كارثة مطارات المحافظات ومنها مطار بغداد الذي لا يختلف كثيرا عن مطار الناصرية الا بوسع مساحته ورصانة ابنيته وعدد الموظفين فيه.! بعد ان كانت بغداد مدينة وعاصمة بها مطار دولي من طراز المطارات التي تُستاجر منه شركات البريد السريع العالمية مثل شركات: دي اج ال، مخازن ومدرجات ومعدات لنقل الارساليات والبريد السريع. كانت طائرات الخطوط الجوية العراقية رمزا يطمئن لها المسافر وفخرا يحبه كل العراقيين. اصبحت الخطوط العراقية تتخلى عن انشطها وسمعتها لتاخذ مكانها في عدد من مساراتها الجوية، الى الطائرات التركية بديلا للعراقية لنقل اكبر كثافة مسافرين بين السويد وترانزيتات الليل الطويلة في مطار اسطنبول ثم الى مطار بغداد لتستغرق الرحلة مايقارب ليل بطوله وعرضه وارهاقاته . بينما السفر في الخطوط الجوية العراقية رحلة مباشرة لاتستغرق اكثر من اربع ساعات كيفما يختار المسافر وقته المناسب نهارا او ليلا، والتي منعتها سلطة طيران السويد لعدم اهلية محطة ستوكهولم وكادرها العراقي الغير مؤهل، اضافة الى انعدام معايرسلامة الطيران . االمعيب واللاوطني هو عدم اصلاح هذا الخلل منذ عدة سنوات ولم تحاول الجهات العراقية اصلاح ومعالجة هذا التخريب المزمن في سمعة العراق وكفاءة الخطوط الجوية العراقية .

خطوط بغداد فلاي، لصاحبها صولاغ ، كوكتيل تعدد المهن، تاجرهو الاخر مع بقية الخطوط الاجنبية على حساب العراقية والمصلحة العامة .

ما الذي يجري الان؟

 لماذا لايوجد مكتب للخطوط الجوية العراقية منذ سنوات في ستوكهولم – السويد حيث الجالية العراقية من اكبر الجاليات العراقية في اوربا. من هي الجهة المستفيدة من عدم وجود نشاط للخطوط الجوية العراقية؟ واحتل مكانتها الخطوط الجوية التركية (هفا تُركش). كلما تزيد العراقية من بطاقة السفر عليها تخفض هفا تُركش اسعار بطاقاتها . والحليم تكفيه الاشارة!!

على رئيس الوزراء ووزير النقل وكل من له احساس بالمصلحة العامة . ان يُعيدوا مطار بغداد الدولي كمطار وفق مواصفات المطارات الدولية ، من حيث التسهيلات ورفع العوارض مابين ساحة عباس بن فرناس وبوابة المطار. وتحسينات صالة المسافرين وملحقاتها وبضاعة السوق الحرة التي تحولت الى جمبر من جنابر بائعي الارصفة. واحترام المسافرين بكافتيريا تليق بمطار دولي . وانصبوا سُلما كهربائيا رفقا بالمرضى المغادرون والعائدون من المطار للعلاج خارج العراق ولكبار السن . شاهدت شابا يحمل والدته على ظهرة نازلا السلم بعناء شديد بعد ان اجريت لها عملية كبرى في الهند. باي مطار في هذا الكون نجد هذا المشهد المحزن والمخزي؟

عندما يموت الضمير الوطني وشرف المسؤولية تضيع القيم الاخلاقية .

لماذايخرس المواطن من المطالبه بحقه الضائع اهو خنوع ام خوف؟ او لربما راضيا بما هو فيه من اذلال.!

 

د. اسامة حيدر

 

واثق الجابرينكاد نجزم بأن لا أحد يستطيع التكهن، بموعد تحديد الجلسة البرلمانية، التي سيكتمل بها التصويت على ما تبقى من الكابينة الوزارية.

بنفس الوقت وبنفس القوة سنجزم أن لكل طرف قناعات ورؤية خاصة، سواء بإكمالها أو إبقائها ضعيفة حسب أمنياته، مع الإستعداد التام لردة فعل، في حال جرى الواقع حيث لا تشتهي سفن الرياح الحزبي.. الدافئة منها والصفراء.

إختلاف القرارات والتوقعات، ناجم من طبيعة مرامي القوى السياسية، وآمالها بتحقيق ما تصبو إليه مصالحها، فيما لا تجد إلاّ النزر اليسير، ممن يضع الدولة بتطلعاته، ومستعد للتنازل في حال كانت مصلحة البلد تتطلب ذلك.

شهدت العملية السياسية نوعاً من التغيرات، في الخارطة السياسية المعهودة على التوافق والمحاصصة الحزبية والقومية والطائفية، لكن عدم إلتحاق الكورد بأيّ من الكتلتين الرئيسيتين، لم يسمح لأي كتلة بإكمال الأغلبية البرلمانية، وبنفس الوقت لم تصل أيّ منهما الى حالة ذوبان أعضاؤها مع بعضهم، ولم تنصهر الأفكار في بودقة مشروع سياسي متكامل يمثل إجماعا بعد مناقشة مستفيضة.

ربما يكون تحالف "الأصلاح والإعمار" في مقدماته؛ بداية لمشروع بمنطلق سياسي رصين، بعد تسمية رئيس للتحالف وهيئات قيادية وسياسية ورئاسة للكتلة البرلمانية، إلاّ أن غياب تشكيل منافس من تحالف "البناء"؛ أثر سلباً على طبيعة إدارته وإنفلات توجهات قواه، وهذا ما إنعكس سلباً على تحالف" الأصلاح والإعمار"، ما جعل بعضها تعيد مراجعة طبيعة التحالفات التي شكلت على عجالة ومرحلية، وإثارة إختلافات التوجهات والتقاطعات أحياناً، التي كانت قبل الإنتخابات.

أثر تأخير إكمال الكابينة الحكومية، بشكل سلبي على القوى السياسية، التي ما برحت تُخلي ساحتها وترمي الكرة على الجانب الآخر، وتحاول الإستدارة الى الوراء لمراجعة طبيعة التشكيل.. وبإتفاق كتلتي سائرون والفتح، بإعتبارهما أكبر كتلتين من التحالفين، وكان المفترض أن تجري بقية التفاصيل، على جميع القوى بتساوي الأدوار، سواء بالتخلي عن المناصب التنفيذية أو تقسيمها حسب الحصة الإنتخابية، إلاّ أن ذلك لم يحصل وإنحسر التفاوض بين سائرون والفتح، وتلاشى دور الكتلتين عمليا.

يبدو أن الإشكالية لا تتعلق بتشكيل الحكومة فحسب، بل تصاعدت مع إقتراب الفترة المحددة لإنهاء ملف الهيئات المستقلة والدرجات الخاصة، التي يصل عددها الى 6000 وظيفة معظمها بالوكالة، بالإضافة لرئاسة اللجان النيابية، وخلافات على اللجان الأدسم، وصار الحال بيعا وشراءا وابتزاز سياسي، لغرض إستخدامها للتغطية على ملفات وزارة من قبل اللجنة البرلمانية المقابلة، أو أبتزاز المختلف لإسقاطه؟!

لابد للقوى السياسية من الإتجاه الى الأمام، وعدم العودة الى الوراء، لكن لا ليس بتشرذم المواقف وتقاطعها.

المؤسف جداً أن اللجان البرلمانية خضعت للمزايدة والبيع والشراء، والمفترض أن تعطى هي والهيئات المستقلة، للقوى التي لم تحصل على مواقع وزارية.. ومن ناحية التحالفات، لابد من إعادة تماسك التحالفين كل على مكوناته، وتكون القرارات بعد دراسة مستفضية، وبذا يتبلور القرار السياسي، وتتشكل الحكومة دون الميل بها لكفة على حساب آخرى، وتفعل اللجان البرلمانية والهيئات المستقلة لأجل الرقابة، وكذلك توزع الدرجات الخاصة وفق الكفاءة.

جميل أن تكون هناك معارضة، ولكنها ستكون بشعار لطيف وتطبيق ضعيف، في ظل محاولة بعض القوى بالهيمنة على كل مفاصل الدولة.

 

واثق الجابري

 

عبد الخالق الفلاحيؤكد المختصون في علم الإدارة بأنها علم وفن ومهارة متى ما افتقد لاحدى هذه المستلزمات تقل نسبة النجاح فية وتكون نسبة الفشل اكبر . فقد أشبع الكتاب والاساتذة المختصون هذا العلم بكثير من النظريات والمبادئ التي تتجدّد مع الظروف الحياتية بشكل دائم . والعمل الإبداعي يخرج من المتعلم الممارس وحق مشاع للجميع والنجاح يكمن فيمن لديه القدرة على مسك زمام الإدارة بمهارة عالية، وبطبيعة الحال يحدث التفاوت في استيعاب هذا العلم وتطبيق فنونه من شخص لآخرحسب التكامل الابداعي المكتسب والتجربة العملية، وتكون النتائج والمخرجات بطبيعة الحال مختلفة ومتباينة .كما ان الشفافية هي المفتاح للإدارة الناجحة، وهي المكون الأساسي لبيئة العمل المتناغمة والمتقدمة مع الشعب وتقلل الاخفاقات، لذلك حين تتحلى بالشفافية امامهم فأنت تعلم علم اليقين أنك تزود الجميع بالمعلومات المناسبة في الوقت المناسب وتقل الاعتراضات، مما يدفعهم لاتخاذ القرارات الصحيحة للوصول الى الهدف . وعليه فأن بناء ثقافة جديدة تجعل مجلس النواب العراقي يسير بآلية عمل أكثر فاعلية وبحضور فاعل ودائمي وتقليل الغيابات ومشاركة فعالة في اللجان ومناقشة السلبيات والايجابيات للوصول الى القوانين المنسجمة و تبرز بمثابة بنية شاملة كخلية نحل تجعل الجميع يعمل بتقارب أكثر وبالتالي كفاءة أكبر.

في العراق تحول القانون بعد الاحتلال مع الاسف عند المشرع لوسيلة يتم بها تحقيق الأهداف والمصالح الشخصية عبر تطويعه بما يناسب الجهات المتنفذة في البلاد، ويتم تعطل القوانين المهمة داخله بسبب الشروط والمقاسات التي تضعها الكتل السياسية لتمرير أي قانون، بما يؤكد على حالة الفساد القانوني المستشرية في البلاد منذ عام 2003.

وفي المجلس وعلى مدى السنوات الماضية كانت الانقسامات السياسية وعدم الاتفاق السمة البارزة في اداءه، نتج عنها ترحيل كثير من القوانين المصيرية الى الدورة الحالية وجرى تعطيل بعضها لعل هذه الخطوة من أهم ما انجزته المجموعة الجديدة التي دخلت المجلس الحالي منذ تسلمها مهام العمل حيث لم تقدم اي قانون يخدم المجتمع وتقود نحو مزيد من الفشل ولم تسفر عن إنجاز أي قوانين مهمة تلامس حياة المواطنين واليوم نلاحظ أن نصف عمر مجلس النواب ضاع في عدم اكتمال النصاب، وهناك نواب لم يحضروا جلسة واحدة بشكل كامل ولعل البعض لم يؤدي القسم، ولم يتم محاسبتهم أو مجرد سؤالهم عن هذا التغيب، والذي أدى إلى عدم مناقشة القوانين،في غياب المنافسة البناءة التي تدفع دوماً نحو الأمام وتكون حافزاً للتطوير والتنمية كي يحافظ على وتيرة النجاح وعلى السمعة التي تؤهلهم كنواب في مجلس يدير امور البلد أو التي يكتسبها خلال 4 سنوات التي تقضى في مجلس النواب وتجعل النائب أكثر إبداعاً وابتكاراً للخروج باستراتيجيات جديدة .

 يعد فشل مجلس النواب العراقي في أداء الوظيفة الموكلة له بكل صوره وتعد آفة الغياب والتسيب من الحالات الخطرة التي تهدد كيانه وتهدد مؤسسات الدولة واستقرارها وتعصف بالثقة العامة وتجعل المصلحة العامة في مهب الريح، والانشغال في السفرات الغير منتجة والتهرب وعدم حضور البرلماني للجلسات والمشاركة في النقاشات والجلوس في الكافترية اصبحت حالة متكررة ومتدنية لا تستساخ وتدل على عدم المبالاة وهذا المرض المعضال ينخر جسد المجلس منذ 15 عام واتسمت القوانين لاسيما الحديثة الصادرة عن مجلس النواب بغياب المنهج التشريعي الواضح وتخلف التوحيد في المصطلحات القانونية ولازال عمله مرتبك فقد شاهدنا كيف ان القوانين التي تعرض للقراءة لم تأخذ المسارات الصحيحة وفق النظام الداخلي للمجلس و للوصول الى الرئاسىة وهي لم تناقش بشكل مسهب وتعود لعدم اطلاع حتى اللجنة المختصة به في الاطلاع على ذلك القانون والكثير من الامور غير منتجة بمختلف تطبيقاتها اليومية على الصعيد التنفيذي والتشريعي والقضائي وتبقى غير واضحة ويعرف الفشل في الوظيفة التشريعية بانه عدم قدرة المجلس التشريعي على النهوض بالوظيفة الدستورية الموكلة اليه وهو يكون على نوعين أحدهما مؤسسي حينما يفشل البرلمان ككل في أداء مهامه التشريعية أو الرقابية حيث ولد ميتاً وما زال جثة هامدة لا تهزه أعتى العواصف وليس له سوى الشكل الظاهري والبناية الأنيقة التي يحتلها و عجز كلياً عن تحقيق اي مكسب يستحق الذكر للمواطن سوى الحلول الترقيعية و الفشل في التوحد على ثوابت و اللحمة وطنية مثلما انكسر أمام الطائفية وأصبح منبراً لها في الدورات السابقة ولازال كذلك .. فهناك المئات من القوانين التي سنها مجلس قيادة الثورة المنحل ما زالت سارية المفعول ويعمل بهاومن بينها الامن الداخلي وقوانين الوزارات والانشطة المؤسساتية، ولكن " نجح في الاجماع على القوانين التي تشرعن امتيازات و صلاحيات أعضائه بشكل اناني فاضح مثير للريبة والشك والسخرية" . هل البرلمان مجرد لعبة مضحكة في حياة العراقيين وعلى المستوى الفردي حينما يكون افراد المجلس غير مؤهلين للقيام بالمهام والواجبات الموكولة اليهم وهي الطامة الكبرى والخوف من كلمة الثقافة لان البعض من النواب يفتقرون اليها مما تجعلهم ضعفاء في مواجهة جمهوره الذين يمثلونهم ولا يمكن أن يكون احدهم إلا موظفاً روتينيا فاشلاً لا يحرك ساكناً في بناء المجتمع، لذلك نرى أغلبهم مجهولين لجهة الشهادة والتحصيل العلمي والمعرفي ومعروفون لجهة الحسب والنسب وهي الصفات التي ذمها الإسلام الحنيف و دعا للاحتكام للمؤهلات الأخرى للحكم وليس الأنساب . وتظهر الواقعة بوضوح عمق الخلاف بشأن من ينبغي تعيينه في المناصب الوزارية المتبقية في الحكومة، بما في ذلك حقيبتا الداخلية والدفاع اللتان يدور حولهما تنافس شديد والعدل والتربية. والصراعات مستمرة للنيل بترأس كعكة اللجان ولم تنتهي هذه المعضلة منذ اكثر من اربعة اشهر وهي ظاهرة مستمرة ولكن متى تنتهي فالخبر اليقين عند جهينة .

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

ميلاد عمر المزوغيثلاث سنوات بالتمام والكمال ومجلس الفرقاطة يمعن في اذلال المواطن واحتقاره، ونهب خيرات البلد واهدارها فيما لا يعني، تصرف على هيئة مرتبات ومهايا للتشكيلات الاجرامية التي تمثل الاجنحة العسكرية للجماعة الليبية المقاتلة والإخوان المتأسلمون، المسيطرون على مقاليد الأمور في الدولة، الساعين الى اخونتها، وجعلها بيت مال لدعم تنظيم الاخوان في شتى ارجاء المعمورة، فهؤلاء لا يؤمنون بمدنية الدولة كما يتبجحون، بل تشكيل عصابات مسلحة يكون ولاءها لهم وليس للوطن، لذلك نجدهم وبقوة يعادون الجيش الوطني، لأنهم يرون فيه نهايتهم، فلا دولة بدون جيش وطني يحميها من أي عدوان خارجي.

اتفاق الصخيرات المشئوم نصت احدى بنوده على ضرورة ايجاد حل للميلشيات المسيطرة على العاصمة، سواء بانخراط افرادها بصفة فردية بالمؤسسة العسكرية والقوى الأمنية لمن يرغب في ذلك وفق النظم واللوائح المعمول بها، او تهيئتهم للعمل المدني وفق برامج محددة تجعل منهم سواعد بناء لا معاول هدم.

للأسف الشديد فان مجلس الوصاية لم يقم بتنفيذ البنود الخاصة بالميليشيات، بل استسلم لها وهادنها وأعلن مؤخرا بأنه استوعبها (القبول بها كما هي، على علاتها)وجعل منها ذراعه العسكرية التي يبطش بها، علّها تمدد له في عمره الذي يتمنى الجميع زواله في اقرب الآجال لما سببه من احتقان بالشارع الليبي بسبب سياساته اللا مسؤولة في كافة مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية وارتمائه في أحضان الدول التي تعادي الشعب الليبي وتسعى الى استنزاف خيراته.

مجلس لا يؤمن بالديمقراطية وحرية الرأي والتعبير ولا يأبه بالمطالب المحقة للشعب في حقه الاستفادة من خيرات بلاده والتمتع بالأمن والاستقرار، بل عمد الى إيقاف التزود بالوقود والسلع التموينية للمدن والقرى التي أعلنتها صراحة بان جماهيرها قد نفد صبرها لما الت اليه الأمور، ما يعد جريمة حرب في حق أناس امنين مسالمين، ناهيك عن ضرب تلك المدن والقرى بالطيران!.ان مجلسا يضيّق الخناق على شعبه ويجنّد المرتزقة لضربه بالطيران ليس جديرا بالبقاء في سدة الحكم، واستجداء الخارج لن يفيد.

لقد برهنت حكومة الوصاية وبما لا يدع مجالا للشك، بأنها حكومة صعاليك (ميليشيات مسلحة ومرتزقة) فهي لا تضم الصعاليك المحليين وحسب بل سعت وبكل ما تملك الى جلب الصعاليك الدوليين وإغداق الأموال عليهم من خزينة الشعب الذي يتضور جوعا، تجلي ذلك من خلال المرتزق البرتغالي الذي اسقطت القوات المسلحة طائرته وقد نفذ العديد من الغارات مستهدفا الجيش الوطني الليبي وبعض القرى المدنية التي قالت لا لحكومة الوصاية، وكشف عن تقاضيه أموالا طائلة نظير كل غارة جوية يصب خلالها الحمم على افراد الجيش او المدنيين العزل، العزة والكرامة لأولئك الطيارين العسكريين الذي رفضوا مهاجمة اخوة السلاح رفاق الدرب، والمدنيين الآمنين.

لم تكتفي الحكومة بالتجويع والتركيع بل القتل أيضا وفي شهر الصوم لتساهم بذلك في دخولهم الجنة من أوسع ابوابها، الخزي والعار للعملاء وبائعي الوطن بابخس الاثمان، الراقدين على بطونهم ليعبر العدو على أجسادهم النتنة الى داخل الوطن الحبيب، والمجد والخلود لمن تصدوا لهذه الاعمال الاجرامية وضحوا في سبيل الوطن ورووا بدمائهم الزكية تراب الوطن، تحية لمن آلوا على انفسهم بضرورة اجتثاث الإرهاب من جذوره، لقد اقتربت ساعة الحسم وسيفر من تكتب له الحياة من العملاء والمأجورين الى اسيادهم في اسطنبول والدوحة، وتنتهي الثمان العجاف ويعم الرخاء ارجاء الوطن.

 

ميلاد عمر المزوغي

 

تناقلت وسائل الأعلام المختلفة تصريحات السيد رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بأنه سيعمد إلى توزيع الهيئات المستقلة بين الأحزاب والكتل النافذة وحسب ثقلها، وهي ما تبقى من تشكيلة حكومته، ويأتي هذا التصريح في ظل تجاذبات خطيرة تمر بها العملية السياسية، وتصريحات بعض الكتل في تشكيل كتلة معارضة في مقدمتها تيار الحكمة الذي وجد نفسه خارج أي مشاركة له في حكومة السيد عبد المهدي، ما يعني تهميشاً من قبل رجل المجلس الأعلى القديم، ومرشح آل الحكيم لعدة دورات، لأصدقاء سنوات معارضته لسلطة البعث المجرم، إذ أن هناك أكثر من 25 هيئة تابعة للدولة باتت ضمن استهداف الأحزاب والتيارات النافذة والتي مسكت رقبة رئيس الحكومة وهي تقترب من ملفات استكمال حكومته، إذ تعد هذه الهيئات مكملة للحكومة، وتمتلك ميزانيات ضخمة كشبكة الإعلام العراقي التي تعد من أكثر الهيئات الحكومية تمويلاً، وتحظى بدعم مالي أكثر مما تحصل عليه وزارة الثقافة نفسها، حيث تستعد الكتل السياسية للاقتتال من أجل اغتنام أكبر عدد من الهيئات التي تخضع للمحاصصة الحزبية والطائفية والقومية، وعلى الرغم من الوعود التي أطلقها السيد عبد المهدي باستقلالية هذه الهيئات إلا أن الفتح وسائرون هم الأكثر اغتناماً لهذه الهيئات حيث يسعون إلى الاستحواذ على البنك المركزي العراقي، إلى جانب حصول سائرون على الأمانة العامة لمجلس الوزراء وأمانة بغداد وغيرها من هيئات مهمة يعمد سائرون إلى الحصول عليها بالضغط على حكومة عبد المهدي بالوعد والوعيد .

شكلّت هذه الهيئات باباً واسعاً للفساد وشهدت كثيراً من الخروقات والفساد وخصوصاً في فترة حكومة المالكي، والذي ترك الباب مفتوحاً لهذه الهيئات وأصبحت تدار بالوكالة لسنوات طويلة، إلى جانب الفساد المستشري بين دوائرها جعلها في دائرة الاستهداف السياسي، حيث تصل موازنة بعض هذه الهيئات إلى موازنة وزارة متكاملة، وظلت هذه الهيئات وهينة الأحزاب وتدار من قبل شخصيات متحزبة خلال الحكومات المتعاقبة بعد عام 2003، وهذا ما فقدها صفة الاستقلالية بالكامل، كما أنها أصبحت حلقة للابتزاز السياسي وتمرير الصفقات بين الكتل السياسية عموماً، الى جانب كونها أصبحت تمثل مشكلة في طريق مكافحة الفساد بدلاً من أن تساهم في علاجه، وتبقى هذه الهيئات خاضعة للمحاصصة الحزبية، حيث تشير أغلب التقارير أن الفتح وسائرون سيوزعان الهيئات حسب رغبتهما، وسوف تبتعد عن طريقة توزيع الوزارات في حكومة عبد المهدي ما يعد قاعدة في طريقة توزيع المناصب وعلى المدى البعيد .

الملف غاية في التعقيد ويحتاج إلى أدارة ناجحة في كيفية التعاطي معه على نحو الذي يجنب الصدام بين الكتل السياسية، خصوصاً وأن الجميع يعلم أن حجم الكتلة لايمكن قياسه من خلال عدد أعضاءه، لان بعض الكتل تعلم جيداً حجم التزوير الذي رافق عملية الانتخابات الأخيرة، وما حصلت عليه من أصوات لا يعد كونه سرقة لأصوات الناخبين وتزوير للأصوات التي حصلوا عليها، كما ان أهم معيار الذي يمكن الاعتماد عليه في طريقة التعاطي مع هكذا ملفات هو الثقل السياسي وذلك لان الكتلة يمكن أن تتغير في الانتخابات القادمة، خصوصاً إذا طبقت المعايير الدولية ومنع التزوير فيها، لذلك على السيد رئيس الوزراء أن يكون على قدر من المسؤولية في توزيعها بالنحو الذي يضمن موقف جميع الكتل دون استثناء، وإرضاء الجميع لان الجميع هو مشارك في العملية السياسية والجميع مساند لجهود إعادة هيكلة الدولة ومحاربة الفساد .

 

محمد حسن الساعدي

 

عبد الجبار نوريعقدت المحكة الأخلاقية بنشاط سياسي أنساني من قبل الفيلسوف البريطاني (برتراند رسل) وتشكلت من أبرز الناشطين في العالم، بالرغم من أن قراراتها غير ملزمة بيد أنها صوت أعلامي مقلق ومؤرق في أسقاط ورقة التوت عن صقور اليمين وتجار السلاح وحيتان الكارتلات والعقلية الأستعمارية الراسمالية الجشعة للبنتاكون في فيتنام وكانت جلساتها أدانة لأمريكا ورؤسائها في تلك الحرب القذرة وأدانت الجرائم التي أرتكبوها من مجازر بشرية وتخريب بيئي وتسميم المواشي وأهلاك الزرع والضرع وكان عدد القتلى بين 3-4 مليون مدني وعسكري فيتنامي حدثت هذه الحرب العدوانية في عهد الرئيس الأمريكي " روبرت كندي " 1952، وأصدرت المحكمة حكم أدانة على أسرائيل بسبب عدوانها المتواصل على الشعب الفلسطيني، وكذلك أدانت الرئيس الأمريكي " جورج بوش على الجرائم التي أرتكبها أثناء غزو العراق عام 2003، وأدانت الرئيس الأمريكي " أوباما " لنهجه بأرتكاب جرائم في أوكرانيا أيام التصادم العرقي، وسميت ب " محكمة رسل " لا تمثل أكثر من قوة أخلاقية بأحكامها القانونية الغير ملزمة ألا أن عقد مثل هذه المحكمة تظل واحدة من أهم نقاط الدعم للقضايا العادلة أمام الرأي العام العالمي لمناصرتها الشعوب المضطهدة والمظلومة في العالم بعيداً عن الضغوط السياسية ولآفشال أي مسعى لأجهاض العدالة والحقيقة، التي تجاوزتها أمريكا لميكافيليتها ومكارثيتها في السياسة والتعامل مع دول أوربا، والتأريخ الأنتهازي شاهد على حكومات الولايات المتحدة، وكانت الحرب العالمية الثانية في أوج أشتعالها حين أنهارت بولنده وهولنده وبلجيكا كانت أمريكا تبيع السلاح وتمنح الدعم المالي إلى كل الفرقاء المتقاتلين سواءً كانوا في المحور أوالحلفاء، ولم تدخل الحرب رسمياً، مستخدمة الحرب لأنعاش مصانع السلاح وأقتصادها الوطني  وكان من مصلحتها سقوط كل دول أوربا بيد النازية والفاشية (دول المحور) لكي تبقى تابعة لها .

إلى --- محكمة " رسل " الموقرة طياً ملفات جرائم آخر ثلاثة رؤساء لأمريكا الشر راجين فضح ما أقترفوه  من جرائم ترقى لمستوى هولاكوست في أبادة الجنس البشري وأنصاف الضحايا من الشعوب المظلومة ورد الأعتبارلها :

* ملف جرائم الرئيس جورج بوش رقم 43 يجب محاكمته على 7  سبع جرائم في العراق : الكذب بالأدعاء بوجود أسلحة نووية في العراق وحتى أسلحة دمار شامل، خوض حرب بلا وثيقة دولية، أرتكاب جرائم حرب، وفضيحة التعذيب في سجن أبي غريب التمهيد لظهور داعش، تدمير المنظومة الأخلاقية للعراقيين، أخراج العراق من التأريخ .

* ملف جرائم الرئيس الأمريكي رقم 44 باراك أوباما أمام المحكمة الأخلاقية لأدانته كمجرم حرب والواضحة في حيثيات الملف في الجرائم التالية :

- في ملفه طياً 9 تسعة آلاف توقيع من الرأي العام الأمريكي تطلب محاكمة أوباما عن جرائم حرب في العراق وسوريا وأفغانستان، وأوباما أكثر رؤساء أمريكا خوضاً لحروب ضد الدول العربية، جريمة "شابل هيل" وحشية ومشينة أتهم على صمته بشأن جريمة قتل 3 طلاب مسلمين في نورث كارولينا وغُيّبتْ الجريمة وسُجلتْ على المجهول، علماً أنّها جريمة كراهية ضد الأديان، وتكررت الجريمة على الأراضي الأمريكية التي يحكمها أوباما بقتل ضياء شاوي بركات وزوجتهُ يسر بركات وأختها رزان وجدو قتلى في منزلهم بالقرب من جامعة تورث كارولينا وأتهم جارهم بأرتكاب الجريمة، أوباما كأبرز شاهد زور على أبشع عدوان أرتُكبَ ضد الشعب السوري بفتح شلالات الدم على مدى ثمان سنوات ولا تزال نيرانها تستعر تأبى أن تخبو، ألا يستحق أوباما أن يشمل بهذه المحكمة الأخلاقية عن جريمة صمتهِ ولامبالاتهِ التي أنتهجها حيال الأبادة الجماعية لحرب ما تسمى بعاصفة الحزم المشكلة من ثمانين دولة بقيادة مملكة الكراهية آل سعود وألأمارات على اليمن التعيسة وبتموين من ترسانة السلاح الأمريكي وخرائط حربية جاهزة من خبراء حرب المستنقعات صقور اليمين في البيت الأسود وهم يقصفون المستشفيات ودور العبادة والمناطق السكنية يوميا بأحدث طائرات أف 16 وبالقنابل المحرمة دولياً النابالم على مسمع ومرأى " أوباما " وبتأييد وثائقي من راعية  حقوق الأنسان في العالم الأمم المتحدة والبرلمان الأوربي، نلفت نظر المحكمة الموقرة لحيثيات شلالات الدم والعنف والتطرف والغلو الذي أنفجر وتمدد وتنامى تحت ناظريه وقُيدتْ في سجلات سقوطهِ الأخلاقي والقيمي وموت ضميرهِ وحسهِ الأنساني ؟! وغادر أوباما البيت الأسود وسجل التأريخ في صفحات ذاكرة الضحايا: أنهُ مجرم حرب بسبب سلبيتهِ وتخاذلهِ ولا أنسانيته .

* ملف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رقم 45 الجمهوري أمام محكمة "رسل" الأخلاقية : لقد شهدت الفترة القصيرة لجريمة القوات الأسرائيلية المعتدية في أدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أنتشار جرائم الكراهية والعنصرية داخل الولايات المتحدة خاصة ضد المسلمين الأمريكيين من أصل أفريقي، أدانت المحاكم الأمريكية أثنين من أبرز المقربين لترامب في قضايا أحتيال وأنتهاكات بقرار من القضاء الأمريكي، وهما مساعدان سابقان في قضايا أحتيال مالي وأنتهاك في قوانين الحملات الأنتخابية وتشكل قمبلة في سمعة ترامب تأتي دور المحكمة الأخلاقية في نشر الفضائح بقرار أدانة ولكي يؤثر في عدم فوزه للولاية الثانية، وجريمة عدم جدية ترامب في أحتواء داعش الأرهابي بنقل قادتهم تارة وفتح منافذ كطوق نجاة لهم تارة أخرى بل أنه يتجه إلى تكريس الأرهاب وأبقاءه شوكة في خاصرة المنطقة وأستثمارها كأداة أبتزاز للتواجد الأمريكي وبناء المزيد من القواعد، وقرار ترامب في نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وأعلانها عاصمة لدولة أسرائيل وهي جريمة سياسية وتحدي صارخ للأعراف والقوانين الدولية وأنكار لحق الشعب الفلسطيني بالقدس العربية، بل أدارتهُ متصهينة حد النخاع وفي ظل التكييف القانوني وبطرح القضية بهذا الشكل الظالم الجديد تعتبر أمريكا (شريكة) العدوان الأسرائيلي ، وفي 25 آذار 2019 أعتراف ترامب بسيادة أسرائيل على مرتفعات الجولان السورية المحتلة في حرب 1967، وتستمر جرائم ترامب حتى الساعة وبالتحديد اليوم 7-4- الثلاثاء ترامب يعفو عن الضابط الأمريكي المتهم بقتل عراقي في 2008، وجريمة ترامب في اليمن أعتبرها " جريمة العصر " فهو الممون بالسلاح والعتاد الحربي والأعلام المضاد، ودخلت في أشعال حرائق اليمن نيابة لدولة الكراهية آل سعود الطائفية والثمن مدفوع مسبقا بحلب البقرة الملكية في الرياض .

 

عبدالجبارنوري

كاتب ومحلل سياسي عراقي مقيم في السويد

 

لم تعدْ مفرحة تلك الانباء التي تتحدث عن  وتائر تصدير النفط وعن اسعاره في السوق العالمية صعودا لتمويل موازنات الدول التي تعتمد الريع في اقتصادها  كالعراق ،  ويبقى القلق مزمنا لمن يراقب الخط البياني لمناسيب تلك الاسعار في حالة هبوطها المستمر وعدم استقرارها ، فقد تلازم الريع فلسفةً واجراءً بالاقتصاد العراقي منذ اكتشاف النفط فيه وتصديره لأغراض تجارية مطلعَ خمسينيات القرن الماضي لرفد موازناته المالية منذ ذلك التاريخ ولحد الان فارتبط الاقتصاد العراقي الموجّه توجيها مركزيا والبعيد عن اقتصاد السوق بسعر البرميل الذي كان ومايزال محتكما الى عوامل عدة منها خضوعه الى مناسيب العرض والطلب والظروف المناخية والتقلبات السياسية الحادة بين الدول ، ونتيجة لتلك المعطيات والتي تفيد ان حوالي  98 % من الموازنات المالية  يتم  تسديد فواتيرها من تصدير النفط فيكون الاقتصاد العراقي بمجمله تحت رحمة سعر برميل النفط وهو ما عانى منه هذا الاقتصاد ومنذ عام 2014وبالتزامن مع هجمة داعش وإن كانت تحدث "طفرات" مفاجئة في اسعاره صعودا الا انها سرعان ماتتهاوى نزولا لذات الاسباب المتعلقة بمناسيب العرض والطلب والازمات السياسية الدولية والتقلبات المناخية ، فلا شيء ثابتا في اسعار النفط مايعنى انه لا اقتصادا ثابتا مادام يعتمد اعتمادا شبه كلي على تصدير النفط فيكون هذا الاقتصاد عرضة للهزائز والتقلبات وبشكل مستمر الى ازمات واختناقات مالية تجعل مهندسي الموازنات العامة ومبرمجي ميزانياتها في موقف محرج اذ يُعدّ تذبذب أسعار النفط أحد تحديات التنويع الاقتصادي في العراق لأنه مالياً واقتصادياً يعتمد على الريع النفطي بشكل كبير جداً، فأي تذبذب في أسعار النفط، لاي سبب كان سينعكس بشكل مباشر على الريع النفطي الذي يمثّل ركيزة المالية العامة إيراداً وانفاقاً، فالموارد المالية شحيحة وغير مستقرة وسط متطلبات كثيفة ومتزايدة ، ناهيك عن اشتراطات صندوق النقد الدولي في حال اقراضه بعضَ الدول التي تضطر الى الاقتراض منه كما فعل العراق تخطّيا لازمته المالية التي كانت اكثر من خانقة خاصة إبان الحرب الضروس ضد داعش التي استمرت لمايقرب من ثلاث سنين وهي حرب استنفدت اموالا طائلة ستلحقها اموال باهظة  تتطلبها إعادة إعمار المناطق التي استولى عليها داعش فضلا عن إعادة توطين النازحين الذين نزحوا من تلك المناطق لذات الاسباب  .

ونستشفّ ممّا تقدّم ان خطورة متلازمة الاقتصاد الريعي تكمن في ارتهان الاجيال الحالية ضمن اقتصاد مهزوز ومعرّض الى مفاجآت تكون في اغلب الاحيان غير سارة وتكون الاجيال اللاحقة عرضة الى نضوب تلك الموارد فلكل مورد عمر افتراضي ومحدد فيتحتّم تشكيل صندوق سيادي نفطي في العراق ليحفظ حقوق الاجيال القادمة وهو ما غفلت عنه الطبقة السياسية منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ، فلا يجوز الاعتماد كليا على الاقتصاد الريعي حاليا او مستقبلا كونه  اقتصادا متذبذبا فلاتتمكن  الحكومات من تحديد أسعاره وتثبيتها لان أسعاره تتحدد في الاسواق الدولية ولتفادي خطورة متلازمة الاقتصاد الريعي الكامنة في عدم الاستقرار الحالي والنضوب المستقبلي  يجب :

تحويل الاقتصاد الريعي العراقي الاستهلاكي إلى اقتصاد انتاجي استثماري ، وذلك من خلال توفير المناخ المشجّع للمستثمرين على الاستثمار في القطاعات الانتاجية. وتفعيل القطاع الخاص (اقتصاد السوق) وعدم اقصاء الدولة بالكامل أي لابد أن تأخذ دور الاشراف والموجّه للقطاع الخاص وهنالك حاجة الى تنشيط القطاعات الاقتصادية الاخرى والتي تكسر احتكار النفط  وهي بحاجة ماسة الى بنى تحتية واسعة النطاق ورصد أموال طائلة وتشريع قوانين تعمل على تهيئة جو ملائم لتنشيطها وتوفير الكوادر البشرية والدعم المالي واللوجستي لأي قطاع اقتصادي حيوي وفي أجواء مريحة من الطمأنينة والثقة المتبادلة فضلا عن تهيئة أرضية مناسبة للعمل الاقتصادي كالتقليل من حلقات البيروقراطية المثبّطة للعمل ،فقد استطاعت دول عديدة  من  التعايش مع الريع النفطي وفي الوقت ذاته الحفاظ على التجارة الحرة والتخطيط الاقتصادي والاستثمار  .

فالعراق لاتنقصه الامكانات الاقتصادية او الزراعية او السياحية او الصناعية او الخبرات البشرية  ليكون ذلك مصدراً اساسياً من مصادر تنويع  مصادر الريع  مع تنشيط القطاع النفطي  ذاته  الذي  بقي قطاعا متهالكا ومتداعيا وفي بعض الأحيان لايكفي هذا القطاع لسد حاجة السوق المحلية  فهو قطاع ستحتاج اليه الاجيال اللاحقة .

 

عباس الصباغ

 

 

كثيرٌ من الناسِ يَصعُبُ عليهِ الخُروجُ من عاداتِه التي اعتادَها، ومألوفاتهِ التي أَلِفَها، وَرُوتينِ الحياةِ الذي أَدمَنَ عليه ؛ فيأتي الصومُ لِيَكسِرَ العادةَ والمألوفَ والروتينَ.

نَحنُ كَبَشَرٍ تَتَحَكَمُ فينا (الصورةُ الذِّهنِيَّةُ)، وقد تكونُ هذهِ الصورةُ الذهنية مطابقةً للواقع فتكون حقيقة، وقد لاتكون مطابقةً للواقعِ فتكون انطباعاً خاطِئاً او (اعتقاداً خاطِئاً) (Misbelief) .

كيف يمكن للصوم ان يغير الصورة الذهنية؟

للصوم ثلاثةُ مُستَوَياتٍ:

1- الصوم الفقهي: وَيُعَبَّرُ عنهُ بصومِ العَوام، وهو صيامُ عامَّةِ الناسِ وهو: صيامٌ عن امورٍ مُحَدَدَةٍ، ذَكَرَتها المُدَوَّناتُ الفقهيةُ منها: الاكل والشُرب والجماع ... وهذا الصوم أدنى مراتب الصيام، ويتعلقُ بالجانب الجسدي من الانسان .

البعض من الناس الذي اعتاد الاكل والشرب والعلاقات الاخرى يتصور انه ليس بامكانه ان يصوم؛ لانه لا يقوى ان يترك الطعام والشراب، وهذا ناتج من الصورة الذهنية الخاطئة . قبل شهر رمضان اعتاد هذا الشخص ان ياكلَ ويشربَ بمواقيت محددة ... ولكنه بممارسته للصيام يكتشف انه بامكانه ان يصوم والسبب انه كانت لعقله قبل شهر رمضان برمجة مختلفة، وفي هذا الشهر تَتُمُّ برمجةَ عقلهِ بطريقةٍ مُختلفةٍ، فتتغير الصورةُ الذهنيةُ السايقة التي كانت اعتقاداً خاطئاً بعدم قدرته على الصوم، الى صورة ذهنية تعبر عن الواقع وهي: قدرته على الصوم .المهمُّ ان يستبدلَ الانسانُ الاوهامَ والانطباعاتِ الخاطِئةِ التي تعشعش في عقله بالحقائق . وهذا مايقومُ به الصومُ.

الصوم محاولة لاكتشاف الذات، واكتشاف قدرات الانسان، واردته القوية على التحمل والصبر، حتى تتحقق ملكة التقوى عند الانسان وهي الحكمة من الصوم كما يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)، سورة البقرة .

2- صوم الجوارح: وهو ان تصومَ كلُّ جوارحِ الانسان، تصومُ عينُهُ عمّا لايحل النظر اليه، ويده عن البطش والاعتداء والتجاوزعلى الاخرين، وتصوم رجله عن العدوان وعن السير في دروبٍ يحرمُها الله على عباده. هذا الصوم هو صومُ الخواص . الصيام الشائع عندنا هو الصوم الاول، اما الثاني فقليل من الناس يصومون هذا المستوى من الصوم .

البرمجة العقليّة لها دور في رفع مستوى الصوم عندنا، حينما نبرمج عقولنا على ان لانقترب من محرمات الجوارح، كمحرمات اللسان: الغيبة والنميمة .

البرمجة العقليّة تعتمد على كسر الصورة الذهنيّة السائدة بعدم قدرتنا عن الكف عن محرمات الجوارح، هذه الصورة قائمة على اعتقادٍ خاطئ، على اوهامٍ بعدم القدرة على ترك معاصي الجوارج، واستبدالها بصورة ذهنيّة مطابقة للواقع تعبر عن (الحقيقة)، وهي: قدرتنا على اجتناب معاصي الجوارح .

3- صوم الجوانح: هي صوم دواخل الانسان فكره ونفسه واعماقه عن مجرد التفكير بالمعصيّة . في قِصَةِ يوسُف جاءت الايةُ تُعَبِّرُ عن امرأة العزيز: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ)، فقد تحققَ الهَمُّ منها: فالاية استخدمت الفعلَ الماضيَ الدالَّ على التحقق، وقد التي تفيد التحقيق واللام، وهي لاتمتلكُ غطاءربانيّاً كغطاء يوسف (ع) يعصمها عن الهم، وهذا الغطاء هو البرهان الالهي الذي اراه الله لنبيه يوسف (برهان ربه)، اما بالنسبة ليوسُف فقد نفت الاية الهَمَّ لوجودِ برهانِ ربه: وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ

ابتعد يوسف (ع) عن الهَمِّ بها لوجود برهان ربه؛ لان لولا حرف امتناع لوجود .

كل الهواجس الشيطانية والنفسية يصوم عنها اولياء الله تعالى . وهنا اريد ان اتحدث عن دور الصيام في معالجة الغضب . المستوى الثالث من الصوم بامكانه ان يعالج الغضب من خلال كسر الصورة الذهنيّة التي تصور الانسان الواقع في قبضة الغضب واسره ؛ بانه غيرُ قادرٍ على ان يتخلص من غضبه . هذا وهم ومعتقد وانطباع خاطئ، فالانسان بامكانه ذلك، وصوم الجوانح، الصوم عن كل فكرة شيطانية اوهوىً نفساني، يساعد الانسان ان يتخلص من غضبه وعقده وكابته، انه صومٌ يستهدف تطهير الاعماق، صوم يصوغ الانسان من داخله صياغةً جديدةً .الغضب طاقة كامنة بامكان ان يتحكم فيها اذا اراد، اما اذا استسلم لهذه الطاقة الهوجاء، فانها ستدمرُ وتحيلُ حياتَهُ جحيماً لايطاق.

قد يقول قائل: ولماذا صومُ الجوانح ؟ اذا كان الانسان قد ضبط نفسه وضبط جوارحه عن ارتكاب المعصية، فماذا يؤثر التفكير بها في دواخل الانسان، والمطلوب ان لاتقع المعصيةُ خارجاً؟ والجواب هو: ان التفكير بالمعصية يترك اثاره السلبية على النفس والعقل . الافكار السلبية تشوه روح الانسان واعماقه، كما يشوه الدخان منظر البيت الجميل حتى لولم يقع حريقاً يتلفُ البيت.

كل ذلك يتُمُّ من خلال البرمجةِ العقليّةِ التي يسهم بها الصيامُ في هذا الشهر المبارك.

اتمنى للجميع صياماً مقبولاً، وان يحققَ الصوم اهدافه وغاياتِهِ.

 

زعيم الخيرالله

 

اسماء محمد مصطفىغالب ما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي هو ما يشير الى الظلام في المجتمع العراقي بلدا وشعبا، فلايكاد الضوء يُرى، لذا سنطل عليكم بين وقت وآخر ببعض مشاهداتي ومعايشاتي الإنسانية والصحفية راصدة الضوء في المجتمع، لغايتين: الاولى تعميم ثقافة الإنسانية الحقيقية الناتجة عن حسن التربية عسى أن تؤثر في الآخرين وتتسع مساحة الضوء، والثانية تقديم صورة إيجابية إعلاميا عن حالات غير موثقة بالفيديوات، ذلك أنّ كثيرين يفضلون تقديم الخير سراً . الشيء الذي نريد توصيله أيضا هو الانتباه الى تفاصيل دقيقة في التصرفات تدل على رُقي أصحابها  ممن تربوا جيدا في بيوتهم وحياتهم ، ولايحتاجون الى قانون يلزمهم بفعل الأمور الصحيحة ولكن أينما وجد القانون سيلتزمون به برحابة صدر، مع أنه وجد لمن لايمشي على الصراط المستقيم من تلقاء نفسه، وأمام القانون يقف الجميع سواسية، او هكذا يفترَض .

الطيبون الواعون الملتزمون موجودون لكنهم ليسوا في السلطة وغير مسنودين من جهة مسلحة كي تكون كلمتهم مسموعة، وإن وجد منهم في السلطة جوبه بالعوائق بسبب المنظومة السياسية الفاسدة . ومانقدمه هنا حالات ومواقف يقوم بها تطوعاً، مواطنون، ليسوا أغنياء، في وقت يفترض بالحكومات القيام بها:

ـ موظف يطلب من دائرته أن تقرضه مبلغاً كبيرا كي يعالج ابنه، ولأنّ الاقتراض غير مسموح به وفقا للقانون الإداري الذي تعمل به الدائرة، يبادر الموظفون الى التبرع، مدير الحسابات يسلم المبلغ الى الموظف المعني، فيعترض قائلا إنه لايريد مساعدة وإنما دَين تقوم الدائرة باستقطاعه شهريا من راتبه، مدير الحسابات يكذب عليه من باب الإنسانية حتى يقتنع ويتسلم المال حين يقول نعم هذا المبلغ قرض وسنقتطعه من راتبك كل شهر على شكل أقساط  .

ـ امرأة حين انتهت من شرب العصير في السيارة وضعت العلبة الفارغة في حقيبتها، سألتها صديقتها: لماذا وضعتها في الحقيبة ؟ أجابتها قائلة كي أرميها في سلة النفايات في البيت، قالت اعطني إياها، أرميها بدلاً عنك من الشباك إذا كنت متحرجة من رميها بنفسك، ردت عليها: لا . أنا ارفض رمي النفايات عشوائيا . فقالت صديقتها: الجميع يرمي الأزبال في الشوارع (هي بقت عليج)؟  قالت: حتى لو أنّ الجميع يرمي، أنا لن افعل ،  وليس الجميع يرمي بل البعض . هناك أناس راقون بيننا، لانرى نظافتهم مثلما نرى وساخة آخرين ونعممها .

ـ فريق تطوعي يقدم خدماته مجانا، يعمل على إعمار مئات المنازل التي يقطنها فقراء .

ـ رجل  وهو يمشي في الطريق صباحا يسمع طفلة تقول لمسن تمشي معه إنها جائعة، ويبدو من مظهريهما أنهما فقيرا الحال، الرجل يسارع الى شراء شطيرة  للطفلة ويقول لها تناوليها الآن .

ـ مواطنون كادحون، من النخبة وغير النخبة، يتقدمون بالمساعدات المالية والعينية بشكل فردي او على شكل حملات جماعية، الى متعففين، صمتاً وبهدوء ومن غير ضجة تصوير على فيس بوك . نجد هؤلاء الطيبين يقدمون تلك المساعدات وهم يمرون بأفران الصمون والأسواق والمطاعم والمستشفيات، لايتوانون عن تقديم المساعدة الى شخص محتاج . وهم يتابعون أيضا حملات الاستغاثة التي تنشر في فيس بوك او القنوات الفضائية، ويسارعون للاشتراك بها .

ـ موظفة تحسب لها دائرتها مبلغاً بالخطأ  فوق راتبها، فتعيده مع أن المبلغ يكفي ليسد إيجار بيتها .

ـ مثقف كلما صعد في سيارة أجرة او سيارة نقل عام يعمل على نصح السائق لاسيما إذا كان شابا بنبذ التصرفات غير المتحضرة، ووفقا للحالة التي تحصل أمامه .   ردود الفعل عليه غالبا ماتكون إيجابية، مع الإشارة الى أن بعض الشباب ردوده وقحة ، لكن الأعم أن النصيحة تقابل بالقبول .

ـ امرأة من خلال عملها في المحاكم، تعرفت على حالات صعبة لنساء، فوفرت لهن مصدر رزق بشراء أدوات إعداد الخبر من أفران وقناني غاز وطحين كي يقمن بجني الرزق من خلال بيع الخبز . هذه المرأة تكفلت أيضاً قبل سنتين بتوفير احتياجات أربعين عائلة نازحة تسكن الخيم، من الطعام والدواء والآثاث والأغطية على حسابها الخاص وحساب أهلها، هذا الى جانب دورها في نصح وإرشاد النساء والأطفال عبر عملها وبيتها .

ـ امرأة تلبي  نداء احدى الفرق التطوعية للتبرع ببطانيات للنازحين، ولأن ّوضعها الصحي لم يسمح لها ببذل جهد جسدي يتطلبه تنظيفها، أخذت مجموعة من بطانياتها الى محل متخصص بتنظيفها ودفعت أجرا لقاء التنظيف وقامت بتعطيرها وتقديمها للفريق احتراما للنازحين .

ـ عائلة تبادر الى رفع أنقاض متراكمة عند بيت جيرانهم الذين هجروه بسبب وفاة ابنهم، رفعتها حتى لاتكون مكبا للنفايات، ودفعت لقاء ذلك من مالها الخاص، ولم يعلم أهل البيت بهذه المبادرة .

ـ امرأة تغيث قطة تعرضت قدمها للكسر بسبب حادث دعس، تأخذها الى حديقة بيتها وتداويها وتقوم بإطعامها اللحم وترعاها الى أن تشفى . هذه المرأة معروف عنها عطفها على القطط والكلاب التي تمر بمنطقتها .

ـ امرأة تحرص كل يوم على وضع صحون مليئة بالماء على سطح دارها كي ترتوي الطيور منها في الصيف اللاهث .

ـ والدة تلميذ تقوم بالتبرع بطلاء وتزيين صف دراسي ينتظم فيه ولدها .

ـ مواطنون يتبرعون بالمال لشراء كارفان لغرض إيواء احدى المشردات فيه .

ـ امرأة تتكفل برعاية ابنة شقيقتها المتوفاة وتقدمها للمجتمع على أنها ابنتها حتى لاتشعر البنت بالنقص، وثانية تمتنع عن الزواج حتى تتفرغ لرعاية ابنتي شقيقتها الغائبة وتنفق عليهما أكثر مما تنفقه على نفسها، وثالثة تتطوع لرعاية ابن أختها المصاب بإعاقة عقلية وحركية وتعامله بصفة ابن لها، وهي سعيدة برعايته.

ـ مجموعة صديقات تفرقن جغرافيا منذ سنوات طوال وجمعهن فيس بوك قبل مدة، علمن بإصابة صديقة، غائبة عنهن منذ وقت طويل، بمرض يمكن أن يحولها الى عاجزة حركيا إذا لم تجرِ عملية جراحية تكلفها الكثير، وهي لاتملك المال، فتكفلن بدفع أجور العملية، واستطعن بمبادرتهن إنقاذ صديقتهن .

 

أسماء محمد مصطفى

 

سارة طالب السهيلتعاني الكثير من الأسر من صراعات ومشاحنات كثيرة سواء بين الزوجين أو بين الابناء والابوين او بين الابناء داخل الاسرة الواحدة، مما يشعر هذه الاسر بغياب الامان الداخلي وعدم الشعور بالطمأنينة والسكن النفسي.

ولاشك ان هذه الصراعات والمشاحنات الاسرية مرجعها الاساسي غياب الحب والتفاهم بين افرادها، وعدم الشعور بالحب المتبادل ناتج هو الأخر عن غياب التعامل الصحي داخل هذه المؤسسة وعدم مراعاة اعضائها لآداب التعامل  فيقعون في مشكلات وخصام وتناحر لانهائي يزعع الاستقرار الاسري والمجتمعي.

وما ان يحل عينا شهر الصيام والمباركات حتى تحاول الاسر ان تلم شملها وتجمع اواصرها لترتاح من الشحناء بقيم مستمدة من روحانيات الشهر الكريم واهمها التسامح والعفو والحرص على تحقيق صلة الرحم واشاعة روح المودة.

فرمضان شهر العبودية والرحمة والمغفرة والتسامح والجود والكرم والانسانية في اعظم تجلياتها، ولذلك يجب علينا ان نستثمر طاقاته الايجابية الروحية وما توفره  لنا من صفاء ذهني وروحي في الوقوف مع انفسنا لنتساءل لماذا لا تصفو العلاقات الاسرية، ولماذا لا يتعاون جميع افرادها في تبادل الحب والرحمة والتعاون ايضا في أداء المسئوليات اليومية داخل المنزل والعمل على تذليليها؟ ولماذا لا يتعاون افراد الاسرة في ارساء قيمة الحوار والتفاهم بعيدا عن الانانية والتسلط والقهر؟.

ولاشك ان شهر الصيام يعد فرصة ذهبية لعلاج مشاكلنا الاسرية خاصة وان هذا الشهر الكريم يعلمنا ويغرس فينا سلوكيات قد نتشربها من المقربين منا مثل البذل والعطاء وايثار الاخرين على أنفسنا  والتخلي عن الكبر والعند والانانية المدمرة للفرد والمجتمع.

فالتجمعات العائلية خلال أيام هذا الشهر الفضيل، سواء على مستوى الأسرة الصغيرة او العائلة الكبير الممتدة خلال موعد واحد للإفطار، وتجمع مختلف الاجيال على هذه المائدة الرحمانية من الأجداد والاباء والأحفاد يقوي الروابط الاجتماعية داخل افرادها ويشعرها بالتماسك والقوة ويكسب افردادها الثقة بالنفس.

وقد أثبتت أحدث الدراسات العلمية في هذا الصدد، ان تجمع الأسرة و العائلة بشكل منتظم يحمل الكثير من الانعاكسات النفسية الإيجابية على الأفراد، شريطة أن تكون الأجواء العائلية ودودة ومريحة لجميع الأفراد، وألا يكون وقت الطعام مخصص لمناقشة المشاكل الداخلية أو تأنيب وتوبيخ أحد أفراد العائلة.

واجتماع الاسرة على مائدة الافطار يقيم جسور التواصل بين افرداها يقوي شعور المحبة والتسامح وتحقيق الالفة بين القلوب.

ولما كانت الأسرة من أهم المؤسسات التربوية التي يكتسب الفرد معظم قيمه منها ، فانها تظل حصن الامان الذي يعود اليه الفرد مهما شط عنه في مرحلة المراهقة سعيا منه لتحقيق الاستقلالية لكنه سرعان ما يعود  للقيم الاسرية التي تشربها من  والديه.

من هنا فان التعامل الصحي بين الابوين من مودة ورحمة وتفاهم وحزم مع لين ووعي بقيمة الترابط الاسري يعد نمطا مثاليا لتنشئة أبنائهما ويجنبهم  الكثير من الصراعات، غير ان كثيرا من  الاسر تقع في فخاخ التفكك نتيجة الانانية المفرطة لدى الاب او الام، والبعض يقع في فخاخ التسلط والقهر بعيدا عن ضرورات الرحمة والمودة، مما يؤدي الى مشاكل عديدة تنعكس سلبا على الابناء.

كما تعاني بعض الاسر من القصور في فهم دورها التربوي في تنشئة الصغار مما يقودهم الى انحرفات سلوكية شديدة القسوة، فهناك نمط الحماية الزائدة  للأبناء، أو التسلط القهري  أو التدليل الزائد وهو ما قد يصيب الابن بالاضطراب أو الضعف في الشخصية فيفقد القدرة على التكيف السوي مع بيئته، كما يؤدي ذلك الى زعزعة القيم لديه.

في تقديري ان الازمات الاسرية تقع وتتواصل نتيجة غياب الوعي الثقافي بدور الابوين في الحفاظ على العلاقة المقدسة بينهما وان هذه العلاقة هي كيان وبناء لابد ان يبقى صامدا في مواجهة تحديات الحياة بالصبر عليها وعبورها بالتفاهم والعلم والحب والتسامح والتعاون،  كل هذه المعاني الاخلاقية لابد ان تكون موجودة داخل الابوين حتى تنتقل منهما الى الابناء خلال مراحل تربيتهم.

فالابوان ينبغي ان يتحريا قيم الصدق بينهما ليكونا قدوة لذريتهما، وأن يتبادلا مواقف الحب العدل والصبر الاخلاص والوفاء  فيما بينهما حتى يشرب الصغار منهما هذه القيم  العليا.

وفي تقديري، ان الاسرة بدءا من الوالدين يبنغي ان يصححا علاقتهما دائما بالصداقة بينهما، حتى يستطيعا لاحقا ان يصاحبا ابنائهما، فالوالدان مطالبان بتوفير بيئة صحية للصغار ملؤها الحنان والحب واللين والحزم بلا قسوة، وان يتعاملا مع أطفالهما وكأنهم اخوتهم وأصحابهم حتى تشيع المودة بين افرادها.

وكما ينبغي على الوالدين بناء علاقات عادلة بين الأخوة، وعدم تفضيل أحدهما على الآخر حتى لا يتولّد لديهم التنافس والغيرة، وفي ظني ان توافر هذه المقومات من شأنه ان يكسب الابناء اخلاق حميدة تساعدعم في بناء شخصيات انسانية سوية قادرة على التعلم و اكتساب خبرات الحياة بلا مشاكل او عقد نفسية. 

 

 سارة طالب السهيل

 

نادية المحمداويبعد أن انطلت الخدعة على الجميع وشاعت في أوساط الجماهير وصدقها حتى بعض مدّعي الثقافة والأدب في العراق، انكشف خلال اليومين الماضيين السبب الحقيقي الكامن وراء الهجوم الالكتروني الذي تعرضت له النائبة هيفاء الأمين وأصبحت هوية الفاعل ودوافع الجهة التي ارتكبت هذا الهجوم واضحة للجميع.

ومما رسخ الاعتقاد بتورط حزب الفضيلة وجيوشه الالكترونية في الهجوم هو تورط أتباعه مرة أخرى في الناصرية بالاعتداء على مكتبها ومقر الحزب الشيوعي العراقي الذي تنتمي إليه، فأدى ذلك الاعتداء إلى كشف الحقيقة وخلق فهم جديد جعل أصوات الإدانة ضد السيدة الأمين تنقلب تأييدا بعد أن علمت الجماهير بأن حزب الفضيلة المشهور بالفساد والسرقات هو الذي يقف وراء الهجوم عليها.

ورغم بقاء ثلة قليلة ممن تربطهم مصالح وعلاقات أخرى بمسؤولين من حزب الفضيلة أخذتهم العزة بالإثم وأصروا على مواصلة إدانة هيفاء الأمين لكن الموقف لان يمر لصالحها.

هجوم أتباع الفضيلة جاء متذرعا بذريعة الثأر لأهل الجنوب وإنصافهم من السيدة الأمين لأنها حاولت تذكير المجتمع الدولي بتخلف الجنوب كمنطقة عن لبنان وكردستان، لم يعرب حزب الفضيلة عن رأيه صراحة بل استخدم مجاميع من أتباعه الذين يقبعون مستترين وراء شاشات الحواسيب والهواتف النقالة كي يضفي على فعلته بعدا جماهيريا وينفي عن كاهله صفة الثأر الحزبي.

أما حقيقة الصراع وأسبابه فقد اشتعلت جذوته الأولى بين هيفاء الأمين وبين حزب الفضيلة تحت قبة البرلمان منذ أول فوزها كبرلمانية جديدة، ويذكر إن حزب الفضيلة قدم منذ بداية الدورة البرلمانية السابقة قانونا باسم قانون الأحوال الشخصية الجعفري السيئ الصيت كبديل عن قانون الأحوال الشخصية الذي نظم العلاقة الأسرية في العراق وظل ساريا منذ ستين عام، وطالب نواب الفضيلة بالغاءه بينما قدمت السيدة الأمين مشروع قانون منع تزويج القاصرات وحماية الطفولة والمرأة من التعسف الأسري وهذا ناهض تماما توجه حزب الفضيلة وفتاوى مرجعهم محمد اليعقوبي مما دفعهم كحزب إلى استغلال كلمتها في لبنان وإثارة الرأي العام في الجنوب ضدها انتقاما لموقفها المضاد لقانونهم الطائفي (الأحوال الجعفري).

أما عن اعتذارها عن كلمتها التي ألقتها في لبنان فقد كان هذا الاعتذار موجها للناس وللجماهير الجنوبية لأن السيدة الأمين كغيرها لم تكن تتوقع أن مجاميع من الهاكرز القابعة وراء شاشات الحواسيب والهواتف هي التي تدير هذا الهجوم حتى اخطأ أتباع حزب الفضيلة وقاموا باعتداء الناصرية فاسقط القناع عن وجوههم المتخفية وكان كما قال سبحانه وتعالى (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)

 

نادية المحمداوي

 

حميد طولستليس منا من لم يحفظ عن ظهر قلب، ومنذ نعومة أظافره، الآية الكريمة "كلوا واشربوا ولا تسرفوا"، وتعلم من آبائه وفقهاء "المسيد" ومعلمي المدارس الابتدائية وأساتذة الإعدادي والثانوي وحتى الجامعي: أنّ "الإسراف" صفة سلوكية مقيتة مذمومة دينياً واجتماعياً وأخلاقياً، لما فيها من مجاوزة في الأفعال والأقوال، والزيادة فيما لا داعي له ولا ضرورة حتى لو كان في الأمور المباحة ، فبالأحرى ما تعلق بالخبز والمال والطعام وغيرها من الموارد الطبيعية والطاقية الأساسية التي تنادي الحكومات والجمعيات المدنية والاقتصادية والبيئية بعدم الإسراف فيها لما يترتب عن تبديدها من المفاسد الدينية والدنيوية التي تُدّمر المجتمعات، وتقضي على مقدراتها، وتعبث باقتصاداتها، وتؤدي بالكثير منها إلى الخراب و المضار بسبب  التصرف غير السوي والسلوك الخاطئ، الذي قال سبحانه وتعالى في مرتكبيه: "إنّ المبذّرين كانوا إخوان الشياطين"؛

غير أن ما هو مشاهد اليومَ، في مجتمعاتنا، خاصة في شهر رمضان،لا يعكس حقيقة ما تعلمناه ويناقض كل معاني الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تحذر من عواقبه، حيث تعم سلوكيات الإسراف وصوره كل جوانب الحياة المادية والمعنوية، على مستوى الفرد و الجماعة ، رغم استياء عامة الناس منها ، وانتقاد الكتاب والمفكرين والمثقّفين والصحافيين والاقتصاديين لها ،  لكن المفارقة الغريبة أنها ظاهرة تتجدد مع حلول كل رمضان ،إذ أنه بمجرد ما ينوي المرء الصيام حتى يستسلم للشهوات ويضعف أمام الرغبة في اقتنائها ،التي يتحوّل معها ، بوعي أو بغير إرادة، إلى آلة استهلاكية مسرفة، تفسد قدسية وروحانية هذا الشهر، الذي يحوله هوس الإسراف والبذخ إلى شهر للأكل ، ليفرض دراسة مجتمعية ملحة، بغرض تشخيص الدّوافع والأسباب الكامنة وراء حالات الإسراف الفريدة التي لا تقتصر على الإنفاق على الطعام، وإنما تناوله أيضا، والذي ما أن يضرب مدفع الإفطار حتى يبدأ مرطون التهام كل أنواع الأطعمة والمشروبات، والانتقال بين أصناف الشهيوات الرمضانية حتى مطلع الفجر، دون مراعاة لما ينتج عن ذلك من مخالفة لتعاليم الدين وتوجيهاته التي قال فيها عز وجل: "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" سورة الأعراف الآية 31. لما في ذلك من إضرارٍ بالصحة إضاعةٍ للمال.

ولا يقتصر الإسراف في هذا الشهر في تزايد نهم وشراهة الصّائمين للطّعام، الذي يفضح هوسه وجنونه ، لجوء الكثير من العائلات إلى الاستدانة للتغلب على مصاريفه ، بل يسرف الصائمون في النوم نهارا، والسهر الطويل الليل، مُتغافلين مضار ذلك التصرف الذي يوهن الجسم، ويُرهق التفكير، ويُربك وظائف الجسم، ويؤثر في الحالة النفسية للإنسان، كما يسرف الكثيرون في القيل والقال، ونقل الكلام ،وإطلاق الألسن بسيئه وإشاعته بين الناس، الذي قال نهى عنه صلى الله عليه وسلم بقوله : "وهل يكُبُّ الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلاَّ حصائدُ ألسنتهم" رواه الترمذي.

 وإلى جانب كل ذلك أصبحنا نلاحظ نوعا جديدا من الإسراف في العادات والطقوس الفلكلورية الفارغة الجوهر، المعطلة الوظيفة، الفاقدة المضمون، المتلاشية الآثار، المتمثلة في المبادرات الظرفيّة والحملات الاستعراضيّة الزائفة،المتمثلة في التّكافل الاجتماعي والاهتمام بالفقراء، وكأنّ هؤلاء لا يوجدون أو لا يحتاجون للطعام إلاّ خلال هذا الشّهر،  فنحن إذا في حاجة إلى تخليص مفاهيمنا الدينية من سلبية العادات والتقاليد الموروثة، وتحريرها من أسر البرمجة المجتمعية التي لا يمكن فكّ شفرتها إلا بتفكير واعي شجاع بعيد عن التقليد والمحاكاة، عملاً بقول الله تعالى "عليكم أنفسكم، لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم"، وقوله تعالى "لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" صدق الله العظيم..

 

حميد طولست

 

اعتقد لم يعد يخفي على احد، ان دولة عميقة مكونة من ” رجال دين وساسة وتجار” تحكم العراق منذ عام 2003، وما الحكومات العراقية الست {اياد علاوي، ابراهيم الجعفري، نوري المالكي ” دورتين”، حيدر العبادي، عادل عبد المهدي} إلا واجهة لتلك السلطة الحقيقية.

فبعد تصاعد الخلاف بين ايران وإدارة الرئيس ترامب وإنسحاب الولايات المتحدة الامريكية، من الإتفاق النووي في 8 مايو/أيار2018، ونقل ترامب الرئيس الـ45 لـ “الولايات المتحدة” سفارة بلاده للقدس الشرقية واعترافه بسيادة اسرائيل على هضبة الجولان السورية، وتصنيف الحرس الثوري الايراني كمنظمة إرهابية مع، ان الحرس ضمن المؤسسة الرسمية في ايران، وإلغائه الإعفاءات الامريكية للدول الـ 8 المستوردة للنفط الايراني وتشديد العقوبات، وزيارته السرية، الى العراق في نهاية عام 2018 دون، ان يلتقي بشخوص السلطة {برهم صالح وعادل عبد المهدي ومحمد الحلبوسي ” الواجهة لـ” الدولة العميقة ”}، وتصنيف فصائل عراقية مسلحة منضوية، في” هيئة الحشد الشعبي” كمنظمات إرهابية، وقد رفضت الحكومة السادسة بعد 2003 القرار الامريكي تصنيف فصائل لها تمثيل سياسي، في البرلمان العراقي كجماعات إرهابية. وكذلك قرارات ومواقف مختلفة لإدارة دونالد ترامب التي نجحت، في تجاوز عدة مطبات ومشاكل داخل امريكا كادت، ان تطيح بها كسلطة شرعية وإستعداد السيد ترامب للسباق الانتخابي الرئاسي في 2022.

فقد، بدأت الدولة العميقة، في العراق تتحسس رأسها، من إندفاع قاطرة ترامب والخوف، من فتح ملفات قضائية في الولايات المتحدة، ومن سحب الإمتيازات والسلطة التي منحها لها الرئيس الامريكي الـ43 بعد إسقاطه لنظام صدام حسين عام 2003.

ومن هنا، طرحت الدولة العميقة التي تمتلك عدة اوراق في العراق، ورقة، السيد حيدر العبادي، الوجه المقبول في الخليج العربي والإتحاد الاوربي وإدارة الرئيس ترامب ليرأس الحكومة السابعة، من اجل المحافظة على مصالحها، فالعبادي الذي نجح بمساعدة دولية، في إستعادة ثلث مساحة العراق التي سيطر عليها تنظيم داعش عام 2014، هو الجندي المفضل، في مواجهة زعيم داعش ابو بكر البغدادي الذي ظهر بشريط مفاجىء قبل ايام بعد ظهوره، في جامع النوري في الموصل عام 2014.

فهل تنجح الدولة العميقة الحاكمة منذ 17 عاما، في الإستمرار في خداع العراقيين والعالم؟.

 

قاسم المرشدي

 

صالح الطائياهتم الإسلام بالوراثة والتناقل الوراثي بشكل يفوق ما جاء عنها في الديانات والحضارات الأخرى، وكان القرآن قد اهتم بموضوع الجينات لأنها تمثل الجزء الأساس من خلق وتصوير ذرية آدم في الأصلاب، وهناك في الكتاب الكريم آيات كثيرة عن خلق الإنسان والأمشاج والماء والسلالة والطين وباقي التفاصيل.

وما تحريم الزواج بالمحارم، كما في قوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 23]، إلا دليلا واضحا على اهتمام الإسلام بتناقل العادات من خلال الجينات، وهو ما أكد عليه شاعرهم، بقوله:

تجاوزتُ بنتَ العمِّ وهْي حبيبةٌ        مخافةَ أن يضوى عليَّ سليلي

ولرسول الله (صلى الله عليه وآله) أحاديث كثيرة في هذا المعنى، وفي معنى التناقل الوراثي والجيني، منها على سبيل المثال لا الحصر قصة الرجل الأبيض الذي وُلد له طفل أسود على خلاف باقي إخوته، فجاء إلى الرسول (صلى الله عليه وآله)، فشكى له الأمر،:

فسأله النبي: "هل لك من إبل؟

قال: نعم،

قال: فما ألوانها؟

قال: حمر،

قال: فهل فيها من أورق(*)؟

قال: نعم.

قال له: فأنى ذلك؟

قال الرجل: لعله نزعه عرق

فقال النبي (صلى الله عليه وآله: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق!"

أما في المأثور العربي فهناك الكثير من الأحاديث والقصص عن مواريث عربية متداولة، منها قولهم: "من شابه أباه فما ظلم"؛ يقصدون أن ذلك كالحتم في شديد التعصب، وقولهم: "حتى الكَسر يشك فيه"، يقصدون أن الوراثة تصل إلى حد الشك بأن الكسر الذي يصيب شخصا ما قد يكون إرثا من آبائه!.

معنى هذا أن علم الوراثة Genetics ليس من العلوم حديثة النشأة، وأن ما قام به الراهب النمساوي "مندل" كان مجرد ابتكار لأسس وقوانين هذا العلم القديم، الذي تطور فيما بعد على يد "دي فريرز" و"باتيسون" و"مروجان" وآخرين غيرهم، فبدا وكأنه من العلوم الحديثة التي لم تكن معروفة من قبل!.

أما الصحيح فبدايات هذا العلم على مستوى جغرافيتنا تعود إلى العصر الجاهلي؛ الذي اهتم بتحسين نسل الخيول وتأصيلها، عن طريق التهجين، إيمانا منه بالوراثة وأثرها، والصفات التي تكتسب عن طريقها، كما اهتم ذلك المجتمع بنوع من أنواع الزواج، يعرف بنكاح (الاستبضاع)، وهو أن يرسل الرجل زوجه بعد طهرها من طمثها إلى  رجل مشهور من رجال ذلك المجتمع، عرف عنه النجابة والشجاعة والسؤدد، كي تستبضع منه، أي كي يلقحها فتحمل منه، وعندما تعود المرأة إلى منزلها، يعتزلها زوجها ولا يصيبها حتى يتبين حملها، رغبة منه في ولد نجيب تكون له الصفات التي يتمتع بها السيد.

وكانت عندهم القيافة، كما في قول القزويني في كتابه "عجائب المخلوقات، وغرائب الموجودات": "القيافة على ضربين: قيافة البشر، وقيافة الأثر: أما قيافة البشر فالاستدلال بهيئات الأعضاء على الإنسان، وأما قيافة الأثر فالاستدلال بآثار الأقدام والخفاف والحوافر". وهذا يعني أنهم كانوا يعتمدون على الصفات الموروثة لمعرفة الأنساب.

من هنا تجد الكثير من الإشارات إلى هذا العلم حتى مع كونه لم يكن مقننا، تجدها في كتب التراث العربي الإسلامي ولاسيما لكتاب مشهورين كالقزويني والجاحظ وشريف الدين الدمياطي وابن قيِّم الجوزية وابن الجزار القيرواني وغيرهم.

ومن الحقائق الدامغة أنهم كانوا يؤمنون يقينا خلال عصرهم الجاهلي وعصرهم الإسلامي وعصر دولهم الأموية والعباسية وما تلاها من حكومات بأثر الوراثة، ليس على هيئة وشكل المرء أو الحيوان فحسب، بل وعلى سلوكه وأخلاقه وسيرته وطباعه وشيمه، ولهم في ذلك الكثير من الروايات والقصص يطول شرحها، ويبعدنا عن جوهر مقالنا، لكن ما أريد الإشارة إليه كنوع من التواصلية الإرثية، ما ورد في معلقة عمرو بن كلثوم في قوله يفتخر بقومه:

يُدَهدونَ الرؤوسَ كما تُدهدي                  حَزَاورةٌ بأبطَحِهَا الكُرِينا

وفي كتابه "شرح المعلقات السبع" قال أبو عبد الله الحسين بن أحمد الزوزني، في الصفحة 321 والرقم 93، في شرحه لمعلقة عمرو بن كلثوم:

الحزور: الغلام الغليظ الشديد.

ومعنى البيت: يدحرجون رؤوس أقرانهم وأعدائهم كما يدحرج الغلمان الغلاظ الشداد الكرات في مكان مطمئن من الأرض!.

إن قطع الرؤوس بحد ذاته كان أمرا فاشيا في ذلك المجتمع وبشكل مقزز، والحديث عنه يملأ كتب الحديث والغزوات والتاريخ والأحكام وغيرها، وقد اخترت رواية من كتاب الفتوح لأحمد بن أعثم الكوفي، ج ٦/ ٣٣٦، لغرضين الأول: التأكيد على فشو هذه الظاهرة. والثاني: اعتقادهم الشديد بكافة أنواع التوارث! والرواية عن الشعبي، إنه كان جالسا في مجلس عبد الملك بن مروان حينما دخل الكوفة، فقال: يا أمير المؤمنين! ما رأيت شيئا هو أعجب من هذه الأمور، قال عبد الملك بن مروان:

وما ذاك يا شعبي؟

قال: دخلت هذا القصر فرأيت عبيد الله بن زياد في موضعك هذا قاعدا، ورأس الحسين بن علي بين يديه، ثم دخلت بعد ذلك، فرأيت المختار بن أبي عبيد قاعدا في موضعك هذا، ورأس عبيد الله بن زياد بين يديه، ثم دخلت بعد ذلك فرأيت مصعب بن الزبير قاعدا في موضعك هذا، ورأس المختار بن أبي عبيد بين يديه، وقد دخلت الآن، فرأيت رأس مصعب بن الزبير بين يديك!

 فقال عبد الملك بن مروان: صدقت يا شعبي! ولله عز وجل في أمره تدبير.

قال: ثم وثب عبد الملك بن مروان قائما ودعا بدابته، فركب، وخرج من القصر، حتى صار إلى الموضع يقال له النخيلة فنزلها، وعرضت عليه قبائل العرب هنالك، ففرض لكل قوم من المال على أقدارهم.

فتصرف الخليفة بهذا الشكل المملوء بالخوف، وهزيمته إلى خارج الكوفة بحد ذاتها تدل على أنهم كانوا يؤمنون بالتوارث بأنواعه بما فيه توارث المواقف والأحداث.

انتقل هذا الموروث عبر الأجيال، وتوارثه العرب ومارسوه ليس مع أعدائهم الحقيقيين فحسب، بل حتى مع أعدائهم المحتملين، وقد شاءت الأقدار لنا أن نعيش فصلا من فصول مسرحيته الدموية بكل جزئياتها، أي ليس من خلال عمليات الذبح التي عرضت على قنوات التلفزة ومواقع التواصل الاجتماعي فحسب، بل وطريقة التعامل مع تلك الرؤوس التي استعادت من ذاكرتها التاريخية لعب حَزَاورة عمرو بن كلثوم بالرؤوس، فلعبوا بها هم، ولعب بها أطفالهم مثلما يلعب الناس بالكرة، حيث تداولوا الرؤوس بأقدامهم وهم يتضاحكون، وأعطوا لأطفالهم رؤوسا بشرية ليلعبوا بها كرة قدم(**) تماما مثلما فعل أجدادهم من قبل.

النكاية كل النكاية، والأسف كل الأسف أن الكثير من أجدادنا كانوا علماء في أغلب مجالات العلم، وقدموا للإنسانية فضائل وجمائل لا زالت تتغنى بها الأمم، ولكننا ـ خلافا لقاعدة التوارث ـ لم نرث منهم شيئا في هذه المجالات، ولكننا ورثنا عنهم ـ وبامتياز كبيرـ اللعب بالرؤوس البشرية مثلما يُلعب بكرة القدم، ومارس المتطرفون منا هذه اللعبة في القرن الحادي والعشرين، قرن التحضر والتقدم والعلوم! بمعنى أن الجاهلية لا زالت قريبة منا نستدعيها ونستدعي سننها متى شئنا، ومن هنا يصعب علينا التأقلم مع الشعوب الحرة واتباع المناهج الإنسانية في التعامل مع الآخر المخالف بالرغم من دعوة ديننا إلى وجوب المحبة والتعايش والسلام بين الأمم.

 

صالح الطائي

.........................

(*) الأورق من الناس: الأَسمرُ، ومن الحيوان: ما لَونه لَون الرماد.

(**) ارهابيين يذبحون مدير إحدى المصارف بليبيا ويلعبون كرة قدم برأسه (فيديو)

https://www.youtube.com/watch?v=cj7iOADYC9c

 

 

سليم الحسنيالأزمة مع إيران، والتهديدات ضدها. هذا هو الشكل الظاهري من التصعيد الأميركي وتشديد العقوبات وإحكام الحصار. لكن جزءاً غاطساً في العمق هو ما تريده واشنطن، إنه العراق الذي أرادته منطلقاً لمشروعها الكبير في الشرق الأوسط الجديد. وقد وضعت أسسه وقطعت فيها مراحل كبيرة، لكن التلكؤ المفاجئ حصل بعد هزيمة داعش في العراق.

كانت هزيمة داعش صدمة موجعة للولايات المتحدة، مما جعلها تفكر بطريقة عاجلة لاعتماد بديل سريع يصعُب هزيمته ويصل الى الهدف بنتائج مضمونة. ولم يكن هذا البديل سوى الولايات المتحدة نفسها.

تُدرك أميركا أن الحرب مع إيران عملية جنونية، وتدرك أكثر من ذلك أن مصلحتها تفرض عليها أن تبقى العلاقة مع إيران في أزمة طويلة المدى، فهي العدو الجاهز الذي تحتاجه السياسة الأميركية لحركتها المرنة في المنطقة، وأميركا من دون عدو لن تكون أميركا.

ضمن هذا التوجه، قررت واشنطن، أن تعيد الروح الى مشروع الشرق الأوسط الجديد، بعودة ثانية الى العراق، عودة عسكرية مكثفة بعنوان يختلف عن الاحتلال. وهذا العنوان هو التصعيد مع إيران، بما يملكه من سحر جاذب للسعودية والامارات وإسرائيل وغيرها. 

كما ان الحرب على إيران ومعاقبتها اقتصادياً وعسكرياً، له قبول عند العديد من الزعامات والكتل السياسية العراقية من السنة والشيعة والكرد. الى جانب اطمئنان الحكومة الأميركية الى أن حكومة عادل عبد المهدي ستوفر مستلزمات الاحتلال الجديد للعراق، فلن تعارض زيادة القوات العسكرية، ولن يتعدى موقفها تصريحات باردة تملأ بها فراغات المؤتمرات الصحفية.

في هذا الجو المفتعل ضد إيران، ستحاول الولايات المتحدة، إضعاف الحشد الشعبي، وهذه نقطة البداية في الاحتلال الجديد. فالحشد الذي كان له الدور الأعظم في حفظ العراق من تنظيم داعش، ومن ثم في تحرير المناطق المحتلة، تنظر اليه الحكومة الأميركية على أنه الكيان العسكري الذي أعاق مشروعها، وأن بقاءه يعني قطع الطريق على الخطوات التالية لهذا المشروع.

وزارة الدفاع الأمريكية أعلنت بأنها تتعامل مع فصائل الحشد الشعبي في العراق على أنها جزء من المنظومة العسكرية الإيرانية، وهذه أول إشارة رسمية تكشف التوجه الأميركي بهذا الخصوص.

وزير الخارجية الأميركي (بومبيو) زار العراق بشكل مفاجئ، وأبلغ عادل عبد المهدي بما يجب عليه عمله، وعبد المهدي رجل مطواع، وقد أوصلوه الى هذا المنصب من أجل تسهيل هذه المهمات.

الاحتلال الأميركي الجديد، قادم الى العراق، بعنوان مختلف عن المرة السابقة، وإذا سكتت القوى المؤثرة صاحبة الكلمة على ذلك، فأن التدفق العسكري الأميركي سيتزايد بشكل ملحوظ، وسنشهد تحولاً نحو الأسوأ في مسار العملية السياسية.

نقطة مفصلية في هذا الموضوع تتعلق بالقيادات الشيعية الدينية والسياسية، كيف ستتعامل معها أميركا، وكيف ستتعامل هي مع التوجه الأميركي؟

نحتاج الى مقال مستقل.

 

د. سليم الحسني

 

عبد الجبار الجبوريزيارة وزير الخارجية الامريكي ماك بومبيو لبغداد المفاجئة، بعد إلغاء زيارته الى برلين، تؤكد على قلق واشنطن من التهديدات الايرانية وجديتها في إستهداف قواعدها ومصالحها في المنطقة، وتحشّد الحرس الثوري الايراني، في أكثر من مكان من منطقة الخليج العربي، لضرب الاهداف الاستراتيجية الامريكية في المنطقة وتحديداً في العراق، حيث أكد بومبيو أن إيران تصّعد من أنشطتها العسكرية في المنطقة، لاسيّما في مضيق هرمز وباب المندب، وتحشدات حرسها الثوري على حدود العراق مع البصرة، لقربها من القواعد العسكرية الامريكية في الكويت وقطر والبحرين، ولأحتلالها أحدى الدول الخليجية، إذن التهديدات الايرانية جدية، ولامجال لتأخير الردّ الامريكي العاجل ضد ايران، والذي وصفه وزير الدفاع الامريكي باتريك شاناهان (سيكون صاعقاً وسريعاً قد لاتتخيله إيران)، ثم أإردف قائلا ومن بغداد اثناء زيارته لها قبل شهرين، (فإيران ثم إيران ثم الحشد الشعبي)، وتأتي زيارة بومبيو الخاطفة لتُملي على حكومة عادل عبد المهدي إملاءات أمريكية أحلاها مرّ، ومن هذه الاملاءات والتبليغات، أن مسئولية سيادة العراق يجب أن تكون بيد أمريكا، وأن تحسم بغداد أمرها إما مع ايران أو مع أمريكا، وتضمن بغداد سلامة القواعد والمصالح الامريكية، وأن تضبط إيقاع الميليشيات التابعة لإيران، وأي تجاوز على القواعد والجيش الامريكي في العراق من قبلها، سيكون الردّ جاهزاً ضدها، وتتحمل بغداد سكوتها، إضافة الى تبليغات أخرى لم يُعلن عنها، بومبيو أثناء مؤتمره الصحفي بعد مغادرته بغداد مباشرة، منوها على أن بغداد، ملتزمة كلياً بالحصار الامريكي ضد إيران، إذن زيارة بومبيو هي الاخيرة لبغداد، لحسم الامور لصالح الادارة الامريكية، قبل المواجهة الحتمية مع إيران، والتي كانت الميليشيات العراقية تهّدد امريكا بالويل والثبور اذا شنّت الحرب على ايران وايران تراهن على هذا، أو اصرارها على اصدار قرار برلماني يطرد بموجبه التواجد الامريكي من العراق، ويلغي الاتفاقيات الامنية معها، او غلق السفارة الامريكية كما طلب زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، زيارة بومبية أخرست الجميع بمَن فيهم رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، والأحزاب المتنفذة التي كانت تتوّعد وتطالب برحيل الامريكان من العراق، إذن طبول الحرب دقت وأعلنت ساعة الحساب، والدول الاوروبية تخلت عن ايران واصطفت مع الادارة الامريكية، بعد تهديدات ايران لها بالغاء الاتفاق النووي معها، وإعطاء الدول الاوربية مدة شهرين لحسم أمرها، في المقابل، حكام طهران وقادة الحرس، تراجعت تصريحاتهم ضد امريكا، وخفّت لهجة التهديدات، بعد ان أعلنت الادارة الامريكية تحريّك حاملات الطائرات والبوارج الحربية والصواريخ وفتح القواعد في المنطقة، وإرسالها للخليج طائرات الب52 الامريكية للمنطقة، وأدركت طهران أن (الحديدة حارة فعلا)، ولامجال للتهديدات حيث تنصّلت عن دعم الحوثيين، وأعلنت ميليشياتها في العراق، أنها لن تستهدف المصالح الأمريكية، أانها تحت إمرة حكومة عادل عبد المهدي، وأن طهران لاتريد الحرب مع أمريكا، وأن طهران لن تغلق مضيق هرمز وهكذا، ظهرت إيران على حقيقتها التي كُّنا دائماً نصفها، بأنها (نمر من ورق)، أمام القوة العسكرية والتكنولوجية الامريكية الهائلة، حيث نجحت السياسة الخارجية الامريكية، (بالترغيب والترهيب)، من إخضاع الدول الاوربية والصين وروسيا والهند لسياستها تجاه طهران، وهذا نجاح للرئيس ترمب في الخارج، اليوم الاستراتيجية الامريكية تحقق أهدافها بسرعة في الشرق الاوسط، (فصفقة القرن) تسير نحو توافقات قريبة مع الاطراف المعنية، رغم الاعتراضات العربية، والحملة العسكرية الامريكية ضد إيران، تسير وفق إستراتيجية واضحة، هي تحجيم وإنهاء الدور الايراني في المنطقة، وإخضاعها للشروط الامريكية المهينة ال (12)، أو المواجهة المرتقبة وإسقاط النظام، نعم ليس بالضرورة المواجهة العسكرية المباشرة، بين الجيش الامريكي والجيش الايراني والحرس الثوري وميليشياتها في العراق، ولكن بكل تأكيد الادارة الامريكية مصرّة على تنفيذ إستراتيجيتها في تفكيك، وحل الحشد الشعبي والفصائل والميليشيات المسلحة التابعة لايران، وإخراج العراق من الهيمنة الايرانية والنفوذ الايرانيبأية طريقة كانت، ولاسيّما وأن طبول الحرب تُقرع الآن في كل مكان في الشرق الاوسط، والجميع أصبح في الخندق الامريكي ضد إيران، و ساعة إنطلاق شرارة الحرب تحتاج الى قدحة واحدة، من قبل فصيل مسلح او تحرش في البحرأو قصف قاعدة، كما حذر بومبيو ووزير دفاعه، بأن أي إعتداء على المصالح الامريكية، يعني بدء الحرب، وسيكون الرّد سريعاً، في المقابل الدول الخليجية وخاصة الامارات والسعودية والبحرين والكويت، تتهيأ لمواجهة تبعات وإنعكاسات الحرب، مجبرة طائعة، لامختارة، وهذا مايفسره إعلان دول الخليج، إنها البديل عن النفط الايراني، الذي تم تصفيّره في الثاني من مايس، وإلغاء الإعفاءات عن الدول، في وقت يلفظ الإتفاق النووي الايراني، أنفاسه الأخيرة مع الدول الاوروبية، التي إصطفت مع التحالف الامريكي ضد إيران صاغرة، المشهد يزداد خطورة في العراق أولا والمنطقة ثانيا، في ظلِّ تصاعد عجيب للتحشيدات الامريكية، والتهديدات الايرانية المتصاعدة الفارغة، التي تعتمد بتهديداتها على ميليشياتها في الدول العربية وفي المقدمة منها حزب الله، نحن أمام حرب عالمية ثالثة، كُنّا نحذّر منها منذ أكثر من سنتين، وقلنا أن المواجهة حتمّية مع إيران، لتعّنتها وتهديدها إستقرار المنطقة، ودعمها للإرهاب والميليشيات، وتدخلها في الدول العربية، وتوسعها تحت يافطة مشروعها الكوني التوسعي الديني الفارسي، نعم إن إعتماد ايران على الميليشيات، هو كَمن يركض خلف السراب، وإن تنفيذ الميليشيات لأجندة إيران والوقوف معها، فهو الأنتحار بعينه، وتدمير ما تبقى من العراق، الذي دمرّته أحزابها وسرقته وهجّرت شعبه بأطيافهم، لأن ايران ستتخلى عن أذرعها ومن يقف معها، في أقرب فرصة للهروب الى الامام، وأنها تستخدمهم ككبش فداء فقط، والقتال عنها بالإنابة، وهذا لعمري قمّة الغباء، لمَن يعوّل على حكام إيران، فقد خَدعت وخانتْ العراق قبل الاحتلال الامريكي وإصطفّت معه ضد العراق، ومازالت ودائع العراق وأمانته لدى إيران، ونكثت العهود معه وضللت قيلدته وكذبت عليها، وهاهي اليوم تستخدّم أتباعها في العراق، وتريد تحوّل العراق لساحة حرب نيابة عن أرضها، وهذه رسالة قوية حذر منها بومبيو حكومة ورئيس العراق، تحذيراً شديداً، وعليهم تحمل مسئوليات ما يحصل بعد الحرب، اذا تعرّضت المصالح الامريكية وقواعجها وجيشها لاعتداء اتنباع ايران وجعل العراق ساحة لحربها المرتقبة مع امريكا، هذه هي الرسالة الاقوى والانذار النهائي الذي ابلغه بومبيو للعراق وعليهم تنفيذ الأمر والا سيدفعون الثمن غالياً كما ستدفعه إيران، نعم الحرب قائمة بالقتال المباشر أو بالحصار والاستسلام المذّل لإيران، وتنفيذ جميع شروط الادارة الامريكية فوراً، العالم اليوم كله ينتظر شرارة الحرب ومْن يبدأها، ورسالة الادارة الأمريكية واضحة، لكل الحلفاء ودول العالم، مْن لم يكن معنا فهو مع الارهاب ومع إيران، ولايلوم إلاّ نفسه، لأن إيران هي الراعية الاولى في العالم وماترّونه من جرائم، في كل أنحاء العالم تقف وراءه إيران وميليشياتها وأحزابها، وحرسها الثوري وفيلق القدس والحوثيين وحزب الله، هكذا كانت أهداف زيارة ورسالة وزير الخارجية الامريكي ماك بومبيو، للدول التي يزورها الآن ومنها بغداد، نعم قال لعادل عبد المهدي كل ماهو مباشر وواضح، إن تقفوا مع إيران عليكم تحمل نتائجه إنها الرسالة الاخيرة، قبل إنقلاب الطاولة على حكومة بغداد .....

 

عبد الجبار الجبوري

 

حاتم حميد محسنرغم ان اي منهما لم يعش في القرن العشرين لكنهما كانا من بين أهم المفكرين آنذاك. تأثيرهما على الناس والأحداث كان عميقا جدا لدرجة أحدث تحولا راديكاليا في الطريقة التي يفكر بها الافراد حول الانسان والمجتمع وظروفه . في كتابه الرغبة في السلطة (The will of power) الصادرعام 1901، زعم نيتشة ان جميع السلوك والتفكير الانساني هو تجسيد للرغبة في السلطة. ماركس،  من جهته، جادل بان الأنظمة الاجتماعية تتسم بشكل اساسي بالصراع الطبقي الذي تسيطر فيه الطبقة الحاكمة على وسائل الانتاج من خلال استغلال الطبقات الاخرى. لذا سننظر في رؤى كل من ماركس ونيتشة المتعلقة بالدين وأصل الاخلاق المسيحية والفلسفة الغربية،  مسلطين الضوء على أوجه التشابه والاختلاف بين هذين المفكرين.

الرغبة في السلطة، الصراع الطبقي والدين

في كتابه (The gay science، 1882) كان نيتشة يتأمل الانحسار في تأثير المسيحية على المجتمع الاوربي. هو كتب بلغة شاعرية عن موت الاله. ورغم ان الله لايزال حيا في عالم اليوم بوجود بلايين الناس الذين ينتمون الى بعض اشكال الديانات المنظمة، لكن نيتشه كان يقصد ان العقلانية الحديثة أزاحت الله من الفهم الغربي المعاصر للكون مستبدلة الدين بـ  العلم. ومع ان ادّعاء نيتشة بموت الاله تميّز عادة ببداية العدمية، لكن نيتشة عارض بوضوح العدمية على اساس انها تضعف عاطفة المرء للحياة. حين كتب "ماذا تعني العدمية؟ - ذكر ان القيم العليا تحط من نفسها" (samtliche werke: Kritische Studienausgabe,vol.2,P319)) – وبهذا،  اعترف نيتشة بتضاؤل دور الدين في المجتمع الاوربي، ولكن ايضا بالحاجة الى نظام غير مسيحي للقيم يمكن للبشرية بواسطته ان تعيش حياة ذات معنى وتحتضن دراما الوجود.

المظهر الاساسي لجواب نيتشه هنا هو مفهوم الرغبة في السلطة. وهي فكرة ان كل كائن حي حين يكافح لتحقيق الهيمنة في الحياة ، هو باستمرار ينمو بدلا من مجرد البقاء . بالنسبة لنيتشة ، الرغبة في السلطة هي الحافز المرشد لجميع أشكال السلوك والتفكير الانساني. في ما وراء الخير والشر (1886)  يوضح نيتشة كيف ان حتى الفلاسفة  يتم ارشادهم بلا وعي من جانب طموحاتهم ، دوافعهم، قيمهم الذاتية والبيئية. هو يكتب انه بدلا من البحث عن المعرفة، فان "المنفعة الحقيقية للاكاديميين تكمن عموما في اتجاه آخر ، ربما في عائلتهم او في عمل نقود او في السياسة". تحليل نيتشة يمكنه ايضا ان يزودنا برؤى ذات قيمة في العلاقة بين الدين والسلطة، الى جانب بعض الاسباب السايكولوجية التي تجعل الناس ينخرطون في الممارسات الدينية. يمكن للدين ان يوفر لنا الشعور بالسيطرة في حياة فوضوية، يقلل من إحساسنا باليأس امام المعاناة وذلك بإعطاء تلك المعاناة معنى، ويساعدنا في ممارسة السلطة على الاخرين. يمكن للمرء النظر في المكانة المالية للكهنة المسيحيين الاثرياء جدا او سلطة القساوسة في العصور الوسطى ليصل الى قناعة بانه حتى الدين يمكن ان يعمل على تعظيم الثراء والازدهار الفردي.

ماركس ايضا رأى الدين كتجسيد للسلطة. غير ان تصوره للسلطة يختلف جدا عن تصور نيتشة. في رأس المال يجادل ماركس بانه في المجتمع الغربي كان الدين المنظّم  وسيلة للنخبة الرأسمالية لإبقاء الجماهير خاضعة اقتصاديا، او كما يكتب في "مساهمة لنقد فلسفة الحق لهيجل (1844)": "الدين هو متنفس المخلوقات المضطهدة، قلب العالم الذي بلا قلب وروح الظروف التي بلا روح. انه مورفين الجماهير". واذا كان اقتصاد السوق يزود السلع والخدمات فهو يفشل في تزويد اي معنى لهدف متجاوز. المضمون هو ان الجماهير  مغتربة جدا وسط ظروف الرأسمالية التي يعيشون بها لدرجة هم يلجأون للدين لكي يحققوا حاجاتهم الروحية. لكن ماركس ايضا يعلن "ان سبب إلغاء الدين كسعادة مضللة للناس هو حاجتهم للسعادة الحقيقية". ماركس يرفض الاسس الميتافيزيقية للدين بطريقة مشابهة لنيتشة، معتبرا اياه ظاهرة متأسسة اجتماعيا. هو يؤكد ان "الانسان يصنع الدين، وان الدين لا يصنع الانسان. الدين في الحقيقة، وعي ذاتي واحترام ذاتي للانسان الذي هو اما لم يربحه لنفسه او انه فقد نفسه مرة ثانية". بالنسبة لماركس، مفهوم "الله" و"الروح" ليس له اساس في الواقع وانما هو مجرد راحة لاولئك الذين يفتقرون لمعنى الحياة. هذه الفكرة هي مشابهة لفكرة نيتشة بان الناس يستخدمون الدين كوسيلة لتمكين وتحفيز انفسهم ، لكن ماركس لم يربط تمكين الدين بفكرة الرغبة العالمية للسلطة. هو بدلا من ذلك، يرى الحاجة السايكولوجية للدين كنتاج غير مقصود للخمول الناتج عن الظروف القمعية للرأسمالية. لذا فان ماركس يحلل الدين من منظور سوسيواقتصادي غائب عن فلسفة نيتشة. ان اي من المفكرين لم يعالج الحجج الفلسفية للايمان الديني. بدلا من ذلك،  هما يسعيان لفهم الدين كظاهرة سايكولوجية وثقافية واجتماعية.

الاخلاق المسيحية كمظهر للسلطة

نظريات ماركس ونيتشة في الدين تعرض افكارا تتعلق بأصل الاخلاق المسيحية. ورغم ان ماركس لم يعلّق حول هذا الموضوع مباشرة، لكن نظريته في الصراع الطبقي يمكن تطبيقها على تطور الاخلاق المسيحية. من هذا المنظور،  تصبح الاخلاق المسيحية وسيلة النخبة الحاكمة لإبقاء السيطرة على وسائل الانتاج. القواعد الاخلاقية المسيحية مثل "ادر خدك الآخر" او "الاول يجب ان يكون الاخير والاخير الاول" تفيد النخبة بتعزيز الطاعة السلبية بين صفوف الطبقة العاملة. لو ان البروليتاريا قاومت بقوة الاستغلال الرأسمالي فان الثورة الاشتراكية ستصبح ممكنة، لكن صبر المسيحي يمكّن النظام الرأسمالي من الاستمرار في استغلال الطبقة العاملة. لذا يمكن الجدال بان فكرة الدخول الى الجنة على اساس اخلاق الانسان تساعد الطبقة الحاكمة لإبقاء سيطرتها على وسائل الانتاج ، لأن المسيحية لاتشجع ذلك النوع من السلوك المرتبط بالثورة مثل القمع،  العنف، الرغبة بالانتقام. ولذلك،  فانه من المنظور الماركسي، تستعمل البرجوازية الدين كآلية مؤسسية تستغل بها الطبقة العاملة وتبقيها في حالة من عدم المقاومة. نيتشة  مشابه لماركس في رؤيته للاخلاق المسيحية كمظهر للسلطة. غير ان منظوره من جوانب اخرى مناقض لماركس. نيتشة يرى المسيحية تعبير عن "اخلاق العبيد"(1) – الاخلاق سادت في صفوف اولئك الذين ليس لديهم القوة الكافية لإحتضان الحياة . في جينولوجيا الاخلاق (1887) يدّعي نيتشة ان اليونان القديمة وصفت نوعيات القوي والمؤثر بـالـ "جيد" وسمات الضعيف بالـ "سيء". ولكن مع استيائهم من الارستقراطية، قامت الطبقات الدنيا بتغيير النموذج الثقافي وخلقت نظاما اخلاقيا يمجّد سمات الضعيف. هذا التحول الاخلاقي كان بداية ظهور المسيحية. انه مجّد صفات الضعف،  مثل العطف والتضحية لأجل الآخر، بينما يحقّر تلك الصفات القوية مثل الثقة بالذات والاستقلالية. هذا يبيّن اختلافا اساسيا بين المفكرين الاثنين: اذا كان ماركس اعتقد ان الطبقة الحاكمة طورت الدين كوسيلة للنخبة الرأسمالية لتمنع الثورة البروليتارية، فان نيتشة يرى ان المسيحية زودت الطبقة الدنيا بوسائل حقّرت بها فضائل الارستقراطية وانجزت السمو الاخلاقي. رغم ان نيتشة لم يعلّق ابدا على نظريات ماركس، هو بلاشك عارض رؤية ماركس في المجتمع المتساوي(2). في (Twilight of the Idols)، 1889اعلن نيتشة بكل جرأة "ان عقيدة المساواة سامة .. ليس هناك اكثر منها خطورة  في الوجود: لأنها تبدو تبشر بالعدالة ذاتها، بينما هي في الحقيقة نهاية العدالة". هذا البيان وحده يظهر التناقض بين رؤيتي ماركس ونيتشة حول الانسانية.

تفكيك تقاليد الفلسفة الغربية

في ما وراء الخير والشر، يدّعي نيتشة ان الفلسفة ليست موضوعية ابدا في بحثها عن الحقيقة. هو يكتب "لدى الفيلسوف،  لاشيء هناك غير شخصي، وفوق كل ذلك، اخلاقه تحمل شهادة حاسمة حول منْ هو". لذا بالنسبة لنيتشة من المستحيل للفيلسوف ان يبقى محايدا طالما هو يتأثر بلا وعي بقيمه الشخصية وعقائده وتجاربه. كذلك،  في (Twillight of the Idols) ، نيتشة يهاجم بعنف عمانوئيل كانط وجداله في الحقيقة الاخلاقية العالمية على اساس انها تعزز شكلا من الاخلاق المسيحية. طبقا لنيتشة ، كانط يسعى لفرض فكرته الذاتية حول الصحيح على العالم ويشبع رغبته بالسلطة من خلال المظهر الخادع للفلسفة الاخلاقية الموضوعية، مسميا اياه"المسيحي السري". نقد نيتشة لكانط وللفلاسفة الحديثين الآخرين يكشف عن نقده للفلسفة الغربية بحجم واسع، ذلك ان كل الافكار الفلسفية  بدلا من كونها نتيجة للتحقيق الموضوعي ،  فهي تجسيد للرغبة بالسلطة لاولئك الذين يخلقونها.

بهذا المعنى، يمكن الجدال ان نيتشة كان اب ما بعد الحداثة، طالما هو ينتقد علنا وجود الحقيقة المطلقة وزعم ان الفلاسفة لا يمكن لهم ابدا البقاء موضوعيين في احكامهم.

ماركس يختلف عن نيتشة بهذا الشأن كونه يمدد افكار الفلسفة الحديثة. غير ان نقد ماركس لهيمنة البرجوازية عملت ايضا كأساس لإنتقاد واسع لتقاليد الفلسفة الغربية. الفلسفة ، يقول ماركس نشأت تحت ظروف الرأسمالية  وفشلت في تحرير الطبقات الدنيا من الاضطهاد الاقتصادي. وكما ادّعى، "الفلاسفة فسروا فقط العالم بطرق مختلفة بينما المهم تغييره" (11 فرضية حول فيورباخ، 1888).

وكما نرى ان كل من نيتشة وماركس انتقدا الفلسفة الحديثة . غير ان نقد ماركس يبرز من نقده للاقتصاد الرأسمالي،  بينما نيتشة يعتقد ان كل الافكار الفلسفية هي تجسيد للرغبة بالسلطة بدلا من ان تكون نتيجة للتفكير الموضوعي. مرة اخرى، الفرق بين نيتشة وماركس يكمن في حقيقة ان تحليل ماركس لتطور الفلسفة الغربية جاء ضمن السياق السوسيواقتصادي لصراع الطبقات، بينما نيتشة يراه كتعبير عن ديناميكية الرغبة بالسلطة التي ترشد كل تفكير وسلوك الانسان.

 

حاتم حميد محسن

...................

الهوامش

(1) يرى نيتشة ان هناك نوعان من الاخلاق: اخلاق السيادة وتبرز بشكل فاعل من الانسان النبيل، واخلاق العبيد التي تتطور كرد فعل لدى الانسان الضعيف. هذان النوعان من الاخلاق لا يمثلان تحولا لأحدهما من الآخر. انهما يشكلان نظامان مختلفان للقيم. اخلاق السيادة تقيس الافعال في ميزان النتائج "الخيّرة" و"السيئة" ، بينما اخلاق العبيد تقيس الافعال وفق ميزان النوايا "الخيرة" و"الشريرة". من المدهش انه احتقر كلا النوعين من الاخلاق رغم ان الاولى اقل احتقارا من الثانية.

(2) رفض نيتشة فكرة المساواة لأنها تشجع الناس لرؤية الاشياء المتشابهة متساوية،  وهو الامر الذي يراه نيتشة كارثيا لأنه "لا وجود حقا للمساواة". ان عدم وجود شيء متساوي له انعكاساته الواضحة ليس فقط على الديمقراطية وانما ايضا على مستوى اساسي ، على عالمية القيم الاخلاقية. الإعلان بان الافراد متساوون مع غيرهم يعني نوع من الشبهية والانتظام الموحد. هذا الانتظام يعني ان القوانين والمعايير الاخلاقية هي بالتساوي ملزمة للجميع، وتعني ان الاختلافات التي تميز الافراد عن بعضهم – اختلافات العرق،  الجنس،  الوضع المالي،  الجينات الوراثية،  المهارات،  المواهب – ذات اهمية ثانوية. اصرارنا على شبهية الافراد يعني اننا نتجاهل السمات المعينة التي تجعل الافراد متميزين راديكاليا، وهذا يضع العقبات امام الافراد في مخالفة الأعراف واختراع طرق جديدة للحياة. طبقا لنيتشة، المساواة تجبر الناس ليعيشوا طبقا لمستويات موحدة وتمنعهم من رؤية انفسهم كافراد متميزين قادرين على خلق مستوياتهم الاخلاقية الخاصة بهم. كذلك، استمرار الافراد  في اشاعة المساواة بين الناس من خلال مؤسساتهم السياسية – اي،  الديمقراطية  قاد الى "تضاؤل الانسان وتقليل قيمته، خاصة، ان الاخيرة حوّلته  الى "حيوان قطيع كامل".  

 

رائد عبيسالعاطفة الدينية والعاطفة الوطنية إشكالية المشاعر المتناقضة كيف نفرز العاطفة الدينية عن العاطفة الوطنية في سلوك المواطن العراقي؟ وكيف نبني هذه العواطف معا بداخله؟ وكيف يتحقق الاستقرار الوجداني اتجاهما؟ ومتى يغلب احدهما على الآخرى؟ هذه الأسئلة تبلورت من تشخيص تناقض المواطن العراقي، اتجاه مواقف في الشأن العام، يتضح منها وبها أنه يعيش حالة من عدم الاستقرار الوجداني، اتجاه متبنياته الوطنية والدينية، وذلك يرجع إلى عدة أسباب منها: ١- انصياعه الى قائده وزعيم حزبه أو مواليه. ٢- التفاعل السلبي مع الحدث والإعلام ومشاركة الجماهير ما يخوضوا فيه. ٣- يتناقض في إظهار متبناه الوطني والديني لأنه لا يحسن أن يوحد بين مشتركاته. ٤- تناقض المواقف السياسية التي يتبناها حزبه تثير له هذا التذبذب أيضاً. ٥- ضعف القدرة المعرفية في تبني موقف موحد من كلا العاطفتين. ٦- يرى أن في الوطن جهات لا تمثل دينه، ومن ثم هم لا يمثلونه، ومن هذه يبدأ يبحث بين من يمثل له الدين والوطن. هذه اشكاليات تظهر بعمق وتختفي سطحيا بين آونة واخرى، تبعاً للمثيرات وعوامل الاستفزاز، لان هناك من يدعي تمثيل الدين وهو ليس منه في شيء سوى الملبس، مثل رجل دين علماني يرتدي زي حوزوي، فاي موقف يصدر منه اتجاه قضية وطنية، فلا يثير فقط الا العاطفة الوطنية عند المجتمع، ولا يكون عندها اثر لزيه الديني، وفي حالة صدور موقف اتجاه قضية دينية، من قبل اي سياسي وان كان غير ملتزم بالزي الديني،فانه يثير العواطف الدينية عند المجتمع، دون الأخذ بعين الاعتبار زيه، والمجتمع بين هذا وهذا تتذبذب مواقفه وتفاعلاته وتتحرك عواطف مداً وجزراً، تبعا للمواقف المثارة والمثيرة في الشارع العراقي، فلا كل وطني قادر على استثارة العواطف الوطنية عند الجمهور، ولا كل متدين قادر ايضا على استثارة العواطف الدينية في المجتمع. فإذا كان الوطني غير ملتزم دينياً، فلا يمكن أن يستعطف اي مواطن متدين بمواقفه الوطنية، والمتدين الذي لا يظهر أي موقف وطني، لا يمكن له أن يستعطف اي مواطن لديه حس وطني بمجرد تدينه، وهذا ما يظهر على الدوام في مواقف ومظاهر السياسة العراقية، والذي يأخذ شد، وجذب، وتباين، وسجال، وجدال، ولغط وحملات تسقيط وغيرها. لا سيما في مواقف الأحزاب العلمانية، مع الإسلامية، أو الدينية، أو الأحزاب الدينية مع الأحزاب العلمانية، والتي يتهم كل منهم الآخر بالعمالة واللاوطنية؟ فكثير من أبناء المجتمع العراقي، يندفع اتجاه مواقفه الوطنية لان زعيمه ديني يظهر ذلك وطنيته، مستندا إلى الحديث القائل (حب الوطن من الإيمان) ولكن هل حب الوطن حكرا على المؤمنين؟ بالتأكيد لا، وهذا ما يجب أن يفهموه دعاة الوطنية الدينية، الذين يتصورا حب الوطن محتكر بهم، وعلى أساس هذا التصور يرفضوا كل مواقف وطنية من أطراف علمانية أو غير متدينة. فالوطنية المدنية بصبغة علمانية، تتفق مع الوطنية الدينية وهوية الدولة. وتحتاج لهذا الاتفاق روية جامعة بين الوطنية والدينية، من أجل خلق عاطفة مشتركة، غير مفرقة أو متضادة، اتجاه مواقف البلد ومشاكله، يعني أن الهدف من هذا العامل المشترك، هو إيجاد استقرار في المواقف الوطنية عند جميع العراقيين دون تقاطعات على اعتبارات ما تقدم. واذا توفر هذا العامل سوف يتحرر الشارع العراقي، ومجتمعه من ولاءات خارجية،ذات تأثير ديني تشتت عاطفته، و تبلورها باتجاه واحد، هو العاطفة الدينية فقط، حتى تعبر بهم الحدود، ولم يعد الولاء للوطن وحده،بل للامة بشكل عام، وبهذا يتزايد الصراع الداخلي على مواقف في الحكومة والدولة، بين توصيفها بالوطنية أو غير الوطنية، بين كونها مهددة للدين ويجب أن ترفض، حتى ولو كانت وطنية، وبين من كونها وطنية ويجب أن تمرر، كما شهدنا قانون الاحوال الشخصية،وقانون العنف الأسري، وغيرها من القوانين التي تخص المرأة والطفولة والحقوق العامة وغيرها. وما شهدنا بالأمس القريب من سجال، وجدال حول تصريحات نواب يتمثلون بالعلمانية، اتجاه بعض القضايا الدينية، أو تصريحات نواب اسلاميين، أو دينيين اتجاه قضايا يتبنوها العلمانيين. دليل على ان العواطف المجتمعية متناقضة، والانتماءات مشوهة، والمواقف متذبذبة تبعاً، لمحركاتها الانحيازية والفئوية، الفاقدة لكل موضوعيتها، وعقلانيها، وجهل زعامتها.

 

د. رائد عبيس

 

 

جودت هوشيارفي 25 سبتمبر 1965 بدأت مجلة (التيويوركر) بنشر رواية الكاتب الأميركي ترومان كابوتي المعنونة " بدم بارد " كحلقات متسلسلة من أربعة أجزاء . أثارت الرواية ضجة واسعة في الأوساط الأدبية، على نحو لم يسبق له مثيل خلال الستين عاما من عمر المجلة، ثم قامت دار نشر كبرى هي " راندوم هاوس " بنشرها في كتاب صدر في يناير 1966. وأصبح إسم المؤلف يتردد على كل لسان .

كان كابوتي قبل ذلك كاتباً معروفا في الأوساط الثقافية، وأصدر العديد من الروايات، والمجموعات القصصية،والمسرحيات، وأدب الرحلات. وحوّلت هوليوود بعض رواياته الى أفلام سينمائية ناجحة، لعل أشهرها " افطار في تيفاني " . ولكن رواية " بدم بارد " هي التي أكسبت كابوتي شهرة مدوية في أميركا والعالم.

وقد بلغ دخل كابوتي من نشر الكتاب وبيع حقوق تحويله الى فيلم سينمائي حوالي ستة ملايين دولار، وأصبح بين ليلة وضحاها نجماً لامعا في المجتمع المخملي النيويوركي .

لم تكن " بدم بارد " مجرد تحقيقات صحفية مطولة مكتوبة بأسلوب أدبي، أو رواية وثائقية أو تسجيلية، بالمعنى المتعارف عليه لدى النقاد . بل رواية غير خيالية رائعة،نسج الكاتب حبكتها من حوادث ووقائع حقيقية . ولكن الصياغة الفنية للرواية بلغت درجة عالية من الكمال، وسرعان ما ترجمت الى أهم اللغات العالمية، وصدرت منها – في بلدان العالم المختلفة -  أكثر من مائة طبعة . وهي تعد اليوم واحدة من افضل (100) رواية في تأريخ الأدب العالمي، وما زالت تلقى رواجاً واسعاً في شتى أنحاء العالم، رغم مضي حوالي ستين عاما على نشرها لأول مرة .

البداية

في 16 نوفمبرعام 1959 قرأ كابوتي في صحيفة (النيويورك تايمز) خبراً عن جريمة قتل راح ضحيتها مزارع ثري وعائلته في بلدة (هولكومب) الريفية النائية في الغرب الأوسط (ولاية كانساس) . قتلوا بأعيرة نارية في منزلهم من مسافة قريبة, بعد أن  تم تقييدهم وتلثيمهم. وقطع خطوط الهاتف عن المنزل . لا آثار للمقاومة ولا شيء سُرق. كانت الجريمة وحشية وبلا معنى . وأبدى القتلة برودة وقسوة غير متوقعين في الجريمة التي اقترفاها، ولم يتركا اية أدلة ورائهما، سوى آثار أقدام تعود لأكثر من شخص واحد .

هذه الجريمة الغامضة أثارت اهتمام كابوتي . وفي البداية أراد أن يكتب عنها تحقيقا صحفيا، رغم أن المحققين لم يكونوا قد توصلوا بعد الى معرفة هوية القتلة، ولم يكن احد واثقا من ان الشرطة ستعثر عليهم . سافر كابوتي الى بلدة هولكومب برفقة صديقة طفولته وزميلته الكاتبة هاربر لي، التي ساعدته في تجاوز الطوق الأمني الذي ضربته الشرطة حول مسرح الجريمة، وفي محاورة الجيران والأصدقاء والمعارف والمقيمين الآخرين والمحقق المكلف بالقضية (آلفين ديوي) . .

لم يكن كابوتي يدون أو يسجل أقوالهم، لأن ذلك – كما قال– كان سيؤدي الى الأحجام عن الحديث بصراحة، ولأنه يمتلك ذاكرة قوية وليس بحاجة الى تدوين اقوال من يقابلهم أو تسجيلها، وبوسعه أن يتذكر حوالي 95% مما يسمعه من كلام .

وقال (آلفين ديوي) انه لم يشاهد من قبل جريمة من دون دوافع أو بمثل هذه الوحشية. وصمم  على البحث والعثور على القتلة، وكان لمبادرته بالأعلان عن تقديم مبلغ الف دولار لمن يدلي بأي معلومة عن الحادث، الأثر البالغ في الكشف عن اول خيط للجريمة، والقاء القبض على القاتلين بيري سمث (31) سنة و ديك هيكّوك (28 سنة) في لاس فيجاس، في الثلاثين من ديسمبرعام 1959. وقد تبين بأنهما من أصحاب السوابق، وقد خرجا من السجن قبيل ارتكاب الجريمة بعدة أيام . وقال أحد السجناء - الذي كان في زنزانة واحدة مع هيكوك - أن الأخير حدثه بأنه سبق له العمل في مزرعة كلاوتر، وهو ثري ولا بد أنه يحتفظ بأمواله في خزانة المنزل، الذي يقع في منطقة نائية ومعزولة، وعندما  يطلق سراحه، سيقوم بالسطو على المنزل.

لم تكن في منزل كلاوتر اية خزانة لحفظ الأموال، فقد كان طوال حياته يتعامل بالشيكات المصرفية، ولا يحتفظ بأي مبالغ نقدية . وبعد التفتيش الدقيق في كل أرجاء المنزل، لم يعثر القاتلان على اية أموال أو شيء ثمين.

تابع كابوتي ميدانياً كل مراحل التحقيق والمحاكمة، التي انتهت باصدار الحكم على القاتلين بالأعدام شنقا، ومن ثم عمليات استئناف الحكم وتمييزه، التي استغرقت حوالي ست سنوات، قابل كابوتي خلالها المتهمين مرارا وتكرارا، وحاورهما عن حياتهما والأسباب التي دفعتهما لأرتكاب الجريمة . كان ريتشارد هيكوك قاسياً ومملاً، على خلاف بيري سمث، الذي كان يكتب الشعر ويرسم ويقرأ كتب علم النفس والروايات . وكان نادما على ما اقترفت يداه .

شعر كابوتي بنوع من الشفقة على بيري لتعاسة طفولته وسنوات تشرده، التي جعلته مجرما . وهذا ما دفع كابوتي لتوكيل محام للدفاع عنه، وزيارته في السجن بأنتظام وتقديم الهدايا المحببة اليه، حتى أن بيري لم يتمالك نفسه ذات مرة من شدة التأثر،فأجهش في البكاء . وقبيل تنفيذ حكم الأعدام أرسل بيري الى كابوتي رسالة تتضمن ما جاء في موسوعة طبية من وصف تفصيلي لما يحدث للأنسان خلال عملية الأعدام شنقاً. وطلب من كابوتي الحضور أثناء تنفيذ الحكم الصادر بحقه .وقد استجاب كابوتي لهذا الطلب . وقال في ما بعد : " كانت تجربة رهيبة، ولن أنساها قط ". ولم يسدل الستار على هذه الجريمة الا بعد شنق المتهمين في 16 نيسان عام  1965. ودفنهما في فناء السجن بمدينة لانسنغ (ولاية كانساس).وقد اعتنى كابوتي بقبري بيري وديك، وصنع لهما ضريحين من الغرانيت الغالي على حسابه الخاص بكلفة سبعين ألف دولار .

حياة مدينة

قضى كابوتي 6 سنوات في متابعة كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالقضية . ودرس بالتفصيل سيرة حياة افراد عائلة كلاوتر، نظام حياتهم اليومية، عاداتهم وميولهم . وسيرة حياة القاتلين، والخلفيات الأجتماعية والسيكولوجية التي دفعتهما الى ارتكاب الجريمة..وبلغ ما دونه من ملاحظات حوالي 8000 صفحة، تم تنقيحها و اختصارها قبل اعادة صياغتها فنياً .

" بدم بارد " ليست رواية بوليسية بأي حال من الأحوال . وكما قال كابوتي فأنه لم يدون قصة جريمة، بل قصة مدينة . ويرى الكاتب الفرنسي غوستاف لوكليزيو في مقال له نشر في تشرين الاول 1966 بمجلة (ليتيرار) تحت عنوان " ترومان كابوتي .. ثورة الوعي " ان كابوتي تخلص من الذاتية التي غرق فيها الغرب طوال قرن كامل، والتفت الى المجتمع والواقع المعاش والآخرين، ولم يكتب عن شخص غريب يشبهه." وملاحظة لوكليزيو في محلها تماماً، ذلك لأن الراوي في " بدم بارد " أزال نفسه من الرواية تماماً .

كابوتي يرسم بمهارة صورعشرات الشخوص من المحققين والصحفيين و المزارعين والطلبة والناشطين الأجتماعيين وسعاة البريد . لكل من هؤلاء  سيرته الحياتية التي يقدمها المؤلف في وقتها المحدد، جرعة بعد جرعة  وكل فقرة تتضمن الحد الأقصى من المعلومات، التي تكفي لمعرفة الشخص ورسم صورته في الخيال . لا يوجد نظير لهذه الرواية في الأدب الأميركي، من حيث التفصيلات الدقيقة اللماحة وعمق دراسة المادة .  ويعتبر النقاد اسلوب كابوتي الرشيق مثالاً للمهارة في صياغة الجملة .

الجزء الأول من الرواية مكرس لسرد تفاصيل اليوم الأخير من حياة هربرت كلاوتر،وزوجته بوني وطفليهما نانسي وكينيون . كلاوتر رب اسرة نموذجي، لا يشرب الكحول ولا يدخن السكائر، ويحظى بإحترام الجيران وسكان البلدة والمناطق المجاورة. وابنته (نانسي) محبوبة من الجميع، وابنه (كانيون) ذكي ومتفوق في دراسته، الشيء الوحيد الذي كان يثير بعض القلق لكلاوتر هو أن زوجته (بوني) كانت تصاب احيانا بنوبات من الأكتئاب، وتتعذب حين تشعر بالذنب او أنها غير ضرورية لأحد، ولكن تبين ان مشكلتها تكمن في العمود الفقري، وقد تعافت تماما بعد أجراء عملية جراحية لها .عائلة طيبة تتسم بالنقاء والأستقلمة والأنسجام .

التوتر يتصاعد شيئا فشيئا وبعناية . الوتر مشدود الى الحد الأقصى عبر تعاقب الفصول: ها هما القاتلان، وهاهم أفراد العائلة اللطيفة . وها هي نانسي تخبز الكعكة، وهذا هو كلاوتر يوقع على بوليصة التأمين في يوم مصرعه – تفصيلة كانت كافية لتدمير أية رواية أخرى، لأن مثل هذه المصادفة لن يصدقها القاري، ويعتبرها مفبركة ورخيصة . كابوتي وحده من لا يخشى ذكر هذه المصادفة، لأنه يقدم لنا نبض الحياة، ويصور ما يعجز عنه الخيال أو ما يتهيب منه روائيون آخرون .

يبدأ الجزء الثاني من الرواية في صباح يوم 15 نوفمبر، عندما اكتشف الجيران جثث القتلى : خطوط الهاتف مقطوعة، ومحفظة نانسي مفتوحة على بطانتها ومرمية على الأرض .القاتلان هاربان، والناس في البلدة يشك احدهم في الآخر .لا بد من وضع حد لهذا . بيري في رعب، ويخيل اليه انهما - هو وشريكه في الجريمة - لم يأخذا في الأعتبار شيئا ما .اما ديك فأنه وحده هاديء تماما .

في الجزء الثالث – عندما يتساءل القاريء. وما ذا بعد ؟ وكيف  يتم القاء القبض على القاتلين ؟، وما الذي حدث في المزرعة فعلا ؟ . كابوتي يكشف اخيرا لغز الجريمة . لقد ظن القاتلان ان كلاوتر غني فعلاً . ولكن لماذا لم يقاوم ؟ ولماذا لم يستطع ابنه (كينيون) ان يفعل شيئا ؟ لماذا تم ذبح كلاوتر ومن ثم اطلاق النارعليه ؟.

الجزء الرابع – المحكمة – قفص الاعدام المنفرد، وعملية الاعدام شنقا .لم يكن بوسع كابوتي ان يبتدع شيئا اكثر رعبا من هذا .  حتى الخاتمة مثالية : المحقق ديوي يزور المقبرة - التي دفن فيها عائلة كلاوتر - قبيل شنق سميث و هيكوك.

وخلال الرواية تتحول الكراهية الى الشفقة على القاتلين وخاصة تجاه بيري سميث، ونتوصل الى نتيجة مفادها أن العنف يولد العنف الذي لا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال.

كتبت الرواية بطريقة تشدّ القاريء، وتتجلى فيها مهارة الكاتب وصدقه الفني ورؤيته للمجتمع الأميركي . ومنذ صدورها وحتى يومنا هذا تتوالى نشر طبعات جديدة منها بشتى لغات العالم، ودخلت الى المقرر الدراسي للتخصصات الجنائية والسيكولوجية في الجامعات الغربية .

انتجت هوليوود لحد الآن اربعة أفلام، ثلاثة منها مستوحاة من رواية " بدم بارد " (1967، 1996،، 2006) والرابع في (2005) الذي حمل اسم " كابوتي " وهو ليس فيلما عن سيرة حياته، كما يتبادر الى الذهن، بل قصة كتابة الرواية خلال ست سنوات من العمل المضني والأجهاد العصبي، وعن العلاقة بين المؤلف والبطل . وقال كابوتي عن عمله الأشهر هذا : "لا يعلم احد ما الذي استفزني وانا اكتب (بدم بارد)، لقد اتعبتني وكادت أن تقتلني واعتقد انها قتلتني فعلا "..

انغمس كابوتي في السنوات الأخيرة من حياته في عالم بوهيمي، وأدمن الكحول والمخدرات . وكان العدو الأول لنفسه ولصحته، التي أخذت تتدهور من سنة الى أخرى . صحيح أنه كان يعالج في المصحات أحيانا ويعود الى عالمه الأبداعي لبضعة أشهر، حيث انتج خلال فترات وعيه عدة أعمال جديدة، الا ان ذلك لم يكن يدوم طويلا، واخيراً أصبح رجلاً محطما.

ويذكر الكاتب الروسي ادوارد ليمونوف أنه التقى كابوتي في عام 1979 ويضيف قائلاً : " كان ضئيل الجسم، ومرهقا، أشبه بطائر بلا ريش سقط من العش،وكله عروق وأوردة وأوعية دموية . عمره بضعة أيام ولكنه يبدو عجوزا."

في الأيام الأخيرة من حياته كان يخيّل اليه أن ثمة أشباحا تلاحقه في كل مكان في نيويورك وقرر الأختباء في اوس انجلوس في منزل جوان كارسون حيث توفي في 25 أغسطس عام 1984، ليتحول بعدها الى اسطورة دائمة الحضور في المشهد الثقافي العالمي، حيث يعود الى الأضواء في كل مرة ينشر فيها شيء من نتاجاته (رواية غير مكتملة، قصص قصيرة كتبها عندما كان صبيا في الثانية عشرة من عمره، رسائله، يومياته) أو مذكرات الآخرين عنه، أوالكتب الجديدة عن سيرة حياته وأدبه .

 

جودت هوشيار

 

 

جمعة عبد اللهالمبدع الكبير (برهان الخطيب) يبرز قدراته المتمكنة من الفن الروائي، وتقنياته الفنية، واساليب التعبير السردي، واشكال التي يوظفها لتعطي قوة تعبيرية في رؤية النص الروائي، وفي البنية المعمارية المتناسقة، في طرح رؤيته وافكاره، في ارتباط وثيق في صلب فضائية المكان، وارتباط الشخوص المحورية، التي تلعب وتمتد وتتحرك وتتفاعل من اصل هذه الفضاء المكانية. ومقوماتها الدالة والوثيقة لطبيعة التضاريس والمناخ. الذي لا يحيد عن جغرافية المكان، وفي التوجه وتسليط الضوء الشاسع والكاشف لهذا الانتماء، عبر التمدد المكاني والجغرافي (الحلة. بغداد. روسيا / موسكو. السويد / ستوكهولم)، بافعال الشخوص المحورية، التي تحملها في عقليتها وثقافتها البعد وخلفيات المكان الاصل، مهما كانت مسالمة، او عدوانية شرسة، او مظلومة ومسحوقة ومطاردة، يطلب رأسها ثمناً. لذلك فأنه هذه الشخوص، تنتمي الى الازمة العراقية، السياسية والاجتماعية، عبر الحقب والمراحل المختلفة التي مرت على تاريخ العراق، وجعلته يعيش في حالة الصراع العنيف والدموي والعدواني، في الصراع السياسي، الذي لا ينتهي إلا بكسر العظم.، لذلك البنية السردية، تسلط الضوء على بانورما السياسية في العراق، على حقبها ومراحلها متنوعة ومتقلبة، التي شهدت الصراع العنيف والدموي، منذ سقوط العهد الملكي، مروراً بقيام الجمهورية الاولى وسقوطها في انقلاب الدموي، ثم انقلاب عارف على البعث، ثم انقلاب البعث على عارف ثانية. والعراق يشهد الانتهاك وجريان الدم، والسلوك والتصرفات العدوانية، التي لا يحكمها، لا خلاق ولاضمير، حتى بتعرض اعراض الناس وانتهاك كرامتهم، وتوج بمجيء البلطجي (صدام حسين) ثم اشعال الحرب العدوانية المدمرة، التي شنها بجنون ضد ايران، هذا التوثيق السياسي، الذي يكشف اشكال الصراع السياسي والاجتماعي في العراق، بهدف الاستحواذ على السلطة والنفوذ، واخضاع الناس بقوة الارهاب والبطش والتنكيل. من اجل جعل الناس تحت طاعتهم وقوتهم الشرسة والبشعة، وبعض الاحيان ترتقي الى الهوس المجنون، واطلاق العنان للغرائز المريضة والعدوانية الشرسة، ان تبرز على السطح السياسي، كرجال وقادة للحكم الجديد، استلموا السلطة في غفلة من الزمن. وماهم في حقيقة الامر، إلا عصابات اجرامية، خالية من الشرف والضمير، وتغوص في المستنقع السياسي المليء الحقن والاختناق والدماء. مثل هذه الشخصيات العنيفة (صدام. عدنان. اياد). يمتلكون فن المراوغة والخداع والتقلب. وهناك شخصيات مغلوب على آمرها مثل (صلاح. خالد. ضرغام) وهناك شخصيات تلعب على الحبلين، لكنها في النتيجة تقع كضحية. مثل (رباب. حامد). هذا التشابك المعقد، هو نتيجة الصراع السياسي الثعلبي المتشابك، الذي تمرست عليه الفئية الاولى والعائدة الى حزب البعث (صدام. عدنان. اياد مجيد). وكشفت عن وجهها العدواني الكاسر في استلام السلطة، ولم يتوانوا بالفتك الدموي حتى برفاق تنظيمهم واصدقائهم القدماء. هذه منصات المتن الروائي في البناء الروائي. ومن ابرز التوظيفات، هي توظيف زمن الاسترجاع الزمني (فلاش باك) الذي اخذ مساحات واسعة من الحبكة السردية في النص الروائي، في كشف عن اصول هذه الشخصيات المحورية، واسلوب تعاملها بالسلوك والتصرف، وانتمائها السياسي (بعثي. شيوعي. مستقل). ويبرز التصرف العدواني لشخصية البلطجي (عدنان) بشكل عدواني بارز، كسياسي ادواته المستخدمة العنف المفرط، والثعلبية الساسية، ولن يتوانى في اطلاق النار حتى على اقرب اصدقائه. ويتقلد منصب في السلك الدبلوماسي. كقنصل تابع لسفارة العراقية في (موسكو / روسيا) وجدها فرصة في التحرر من كبته الجنسي، الى اشباع غرائزه بالمتعة الشبقية والحياة الناعمة والمخملية، واصطياد الفتيات الروسيات. من السهرات والحفلات والمطاعم الفخمة، لينتهي التجوال الى فراش المتعة الجنسية. لذلك نجد في المتن السردي، العمق العراقي الجغرافي (الحلة. بغداد) حتى اثناء تواجدهم في (روسيا. السويد).

 احداث المتن الروائي

تحدثت وسائل الاعلام والنشر بصخب بارز، واصبح الحدث الاول في نشرات الاعلامية والخبرية، عن وقوع جريمة مروعة في احدى الغابات، وجدوا في كيس القمامة، اعضاء بشرية مقطعة ببشاعة. وبدأ العمل المثابر والمهتم بالتحريات من جانب الاجهزة الامنية والتحقيقية. في الاهتمام بهذه الجريمة المروعة، ولمعرفة الدوافع لهذه البشاعة، وكذلك بدأ في تقصي الحقائق في معرفة القاتل والقتيل، وبعد جهود في التحري والتحقيق، عرف اسم الضحية. عراقي بأسم (أياد مجيد) وانه كان ضابطاً في السابق في الجيش، وتنقل الى روسيا خلال الدورة التدريبية في (موسكو) فترة من الزمن. ثم اللجوء الى السويد. ربما أسمه غير حقيقي، مستعار او وهمي لتوميه. لان بعض العراقيين يخفون هويتهم واسمائهم الحقيقية، ويتشبثون بالاسماء المستعارة والوهمية، لمحاذير ودوافع شتى. ثم ينقلنا الحدث السردي في زوم (فلاش باك) على خلفيات الجريمة المروعة. الى مدينة بابل (الحلة) وارتباط (أياد مجيد) بعصابة (عدنان) وانتمائهم الى حزب البعث، وبروز دورهم الارهابي والعدواني، بعد انقلابهم على الجمهورية، في انقلاب دموي. واطلاق العنان للكلاب المسعورة (الحرس القومي) ان تنهش الناس وتبيح القتل والاعتقال، والفتك بأعراض الناس. فقد كانت عصابة (عدنان. اياد. يعرب) تفعل الجرائم والاعمال اللاخلاقية وتقوم بمطاردة وملاحقة الناس وخاصة الشيوعيين. واقترفت عصابة (عدنان) جريمة قتل في بيت (سالم عبدالستار / والد خالد) اثناء المطاردة لعمه الشيوعي البارز (صلاح). ولكن بعد سقوطهم في انقلاب عارف عليهم. بدأ التحري في بيت (سالم عبدالستار) لمعرفة الدوافع الجريمة واسبابها التي وقعت في بيتهم، وتم استدعى (خالد) لمعرفة المزيد عن جريمها والمجرم. ومن خلال التحقيق معه، انكر وقوع الجريمة في بيتهم، واعتراف بأن عمه (صلاح) شيوعي بارزلا يعرف عنه شيئاً. واراد المحقق، معرفة هوية (خالد) السياسية. هل هو من الشيوعيين. أم من البعثيين. أم من القوميين. أم من الاسلاميين. فأجاب خالد :

(- اميل الى ذوي الاخلاق الحسنة، لا دعوى لي بأفكارهم

- لا تتهرب من السؤال، من مصلحتك ان لايساء فهمك، الكل يعرف نظامنا محايد الآن، وهناك سباق بين الشيوعيين والبعثيين على الوصول الى القصر الجمهوري لاستلام المسؤولية.

- أنا مهندس ولا دعوى لي بالسياسة.

- أنت تكتب في الصحافة ايضاً ؟!

- ميلي تجده فيما اكتب) ص112.

وعند مجيء البعث ثانية الى السلطة. تعرض (سالم عبدالستار / والد خالد) الى اطلاق ناري من مسدس المحافظ الجديد (خيرالله طلفاح) في اجباره لبيع بيته الى المحافظ، وكان نتيجة الرفض، اطلاق النار عليه بشكل مباشر. وبعدها انتهز (خالد) فرصة البعثة الحكومية الى روسيا، بالمواصلة دراسته هناك، والهرب من العراق. ولكن لابد ان نرجع الى الخلفيات قبيل انقلاب البعث الثاني على (عارف) ومحاولة (عدنان) كسب (حامد) شقيق (خالد) الى تنظيم البعث، والتعرف عن قرب على صدام، بقول عدنان (اسمع حامد، واصل عدنان كلامه يوجد الآن شخص من جماعتنا سوف يصبح قائداً كبيراً في المستقبل القريب، اسمه صدام، هذا اسمه الحقيقي لا الحزبي، هو بحاجة الى شباب مخلصين من امثالك، اذهب وقابله مرة، سوف يكون هذا ذا نفع كبير لك) ص136. وينخرط (حامد) في البعث ومخططاته وينسى خطيبته (رباب) من خلال انخراطه في الجهاز الامني وانشغالاته الكثيرة. حتى شارك في عمليات مطاردة عمه الشيوعي (صلاح) بدافع من عدنان العدو اللدود الى (صلاح). في تصاعد الحملات الارهابية ضد الشيوعيين، واستخدام اسلوب البطش والتنكيل بحق الناس الابرياء، وكذلك المعارضين لسلطة البعث. وقد كشف صهر الرئيس الهارب الى الاردن (حسين كامل) عن ضخامة التصفيات الجسدية. حيث قال في مؤتمره الصحفي آنذاك، بأنه حدثت (تصفيات عديدة لمعارضين، حدث وبطرق مختلفة تصفية اكثر من اربعة الآف وست مئة شخص، صفوهم مثلاً في يوم واحد) ص161. هذه هي صور من وحشية العنف الدموي آنذاك. في اغراق العراق في بحر من الدماء. وجاءت الحرب لتزيد الطين بلة. وانقلبت الحياة الى رعب، على وقع صفارات الانذار ودوي الصواريخ. اصبح ليل العراق مخيف ومرعب. بالركض الى الملاجئ لتفادي الصواريخ الساقطة على بيوت الناس عشوائياً. وينقل (عدنان) الى السلك الدبلوماسي، كقنصل تابع لسفارة العراقية في روسيا. ويسهل عملية منح بعثة دراسية حكومية الى روسيا، الى خطيبة حامد (رباب) حتى تكون قربه وايقاعها في حبائله الجنسية، في اشباع غرائزه الشبقية الدفينة، في المتعة الجنسية. وبالفعل نجح في ايقاعها في حبائله، حتى اجهضها اكثر من مرة. وكانت من جملة عشيقاته، وكذلك اصطاد الفتاة الروسية الجميلة (غالا) فكان يلتقي بها في الحفلات وسهرات الخمر والمطاعم الفاخرة، لينتهي الليل على فراش المتعة الجنسية. ولكن كانت (غالا) تمارس عملية التجسس والرصد الى جهاز الامن الروسي عليه. وكانت تنقل كل شاردة وواردة وتقصي الاخبار والاسرار، في عمل تجسسي متقن، ومحاولة جذب (عدنان) بالتعاون معها، بحجة انه مطلوب رأسه من الحكومة والمعارضة. وفي عملية تخويف وهي توجه كلامها الى عدنان:

(- بل احتمال موتك مثلاً.... من يدري !

- ما جعلك تفكرين هكذا ؟

- الحرب. ومعارضة متزايدة لكم في كل الاتجاهات.

- ماذا تعرفين عن المعارضة ؟

- اكثر مما تتصور.

- مثلاً ؟

- بعضهم يتمنى قتلك.

- تقصدين أياد ؟

- ولماذا اياد ؟!

- ربما تصور، أنني أخذتكِ منه أو أضمر له سوء)ص250.

ولكن قائمة اعداء (عدنان) المتربصين في قتله، يضاف الى القائمة أبن مدينته القديمة الحلة (ضرغام) فقد كان (عدنان) السبب المباشر في قتل ابيه واتهامه بالتجسس. لذلك تصرح (غالا) بحقيقة نواياه في التربص لقتل (عدنان) وقد صرح (ضرغام) في نيته في قتل عدنان، طلباً لثار مقتل ابيه. بدعوى النار تبقى ملتهبة، لا تنطفئ إلا بقتل عدنان. هكذا افشى سره الى صديقه القديم (خالد) بقوله (هناك اشخاص مستعدون لدفع المطلوب مقابل تنفيذ عقاب بعدنان يكون درساً لاصحابه. هو عدو لكثيرين) ص291. ويحاول (خالد) ان يقنع صديقه بترك اقتراف جريمة. ويضرب مثلاُ بأن أبيه تعرض الى اطلاق نار من قبل محافظ بغداد. ولكن (ضرغام) يصر على فعل القتل والثأر

(- العين بالعين والسن بالسن والبادئ اظلم) ص293. ويساهم (عدنان)، في ترحيل وابعاد (خالد) عن روسيا بطرده منها. وكذلك تتسارع الامور. في استدعى (عدنان) الى بغداد، وترك (رباب) حامل، لانها لا يمكن هذه المرة، ان تجهض مرتين في عام واحد، يكون خطراً على حياتها. لذلك تواجه كلامها الى عدنان (لسنا روس ولا الطفل جالس في احشاء بطني. نذالتك معروفة ولكن الى درجة التملص مني الآن. أستخدمتني طول الوقت للتجسس على الناس. اغريتني. فحملت منك. خنتني مع الرايحة والجاية) ص330.. ويذهب (عدنان) الى بغداد ويتوجه الى القصر الجمهوري. وهو متيقن بأن حياته انتهى بها المطاف بالموت المرعب ، وساعات طويلة من الانتظار قابله (صدام) وهو في حالة يرثى لها من الرعب، في مواجهة صدام المرعب (ليس اي رئيس كان. بل صدام باعث الرعب في الآنام) ص336. وبالفعل عرف انها وشاية من صديقه القديم (أياد مجيد) وبعد اذلال ومهانة يطلق سراحه، ولكن عليه ان ينفذ حكم الاعدام بصديقه (أياد مجيد) باطلاق الرصاص عليه مباشرة. وبالفعل نفذ حكم الاعدام. وتيقن بأنه على قائمة الموت والاعدام القادم، اذا لم ينتهز فرصة الهروب، لينجو من الموت المرتقب، وبالفعل، قام بعملية الهروب الى خارج العراق.

× رواية : الجنائن المغلقة / الجزء الاول

× المؤلف : برهان الخطيب

× الطبعة الاولى : عام 2006. بغداد

× الطبع والنشر : دار الشؤون الثقافية العامة

× عدد الصفحات : 375 صفحة

 

 جمعة عبدالله