علاء اللاميالمرجعية مستمرة في دورها التقليدي لإنقاذ الحكم الطائفي من مأزقه القاتل عن طريق تغيير الوجوه والأشخاص، والطريق طويل نحو الحل الديموقراطي الاستقلالي الحقيقي والنصر أكيد!

طلب المرجع السيستاني من مجلس النواب أن يعيد النظر بخياراته جاء متأخرا جدا، وكان بإمكان هذا الطلب لو أنه طرح قبل شهر أن يحقن دماء المئات من الشهداء والجرحى. والآن، وقد تمت الاستجابة لهذا الطلب وقال عبد المهدي "سأرفع كتاب استقالتي رسميا الى مجلس النواب"، فهل حُلت الأزمة؟ المشكلة الكبيرة والمستمرة ليست هنا أبدا، بل المشكلة، أو أمُّ المشاكل، هي في استمرار محاولات المرجعية الهادفة لإنقاذ النظام والاكتفاء بتغيير الوجوه والأشخاص في الحكومات المتعاقبة، كيف ذلك؟ ففي فقرة أخرى من رسالته يقول المرجع إن البرلمان (مدعوّ الى الاسراع في اقرار حزمة التشريعات الانتخابية بما يكون مرضياً للشعب تمهيداً لإجراء انتخابات حرة ونزيهة تعبر نتائجها بصدق عن إرادة الشعب العراقي)، وهذا يعني أن المرجعية مع بقاء البرلمان التزويري والفاسد ومع قيام هذا البرلمان بدوره في تلفيق "حزمة التشريعات الانتخابية"، وهذا يعني بوضوح أشد أن المرجعية مع بقاء أسس وركائز نظام المحاصصة الطائفية ممثلة بدستوره المكوناتي "دستور بريمر" الذي قالت الانتفاضة قولتها فيه وطالبت بإسقاطه وكتابة دستور جديد وفي بقاء البرلمان نفسه والموافقة على تعديلاته وقوانينه الترقيعية الفارغة! خلاصة ما ورد في رسالة المرجعية السيستانية اليوم هي:

* المرجعية تطالب مجلس النواب بسحب الثقة من حكومة عبد المهدي واختيار حكومة جديدة من ذات النخبة الحاكمة!

* المرجعية تطالب مجلس النواب بإنجاز حزمة التشريعات الانتخابية لإجراء انتخابات جديدة.

والآن وقد أعلن عبد المهدي إنه سيرفع استقالته الى مجلس النواب وسيتم اختيار بديل له من قبل البرلمان نفسه، ألا يعني ذلك تثبيت النخبة الممسكة بالحكم في مواقعها وإجراء تغييرات شكلية وترقيعية على النظام؟ ألا يعني ذلك سقوط الخيار الإيراني القائم على اعتماد الخيار الأمني لسحق الانتفاضة وصعود خيار "المرجعية - يونامي/ بعثة الأمم المتحدة في العراق" للانتخابات المبكرة والذي تؤيده واشنطن من وراء الستار؟ إن سقوط الخيار الإيراني وصعود خيار "المرجعية- يونامي" لا يعني أن الأزمة قد حُلت أو أن مرحلة الحل الحقيقي قد بدأت، بل يعني أن مرحلة التغيير الطويلة والمعقدة قد بدأت، فكلتا الخطتين - الإيرانية والمرجعية اليونامية بعيدتان عن الحل الوطني الديموقراطي الاستقلالي المنشود. إنهما وبصراحة شديدة خطتان معاديتان للشعب وطموحاته الاستقلالية الحرة مباشرة أو مداورةً! وإن استمرار الانتفاضة بذات الزخم السلمي والسلمي فقط والمطالبة بمحاكمة قتلة المتظاهرين السلمين وفي مقدمتهم عادل عبد المهدي وقيادات المؤسسات القمعية كمطلب أول لا مطلب قبله هو الكفيل بتحقيق النصر الحقيقي!

وأذكِّر هنا مرة أخرى بما كررته مرات من أن توقفي عند خطب ورسائل المرجع السيستاني لا يعني بأية حال من الأحوال الموافقة على أي دور لجهة أو شخصية دينية مذهبية أو قبلية عشائرية من خارج الدولة وعلى تدخلها في الشأن العام ولكنه توقف توضيحي باتجاه الرفض لما هو قائم كواقع حال منذ الاحتلال الأميركي سنة 2003 وهو واقع حال مرفوض ديموقراطيا وإنسانيا.

 

علاء اللامي

 

صادق السامرائيأنا ضد أنا!!

أنت ضد أنت!!

ما فينا ضد ما فينا!!

العربي ضد العربي!!

المسلم ضد المسلم!!

الحكومة ضد الحكومة!!

الجيش ضد الجيش!!

الدين ضد الدين!!

النفط عدو النفط!!

الفساد ضد الفساد!!

الحق ضد الحقّ!!

الباطل ضد الباطل!!

تلك حقيقة واقعنا الدامي المتداعي الذي لا يتوافق مع أبسط القيم والمعايير والأخلاق والتقاليد والأعراف التي تواصت بها الأجيال.

ومع ما نقوم به من سلوكيات سلبية، ندّعي بأن ما يصيبنا من تدبير الآخرين وحسب، وما نظرنا إلى ما ندبره لأنفسنا وما نحيقه ضد ذاتنا وموضوعنا وبعضنا.

إن المشكلة فينا جميعا بمسمياتنا وتوصيفاتنا وما شئت من العناوين والألقاب!!

نحن ضد نحن!!

فلا أحد يمكنه أن يقف بوجه ما نريد إلا نحن!!

لا أحد يمنعنا من القوة والإقتدار إلا نحن!!

لا أحد يستطيع تدميرنا وتخريب ديارنا إلا نحن!!

وعلينا أن نمتلك الشجاعة الكافية، والثقة الراسخة، ونواجه نوايا نحن السيئة المقيتة المهينة، التي أودت بمصير أجيال وأجيال وألقت بهم في غياهب الوجيع والأنين.

فلا أفسدَ منا إلا نحن، ولا أقسى منا على بعضنا إلا نحن، ولا أفتك منا بنا إلا نحن، ولا أعداء لنا أقسى علينا إلا نحن!!

فإن لم تصدقوا فتشوا عن عدو حقيقي فاعل فينا، فهل ستجدون غير نحن؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

جمعة عبد اللهفي النهاية اجبر على الاستقالة، بعدما جرب اوراق دموية كثيرة، احترقت بفعل الصمود والتحدي والمقاومة بالثقة على انتصار ثورة الشعب الجبارة، وهي ثورة الوطن والكرامة. بعد مسلسل نزيف وسفك الدماء الغزيرة، في اغراق العراق في العنف والصراع الدموي وارتكاب المجازر والمذابح، واخرها مجزرة محافظة الناصرية، التي سقط فيها 45 شهيداً و240 جريحا ومصاباً، خلال سويعات محدودة من تكليف المجرم السفاح (جميل الشمري). والتي اججت الملايين بالغضب والهيجان، من كثافة نزيف الدماء وسقوط الشهداء الابطال، الذين طالبوا بحقوقهم في الوطن . واضطر اخيراً تحت الضغوط الهائلة، ان يقدم عادل عبدالمهدي أستقالته ويركع الى ارادة الشعب الثائر . امام زحف الملايين في الساحات والشوارع، وبالتالي سبقها الانهيار الحكومي بهروب المجرم (جميل الشمري) كالفأر المذعور من انتقام اهالي وعشائر الناصرية الكرام. ليعود الى اصله كجرذ، فقد انهزم في المرة الاولى، ومزق شرفه العسكري في الموصل، امام تنظيم داعش الارهابي، انهزم كالفأر المذعور، وترك مئات الجنود لقمة سائغة لذئاب داعش المجرم، بدلاً من ان يحاكم في المحاكم العسكرية لخيانته الوطنية والشرف العسكري، ليعود يرتكب مذبحة دموية لشباب أهل الناصرية . لذلك لابد من تقديمه فوراً بدون تأجيل، الى المحاكم العسكرية مع القيادات العسكرية، التي ساهمت في قتل المتظاهرين بالوحشية الدموية، لابد لهؤلاء الذين اجرموا بحق الوطن ان ينالوا العقاب والقصاص العادل، وكذلك في مقدمتهم عادل عبدالمهدي، لايعني الاستقالة، التسامح والغفران والبراءة . يجب تقديم هذه الشلة المجرمة الى المحاكم، ومحاسبتهم على كل قطرة دم طاهرة نزفت، على كل شهيد سقط بقنابل ورصاص الموت، لا يمكن العفو عما سلف، ونسيان الدم العراقي الطاهر، 500 شهيداً واكثر من 22 ألف جريحاً ومصاباً، لذا ان يوم الحساب العظيم اقترب موعده، ولا يمكن رجوع المتظاهرين الى بيوتهم، إلا بتحقيق مطاليبهم المشروعة، إلا بتحقيق هدف الدماء التي سفكت، ظلماً وغدراً بالبطش الدموي . لابد من التركيز على اختيار شخصية رئيس الوزراء وطاقمه الحكومي المختار من الشخصيات الوطنية النزيهة والشريفة والمخلصة للعراق بصدق ونزاهة من خارج الاحزاب الحاكمة، لكي توفر الظروف المناسبة الى اجراء الانتخابات المبكرة، ولا يمكن ان يأتي رئيس الوزراء وحكومته الجديدة من نفس طينة الفاسدين والمجرمين، لا يمكن ان يكون التغيير الجديد، بمثابة تدوير النفايات القديمة مجدداً، لابد من تشريع قانون انتخابي عادل ونزيه، لابد من تشكيل مفوضية جديدة مستقلة خارج الاحزاب، لابد من البدأ بالاصلاحات الفورية، توفير فرص العمل للشباب، تحسين الخدمات، تعويض عوائل الشهداء، تبديل القضاء الفاسد بقضاء عراقي نزيه. السعي فوراً في ارجاع مئات المليارات الدولارية المسروقة والمهربة خارج العراق، تقديم الى المحكمة رؤوس الفساد الكبيرة . وتقديم كل فاسد ولص ومجرم الى المحاكم، لا يعني أستقالة عادل عبدالمهدي شيئاً، اذا لم تحقق مطاليب ثورة تشرين فوراً دون تأجيل، اذا لم يضع المتظاهرين بصمتهم وموافقتهم على كل قرار، على كل اصلاح، واذا لم يوافقوا على الاصلاحات المقترحة، فأن التظاهرات والثورة العظيمة مستمرة في الساحات، لا يمكن القبول بأنصاف الحلول . لا يمكن التصالح مع القتلة والمجرمين، لابد ان يعود الوطن الى عزته وكرامته. ولا يمكن القبول بالوعود العسلية وبعد ذلك يجهزوا قواتهم لافشال واجهاض الثورة، ليعود العنف الدموي من جديد . ان كل الخيوط بيد الشعب والثورة، وان الاستقالة اول ثمار لثورة تشرين العظيمة . من اجل عراق جديد، يحفظ كرامة الوطن ويوفر الحياة الكريمة، غير ذلك تعتبر الاستقالة شكلية وهامشية وترقيع لنفايات النظام المحاصصة، في بقاء النظام الطائفي الفاسد والمجرم في الحكم

 

جمعة عبدالله

 

عبد الخالق الفلاحواخيراً لوح رئيس مجلس الوزراء الدكتورعادل عبد الهادي ان يقدم استقالته "لما يحققه لمصلحة البلاد" بعد ما يقارب شهر من الاحتجاجات الشعبية ضد الحكومة والنظام السياسي وما دعته المرجعية الكريمة خلال خطبة الجمعة و وفقا لما تناقلته الانباء في بيان له" استجابة لهذه الدعوة وتسهيلاً وتسريعاً لانجازها باسرع وقت، سارفع الى مجلس النواب الموقر الكتاب الرسمي بطلب الاستقالة من رئاسة الحكومة الحالية ليتسنى للمجلس اعادة النظر في خياراته "و هي الثانية في حياته السياسية  فقد سبق وان قدمها عندما كان نائباً لرئيس الجمهورية المرحوم جلال الطالباني استجابة لراي المرجعية واليوم وما بدا من عجز واضح في تعامل المؤسسات السياسية مع المرحلة الخطيرة من تراخي  بما يحفظ الحقوق ويحقن الدماء فان مجلس النواب الذي انبثقت منه الحكومة الراهنة او رئيس الجمهورية الدكتور برهم صالح عليهم ان يكونوا حذرين في التعامل مع الاستقالة ، وهنا نشير إلى عدة نقاط، من بينها أن أمام القوى السياسية الممسكة بزمام السلطة فرصة فريدة للاستجابة ‏لمطالب المواطنين وفق خارطة طريق يتفق عليها، تنفّذ في مدة زمنية محددة، فتضع حدّاً ‏لحقبة طويلة من الفساد والمحاصصة المقيتة وغياب العدالة الاجتماعية، ولا يجوز المزيد من ‏المماطلة والتسويف في هذا المجال كما شاهدنا خلال الايام الماضية التي لم تحقق ما يجب تحقيقه  و لما فيه من مخاطر كبيرة تحيط بالبلاد ومدعو الى ان يعيد النظر في خياراته بهذا الشأن بسرعة ويتصرف بما تمليه مصلحة العراق والمحافظة على دماء ابنائه، وتفادي انزلاقه الى دوامة العنف والفوضى والخراب وليكون هذا حافزا لتشكيل لحكومة جديدة وزيادة الدعم لأبناء الشعب وتوفير الخدمة المناسبة لهم وقد تولى عبد المهدي عدة مناصب حكومية بعد الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003، إذ كان عضوًا في مجلس الحكم الانتقالي، ثم شغل عدة مناصب مهمة في الدولة منها وزير المالية في حكومة إياد علاوي عام 2004، ثم نائب رئيس الجمهورية في عهد حكومة المالكي، ثم وزير النفط في حكومة العبادي. طبعاً هناك أنواع من الاستقالات في دساتير العالم لم ينص عليها الدستور العراقي ..منها ..الاختياريه والتي تكون دون ضغط أو تأثير..والاجباريه ..تأتي نتيجه التظاهر والضغط الشعبي …وفي كلا الاحوال ..يحق للبرلمان إقالة رئيس الوزراء بالأغلبية…وتعتبر الحكومة كلها مستقيلة

وهذه المرة ربما يهدف إلى الضغط على الكتل السياسية التي تحاصره للتخلص من ضغوطها او التنصل من الفشل في إدارة الدولة الذي يلازم الحكومة الحالية أمام جمهورها و خاصة في ظل الأزمات الداخلية والتظاهرات الشعبية الكبيرة المطلبية  مما يدفع الكتل السياسية إلى القفز من المركب الحكومي وإلقاء تبعات الفشل على رئيس الوزراء فقط والظروف الإقليمية والدولية الراهنة، والاستقالة خطوة ستؤدي إلى ترك فراغ دستوري وإداري لا يمكن معالجته بسهولة، والسيد عادل عبد المهدي رئيس مجلس الوزراء لطالما شكا تعرضه لضغوط سياسية، لكنه لم يفصح عن ذلك رسمياً، وله كشف الحقائق امام وسائل الاعلام، الكتل السياسية امام مسؤولية عليها أن تتحملها وتوجد حلاً للازمات المتصاعدة، ولا تترك الامور إلى حد لا يمكن معه ايجاد الحلول، واستقالة رئيس مجلس الوزراء اذا قدمها مكتوبه إلى رئيس الجمهورية والأخير عليه ان يبت بقبولها مباشرة أو تاخيرها لحين معرفة الأسباب ويكون ذلك خلال مدة معقولة ..واذا وافق ..عليها ..تعتبر الحكومة كلها مستقيلة وتواصل تصريف الأمور اليومية لمدة ٣٠ يوم يكلف خلالها رئيس الجمهورية مرشح آخر وفق المادة ٧٦ دستور. وسبق وان ابلغ القيادات السياسية بأنه غير قادر على تحمل المسؤولية وسيقدم استقالته في غضون أيام، إذا لم تسمح له الأحزاب السياسية بالتحرك بحرية والاستماع لمطالب المتظاهرين .

ولعلى الدكتور عادل عبد المهدي  يريد ان يثبت  بكونه ليس من طلاب المناصب او من القوى المتدافعة نحو السلطة وعلى هذا الموقف لابد ان يقدم صورة للقوى السياسية بان عليها ان تتدافع لتحقيق رغبة الناس ومصالحهم والتي خرجت الى الشارع لتطالب بالمظلومية والفقر والمعاناة والعوز في ظل الفساد المستشري في جميع مفاصل الدولة وليس على مواقعها وفرصها وادوارها .

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

ميلاد عمر المزوغيالطبقة الحاكمة سواء اولئك العلمانيون الذين اتوا على ظهور الدبابات ام علماء الدين بمختلف مذاهبهم، كانوا يحملون شعارات براقة ابهرت الشعب العراقي لكنها ومع مرور الوقت تبيّن انها مجرد ذر للرماد في العيون، ومن ثم ليستولوا على مقدرات البلد من نفط وغاز.

المراجع الدينية، الذين يزيّنون رؤوسهم بالعمائم ذات اللون الواحد (كافة الوان الطيف) وقد يرتدي بعضهم عمائم مزركشة اشبه بالمهرج، يتبادلون التهم ويلقون باللائمة على الحكومة وهذه المراجع هي من شكلت الحكومات المتعاقبة وفق المحاصصة الطائفية، طفى على السطح الكثير من الفاسدين والمرتشين وازكمت رائحتهم الانوف، ولكن المرجعيات غطتهم بعباءاتها، ليس بإمكان القضاء التحقيق في الامور لأنه ايضا مسيّس، ويستمر المعني في نهب الاموال العامة وفي احسن الاحوال يُكتفى بإزاحته عن موقعه وعفى الله عما سلف، وقد يكلف بمنصب جديد ليحقق ما لم يستطع تحقيقه من مصالح شخصية له ولمن اتوا به، عجلة الفساد لم تتوقف عن الدوران، وتطحن البسطاء، ذوي الدخل المحدود الذين لم يعودوا قادرين على توفير ابسط متطلبات الحياة.

رغم خروج البلد من الفصل السابع إلا انه وللأسف لا تزال تربض على اراضيه قواعد اجنبية، بحجة مكافحة الارهاب، يقوم مسئولي تلك الدول بزيارة جنودهم دون علم الحكومة العراقية، انه الاحتقار والازدراء في ابشع صوره، زعماء البلد لم يؤسسوا جيشا وطنيا من مختلف الطوائف لمقارعة الارهابيين، بل كل منهم قام بتأسيس فيلق مدجج بالسلاح، يغدق عليه الاموال من الخزينة العامة، يأتمر بأمره، بينما الجيش الوطني لا حول له ولا قوة.

قام الشعب العراقي بانتفاضات عديدة احتجاجا على الاوضاع المعيشية، لكنها كانت تقمع بالحديد والنار، هذه المرة والتي اطلق عليها ثورة تشرين تعم كافة ارجاء العراق، يسقط عشرات القتلى والجرحى على ايدي قوة النظام، اقفلت السلطة العديد من الطرقات والجسور كي يحاصرونها لكنها تتمدد، استقالة رئيس الحكومة لن تحل المشكلة طالما استمرت الاحزاب في السلطة ولم تعر صرخات الناس اي اهتمام، فالذي سيأتي بعده ربما يكون اسوأ منه.

ربما السلطات في محافظة ذي قار (بمساعدة الحكومة المركزية-بغداد) كانت الاكثر عدوانية تجاه مواطنيها وبالأخص الناصرية، ولكن جموع المتظاهرين في كافة ارجاء البلد يقولون للسلطة الفاسدة، ارحلوا لم يعد امامكم من خيار، لقد استنفذتم كافة الاوقات المستقطعة ولم يعد بإمكانكم اللعب بعقولنا وعلى اجسادنا.

المؤكد ان الحمل ثقيل على الشعب العراقي وقد ابتلي بالنظام الطائفي الذي (الشعب) ساهم عن قصد او بدونه في استمراره عندما صوّت لهؤلاء الصعاليك، القضاء على الطائفية السياسية دفعة واحدة ربما تكون صعبة ان لم نقل مستحيلة، لتبدأ الجماهير بتغيير الدستور وذلك بإزالة كل ما يختص بحجم (حصص) المذاهب والاثنيات، وتجرى الانتخابات البرلمانية والرئاسية خارج القيد الطائفي ومنح رئيس الدولة صلاحيات اكثر وليس مجرد ديكور، ومن ثم تكوين قضاء عادل نظيف يقوم بمحاسبة كل من اثرى على حساب المجتمع، لينال كلَّ جزاءه وليكون عبرة للآخرين، وحلّ كافة المجاميع المذهبية والاثنية المسلحة، وتقوية الجيش الوطني بكافة الامكانيات، لإعادة هيبة الدولة وحماية الوطن والمواطن، ولترحل كافة القوات الاجنبية الى غير رجعة.وتقام دولة القانون، ليس كما ارادها حزب" دولة القانون" الذي ضرب كافة القوانين عرض الحائط، وفي عهده استطاعت داعش الاستيلاء على معظم الاراضي وكانت العاصمة بغداد قاب قوسين او ادنى من السقوط في براثنه لولا فزعة الامريكان.

 

ميلاد عمر المزوغي

 

عقيل العبودالناصرية منها الى وطني تحية المحبة مع رايات استنكار أتلو بها منددا بجميع وجوداتهم، هؤلاء الذين مذ عهد السقوط جئ بهم تحت اكاذيب تم الترويج لها: الديمقراطية، الدستور، العملية السياسية، الكتل، وأكاذيب اخرى.

حكام العراق ما بعد ٢٠٠٣ وبلا استثناء، تلك المسميات، شخصيات لا تفهم في معنى السياسة الا لغة البحث عن الجاه والمال وريبورتاجات السلطة.

مترفون فرضوا أنفسهم على شعب لا حول له ولا قوة الا محبة أهل البيت ورائحة التراب الذي منه كنا جميعا مع تساقط حبات المطر، نستنشق عطر الأرض التي من مقاماتها لا زلنا نتمسك بآثارهم أهل بيت النبوة، وتلك الرموز.

أتذكره  ذات يوم عندما جاء المهوال، ذلك الشاعر بفطرته مرددا

(الخير مكوم والأحزاب تفرهد بيه)، ليستنكر كلامه ذلك المترف الذي تحت مسميات المرجعية اطلق كلامه معترضا، وبلا اكتراث (مو صحيح هذا الكلام).

طغاة ومستبدون اسقطوا لائحة القيم بجميع مفرداتها: الوطن، الدين، الشرف، الضمير، الإنسانية، الكرامة، النبل، الانتماء، وجميع ما يندرج تحت عنوان هذا الذي كان ينبغي ان يكون بوابة العالم اجمع الى عالم الحضارة والرفعة والجمال.

العراق تم تصفيته بجميع موارده وآثاره، بكبريائه وفقا لآلية تم الاتفاق عليها بناء على مقتضيات مائدة مشروطة.

رئيس الجمهورية لا ناقة له ولا جمل بحقيقة ما يجري كما هو منصوص عليه.

 الكورد تم تنصيبهم فقط للإستحواذ على خيراتها هذه البقعة التي تم تقسيمها وتقاسمها بلا خجل اوحياء.

الزعامات إمبراطوريات لجيوش وكتل تابعة، مجاميع مأمور بها من قبل ما يسمى بجمهورية إيران، اما البعض منها فقد تم الإمضاء عليه من قبل اجندة اخرى.

 هنا لا اريد ان أكرر أبجديات حروفهم، هذه قائمة استنكار تجتمع فيها تواقيع الجرحى والفقراء والمضطهدين،  لعلها بصمة للتاريخ تبقى معمدة بدمائهم ابطال اكتوبر وتشرين، لعلها اسماء الشهداء والجرحى  تعود في هتافاتها: تسقط جميع الزعامات والكتل، تسقط جميع الأحزاب. 

هنا معهم أطالب منظمات حقوق الإنسان وجميع دول العالم ان تقف معنا نحن العراقيين، ولكن بلا بعثيين، اوقوميين، بلا احزاب اومنظمات.

هنا اذ ارفع آيات العزاء انحني لهم جميعا شهداء العراق، وعلى آثارهم الجرحى، وتلك الأصوات النقية، رافعا الراية بلا حاجة الى رئيس كردي، أوكتل، اواحزاب،  بلا أقاليم وتقسيمات مناطقية، نريد عراقًا واحداً موحدا.

 

عقيل العبود

 

يشهد العراق اليوم وبعد حقبة طويلة من الإنهيارات المتتابعة وعلى المستويات كافة هي الأسوأ على مر تأريخه القريب والبعيد بلا منازع في ظل أحزاب مأزومة وحكومات مهزومة تتوارث بغض العراق مصحوبا برغبة عارمة لتدميره كليا بناء على أجندات دولية واقليمية تكره العراقيين وتضمر لهم من العداء السافر والمستتر ما تخر له الجبال هدا نجحت بوضعهم - على سكاطهم - في سدة الحكم لهذا الغرض، أقول تشهد بلاد مابين النهرين إنعطافات كبرى تشعر وكأن يد الأقدار تتدخل في مجرياتها كليا لصالح الشعب العراقي المظلوم، فهاهم كل مجرمي الحرب من القادة العسكريين والساسة الفاسدين والمعممين الطائفيين ومزدوجي الجنسية - المهتلفين - وثنائيي التبعية المنافقين يساقون وبتدبيرالهي مُذهل الى نهاياتهم الحتمية وقريبا الى مزابل التأريخ الذي لايرحم بعد أن كانوا بنظرالمغفلين والمستغفلين طيلة ثلاثة عقود مناضلين وأبطالا، فيما عملية صيانة "الوطن" الغالي مستمرة لحين تنظيفه كليا من جميع الحشرات والأوبئة والآفات السياسية والحزبية الضارة وتطهيره من الأجندات السامة، ومن العصبيات والأدبيات الطائفية المشعة !

ولأننا لانؤمن بالوسطية واقعا وإن كنا نتشدق بها ونلوكها على الألسن صباح مساء فنحن ننظر الى معظم الحقائق نظرة أحادية الجانب ومن زاوية ضيقة وبعين واحدة هي " عين الأعور الدجال " أو عين "حورس" التي تزين الدولارالاميركي وتعد شعارا للماسونية، لأن حكومة الظل والظلام العالمية إنما تريد أن للبشرية أن تنظر الى الوقائع بعين عوراء ترصد نصف الكأس الفارغ من دون نصفه الممتلئ الآخر فقط ما يجعل تلكم العين غير قادرة على تمييز الأحداث وقراءة ما وراءها، وبالتالي عدم قدرتها على إستشراف المستقبل ولا أقول التنبؤ به، فيما تعني لهم " العين التي تضع كل شيء تحت السيطرة " ولعل هذا ما يقوم به الإعلام المسيس والمضلل فضلا عن الناطقين الرسميين وبقية المتلونين،ولقد جاءت سورة الكهف الكريمة " المنجية من الدجال "ومن جملة روائعها لتحض المؤمنين على النظر الى واقع الحال بعينين ثاقبتين والى مجريات الأمور ببصيرتين نافذتين بعيدا عن السطحية، يتضح ذلك جليا من سياق قصة النبي موسى عليه السلام مع العبد الصالح الذي كان ينظر الى ماوراء الحدث والى مآلاته أكثر من النظر الى الحدث ذاته وبغير تلك النظرة الثاقبة التي تجيد قراءة الماضي، فهم الحاضر، إستشراف المستقبل، فإن التعامل مع الأحداث سيكون على أساس " الأبيض والأسود " لاغير كما نفعل نحن ولامنجاة بغيرالوسطية بينهما والتي من شأنها أن تجعل من بياناتك، تصريحاتك، كتاباتك، بوستاتك على سبيل المثال بعيدة عن التطرف من جهة (الأسود) وعن الإفراط من جهة أخرى (الأبيض) والفضيلة كما يعلم الجميع هي وسط بين رذيلتين على طول الخط ذاك أن النظرة القاصرة لأحداث العراق الحالية تجعل المحلل، الكاتب، المراقب إما مع المتظاهرين كليا وإن أحرقوا وإن خربوا وإن عبثوا، أو بالضد منهم كليا وان تعرضوا للقتل، للاعتقال، للخطف، للملاحقة،للظلم ما سيقود العراق الى الهاوية والى أتون الحرب الأهلية خلال أيام لا أكثر مع تصاعد حدة الصدامات بشكل مطرد ينذر بإنفلات الأمور تماما لتصبح خارج نطاق السيطرة، كل ذلك بفعل "عين الأعور الدجال" التي سبق لها أن دمرت المحافظات الغربية وأحالتها خرابا ينعب فيها البوم حين صمت نظراؤهم في الخلق وأخوتهم في الدين وشركاؤهم في الوطن، كليا عن كل مأساتها وعن ما ألم بها وأهلها ولحق بحقهم من ظلم وحيف ما تزال آثاره بادية للعيان ولما تندمل جراحاتهم بعد، وما كان ينبغي لشركاء الوطن أن يفعلوا ذلك البتة لأن مخطط التدمير جار على الكل من دون إستثناء وما أكل الثورالأبيض سوى البداية لإلتهام بقية الثيران تباعا وعذرا للتشبيه الا أن المثل العربي الشهير جاء بهذا المنطوق الرمزي، هذا لأن " دجالي " الاحزاب والكتل أقنعوهم بالنظر الى مأساة أشقائهم بعين " حورس " العوراء الطائفية المقيتة لا بعين " القرآن الكريم " الإنسانية الأخلاقية الإيمانية المبصرة ولو أنهم فعلوا ذلك ابتداءا لأبصروا بأم أعينهم حجم التعاطف الهائل معهم ولما صار معهم ما صارمنذ الأول من اكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وعلى أبناء المناطق الغربية بدورهم أن " لايقعوا بذات الفخ " الذي وقع فيه أشقاؤهم اذ أن بيان الرأي في التظاهرات وحجم التضحيات عبر بيانات وتصريحات لم نسمع سوى القليل منها حتى الآن لايستلزم "المشاركة في التظاهرات" حسبك أن تحذر المتظاهرين من مغبة تخريب الممتلكات العامة والخاصة فهذه من مجهضات الثورة وحرف لبوصلتها فضلا عن إنها ليست من صفات المطالبين بالتغيير والاصلاح وبناء الوطن وقلع الفاسدين من الجذور وطرد المستعمرين الشرقيين والغربيين من العراق مع دعوة الحكومة وأجهزتها الأمنية للكف عن سفك الدماء الطاهرة والتوقف عن سحق المتظاهرين المطالبين بحقوقهم المشروعة والكشف عن القناص والمندس والطرف الثالث وفضح الجهات التي تختطف الناشطين والمدونين والإعلاميين والمحامين وضربها بيد من حديد قبل أن يفعل الشعب الغاضب ذلك بنفسه عاجلا غير آجل، والإسراع بإحالة الفاسدين والمفسدين الى القضاء والمسارعة بالإصلاح الحقيقي لا المزيف، أو الاستقالة الفورية الجماعية، إنك إن فعلت ذلك فقد شاركت في التظاهرات من أوسع أبوابها وأعربت عن رأيك فيها بكل صراحة وإن لم تنزل الى الميادين والساحات في موقف سيكبره لك التأريخ من غير أن تتهم بالعمالة والجاسوسية والتبعية والفسيفسائية والكونفوشيوسة والقمقمية التي دمغوك باطلا بها كما في كل مرة، أما في حال سكوتك المطبق وان كانت لك أسبابك المنطقية من جراء الظلم الذي لحق بك فهذا لايحسب في مصلحتك، لا تأريخيا ولا وطنيا ولا أخلاقيا ولادينيا وأذكرك بأنه وكما يقول البغادة " اذا حلقوا لحية جارك بالقوة ..فعليك ان تصوبن لحيتك أغاتي"وهذا عين ما يجري في مناطق جنوبي ووسط العراق بعد انتهاء السيناريو التدميري في مناطقه الغربية !

وألفت الى أن الثقافة التي تحكم العراق منذ 16 عاما من أعلى الهرم الى أسفله هي ثقافة الجهلة والجرذ الثالث والتي أتمنى من شغاف القلب أن تنتقل مقاليد الحكم من جرائها الى آخرين ليسوا من ثنائيي الجنسية والتبعية، يحبون بلادهم ولا يكرهونها، ولم يحاربوا يوما في صفوف الأعداء ضدها، لينتهي العراق والعراقيون من هذا الملف الأسود الذي ما ظهر في مكان وزمان ما الا ورافقته الخرافات والأباطيل وسياسة التجهيل المبرمج بكل أنواعها مصحوبة بالدم وبناء على ما تقدم فإن إسقاط الأنظمة الفاسدة يجب أن لاتقوده المعارضات المعقدة نفسيا واجتماعيا وسياسيا، المُحركة كبيادق الشطرنج اقليميا ودوليا، الغارقة بالأساطير أيدولوجيا، المغرقة بالأكاذيب ميثولوجيا، دعوا الشعوب العذراء الراغبة بالحياة والطامحة بالحرية هي التي تتولى زمام الأمور وتفعل ذلك بنفسها بعيدا عن غثائكم لأن الشعوب المغلوبة على أمرها بيضاء اليد، نقية القلب،متفتحة الذهن تريد أن تعيش بسلام، أن تزرع، أن تبني، أن تعمر، أن تصنع، لا أن تنتقم وتثأرليلا ونهارا، وشتان ما بين من يريد أن يصل الى الحكم ليبني ويعمرويصلح ويغير واقع الحال نحو الأفضل، يحقق الرخاء والازدهار، يرسي دعائم السلم الأهلي والعدالة الاجتماعية، وبين من يريد أن يصل الى الحكم ليثأر ويهدم ويدمر ويسرق وينهب ويهرب فقط لاغير، شتان لأن "الجوكر" المعقد والمريض نفسيا لايصلح لحكم العراق إطلاقا !!

 

أحمد الحاج

 

مجدي ابراهيمأثار مقال الأستاذ الدكتور محمد عثمان الخشت أستاذ الفلسفة ورئيس جامعة القاهرة المنشور في الأهرام، الأسبوع الماضي، تحت عنوان: هل يمكن أن ننقل اللغة العربية نحو الحاضر؟

أقول إنّ المقال أثار عندي المهمّ ممّا كنتُ أفكر فيه، الأمر الذي دفعني - لاهتمامي باللغة عموماً - للتعليق عليه في حينه، وسأذكر تباعاً مثل هذا التعليق في نهاية المقال.

والدكتور محمد الخشت مشغولٌ على الدوام منذ أن كان مدرساً بقسم الفلسفة بآداب القاهرة بالفكرة العقلية الراقية، وقد عرفته في السّنة التمهيدية للماجستير ذكياً لمّاحاً ذا حضور وتألق، له سمت العلماء العاملين، مفكرٌ مجدّدٌ مجتهد، يكتب ويحقق ويُحلل وينقد ويُبين، ولا يكف عن طرح الأفكار الفلسفيّة الحيويّة، كثير القراءة والبحث والتنقيب، شغوف دوماً بتطوير العقل وتطبيق المقبول ممّا يراه صالحاً للتطبيق، فضلاً عن صفات شخصية مُميزة : أريحيّة عالية، وابتسامة دائمة لا تفارق مُحيّاه، وقبول وحضور، وخُلق رفيع وعلم غزير، ريثما تلقاه تقع محبته في قلبك من أول وهلة، وهو فضلٌ موهوبٌ ليس بالقليل.

النقطة الأولى التي يثيرها المقال تأتي في مستهل الأفكار الناقدة لوضع يُرجى له التغيير وهو ما أشار إليه بقوله :

"ربما يكون أحد أهم مظاهر طرق التفكير القديمة والمفاهيم اللاهوتية والتصورات السحريّة المسيطرة علينا، هو عجزنا الواضح عن تطوير وتنمية لغتنا العربية في أهم ثلاثة محاور، وهى: عمليات الإثراء المعجمي للغة، وعمليات التبسيط النحوي، وتنمية معاجم المصطلحات العلمية الحديثة وتضمينها المعاجم العامة". هى إذن مقدّمة افتتاحية نقديّة تقدح من أول وهلة في طرق التفكير القديمة التي لا تواكب تيار العصر، ولكون هذه الطرق التقليدية القديمة تتضمّن عناصر ثلاث بإزاء اللغة لم يعد من المقبول لمن يريد تطوير العقل العربي فضلاً عن تغييره من الأساس أن يسيغها ويستحسن لها من المزايا ما من شأنه أن يبقيها ناهضة أو خاملة في واقع مرهون بالتقدّم المفروض.

ثم إنه ليُقرن النقد بالتوصيف، فلا يكون التوصيف بمعزل عن النقد أبداً لأنه لو كان كذلك لانفصل السياق بعضه عن البعض الآخر، وكان الأمر مجرّد دعوى لا يقوم عليها دليل، لكن اتصال النقد بالتوصيف هنا إنمّا هو نقلة ذهنية تؤيد حركة العقل فيما يصيبه ويتوجّه إليه. يرى الخشت أنه : " عبر العقود الماضية انعقدت آلاف المؤتمرات لتطوير اللغة العربية، لكنها لم تبارح بعد لسان العرب لابن منظور، وألفية ابن مالك، والتعريفات للجرجاني، ومفاتيح العلوم للخوارزمي. واقتصرت تلك الجهود على الوقوف عند حدود الشرح والتبسيط، على طريقة القدماء. أمّا الدراسات الحديثة التي أجراها مجموعة من علمائنا، وبعض الجهود المعجمية، فإنها لم تتراكم تراكماً حقيقياً يتحوّل فيه (التغير الكمي)  إلى (تغير كيفي) يُطال استخدام اللغة ومعاجمها وقواعدها".

وهذه لفتة منهجيّة يقف عليها الدكتور الخشت ذات صلة بالنقد في إطار المآخذ والثغرات التي سبّبت جمود اللغة فينا، ففي حين أجرى المحدثون دراساتهم اللغويّة والمعجميّة فكانت دراسات توقفت عند الكم ولم تعن عنايتها البالغة بالكيف كيما يتمّ لها قناعة التطوير؛ يلاحظ أن جهود القدماء وإن كانت جهوداً مضنية غير أنها ما تجاوزت حدود الشرح والتبسيط، شأن عادة القدماء فيما كانوا يجهدون أنفسهم فيه.

ولم يكن الرأي الذي يراه الدكتور الخشت كسائر الآراء التي ترى في جمود اللغة العربية ما من شأنه أن يعرضّها للزوال ومن ثمّ الإهمال الذي لا مفرّ له، وإن كان يقطع بالقول إن :" اللغة العربية تجمّدت عند العصور القديمة، وتوقف نموها عند حدد جهود علمائها البارزين القدماء، ولم تتأثر تأثراً حقيقياً بجهود بعض العلماء المُحدثين".

غير أنه يُقارن بين ما يفعله الإنجليز والفرنسيون والصينيون والروس والألمان واليابانيون وغيرهم في قواميسهم المتطورة يوماً بعد يوم، وما نفعله نحن من جمود عند القديم بقواميسه الرائعة في عصورها القديمة، لكنها غير مواكبة لعصرنا بكل مفاهيمه ومنجزاته المعرفية.

من هذا المنطلق يناقش الدكتور الخشت خطورة جمود اللغة عندنا  مع المقارنة بينها وبين اللغات الأخرى؛ فلغتُنا ليست "مقدسة ولا إلهيّة، بل هى كائن حي ينمو ويتطور، أو هكذا يجب أن تكون.  أنظر كيف تجاوز الإنجليز لغة شكسبير ذلك الأديب العظيم والاستثنائي، ونحن لا نزال نتمسك بطريقة تعبير عتيقة ورثناها من القدماء! إنّ اللغة هى صورة الفكر، وجمود لغتنا بسببنا نحن، وليس بسبب طبيعة لغتنا ذاتها. وهذا يعكس جمود فكرنا، كما يعكس حجم خطأ أفكارنا عن اللغة.

نعم ! لم يكن العيب في لغتنا بمقدار ما هو عيب فينا نحن أبناء العربية، عيب في طريقة التفكير هى التي تجمد على القديم كما جاء في نص المقال :

"لقد نجح الإنجليز مثلاً في عمليات التبسيط النحوي عصراً بعد عصر، كما نجحوا في القيام بأكبر عمليات الإثراء المعجمي يوماً بعد يوم، ولذلك تجد لغتهم حافظت على تفوقها واستمراريتها في السيادة كلغة عالمية مشتركة بين دول وثقافات العالم. أما نحن فلا نزال نتغنى بأمجاد الماضي البعيد ونزهو بلغتنا في عصور ازدهارها في الماضي. وأتصور - هكذا يقول الدكتور الخشت -  أن القدماء لو عادوا فلن يكونوا سعداء بنا لأننا مجدناهم بالكلام الإنشائي والتقريظ المقدس، ولم نمجدهم بتطوير عملهم. إننا مثل الابن الذي ورث من أبيه ميراثاً فلم ينمّيه، وتركه كما هو يبني عليه الأسوار معتقداً أنه يحافظ عليه. وبعد زمن ظل هذا الميراث كما هو، لكن قيمته قلت وتراجعت بفعل التضخم. وما يحدث من الأبناء مع الميراث يحدث شيء مثله من الأبناء مع التراث. ويبدو أن عمليات التضخم بالمعنى الاقتصادي مع الأموال تطال أيضاً عمليات الفكر بمختلف أنواعها. ومن هنا كانت طريقة تفكيرنا في التراث بأنواعه، ومنه التراث اللغوي، هى إحدى أبرز أسباب عدم تطوير لغتنا".

قلتُ إنه لم يكن الرأي الذي يراه الخشت كسائر الآراء التي سبقته في قضية جمود اللغة، لا بل الأمر هنا يتصل بتغيير طريقة التفكير ولا يتصل بهدم اللغة وهدم القيم التي تقوم عليها.

ولقد شاعت قبل سنوات فريةٌ كاذبة تمثلت في  ثورة كاسدة ضد اللغة العربية شهدتها الصحف المصرية أراد من أراد للّغة أن تتوقف وتتجمّد ويُستبدل مكانها لهجات محليّة تافهة، كيما لا تجري العربية جريانها على الألسن والقلوب كما كانت تجرى سليقة من وفرة المطبوع وذوقاً من حصافة العربي، يوم مهدها وعنفوانها وقوتها وحيويتها من غير أن يصدّها عائق من طبع النفس أو سليقة الذوق والأداء، ومن غير أن يحجزها تغرير العجز والعيّ تحلّلاً من القواعد والأصول.

ولنلحظ أن مهد اللغة ثم تطورها وعنفوانها وقوتها وحيوتها هو عينه مهد الحضارة، ولا يكون أوج الحضارة إلا نفسه أوج اللغة، ثم تطورها وحيوتها وقوتها مستقرة بروح موصولة بقوة العروبة وحيويّة القوميّة العربيّة، والهويّة العربيّة، أجزاءً متفرقات من ينبوع القيم، لكن تجمعها كلية شاملة واحدة هى الحضارة العربية.

وليس من شك في أن اللغة بطبيعتها متجدّدة متطوّرة، فإنّ هذه الفرية الكاذبة لم تقم على أدنى أساس صحيح، ولكنها قامت يوم قامت بالزعم الباطل في محاولة خلع العرب من لسانهم الذي يدلُّ من أول وهلة على عروبتهم، وعلى كل ما تحمله مفاهيم العروبة من حضارة وهويّة وقوميّة، لا يمكن الفصل بينها بحال، ثم لتدخلهم في لسان آخر أعجمي، أو هو إلى العُجمة أقربُ منه إلى الفصاحة، فضلاً عن إحلال العاميّة التافهة مكان الفصحى.

عندي أن اللغة تيارٌ متصل سيّال يأخذ من التأصيل ويمدُّ قنوات التطوير. أمّا الاقتصار على التطوير وكفى بغير العناية التامة بالأصالة فهو ضرب من العُجمة التي لا تصلح لمجاراة التطوير نفسه فضلاً عن استقرارها في جهود المجدّدين.

وقد قيل بالزعم الباطل أيضاً إنّ اللغة العربية غير صالحة لمسايرة الحضارة الحديثة ولا التوجهات الحداثية، وأنها لا تتسع للتعبير عن العلوم الجديدة السريعة التقدّم بحكم حداثتها، وأنها قاصرة عن الوصف الدقيق والدلالة القريبة.

وهذا كله محض افتراء ساقط لا أساس له.

وإذا كان لسان حالهم يقول: إنّ لغة القرآن ثابتة كما الحجر لا تواكب تطورات العصر الحديث بكل ما فيه من كشوفات العلم واختراعات التجارب الجديدة وتطورات الزمن المتجدد على الدوام، فإنّ هذا القول يخالف تماماً أهم باب من أبواب اللغة وهو باب القياس، وعلى هذا الباب يقوم التجديد في اللغة لتطور من نفسها وبنفسها مع كل جديد، فتواجه الزمن ومستحدثات العلوم أكمل مواجهة، فلا حياة من ثمّ للغة بدون ابتكار ألفاظ جديدة. وهذا الابتكار علامةٌ دالةٌ على تجدّد اللغة العربية وهو ما سمّاه اللغويون "بالوضع"، وكانت أهم وسائله : الاشتقاق والقياس.

ومن المعلوم لدينا بالضرورة أن من أخص خصائص العربية أنها لغة اشتقاق تقوم على الوزن، والوزن هو أساس اللغة عندنا.

فلغتنا العربية لغة اشتقاق تقوم على الوزن - كما يقول الأستاذ العقاد في (اللغة الشاعرة)، بخلاف اللغات الأجنبية تقوم على النحت، ولا علاقة لها بالوزن على الإطلاق.

لا يُلاحظ في الكلمات الأجنبية إنها توضع على وزن معين، لكن هذا يُلاحظ في الكلمات العربية. وليس هناك كلمة واحدة في اللغات الأجنبية لها وزن، في حين كل كلمة في لغتنا العربية لها وزن معين : وزن الفعل، ووزن الفاعل، ووزن المفعول. فعل، يفعل، فعال، كلها أوزان يتغير بها المعنى من الفعل إلى الاسم، ومن الاسم إلى الصفة تبعاً للوزن.

ولا يظهر في تركيب اللغة شيء أظهر من أصالة الوزن فيها؛ فالمصادر فيها أوزان، والمشتقات أوزان، وأبواب الفعل أوزان، وقوام الاختلاف بين المعنى حركةٌ على حرف الكلمة تتبدل بها دلالة الفعل، بل يتبدَّل بها الفعل فيُحسب من الأسماء أو يحتفظ بدلالته على الحدَث حسب الوزن الذي ينتقل إليه.

هذه أصالة في موضع الوزن من المفردات والتراكيب لا يستغرب معها أن يكون للوزن شأنه في شعر هذه اللغة، وأن يكون شأنها في نظم أشعارها على خلاف المعهود في منظومات الأمم الأخرى ولو صرفنا النظر عن أثر الإنشاد الفردي في تثبيت القافية واستقلال فن العروض عن فن الغناء في القصائد العربية.

ثم يأتي الاشتقاق فيلاحظ أنه أكسب اللغة مرونةً ومناعة في آن واحد، وهما علّة التطور والتجديد، فسمح لها الاشتقاق بخلق ألفاظ جديدة وحافظ على ثروتها وثرائها، وحماها من الزيغ والشطط. وقد ناقش مجمع اللغة العربية بالقاهرة منذ زمن بعيد في الفترة التي تولاها المرحوم الدكتور إبراهيم مدكور، أستاذ الفلسفة الإسلامية يومئذ، أصل الاشتقاق واختلافه بين اللغويين في القديم : هل هو المصدر أو الفعل؟ واستدل القدماء بين البصريين والكوفيين، كل على رأيه، وكان هذا الخلاف في الغالب خلافاً نظريّاً لا طائل تحته، وقد وضعت للاشتقاق قيود تضيّق آفاقه، وتحدّد ما يشتق منه وما لا يشتق.

وكان همُّ مجمع اللغة العربية أن ييسّر من أمره ويفك بعض قيوده، ويشتق ممّا لا يشتق منه، ويجعله في اختصار أداةً طيّعة في أيدي العلماء والأدباء، تمكّنهم من أن يجدوا الكلمات الملائمة لأداء ما يعنّ لهم من معان، وكلما نجحوا في الاشتقاق استغنوا عن العامي والأعجمي.

ولا شك تصبح لغتنا عجماء فيما لو فشل أبناؤها في استخدام الاشتقاق والقياس، وهما مناط التجديد والتطوير، واقتصروا فقط على العامي والأعجمي، وزعموا أنهم مجددون فيها بهذا الاقتصار.

ولما كانت العلاقة بين اللغة والفكر علاقة ديالكتيكية، كما يراها الدكتور الخشت، فقد وجب أن يكون التطوير فيها يشمل تغييراً لطريقة التفكير في طبيعة اللغة. ومن هنا تجئ ثورته ممثلة لتلك النظرة الشاملة صارخة بتوجّه نقدي مع المقارنة بين جمود لغتنا وتطور اللغات الأخرى، وهو ما يدعو إليه على الدوام ويحققه في مقالاته تحقيقاً عقلياً عملياً في آن . "لقد تطور العالم من حولنا تطوراً متسارعاً، وشهد طفرات معرفية وثورات علمية الواحدة تلو الأخرى، وصاحب ذلك تطور مذهل في اللغات التي تتحدث بها الحضارات التي مرت بهذا التطور، بل نشأت لغات مع مطلع العصور الحديثة لم تكون موجودة أصلاً، وتحولت من لهجات إلى لغات، مثل لغات دول أوربا: الألمانية والفرنسية والانجليزية وغيرها. والتطور لم يكن فقط من هذه اللهجات إلى لغات، بل التطور نفسه لحق هذه اللغات الناشئة نفسها بشكل متسارع ومطرد. أمّا الأغلبية عندنا من علماء اللغة، الأعرق في التاريخ، فلايزالون يحققون ويجترّون العلوم والمتون والشروح القديمة، ويقفون عند حدود مفرداتها ومصطلحاتها العلمية دون أي إثراء حقيقي لها، ودون مواكبة العلوم الحديثة، بل دون مواكبة للمفردات المستجدة التي تعبر عن مفاهيم جديدة لم تكن موجودة عند القدماء، ودون توظيف المناهج الحديثة توظيفاً شاملاً ينقل قواعد هذه اللغة نقلة حقيقية نحو الحاضر".

حقيقةً، لم يكن المقال الذي دبّجه يراع الدكتور محمد الخشت من الروعة وكفى بل هو مع روعته مقال هادف كسائر المقالات التي يكتبها قلمه هادفة ورائعة، يجئ في سياق متصل مع تطوير العقل ومع فكرة التطوير التطبيقية :

تنهض اللغة فينا ولا شك، وتنهض حياتها وفاعليتها على الأمم والشعوب، بمقدار نهضة الروح العربية نفسها، ولا شيء يعطي القدرة على حفظ اللغة العربية من التدهور، غير التدريب عليها بمعرفة أساليبها القديمة، وقوة التجديد بعد المعرفة على تلك الأساليب وتطورها من زمن إلى زمن، ومن عصر إلى عصر، ومحاولة الوقوف على أسرارها العربية في عيونها الأصيلة، واتصال الجديد دوماً بالقديم فيها، وحفر قنوات معرفية بين الأحقاب التاريخية المختلفة للوقوف على الروابط المشتركة بين طارق وتليد أو بين أصيل وجديد.

إن العيون التليدة في لغتنا العربية لهى مظهر تجليات اللغة فينا، والتعبير عن حقبها المتلاحقة في مواردها العربية التي كان أجدادنا يعيشون عليها في سالف الزمان ثم صرنا نحن ورثة الأجداد نعيش بروح غير الروح وفؤاد غير الفؤاد، إنما هو مسئوليتنا نحن قبل أن يكون مسؤولية أحد سوانا.

وكشف اللثام عن اتساق المعنى والقيمة والدلالة بين تلك العصور والأحقاب، وامتداد هذه القيم الفاعلة فينا كلها عبر الأزمنة المختلفة هو أيضاً تبعة مرهونُ قيامها بنا بمقدار تحملنا لها، والحفاظ عليها، واتصالنا بمصدرها، ووجوب القيام بتحمل تبعاتها مهما كانت الظروف مواتية أو معاكسة، ومهما كانت الأوضاع التي تجيء فيها تلك الظروف عاملة ناهضة أو خاملة ساقطة.

فلئن اختلفت لدينا طرائق العيش، وتطور الزمن بنا تطوراته المفروضة، فلا أقلَّ من أن نجعل من لغتنا العربية : مزية التوحُّد وفضيلة الاتصال المباشر بين الأبناء والأجداد، مادة حيوية فعالة تحفظ فينا الهويّة؛ ونحن إذْ ذَاك على وعي بإرادة اللغة فينا، شئنا ذلك أم أبينا، وعي تحدوه المعرفة بالأمل في الإصلاح على كل حال، وعلى أية حال.

ومن جانب آخر؛ إننا لنؤمن بقيم باقية فاعلة في لغتنا العربية؛ وأهمها في سياق البحث عن الجذور: تقدير الهويّة العربية، وتقدير الأمانة الفكرية والمعرفية، وتجنيد القرائح بمقتضاها في ساحة العمل الشريف للسعي إلى المثل العليا التي تتولاها وتقوم عليها وهى: مُثل التسامح، والسلام، وقبول الآخر المختلف، والعدل، والمساواة.

فلئن كانت فكرة الصهيونية لا تزال هى الفكرة الرائدة عند أصحابها، قائمة باقية تُدَعمُ كحركة عالمية؛ فإن المقابل لها هو فكرة القومية العربية: فكرتان تصطرعان عبر الزمن، لكننا مع شديد الأسف أهملنا من جانبنا كعرب فكرة القومية العربية؛ لتضيع مع هذا الإهمال هُويّتنا ضياعاً يكاد يكون تاماً. وقد كان من المنتظر لفكرة القومية العربية الانتصار والتقدم فيما لو كنا عليها محافظين وبها مستمسكين.

لقد كان بالإمكان الذي لا شك في الإيمان به: أن تصبح مع التطبيق والرعاية فكرةً حيةً متطورةً متجددةً هى نفسها الهوية العربية يريد أصحابها لها الحياة بإيمانهم بها وتمسكهم بما فيها من قيم باقية عاملة، ومن أمثلة عليا في إطار الصلة الوثيقة القائمة بين العربي والعربي من طريق اللغة؛ إذ كانت ولا تزال الرباط الأمثل الذي يحفظ الهوية ويُسلم العرب جميعاً من آفات التمزق والانقسام.

لم يبلغ الزمن قدر الستون عاماً بل يقل، يوم أن كانت أقلام المثقفين في العالم العربي تمجد في أصول القومية العربية، وتقارن بينها وبين القوميات الأخرى كما ظهرت في مطلعها الأول كقومية الروم وقومية الفرس. ولم يكن تمجيدهم لها صادراً إذْ ذَاكَ عن فرائض سياسية أو فروض اقتضتها أحوال العالم العربي يومئذ، بل عن قناعة إيمانية باتصال القومية العربية بمعدن الهوية الحضارية في الإسلام، وانبعاث الأولى من الثانية ضرورة، واعتمادها عليها، وتغذية وجودها بالقيم والمبادئ التي تتأسس عليها. ولم تزل تلك الحضارة فاعلة بالقيم الجديدة التي تغلبت على القيم التي كانت موجودة في حضارة الفرس والروم. إذْ ذَاَكَ سئم الناس غطرسة حكام الفرس وعنجهيتهم - تماماً كما نسأم اليوم غطرسة الدول الأوربية - وفساد الحياة في بلاد الروم، وانصراف رجال الدين إلى مجادلاتهم البيزنطية ومماحكاتهم النظرية التي أودتْ بهم إلى عقم التفكير وفساد المنطق المقبول وعدم جدوى المناقشات. أما ملايين الشعب في كلتا الدولتين فكانوا يساقون كالأغنام، ويعيشون معيشة أحط من حياة السوائم لا ينعم فيها الإنسان بحريته ولا بكرامته.

ثم جاءت القومية العربية في مواجهة القوميتين الروميّة والفارسية؛ لتقرر للفرد حرية الفكر والعقيدة، بشرط أن يكون مؤمناً بالله الواحد الأحد القهار، ومساواة جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. وتقرر وَحْدَة العرب والمسلمين وتضم أشتاتهم المتفرقة في إطار من المبادئ والقيم التي تأسست عليها الحضارة الإسلامية والعربية إذْ ذاك.

ولم تكن اللغة العربية سوى قنطرة عبور الوعي الحضاري لتحقيق تلك القيم في ظل المثل العليا التي تدين لها بالولاء.

أعودُ فأقول: إنّ إيماننا بهذه الفكرة لينبعث ولا شك عندي من تقدير أصول القومية العربية من حيث كونها فلسفة حضارة لا من حيث كونها فكرة سياسية وكفى، ظهرت في فترة زمنية محدودة وظهر الاهتمام من نبلاء الزمن الماضي بها بل من حيث إنها ثمرة حضارة عربية إسلامية كان اللسان العربي أبرز عناصرها، وكان هو بالأساس لغة كتابها المقدس وقرآنها ودينها بمقدار ما كان في الوقت نفسه لغة علومها وآدابها وفنونها.

وليس يمكن الفصل مطلقاً في هذه الحضارة بين اللغة والدين ولا بين العلوم والفنون ولا بين الآداب التي تضمها جميعاً تلك الحضارة الإسلامية ولا تفرقها أو تجزّئها.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

عدنان عويدإن من يتتبع تطور الفكر القومي عند رجال عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر، وخاصة في النصف الثاني منه، يلمس بأن "الفكر القومي" آنذاك، لم يكن قد شكل بعد نظاماً فكرياً، أو عقيدة قد تم تركيبها أو استخدامها في حالة من الاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي. بل هو ظل أقرب إلى أن يكون رؤى أولية، أو مواقف ذهنية غالباً ما عُبر عنها بأسلوب أو نهج غير محدد تماماً، مما يجعل الباحث أو القارئ أو المهتم بالفكر القومي العربي يضطر أن يصطادها – أي الرؤى والمواقف – في أدبيات تلك الفترة، بعيدة عن مقدماتها حيناً، أو حتى خارج سياقها التاريخي حيناً آخر. ولكونها أيضا كانت في معظمها - كرؤى فكرية - استمدت أصلاً من الفكر الغربي، لذلك غالباً ما كان يحكمها الهاجس والتردد والتساؤل، أكثر مما يحكمها المنطق وقوانينه. هذا في الحقيقة ما جعل الفكر القومي العربي في فترة عصر النهضة العربية يشكل جزءً من إشكالية أيديولوجية ومعرفية أوسع، لم تكتمل أبعادها وملامحها وأنساقها المعرفية بعد. واضافة إلى ذلك، فإنها استطاعت أن تمثل تطابقاً دقيقاً بين الوعي والتاريخ، أي بين الواقع والفكر لوجود الأمة العربية المتخلفة تحت مظلة الدولة العثمانية.

لقد كانت تلك الرؤى والمواقف الفكرية، تعكس اصطدام وعي مشوه ومجزوء وهجين لم تتوضح معالمه بعد لتاريخ أمة، بواقع هو الآخر بدوره، مشوهاً وهجيناً ومستلباً ومدمراً تماماً. من خلال هذه العلاقة ممثلة بالفكر القومي، والواقع العربي ممثلاً بالتاريخ، في إطار الوضعية المشار إليها أعلاه، تكمن إشكالية الرؤى والمواقف القومية لعصر النهضة.  وهذا ما يميز الفكر القومي العربي عن الفكر القومي الغربي. فالفكر القومي كرؤى أيديولوجية استطاع في أوربا أن يشكل موقفاً معرفياً وسياسياً تاريخياً له سياقه النظري القائم على قاعدة اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية واضحة المعالم. لذلك، استطاع أن يعكس ذاك التطابق الايجابي بين الوعي التاريخ. أي الواقع والفكر. كما استطاع أن يتحول إلى قوة مادية ساهمت في تشكيل وصياغة مجتمعات مطابقة له.

أما عند العرب، فقد ظل كما أسلفنا إشكالية نظرية وسياسية ومعرفية لم تجد تحولاتها التاريخية بالشكل والمستوى الذي يساهم في تحويلها إلى واقع ملموس، أو رفعها من مستوى الحلم والمطلب والطموح، إلى حيز الصيرورة والفعل.

إن تاريخ الفكر القومي كمفهوم وممارسة، ظل في حالة نشوئه تحت تأثير اصطدام الواقع العربي بالتجزئة أولاً، ثم بوضعية أو فعل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية تحت مظلة الدولة العثمانية المليّة ثانياً، ثم تحت تأثير وضعية من السجال بين أطراف ثلاث وهم: السلفيون، والإسلاميون الاصلاحيون، والعلمانيون الليبراليون، من جهة ثالثة.

وإذا كان الفكر القومي العربي هذه إشكاليته، فإن الإشكالية ذاتها تفرض علينا النظر في تبيان تجلياتها وآلية عمل هذه التجليات في تاريخنا الحديث والمعاصر.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية.

 

 

صادق السامرائينسبة إلى الحجاج بن يوسف الثقفي الذي حكم العراق بالقوة والبطش الشديدين.

وهي عقدة سياسية نفسية كامنة في دياجير اللاوعي، وتؤثر في السلوك السياسي والإجتماعي على مختلف المستويات.

فالحجاجية عقدة إستبدادية متأصلة فينا، فلا يوجد شعب في هذه الأرض يستند على ذمّه في وصفه.

فترى الكثيرين منا ما أن يغضبوا حتى يصرخوا بوجهك لقد صدق الحجاج عندما قال:

 " يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق" .

وأحتار كثيرا أمام هؤلاء، وكلما فكرت في الموضوع أجدني أمام حالة سلوكية غريبة ولا واعية.

فنحن لا نستحضر كلمات الفخر بنا كعراقيين، ونميل إلى كلمات ذمنا والتقليل من قيمتنا ودورنا في الحياة والحضارة، ونسعى أيضا وراء مَن يفعل ذلك ويؤسسه في حياتنا، ونتعجب من الفخر بنا بل وننظر إليه بعين الريبة والشك المريض.

وكل منا لا يريد أن يرى ما حوله وغيره بل يكرس رؤيته لذاته المتصحرة ونفسه الظلماء، التي لا يسمح للضوء أن يطهرها من خفافيش الرؤى وعظايا السوء والبغضاء والبهتان الرجيم.

وننسى أن الحجاج بعد أن فعل ما فعله في المدينة جاء لكي يفرض سيطرته على العراق، ويجعله مطيعا للخليفة عبد الملك بن مروان وليمسكه من عنقه، وهو يحمل سيفا يقطر دما وقلبا من نار وحديد.

وننسى أنه كان رجل سيطرة ونفوذ وإستبداد وطغيان شديد، أرعب الجبال وأطعم العلقم للعباد.

 ويبدو أن الحجاج القائد السياسي والعسكري الشديد القسوة والخطيب المفوه قد خبر نوازع النفس الأمارة بالسوء، وتفاعل معها بأشد ما تكون عليه القوة والبطش، وحسب كل الناس وبلا إستثناء يعبرون عن رغبات تلك النفس، إلا من أطاعه وأذعن لسلطة خليفته.

وربما بسبب خبرته في السلوك البشري وثقافته إبتكر ثلاثية السيطرة على الشعوب والمجتمعات، والتي أصبحت من بعده أحد أركان فرض السيطرة والسيادة على أي بلد في الأرض وفقا لمنطق الإمبراطوريات.

فهو الذي ساهم بقوة وفعالية بتأسيس الدولة الأموية الواسعة القوية، بسيفه ومفاهيمه السياسية وأساليبه القاسية المعقدة.

ويظهر أنه هو الذي وضع سياسة (الشقاق) (فرق تسد)، والتي أصبحت نهجا إمبراطوريا للسيطرة على الشعوب وعلى مدى القرون من بعده.

ولم يتمكن أحد عبر التأريخ من السيطرة على العراقيين وحكمهم بهذه القدرة والتمكن مثلما فعل الحجاج لمدة عشرين عاما، إذ لم يتمكن أحد من قبله من شق صفوفهم وتنمية النفاق والشك الخوف بينهم.

فهو الذي قال للعراقيين أنتم رغما على أنوفكم أهل شقاق ونفاق ومساوئ أخلاق.

وهو الذي تفكّر وبحث كثيرا في أهم الأدوات التي تمكنه منهم، وقد تفحّص التأريخ وأدرك أن ما يغيب عن كل القوى السالفة، أنها تعاملت مع العراقيين كشعب واحد فخسرت وانهزمت على أرضه لأن الوحدة قوة فولاذية لا يمكن هزيمتها.

ويبدو أنه قد إكتشف أن الأسلوب الأمثل للسيطرة على العراقيين يكون بتمزيق وحدتهم، وذلك بالشقاق والنفاق وإشاعة الخوف أو فرضه عليهم وبينهم.

أي أن يشقهم ويجعلهم منشغلين ببعضهم البعض، وأن يشيع النفاق بينهم فيضعفهم وبذلك يتمكن منهم ويأمن من نواياهم وشرورهم وهذا ما فعله، بأسلوب الخبير بالسلوك السياسي والقيادة والإنصياع الجمعي لإرادته.

فكان الشقاق والنفاق أسلوبه في الحكم، لقد شق الحجاج العراقيين وأشاع النفاق وشجعه وأجزل العطاء للمنافقين.

ولكي يكون النفاق متسيّدا فلا بد من تحقيق الخوف والرعب في القلوب ليجد النفاق له موطنا، ويحقق نتائجه المرجوة، فأول ما قاله:

 "أما والله فإني أحمل الشر بثقله وأحذوه بنعله وأجزيه بمثله. والله يا أهل العراق، إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها. والله لكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى..." .

وهذه دعوة قوية ومرعبة، مشحونة بالتهديد والوعيد لبث الخوف بين الناس.

وفي خطوته الأخرى دفع إلى النفاق لكي يؤسس في قلوب الناس بأنهم منافقين، وأن عليهم أن لا يثقوا ببعضهم البعض، وهم سيصدقون ذلك لأنهم في حالة خوف ولا يمكنهم التعبير عما فيهم، وإستخدم كلمة الشقاق لنشر البغضاء والكراهية بين العراقيين، وبذلك تمكن منهم وساقهم إلى ما يريد برضاهم أو بعدمه، لأنه قد مزق صفوفهم وشككهم ببعضهم وأرعبهم، وبهذا إستتب أمره وتفرغ لأعداء الدولة الأموية ولفتوحاته وغنائمه.

ومعنى رؤيته وأسلوبه السياسي، أن أشقكم وأنشر النفاق بينكم وأجعلكم تصدقون ذلك بأنفسكم.

ومن هنا فأن الحجاج قد إستخدم ثلاثية قاسية في حكمه للعراق، وهي التخويف والشقاق والنفاق.

ومنذ الحجاج وإلى يومنا هذا، تكررت هذه الثلاثية في أساليب حكم العراق، فكل نظام حكم لبلاد الرافدين يشهر سيف التخويف ويشيع النفاق ويشق الصفوف، لكي يسيطر على البلد الذي من الصعب جدا قيادته دون توفير الأسباب اللازمة لإنشغال أهله ببعضهم البعض.

وهكذا يكون مبدأ حكم العراق وعلى مدى العصور هو أن أشغلوا الناس ببعضهم لكي تتمكنوا منهم.

ويكون ذلك بتجويعهم وشق صفوفهم وإشاعة النفاق وتشجيعه بينهم بما يدفع إلى حالة الشك القصوى فيضيع الأمان وترتعب الناس، وتنسى الحاكم وما يريد وهي في مرارة وجهد، ولا تحصل على ما تريد من أود اليوم الثقيل.

وقد إتخذ أسلوب الحكم سياسات متنوعة مع الأيام والعصور لكنها لم تخرج عن الفكرة العامة التي أسسها الحجاج، وبسبب ذلك لم يستتب الأمر السياسي في العراق، ولن يتحقق فيه نظام سياسي مستقر، لأن هذه الثلاثية يتم إستخدامها وإستثمارها من أجل تدعيم قوائم الكراسي.

وقد لا يكون الحاكم واعيا لهذه الثلاثية، لكنه يمارسها ويحقق وجوده من خلالها، وبسببها يصنع له أعداءً تقضي عليه وعلى نظامه مهما حسبه قويا.

ومن يقرأ التأريخ يدرك أن أي قوة جاءت للعراق وأغفلت إستخدام هذه الثلاثية إنهزمت، وأية قوة إستخدمتها تسيّدت وحققت ما تريد، وتركت العراقيين شذرا مذرا في محنة نكأ الجراح وتعقيد الويلات وصناعتها، حتى صار العراق من أكثر مواطن الأرض إنتاجا للمآسي والملمات، وإستلطاف الدموع والبكاء ومسيرات الأحزان الدامية.

ثلاثية الحجاج القاسية في الحكم قد إنغرزت في اللاوعي العراقي، وأسست لسلوكيات مريرة نعاني منها كل يوم ولا نعرف كيف نشفى منها.

فترانا على جميع المستويات نحمل سيف التخويف وبه نشق ونصنع مَن ينافق، وبهذا نحكم إضطرابا ونحبسه حتى ينفجر بوجوهنا ذات يوم.

وترانا نقول اليوم أيها العراقيون أنتم رغما عن وطنكم وماضيكم وأخوّتكم ودينكم وربكم ونبيكم وكتابكم وكل ما يوحدكم، أنتم كذا وكذا وكذا ولستم عراقيين، وهو ذات الأسلوب الحجاجي في الحكم والسيطرة على البلاد ولكن بأدواتنا المعاصرة .

ولا شتان ما بين اليوم والأمس .

إن الحجاجية داء فهل لهذا الداء دواء؟

إن وعي هذه العلة الحجاجية التي فعلت ما فعلت فينا، يساهم كثيرا في تغيير سلوكنا ونظرتنا إلى أنفسنا ومجتمعنا.

ولا بد لنا أن نهذب سلوكنا على ضوء وعينا ونظرتنا لسلبية هذه العقدة وتداعياتها في حياتنا.

ولنراقب أساليب التخويف وشق الصفوف وتشجيع النفاق، وأن نحاربها بصدق وثقة ووعي لكي نعود إلى حقيقتنا ونصنع مجتمعنا القوي السعيد.

 

د. صادق السامرائي

20\10\2007

.....................

*عدت للمقالة بعد أكثر من عقدٍ على كتابتها، وتساءلت هل صار في البلاد ألف حجاج وحجاج يقف بوجه المواطنين المطالبين بحقوقهم الإنسانية المشروعة؟!

 

علاء اللاميلن أعلق على كل ما ورد في هذا البيان الطويل ولكني سأتوقف عند ما بدا لي الأكثر أهمية وغرابة ومدعاة للتساؤل:

1- يعتبر الصدر ما يحدث فتنة بين حكومة فاسدة ومتظاهرين لم يتلزموا بالسلمية، فكيف يستقيم هذا الاتهام للمتظاهرين وباللجوء للعنف فيما هم يقتلون عزلا من السلاح في شوارع وساحات مدنهم برصاص الحكومة والقوى المليشياوية الرديفة لها.

2- يقول إنه لم يصدر الأمر لكل جمهوره بالتظاهر حتى الآن وأنه (لو أصدره لما بقيت خضراء ولا حمراء)، أي انه يؤكد قدرته على حسم الصراع بين الشعب والحكومة الفاسدة، ولكنه لا يريد أن يأمر بذلك فماذا ينتظر؟ وماهي مبررات انتظاره؟ ألا يعلم بأن هذا الموقف سيسجل عليه تاريخيا وقد يعتبره البعض في المستقبل سببا من أسباب بقاء النظام وحدوث المجازر القادمة؟

3- يطالب الصدر باستقالة كل أعضاء الحكومة ولكنه لا يأمر وزراءه ونوابه بالاستقالة الفورية بل يضع الأمر بين أيدي المتظاهرين (وإن رأيتم بقاء كتلة سائرون غير نافع فلكم ان تطالبوها بالاستقالة وعدم ابدالهم بالفاسدين) أي أنه لا يأمر كتلته بالاستقالة كما طالب غيرها بل يترك الأمر للمتظاهرين ويضع شرط عدم استبدالهم بفاسدين! فهل هذا من المنطق القيادي في شيء؟

4- يؤكد السيد رفضه لإحراق القنصلية الإيرانية والبعثات الأجنبية وهو محق في ذلك، ووللاعتداء على المرجعيات الدينية فهل اعتدى أحد على أي مرجع ديني أم أنها حملة إعلامية كاذبة لقادة المليشيات والأحزاب الطائفية الذين يعرفهم السيد حق المعرفة فيتصالح معهم مرة ويختلف معهم أخرى، وكانت تلك الحملة - التي فندها وكيل المرجع السيستاني رشيد الحسيني أفضل تفنيد - مقدمة لمجازر اليوم في الناصرية وتعميم حالة "الأحكام العرفية" غير المعلنة وتعيمم نموذج حكم خلايا الأزمة العسكرية التي تفتق عنها ذهن الجزار عبد المهدي ومستشاريه الأجانب والمحليين، ولكن هل يمكن أن نعتبر بيانه هذا جاء في المقام الأول لنفي هذه التهمة عنه وعن تياره وتبرئة ذمته أمام شركائه في العملية السياسية الأميركية وأمام الإيرانيين؟

لقد قدم التاريخ للصدر فرصة ذهبية خلال هذه الانتفاضة ليبدأ بداية جديدة ويقطع نهائيا مع النظام الفاسد الدموي فيخرج منه ويلتحق بانتفاضة شعبه دون وصاية أو هيمنة على الجماهير المنتفضة بل كقائد لقوة جماهيرية منظمة يمكنها تقليل خسائر الشعب من التضحيات والدماء وحسم الصراع ولكن السيد الصدر - لشديد الأسف - رفض ان يستلم هدية التاريخ الذهبية له وتردد في أن يبدأ صفحة جديدة مع شعبه وأنا على يقين من أنه سيندم ذات يوم على تضييعه لهذه الفرصة للتصالح مع نفسه وتياره وشعبه! 

 

علاء اللامي

 

"لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون"..ال عمران 92

البر:هي كلمة جامعة للخير كله، وقد جاءت على وجه العموم، اي انها لم تقترن بالمال فقط لوجود كلمة"تنفقون"، بل تعدت الى كل جهد يبذله الانسان لمساعدة الاخرين، والوقت الذي يقتطعه من يومه في سبيل تلك المساعدة اضافة الى المال الذي يعتبر على راس الهرم لتقديم المساعدة..

وبما ان الانفاق يتصدره المال بكل مايحوي من مواد مادية وعينية، فقد اخضع الله سبحانه وتعالى هذا الانفاق لضوابط وشروط، وهي ان ينفق المرء انفس مايحب"حتى تنفقوا مما تحبون"وليس العكس..

يلجأ بعض الناس للتصدق بالاشياء الفائضة عن الحاجة من باب الصدقة، فيهب الاشياء القديمة او المعابة التي لم يعد بحاجة اليها بدلا من رميها بالنفايات ناسيا ومتناسيا ان الانسان الذي وهبه تلك الحاجات لايقل عنه خلقا ولاخلقا، بل ربما يفوقه ايمانا وتقوى وغنى، لان الغنى هو غنى النفس، "ان اكرمكم عند الله اتقاكم"..الحجرات13

ومهما كان الانسان فقيرا يبقى التعفف تاجا يتوجه، لذا فان احترام مشاعر الفقراءومعاملتهم معاملة طيبة والاحسان اليهم من اولويات الانسان المؤمن الذي يسعى لنيل البر،  قال رسولنا الكريم"ان الله اعطى الاغنياء مايكفي الفقراء فان جاع الفقراء كان حقيقا على الله ان يحاسب اغنيائهم و يكبهم في نار جهنم وبئس المصير"، فليتصور المرء نفسه بهذا الحال من الفقروالفاقة ويتصدق الاخرون عليه بحاجيات غير لائقة، معابة، مهترئة، اكل عليها الزمان وشرب، وان كانت تسد رمقه من شدة العوز، اضطر لقبولها من باب الاضطرار..

ان من شروط الهدية-الصدقة- ان تكون من اجمل مايكون لكي تترك اثرها بالغا في النفس، وبما ان الانفاق في سبيل الله فيجب ان يكون غال ونفيس وليس العكس ان نهدي الاشياء القديمة المهترئة ونتباهى باننا تصدقنا،  لان من شروط الصدقة الا تعلم اليد اليمنى ماانفقت اليد اليسرى لانها في النهاية ستكون الطريق الى الجنة، ومدعاة لمرضاة الله جل وعلا"والذين يكنزون الذهب والفضة ولاينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم"..التوبة34

وكما ذكرنا فان الانفاق لايشمل المال فقط بل مد يد العون لمن يحتاج المعونة، اغاثة الملهوف، رسم بسمة على وجه يتيم في يوم عيد، اهداء الحاجيات الفائضة-الجيدة-بدل تكديسها وعدم استخدامها لان هناك من يحتاج اليها، نحن ننعم بالدفئ في حين ان هناك ناس يحترقون بجحيم البرد، نجمع الاموال والعقارات وهناك اناس لايملكون سقفا ياويهم، نرمي الفائض من الطعام بعد من امتلات بطوننا بكل مالذ وطاب وهناك من تقطعت احشاءه من الجوع قال رسولنا الكريم"ليس منا من بات شبعان وجاره جائع"، وحقيقة ان بعض الفائض من الطعام الذي يرمى بمقدوره ان يطعم عوائل، نكدس الملابس والاحذية الفاخرة التي لانستخدمها وقد استغاثت الدواليب من كثرتها، وهناك من تجمدت اطرافه من البرد وامتنع عن الذهاب الى المدرسة لانه لايملك حذاءا اولباسا يقيه من البرد،  ننام على فراش وثير وهناك من اكلت الارض اضلاعه، والله لوانصف الانسان بماكله وملبسه وشعر بالام الاخرين وتقاسم مع- الفقراء-ولو بنزر يسير لما عم الفقر وانتشرت الفاقة، لقد فرض الله الزكاة كركن اساس من اركان الاسلام لاشباع الفقير وليس لازعاج الغني، فاذا كان الله قد فرض علينا رعاية الفقير والانفاق عليه-كل حسب سعته-فلم لا نطبق شريعته لكي ينعم الانسان بحياة حرة كريمة، قال رسولنا الكريم"حب لاخيك كما تحب لنفسك"صدق رسول الله..

 

مريم لطفي

 

المرجعية صمّام أمان العراق، هذه المقولة هي السلاح الفعال للقوى الدينية في إستمرار هيمنتها على السلطة. وهي المقولة التي تتاجر بها هذه القوى، متّخذين من المرجعية راية يبررون فيها فسادهم ونهبهم للمال العام. والمرجعية سُلّم الأحزاب الإسلامية الشيعية وميليشياتها لتحويل العراق الى ساحة خلفية لإيران، وإن إتّخذت المرجعية موقفا مناهضا لذلك، والمرجعية هي الغطاء الذي تتستر به الأحزاب والميليشيات الشيعية وهي ترتكب جرائمها البشعة بحق شعبنا ووطننا.

شعبنا لم يخرج "أشرا ولا بطرا"، بل خرج بداية الأمر لإصلاح حال وطنه الذي دمرّه نظام المحاصصة. خرج أول الأمر ليطالب بحياة كريمة بحدها الأدنى، فكانت شعاراته تدور حول توفير خدمات وفرص عمل ومحاربة الفساد وإصلاح النظام السياسي الطائفي الأثني. لكن والنظام يستمر بفساده وإستهتاره ونهبه للمال العام وإزدياد نسبة البطالة بين الشباب وزيادة رقعة الفقر ورفضه حتى للإصلاح الجزئي للعملية السياسية وآلياتها، تطور شعارهم  (المتظاهرين)  من الإصلاح الى التغيير الشامل، بعد أن تحولت التظاهرات الى إنتفاضة والتي هي في طريقها لأن تكون ثورة.  ثورة ستغيّر واقع العراق والمنطقة بالكامل، على الرغم من الصمت العربي والإقليمي والدولي المريب والمشبوه للجرائم التي يرتكبها حكام الخضراء بحق أبناء شعبنا.

نتيجة لعدم جدية السلطة في إيجاد مخارج واقعية للأزمة المستفحلة بالبلاد، وإعتمادها على عاملي الوقت والبطش في القضاء على إنتفاضة شعبنا السلمية. فأنّ ردة فعل الجماهير أو بالأحرى مجموعات قليلة منها أخذت منحى غير "التظاهر السلمي" والذي لا يعبر عن الوجه الحقيقي للإنتفاضة. وحتى هذا التظاهر الجزئي المحدود وغير "السلمي"، لم يُتَرجَمْ كفعل عنفي ضد قوات السلطة المختلفة ولا حتّى ضد العناصر الميليشياوية، على الرغم من أن الجماهير وفي كل مدينة تعرف الميليشياويين بأسمائهم وعناوينهم. كما ولم يهاجم المنتفضون ولليوم دوائر الدولة والمصارف ومصالح الناس لنهبها وحرقها، بل على العكس فأنهم تعاونوا مع قوات مكافحة الشغب التي حضرت لقتلهم وقمعهم بإعتقال عصابة حاولت سرقة البنك المركزي،  وهذا ما أكّدته قيادة عمليات بغداد في بيان مقتضب لها قالت فيه " القوات الامنية التابعة لقيادة عمليات بغداد تمكنت وبالتعاون مع المتظاهرين من اعتقال عصابة حاولت سرقة البنك المركزي العراقي!!

نتيجة التدخلات الإيرانية المباشرة والعلنية بالشأن الداخلي للبلاد، وإعتراف زعماء أحزاب ومنظمات وميليشيات شيعية علنا بولائها لولي الفقيه، ونتيجة للدور الإجرامي لقائد فيلق القدس الإيراني (قاسم سليماني) في توجيهه لقوى السلطة العسكرية وشبه العسكرية  لقمع تظاهرات شعبنا، ونتيجة لشعور وطني عارم ضد كل ما هو إيراني خصوصا بعد تسريب وثائق إستخباراتية تؤكد على تدخلات إيرانية واسعة بشؤون العراق الداخلية من خلال تجنيدها لعدد كبير من الساسة للعمل لصالحها، وبغضّ النظر عن توقيت نشرها هذه الأيام.  فأنّ خطّة مبيتة سلفا وبدقة عالية بدأت لإجهاض الإنتفاضة من خلال حرق القنصلية الإيرانية بالنجف الأشرف، هذه الخطة هي على غرار نفس الخطة الشيطانية التي إستهدفت القنصلية الإيرانية بالبصرة العام الماضي، والتي أطلقت يد السلطة في الهجوم الوحشي على المتظاهرين وإنهاء التظاهرات المطلبية وقتها، والتي عزّزها النظام بإطلاق يد القادة العسكريين بإستخدام العنف المفرط بعد تعيينهم كمحافظين، بعودة غير ميمونة لسلفهم المجرم صدام حسين إبّان قمعه لإنتفاضة آذار المجيدة.

حرق مبنى القنصلية الإيرانية المخطط له بعناية من قبل السلطة  بالنجف الأشرف،  والذي جاء نتيجة رعبها من شدّة الإنتفاضة ونجاحها الذي سيكون قبرها، وبداية لإنهيار النظام الثيوقراطي الإيراني إذا ما أضفنا حراك الشعب اللبناني إليها. دفع بعض الميليشياويين والبرلمانيين وكجزء من الخطّة نفسها  بزجّ  إسم المرجعية الدينية في الأحداث،  كورقة من الممكن اللعب بها والإستفادة منها في قمع الإنتفاضة بحجّة الدفاع عن المرجعية من المنتفضين!! متناسين أنّ جماهير النجف لها تأريخ طويل وعريق في الحفاظ على هيبة المرجعية وحماية الأماكن المقدسة بالمدينة، وهم ليسوا بحاجة الى قتلة وفاسدين كي يهبّوا للدفاع عنها.

تغريدتان بائستان لكل من الميليشياوي قيس الخزعلي زعيم عصابات أهل الباطل وأخرى لرئيس كتلة السند في البرلمان النائب أحمد الأسدي، يدخلان في باب محاولات الإسلام السياسي الشيعي وتحت حجّة حماية المرجعية وشخص السيد السيستاني لشق صفوف المنتفضين وقمعهم.  وهي محاولات يائسة أخرى تضاف الى محاولاتهم السابقة والتي ستتكرر لاحقا ماداموا على رأس السلطة، كون الوعي الوطني عند جماهيرنا وهي تعرف ماذا تريد بالضبط  قد وصل الى نقطة لا تستطيع مثل هذه التغريدات أن تقف أمامها.

يقول قيس الخزعلي في تغريدته "واهم من يعتقد إنه يمكن أن يمسّ شيء من السيد السيستاني"، كما يقول أحمد الأسدي "نعلن ان أرواحنا وأجسادنا فداء لمرجعيتنا الدينية". لو كنت مكان السيد السيستاني وأنا أقرأ هاتين التغريدتين وأمتلك هذه الهالة من القدسية وأسكن الى جوار إمام عادل، لخرجت في خطبة الغد (29/11/2019)  ومن صحن إمام الشهداء معلنا رفضي لما غرّد به هذان الأفّاقان قائلا لهما: لستما بأحرص من أهالي النجف الكرام وبقية شيعة العراق وشعب العراق على أمني وحياتي، فأنا أقيم بينهم ومعي المراجع الآخرين دون حمايات مثلما أنتم، وثقتي بأبناء العراق ووعيهم للتحرر من سلطة الفساد وبناء وطن معافى لا حدود لها. وإطمئنوا من لا أحد سيمسّني وباقي المراجع بسوء، إن لم تمسّوني أنتم بسوء وأنتم والله بفسادكم وجرائمكم فاعلون. وإننا كمرجعية نرى أن أجسادنا وأرواحنا هي فداء لهذا الشعب وهذا هو ديدن الإمام العادل وولي الأمر الحق، لذا وإن كنتم صادقون وأنّى لكم ذلك فكفّوا عن قتل أرواحنا وأجسادنا من خلال قتلكم لأرواح وأجساد المنتفضين العزّل الأبرياء المطالبين بحياة كريمة ووطن عزيز.. اللهم إنّي بلّغت اللهم فأشهد .

إفعلها أيها السيد السيستاني، فأنك والله  ستحقن دماء الناس وتعيد الحق المهضوم الى نصابه. السيد السيستاني لا تأخذك في الحق لومة لائم وأنت تجاور إمام الفقراء واليتامى، إمام عدل إستشهد وهو يزأر أن" فزت وربّ الكعبة. إثبت للعالم أجمع من أن ساسة الخضراء ظالمون ومن حق شعبنا أن ينتفض ليحيا بكرامة  وفز بها وأنت حيّ ترزق،  وقل لهم كما قال من تسكن جواره ..

"اللهم أنّي لم آمرهم بظلم خلقك"

 

زكي رضا - الدنمارك

 

أفهم أن يكتب بعض الكتاب المتثاقفين ومن ذوي المواقف المسبقة والمنحازة في الكتابة السياسية بعين واحدة عن الاحتجاجات التي تجري في بغداد والمحافظات هذه الأيام. يرون في أعمال التخريب وحرق الممتلكات العامة والخاصة وحرق المحلات التجارية في شارع الرشيد وحافظ القاضي والخلاني والسنك وقطع الجسور والهجوم على القوات الأمنية التي تتخذ مواقعها في منتصف جسري السنك والأحرار  والتحرش والاحتكاك بها لغرض استفزازها ومهاجمتها واختراقها للعبور إلى الجانب الآخر من بغداد.. هي الانتفاضة الحقيقية ويتجاهلون متعمدين بسبب موقف مسبق، ما يجري في ساحة التحرير والساحات لأخرى في المحافظات من تظاهرات سلمية حضارية للمطالبة بالحقوق المشروعة للعراقيين عامة وللشباب خاصة المنتفض على الفساد المستشري في هذه الحكومة التي جثمت على صدور العراقيين منذ نيسان 2003 وحتى اليوم. ..... ولكني لا أفهم كيف ولماذا يكتب بعض الكتاب في السياسة، من هو بروفسور ودكتوراه ومن هو مثقف أو كاتب أديب، بذات الموقف المنحاز والعين الواحدة في النظرة إلى هذه الاحتجاجات، كما يكتب أولئك الكتاب المتثاقفون المنحازون، ويعتبرون الانتفاضة تتمثل فقط في العنف والأعمال التخريبية وتوسيع رقعتها والتي لا تمت إلى معنى الانتفاضة بعلاقة سوى إنها تعني إحراق وتخريب وتهديم كل شيء عام وخاص في العراق لهدف إسقاط الحكومة في نهاية الأمر......

...... نحن مع  مجيء حكومة جديدة بوجوه جديدة، وطنية وأمينة على مصالح العراق والعراقيين تلبي طلباتهم الأساسية في العيش الكريم والآمن والاستقرار وتوفير   الخدمات الأساسية والعمل للعاطلين. ولكننا لسنا مع من يريد إسقاط هذه الحكومة الفاشلة لصالح النظام السابق في الداخل ولصالح أعداء العراق في الخارج من أجل إعادة الأوضاع كما كانت قبل نيسان 2003. وهؤلاء الكتاب المثقفون من هو بروفسور ودكتوراه ومثقف أو كاتب أديب إن لم تكن كتاباتهم السياسية تصب بادراك ووعي وإرادة في هذا الاتجاه المعادي للعراق والعراقيين فعلا فهي تصب في النهاية فيه بلا إدراك ولا وعي ولا إرادة منهم وتتوافق مع كتابات أولئك الكتاب ذوي المواقف السياسية المسبقة. أن حجة أولئك وهؤلاء هو التخلص من الحكم الإسلامي من أجل مجيء حكومة مدنية منتخبة. ونحن مع هذا التوجه، نريد حكومة مدنية ولكنها ليست حكومة يعود بها الحزب الذي حكم العراق بالحديد والنار طيلة 35 عاما وأذاق العراقيين شتى أنواع المصائب والمحن من حروب خارجية وإعدامات واعتقالات وتهجير وتغييب في السجون وتكميم الأفواه ومصادرة الحريات .... ولا حكومة تلبي مطامع وإرادات الحكومات المجاورة للعراق ومنها القضاء على الديمقراطية فيه.....

إن العنف والتخريب والحرائق والإضرار بالممتلكات والمصالح العامة والخاصة في شارع الرشيد وحافظ القاضي والخلاني والسنك وقطع الجسور ليس من الوطنية ولا لمن (يريد وطنا) في شيء، ولن يحقق العنف العبثي شيئا لهؤلاء المخربين، إنما الذي يؤدي إلى تحقيق مطالب العراقيين الوطنيين في الحياة الحرة الكريمة والعدالة والمساواة والأمان والاستقرار وتوفير فرص العمل والخدمات الأساسية هي التظاهرات السلمية في ساحة التحرير وساحات التظاهرات السلمية في المحافظات شريطة أن تستمر هذه التظاهرات حتى تحقيق هذه المطالب المشروعة ....

 

احمد صادق

 

عبد الحسين شعبانكان يوم الأول من أغسطس /‏ آب الماضي مميزاً في موريتاني، فللمرة الأولى منذ استقلالها في ال 28 من نوفمبر /‏ تشرين الثاني 1960 يتم فيها تداول السلطة سلمياً، وفي أجواء احتفالية تسلّم الرئيس محمد وِلْد الشيخ الغزواني مقاليد الأمور من سلفه الرئيس المنتخب محمد ولِدْ عبد العزيز. وعلى الرغم من التنافس الحاد الذي شهدته الانتخابات، فإن الهدوء الذي أعقبها كان الإشارة الأولى إلى أجواء القبول بالنتائج للممارسة الديمقراطية، وهو إحدى الظواهر الإيجابية الجديدة في الحياة السياسية الموريتانية، حيث كانت المراحل السابقة تتسم بردود أفعال حادة، وتتجه إلى الانقلابات العسكرية، خصوصاً حين يتم التضييق على المعارضة.

جاء وِلْد الغزواني من خلفية عسكرية، وتدرّج في العمل الوظيفي وصولاً إلى المواقع العليا، وهو وإنْ أسهم في وضع حدّ للحكم المترهّل للرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع، إلا أن المهمات التي تولاها كانت تنفيذية، سواء في فترة حكم العقيد ولِدْ محمد فال مدير الأمن الوطني لنحو عقدين من الزمان، والذي تولى السلطة لنحو عام واحد، أو في فترة الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله، ولاحقاً في فترة حكم صديقه الحميم محمد ولد عبد العزيز التي دامت عشر سنوات، والذي درس معه في كلية مكناس العسكرية بالمغرب.

كان الخطاب الأول الذي ألقاه الرئيس الغزواني تطمينياً وموحداً وجامعاً لجهة تركيزه على ثلاثة أبعاد لعملية التحوّل الديمقراطي في إطار برنامج وطني عام وشامل، وهي: المواطنة والتنمية والإدارة الرشيدة، وذلك ضمن تأكيده على تعزيز الوحدة الوطنية والتعايش السلمي المجتمعي لجميع التكوينات.

فما إن انتهت الانتخابات حتى كانت البيئة السياسية أكثر انسجاماً، ولغة الحوار أوفر حظاً، واتّضح ذلك من الترحيب بالرئيس الجديد، الذي يحمل في إرثه جوانب إيجابية قويّة:

أولها: تربيته الدينية ومكانة عائلته التي تتبع الطريقة الصوفية ذات الأبعاد الزهدية التواضعية والتي يمتد إشعاعها الروحي إلى قرون عديدة من الزمان، وهو ما أكسبه ثقافة وحكمة، فضلاً عن حبّ قيم العمل والتواصل مع الآخر، وهو ما ساعده على التفاعل مع المعارضة التي انفتحت عليه هي الأخرى، وكأن في هذا التفاعل يُراد إلى تأسيس عقد اجتماعي في المرحلة الانتقالية الجديدة تمنحه تفويضاً يعمل على ضوئه، مثلما حصل على تأييد ودعم المجتمع الدولي لتنفيذ برنامجه الحكومي وإحداث التنمية المنشودة والمواطنة الحيوية والإدارة الرشيدة، خصوصاً بتوسيع دائرة الحريات وفضاء الحوار.

ثانيها: تكوينه العسكري وقيادته للجيش في فترة عصيبة وسعيه لعصرنته وتحديثه وتسليحه، إضافة إلى نجاحه في مواجهة للإرهاب والتصدي للجماعات الإرهابية، وطردها خارج البلاد، على الرغم من الحدود الشاسعة التي تمتلكها موريتانيا.

وقد تمتع وِلْد الغزواني بطول نفس ومرونة عالية في التعاطي مع القوى والحركات السياسية والانفتاح على الآخر ولقاءاته مع قيادات المعارضة، وخصوصاً إعلانه «أن زمن المواجهات قد ولّى»، وأن «بابه سيبقى مفتوحاً للتشاور».

لكن ثمة تحديات عديدة تواجهها موريتانيا والرئيس وِلْد الغزواني، ولعلّ أهمها يتلخّص بالفساد المالي والإداري الذي استشرى في البلاد على نحو شديد، وهو الأمر الذي يحتاج إلى جهود كبيرة وحثيثة لمكافحته ومحاسبة الفاسدين، ولا سيما الرؤوس الكبيرة والقوى المتنفذة، وذلك يتطلب إرساء المؤسسات من خلال تعزيز دور الدولة والإدارة، وإعلاء شأن «حكم القانون»، وجعله المرجعية الأساسية التي تعلو على جميع المرجعيات، حيث ينبغي أن يخضع له الحاكم والمحكوم، فالقانون وفقاً لمونتسكيو هو «مثل الموت لا ينبغي أن يستثني أحداً».

أما التحدي الآخر، فيتعلق بتعزيز الحرّيات واحترام حقوق الإنسان، وذلك من خلال تطوير منظومة القضاء وأجهزة إنفاذ القانون وإصلاح الأجهزة الأمنية.

وعلى الجبهة الاقتصادية والاجتماعية، لا بد من إيجاد فرص عمل للعاطلين والحد من ظاهرة البطالة، وتشجيع القطاع الخاص، وإعادة النظر في أنظمة التعليم والتربية وتحسين الخدمات الصحية والشروع بإقامة مشاريع أساسية، وهذا يحتاج إلى بنية تحتية متطورة تستطيع مواكبة المتغيّرات الدولية، خصوصاً إمكانية استثمار حقول الغاز، حيث يمكن أن تكون موريتانيا أغنى الدول الإفريقية، بل من أغنى الدول العربية، إذ يوجد فيها الذهب واليورانيوم ومعادن أخرى.

وبعد كل ذلك فهناك مثل يقول: إن موريتانيا يمكن أن تُدار بالحكمة، وليس بالثروة وحدها، والحكمة ثروة كبرى لا تضاهى.

 

عبد الحسين شعبان

 

"غطرسة الإيديولوجيات وتبجحها بأنانية وتعاليها فكريا لا مبرر له.. وهي التي لم تقدم سوى بضعة انجازات سطحية ورمزية.. فلذا يجدر إن ننضج أوجه القصور التي فينا.. ونسمو بأنفسنا.. ونكف عن نقد الآخرين!!!"

يشير مفهوم "الأيديولوجية" كالفكرة والشعارات والمفهوم والتدريس إلى نظام من وجهات النظر حول الواقع وطرق تطويره وفهمه والتحول من وجهة نظر الأفكار والأهداف والقيم والمثل العليا والمعايير التي اعتمدتها مختلف الجهات الفاعلة في الحياة الاجتماعية والثقافية الفردية والجماعية بما في ذلك المجموعات الإثنية والطبقية والمجتمع والدولة والحضارة ككل، كما يُشار إلى مفهوم "الأيديولوجية" تقليديًا بمجموعة من وجهات النظر والأفكار والأساطير والشعارات السياسية ووثائق سياسة الأحزاب والمفاهيم الفلسفية التي تعبر عن والمواقف تجاه واقع معين ووجهات نظر ومصالح وأهداف الناس والطبقات، وعبر المواضيع السياسية فأن الأيديولوجية تأتي عن طريقة معينة من المعرفة وتكون أكثر دقة من واقع البناء الغريب وتكون موجهه نحو تحقيق المثل الأعلى وتجسيدًا لعدد من الأفكار المتعلقة بأفضل أشكال الوجود الاجتماعي، وهي موجودة دائمًا في المعرفة العلمية وليس فقط في العلوم الاجتماعية وإنما حتى أيضًا في العلوم الطبيعية والطبية والهندسية والقوانين التي اكتشفتها وبدا الأمر موضوعيًا تمامًا ومختلطًا حول الأفكار الإيديولوجية والتاريخية والثقافية والأهم من ذلك كله فأن الكثير من المفكرين يرون أن الإيديولوجية هي "ظاهرة العصر الجديد" كنظام مصطنع للمواقف والقيم والمثل وطرق التحليل التاريخي والأهداف الاجتماعية الموضوعة، وكانت قد نشأت جميع الإيديولوجيات المعروفة تقريبًا في العصر الجديد في ذروة العقلانية وترجع إلى الاعتقاد في إمكانية بناء "جنة أرضية" بمساعدة مشاريع عقلانية لتكون المثل الأعلى لكل نشاط بشري حيث أدت المثل العليا في تاريخ الدول دائمًا دورًا حاسمًا وساعدت في بناء نظام رمزي وبنائي ومعياري في المجتمع من خلال تعريف غائي لترتيب الأهداف والوسائل الأعلى للمثل وطرق تحقيقها، ولذلك فإن فكرة الدولة أو مفهومها يتبين أنه لا ينفصل عن الأساس المنطقي لهدف وجودها ومعناها في التاريخ الإنساني ومصير الفرد مع تعريف تأكيد إن الدولة المثالية والكمال والنموذج المثالي والقيمة والغرض يشكلون أساس فكرة الدولة، ومثل هذا الفهم للدولة ور كطبيعتها المعرفية يؤدي حتماً إلى تهمة المثالية أي الاعتراف غير المبرر للهيمنة الدلالية والبدائية للمبدأ الروحي على المادة، ومع ذلك وبالنسبة إلى التفكير العقلاني فإن المثل الأعلى هو جوهر الإنشاءات المنطقية والقيمة حتى في قلب الفكرة المادية البحتة عن "مجتمع المستهلك" أو "دولة الرفاهية" تكمن صورة مستقبل الخير المشترك والتي سيتم فيها تلبية جميع الاحتياجات الأساسية للإنسان وجميع الحقوق الطبيعية، فلذلك لا يمكن لأي مجتمع الاستغناء عن عناصر الإيديولوجية لا الحديثة ولا حتى التقليدية.

من المستحيل بناء تسلسل هرمي من القيم القانونية والسياسة القانونية للدول من دون وجود ايديولوجية معينة، وأي قاعدة قانونية هي أمر يهدف إلى حماية قيمة معينة لنظام القواعد القانونية أو نظام التشريع، وبالتالي فإن أيديولوجية الدولة موجودة حتمًا في نظام القواعد القانونية التي تصدرها والتي يمكن اعتبارها وسيلة لتنفيذ الأحكام الدستورية وتحقيق الأهداف وتحقيق القيم المنصوص عليها في القواعد الدستورية، ومن أجل ضمان الأمن القومي بشكل فعال فمن الضروري أن يكون لدى الدول قيم أساسية لا تشمل الفرد وأمنها فحسب بل تشمل أيضًا الأسرة والعرق والشعب والأمة، وفي حالة وجود تضارب في المصالح بين المصالح الفردية والمصالح الوطنية فقد يتأثر الأمن القومي، فلذا ولضمانه يجب أن تكون إحدى القيم الأساسية لمجتمعاتنا بتبني موقفًا واضحًا لسلطة الدول فيما يتعلق بالمثل والقيم الروحية والأخلاقية والقيم الأساسية للغاية ويمكنك تسمية هذه القيمة كما يحلو لك كالفكرة الوطنية أو الدولة المثالية أو مبدأ الدولة الأساسي، فببساطة الأيديولوجية هي قمر صناعي في المجتمع يفكر فيه ويعكس الناس. وان تساؤلنا في لماذا تحتاج الدول والمجتمع إلى الوحدة الاجتماعية؟ نجد الإجابة في العصر الحديث عبر "نهاية الإيديولوجية" وبذلك يتحول التحرر من الإيديولوجية إلى عبودية لا يدركها الناس ولم يختاروها ولكنهم وجدوا أنفسهم فيها، فتتمثل الأيديولوجية الحديثة لـ "مجتمع المستهلك" في شكل جديد من الأيديولوجية الليبرالية أو البرجوازية تحتاجها الدول والمجتمعات لكنه لا توجد أخلاقيات بدون أيديولوجية ولا توجد أيضا اخلاقيات حقيقية في الايديولوجيات، غير إننا لن ننسى انه يمكن للشعب ومن ثم نظام الدولة المثالية أن يكون بمثابة مؤشر للأخلاق العامة معتمدا كليا على العادات السائدة في المجتمع. وفي ظل أيديولوجية الدولة يجب فهم مجموعة من القيم والقواعد التي تضفي الشرعية على تنظيم السلطة العليا في بلد معين وإن جوهرها هو المثل الاجتماعي الذي يعتمد عليه تبرير إنفاق الطاقة وكذلك الدافع لسلوك المواطنين في بناء نموذج مثالي للدول والبنية الاجتماعية وضمان الأمن القومي وتحقيق قوى اجتماعية وسياسية معينة، فعبر ذلك ينشأ المجتمع من الناس على أساس القيم والمثل العليا المشتركة وأهداف الحياة المميتة وبالتالي فإن جوهر الدولة ينطوي على حماية ثقافة الشعب المكون للدولة بناء على يقين من التواصل الوطني والثقافة الشعبية، وان كل دولة وكل أمة وكل ثقافة تختلف عن بعضها البعض عبر ترتيب مختلف للقيم لذلك يتم تحقيق أنجح تفاهم متبادل بين الأشخاص الذين ينتمون إلى نفس الثقافة والى ذات الأمة واحدة، وإن أهم لحظة في مسألة أيديولوجية الدولة هي النظر في حقيقة أن كل مؤسسة سياسية وقانونية وكل دولة هي نتاج التطور الثقافي لشعب ما وأمة ما، تتشكل كل دولة ضمن ثقافة معينة، يكون حاملها هو الشعب المكون للدولة ولا يمكن أن يكون هناك شخص مجرد وخارج إطار التقاليد الثقافية والتاريخية، وإن أيديولوجية الدولة على المستوى الوطني ضرورية لتوحيد الناس على أساس القيم الروحية العليا المعقدة من الأفكار حول ما يجب أن يكون في تطور الدولة حول أهدافها، ومن دون الإيديولوجية فمن المستحيل ضمان الأمن القومي وإدارة الدولة بفعالية ولكل أمة لها فكرتها الخاصة عن الدولة الذي يتم تحديد التسلسل الهرمي لقيمها عبر تاريخ وتقاليد وثقافة الشعب المكون لها، لذلك ومن أجل تطوير نظام أية دولة فمن الضروري السعي لتطوير التقاليد والثقافة الأيديولوجية وجعلها متاحة للإدراك مجتمعيا وتحويلها من نظريات وافكار إلى منهج قابل للتطبيق والتنفيذ الواقعي.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

ليث الصندوقفي ضوء خطابات ومقترحات وحلول رئيس الوزراء بات من المؤكد أن الرجل قد أفرغ كل ما في خزاناته من الوقود ولم يعد ينفع ضخّ المزيد لتحريك عربة الحكم المتهالكة. لكنّ المشكلة أنّ الرجل ما زال مقتنعاً بسلامة العربة، وبإمكانية تحريكها سواء بالوقود المحلي أو بالوقود المستورد أو بالنفخ أو باستجلاب دافعين من الخارج. وهو في قناعته هذه على خلاف مع المتظاهرين الثوار الذين يحاولون منذ شهر إقناعه من دون جدوى بأن المشكلة في العربة، وليست في الوقود فحسب، فما بالك إذا كان الوقود مغشوشاً أصلاً. وجراء هذا الخلاف في الرؤى بين الفريقين فإن شباب الانتفاضة سيستمرون في ثورتهم ليس من أجل إصلاح العربة المعطوبة، بل باستبدالها بأخرى جديدة وقادرة على اجتياز طرق المستقبل المتعرجة والمليئة بحفر الكائدين وأحجار المتآمرين. ومهما كان ثمن تلك العربة الجديدة، فالشباب دفعوا أرواحهم – وليس أغلى من الروح – لتحقيق هذا الهدف، وأن الأحياء منهم لن يعودوا إلى بيوتهم دون تحقيقه . ولعل تحقيق هدف التغيير الشامل يتحقق بواحد من السيناريوهات الأربعة :

ألسيناريو الأول : أن يتقدم رئيس الوزراء طوعياً بالاستقالة، وتجنيب الوطن المزيد من الدماء والخسائر، وهذا السيناريو يبدو أكثر السيناريوهات استحالة، فالرجل لا يملك قراره بيده، لأنه يبدو مرتهناً لقوى خارجية وداخلية تُملي عليه قراره، فهو الواجهة المعطلة ليد خفية فاعلة، ولا أريد أن أبخس الرجل حقه إذا ما قلت أن موقعه هذا أوجب للتعاطف والرثاء منه إلى الإدانة والاستنكار، فحاله كحال الرئيس الجزائري السابق (بوتفليقة) الذي كانت الدولة العميقة تمسكه - بالرغم من شلله - بكرسي الرئاسة، وتحكم من ورائه البلاد .

ألسيناريو الثاني : وهو سيناريو الإنقلاب العسكري، وهو أسوأ السيناريوهات، ومن حسن الحظّ أن احتمال تحققه هو الأبعد من بين السيناريوهات الأخرى في ضوء العقيدة العسكرية للجيش الجديد، وحصر تدريب وتعليم قياداته بالأكاديميات والمعاهد العسكرية الوطنية مما يجعلهم بمأمن من الإطلاع على تجارب العالم الإنقلابية، ويحول دون انفتاحهم على تاريخ الثورات الشعبية .

ألسيناريو الثالث: وقد تتعاطف وحدات أساسية فعالة من القوات المسلحة مع المتظاهرين، وتتضامن معهم ضدّ ما يتعرضون له من قمع دموي بأوامر مركزية عليا، مع ملاحظة أن هذه الوحدات هي أيضاً على المستوى الإنساني تعاني حالها حال المتظاهرين من النتائج الكارثية للفساد والنهب وانعدام العدالة وتكافؤ الفرص، وكذلك من شيوع ظاهرة الإنفلات الأمني وهيمنة القوى الشبحية والخضوع للإرادات الخارجية. وقد ينجم عن حالة التعاطف أن تتماهي القوات المسلحة بكاملها مع الشعب، وتُباشر عصيانها للقرار الرسمي، والتوقف عن تنفيذ أوامر القمع، وخروجها من صفوف القامعين، والانضمام إلى صفوف المقموعين، فاتحة بذلك طريق مسير الثوار باتجاه مراكز القرار ومواقع السلطة في المنطقة الخضراء، مع احتمال أن تؤدي خطوة كهذه إلى تعاظم وتوسع بؤرة العصيان لتتحول نتيجة هذا السيناريو إلى ذات النتيجة الدموية لسيناريو الإنقلاب، وكلاهما سيعيدان التذكير بتبعات الأحداث المؤسفة وغير المحسوبة لثورة 1959. وقد يبدو هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً، في ضوء يأس الشارع التام من احتمال تحقق إي اختراق في جدار الأزمة، وفقدان الثقة بالحكومة وبالقوى السياسية الفاعلة، وفي ضوء الإصرار على الخيار الأمني والقسوة المميتة في مواجهة الثوار .

ألسيناريو الرابع: وهو أن يُبادر رئيس الوزراء بنفسه إلى كسر قيوده التي كبله بها مرتهنوه، وقيادة انقلاب مباغت ضدهم، وضد حيتان الفساد الكبرى، وضد الدولة العميقة، مسنوداً بالجيش وبالمتظاهرين والعشائر والمرجعية، وبكل قوى وفعاليات المجتمع المدني . وهذا السيناريو هو الأنجح والأسلم للبلد وللحكومة إذ سيعيد الثقة المفقودة بها، ويرفع رئيسها إلى مصاف القادة التاريخيين . ولكن هذا السينارية في الوقت ذاته لا يعدو أن يكون احتمالاً طوباوياً مستحيل التحقيق، فليس من المعقول أن يثور رئيس الوزراء على نفسه، وكذلك ليس من المعقول أن يثور على الذين نصّبوه في موقعه .

وما بين كل السيناريوهات المرئية والخفية يظلّ الثوار هم السيناريست الوحيد الذي سيكتب قصة الثورة، وقصة نجاحها. أما القامعون والمتربصون والمتزحلقون على الأمواج فلن يُمنحوا فرصة أخرى لإعادة تمثيل دور جديد في سيناريو الحل الأخير .

 

   ليث الصندوق

 

كاظم الموسويامر لا يصدق أو لا يمكن هضمه كما يقال في ما يحصل في العراق بعد الغزو والاحتلال الامريكي في قضية الفساد، المالي والإداري والأخلاقي والسياسي وصولا إلى القيم والمثل السائدة في المجتمع العراقي. حيث لا يمكن قبول ما حصل ويحصل. اشخاص وأحزاب تدعي أنها حاملة التدين والقيم الدينية التي تحارب كل ما تحمله كلمة الفساد، واذا هي تتفنن فيه مضمونا ومعيارا وممارسة واسلوبا.

حمل الغزو والاحتلال الامريكي البريطاني للعراق معه عدته في الفساد وأوجد بيئته ودرس نفوس مريديه وازلامه واستطاع توظيفه واستخدامه في التنفيذ والتطبيق العملي وتوفير كل ما يخدمه ويكرسه ويسوقه ويزوقه والأخطر تزكيته وتبريره وتضليله، فاتسع إطاره وانفتح مجاله، حتى بات مسيطرا ومهيمنا، اسما ومحتوى.

في الأرقام والإحصاءات اصبحت ثروات البلاد بيد ثلة لا تتجاوز نسبتها اصابع اليد الواحدة ومن الطبيعي ترسم لها هرمها الوظيفي  لتحطم امال الحاضر والمستقبل والأجيال والإعمار. ويتحول الشعب الذي يجلس على أرض عامرة بالكنوز والموارد فقيرا ومحروما وجائعا بكل وضوح. تعبر عن المشهد مناظر قاسية، متناقضات ومفارقات،قصور شاهقة واسعة واكواخ طين وصفيح، بعثات دراسية في الخارج لأبناء الطبقة السياسية المتنفذة ومدارس الداخل من طين وخشب مكدسة بالطلاب، العلاج في مستشفيات في عواصم أخرى ومدن البلاد بلا مستوصفات. لوحات رسوم كاريكاتيرية كوميدية أو افلام خارج المهرجان والتحكيم. وفي السجلات الدولية يأتي تسلسل العراق في آخر البلدان النزيهة والشفافة واول القوائم في الفساد والخراب. اي مهزلة هذه وتراجيكوميدية متقنة الصنع والحبكة والاخراج؟!. أرقام فلكية في الميزانيات السنوية ولا حصاد منها يقنع طفلا صغيرا به.

مضحك أو مبك ما يقرأ عن كارثة الفساد في العراق، ومحزن أن تسمع كلاما كثيرا، أشبه بجعجة بلا طحين، ولا ثمر يجنى ولا انتهاءا موعودا. كل الحكومات التي حكمت العراق بعد الغزو اشتركت في صناعة الفساد باسمه، وعملت بضمنه وسخرت عقولها لأدائه، وجعلته مقدسها، أو صنمها الذي يعوضها في صحوتها.

ليس آخرا ما يجري اليوم في الساحات العراقية، حراك شعبي يتسع مداه، سببه الاول واسه المعلن: الفساد.  كل من وصل إلى الحكم، مسؤولا عنه، حاكما أو موظفا في دائرة الحكم، والأغرب به أن من ادعى مسؤولية أعلن ورقته عن الفساد، وإجراءاته في محاكمته ومحاسبته، ومرت الأعوام والأيام ولم يمسك أحد من المتهمين أو الذين فضحوا واصبحوا كالاعلام تحت الاضواء. حتى بات التباهي بالفساد متلفزا، بالصوت والصورة، إقرارا واعترافا، ولا سؤال عنه أو خشية منه أو من محاسبة أو نزاهة. لا هذا وحده، بل صارت البرامج الحوارية مضرب أمثال وتقديم أدلة وشهادات اثبات، وكأنها في مسرح أو عرض سينمائي وحسب.

انتفضت الجماهير الفقيرة وصرخت الأجيال المحرومة ونطقت الفئات المهمشة أو المتوسطة  أو القواعد الشعبية للسلطات،  بسبب الفساد والنهب والثراء على حساب مطالب الشباب وحقوق الناس وخدمات المجتمع،  فناهض الحراك المتسع حالة الفساد وتفرعاتها وتداعياتها وامتداداتها المتشعبة، لتصبح عنوانا يضم تحته مسببات الخراب والصراع، المحاصصة والطائفية والمذهبية والانقسام والتشتت والفتنة وارتداداها العنقودية. وامام كل هذا لم ترتفع إجراءات الحكومات الى مستواها، وحدود الأزمات وتفريخاتها، إذ ظلت ألفاظا جوفاء لم تقترب من حيتان الفساد، تاركين لهم التحكم والتدمير والقرارات التي استمرت طيلة الفترة من ايام الغزو والاحتلال والى أيامنا هذه.

كل حاكم يصرح بالمكافحة للفساد وفي الختام ينتشر أكثر من سابقه، وكأنه يشجع عليه تحت غطاء مكافحته. مئات الملفات للفاسدين تعرض في المؤتمرات الإعلامية وندوات مجلس النواب، وتتبادل " الاتهامات" لقاءات الفضائيات، وكلها هواء في شبك.

مصدر في هيئة النزاهة الحكومية لمكافحة الفساد لوكالة فرانس برس (2019/10/16) صرح إن "قضية الفساد لا يمكن أن تحل دون جدية ونية صادقة". واضاف المصدر الذي طلب عدم كشف هويته لحساسية الملف أن "رئيس الوزراء غير قادر على ذلك، لأنه يعرف أن الكل مشترك بالفساد، وحتى قبل أن يعمل معهم" حين استلم منصبه قبل عام.

ورأى المصدر، في العراق الذي يحتل المرتبة 12 في لائحة البلدان الأكثر فساداً في العالم بحسب منظمة الشفافية الدولية، أن الفساد يكمن في ثلاثة ملفات. وأشار إلى أن تلك الملفات هي "المنافذ الحدودية، وتهريب النفط، وعقارات الدولة. إذا قضي عليها ينخفض حجم الفساد كثيراً". وهذا كلام رسمي، في التبرير اكثر منه في التفسير مع إغفال الملفات الاخرى، منها الرواتب الفضائية، والرشاوى، والاختلاس والنهب المعلن وغيرها.

 أعلن رئيس الوزراء في خطاب وجهه إلى الشعب العراقي أنه سلم إلى القضاء "لائحة بأسماء ألف موظف" متهمين بالفساد، متعهداً بتقديم لائحة أولية بأسماء مسؤولين كبار "خلال ساعات". وأكد مكتبه في بيان حينها، أن بين هؤلاء وزراء سابقين، ومسؤولين لا يزالون في مناصبهم. ولكن، لم يتم الإعلان رسمياً عن أي اسم حتى الآن، وسبق أن أشيع مثل ذلك في عهد رئيس الوزراء السابق، واخر اعلن أن لديه ملفات كثيرة لم يكشف عنها في حكمه، رغم صدور أحكام بالسجن خلال السنوات الأخيرة بحق وزيري تجارة على الأقل، بتهم فساد. ولكن حين صدور الأحكام، كانا قد غادرا البلاد. وحين ا عتقل أحدهما وسلم إلى بغداد أطلق سراحه بعدها، كما حصل مع محافظ معروف.

إضافة إلى ما سبق، كشف مؤخرا رئيس كتللة برلمانية في تصريح خاص لمراسلة "سبوتنيك" في العراق، (18/11/2019) أن أكثر من 13 ألف ملف فساد، على طاولة مجلس النواب الذي يلاحق المسؤولين، والسياسيين، والنواب، المتورطين بها. بينما صرح نائب رئيس المحكمة الجنائية العليا العراقية سابقا القاضي منير الحداد لشبكة رووداو الإعلامية 2019/11/22)); ان العراق يعاني من وجود نحو 30 ألف ملف فساد؛ "وهناك ملفات كبيرة وكثيرة جداً بما يخص ملفات الفساد وهناك متهمين بدرجات متفاوتة طوال السنوات الماضية فيما لم نشهد محاسبة أي شخصية سياسية بارزة... وأن ما يحدث فقط تقديم موظفين "بسطاء" والذين لا يملكون كتلة سياسية أو حزب يدافع عنهم".

كل مرة حين تشتد المطالبات في محاكمة الفساد والفاسدين تبرز تصريحات رسمية بارقام وإعداد وملفات وترفع بعدها إلى الرفوف دون فعل حقيقي، وحكم ملموس. والفساد بأنواعه قاد العراق منذ الغزو الى الان. يجب ألا يمر هذه المرة كسابقاتها. وبعد أن أصبح الحراك الشعبي سلطة شعبية فالتجارب في بلدان اخرى، في محاربة الفساد ومحاكمة الفاسدين تقدم درسا للانتهاء من كل ما يتعلق بجريمة الفساد ومجرميه. لابد ان يردع الحيتان من الإستمرار في الحكم والتدمير.

 

كاظم الموسوي

 

ياسين كارديديتحية لكل الموحدين لكل الشهداء لكل الحالمين لكل العاشقين لكل المهمومين لكل المتحررين

في رحلة علمية إلى تونس الخضراء مَهد الربيع العربي للمشاركة في ملتقى دولي يناقش موضوع" المدينة في العالم العربي"، بورقة بحثية تحت عنوان" المدينة العربية والمواطنة السياسية: قراءة سوسيولوجية"، ومنها استكشاف ما أمكن من جوانب حضارة هذا البلد وما يزخر به من مآثر تاريخية وعمران ضارب في عمق التاريخ والحضارة الإنسانية.

وما أن حطت الطائرة في مطار قرطاج الدولي بتونس العاصمة حتى انتابني شعور غريب تختلط فيه مشاعر الحب والانتماء للمغرب الكبير، كما شعرت بسعادة بالغة وأنا أخطوا خطواتي الأولى في تحقيق حلم قديم جديد وهو: زيارة عواصم الحضارة العربية الإسلامية (القيروان، القاهرة، بغداد، دمشق، وبلاد فارس...)، انتقلت من المطار إلى الفندق للاستراحة وكل تفكيري في بداية اليوم الموالي يوم استقبال المشاركين الذين أتوا من مختلف دول العالم العربي وبالخصوص تونس والجزائر وموريتانيا ومصر. الساعة تشير إلى العاشرة صباحا محطة" المنصف باي" أنتظر السيارة التي ستقلني من تونس العاصمة إلى مدينة المُنستير التي تحتضن أشغال الملتقى العلمي، والتي تبعد عن العاصمة بساعتين ونصف، وما أن وصلت إلى الفندق/ نُزُل المشاركين بهذه المدينة الساحلية الجميلة استقبلت استقبالا حارا من الإخوة الجزائريين المنظمين والمشرفين على مركز فاعلون للبحث في الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية والإنسانية الذين حظيت بشرف معرفتهم، الإخوة الجزائريين بلكنتهم المغاربية تشعر معهم منذ البداية أنك أمام أناس تقاسمهم الكثير من الأشياء.

في الجلسة العلمية الأولى التي أُدرجت فيها مداخلتي إلى جانب مداخلات أخرى، وأنا أتحدث عن المواطنة السياسية في تعالقها بالمدينة وتجاوزها للحدود الاجتماعية، وانحصار هذا المفهوم في المجتمعات العربية بفعل الأنظمة المُنتدَبة التي تحكم هذه الأقطار، استرعى انتباهي الانتباه الشديد للحضور ما أكدته تدخلاتهم وتعقيباتهم وأسئلتهم بعد فتح باب المناقشة وسعدت كثيرا بأن كانت أغلب التعقيبات والأسئلة حول ما جاء في مداخلتي، وعلمت حينها اعتبارا لطبيعة الموضوع أن هذه التعقيبات والأسئلة ما هي إلا أصوات مهمومة تُعبر عن هموم شعوب تصارع من أجل التحرر، وأنا أعلق على التعقيبات وأجيب عن الأسئلة حضرني سؤال كبير أرقني طيلة أيام الملتقى وشاركته مع الإخوة الباحثين في الجلسة الأخيرة من اليوم الأخير، وهو هل يمكن الحديث وطنية بدون مواطنة؟ وكذلك عن مواطنة بدون وطنية؟

نعم شعوب تعاني من ويلات الاستعمار شعوب وطنية لكن لا تحس بالمواطنة أو على الأصح لا تتمتع بمقتضياتها، شعوب تجري في الهامش لكنها تواقة للتحرر، للديمقراطية، للوحدة، شعوب تحمل هموم العالم الإنساني وليس العربي فقط، شعوب تعيش على وقع الانتظار، شعوب كلها أمل في وطن عربي موحد ومتحرر، شعوب تستطيع أن تفك لغز الحضارة العالمية المنتظرة متى تحررت.

نعم كانت حقا رحلة علمية زادتني هما إلى هم حصلت فيها على إجابات هي نسبية لكنها تبعث على الأمل، كما أنني انفتحت على إشكالات أخرى وأسئلة أخرى في قضايا أخرى تأرق هذه الشعوب التي تعيش على الهامش.

لكن المؤكد هو أن هذه الشعوب قادرة على التخلص من بقايا الاستعمار وتجاوز عقبات التبعية وتصحيح تمثلات العَالم حول الشعوب العربية الإسلامية والبرهنة على أنها تُشارك العَالم همومه.  

 

ذ. ياسين كارديدي باحث في الفكر الإسلامي والفلسفة

 

انور الموسويغالبا ما يحصل الاضطراب، في البلدان النامية أو ما يمسى ببلدان العالم الثالث، وذلك لظروف مختلفة أهمها اقتصادي مع غياب الديمقراطية أو الالتفاف عليها، أو صناعة ديمقراطيات مزورة بفعل نتائج انتخابية غير رصينة، وهذا ما يؤدي إلى اختزال الحريات الفردية والجماعية، وضياع المزيد من الاستقرار.

من اهم مبررات عدم الاستقرار وقيام الثورات أو الاحتجاجات إذ يرى اقتصاديون مثل (بول كولير و أنكه هوفلر في عامي1998 و2002، والتي دلت على ارتباط المؤشرات الاقتصادية بالاضطرابات السياسية، خاصةً حينما ينخفض نصيب الفرد من الدخل، فيصبح هذا الانخفاض سببًا لكثير من الاضطرابات السياسية .أما الفساد (بالطبع لا تؤدي زيادة السكان الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة في بلدٍ ما بالضرورة إلى ثورة، لكن اجتماع هذا العامل بفساد قادة هذا البلد يزيد من نسبة حدوث الاضطرابات السياسية).

العراق بلد تم بناءه منذ تأسيسه الحديث، ليس على رؤية تقدمية مستدامة، بل جرى الاعتماد على مواكبة قضاياه المرحلية، ووفقا للظروف الموضوعية التي تمر بمجتمعاته ويجري التعامل معها أنيا، أو ضمن اطار غير واسع الأفق.

كان ولا زال العراق بلدا يراوح في مكانه، مما سمح ويسمح دائما بحصول الاضطرابات الداخلية، والتدخلات الخارجية.

صناعة الثورات والاحتجاجات فضلا عن مجمل التدخلات الأخرى في صياغة القرار الداخلي  له مبرراته الأكيدة، إذ لليوم لم يتمتع قادة العراق مع الحلفاء قبل الأعداء بقرار وطني مستقل، يسمح بوضع رؤية تنموية واقتصادية خاصة بالنظام الداخلي لهذا البلد.

التراكمات السلبية قبل عام 2003 وما نتج عنها من إخفاقات في بنية شخصية الفرد العراقي، ومن ثم المجتمع ، لم يتم علاجها بطريقة فعالة، بل ازدادت هوة تمييع الهوية، وتفاقمت مرحلة الصراعات، وتم إعادة إنتاج الفساد بطريقة دراماتيكية عصرية. وانفتحت أبواب التحديات المختلفة من القاعدة وداعش، والتدخلات الإقليمية، وصار البلد بوابة لتجارة الدول على حساب امن وسلامة ووحدة البلاد.

الضعف الواضح، وقلة الخبرة، وسياسة المحاور غير المنتظمة، وعدم ادراك أولويات الشعوب، وتفاقم حالات الفساد للقادة قبل المواطنين، واستنزاف خيارات البلد ضمن رؤية أحادية الجانب، والتعكز ضمن مسار اقتصادي واحد، جانب كل الحقائق العملية والعلمية لإعادة إنتاج عراق قوي.

قادة المرحلة يظنون ويفكرون بان حتمية الخلاص والنهوض بالبلد لن تمر وفقا لمنظور اقتصادي، وسياسي، وبرامج علمية واستشارات دولية، انهم مصرون إن كل ذلك لن ينفع في إعطاء مزيدا من الرخاء والتقدم والحريات، لان العقلية التي يضممون بها هي عقلية تتسم ضمن منهجيتين:-

الأولى : استثمار البلد والمواطن، وليس استثمار بالبلد وللمواطن. وهذا نتج بيع محصول وإرادات العراق لجيوب نفعية فردية وفئوية وانتج الفساد المعلن والمقنع، لعبة هذا الدور بالأساس مجموعة من الأحزاب والشخصيات النفعية، وتمت الشراكة بين تلك المنظومات وفقا لعقد تمتعت باللصوصية اكثر مما اتسمت بالوطنية، فخيرات العراق تم التحاصص عليها واقتسامها وبيعها وبيع حتى الثوابت الوطنية لمجموعة هدفت إلى اكتساب المزيد من الثروات على حساب الاقتصاد الوطني، ومستوى دخل الفرد، فبالتأكيد في نهاية المطاف لن تتحقق العدالة الاجتماعية وسيضعف الناتج المحلي والقومي، مما سيؤثر حتما على نمو الدخل الفردي، وخلق ما يسمى بال ( الطبقية الحديثة). فكيف لا تقوم الثورات...!

الثاني:- إن الخلفية الأيدولوجية التي يتمتع بها هؤلاء القادة أو الأحزاب، هي خلفية مستمدة لعناصر ديمومتها من الماضي، وجرى ويجري التأكيد على موضوعة استلهام عناصر الماضي في إعادة إنتاج الحاضر وحتى المستقبل، وهذا فيه عمومية ليس لقادة العراق فحسب، بل لكل الدول العربية الإسلامية، إذ انهم حينما يواجهون المشكلة، لا يتم معالجتها وفقا لظروف المرحلة، أو ما تتطلبه عقلية الظرف الراهن وما تشير اليه الأبحاث العلمية، فبدلا من النظر إلى الأمام يرجعون القهقري إلى الماضي في محاولة لإيجاد تفسير موضوعي (لصراع الايدلوجيا ت أو صراع الحضارات، أو أسباب صدام التقدم العلمي مع التخلف الواقعي الذي يعيشوه). فما ذا يجدون بالماضي؟ يجدون مجموعة من المتهات، أو غير المستندة إلى حصيلة فكرية وعلمية تتناسب مع واقع المرحلة، أو تخلف مزمن عانته الحقب السالفة من تاريخهم، أو ميتافيزيقية روحية متسامية لا تنسجم مع أي من حقائق الواقع ومشاكله، وتشكل حالة فردانية تصلح لان تكون شخصية، لا يمكن تعميمها في سياسة إدارة المرحلة. فينصدمون بالواقع من خلال رجوعهم إلى الماضي، فما الذي يحصل؟ الذي يحصل انهم بقوا بالماضي ولم يرتحلون عنه، بل أعادوا إنتاج مضامين الماضي بصيغة الحاضر، وأسقطوها ضمن اطر الحلول فأنتجت مجموعة من الرواسب المخدرة  للفرد والمجتمع، واستهلاك حتمي لأي رؤية مستقبلية في التقدم، وتراجع واضح ومعلن في خراب الحاضر والمستقبل.

في الأساس إن صراع الأيدولوجيات لا ينتج بالضرورة ممكنات تقدمية، بل "رواسب تلك الحقب تكون منتجة لذاتها في كل العصور" وان الإصرار على عدم مغادرة الماضي، يخلق هوة واسعة وكبيرة في فهم عقلية الجيل الحاضر، ولن ينتج سوى محصلات تديم زخم ذلك الماضي عن طريق الأفراد والجماعات المنضوية تحت تلك الأيدولوجيات، وتخلق حالة " زبائنية" غير مثمرة على مستوى الطموح الوطني، بل مثمرة ضمن الكسب الجماهيري فحسب. وهذا ما سينعكس سلبا وبصورة حتمية على مفردات الحياة العامة، والتشتت الاجتماعي، والضعف في بنية الهوية الوطنية في قبالة تعظيم الهويات الفردية والحزبية والولائية، وهذا شرخ كبير في منظومة بناء الدولة على أساس "دولة المكونات وليست دولة المؤسسات".

 إذ من البديهي أن تحصل الاحتجاجات والثورات، والمطالبات في تحقيق الإصلاحات، وحتى موضوعة التدخلات وشراء الذمم. فحينما يتم وضع علاقة " زبائنية" مستندة على أحياء التراث كأيدولوجية فعالة، لاشك إن تتسم الحقبة بمختلف الانتكاسات، وضياع فرص النهوض والتقدم والعمران.

الثوابت المشكوك في صلاحيتها لازالت هي نفسها تلك الثوابت التي ينتهجها النظام الحالي، بمعزل عن أي تفكير من أن المراحل تحرق بعضها، والأجيال حينما تولد، تأتي بحلة جديدة مختلفة عما سبقها، والمراحل السابقة احترقت من فكر هذا الجيل، فلا يمكن أن نتعامل مع جيل المرحلة وفقا لمرحلة الجيل السابق، فضلا عن التعامل معه وفقا لعقلية ال1400 سنة...! كل هذا سوف لن يجدي نفعا، ولن يتم بناء دولة أو فرد وفقا لهذا المنظور.

معطيات المرحلة والحال هذا ما تعيه كل الدول المتقدمة بالعالم، من خلال تعبيد التكنلوجيا، وضمان الحصول على الخدمات والبنى التحتية مع صياغة الاقتصاد القوي وزيادة الناتج الوطني، وتحقيق النمو الفردي، مع توفير كافة القوانين الخاصة بالحماية الفردية والاجتماعية وعدم المساس بتلك الحريات، وترك خرافات الماضي للماضي، وفسح المجال بشكل مطلق لكل الحريات ، وتعظيم السياحة بكل أنواعها وبلا قيود عرفية أو دينية، والحال هذا في كل دول العالم حتى الإسلامية منها.

 الجيل المكبوت، هو من يصنع نفسه ويضع خيراته.  بات مستحيلا أن نرجع إلى الوراء، إلا ضمن حدود الرمزية بالاحتفاظ بالهوية الفردية كشكل من أشكال التوارث فقط.، إن هذا الجيل يحاول الآن شق عباءة الأعراف التقليدية والمضي بمستقبل ينسجم مع تطلعاته ورغباته المكبوتة وطموحاته التحررية والوطنية.

 

انور الموسوي