ولم يسجل اي خرق امني في صفوفه لحين خروج قيادته الى الخارج

- وكانت نسبة النجاح في اغلب خططه تفوق ال70% قبل خروج قيادته الى الخارج

بعدها توالى الفشل

1- فشل حزب الدعوة باقناع ايران انه هو الممثل الشرعي للمعارضة الاسلامية العراقية

2- فشل بدخوله الى المجلس الاعلى للثورة الاسلامية اذ لم يحل نفسه ويندمج في المجلس ولم يبقى كيانا خارج المجلس.

3- فشل في استيعاب اختلاف الاراء ضمن كوادره مما ادى الى انقسامه خسمة اقسام

- مؤتمر الصدر

- مؤتمر الحسين

- حركة الدعوة

- خط ولاية الفقيه

- الدعاة المستقلين

4- فشل باحتواء كوادره مما ادى الى خروج عدد غير قليل من صفوفه واعتزال العمل الحزبي

5- فشل باحتواء السجناء السياسين الخارجين من معتقلات البعث الظالم الذين سجن اغلبهم بتهمه الانتماء لحزب الدعوة واختصر تضحياتهم بكلمة قالها الشيخ محمد مهدي الاصفي في لقاء مع بعض السجناء السياسيين: كانت تضحيتكم لله فاثابكم الله

منطوق العبارة خيرا ومهفومها تخلي الحزب عنهم

لذا عاتب ابو علي خليل السعدون رحمه الله الذي قضى اكثر من عشر سنون في سجن ابوغريب كادر الدعوة سجنت من اجلكم ولكن طوال العشرة اعوام لم يطرق احد الباب على عائلتي لم اكن محتاج المال ولا الوجاهها ولكن ينم عن عدم وفائكم

6- فشل باحتواء التيار الصدري الذي يعد الجيل الثاني للدعوة اذ خاض تجربة جديده بعد ان قطعه اجرام البعث عن الجيل الاول

7- فشل بعدم السيطرة على الخروقات الامنية وفي احصائية ان 16 مجاهدا دخل الحدود بمهام مخلتفة من ايران كان 14 منهم اما مرصودا او عميلا واربعة فقط مخلصين وغير مرصودين ووقع 3 منهم في ايدي سلطه البعث واحد فقط استطاع تنفيذ مهمته بنجاح، وباتت صور معسكرات التدريب لدى المحققين في مديريات الامن بان حكم البعث

8- فشل اذ لم يدعم حركة السيد الشهيد محمد صادق الصدر(طهت وحه) وان بررها كادر الدعوة انهم ساندوها والحقيقة انهم وقفوا متفرجين وصرح الاستاذ نوري المالكي عندما كان مدير مكتب الدعوة في سوريا:

لقد اعطينا اوامرنا الى العاملين في العراق عدم التعامل مع اي من الحركات العاملة للحفاظ على سرية عملنا واللحد من الخروقات الامنية

9- فشل بعدم العمل بخطة واضحة للاطاحة بتجربة البعث في العراق وعندما سُلم تقرير تحت عنوان [العراق شعبان2001 ] الى الاستاذ نوري المالكي عام 2002يشرح التقرير كيف يمكن تحريك الشارع العراقي والخروج الى الشارع للاطاحة بصدام حسين بخطة اشبه بما حدث في الثورة التونسية الاخيرة، اكتفى بوضع خطوط بالحبر الاخضر تحت بعض السطور ونشر بعض الاخبار الواردة في التقرير في جريدة الحزب (الموقف) التي تصدر في سوريا تحت عنوان مصدر خاص، حتى لو قيل ان الحزب يعمل بمخططه الاول، فهو فشل ايضا لانه يعني عدم وجود المرونه الفكريه لدى القياده وعدم وجود التكتيتك الناجح في حالت ارباك الخطه من قبل العدو او الظروف المحيطه

10- فشل بعدم الاهتمام بكادر الدعوة الخارج من التنظيم لدرجة ان مكتب الدعوة في سوريا كان يشتري الخبر من السواق القادمين من العراق ووصل سعر الخبر الواحد 100دولار ولا يسمعه مجانا من الفارين من جحيم صدام حسين من الدعاة الذين اصبحوا خارج التنظيم

11- فشل بعدم وجود بعد النظر واستشراف المستقبل اذ ان اغلب كادر الدعوة الموجودين على قمة الهرم الان لا يملكون بعد النظر الذي يملكة الكادر الاقدم الذي كان يرى المستقبل ال 20 سنة او 30 سنة قادمة .

وكمثال انه عندما وجه سؤال الى استاذ نوري المالكي عن مستقبل العراق وبعد ان نعذرة ان السؤال كان في محفل عام ولابد من السرية في العمل لم يجب الا بضبابية تامة لاتنم عن بعد نظر وحسن استقراء للواقع

12- فشل في التعامل مع الخطة الأمريكية لدخول العراق وإسقاط تجربة البعث، إسقاط صدام حسين، اذ أعلن انه خارج الخطة الامريكية فما كان من المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق العدو الّدود للدعوة ان وزع قصاصة ورق في سوريا تحمل خبر مفاده اجتماع سري بين وفد من حزب الدعوة وبعض المسؤولين الامريكين المشرفين على خطة دخول العراق

 13- فشل في اتخاذ موقف ثابت من دخوله او عدم دخوله في العملية السياسية في العراق اذ صرح اكثر من مسؤول في حزب الدعوة قبيل سقوط بغداد ان الحزب لا يدخل العملية السياسية وقالوا نحن لنا الشارع.  واضاف الاستاذ المالكي

انه اي حكومة تاتي بعد صدام حسين ستكون فاشلة

وبمجرد سقوط العراق كان حزب الدعوة عضو فاعل في مجلس الحكم لذا ظل يردد الكلمة الدكتور الفلسطيني ابراهيم الغزاوي رحمه الله: نحن لنا الشارع

14- فشل حزب الدعوة في السيطرة على التناحرات بين كوادره وظهرت على شاشات التلفزيون وفي المواقع الالكترونية والصحف ....فموقع الوسط الاكتروني للدكتور سليم الحسني وتصريحات ومقابلات الاستاذ عزة الشابندر صاحب كراس الفكر العميق الذي وزع في السبعينات و مقالات الدكتور علي التميمي وغيرها كثير

15- فشل حزب الدعوة في استقطاب الشارع العراقي وبقى صدريا وظهر حتى على اقوال مسؤوليه ومنها ما خاطب به الاستاذ وليد الحلي عندما قابله احد السجناء السياسين المعتزلين عن العمل السياسي من اجل قضية شخصية، قال الحلي نحن مشغولون بالسلطة.

16- فشل في عملية التوظيف(9) الثانية بعد 2003 بعد نجاحه في عملية التوظيف الاولى 1980 لذا شاع عن حزب الدعوه او قيل ان اغلب اعضاءه بات علمانيا او ان حزب الدعوه ضم البعثين الى صفوفه لدرجه ان قسم من كادر الدعوه اعلن استقالته لهذا السبب.

عملية التوظيف الاولى

في 1980 عندما اضظر حزب الدعوة لمواجهة السلطة بسبب انتصار الثورة الاسلامية في ايران التي الهبت الحماس في الشعب العراق فكان كادر الدعوة متدينا ومسلما لدرجة لايستطيع ذبح دجاجة او لا يتعلم احدهم السياقة خوفا من ان يدهس احد في المستقبل لذا لجاء حزب الدعوة بتوظيف الشقاوات فاقنع البعض بالتوبه الى الله وعلية ان يواجه السلطة الظالمة لنصرة المضلومين فهو يحتاج الى تدين ولا يحتاج الى الجرءه وسفك الدماء فابلى ابو سبع وعبد وايلس وكاظم المعيدي وخالد فضل بلاء حسن وكانوا يديرون اوكارا مسلحة واربكوا البعث وعنجهية صدام حسين .

علمية التوظيف الثانية

2003 عندما احتاج حزب الدعوة باادخل قسم من الرفاق لخبرتهم في ادارة الدوله ودبلماسيتهم فما في قلبه لايظهر على وجهه

وعليه اختلف سماحة السيد فضل الله بوجهة نظره عن وجهة نظر حزب الدعوة وان بقى الى اخر نفس فية مع الدعوة وقال كلمته التي تعتبر التقيم الاخير من قائد من قادة الدعوة ومواكب لمسيرتها لاكثر من نصف قرن: الدعوة الرجل العجوز فارحموه

قد ينفي الدعاة هذا القول بالدليل والحجة القاطعة ولا ضير. فالاسالة المطروحه

س1: يجير حزب الدعوة لصالح شخص او محافظة او مجموعة او عصابه؟

س2 هل تصادر امريكا حزب الدعوة لصالحها على يد احد رجال حزب الدعوة كما صادرت حزب البعث على يد صدام حسين؟

س3: هل تعتلي القيادة طبقة دكتاتورية اشبه بما حدث بثاني ثورة شعبية في العالم وهي الثورة الروسية؟

س4: هل الحزب ياكل ابناءه كما حدث بثالث ثورة شعبية في العالم وهي الثورة الايرانية اذ صرح الشيخ المنتظري طهرت روحه بذلك

الثورة تاكل ابناءها

س5: هل يرتب الحزب صفوفه كما رتبت اول ثورة شعبية في العالم الثورة الفرنسية صفوفها فصف الخبرة الشيبة وصف المهام الصعبة الرجال وصف العنفوان والتجديد صف الشباب

س6: هل يستجيب الحزب للصرخات او المشاريع او الرسائل او الدعوات او المحاولات من الدعاة الذين باتوا خارج الحزب؟

س7: هل ينتفض الصف الاخير من هيكل الدعوه القديم، الذي يمثل الكادر الوسط في هيكل الدعوه الجديد، لاازاحت المتعنتين من القيادة بمؤتمر اعادة بناء وتغير النظام الداخلي؟

س8 هل يشكل حزب جديد من كادر الدعوة الذي احصى الاخطاء على الحزب ليشكل ورقة ضغط على الحزب؟

 كما شكل بعض من طلبة جامعة الحلة البعثيين حزبا جديد في 1981 ومن زنزانات الامن العامة عندما سال ضابط التحقيق احد القياديين في الحزب الجديد

ظابط التحقيق: كلكم بعثيون لم هذا التنظيم الجديد !

القيادي في حزب جامعة بابل: كتبنا التقاريرا في اخطاء الحزب فلم نجد اذن صاغية لذا اسسنا هذا الحزب ليشكل ورقة ضغط على حزب البعث !

س8: هل لا يخرج الحزب من التابوت الذي دق صدام حسين اخر بسمار في نعشه عام 1982 ويكون في ذمة التاريخ كالاف الاحزاب التي ماتت؟

لا اله الا الله

 

صبري الفرحان

..................

1- إما الخط العربي الأصيل فتمت تصفيته في الثورة التصحيحية 30 تموز 1969م وبقى يمثله إفراد لا حول لهم ولاقوه وهذا ما ذكرهم به السيد الشهيد محمد باقر الصدر طهرت روحه عندما زاره وفدا من حزب البعث إذ قال لهم إن الحزب أساء حتى إلى كوادره.

 2- ثقافتنا - نحو ثقافة اسلامية واعية- للأستاذ الشهيد عبد الكاظم عبد الله

3- احيانا تنسب الى الشيخ الشهيد عارف البصري رحمة الله

 4- طاهر يحيى محمد عكيلي الدهامشي 1913 - 1986 رئيس وزراء العراق لفترتين إبان حقبة الستينيات من القرن العشرين في عهدي الأخوين الرئيس عبد السلام عارف الجميلي والرئيس وعبد الرحمن عرف الجميلي الموسوعة الحرة ويكيبيديا

5- هذه طريقة الاحزاب السرية آن ذاك

6- اي كل من ينتمي مستقبلا ام انتمى سابقا

7- المجرم رئيس محكمة الثورة حتى منتصف 1982م

8- ثقافتنا - نحو ثقافة اسلامية واعية- للأستاذ الشهيد عبد الكاظم عبد الله

9- مصطلح حزبي قد لا يعرفه قسم من كادر الدعوه وهو ادخال عناصر لم يعدها الحزب مسبقا ولاتنطبق عليها شروط الحزب للضرورة لا اختراقا، وهذه العمليه اعترض عليها مشيل عفلق عندما لجئ اليها حزب البعث العربي الاشتراكي (راجع في سبيل البعث) لمشيل عفلق اذ يذكر [هذا يعني نقل اخطاء الشعب الى الحزب]

 

بقلم: صبري الفرحان

 

 

 

عبد الخالق الفلاحالمبادرة الاميركية لتسوية الصراع الفلسطيني مع الكيان الاسرائيلي او مشروع محاولة تبخير فلسطين على يد الولايات المتحدة والصهيونية "الصفقة" والتي تحوي ما مضمونها إقامة دولة فلسطينية جديدة على أراضي قطاع غزة، والضفة الغربية (باستثناء الأراضي المحتلة التي تضم مستوطنات إسرائيلية قائمة)، أو ما يعرف بـ "صفقة القرن"، والتي كانت موضع نقاش منذ سنوات عديدة، بدأت بالظهور شيئا فشيئا وهي وصمة عار في جبين الذين يسعون اليها وسط تمسك الشعب الفلسطيني بثوابت لا تشملها الخطة الأميريكية التي تعتمد على الحلول الاقتصادية انما الحوار والعودة الى حدود الرابع من حزيران عام 1967  وفق القرارات الشرعية الدولية ومبادرات السلام  ولا تريد الإقرار لان حل القضية الفلسطينية يجب أن تبدأ بالمسائل السياسية قبل الاقتصادية وهذا واقع بأن الرئيس ترامب يعتقد انه  سيعالج كل القضايا الجوهرية بما فيها القدس واللاجئين كما يقول. ولن ترى صفقة القرن النور و تسوية هذا النزاع من دون حوار امر غير ممكن وان اميركا تعيش التخبط وتفتقر للدراية والنظرة الثاقبة في هذه القضية. والكثير من الاخفاقات التي تعيشها في الوقت الحالي بسبب سياسات الرئيس دونالد ترامب المتهورة . كما أن الأمل في الدول العربية "أصبح مفقوداً بشكل تام وخصوصاً ونحن نشهد التواصل العربي مع الإسرائيليين باستمرار ومنهم الانظمة المسوقة للصفقة (السعودية ومصر والبحرين والامارات المتحدة) اما الاردن "مفروض" عليه للمشاركة في إنقاذ "صفقة القرن"، حسب اعتقاد واشنطن وهو ما ترفضه عمان لان، الصفقة لا تخلو من تداعيات سلبية على التركيبة السكانية للأردن إذا تضمنت تجنيس الفلسطينيين أو "فرض" اتحاد كونفدرالي أو اتخاذ الأردن وطنا بديلا وهناك دول خلف الستار تنتظر النتائج و الذي لا يمكن الوثوق بهم في دعم الشعب الفلسطيني وهم من اوائل المتصالحين مع الاحتلال"،  في حين تسعى الإدارة الأمريكية لتهدئة مخاوف الحكومة الاردنية، "على اعتبار أن الصفقة لن تضر بالمملكة، ولن تحولها وطنا بديلا للفلسطينيين، فيما يدير الملك مناورة سياسية بهدف تقليل أضرار الصفقة ببلاده".

ولاشك ان معركة النفس الطويل التي يخوضها الفلسطينيون في مسيرات العودة التي انطلقت في ظروف غاية الصعوبة وهذا النبض الحي في الشعب الفلسطيني منذ هبة (موسم) النبي موسى في 1919 وحتى الآن خير سلاح بمجابهة الأفكار المطروحة من ترامب بما يُعرف بهذه الصفقة "، وساهمت هذه المسيرات  بإعادة الحياة من جديد للقضية الفلسطينية وتكون في مقدمة الأجندة العربية والاسلامية.

أن استمرار بث الإشاعات والتسريبات حول ما يسمى ملامحها التي تتحدث عنها الإدارة الأميركية، إضافة إلى الاستمرار في محاولة إيجاد أطراف إقليمية ودولية تتعاون مع بنود هذه الخطة هي محاولات فاشلة ستصل إلى طريق مسدود، لأن العنوان لتحقيق السلام العادل والدائم هو القيادات الفلسطينية  التي تؤكد أن أية طروحات تتعلق بالمسيرة السياسية يجب أن تكون على أساس أي خطة سلام لا تتضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها كامل القدس الشرقية على حدود عام 1967 سيكون مصيرها الفشل . وما يخص المخططات المسربة سابقا، والخاصة بقطاع غزة، فهي تتطابق مع ما نشرته الصحف الإسرائيلية، حيث قالت بأن مصر ستبني مطارا، ومصانع، ومناطق تجارية وزراعية في سيناء، بهدف تأجيرها إلى دولة فلسطين الجديدة.. في الوقت الذي سيُمنح فيه أهالي غزة أراض قاحلة من شبه جزيرة سيناء المصرية، تضم إسرائيل غور الأردن، الواقع بين بحيرة طبريا، والبحر الميت، على أرض بطول 105 كم وعرض 10 كم، وتعد من أخصب الأراضي الزراعية لارتفاع درجة حرارة الطقس ورطوبة المنطقة. يبدو أن إسرائيل تلقت في مشروعها هذا الدعم من الولايات المتحدة، ومصر، ودول الخليج العربي، التي دست رأسها في الرمال ومن المتوقع أن تكون محاولات لاجبار الفلسطينيين على القبول بهذه المواد أو مواد أخرى شبيهة. والصفقة تعني المساومة على إنسان الأمَّة، وأرضها، ومقدَّساتها، ودينها، ووحدتها ورأيُ الأمَّة العربيَّة والإسلاميَّة هو الرفض والشجب والمواجهة لكل من يرفع صوته مع هذه الصفقة.

وتبقى الشعوب الحرة والمقاومة والمدافعة يرفضون الصفقة ، ويتبرأون ممَّن يعمل على تنفيذها، وتسهيل الطريق أمامها، ويتجاوز إرادتهم وموقفهم المضاد لها. ومعهم شعوب الأمَّة العربيَّة والإسلاميَّة يصرون على الرفض والشجب والمواجهة لكل من يرفع صوته مع هذه الصفقة ، والحكم عليها من الأمّتين لأنها تصفية ظالمة للقضية الفلسطينية، ومؤامرة خطيرة على الأرض والإنسان والمقدّسات، والحاضر والمستقبل. وإنَّ القضيةَ قضيةُ أمّةٍ بكاملها، لا يمتلك الكلمة فيها إلا من يملك تمثيلها بكاملها -في حربها، وصلحها، والشأن العام لها- كما هو الثابت. وصفقة القرن ما هي إلا واحدة من جرائم ومؤامرات من أجل تقوية الكيان الاسرائيلي أمنياً واقتصاديا على حساب الأردن والسلطة الفلسطينية، وصولا لتحقيق سلام اقتصادي دون حل المشاكل الأساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي".هذه هي الواقعة التي ارتكبت في حق القضية الفلسطينية لأحباط الإرادة الإيمانية للأمة ووعي أبنائها وصمودهم وشراسة مقاومتهم، فلن تجد هذه الصفقة إلا الفشل الذريع، ولن تحقق إلا العار والشنار لمن يلهث وراءها وقد كشف تسجيل صوتي مسرب لوزير الخارجية الامريكي مايك بومبيو يعلن فيها ان خطة الرئيس دونالد ترامب فاشلة وغير قابلة للتنفيذ .

ان الامة الاسلامية كلها مستهدفة في هذه الصفقة يراد منها محاولة تمزيق الشعوب كما حصل ضد سوريا وقبلها العراق واليمن وليبيا وفشلت تلك المساعي وجوبهت بمقاومة شعوبها .اذاً ان استنهاض الأمة، والعمل على وحدة شعوبها بكل تياراتها السبيل الاساسي لانهاء هذه الصفقة وافشالها في مهدها وهي بيد الشعوب لا الحكومات المتواطئة والمنبطحة وهذه المرحلة هي مرحلة اختبار ارادتهم الحقيقية ،أمام مرحلة تسوية بل أمام مرحلة تصفية”. لقضايا الامة المهمة والسيطرة على كل مقدراتها .

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

تجمع عشرات الآلاف من المتظاهرين في ساحة الطرف الأغر وسط العاصمة البريطانية لندن للتعبير عن إحتجاجهم على الزيارة التي يقوم بها حاليا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الى المملكة المتحدة. تجمع حاشد نظمته جماعات بريطانية مدافعة عن حقوق الإنسان وأخرى معارضة لتجارة الاسلحة وللحرب وأخرى مدافعة عن البيئة، وفي مقدمتها تحالف اوقفوا الحرب وحملة مناهضة تجارة الأسلحة ومدافعون عن حقوق المراة والمهاجرين ومعارضين للأسلاموفوبيا.

أطلق المنظمون على هذا التجمع اسم ”مهرجان المقاومة“ في منطقة خالية من ترامب!    ليتحول الى تظاهرة حاشدة مرّت بالقرب من مبنى رئاسة الوزراء حيث كان ترامب يتباحث مع رئيسة الوزراء المستقيلة تيريزا مي قبل أن يعقد مؤتمرا صحفيا لاحقا. رفعت اللافتات وأطلقت الشعارات  المندّدة بسياسات ترامب العنصرية وبعدم إكتراثه للتغييرات المناخية التي تهدد هذا الكوكب وبعزمه شن الحرب على ايران وبدعمه لخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، فيما أطلقت دمية كبيرة في الهواء تمثّل ترامب، و وضع شخص متنكر وجه ترامب في قفص قرب مبنى البرلمان وكتب عليه ”الغوريلا ترامب“ فيما طاف الشوارع عمل فني كبير يظهر ترامب وهو جالس يقضي حاجته فوق كوكب الأرض.

كان الشعار الأبرز هو ”ترامب.. إنك غير مرحّب بك“  وألقى زعيم المعارضة العمالية جيرمي كوربن كلمة حماسية وسط الحضور موجّها كلامه لترامب قائلا“ إنني أسعى لعالم يسوده السلام، حيث لا تحل مشاكله بالحرب ولكن بفهم التاريخ“. هذه التظاهرة الحاشدة التي يندر حصولها إحتجاجا على رئيس دولة أخرى ، أثبتت مرة أخرى بان الضمير الشعبي البريطاني حيّ وان الصوت المعارض للحروب ولصناعة  الأسلحة يتصاعد يوما بعد آخر.

تظاهرة دافعت عن قضايا العرب والمسلمين وسط حضور وللأسف خجول لأبناء الجاليتين العربية والإسلامية ، حيث ارتفعت أعلام فلسطين بأيدي بريطانيين  وأوروبيين، وكذلك اللافتات المندّدة بالإسلاموفوبيا وبالتلويح بالحرب في الشرق الأوسط.

إن هذا التغيير في المزاج الشعبي البريطاني من القضايا الدولية ومن سياسات الأحزاب المحافظة يوحي بان التغيير قادم على الصعيد السياسي أيضا، وكل ذلك يتوقّف على الإنتخابات المقبلة التي دعا حزب العمال الى تنظيمها باكرا لتضع حدّا للفوضى التي أدخل حزب المحافظين الحاكم البلاد فيها بعد ان أجرى إستفتاءا شعبيا حول خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي لكنه فشل في تحقيق الخروج بعد ان ادرك مدى خطورته وعظم الآثار السلبية المترتبة عليه.

وتظل الآمال معقودة على الزعيم جيرمي كوربن الذي التقيته وتحدثت معه عدة مرات في جنيف ولندن حيث يؤكد في كل مرة على معارضته للحروب وللسياسات الإستعمارية علّه يفتح صفحة جديدة في مسار السياسة البريطانية تراعي فيها المملكة المتحدة مصالح الشعوب قبل الأنظمة وتكون الأولوية فيها لحقوق الإنسان وليس لعقود التسلح مع الأنظمة القمعية التي تشن بها الحروب كالحرب على اليمن التي دخلت عامها الخامس على التوالي. كان يوما مشهودا في لندن عكّر صفو زيارة ترامب ورسّخ الحضور الشعبي المناهض لكافة السياسات المعادية للأنسان والمدمّرة لهذا الكوكب.

 

ساهر عريبي

 

ميلاد عمر المزوغيمنذ نصف قرن استكمل العدو سيطرته على كامل تراب فلسطين بما فيها الأماكن المقدسة، شغلنا انفسنا بأشياء اخرى في محاولة للهروب مما آلت اليه الامور، تعلمنا الاتجار في كل شيء، بما فيه، المتاجرة بالعرض، لم نعد نأبه بالكرامة، وصل الامر بنا الى بيع اوطاننا للغير، تنازلنا عن ديننا، دخلنا في اديان اخرى، بل اصبحنا ملحدون، فالرب لم يعد الرب المعهود، نصبح ونمسى على افعال يتبرأ منها الشيطان، فجرائم شياطين الانس تعجز الشياطين مجتمعة عن فعلها.

سنوات عجاف مرت على امتنا العربية، قاتلنا بعضنا ولا نزال، والينا اعداءنا، استنجدنا بهم لإذلال بعضنا. بفضل زعمائنا السياسيين والكهنوتيين ومشايخ واعيان قبائلنا الميامين، عشنا بعضا من ايام الفيل، رأينا الطيور الابابيل وهي تصعق بعضنا بأحجار ليست من سجيل، كبّرنا وهللنا واعتبرناه يوم الفتح المبين، اتخذناه عيدا لنا، صرنا نستنجد بآلهة العصر، برنار، حمد، اردوغان وساركوزي وغيرهم عند الشدائد، بعض الالهة قضى نحبه (السياسي) ومنهم من ينتظر.

الشرفاء من ابناء الامة لم يرضخوا لما تخطط له النفوس المريضة الحاقدة، التي ساهمت في سقوط آلاف القتلى والجرحى، ملايين المشردين بالداخل والخارج، قرر هؤلاء الشرفاء المضي قدما في محاربة الفكر التكفيري الذي لا يقيم وزنا للنفس البشرية، بعد ان انكشفت الاعيب من يدعون الاسلام.

التحمت الجماهير مع من اراد تحريرها وفك اسرها من العصابات الاجرامية، فكان السقوط المدوي لحكم الاخوان في مصر والذي لم يستمر طويلا، فكانت بداية النهاية لسقوط الاخوان الذي شكل دافعا للأحرار في دول "الربيع العربي" لمواصلة النضال ودحر العصابات الاجرامية، لقد ضاقت الارض على المجرمين بما رحبت، تخلى عنهم غالبية من كانوا يدعمونهم فالمساعدات لم تؤتي اكلها بل اصبح المجرمون عبئا على الدول الداعمة لهم ما الّبت الرأي العام على حكام تلك الدول.

 لقد لاحت بارقة امل لهذه الامة المنكوبة بعد سنين العسرة، فانتصار الشعب المصري لإرادته بفعل جيشه المغوار يبعث على الفرح وقد طوى المصريون صفحة الاخوان الى غير رجعة، اما اخوان تونس فإنهم يداهنون الشعب لأجل الاستمرار في السلطة ولكن حتما سيرحلون كما رحل حكم الاخوان في السودان، اما إخوان ليبيا المسيطرون على مقاليد الأمور بفعل السلاح واستجلاب المرتزقة فإنهم قاب قوسين او ادنى على الرحيل بفعل ضربات اجيش الوطني والقوى المساندة له من كافة انحاء البلاد.

هنيئا للشعب المصري بإزاحة حكم الاخوان، المستقبل سيكون زاهرا بإذن الله، صمود شعوبنا العربية غيّر المسارات التي رسمت لتدمير الامة العربية، هنيئا للوطنيين في كافة انحاء عالمنا العربي لما بذلوه من تضحيات لقد تحطمت على صخرة الصمود مخططات الاعداء وأتباعهم من العرب وما هم بعرب.

على شعوبنا ان تتخذ من الذكرى الاليمة منطلقا لاسترداد ما اخذ منها عنوة ولن يتأتى ذلك إلا ببناء القوة العسكرية وتنمية الموارد الاقتصادية التي تغذي المجهود الحربي.لمحو ما لحق بالأمة من عار وذل وهوان، فالجماهير قادرة على صنع الاحداث والانتصارات، فالجراح ستضمد والمؤسسات ستفعّل والوطن سيبنى من جديد، وستلاحق لعنات الشعوب الحكام الذين اذلوها وشيوخ الفتنة الذين سببوا المآسي للأمة. 

 

ميلاد عمر المزوغي

 

أضحك من كل قلبي وأنا أتابع عن كثب التصريحات النارية بشأن ضرورة ملاحقة أسلحة اﻷطفال البلاستيكية وتجارها برغم إقراري التام بخطورتها وعديد الإصابات المهلكة التي تتمخض عنها سنويا وباﻷخص في اﻷعياد والمناسبات اﻻ أنني أتساءل كما في كل مرة " إذا كانت هذه اﻷلعاب الخطيرة محظورة على وفق القانون والكل يطالب بمنعها، فيا ترى كيف تدخل الى البلاد إذا، كيف تباع في الشورجة وجميلة على عينك ياتاجر، كيف تعرض في المولات واﻷسواق العامة ليبتاعها اﻵباء بإلحاح من أبنائهم ممن يفضلونها على جميع اﻷلعاب اﻷخرى تقليدا للعراضات والنزاعات العشائرية العراقية التي تستخدم فيها مختلف أنواع اﻷسلحة بضمنها اﻷحاديات والثنائيات والرباعيات والراجمات والهاونات والقاذفات، علاوة على أفلام اﻷكشن اﻷجنبية واﻷلعاب اﻷلكترونية وفي مقدمتها البوب جي والفورتنايت، فضلا عن النشرات الإخبارية التي يراق من جراء عنفها اللامتناهي وبراميلها المتفجرة وسياراتها المفخخة يوميا على جوانب التلفزيونات..الدم ؟ !"

ومابال أسلحة الكبارالحقيقية، بل قل ترساناتها المكدسة وبعضها يفوق ترسانات الجيش والشرطة نوعية وعددا بإعتراف كبار قادة اﻷجهزة اﻷمنية وضباطها وفي أكثر من تصريح متلفز ومؤتمر صحفي عقد لهذا الغرض، أليست تلكم اﻷسلحة التي تباع ويتم تناقلها بعتادها وقطع غيارها في أماكن معروفة حرية بالملاحقة أيضا أسوة بأسلحة ..الزعاطيط البلاستيكية، أم أن شعار " يد بيد، لاسلاح باليد " مجرد هواء في شبك شأنه في ذلك شأن - همبلات - مكافحة الفساد والاصلاح والنزاهة وإعادة البناء وإعمار المناطق المدمرة التي صدعوا بها رؤوسنا منذ عقد ونيف وحالنا معها حال من يسمع جعجعة تصم اﻵذان طوhل النهار وﻻ يرى طحينا يأكل منه وعياله خبزا آخره ؟!

وأعجب أكثر حين يطالب عضو بارز أو نائب عن حزب ما بمنع تداول اﻷسلحة البلاستيكية وملاحقة مستورديها، ويتناسى عن قصد اﻷجنحة المسلحة التابعة لحزبه زيادة على أفراد حمايته ومواكبه المدججة بالسلاح التي تذرع الشوارع وتروع اﻵمنين وتنغص عيشهم ليل نهار !

وهنا لايسعني إﻻ أن أعيد ما سبق لي ذكره مرارا عن مديرة إحدى دور الايتام في العاصمة بغداد عام 2004 حين نهرت أحد ممثلي الجمعيات الخيرية بشدة بعد أن قدم للاطفال هدايا لإدخال السرور على قلوبهم كان من بينها - 6 مسدسات مائية بلاستيكية ملونة فقط - وقالت له بالحرف " لقد ودعنا مرحلة تجييش الدولة وعسكرة المجتمع ونريد طي الماضي وقلب صفحة جديدة تتضمن تعليم الاطفال الحب والسلام حتى في لعبهم، يومها أصيب الرجل الطيب بالخجل وتصبب عرقا وقال على إستحياء مطأطأ رأسه " كلامك صحيح 100% واعدك في المرة المقبلة لن يكون بين الهدايا أية ألعاب تشجع على العنف ولو كانت مخصصة للمياه المعدنية " .

وما هي الا ايام قلائل حتى عدت بصحبته وبمعيته ألعاب وهدايا جديدة ﻻسلاح فيها البتة واذا برتل من الهمرات الاميركية يقف أمام الدار، واذا بجنود الاحتلال يتجولون بعدتهم وعتادهم في الدار، واذا بالاطفال يلعبون بخوذ الجنود الاميركان ويتحسسون اسلحتهم المتدلية وسط فرح المديرة الغامر بتلك الزيارة الميمونة التي تبشر بغد مشرق كله سلام وحب ووئام بعيدا عن العسكرة والطرطرة والفشخرة والسرسرة كما زعمت في لقائنا الاول معها ...ومنذ ذلك الحين وانا أستذكر هذا الموقف العجيب كلما سمعت بكدس عتاد أو مخزن سلاح تابع لفصيل مسلح يتفجر وسط اﻷحياء السكنية مخلفا عشرات الضحايا بين شهيد وجريح، كلما تناهى الى سمعي عملية تسليب على الطرق الخارجية بالإكراه بحق ركاب وسائقي العجلات والشاحنات والناقلات، بسطو مسلح في وضح النهار على مكتب للصيرفة أو أحد دور المواطنين كما حدث في منطقة حمام العليل جنوبي الموصل حين هاجم مسلحون مجهولون منزلا وقاموا بقتل رب الاسرة وابنيه وأحد أقاربه وأمه وأصابوا شخصين آخرين بجروح قبل أن يلوذوا بالفرار الى جهة مجهولة، بتهديد مديري ومعاوني مدارس من قبل ذوي بعض الطلبة الكسالى ﻷن -ابنهم الافندي - رسب في المرحلة الابتدائية،كلما تناقلت وسائل الاعلام أنباء إعتداء على الطواقم الطبية او مقتل طبيب علي يد مسلحين مجهولين كما حدث مع الدكتور محمد الخفاجي طبيب التخدير في مدينة الامام الحسين الطبية الذي اختطف وقتل في الشعلة، كلما ضجت النشرات الاخبارية بمقتل مثقف عراقي كما حدث مع الروائي علاء مشذوب بـ 13 رصاصة في كربلاء، كلما هوجمت قرى آمنة من قبل مسلحين وقتل عدد من ابنائها بدم بارد ﻷثارة الفتن وتأجيج الضغائن وإحداث التغيير الديمغرافي كما حدث في قريتي " المحولة وابو خنازير" التابعتين لناحية " ابو صيدا" في ديالى، كلما اطلقت الاف العيارت النارية في اﻷفراح واﻷتراج والليالي الملاح وفوز أحد منتخباتنا بكرة القدم - عثرة بدفرة - ببطولة ما وإن كانت غير معترف بها دوليا واقليميا !

وألفت الى أن اسلحة الاطفال البلاستيكية خطيرة جدا وقد أصابت أكثر من 50 طفلا بسبب (الصجم) المستخدم فيها على وفق احصائية وزارة الصحة خلال العيد الماضي ناهيك عن الحروق التي أحدثتها الالعاب والمفرقعات النارية، وأن البرلمان سبق له أن شرع قانونا يحظر الألعاب المحرضة على العنف بكافة أشكالها، ويتضمن القانون الذي أقره مجلس الوزراء عقوبة تصل الى 3 سنين سجن بحق المخالفين، وغرامات مالية تقدر بـ 10 ملايين دينار بحق المستوردين لها إﻻ أنه ظل كملفات الادانة بحق حيتان الفساد مجرد حبر على ورق وباﻷخص حين يفر هؤلاء بجنسياتهم الثانية الى دول - التجنيس - باﻷموال التي نهبوها من الخزينة العامة أثناء توليهم المناصب الرفيعة بالجنسية العراقية على إثر فوزهم ولو تزويرا بالاصابع البنفسجية !

وأختم وبصريح العبارة بأن ﻻ أمن ولا آمان ..ﻻسلم ولاسلام ..ﻻمصالحة وﻻوفاق وطني ..ﻻدولة مؤسسات وإستثمارات ومصانع وشركات بوجود السلاح المنفلت في اليد العابثة وﻻبد من مصادرة كل أنواع السلاح خارج إطار الدولة جبرا لا إختيارا في حملة وطنية كبرى شاملة لامحاباة فيها ولاتهاون إطلاقا، وعلى السياسيين وقادة الكتل واﻷحزاب وتجار الحروب الكف عن - قشمرة - الجماهير بغد مشرق - بالمشمش - وبعضهم يقود جماعات وأجنحة مسلحة خارج إطار الشرعية ﻻ رقيب عليها ولاحسيب لها، بعضها اغلقت مقارها الوهمية في حملات سابقة وبعضها مازال يمارس عمله بحرية تامة، وبخلاف ذلك فإن ما قاله الكاتب المصري الساخر جلال عامر، ينطبق علينا حرفيا (نحن الشعب الوحيد الى يستخدم المخ فى السندوتشات) وأضيف (واللسان في مؤتمرات الضحك على الذقون والاستخفاف بالعقول ووووالباجة!!).

 

 

احمد الحاج

 

صادق السامرائيالمتعارف عليه وفقا للدراسات والملاحظات أن نسبة الإنتحار تقل في زمن الحروب والويلات الجسام، وتزداد في وقت السلام، وهذا سلوك بشري يصعب تفسيره في أغلب الأحيان، لكن الذي يشد الإنتباه أن في بعض المجتمعات المبتلاة بالويلات والحروب والنواكب، يتم التحدث عن زيادة نسبة الإنتحار مما يعني أن هناك ما يساهم في دفع السلوك البشري إلى خارج مجراه المتعارف عليه.

وفي هذه المجتمعات التي تتفاقم فيها الإنتحارات مع تعاظم النواكب والويلات هناك مشترك واحد وسائد، وخلاصته أن الأحزاب التي ترفع رايات الدين هي المتسلطة على مصير الناس، وأن ذوي العمائم هم الذين يقودون المجتمع ويحشون الرؤوس والنفوس بالأضاليل والأفكار، التي تحولهم إلى قطيع خانع ومستسلم ومتيقن أن هذا هو قدره الذي عليه أن يقبله ولا ينبس ببنت شفة.

وفوق ذلك فأنها تصدح على المنابر وفي وسائل الإعلام والمواقع بثقافة الموت الذي يأخذ الناس إلى جنات النعيم، فما يعظون به هو الدفع بإتجاه الموت وتحبيبه إلى النفوس ونكران قيمة الحياة وتبخيسها، وإعتبارها إثما وخطيئة على البشر أن يتخلص منها ويتحرر من أوزارها.

ويبدو أن لهذه الثقافة السوداوية التيئيسية ربما دورها الفعال في دفع الناس وخصوصا الشباب منهم إلى الموت إختيارا، لأنه سيخلصهم من وجيع الحرمان والقهر والتيهان في دروب الحياة المحشوة بالعثرات والمصدات العدوانية الشرسة.

ويغفل الباحثون والدارسون لسلوك الإنتحار دور ثقافة الموت الشائعة في المجتمع، ربما خوفا أو رهبة أو تجنبا للمساس بالأوثان المقدسة، التي صار الناس يتعبدون في محاريب أضاليلها ودجلها الفتان.

ولا يمكن لبحث أن يكون رصينا إذا إتخذ منهج الإنتقاء وغابت عنه الجرأة المتطلعة للحقيقة العلمية والسلوكية الفاعلة في تحقيق الحالة أو الظاهرة.

ولا بد من القول وبكل قوة ووضوح، أن الثقافة الموتية التي تعبر عنها المنابرالمؤدينة بأنواعها لها الدور الكبير في تعزيز قيمة الموت وتدمير الحياة، لأنها تلغي قيمة الإنسان وتحوله إلى عبد أو رقم تفعل به ما تشاء وترغب بإسم الدين الذي تدّعيه، وهو على قياس هواها ورغباتها المطمورة.

ولهذا فأن العلاقة واضحة وتتناسب طرديا مع زيادة عدد ودور هذه المنابر في المجتمع، فكلما زادت زاد الإنتحار والإجرام، وهذا ينطبق على الأحزاب التي تسمي نفسها دينية، وما هي إلا إجرامية تلبس قناع الدين.

وعليه فأن الإنتحار سيتفاقم مادام دور الوعاظ الموتيين في تزايد، وسلطتهم صارت مطلقة وتأثيرهم شديد وفعال.

فهل من شجاعة ومواجهة والقول بأن الثقافة الموتية تحث الناس على الموت، وتمنعهم من ممارسة الحياة الحرة الكريمة، لأنهم قد حولوها إلى خطيئة عند غيرهم ونعيما لذيذا عندهم؟!!

وإن أكثرهم ماركات تجارية مسجلة في دواوين أباليس الشرور!!

 

د. صادق السامرائي

 

حسيب شحادةاللغة العربية بشقّيها الأساسيين، المعيارية (MSA) وهي اللغة القومية، والعامّية وهي لغة الأمّ، مثلها مثل لغات العالم الطبيعية الأُخرى، تقترض بطرق متنوّعة كلماتٍ وألفاظًا من لغات أخرى قريبة أو بعيدة عنها جغرافيا أو لغويا. في العصر الحديث تقترض معظم لغات شعوب العالم مثل هذه المادّة اللغوية، ممّا يُدعى بـ”المعيار الأوروبي المتوسّط“ (Standard Average European)، وهو يشمل الإنچليزية والفرنسية والألمانية. في هذه العُجالة نتطرّق لاقتراض كلمات منضوية في خانة المحسوسات (ريآليا) مثل: أوطومبيل، تراكتور، تاكسي، ترين، راديو، تلفزيون، تلفون، كومبيوتر، فاكس، فيس بوك، وهنالك محاولات لا بأس بها لتعريب مثل هذه الكلمات الدخيلة أو إيجاد بديل عربي فصيح. وهذا البديل يُستعمل عادة عند الكتابة بالعربية المعيارية في حين أنّ العامية قد تستخدم اللفظة الأجنبية مرّة واللفظة المعيارية في أحيان أخرى، وذلك وَفق المناسبة ومستوى الناطق التعليمي والثقافي. يقول العربي في البلاد عادة ”تَكْسي“ ويكتب عادة ”سيّارة أجرة“.

هنا أطرح عبارة ”كعّابة الحذاء“ لتحلّ محلّ المرادفات التالية في الكتابة على الأقلّ، أمّا على المستوى العامّي فلكلّ شخص بالطبع خياره في استخدام ما اعتاد عليه من كلمات. يبدو لي، بناء على ما قمت به في بحث أوّلي، أن لفظة ”كعّابة“ بمعنى تلك الأداة الخشبية أو المعدنية أو البلاستيكية المقوّاة المستخدمة لتسهيل انتعال الحذاء لدى المسنّين والمسنّات خاصّة، مستعملة في بعض القرى والبلدات في البلاد مثل الجش وكفر سميع وحرفيش. من الواضح أنّ الكلمة الشائعة لاسم هذه الأداة هي كَرَتَه/ا (مثلا في: عبلين، الناصرة، كفر كنّا، القدس (لبّاسة/لبّيسة الكندره أيضا)، بيت لحم، بيت جالا، بيت ساحور، نابلس، الزبابدة -  قضاء جنين، المغار، اللد، سخنين، باقة الغربية، دير حنا، الخليل، جيّوس، العراق، لبنان، صدد في محافظة حمص. وفي بعض الأماكن نجد ”كَرْتِه“ كما في بيت صفافا وجت المثلّث أو ”كَرَتِه“ في دبورية والمشيرفة ومنطقة أمّ الفحم و”كرَتايه“ في حلب. ويعود أصل هذه الكلمة الدخيلة إلى اللغة التركية kerata وهي مستمدّة من اللغة اليونانية kérato/χερατο.

هناك أسماء أخرى للأداة ذاتها مثل ”كفّ الإجر“ في البقيعة، ”مِلْعَكَه“ في طوباس بالقرب من جنين، ومثلها في محافظة حمص؛ “إلْسان الكُنْدَره“ في لبنان و”لسان البوط“ في قرية مخول في البلاد. هذا ما عثرت عليه على الصعيد العامّي المستعمل (ويطيب لي هنا أنّ أشكر كلّ منِ ٱستجاب وأجاب على سؤالي بخصوص اللفظة المستعملة في لهجته)، أمّا كتابيًا فلا أذكر أنّني صادفت مثل هذه الكلمات في أيّ نصّ عربي عادي حتّى الآن. المتصفّح في الشابكة سيجد صورًا شتّى بألوان ومقاسات متباينة للكعّابة وكذلك أسماء جديدة مترجمة، على ما يبدو، من لغات أجنبية كالإنكليزية والألمانية كما ترى في القواميس المذكورة أدناه. من هذه الأسماء نذكر: قرن/قرون، بوق/أبواق الحذاء، ملعقة سحب، لبيسة حذاء.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ التسمية ”قرن، بوق“ موجودة في هذه اللغات: الإنجليزية والآيسلندية والإيدش والكردية واللاتڤية والليتوانية والمالايام والمالطية والباشتو والسويدية والصومالية والسواحيلية والدانمركة. وتسمية الأداة بـ”ملعقة الحذاء“ موجودة في هذه اللغات: الألمانية (فيها أيضًا ما معناه: جاذب الحذاء) والهولندية والفنلندية والعبرية.

وأخيرًا أقترح على الكتّاب استخدام اللفظة ”كعّابة“ ووزنها فَعّالة يدلّ على الأدوات، أمّا في العاميات فلكلّ واحد منّا لهجته الخاصّة وهي جزء من هويّته وكيانه، في عامّيتي الكفرساوية أستخدم في الأساس لفظة ”إمْزََكِّه، إمْزَكّات“ ولم أعثر عليها في لهجات أخرى حتى الآن والكلمة ”كَرَتَه“ مستخدمة أيضا.

 

حسيب شحادة -  جامعة هلسنكي

.....................

- رفائيل نخلة اليسوعي، غرائب اللهجة اللبنانية السورية. بيروت: المكتبة الكاثوليكية، ١٩٥٩، ص. ١٧١ (كرَتايه، لهجة حلب: قرن للاحتذاء).

- عبد اللطيف البرغوثي، القاموس العربي الشعبي الفلسطيني. اللهجة الفلسطينية الدارجة. رام الله: جمعية إنعاش الأسرة  البيرة، مركز التراث الشعبي الفلسطيني، ١٩٩٨،  ج. ٣، ص. ١٠٧.

- محمود مهدي عبد الله، قاموس فنلندي -  عربي. همينلنا، ٢٠٠٧، ص. ٣٨٤،  قَرن (لتسهيل لُبس الأحذيّة) عم لَبّيسه.

- Leonhard Bauer, Deusch- Aranisches Wörterbuch der Umgangssprache in Palästina und im Libanon. Otto Harrassowitz- Wiesbaden, 1957, S. 266.

- Omar Othman & Thomas Neu, Qaamuus Il- Quds. A Dictionary of the Spoken Arabic of Jerusalem (English- Arabic). Jerusalem: B.O. Box 340, 2008, p. 215.

- Socrates Spiro, An Arabic - English Dictionary of the Colloquial Arabic of Egypt. Beirut: Libraraire du Liban, 1973, p. 514.

- דוד שגיב, ערבי –עברי, עברי–ערבי (שני כרכים). הוצאת שוקן 208.

- יהודית רוזנהויז, מילון תלת–לשוני שימושי עברי–ערבי. פרולוג מוציאים לאור בע’’מ, 2002, 2003, 2004. עמ’ 327, קַרְן ל(אלְ)כֻּנְדַרַה ובספרותית قرن للأحذية.

 

رائد عبيسماذا يعني نقاء الهوية؟ وهل نجد هناك هوية نقية؟ بعيدا عن التداخل بينها وبين هويات اخرى؟ وهل هذا التداخل أو الاختلاط الهوياتي يأتي دائما بأبعاد إيجابية بين الهويات المتجاورة أو المتشاركة؟ ام هناك هجينية بين الثقافات البشرية عامة والهويات العراقية خاصة؟ متى تتحول المشتركات إلى ملوثات بين الهويات؟ ومتى يتحول الدخيل الثقافي الى فايروس معدي ومشوه وقاتل؟ وهل للثقافات قدرة تحصينية ضد ما يلوث ثقافتها؟ هذه أسئلة ربما تعد أسئلة افتراضية عند من يقرأها،لأن كل الثقافات البشرية وما ينتج عنها من هويات، يكون بينها تداخل وتأثير وتأثر،بشكل مباشر أو غير مباشر، ولكن هناك مناسبات، ومواقف يبدأ بها هذا التأثير يقوى أو يضعف، او يطغى أو يتحول الى ثقافة أو ثقافة منشطرة جديدة ناتجة من ذلك التفاعل. وهذا يؤكد فكرة الحديث عن هوية ملوثة، وأسباب التلوث تتضح أو تدرك بعد أن يكون التلاقح بين الهويات والثقافات، ينتج حركات راديكالية متطرفة، تنقلب على الاصلين معا وتكون قاتلة ومكفرة لكليهما،وان لم يكن ذلك شرطا محتوما على كل الثقافات أو العقائد، لان بعضها تعرضت لذلك فكان مصيرها الاندثار أو التلاشي، أو التعديل و التبدل أو القبول بالهجينية، كثقافة بين جماعات ثقافية أو عقائدية أو فكرية، كالمرحلة الهيلينستية، والمرحلة الهيلينية التي نتج عنها اندماج بين ثقافة الغرب والشرق، وما ترتب عليها من قبول أو عدمه أو تكفير أو تفكير. هل يعني ذلك أن النقاء أمر متحقق في ثقافة ما دون اخرى؟ لا نعتقد أن هناك ثقافة نقية بشكل كامل في الثقافات البشرية، وعدم النقاء هذا يعني أن هناك نسب من الخليط الثقافي مع ثقافات مشاركة في إنتاج قيامها، سواء كان ديني أو فلكلوري أو حضاري، وهذه المشاركة لا يعني التقاطع الذي يتحول الى فكر ملوث بأفكار العنصرية أو العدائية أو الأنانية أو التغالب أو الانتقام، فمثل هذا الاستثمار الملوث بطموحات شريرة اتجاه ثقافات أخرى مشاركة بكثير من التفاصيل ،يعد استثمار مستند إلى مأرب الإبادة والظهور أو التدخل في مجريات رسم طريق جديد لثقافة جديدة ،كالتي ظهرت وان كانت بشكل مؤقت وطارى واضمحلت، أو كالتي ظهرت بشكل اتفاقي وتحولت إلى عقيدة ثابته أو ثقافة راسخة، وهذا ما نجده في الموروث الديني ،مثلا نجد رواية كاذبة وغير منطقية تسود بين الأوساط الشعبية أو الرسمية وتؤخذ بها على أنها جزء من الدين نفسه، أو حادثة تاريخية باطلة تتحول الى مصداقية في الوعي الجمعي، وهذا ولعب المحققين أو المدققين يكتشفون زيف هذا الأمر وملوثاته التي بتلوث بها فكر الأجيال القادمة ولكنهم يعجزون عن تغييره ،لانه أصبح من حقيقة الجماهير وتصديقهم. وللحديث تتمة.....

 

الدكتور رائد عبيس

 

ميلاد عمر المزوغيتمكنت الجماهير السودانية من اسقاط حكم العسكر بالتجائهم الى العسكر نفسه! ولكن ما ان تمت الاطاحة براس النظام حتى افتتحت شهية المحتجين، يريدون اقصاء من وقفوا معهم وفي احسن الاحوال ان يكون للعسكر مجرد تمثيل شكلي في مجلس ادارة الدولة، يردون استلام السلطة لفترة انتقالية بالتأكيد انها ستطول بالنظر الى ما يرغبون في تحقيقه قبل الانتخابات وهي محاسبة رموز النظام السابق والقضاء على الفساد المستشري في البلاد وهذه امور تتطلب وقتا لا باس به وكذا ادارة منتخبة لا يرقى اليها الشك في نزاهتها وعدم وان تكون المحاسبات وفق معايير محددة بعيدا عن الثأر والمكائد السياسية التي ستقود البلد الى مزيد من الفوضى وإثارة الفتن بين مكونات المجتمع.

يتحدث حراك الحرية والتغيير على انه امكن حلحلة العقد مع العسكر بنسبة 95% ألا يعد ذلك كافيا للبدء في العملية السياسية؟ يبدو ان 5% المتبقية هي تسلمهم السلطة منفردين دون مشاركة بقية اطياف المجتمع، المجلس العسكري من جانبه يرفض تسليمهم السلطة لأنهم لا يمثلون كل شرائح المجتمع ونرى انه مصيب في ذلك.

نجزم يقينا بان المجلس العسكري يحظى بتأييد شعبي اكبر من الحراك فكيف لهؤلاء اذن الاستحواذ بمفردهم على السلطة، ألا يمكن تنظيم انتخابات عقب فترة انتقالية بسيطة تكون تحت رعاية العسكر الذين وقفوا الى جانب الشعب وساهموا في التغيير؟. فالعسكر يظل العين الساهرة لحماية مقدرات البلد والمحافظة على النسيج الاجتماعي والتصدي للاعتداءات الخارجية وفرض الامن والاستقرار والضرب بيد من حديد لكل من تسول له نفسه المساس بالكيان السياسي للبلد.

ما ان سقط النظام حتى بدأت التحركات الإقليمية للتدخل في الشأن السوداني، كلٌّ يحاول استمالة الحكام الجدد ليكون في صفه، لاشك ان دخول السودان في لعبة المحاور سيفاقم من ازماته المزمنة، الفترة الانتقالية التي يطالب بها الحراك لا تعرف نهايتها وقد تقود البلاد الى مزيد من اعمال العنف والشواهد على ذلك كثيرة لدى ليبيا واليمن.

حديث الحراك بالنزول الى الشارع لن يجدي، فبإمكان الاخرين التحرك ايضا وقد يتدخل طرف ثالث في اللعبة وتكون عواقبه وخيمة، وينقلب السحر على الساحر ويفقد وبكل سهولة بريقه الذي يحاول وبشتى الطرق ان يجعله لامعا لأطول فترة ممكنة، فالسودان من الناحية الامنية جد هش ويمكن للتنظيمات الارهابية اتخاذه ساحة صراع لها.

الاعلام اللامسؤول كان له دور جد سيء في تأجيج الصراعات بين ابناء الوطن الواحد ضمن نكبة الربيع العربي، وما اقدم عليه المجلس العسكري من قفل مكاتب شبكة الجزيرة الاخبارية الفتنوية وسحب تراخيص مراسليها، تعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح، ومحاولة تضخيم الحراك على انه القوة الفاعلة بالسودان يعد محاولة يائسة من تنظيم الاخوان العالمي متمثلا في قطر وتركيا، وفي حال استمرار الحراك في تعنته وتمركزه امام القيادة العامة لخلق بلبلة بالشارع ، نعتقد انه لم يعد هناك بد من فض الاعتصام (لن تكون هناك رابعة جديدة)وليكون ذلك النقطة الفاصلة وليتجه البلد الى انتخابات رئاسية وبرلمانية وتكوين مؤسسات شرعية يمكنها محاكمة من اجرم في حق المجتمع بكل نزاهة وشفافية وموضوعية ويكون هناك حق التقاضي وبناء دولة عصرية. سياسة الاعتدال هي الانسب في ظل الظروف الراهنة لتصل السفينة الى بر الامان.

 

  ميلاد عمر المزوغي

 

يحدد مجال التداوليات الاداء اللغوي ويدرس افعال الكلام والاقتضاء والاستلزام التخاطبي، واختلفت آراء النقاد والمحدثين في تحديد مصطلح التداولية، البعض منهم عده جزءا من السيميائية التي تعالج العلاقات بين العلامات ومستخدميها، والبعض الاخر يرى ان التداولية قدرة اللغة على الخطابية وتفسير الاقوال المستعملة بوساطة عنصر ذاتي يتمثل في التعبير عن معتقدات المتكلم ومقاصده واهتمامته ورغباته، وعنصر موضوعي يختص بالظروف الزمانية والمكانية، وآخر يوضح المعرفة المشتركة بين المتكلم والمخاطب، وكثرت المقابلات ازاء المصطلح الانكليزي (براجماتكس) ترجمة او تعريبا بالتداولية، المقاماتية، المقامية، علم المقاصد، البراجماتية والبراغماتية، الا ان المصطلح الاكثر استخداما هو التداولية فهي العلم الذي يعنى بالشروط اللازمة لكي تكون الاقوال اللغوية مقبولة وناجحة وملائمة في الموقف التواصلي الذي يتحدث فيه المتكلم .

تتضمن اللغات على اختلافها مفردات تعتمد اعتمادا تاما على السياق الذي تستخدم فيه فلا يمكن تفسيرها بمعزل عنه تلك هي الاشاريات في التداولية، وتعد الاشاريات الشخصية عنصرا هاما فيها معتمدة على الضمائر بمختلف انواعها (المتكلم - المخاطب - الغائب) بالافراد والتثنية والجمع، وهي من اوضح العناصر الاشارية الدالة على الشخص كما تجسد ذلك في قصيدة (حبيبة من الاوائل)

اعود طفلا انا

احتاج درك

فأشم صدرك

وأشبع منه .

 استخدمت الشاعرة ضمير المتكلم (انا) كي لا يحدث لبسا في الامر ويكون التواصل واضحا ومفهوما  بين المتكلم انا والمخاطب الام .

لكن قد ينشيء لبسا في استخدامها اذا تعددت مراجعها كما في قصيدة (تمزيق)

احرقت ارتجافها الستين

بحقيبة سفره المعتقة

فتهاوت الاشعار

وتحنط الرمل في الساعات

تباينت المراجع هنا بين المتكلم هي والغائب هو وتوقف الوقت حين يتحنط الرمل في الساعات الرملية لكن التداول الاشاري يشير الى ان سفره ازهق روح الزمن لديها، او قد يكون هناك تبادل كل من المتكلم والمخاطب متكلما او نقل المتكلم خطابا عن متكلم اخر كما في قصيدة (تسول أب)

امد كفي اتسول أبا

هل من احد يهديني اياه ..؟

نم ياصغيري قالت امي

فكورت نفسي لعينيها رجاء.

هنا تحول المتكلم انا الى مخاطب والمخاطبة هي الى متكلم فتداولت الاشارات بذلك البناء اللغوي التواصلي الذي جسدته الشاعرة بحوارية مسبوكة المعنى والمبنى .

توحي الاشاريات الزمنية لزمان المتكلم مركزا للاشارة الزمنية في الكلام يحدده السياق قياسا الى زمن المتكلم، وقد ارتبطت الاشاريات بوجود ووضوح المتكلم كي لا يحدث ابهاما تجسدت في قصيدة (صدفة)

سلاما ايها المصباح .....

صحوت اخيرا في نفس المحطة

لكن قطاري رحل.

القي السلام على المصباح حين انطفأ لينبلج الفجر ويصحو الحالم فيجد ذاته في نفس المكان بعد رحلة طويلة في الحلم، تداولت الشاعرة اشارة توديع المصباح لتأذن بزمن الصحوة فجرا فيكون التواصل بين المتكلم والمخاطب سليما لا لبس فيه، كذلك في قصيدة (وردة الصباح)

سافرت شمس الصباح

رحلت والكل يغدوا لا محال.

سفر الشمس يشير الى الغروب الى زمن رحيل الشمس كرحيلنا عند غروب رحلة الحياة .

تشير الاشارات المكانية التداولية الى مكان المتكلم ووقت تكلمه  كما في قصيدة (احلام)

في ليل المدينة

حلم مشنوق

آخر معلق على (كشك الشاي)

جنب المقهى العتيق

ثالث خلف القباب

حددت الشاعرة الاشاريات التداولية زمانا ومكانا بحرفية عالية فليل المدينة زمان محدود وقريب والعتيق زمان غير محدود وبعيد عن مركز الاشارة  للمتكلم وكشك الشاي والمقهى وخلف القباب امكنة متداولة فأمتلك تداول الاشاريات المكانية الاثر البالغ في تحديد المكان واختيار العناصر الاشارية بعدا او قربا من مركز الاشارة المكانية او المكنية معتمدة على السياق المادي المباشر الذي قيلت فيه، وتجسد ذلك في قصيدة (جسد ابيض)

اخرج من صحراء الموتى

حلما ابيض

احمل اكفاني على كتف الازمان......

تشظى الشر فيها

لأرض كربلاء

استخدمت الشاعرة اشاريات مكانية مباشرة وغير مباشرة فكانت اشارية صحراء الموتى توحي بصورة غير مباشرة الى مكان المقابر اما الاشارة المادية المباشرة في ارض كربلاء تحديد واضح ومادي ومتداول للمكان.

ضمت الاشاريات المتداولة ايحاءات بالعلاقات الاجتماعية بين المتكلم والمخاطب سواء كانت  رسمية كما في قصيدة (مشرحة)

ان العدالة تجلجل

بأسم الحاكم المذعور

المختفي خلف البخور

فلقب حاكم يشير الى العلاقة الاجتماعية المتداولة بين ابن الشعب والحاكم وهنا العلاقة رسمية ومن الواضح انها غير حميمية او قد تكون العلاقة الاجتماعية غير رسمية كما هو في قصيدة (ابي)

 

الشجر يكنس باب ابي

الجبال ترمي الياسمين في طريقه

يمر ابي كأمير ... وأي أمير.

نجد ان لقب امير يوحي بعلاقة رسمية متباعدة الاطراف فشتان بين الفقير والامير الا ان الشاعرة تجمع التضاد بين الاب ابن الشعب والامير ابن حاكم الشعب بتشبيه حميم يوحي بالوسامة واناقة الامراء، وقد تكون العلاقة الاجتماعية حميمية كما في قصيدة (سنام ألم)

حين ولدتني امي

باعت ثوب عرسها

والخاتم المنحوت بالاحجار

العلاقة الحميمية العميقة بين الام وابنتها تتوضح من خلال الاشاريات التداولية الاجتماعية التي استخدمتها الشاعرة لتوحي بالدفء والحنان والتضحية للأم .

تداولت الشاعرة هدير التميمي الاشاريات  في (طقوس بندقية) بثراء وتنوع وتداخل جمالي متفرد بين الاشاريات الشخصية، الزمنية، المكانية والاجتماعية فنجدها تارة منفصلة عن بعضها البعض مستقلة وتارة اخرى متشابكة ومتداخلة كقطعة فسيفسائية مسبوكة ببناء تداولي اشاري سميك.

 

بقلم د. امل الغزالي.

 

منى زيتونمن أكثر الفرق الإسلامية التي شطَّت عقديًا وفقهيًا حتى وصلت إلى تكفير المخالف تلك الفرقة من غلاة الحنابلة التي أصبحت تُطلق على نفسها في العقود الأخيرة اسم السلفية.

تعتبر أول أسباب الإشكالية العقدية بين سائر المسلمين والسلفية، هو رفض الفرقة الأخيرة للتأويل، وتمسكهم بظواهر معاني نصوص الكتاب والسُنة، لتقرير اعتقادهم في الله  عزّ وجلّ، ادعاءً أن هذا ما كان يفعله السلف، وهي إشكالية تنظيرية، لم تكن لتتسبب في إحداث الفتن لولا ارتباطها بإشكالية لها أثرها على المستوى التطبيقي، وهي إيجابهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشقيه الاجتماعي والعقدي باليد وبسلّ السيوف، فلا يكتفون أن يكون بالقلب أو بتقديم النُصح باللسان.

في نهاية القرن الثالث الهجري كانت أول إشارة تاريخية وأول ظهور سياسي يأتي فيه ذكر الحنابلة، أثناء حوادث فتنة خلع المقتدر وولاية ابن المعتز سنة 296هـ. وقد أحدثت تلك الفرقة منذ ظهورها حالة من الذعر في عاصمة الخلافة العباسية بغداد، بحيث لم تكد ‏تمر سنة إلا وسجّل فيها المؤرخون فتنة عظيمة حدثت بسبب ممارستهم لذلك الأصل الهام من أصول ‏عقيدتهم، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذي لا يرتضونه بغير اليد، حيث نصَّبوا من أنفسهم محتسبين على الفرق الأخرى من المسلمين. وتعتبر تلك الفرقة سببًا من أسباب ضعف الخلافة ‏العباسية بما أضاعوه من هيبتها بكثرة افتعال الفتن في عاصمة الخلافة،‏ وبما أضاعوه من أموال كانت تُصرف من آنٍ لآخر، على إعادة إعمار ما تهدّم واحترق جراء فتنهم التي لا تكاد تنتهي.

اتفاق الأمة على فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على عموم المؤمنين

‏‏‏يقول القرطبي في تفسيره (ج5، ص73): "وفي التنزيل ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ ثم قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:67-71]. فجعل تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقًا بين المؤمنين والمنافقين، فدلّ على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

وقد رُوي في كتاب الإيمان من صحيح مسلم (حديث 4085- 78/49)، قال أبو سعيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وبرواية أخرى عن عبد الله بن مسعود (حديث9602-80/50) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسُنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلُف من بعدهم خُلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".

وروى الإمام الترمذي في سُننه (حديث 2169) عن حُذيفة بن اليمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم". وحديث (2172) قال أبو سعيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكرًا فليُنكره بيده، ومن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وقد روى ابن ماجه الحديث بلفظ مشابه وسند آخر (1275). وقد كان للإمام أبي بكر بن العربي تعليق على هذا الحديث بأن "في هذا الحديث من غريب ‏الفقه أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ في البيان بالأخير في الفعل، وهو تغيير المنكر باليد، وإنما يُبدأ باللسان ‏والبيان فإن لم يكن فباليد".‏

قال أبو محمد ابن حزم في "الفِصَل" (ج5، ص19): ‏"اتفقت الأمة كلها على وجوب الأمر بالمعروف ‏والنهي عن المنكر بلا خلاف من أحد منها، ثم اختلفوا في كيفيته، فذهب أهل السُنة من القدماء ‏من الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم، وهو قول أحمد بن حنبل وغيره، وهو قول سعد بن أبي ‏وقاص، وأسامة بن زيد، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة وغيرهم، إلى أن الغرض من ذلك إنما هو ‏بالقلب فقط ولا بد، أو باللسان إن قدر على ذلك. ولا يكون باليد ولا بسل السيوف، ووضع السلاح ‏أصلًا، وهو قول أبي بكر بن كيسان الأصم، وبه قالت الروافض كلهم، ولو قُتلوا كلهم، إلا أنها لم ‏تر ذلك الإمام يُخرج الناطق، فإذا خرج وجب سل السيوف، ولا بد حينئذ معه، وإلا فلا"أهـ.

فخلاصة القول في حكم أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد وسلّ السيوف، إن عموم أهل السنة قالت به عدا قلة، منهم أحمد بن حنبل وسعد بن أبي وقاص وأسامة بن زيد وابن عمر. كما أوجبته المعتزلة بالسيف، وإن كانوا أوجبوه بالعقل لا بالشرع، وشذ عنهم أبو بكر بن الأصم المعتزلي فرأى وضع السلاح أصلًا، وأخذت عنه الشيعة الإمامية هذا الرأي، فهم لا يرون سلّ السيوف إلا إن خرج الإمام العادل المنتظر. وأوجبت الشيعة الزيدية على أنفسهم أن يكون باليد وسلّ السيوف، ويكون ذلك لأقصى درجة وصولًا لمقاتلة وتغيير الإمام الجائر. والغريب أن كل الفتن التي أثارها الحنابلة جاءت بسبب تطبيقهم ‏لعقيدتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد خلافًا لرأي الإمام أحمد بن حنبل وفعله!

وقال الإمام النووي في "المنهاج" (ج2، ص22) في شرحه لحديث "من رأى منكم منكرًا": "وأما قوله صلى الله عليه وسلم "فليغيره" فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وهو أيضًا من النصيحة التي هي الدين، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة، ولا يُعتد بخلافهم. كما قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين: لا يُكترث بخلافهم في هذا، فقد أجمع المسلمون عليه قبل أن ينبغ هؤلاء، ووجوبه بالشرع لا بالعقل خلافًا للمعتزلة"أهـ. ولكن هذا النقل للإمام النووي عن إمام الحرمين الجويني يُعد ناقصًا، فلا يوضح المحاذير التي ضمنّها رأيه في الموضوع حول ما يحتاج إلى اجتهاد وما لا يحتاجه، وكذا الشروط التي ينبغي توفرها في الآمر الناهي، وما ينبغي عليه مراعاته أثناء أدائه عمله، والذي طرحه في كتابه "الإرشاد في أصول الاعتقاد".

وفقًا للأشاعرة، يذكر إمام الحرمين الجويني في "الإرشاد في أصول الاعتقاد" (ص368) أن "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان بالإجماع على الجملة؛ ولا يُكترث بقول من قال من الروافض: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، موقوفان على ظهور الإمام. فقد أجمع المسلمون قبل أن ينبغ هؤلاء على التواصي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوبيخ تاركه مع الاقتدار عليه. فإذا ثبت ما قلنا أصلًا، فلا يتخصص بالأمر بالمعروف الولاة، بل ذلك ثابت لآحاد المسلمين. والدليل عليه الإجماع أيضًا. فإن غير الولاة من المسلمين في الصدر الأول، والعصر الذي يليه، كانوا يأمرون الولاة بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، مع تقرير المسلمين إياهم، وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف من غير تقلد ولاية"أهـ. لكن يُفرِّق الجويني (ص369) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين ما يحتاج اجتهاد وما لا يحتاجه. يقول: "حكم الشرع ينقسم إلى ما يستوي في إدراكه الخاص والعام، من غير احتياج إلى اجتهاد، وإلى ما يُحتاج فيه إلى اجتهاد. فأما ما لا حاجة فيه إلى الاجتهاد، فللعالم وغير العالم الأمر فيه بالمعروف والنهي عن المنكر. وأما ما اختص مدركه بالاجتهاد، فليس للعوام فيه أمر ولا نهي، بل الأمر فيه موكول إلى أهل الاجتهاد. ثم ليس للمجتهد أن يتعرض بالردع والزجر على مجتهد آخر في موضع الخلاف، إذ كل مجتهد في الفروع مصيب عندنا، ومن قال إن المصيب واحد فهو غير متعين عنده، فيمتنع زجر أحد المجتهدين الآخر على المذهبين"أهـ.

فهل يلزم الأمر والنهي على آحاد الرعية بشهر السلاح، وعلى من ظن وقوع الأذى عليه؟

ما يُفهَم من نص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمر والنهي أنه بدأ بالأصعب كي يقرنه بالاستطاعة، ولم يوجبه على الإطلاق حتى يتأذى من يؤديه من ورائه أو تثور الفتن.

يقول القرطبي في تفسيره (ج5، ص74-75): "أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبد البر –في التمهيد- أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى، فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره بيده، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه، ليس عليه أكثر من ذلك. وإذا أنكر بقلبه فقد أدّى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك. قال: والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تأكيد الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كثيرة جدًا، ولكنها مقيدة بالاستطاعة. قال الحسن: إنما يُكلم مؤمن يُرجى، أو جاهل يُعلَّم، فأما من وضع سيفه أو سوطه وقال: اتقني اتقني، فما لك وله؟! وقال ابن مسعود: بحسب المرء إذا رأى منكرًا لا يستطيع تغييره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره. وروى ابن لهيعة عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لمؤمن أن يذل نفسه". قالوا: يا رسول الله، وما إذلاله نفسه؟ قال: "يتعرض من البلاء لما لا يقوم له". قلتُ –أي القرطبي-: وخرَّجه ابن ماجه عن علي بن زيد بن جُدعان، عن الحسن، عن جُندب، عن حُذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكلاهما قد تُكلم فيه. ورُوي عن بعض الصحابة أنه قال: إن الرجل إذا رأى منكرًا لا يستطيع النكير عليه فليقل ثلاث مرات: اللهم إن هذا منكر، فإذا قال ذلك، فقد فعل ما عليه. وزعم ابن العربي أن من رجا زواله، وخاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل، جاز له عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر، وإن لم يرج زواله فأى فائدة عنده. قال: والذي عندي أن النية إذا خلصت فليقتحم كيف ما كان ولا يُبالي. قلتُ –أي القرطبي-: هذا خلاف ما ذكره أبو عمر –يعني ابن عبد البر- من الإجماع. وهذه الآية تدل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خوف القتل. وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:17]. وهذا إشارة إلى الإذاية".

وكان للإمام الغزالي في "الإحياء" (ج2، ص233) رأي مشابه للرأي الأخير عند عرض مراتب الحسبة، فهو يرى أن المحتسب المحق –فيما لا يحتاج إلى اجتهاد- إن قُتِل مظلومًا فهو شهيد، فيجوز له تغيير المنكر بشهر السلاح وجمع الأعوان، كما أنه لا يلزمه استئذان الإمام قبل محاولة التغيير. ويخلص الغزالي إلى أن "كل من قدر على دفع منكر فله أن يدفع ذلك بيده وسلاحه وبنفسه وبأعوانه"أهـ. وهذه الطريقة التي قررها الغزالي رأينا آثارها عندما اعتمدها حنابلة بغداد كأسلوب للأمر والنهي –ليس عن رأي الغزالي، بل قبله بقرون-، وكم حكى التاريخ لنا عن فتن.

ويقرر ابن حزم في "الفِصل" (ج5، ص20) أن أغلب أهل السُنة والمعتزلة والزيدية على وجوب التغيير بشهر السلاح إن عظم المنكر ولم يمكن دفعه إلا بهذا. يقول: "وذهبت طوائف من أهل السُنة، وجميع المعتزلة، وجميع الخوارج، والزيدية إلى أن سلّ السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك. قالوا: فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع، ولم ييأسوا من الظفر، ففرض عليهم ذلك. وإن كانوا في عدد لا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر كانوا في سعة من ترك التغيير باليد. وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكل من معه من الصحابة، وقول ........."أهـ. وعدّ ابن حزم كثيرين يرون هذا الرأي.

وأرى أن الأمر في أوله وآخرة يتعلق بتقدير المحتسب للمصالح الحاصلة من أمره ونهيه والمفاسد الناتجة عنه، وما إن كان مع المجازفة إمكانية للتغيير أم لا فائدة تُرجى من ورائها.

بينما يميز القرطبي في كيفية تطبيق الأمر والنهي بطرقه الثلاث، موضحًا انتفاء تطبيقه باليد على غير السلاطين. قال في تفسيره (ج5، ص75): "قال العلماء: الأمر بالمعروف باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب على الضعفاء، يعني لعوام الناس". ويوضح (ج5، ص73) "ثم إن الأمر بالمعروف لا يليق بكل أحد، وإنما يقوم به السلطان؛ إذ كانت إقامة الحدود إليه، والتعزير موكل إلى رأيه، والحبس والإطلاق له، والنفي والتغريب، فينصب في كل بلدة رجلًا صالحًا قويًا عالمًا أمينًا ويأمره بذلك، ويُمضي الحدود على وجهها من غير زيادة. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الحج:41]". ويضيف في تفسير آية الأمر والنهي [آل عمران:104] (ج5، ص253): "﴿‏‏مِنْ‏‏‏‏﴾‏‏‏‏ في قوله: ﴿‏‏مِنْكُمْ﴾ للتبعيض، ومعناه أن الآمرين يجب أن يكونوا علماء، وليس كل الناس علماء، وقيل: لبيان الجنس، والمعنى: لتكونوا كلكم كذلك. قلتُ –أي القرطبي-: القول الأول أصح؛ فإنه يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضٌ على الكفاية، وقد عيَّنهم الله تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الحج:41]، وليس كل الناس مُكنوا"أهـ. ويوافقه الجويني في "الإرشاد في أصول الاعتقاد" (ص370) إذ يقول: "ثم الأمر بالمعروف فرض على الكفاية؛ فإذا قام به في كل صقع من فيه غناء سقط الفرض عن الباقين. وللآمر بالمعروف أن يصد مرتكب الكبيرة بفعله، إن لم يندفع عنها بقوله، ويسوغ لآحاد الرعية ذلك، ما لم ينته الأمر إلى نصب قتال وشهر سلاح؛ فإذا انتهى الأمر إلى ذلك رُبط ذلك الأمر بالسلطان، فاُستغني به"أهـ. وقرر الغزالي في "إحياء علوم الدين" (ج2، ص307) مثلهما أنه فرض كفاية لا فرض عين، مع ‏اختلافه عنهما في تجويزه لآحاد الرعية –كما أسلفنا- الاحتساب باليد وشهر السلاح.‏

ولا يجيز السلفية الخروج على الحاكم الظالم على عكس المعتزلة، والزيدية، وعلى عكس بعض الأشاعرة. يذكر الجويني في "الإرشاد في أصول الاعتقاد" (ص370) عن اعتقاد الأشاعرة "وإذا جار والي الوقت، وظهر ظلمه وغشمه، ولم يرعو عما زجر عن سوء صنيعه بالقول، فلأهل الحل والعقد التواطؤ على درئه، ولو بشهر الأسلحة ونصب الحروب"أهـ. ولكن للسلفية توجهات في العصر الحديث نحو إباحة الخروج على الحكام الذين لا يحكمون بشرع الله وفقًا لتصوراتهم التقليدية عن طبيعة الدولة.

فهل هناك اشتراطات تلزم أن تُوجد فيمن يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

اختلف أئمة المسلمين في ضرورة وجود اشتراطات فيمن يقوم بالأمر والنهي، رغم أن الشائع والمفترض منطقيًا في الآمر الناهي أن يكون ‏عالمًا بما يأمر وينهى، وأن يعمل بما يعلم، وأن يلزم الإخلاص مع الله فيما يقول ويفعل، ويكون ‏صاحب أمانة، وأن يكون صبورًا  يتحمل أذى الناس، رفيقًا لينًا واسع الصدر.

ومن الحكم المأثورة لدى الشيعة الإمامية –الذين لا يرون الأمر والنهي باليد-، عن الإمام جعفر الصادق: إنما يُؤمر بالمعروف ويُنهى عن المنكر، مؤمن فيتعظ أو جاهل فيتعلم، فأما صاحب سوط وسيف فلا. ومن الحكم المأثورة عنه أيضًا: إنما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، من كانت فيه ثلاث خصال، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى، عادل فيما يأمر، عادل فيما ينهى، رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى. وهي الاشتراطات الرئيسية للإمام الصادق فيمن يقوم بالأمر والنهي وتتمثل في: العلم- العدالة- حُسن الخلق.

ويوافق الإمام الصادق في ذلك الصفات ذاتها التي أكّد عليها علماء السُنة. يحدد الغزالي في ‏‏"إحياء علوم الدين" (ج2، ص333) ثلاث صفات في المحتسب: العلم، والورع، وحُسن الخُلق. ‏يقول: "فهذه الصفات الثلاث بها تصير الحسبة من القُربات، وبها تندفع المنكرات، وإن فُقِدت لم ‏يندفع المنكر"أهـ.‏

لكن يذكر الجويني في "الإرشاد في أصول الاعتقاد" (ص369) أن "الذي يتعاطى الأمر ‏بالمعروف لو لم يكن ورعًا، لم ينحسم عنه الأمر بالمعروف؛ إذ ما يتعين عليه في نفسه فرض ‏متميز عما يتعين عليه الأمر به في غيره، ولا تعلق لأحد الفرضين بالآخر". ويقول القرطبي في ‏ تفسيره (ج5، ص74): "وليس من شرط الناهي أن يكون عدلًا عند أهل السنة، خلافًا للمبتدعة –كما أسماهم- حيث تقول: لا يغيره إلا عدل. وهذا ساقط، فإن العدالة محصورة في القليل من الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عامٌ في جميع الناس. فإن تشبثوا بقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:44]، وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:3] ونحوه، قيل لهم: إنما وقع الذم ها هنا على ارتكاب ما نهي عنه لا على نهيه عن المنكر. ولا شك في أن النهي عنه ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه، ولذلك يدور في جهنم كما يدور الحمار بالرحى"أهـ. وهذا قول يبدو شاذًا، ولكن قد يفسره ما أوضحه الغزالي في "الإحياء" (ج2، ص234) أنه بعد أن ‏اشترط شروطًا في المحتسب قال: "لسنا نعني أن الأمر بالمعروف يصير ممنوعًا بالفسق، ولكن ‏يسقط أثره عن القلوب بظهور فسقه للناس"أهـ. وقد أفاض الغزالي في شرح هذا الرأي، وبيّن ‏‏(ص312) أن من يرون بأن ليس للفاسق أن يحتسب ربما استدلوا عليه بالنكير الوارد في الآيات ‏والأحاديث على من يأمر بما لا يفعله، وربما استدلوا من طريق القياس "بأن هداية الغير فرع ‏للاهتداء، وكذلك تقويم الغير فرع للاستقامة، والإصلاح زكاة عن نصاب الصلاح، فمن ليس ‏بصالح في نفسه فكيف يُصلح غيره؟، ومتى يستقيم الظل والعود أعوج؟"، لكن الغزالي رفض هذا ‏الرأي، وكان من أهم ما دفع به لنقضه أن لا أحد معصوم من المعاصي كلها، وسيكون في شرط ‏العدالة إن وُضِع حسمًا لباب الاحتساب.‏

وما أفهمه من عدم انحسام الأمر والنهي عمن يقترف المعصية ذاتها أن كثيرًا من الناس قد يأتيها ضعفًا، معترفًا ومقرًا بذنبه، وربما يكون نصحه لغيره أعظم أثرًا من نصح المعافين منها؛ كمن ينهى ولده عن معاقرة الخمر أو التدخين، مخبرًا إياه أنه لو عاد به الزمن ما أخطأ هذا الخطأ في حق نفسه، وأنه يتمنى أن يعافيه الله مما ابتلي هو به. فإن كان هذا هو المقصود فرأي الغزالي لا غبار عليه.

والسلفية المعاصرون يستحسنون هذا الرأي الأخير من الغزالي أيما استحسان، ويُدرِّسونه لدعاتهم ‏أكثر مما يفعل الأشاعرة أنفسهم، والغزالي أشعري. وقد رأينا عاقبة هذا الرأي عندما أسيء تطبيقه؛ فأخذ به السلفيون في تعيين ‏خريجيّ السجون في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وليس هذا بغريب، فطوال تاريخ السلفية ومنذ سمع بهم المسلمون في القرن الرابع الهجري، كان من يقوم منهم بالأمر والنهي أبعد الناس عن صفات الورع والحلم، وأكثرهم تنفيرًا للناس في التزام شرع الله، وأكثرهم إثارة للفتن.

ويؤكد الجويني في "الإرشاد في أصول الاعتقاد" (ص370) على أنه "ليس للآمر بالمعروف البحث والتنقير والتجسيس واقتحام الدور بالظنون، بل إن عثر على منكر غيَّره جهده"أهـ. بينما سنرى عند مراجعة أمهات كتب التاريخ الإسلامي كيف كان السلفية يكبسون الدور وينتهكون حرماتها.

ولعل المشاكل الناجمة عن السلفية ليست في ‏اشتراطات علمائهم فيمن يقوم بالأمر والنهي، بقدر ما تكمن في أن عوامهم يسارعون في تطبيق الأمر ‏والنهي باليد، والذي يتعاضد مع وجود اعتقادات كثيرة لديهم تُخالف اعتقادات باقي فرق المسلمين، ‏مما يجعل الأمر على المستوى التطبيقي أكثر اشتعالًا بدرجة لا يمكن مقارنتها بأصحاب أي ‏عقيدة إسلامية أخرى. فالأهم من صفات القائم ‏بالأمر والنهي، واشتراط أن يكون عدلًا أو لا، أن الثابت عن علماء مذاهب السُنة الباقية بوجه عام، سواء ‏شافعية أو مالكية أو حنفية، وكذلك علماء الشيعة، عدم ميلهم إلى العنف، وعدم تجريئهم العوام على تغيير المنكر بالمقاتلة وشهر ‏السلاح، وأن يُترك صاحب هذا المنكر الغليظ إلى السلطان منعًا للفتن، مما أسهم في تقليل الفتن ‏التي حدثت بفعل عوامهم عبر التاريخ مقارنة بعوام السلفية.

كما أن جانبًا آخر من إشكالية جموع المسلمين مع الحنابلة، هو اختلاف مواطن الأمر والنهي ‏المعني بها تطبيقه باليد، فأنا كأشعرية أفهم أن يكون الأمر والنهي باليد للعامة عندما لا تكون وسيلة ‏لدفع الأذى إلا به، لأنه لو اُنتظِر تدخل السلطان لحدث المنكر، كأن يهم أرباب العصابات بقتل ‏نفس أو خطف طفل أو فتاة أو سرقة أموال شخص، فيجب على من يرى ذلك من المسلمين أن ‏يمنعه جهده، وبكل ما يمكنه من وسائل، حتى لو ناله الأذى في سبيل دفع هذا، لكن الحنابلة ‏مشغولون بشيعي يلطم وجهه في عاشوراء، أو صوفية يُنشدون، بينما يُسأل أحد مشايخهم عن رجل ‏تُختطف امرأته من بين يديه لتُغتصب، فيجيب السائل بأن عليه أن يتركها دفعًا للأذى عن نفسه!

وقد كان لتطبيق السلفية عبر تاريخهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جانبان: جانب اجتماعي فنشأت جماعات المطوعة التي تراقب الناس والأسواق للتأكد من انضباط الآداب العامة، وجانب عقدي/فقهي لكنه عُني بفرض اعتقاداتهم وما يرونه حلالًا وحرامًا بالقوة، وكانوا يطبقونه –ولا زالوا- في الإنكار على عقائد الفرق الأخرى، باعتبارهم ممثلو الإسلام الصحيح، مما أدى لمصادمات عديدة بينهم وبين غيرهم من الشيعة –خاصة-، والمعتزلة، ثم الأشاعرة بعد ذلك، وكذا غير المسلمين.

وكانت ممارساتهم طوال الفترات التي استقووا فيها عبر التاريخ أشبه بممارسات أرباب العصابات وقُطَّاع الطرق، وحكى لنا التاريخ عن جماعات المطوعة التي نشأت أول مرة ببغداد، وكان من أشهرها جماعة عبد الصمد. وكان لأبي محمد الحسين بن علي بن خلف البربهاري الحنبلي، وهو تلميذ أبي بكر المروذي –تلميذ الإمام أحمد-، والذي كان قائد الحنابلة بدءًا من سنة 296هـ وحتى وفاته سنة 329هـ، دور في فتن كثيرة رغم شهادة المؤرخين له بحسن الديانة. كان البربهاري أول من طبّق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على عقائد الفرق الأخرى بتلك الطريقة الهمجية التي لا تقرب من قريب أو بعيد لنهج الإمام أحمد بن حنبل، والذي كان من أبعد الناس عن العنف وإثارة الفتن رغم كل ما مر به من محنة طويلة. وبسبب البربهاري وجماعات المطوعة حدثت فتن كثيرة ببغداد خاصة في القرنين الرابع والخامس الهجريين، فبمراجعة كتب التاريخ الإسلامي في هذين القرنين تحديدًا نجدها مليئة بذكر أخبار الملوك والحروب في كل بلاد الإسلام، إضافة إلى ذكر الفتن ببغداد بين الحنابلة والشيعة، وكأنه لا فتن بين العوام على ظهر الأرض إلا ببغداد. وسير الفتن التي نبشوا وراءها ‏وتسببوا فيها تملأ أمهات كتب التاريخ الإسلامي، ويمكن العودة للكامل والبداية والنهاية والمنتظم، حتى لا يُقال إن ما ندعيه عليهم هو ادعاء باطل لا أصل له.‏

ولم يكن البربهاري وحيد عصره. يذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج 18، ص546-548) في ترجمته لأحد أعلام الحنابلة وهو الشريف أبو جعفر عبدالخالق بن أبي موسى عيسى العباسي ‏الهاشمي، المولود سنة إحدى عشر وأربع مائة، وهو أكبر تلامذة القاضي أبي يعلى: "وقال أبو الحسين بن الفراء: لزمته خمس سنين، وكان إذا بلغه منكر عظم عليه جدًا، وكان شديدًا على المبتدعة، لم تزل كلمته عالية عليهم، وأصحابه يقمعونهم، ولا يردهم أحد"، وقال ابن النجار: "كان منقطعًا إلى العبادة ‏وخشونة العيش والصلابة في مذهبه، حتى أفضى ذلك إلى مسارعة العوام إلى ‏إيذاء الناس، وإقامة الفتنة، وسفك الدماء، وسب العلماء فحُبس"أهـ. وأقول، وتراجم الحنابلة مليئة بمثل هذا النموذج، ونذكر منهم على سبيل المثال: محمود بن عثمان بن مكارم النعال البغدادي الأزجي، وإسحاق بن أحمد بن محمد بن غانم العلثي، والحافظ عبد الغني المقدسي.

نسبت هذه الفرقة نفسها إلى الإمام أحمد بن حنبل، وجعلوه في عين من لم يعرفه شخصًا ذا عقيدة مشوهة، وفقه متشدد، ومصدرًا للعنف والإرهاب؛ فهل أحمد بن حنبل هو أبو الإرهاب الإسلامي؟! نجيب على هذا السؤال في مقال آخر.

 

د. منى زيتون

 

صادق السامرائيمعاركنا تبدو للآخرين همجية من الدرجة الأولى، في عالم تتعاظم فيه المعارك الفكرية والعلمية والإبتكارية والإستكشافية.

عالم تتسابق فيه المجتمعات لإستثمار الفضاء وتعدين القمر وتحرير الطاقة من أوراق الشجر، ومن الماء والرياح والشمس والذرات والإليكترونات والنيوترونات.

بل أنه عالم في أشد حالات النزال لإمتلاك العناصر النادرة في الجدول الدوري للعناصر، والتي أصبحت ذات إستخدامات علمية وإختراعية لا تخطر ببال.

عالم يطمح إلى آفاق بلا حدود، وولوج أكوان من المعارف والعلوم والمخترعات التي أذهلت كل موجود.

وفي هذا الخضم المحتدم لا تزال بعض المجتمعات تنقاد بهمجية عمياء، نحو سلوكيات مناهضة لوجودها وقدرات بقائها ومعاني تفاعلها في الحياة، ومنها مجتمعاتنا التي عبّرت عن أفظع درجات الهمجية  منذ بداية القرن الحادي والعشرين، ولا تزال في غاية الإمعان بسلوكها العدواني على ذاتها وموضوعها ومعتقدها وكل ما يمت بصلة لهويتها.

وما تعلمت أبسط ضوابط ومرتكزات المعارك الفكرية والمعرفية، وإنما إستلطفت الإنطمار في تراب الأجداث والغوابر  والباليات، حتى إحترق الحاضر وغاب المستقبل، وتأسنت معالمها وإنقرضت طاقات أبنائها، وهُدرت في سوح التراهات.

ولا يمكن لهذه المجتمعات أن تستعيد رشدها، وتعي دورها من غير معارك فكرية، تلهب الطاقات وتطلق الأفكار وتمنحها آليات التفاعل مع الحياة.

فهذه المجتمعات لا تحتاج لتعزيز همجية السلوك بمعارك حزبية كرسوية فئوية طائفية، وإنما عليها أن تتخلص من القيود الإنقراضية، وتتعلم كيف تفكر وتحاجج وتبحث وتدرس وتقييم وتسعى نحو إدراك المستجدات، مثلما تفعل الشعوب الحية والمجتمعات المعاصرة القوية المتحضرة.

فالمعارك الفكرية التي تحتاجها مجتمعاتنا لا تُسفك فيها دماء أو تطلق رصاصة واحدة، وإنما هي عبارة عن ميادين لمقارعة الحجة بالحجة والعقل بالعقل، والتفاعل الإنساني الخلاق اللازم لإستيلاد العقول قدرات العطاء الأصيل.

وفي تأريخ مجتمعاتنا العديد من المعارك الفكرية التي خاضها أفذاذ أسهموا بتقدم الرؤى ونماء العقول وتهذيب السلوك، وفي مصر كان عباس محمود العقاد أحد قادة هذه المعارك والمقارع الصعب فيها، مما أسهم بإنجاب أعلام كبار في الثقافة المصرية.

وفي مجتمعات أخرى تكاد تنعدم هذه المعارك الفكرية، مما تسبب في خمول العطاء وخمود الجد والإجتهاد.

ولهذا فأن مجتمعاتنا مطالبة اليوم بالتوجه للمعارك الفكرية والعلمية والثقافية، بكل طاقاتها، لكي تتمكن من إنجاب ذاتها الحقيقية ورسم معالم دورها الأصيل.

ولكي تبصر بعيون العقل المعاصرة!!

 

د. صادق السامرائي

 

عبد الجبار نورييشهد التأريخ بأن البشرية مرت بعدة ثورات وآخرها ثورة (تكنلوجيا الأتصال)والتي أحدثت القطيعة بين كل ما هو قديم وأصبح اليوم جديد، ونتيجة لهذه التطورات تزايد الطلب على هذه التكنلوجيا، وبالتالي أصبحت هذه التقنية الرقمية أكثر الموارد أهمية بالمقارنة بالموارد الكلاسيكية مما أصبح الأهتمام بتكنلوجيا المعلومات والأتصال الرقمي الشرط الشاغل بأعتبارها نقطة القوة والتمييز في عصر المعلوماتية لذاأحدثت التكنلوجيا الحديثة (الهواتف النقالة والآيباد) المعطي الرقمي برمته وهو الرابط الفعلي بين الفرد والعالم، وهو ما يثير التساؤل حول رؤيتنا المستقبلية أين نحن كعراقيين أو عرب من معطيات تلك التكنلوجيا ؟ وكيفية مواكبتها، وخصوصا ما يخصُ الطفولة البريئة، الملاحظ أن تكنلوجيا الأتصال خلال السنوات الأخيرة تميزت بتطورات سريعة وتأثيرات مباشرة للثورة الرقمية على نمط الحياة الأنسانية وطموحاتها  في السلام العالمي وأستغلال الأمكانات المتوفرة والمتجددة في هذا العصر .

الموضوع/أحدثت التكنلوجيا الحديثة تغيراً جذرياً على حياة الأطفال الأمر الذي ساعد على أن يكون مفتاحاً للآمراض النفسية لدى جيل المستقبل، نتيجة غياب الحوارالأسري والأستخدام المبكر يدفع الطفل إلى الأدمان، صحيح أن في المد الأنفجاري للعصرنة الحداثوية أوجه أيجابية أذ حولت الحياة نحو الأسهل من خلال قضاء الأمور والحاجات بشكلٍ أسرع، ألا أنّها أحدثت فجوة كبيرة بين شرائح الناس على أرض الواقع وهذا ما يلاحظ في البيت والشارع والسيارة والقطار أن كل فرد ممسكاً هاتفهُ الشخصي ومنغمراً في عالمه الخاص .

والوضع الطبيعي للطفل هو اللعب ومشاهدة الرسوم المتحركة ولك ما نراه اليوم هو العكس تماما، فالطفل أصبح متعلقا ب(الآيباد) بحيث أصبح أكثر براعة وخبرة من الكبار، وأثبت الطب النفسي أن الوالدين هما المحفز الأساسي لأدمان أطفالهما كونهما هما منشغلان طوال الوقت بهذه الأجهزة وبوسائل التواصل الأجتماعي، فضلا على أن بعض المدارس في عالمنا الواسع تسمح بالدراسة عبر الأجهزة الألكترونية والآيباد لأحتوائها على الفصول الدراسية للكتب المقررة ربما هي من أجتهادات المسؤولين التربويين المعتقدين بأن هذه الأجهزة عملة ذات وجهين – وهم على حق – النافع والضار، آن الوجه الحسن في أداء الطفل بالمعلومات الثرة لتفتح مداركه وتوصله بالعالم من حوله وتجعله ملما بالأحداث وبالجديد فضلا على أنها تنمي مخيلته والقدرة على الأستماع وتحليل المعلومات بمستوى الوعي والأدراك من خلال التفاعل البصري والصوتي للبرامج التعليمية الموجودة على الشبكة العنكبوتية وتخلق ثقافة البحث العلمي والأبداعي .

أما الوجه السلبي فهو يعزل الطفل عن أسرته وتضعف علاقته بمفهوم الأسرة لكونه يعمل على تفكيك الروابط الأسرية، وقد تخلق خللأ في شخصية الطفل في حال دخوله على مواقع مشبوهة في ظل غياب الرقابة الأبوية وقد يصاب بالأكتئاب وتتولد عنده العنف، وأستعراضي لمعطيات تداعيات الآيباد النفسية ما هو ألا فيض من غيض حيث دفعني لتشخيص أسبابها فوجدت بعضها في العنف الأسري أو أنفصال الوالدين، وأن أغلب أولياء الأمور يفتقدون لمساحة الوقت الكافي والمخصصة للأبناء، بالأضافة إلى عدم ألمامهم بقدرات أطفالهم وتوظيفها من خلال الخدمات المجتمعية من قبل المراكز والأندية التي هي الأخرى قليلة في بلدنا العراق، وكذلك غياب الحوار الراقي مع الأبناء بسبب أنصرافهم إلى الأجهزة الأكترونية، وربما تكمن في أسباب ومعاناة أرثية في الجينات الوراثية ويكون الأفراط في أستعمال الطفل لهذا الجهاز في تبكير ظهور السمنة الزائدة والنحافة الزائدة، فلا بد من ملاحظة مخاطر هذا الجهاز في :

-الأدمان حيث تكون علاماته الشعور بالأنزعاج والقلق الشديدين في حالة البعد عن الهاتف الذكي أو الآيباد، شعور الطفل بالسعادة والحبور عندما يكون الجهاز بين يديه، ويميل الطفل المدمن إلى العزلة كثيراً ما يترك جلسة عائلية ليخلو بأصدقائه الأفتراضيين، وملازمة الطفل للجهاز أينما يتحرك .

- نمو الدماغ بشكل سريع خلال الأستخدام المفرط يحدث تحفيز قوي للدماغ بالنمو السريع حيث ينجم عنه مخاطر جمة مثل نقص الأنتباه وتشتيت التفكير وضعف في التعليم، وتأخير في تنمية مهاراته في التقبل، تشنج في عضلات العنق وأوجاع في العضلات، الكسل والجهد والخمول الجسدي والفكري والهذيان الذهني، والوميض المنقطع يتسبب في حدوث نوبات من الصرع عند الأطفال، أحتمال الأصابة بمرض أرتعاش الأذرع، والسرطان والأورام الدماغية والصداع والأجهاد العصبي، أضافة لأمراض العيون وضعف النظر والرؤية الضبابية(عن مركز التأهيل النفسي لمشفى هودنكه ستوكهولم/ ترجمة الكاتب) .

- البدانة: للجلوس الطويل لساعات حيث الخمول والكسل الذي يؤدي إلى السمنة الذي كما هو معروف انها السبب الرئيسي لمرض السكري والنوبات القلبية المبكرة .

- الأرق: أكدت الدراسات العلمية الحديثة أن 60% من الآباء لايشرفون على أستخدام أطفالهم للأجهزة الحديثة، وأن 75% منهم يسمحون بأستخدامها في غرف النوم وبدون رقابة مما يؤدي إلى حرمانهم من النوم وأصابتهم بالأرق وهذا يؤثر على أداءهم الذهني .

-  أن الأضطرابات النفسية والأمراض العقلية بين الأطفال في تزايد مستمر بسبب ظهور التقنيات الحديثة من الأجهزة الأكترونية ومن بينها ( الآيباد ) الأصابة بالأمراض العقلية الأستخدام المفرط لهذه الأجهزة قد يصاب الطفل بالأكتئاب والقلق والتوحد ونقص الأنتباه .

- الميل للعنف: أن ما يشاهده الطفل في أجهزة الآيباد من ألعاب أفتراضية أحيانا لا يدرك أنها تفتقد الواقعية في مشاهد القتل والتعذيب والتشويه والأغتصاب، فيميل إلى التقمص فيمارسها على أخوته أولا ثم يصدرها إلى الخارج مع زملائه في المدرسة  ليحصل على عضوية نخبة البلطجة (عصابة التنمر المدرسي) أن هذه المعطيات والتداعيات النفسية الكارثية على الطفل البريء يبدوأنه ونحن الآباء في أمتحان عسير لحلحلة المشكلة والأتجاه إلى بعض من المعالجة والحل :بالبدأ لدي همسة في أذن الوالدين : أني لا أقصد منع الأطفال من تداول هذه الأجهزة لأن في زماننا يعدُ ضربا من الخيال وأن المنع المطلق غير ممكن لكون مجمل هذه التقنية مفيدة ومن أفضل وسائل التعليم أذا أن لا يكون المنع بطريقة بوليسية قهرية قمعية لكون كل ممنوع مرغوب، يبدو أن المشكلة شاخصة وعامة لدى أغلب الأسر في أنتزاع الجهاز منهم أنتزاعا بعد ملحمة درامية، يفضل أن يحولوا أنتباههم إلى البديل كالأتجاه إلى الرياضة وخاصة إلى اللعبة المحبوبة لديهم كرة القدم أو للعبة الشطرنج، أو محاولة الأتجاه ألى الحل الوسط بأستعمال الآيباد من حيث عدد ساعات الأستخدام، زرع الوازع الأنساني داخل الطفل، المراقبة عن بعد، عدم حفظ البيانات الشخصيى داخل هذه الأجهزة على العموم ومنها الآيباد، ولابد من التركيز على توفير الثقة والقدرة على (توظيف) الأثر الأيجابي في الحياة والأستمتاع بما تحققهُ بعيدا،عن الأضرار والأوجاع والمشاكل والعراقيل التي هي من أفرازات الوجه الثاني لعملة التقنية الرقمية، ترى هل نراهن على أيجابياتها ؟ أم نترك السلبيات تقضم طموحات الأجيال القادمة، فالوجهان مفروضان علينا فلا بد أن نكون في الأتجاه الصحيح في أستثمارفوائدها والتقليل من أثر الجانب المعاكس، وأن لا ننسى دور الدولة وحرصها على حضور الأجتماعات الدولية لدراسة سبل حماية الشباب من مخاطر الجريمة الألكترونية وفي اعداد مكتبة للتوعية الألكترونية، وكذلك يجب أقحام السلطة الرابعة (الأعلام) في خضم هذه المعركة المصيرية وأبراز التوعية من أجل ثقافة ألكترونية جادة ووطنية

 

 عبد الجبار نوري