ابراهيم أبراشفي ذكرى يوم الأرض نستحضر تاريخ نضال فلسطينيي الخط الأخضر من المواجهات الدموية دفاعا عن الأرض في الثلاثين من مارس 1976 إلى تشكيل القائمة العربية المشتركة والنضال من داخل النظام السياسي الإسرائيلي ومؤسسته البرلمانية، وعلاقة التحول في نهج نضال فلسطيني الداخل بالتحول الذي طرأ على مسار الحركة الوطنية الفلسطينية بشكل عام، والتحولات داخل المجتمع الإسرائيلي وخصوصا هيمنة اليمين الصهيوني وتراجع قوى السلام واليسار اليهودية .

فبعد حرب شرسة شنها تحالف أبيض أزرق بزعامة بيني غانتس على نتنياهو، حرب لم يتورع فيها غانتس مدعوماً بالقائمة العربية المشتركة وقوى إسرائيلية أخرى من استعمال كل الوسائل للإطاحة بنتنياهو وحزبه وخوض ثلاث جولات انتخابية ... يتحالف غانتس مع نتنياهو ويتوافقا على تشكيل حكومة طوارئ أو حكومة وحدة وطنية يتم تقاسم المناصب فيها بين الطرفين والتناوب عليها والبداية لنتنياهو مع رئاسة غانتس للكنيست مع استبعاد القائمة العربية .

القائمة العربية المشتركة كانت أول من ندد بموقف غانتس الانتهازي وغير الأخلاقي من وجهة نظرها، ويدعمها في ذلك بعض الجمهور اليهودي حتى من داخل تحالف أبيض أزرق الذي يتزعمه غانتس والذي تفكك بعد انسحاب حزبين من التحالف . ولكن، هل أخطأ غانتس عندما مد نتنياهو بمصل الحياة السياسية لوقت إضافي؟ أم الخلل في المبالغة في المراهنة على غانتس وحزبه لدرجة الاعتقاد بأنه يمكن أن يشكل حكومة ائتلافية مع القائمة العربية المشتركة؟.

إن كان تشكيل حكومة الوحدة الوطنية أو الطوارئ جاء تحت عنوان مواجهة خطر الكورونا إلا أن هذه الحكومة في ظل حكم نتنياهو ستكون أخطر حكومة فيما يتعلق بالصراع مع الفلسطينيين وفي مجمل السياسة الخارجية لإسرائيل، حيث سيقوم نتنياهو بتنفيذ كل وعوده ومخططاته الاستيطانية والعدوانية مدعوماً بمباركة الغالبية العظمى من الجمهور الإسرائيلي وغالبية القوى السياسية دون أية معارضة سياسية ذات قيمة إلا من القائمة العربية المشتركة التي ستكون معارضتها شكلية وغير فاعلة بسبب عنصرية الدولة والجمهور اليهودي، كما لا يمكن للقائمة العربية إلا أن تكون معارضة لا حظوظ لها بأن تدخل في تحالف حكومي ما دام غالبية المكون اليهودي في الدولة يمينياً عنصرياً يؤمن بيهودية الدولة.

قد يهوِّن البعض من الأمر بالزعم أن فترة مكوث نتنياهو في حكومة الوحدة الوطنية سنة ونصف فقط ثم سيتولى غانتس الحكومة وسينفذ سياساته، وفي اعتقادي أن هذا وهمٌ كبيرٌ لأن غانتس وبعد أن يتولى الحكومة خلفاً لنتنياهو لن يستطيع التراجع عن أي قرارات أو خطوات سيتخذها نتنياهو فيما يتعلق بالصراع مع الفلسطينيين واستكمال تنفيذ صفقة ترامب بل سيبني على ما تم إنجازه في عهد نتنياهو .

مع تفهمنا لموقف القائمة العربية مما آلت إليه الأمور في إسرائيل من تشكيل حكومة وحدة وطنية واتهام غانتس بالخيانة والتنكر لوعوده ومبادئه والانحياز لمصالحه الخاصة ومصلحة حزبه أو جزءاً من حزبه، إلا أن هذا الموقف للقائمة العربية ينطلق من أرضية المعارضة السياسية لكتلة برلمانية ليس فقط تمثل أقلية سكانية وبرلمانية بل تنظر لها الدولة وغالبية المجتمع اليهودي بأنها معادية لدولة إسرائيل وعقيدتها الصهيونية وسياساتها الاحتلالية والعنصرية.

المقاربة الموضوعية المؤسسة على الواقعية السياسية تقول بأن ما أقّدَم عليه بيني غانتس ليس بالأمر المستغرب إن تم وضعه في سياق الفهم العقلاني والواقعي للنظام السياسي الإسرائيلي الذي لا يمكنه أن ينسلخ أو يبتعد عن الدولة العميقة الملتزمة بالفكر والعقيدة الصهيونية التي تعتبر أن الحفاظ على دولة وشعب إسرائيل وحمايتهما له الأولوية على أي صراعات أو انتماءات حزبية، وأن الديمقراطية التي تتيح للعرب المشاركة في الانتخابات وفي النظام السياسي ما هي إلا أداة ووسيلة لخدمة هذه العقيدة، وعندما تتعارض الاستحقاقات الديمقراطية مع العقيدة والمصلحة اليهودية الصهيونية فالأولوية للأخيرة ، وبالتالي فإن تصرف غانتس كان من وجهة النظر اليهودية الصهيونية عملاً وطنياً بامتياز كما أن تصرفه ينسجم مع تاريخه العسكري والسياسي .

مع تفهمنا لسوء نتنياهو وحكومته وأهمية نهج أية طريقة لتقليل فرص نجاحه في الانتخابات ، إلا أنه تمت المبالغة في المراهنة على غانتس ليس فقط من القائمة العربية بل أيضا من جهات في السلطة الفلسطينية، ومع ذلك وبعد ما جرى نتمنى لو أن الأحزاب والقوى السياسية الفلسطينية تتعلم من الحالة الصهيونية في تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية والشخصية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية إسرائيلية وجائحة الكورونا تشكلان فرصة لتقريب المواقف والعودة لطاولة الحوارات للبحث في مواجهة هذين الخطرين وتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية أو توسيع صلاحيات حكومة محمد اشتيه لتشمل الضفة وغزة .

وبالعودة للقائمة العربية المشتركة، فمنذ تأسيسها وجدت ممانعة ومعارضة ليس فقط من اليمين الصهيوني العنصري بل أيضاً من قوى سياسية في الداخل الفلسطيني "الحركة الإسلامية -الشق الشمالي" برئاسة الشيخ رائد صلاح، وحركة "أبناء البلد"، وقد برزت بشكل أوضح هذه الممانعة والخلافات في الجولة الأخيرة من الانتخابات حيث اعتبر نتنياهو القائمة العربية طابور خامس وتهديد لدولة إسرائيل فيما طالبت قوى فلسطينية بمقاطعة الانتخابات مما يعني عدم التصويت للقائمة العربية، ومع ذلك حققت القائمة العربية المشتركة إنجازاً تاريخياً بحصولها على 15 مقعداً في الكنيست وتموقعت كثالث كتلة برلمانية، ولكن ماذا بعد هذا الإنجاز البرلماني؟.

لم يكن قادة القائمة العربية المشتركة بجاهلين لطبيعة الدولة التي ارتضوا أن يكونوا جزءاً من نظامها السياسي وملتزمين بقواعد اللعبة الديمقراطية التي تضع قواعدها الدولة العميقة التي تتحكم بها الحركة الصهيونية واليهودية العالمية، وفي ظني أنهم تفهموا الأمر بحيث وضعوا لأنفسهم أهدافا ًمحددة وواضحة وهي الاندماج في المجتمع الإسرائيلي وبالحياة السياسية دفاعاً عن حقهم بالمساواة مع اليهود ووقف سياسة التمييز العنصري ومصادرة الأراضي .

بالرغم من ذلك فإن صعوبات كبيرة ستعترض الطريق أمام تحقيق هذه الأهداف إن اقتصر الأمر على التواجد في البرلمان دون أي فرصة بالمشاركة في الائتلافات الحكومية، وما يبهظ الأمر على القائمة العربية أنها تضطر لتكون في موقف المفاضلة ما بين يمين صهيوني كغانتس والأكثر يمينية كنتنياهو ، بالإضافة إلى معارضة قطاعات من فلسطينيي الداخل للقائمة ولمبدأ مشاركتها في الانتخابات.

إن الحال الذي وصل إليه أهلنا في الداخل من حيث المأزق والتحدي السياسي في التعامل مع الكيان الصهيوني ووجود خلافات بينهم حول نهج التعامل مع الدولة الصهيونية شبيه بالمأزق والتحدي الذي تواجهه منظمة التحرير في التعامل مع إسرائيل بعد الاعتراف بها وعلى قاعدة الالتزام بالتسوية السياسية ونبذ العنف .

واليوم وفي ذكرى يوم الأرض الذي يوافق الثلاثون من مارس لعام 1976 نلمس التحول في مسار النضال الفلسطيني بشكل عام، والفرق الكبير بين زمن السبعينيات وزمن اليوم، وكيف أن شكل وأسلوب نضال فلسطينيي الداخل يتأثر بالحالة النضالية الفلسطينية العامة، الأمر الذي يتطلب وقفة مراجعة استراتيجية تشمل كل أماكن تواجد الشعب في الضفة وغزة وداخل الخط الأخضر وفي الشتات .

 

إبراهيم ابراش

 

 

محمود محمد عليفي الأسبوع الماضي عقدت قادة دول مجموعة العشرين G20 عن بعد من خلال وسائط الاتصال الحديثة - في تسجيل لحضور «كورونا» الكئيب ؛ ذلك الفيروس اللعين الذي انطلق من ووهان الصينية، أواخر العام الماضي، حتى الآن إلى قرابة 500 ألف مصاب حول العالم، وفتك بقرابة بأكثر من 20 ألف ضحية. وفِي حين هوت الأزمة بمؤشرات الأسواق العالمية من طوكيو إلى وول ستريت، وعلقت رحلات أساطيل الملاحة الجوية الدولية، وأجبرت الملايين من البشر على التوقف عن العمل، فإن هذا الفيروس «المُستبد» يضع العالم أمام ثنائية قاتلة كيفما نظرنا إليها: إعصار صحي قد يصيب الملايين ويختطف مئات الآلاف من الأرواح، و«تسونامي» اقتصادي قد يغرق دولاً بأسرها، أو ينسف بنيتها التحتية، ويشلها لسنوات طويلة.

نتذكر سوياً أن وباء كورونا ظهر ـ بداية ـ قبل ما يلامس الشهرين في الصين، ومنها انتقل الفيروس ليضرب جميع الدول بلا استثناء، فلم يفرق بين دولة غنية وأخرى فقيرة أو قوية وضعيفة، فكل الدول أمام كورونا سواسية، وطيلة هذه الفترة، لم نسمع عن تكاتف أو تعاون دولي قوي لمعالجة الأزمة التي فرقت جهود الحكومات، وجعلت كلاً منها منشغلة بنفسها وإحصاء مصابي المرض وضحاياه.

لذلك كان من الضروري اجتماع قمة العشرين والتي يشارك فيها لأول مرة عدداً من الدول منها إسبانيا والأردن وسنغافورة وسويسرا الاتحادية، كما شارك من المنظمات الدولية منظمة الصحة العالمية، وصندوق النقد الدولي، ومجموعة البنك الدولي، والأمم المتحدة، ومنظمة الأغذية والزراعة، ومجلس الاستقرار المالي، ومنظمة العمل الدولية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومنظمة التجارة العالمية. إلى ذلك، مثلت المنظمات الإقليمية جمهورية فيتنام الاشتراكية بصفتها رئيسا لرابطة دول جنوب شرق آسيا، وجمهورية جنوب إفريقيا بصفتها رئيسا للاتحاد الإفريقي، ودولة الإمارات العربية المتحدة بصفتها رئيسا لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وجمهورية رواندا بصفتها رئيسا للشراكة الجديدة لتنمية إفريقيا.

ومجموعة العشرين هو منتدى تأسس سنة 1999 بسبب الأزمات المالية في التسعينات؛ حيث يمثل هذا المنتدى ثلثي التجارة في العالم وأيضا يمثل أكثر من 90 بالمئة من الناتج العالمي الخام. تهدف مجموعة العشرين إلى الجمع الممنهج لدول صناعية ومتقدمة هامة بغية نقاش قضايا أساسية في الاقتصاد العالمي. فإن مجموعة العشرين ج20 يمثل ثلثي التجارة وعدد السكان في العالم وأكثر من 90% من الناتج العالمي الخام (وهو مجموع الناتج المحلي الخام لجميع بلدان العالم).

لقد كانت قمة مجموعة العشرين  والتي انعقدت الخميس الماضي  الأولى من نوعها والتي تمت عن طريق الفيديو لأول مرة في التاريخ، وهي كذلك تعقد لأول مرة تحت رئاسة دولة عربية، اجتمع عبر الفيديو خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، بكل من الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" والرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، والرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون"، والرئيس الصيني "شي جين بينغ"، والرئيس البرازيلي "جايير بولسونارو"، والرئيس الإيطالي "سيرجيو ماتاريلا"، وغيرهم من قادة العالم المؤثرين؛ لمناقشة أزمة كورونا العالمية.

وقد كان خادم الحرمين الشريفين قد أعلن قبيل ساعات من انطلاق قمة العشرين الاستثنائية الافتراضية، اجتماع مجموعة العشرين في قمة استثنائية الهدف منه الخروج بمبادرات تحقق آمال شعوبنا، وتعزز دور حكوماتنا، وتوحد جهودنا لمواجهة هذا الوباء.. وكتب فى تغريدة على حسابه الرسمى عبر تويتر، مساء الأربعاء، "في هذا الوقت الحرج الذى يواجه فيه العالم جائحة كورونا المستجد، التى تؤثر على الإنسان والأنظمة الصحية والاقتصاد العالمي، نجتمع بمجموعة العشرين في قمة استثنائية؛ للخروج بمبادرات تحقق آمال شعوبنا، وتعزز دور حكوماتنا، وتوحد جهودنا لمواجهة هذا الوباء. حمى الله العالم من كل مكروه.

في صباح اجتماع القمة قد ألقي خادم الحرمين الشريفين كلمة افتتاحية شدد فيها على أن "جائحة كورونا تتطلب من الجميع اتخاذ تدابير حازمة على مختلف الصعد"، مضيفاً أن هذا الوباء تسبب في معاناة العديد من مواطني العالم. كما أكد أن الأزمة الإنسانية بسبب كورونا تتطلب استجابة عالمية، داعياً إلى التكاتف بين الدول. كما قال "نأخذ على عاتقنا تعزيز التعاون للبحث عن لقاح لفيروس كورونا"، ودعا إلى "تقوية الجاهزية العالمية لمواجهة الأمراض المعدية مستقبلاً"..

لقد كانت كلمة خادم الحرمين الشريفين في القمة كما اعتقد، هي بمثابة خريطة طريق، لعلاج تداعيات أزمة كورونا مجتمعة، ليس لسبب سوى أن الكلمة جاءت بالكثير من الخطوات والإجراءات والأفكار والمبادرات التي تجعلها نبراساً تهتدي بها الدول إن هي أرادت تجاوز مرحلة كورونا وتأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية بسلام وأمان.

وفي نهاية القمة صدر بيان موحد وفد خُصص فقط لبند واحد، وهو كيفية الانتصار على «كورونا» وتلافي أضراره الرهيبة، ليس على الصحة الجسدية للناس وحسب، بل على الاقتصاد العالمي وما يمكن أن يوصف بـ «الأمن الصحي العالمي" ؛ حيث لا شك أن كل الآمال معلقة على اتفاق هذه الدول العشرين ذات الاقتصادات الأقوى في العالم، وتوحد جهودها في مواجهة أكبر خطر يواجه مستقبل الإنسانية: فيروس «كورونا المستجد»، وأعتقد أن البيان الختامي للقمة، يشير إلى هذا الالتزام، وبقي التطبيق على أرض الواقع.

وثمة نقطة مهمة جديرة بالإشارة أود أن أشير إليها وهي أنّ رئاسة السعودية لـ«مجموعة العشرين» هذه السنة تضع الرياض مجدداً أمام مسؤولية تاريخية، ليس فقط بسبب «صدفة» استضافتها للقمة، ولكن بسبب «حقائق» تجعل من السعودية البلد الأكثر قدرة على تقريب المواقف، وتوحيد الصفوف بين الدول الأعضاء لمواجهة هذه الثنائية الفتاكة التي وجدت البشرية نفسها أمامها، فالسعودية ، بالإضافة إلى كونها البلد الأكثر تأثيراً في العالمين العربي والإسلامي، وفي أسواق النفط العالمية، هي وحدها التي تتمتع بعلاقات إيجابية مع معظم دول المجموعة. ويعود الفضل في ذلك إلى سياسة الاتجاه شرقاً من دون أن يكون ذلك على حساب العلاقات التاريخية مع دول الغرب، التي اتبعتها الرياض خلال السنوات الماضية وذلك كما قال فيصل عباس في مقاله بعنوان "قمة العشرين في مواجهة كورونا «المستبد".

كذلك فإن بيان قمة العشرين الاستثنائي أكدت بشكل واضح أن العشرين الكبار في العالم يتعهدون بالحفاظ على حرية التجارة الدولية والوضع كما كان قبل «كورونا» والمحافظة على سلاسل الإمداد الدولية.. الجديد هو تقدم بند الصحة للأمام من خلال دعم منظمة الصحة العالمية وتوسيع صلاحياتها، كما يدعم صندوق مواجهة جائحة «كورونا» ودعم الدول النامية في هذه الظروف العصيبة.

خلال الكلمة الافتتاحية للقمة الاستثنائية لمجموعة الـ20، دعا العاهل السعودي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، مجموعة العشرين لإرسال إشارة لاستعادة الثقة بالاقتصاد العالمي، من خلال استئناف التدفق المعتاد للسلع والخدمات في أقرب وقت ممكن.

كما أشار إلى أن جائحة «كورونا» قد عرقلت عجلة التنمية والنمو في العالم، قائلا: «مسؤوليتنا مد العون للدول النامية وتحسين بناهم التحتية لتجاوز الأزمة الحالية  بيان قادة مجموعة العشرين، تعهد بضخ 5 تريليونات دولار لحماية الاقتصاد العالمي، وقال قادة مجموعة العشرين، في بيانهم الختامي، إنهم ملتزمون باستعادة الثقة بالاقتصاد العالمي وتحقيق النمو.وجاء في البيان: «التصدي لآثار جائحة (كورونا) صحياً واقتصادياً واجتماعياً أولوية بالنسبة لنا». قائلين: «الاستجابة ستعيد الاقتصاد العالمي إلى نصابه».الدرس الكبير من جائحة «كورونا» هو أن العالم مرتبط بعضه ببعض بشكل يجعل من الصعب على العمل الفردي للدول على حمل مسؤولية كالتصدي لجائحة «كورونا»، ولذلك كانت إشارة الملك سلمان المهمة لوجوب دعم العشرين الكبار جهود البحث العلمي وتسريعه للخروج من نفق «كورونا».قمة العشرين الأخيرة، بارقة أمل سياسي دولي في ليل «كورونا» البهيم وذلك كما قال مشاري الذايدي في مقاله بعنوان قمة العشرين... بارقة أمل في هذا الليل الكئيب.

إن الدرس الكبير من جائحة «كورونا» هو أن العالم مرتبط بعضه ببعض بشكل يجعل من الصعب على العمل الفردي للدول على حمل مسؤولية كالتصدي لجائحة «كورونا»، ولذلك كانت إشارة الملك سلمان المهمة لوجوب دعم العشرين الكبار جهود البحث العلمي وتسريعه للخروج من نفق «كورونا.. قمة العشرين الأخيرة، بارقة أمل سياسي دولي في ليل «كورونا» البهيم.

في نهاية هذا المقال أقول مع  د. عبدالله ال مترك (وذلك في مقاله الفخر في قمة العشرين) بأن قمة العشرين نجحت وبجدارة، وبثت الأمل في شعوب العالم، بأن تتحد دول العالم لأول مرة في تاريخها، في مواجهة هذا الوباء، فكوكب الأرض لا يحتمل اليوم مواصلة الحروب العسكرية أو الاقتصادية أو المناوشات والاضطرابات، وتصدير الإرهاب، فلا مناص من التحالف والتآخي بحسب ما أوصت به كلمة خادم الحرمين الشريفين. .. وللحديث بقية عن تداعيات كرونا في المقالات المقبلة إن شاء الله!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

 

محمد عمر غرس اللهلم يقل أحد حتى الأن أن (وباء كورونا سلاح من أسلحة الدمار الشامل) رغم أن هذا الوباء يحجز إلى اليوم أغلب البشر بين جدران البيوت، ويقتل الألف بشكل متسارع، وينتشر عبر الدول كالنار في الهشيم، والرعب والخوف يسيطر على فضاء الرأي العام، وشبه توقفت أغلب الأعمال والمواصلات العامة، والكل خائف ويترقب ساعة ولحظة إصابته حتى خُيل لكثير من الناس أن كورونا هذه ستكسر أبواب البيوت وتقتحمها.

إن لم يكن وباء كورونا - الذي نرى فعله - سلاحاً من أسلحة الدمار الشامل - فما هو سلاح الدمار الشامل إذاً؟ وكيف تم أتهام العراق بذلك وتمت محاصرته ثلاثة عشر سنة 1990 – 2003م، ومنع عنه حتى الغذاء والدواء، وتم تفتيش كل شي فيه تحت هذه الذريعة، وفي عام 2003 تم إحتلاله ونهبه والتسبب في قتل النساء والأطفال والشيوخ ونشر الدمار فيه تحت ذريعة إمتلاك وتصنيع هذا السلاح، وكيف إذا تم إتهام ليبيا بإمتلاكها أسلحة دمار شامل، فكان من حزمة التهم الموجهة لليبيا والليبيين هو العمل على إمتلاك أسلحة كيماوية، وتم نهب البلاد وتشويهها وإستهدافها وجابت فرق التفتيش البلاد تبحث عنها بعد غسقاط النظام عام 2011م.

من يجرؤ اليوم على توجيه التهمة، ولمن يمكن توجيهها، وهل يجرؤ أحداً ما على دعوة مجلس الأمن الدولي لجلسة طارئة لمناقشة وباء الكورونا كسلاح من أسلحة الدمار الشامل: من أين أتي وكيف ومتى؟ ومن هو الفاعل المسؤول ومن هي الدولة المجرمة التي يجب معاقبتها لتدفع ثمن مافعلت بالبشرية، أو على الأقل من هو الذي تهاون وسبب في تسرب هذا الفايروس المدمر والقاتل والذي إجتاح الكرة الأرضية، أم أن الفاعلين أكبر من أن يجرؤ ويستطيع أحد ما حتى مجرد الإشارة لهم، هل في هذا العالم اليوم من يطرح هذا السؤال على المجتمع الدولي.

أن ثمة أمر محير جداً ليس على النخب والمثقفين أن يتجاوزوه او يتغافلوا عنه، او أن تأخذهم الأحداث وحالة الفزع والتخويف والرهبة من مرض كورونا فلا يلتفتون لطرحه والتساؤل حوله، فهذا العالم فيه من الأسرار الكبيرة التي بقت دائما أحاجي لا يجد الرأي العام لفهمها سبيل، فاللاعبون الكبار قادرون على تخوفيه وترويعه ليس فقط بالسلاح المباشر بل بأسلحة مبتكرة لا تخطر على بال، وهؤلاء يمسكون أيضاً بخيوط ترتيب سلم أولويات الرأي العام فيحددون له القضايا  ونوعها ومعانيها وجغرافيتها وحتى طريقة التفكير فيها، فنظريات التأثير على الرأي العام والأساليب الحديثة العلمية والمنهجية الذكية تلعب بالإنسان كيفما تشأ.

قد يقول قائل أنها مجرد نظرية المؤامرة - كدأب بعض المثقفين على الشك في كل حدث وإرجاعه لمؤامرة ما - فها هو العالم كله تقريباً يكتوي بنار جائحة كورونا، بل أن مسؤلين كبار في الدول الغربية نفذت إليهم كورونا العجيبة الساحرة اللعوب فتسللت لحصونهم فوصلت لقصر بكنجهام، ومبنى رئاسة الوزراء البريطانية، وأصيبت المستشارة الألمانية ميركل، ومسؤولون أخرون كبار في العالم، وإذا ما كان الأمر كذلك، فما يقول المواطن العادي - الذي يتسوق ويعمل ويتنقل ويعيش ببساطة - إذا ما وصلت كورونا إلى الحصون المحصنة حيث يسكنها قادة الدول الذين لا يلتقون بالعامة ولا يتسوقون، ويخضعون لترتيبات رسمية في تنقلاتهم ولقائاتهم ولهم الحماية الطبية المتمكنة.

أن الأمر محير جداً وغريب عجيب، فإلى اليوم لم يأتي أحداً على وصف ما يحدث بأنه سلاح من أسلحة الدمار الشامل، فإذا ما كان ما يحدث ليس دماراً شاملاً، فما هو الدمار إذاً، أم أن في الأمر شي خفي، وهل ثمة محاولات لغسل الجريمة، بإدعاء إصابة الأولغارشيا المتحكمة في العالم فلا يجرؤ بعدها أحد على إتهام الفاعلين بأنهم وراء ما يحدث او أنه شطحة من شطحاتهم، أم هم أنفسهم ضحايا لهذا الوباء كباقي البشر، فبلدانها نفسها تعاني من توقف عجلة الإقتصاد والركود وقطاعها الصحي يكابد ظروفه لمواجهة هذه الجائحة.

أن تقدم البشرية وتسارع ما يجري من صراعات وتنافس، ينبيء عن حروب لا يشعر بها الإنسان العادي إلا في أثارها العامة فيتحير: هل ما يحدث أمر عارض أم أنه جريمة كبرى وتعبير عن تنافس كبير وخفي، فالحروب التجارية الكبرى لا يكاد يحس بها الرأي العام المتهيج الذي تسوقه التلفزيونات (السمعي بصري) إلى حيث تريد كما تساق قطعان الخرفان، فيردد ويتلقف ويبتلع كل ما تقدمه له بشراهة، وحروب السيطرة على الراي العام - لا يستطيع هذا الانسان البسيط المنفعل المنساق - فهم تفاصيلها ومجرياتها وكيف هو نفسه صار جندياً فيها يدمر حتى بلاده، وأيضا الحروب الخطيرة في إستهداف المجتمعات في غذائها وزراعتها بل وفي بذورها وخصوبتها، ومصادر مياهها، وحتى في نقاء هوائها، بل وفي مناخها - الذي تقدم البشر - حتى صاروا قادرين على شن حرب العواصف والأمطار والسيول.

إنها جائحة حطمت الفوارق بين الطبقات الإجتماعية، وحرقت المراحل، ونقلت البشرية لمستوى أخر من العولمة، بل هي حداثة التأثير والتأثر في هذا العالم المترابط والمتنوع، وربما بينت في شيء منها وحدة الإنسان اينما كان، وبينت أيضاً طبيعة العلاقات الدولية بين الدول (واضح جداً في علاقة إيطاليا بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا والصين، أثناء هذه الجائحة)، لكنها بشكل أخر مخيف بينت - ربما ولو بمجرد شكوك - أن هذا الإنسان لا يتورع عن فعل أي شي ولو بشكل غير محسوب او متوقع، أو أن هذا الإنسان في غفلة ما او في خطاء بشري ما، قد يودي بالحياة كلها حزمة واحدة، بسبب وباء الدمار الشامل.

والله من وراء القصد

 

بقلم محمد عمر غرس الله

..................

للمزيد حول هذا الموضوع طالع مقال: (كورونالوجيا ثقافية عربية)، ومقال: (أحجية وباء كورونا، من ضرب من؟)

 

عباس علي مراديعيش العالم اليوم حالة من انعدام التوازن ليس فقط بسبب فيروس كورونا والذي قد يكون أحد نتائج انعدام التوازن هذا، حيث لا يمكننا الحكم على أسبابه قبل هدوء العاصفة، إذا ما تسنى لنا ذلك، ولكن انعدام التوازن سببه الأساسي الإنحطاط السياسي والثقافي والعنصرية والتطرف والشعبوية والإستغلال…

حتى لا تبقى الأجوبة والأسئلة بسيطة أو مبسطة يطرح اليوم سؤال جوهري، هو كيف لنا أن نكسر ونتجاوز المحرّمات السياسية والمالية والدينية التي شكلت حالة انعدام التوازن؟

لقد أصبحنا وجهاً لوجه في مواجهة هذه التحديات أقله نظرياً، وأصبح الصمت مرفوضاً، وهذا ما قد  يتحول إلى الجانب العملي، وتصبح المواجهة سياسية أذا ما توفرت ظروف العمل السياسي أو تتحول الى ثورات على المظالم التي تسود العالم.

ويمكن ان نلقي نظرة على بعض  هذه التحديات

أولاً- سياسياً، هل الديمقراطية هي أفضل نظم الحكم؟     

ثانياً- مالياً، هل الليبرالية هي أفضل النظم الإقتصادية؟

ثالثاً- دينياً، هل فقدت المنظومة الدينية مصداقيتها؟

قد يقول قائل إن الديمقراطية هي أساس الحكم العادل، حيث المساءلة والرقابة وحرية التعبير وحقوق الإنسان الخ. لكن التمعّن والتدقيق في سير العملية الديمقراطية تجعل المرء يدرك أن تلك الديمقراطية أفرغت من مضمونها لصالح العمليات الإنتخابية، والتي تحوّلت إلى سيرك بهلواني يتحكم بمساره المال والإعلام، الذي يتركّز في أيدي النسبة القليلة من بلدان العالم وفي داخل الدولة الوطنية. حتى في أعتى الديمقراطيات لم يعد هناك حرية تعبير رغم توافر المعلومة وسرعة وصولها، إلا أن إغراق الناس بالكم الهائل من المعلومات، المضلِلة منها  او الصادقة يقود إلى فقدان البوصلة والضياع في بحر من الأكاذيب أو الحقائق الأدواتية المكرّسة لأجل الوصول إلى السلطة، واستمرارعملية الخداع والتحكم والقمع المستتر والعلنيّ إذا ما اقتضت الضرورة والأدلة أكثر من أن تعّد أو تحصى.

مالياً، وإقتصادياً، يبلغ الناتج القومي العالمي الفعلي ما يقارب 90 تريليون دولار. ولكن حجم البورصة العالمية يبلغ 300 تريليون دولار.هذا الفرق الشاسع بين الإقتصاد الفعليّ، والإقتصاد الوهمي الإفتراضي، جعل العالم بؤرة أزمات مالية وإقتصادية كانت تظهر كل عشرين إلى ثلاثين عاماً، ولكن بفضل التطور التكنولوجي وسرعة الإتصالات تقلّصت هذه المدة الزمنية لتتكرر كل 10 أعوام إن لم يكن أقل.

 فهذا النظام الذي تحكمه ضوابط الجشع والطمع والإحتقار، أوجد هوّة كبيرة بين الفقراء والأغنياء، لدرجة إختفاء الطبقات الوسطى التي تعتبر بيضة القبّان وصمام الأمان في النظام الإجتماعي، فازداد الفقراء فقراً وازداد الأغنياء غنى، وانهارت دول، وتفشّت الأمراض، واختفت القيم بفعل هذا النظام الذي كرّس اقوياءه كل ما يملكون من جبروت مالي، إعلامي، إقتصادي وعسكري لإحكام قبضتهم على العالم كما تقدم في الشق السياسي الذي سبق الحديث عنه، وأصبحت الخصخصة إحدى أهم أساليب النهب المنظم لثروات الشعوب، حيث سيطرت شركات عابرة للقارات والأوطان على مقدرات وثروات الشعوب، وفرضت نمط الإستهلاك في أكبر عملية ربط إقتصادي عرفتها البشرية، أدّت إلى انعدام تكافؤ الفرص الوظيفية والمعيشية والخدماتية بكل أشكالها الصحية والتعليمية والإقتصادية.

ولا يخفى الدور الذي مارسته وما زالت مؤسسات العولمة الإقتصادية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، التي مارست سلطتها المكرّسة لقهر الدول الفقيرة وإحكام السيطرة على أنظمتها السياسية والإقتصادية خدمة للدول الغنية وتكريس أستغلالها ضد أرادة الشعوب، اليونان والأرجنتين خير مثال.

أما من الناحية الدينية، كان الدين ولا يزال شئنا ام أبينا  يلعب دوراً مهماً ومحورياً في حياة الشعوب سلباً اوإيجاباً، والشواهد التاريخية أو المعاشة أكثر من ان تَعد وتُحصي الحروب الدينية في العصور القديمة، او العصر الحديث والذي سنركّز عليه لانه شكّل ولا يزال الحدث في أكثر من منطقة من العالم.

منذ أواسط القرن العشرين، كان الدين العنصر الأساسي في الصراعات السياسية، منها الحرب في ايرلندا بين الكاثوليك والبروتستانت، الحرب في سيريلانكا، الحرب في قبرص، إستقلال باكستان ذات الأكثرية المسلمة عن الهند، الحرب في أفغانستان، والتي تحالفت فيها الولايات المتحدة الأميركية مع القاعدة لقلب النظام الموالي للإتحاد السوفياتي السابق، قبل أن يحصل الطلاق بين الجانبين وينقلبان على تحالفهم ويدخلان في مواجهة على أسس دينية، وهذا ما أكدته تصريحات كل من الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش وأسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة عندما قال الأول بأهل "الخير وأهل الشر" وقال الثاني "بأهل الكفر وأهل ألإيمان". ولا يمكن أن ننسى فلسطين حيث استعملت الصهيونية البعد الديني (أرض الميعاد) لإحتلالها فلسطين والتي تريد تكريسها دولة يهودية، حروب الإبادة في رواندا والصحوة الدينية التي أدت الى قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.

أما في القرن الحالي، فالحرب في بورما وطرد المسلمين بعد تنفيذ عمليات تطهير عرقي، وصولاً لظهور داعش (بغض النظر عن من شكّلها وموّلها وقوّى شوكتها واستثمر فيها) فقد عمدت الى تكفير وهدر دم كل من يعاديها على أسس دينية أو مذهبية. وما يحصل في الهند حالياً من التضييق على أسس دينية من قبل الهندوس التي تلقى رعاية الحزب الحاكم على الأقلية المسلمة.

أما في الغرب أو الدول الديمقراطية فقد أعلن الرئيس الأميركي وعلى أساس ديني حذر دخول مواطني بعض الدول الإسلامية الى الولايات المتحدة، ولم تشذ اوروبا عن القاعدة حيث أصبحت ظاهرة الإسلاموفوبيا شعاراً لقوى اليمين العنصري في دول الإتحاد الأوروبي.

إذن، كيف ولماذا انحرفت الأديان عن الرسالة الإنسانية؟!

بالطبع، لم يأتِ هذا الإنحراف من فراغ، بل نتيجة استثمار طويل الأجل من قبل القوى التي تملك المال والسلطة والإستخبارات والإعلام، التي لم تألُ جهداً من أجل استغلال الدين، وبتواطؤ من مؤسسات دينية لنشر الفوضى والنزاعات وتأليب اتباع الأديان والمذاهب على بعضها البعض، للحفاظ واستمرار سيطرتها  على مقدرات وثروات الشعوب والدول التي دمرتها الخلافات الدينية، وخير دليل على ذلك العراق بعد الإحتلال الأميركي الذي زرع وغذّى الفتنة المذهبية التى ما زالت نيرانها تحت الرماد، هذا بالإضافة الى تهجير الأقليات المسيحية.

وهنا، لم يكن خافياً دور الإعلام  التضليلي في تشويه الحقائق، لا بل خلق الأكاذيب بعيداً عن أخلاق المهنة المفترضة، حيث ظهر جلياً التواطؤ الواضح والجلي بين سلطتي المال والإعلام، والأخطر  من ذلك ان الأدوات التي خلقها الغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركية بالتعاون مع بعض الأنظمة الذين ذهبوا بعيداً في خدمة المشروع الأميركي، رافعين راية الدين للتغطية على مشاريع لا بعد ديني لها على الإطلاق، والبعد الإقتصادي فيها ظاهر للعيان (النفط والغاز وطرق الإمداد وخطوط الأنابيب) وما حصل في الحرب على سوريا خير دليل على ذلك، وهذا ما اعتراف به وزير خارجية قطر حمد بن جاسم حين تحدث عن التهاوش على الطريدة (أي سوريا)، والمعروف ان قطر ودول الخليج كانت تموّل داعش وتمدها بالمال والرجال والسلاح والخدمات اللوجستية وغيرها.

من هنا الى أين؟!

رغم كل الضجيج الذي يرافق أزمة فيروس كورورنا، والحديث عن أن عالم ما بعد كورونا سيختلف عن عالم ما قبل كورونا، فهذا كله نوع من الكليشه لأن العالم عالم الغموض سيستمر رغم كل شيء، فقبل سنوات كانت ثورة المعلومات والإتصالات عنوان التغيير، ولكن ماذا كانت النتيجة، فالأدوات كالإنترنت وغيرها من وسائل التواصل الإجتماعي كانت وما زالت تحت سيطرة القوى التي كانت تسيطر على وسائل الإعلام التقليدية من صحافة وراديو وتلفزيون وكتب، ومن أجل الحفاظ على هذا الإمتياز والاستئثار نرى كيف تعمل الولايات المتحدة لمنع مؤسسة الإتصالات الصينية هواوي من المشاركة في بناء الجيل الخامس من الهواتف المحمولة.

أخيراً، وبالمختصر إنها الخيانة، خيانة القيم والمبادىء الإنسانية لخدمة أباطرة وقوى المال والإقتصاد والإعلام والدين. هذه القوى المتآمرة التي لا يرفّ لها جفن على الإنسانية المصلوبة على صليب المصالح أولا واخيراً.

 

عباس علي مراد

 

محمود محمد عليانتشرت في الأيام الماضية حالة من الهلع أصابت العالم جراء تفشى فيروس «كورونا»، والذى انطلق من إقليم "ووهان" الصيني، لينتقل منه ليس فقط إلى باقي الأقاليم الصينية، وإنما متجاوزاً الحدود إلى العديد من المناطق الأخرى حول العالم، حيث إنه لم يقتصر فى نطاقه مجرد المحيط الإقليمي لبكين، فى القارة الآسيوية، وإنما امتد إلى أوروبا والشرق الأوسط، وحتى الولايات المتحدة، ليصبح الفيروس بمثابة بالونة اختبار للحكومة الصينية، حول مدى قدرتها على التعامل مع الأزمة، فى إطار الخطوات التى تتخذها استعدادا لاحتلال صدارة المشهد الدولي، ومزاحمة الولايات المتحدة ؛ خاصة فى الوقت الذى تتجاهل فيه الولايات المتحدة القيام بدورها كقوى دولية مهيمنة على النظام الدولى، فى حماية العالم من المخاطر، تبدو قوى جديدة قادرة ولديها الاستعداد التام للقيام بهذا الدور لتقدم نفسها كقوى مؤثرة، وذلك بالتزامن مع انطلاق العالم نحو حقبة جديدة.

بيد أن تداعيات الفيروس القاتل ربما لا تقتصر فى أبعادها على الجانب الصحي، وحالة الهلع المترتبة عليه، وإنما تمتد في أبعادها إلى ما يمكننا تسميته بـ«خريطة النظام الدولي الجديد»، فى ظل صعود العديد من القوى الجديد، وسعيها نحو تدشين عالم جديد متعدد الأقطاب، بعدما نجحت الولايات المتحدة فى الهيمنة كقوى وحيدة، في إطار نظام أحادي القطب، منذ نهاية الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفيتي فى التسعينات من القرن الماضي.

وقد حذّرت مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية في عددها الصادر خلال الأسبوع الماضي من قدرة فيروس كورونا على إعادة تشكيل النظام العالمي، منبهةً من أنّ الصين تناور لتقود العالم في حين تفشل الولايات المتحدة الأمريكية في التعاطي مع الوباء.. في تقريرها، قارنت المجلة بين استجابة الولايات المتحدة الأمريكية والصين للوباء، معتبرةً أنّ المؤسسات الحكومية الأساسية، انطلاقاً من البيت الأبيض ومروراً بوزارة الأمن الداخلي ووصولاً إلى مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها قوّضت الثقة بقدرة وكفاءة الحوكمة الأمريكية.

واستشهدت المجلة بتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتغريداته، مشيرةً إلى أنّها أثارت الشكوك في النفوس وأدت إلى حالة من الارتياب إلى حدّ كبير. وتابعت المجلة بالقول إنّ القطاعيْن العام والخاص أثبتا أنّهما غير مستعديْن لإنتاج الأدوات اللازمة للفحص والاستجابة وتوزيعها، مضيفةً: "وعلى المستوى العالمي، عزز الوباء نزعات ترامب إلى العمل بمفرده وكشف عن مدى انعدام استعداد واشنطن لقيادة استجابة العالم (للوباء).

وأوضحت المجلة أنّ وضعية الولايات المتحدة بصفتها قائدة للعالم على مدى العقود السبعة الماضية استندت إلى الثروة والنفوذ والشرعية المنبثقة من إدارة الولايات المتحدة للملفات الداخلية وتوفير المنافع العامة العالمية (السلع التي يحتاج العالم إليها) والقدرة والاستعداد لحشد وتنسيق الاستجابة العالمية للأزمات. وأضافت المجلة: "وباء فيروس كورونا يختبر عناصر القيادة الأمريكية الثلاثة. وما زالت واشنطن تفشل في الاختبار حتى اللحظة".

في المقابل، بيّنت المجلة أنّ الصين تتحرك بسرعة وبراعة لاستغلال الفجوات التي خلّفتها الأخطاء الأمريكية، لافتةً إلى أنّها تعمل على ملء الفراغ لتتموضع كقائدة للعالم على مستوى الاستجابة للوباء. وأوضحت المجلة أنّ الصين تروّج لنظامها الخاص وتوفّر مساعدة مادية لبلدان أخرى، بل بلغت حدّ تنظيم عمل حكومات أخرى. وتابعت المجلة: "تدرك بكين أنّه إذا نُظر إليها على أنّها قائدة (للعالم)، وإذا نُظر إلى واشنطن عل أنّها عاجزة أو غير راغبة في لعب هذا الدور، فيمكن لهذا التصوّر أن يغيّر بشكل أساسي موقع الولايات المتحدة في المشهد السياسي العالمي من جهة، والسباق على القيادة (قيادة العالم) في القرن الحادي والعشرين من جهة ثانية".

هذا هو باختصار التقرير الذي وضعته مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية عن "دور كورونا في إعادة تشكيل النظام العالمي.. هكذا تستغل الصين الفشل الأميركي"،  والذي قد ترجمته للعربية الأستاذة فاطمة معطي ؛ والسؤال الآن أليس من المبكر الحديث عن بدء انهيار نظام دولي بعد استفحال وباء كورونا في الغرب أكثر من الشرق..  لماذا تحاول مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية تصوير الأمر كما لو أنه نهاية القيادة الأمريكية والغربية للعالم لمجرد أن الغرب يقف عاجزا عن مواجهة الوباء... أما زالت أمريكا تمتلك كل زمام القيادة في العالم مقارنة بالصين وحلفاءها... ألا يكفي أن الدولار عصب الاقتصاد العالمي ما زال في يد أمريكا.. ألا تمسك واشنطن بخناق البشرية جمعاء من خلال شبكة الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.. هل تريد الصين أصلا منافسة أمريكا علي قيادة النظام الدولي.. ألا يعتمد الاقتصاد الصيني نفسه علي الاقتصاد الأمريكي وتوابعه.. لكن في المقابل ألم تظهر الصين الآن في خضم جائحة الكورونا الدولية علي أنها نجحت حيث فشل الغرب.. ألم تفشل أمريكا وأوربا في تأمين المعدات الطبية لمواطنيهما لمواجهة الوباء.. ألا يمكن أن توديا أزمة كورونا بأمريكا كما أودت أزمة السويد ببريطانيا.. ألا يترنح الاقتصاد الأمريكي أمام الصعود الصيني الرهيب حتي قبل كورونا.. أليس متوقعا أن تتربع الصين علي عرش الاقتصاد العالمي خلال سنوات.. ألم تأتي أزمة كورونا لتضع العالم علي مفترق طرق تاريخي وتجعل من الصين محط أنظار الشرق والغرب.. أسئلة تقلق العالم وتقلق المفكرين والباحثين .

انني اعتقد أنه ليس مبكرا ، فكما نعلم أنه منذ اعتلاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عرش البيت الأبيض، فى 2017، على خلفية اختلال التوازن التجاري بين البلدين، وهو ما عرف بالنزاع التجاري ، والذي تعود أسبابه الحقيقية منذ أكثر من 30 عاما عندما بدأت الصين فى ثورة صناعية واقتصادية كبرى جعلتها تصبح إحدى القوى العظمى المحركة للاقتصاد العالمى وكانت السبب الرئيسى فى ارتفاع أسعار السلع والخامات الرئيسية فى مطلع هذا القرن؛ حيث شكّلت زيادة الطلب الصينى عامل ضغط قوياً رفع أسعار أغلب السلع الرئيسية لمستويات لم يرها العالم منذ عقود وفى بعض الأحيان تسببت فى رفع أسعار بعض السلع لأعلى أسعارها فى التاريخ، مثال على ذلك البترول الذى ارتفع ذات يوم إلى مستوى الـ ١٥٠ دولاراً، وهو أعلى سعر لبرميل النفط منذ اكتشافه، تنبهت الولايات المتحدة لهذا التهديد المقبل من الشرق وقررت أن اللحظة حانت للمواجهة، التي تهدف لتعطيل التطور الصيني المقبل بسرعة صاروخية فبدأت ما يسمى بالحرب التجارية والتي تهدف إلى : تقليل فارق الميزان التجاري الذى يميل بشدة لصالح الصين، عبر زيادة صادرات الولايات المتحدة للصين وتقليل وارداتها منها، والقضاء أو التقليل من جرائم سرقة الملكية الفكرية والجاسوسية الصناعية، والتى ترى أمريكا أنها السبب الرئيس فى التقدم الصيني الذى يسرق، ثم يبدأ البناء من حيث، انتهى الأمريكان مع قدرات صناعية قوية ورخيصة، وإعادة الصدارة لأمريكا فى سباق الاتصالات؛ حيث أصبحت الصين عن طريق شركة هواوى رائدة لتكنولوجيا «٥ج» والتى سينتج عنها قفزة تكنولوجية عالمية قد تكون الأكبر تأثيرا منذ اختراع الإنترنت، ووقف الدعم الحكومي للشركات الصينية الكبرى المدعومة من الدولة بطريق رسمي وغير رسمي وذلك كما قال محمد الهوارى في مقاله بعنوان "الحرب التجارية والتمهيد للنظام العالمي الجديد".

وبعيداً عن هذه المواجهة المباشرة تتعقد الصورة أكثر بعدد من المواجهات غير المباشرة فى آسيا والعالم كما يقول محمد الهواري في مقاله السابق ، حيث إنه من ناحية تبدو الصين أنها تستعمل كوريا الشمالية كأداة لتهديد السلام العالمي وخاصة جارتها الجنوبية الحليفة الكبرى للولايات المتحدة. فى نفس الوقت تضغط أمريكا على الصين فى هونج كونج عن طريق دعم الثورة هناك بالتعاون مع حلفائها الإنجليز وهى مواجهة فى الفناء الخلفي للصين. أيضا انتهزت الصين فرصة صدام ترامب مع الأوروبيين وتحاول ملئ الفراغ الذى قد يسببه غياب أو تقليل حجم التبادل المالي والتجاري بين الحليفين التقليديين. وأخيرا اضطرت الولايات المتحدة أخيرا لعمل تغيير كامل فى سياسة التعاون الخارجى والمعونات الخاصة بها والمطبقة منذ عقود لمواجهة مطامع الصين التوسعية المتمثلة فى مشروع أو مبادرة الحزام والطريق Belt and Road والتي وصلت حتى لإيطاليا وتبدو وكأنها تشق طريق نفوذ صينى يحوط العالم وخاصة قارة إفريقيا التي هى فى أمس الحاجة للمعونات والتمويل.

وبدون الدخول فى تفاصيل المواجهات التي يطول الكلام فيها وشرحها، ما يهمنا هنا التقريرالصادر  عن البنك الدولي وصندوق النقد والمؤسسات الأمريكية ومراكز الأبحاث، والذي كشفت عنه مؤسسة بلومبيرغ عن الصناعة ولحركة التجارة الكونية والصراع علي الأسوق العالمية وعلي حركة التجارة،  حيث تؤكد علي أن الصين متجه إلي إنزال أمريكي عن عرش الكون اقتصاديا،  وحين تُنزل الصين أمريكا عن عرش الكون اقتصاديا ، فإن هذا يعني أن مركز الاقتصاد انتقل من الغرب إلي الشرق ، مع ما يترتب علي هذا الانتقال من انتقال للفعل السياسي والدور القيادي والريادي التي تقوم به الصين.. يكفي أن أعطيك بعض النماذج وبعض الأمثلة... حاليا هناك مشروع بالصين تحت عنوان هذا المشروع " صنع في الصين في 2024 و 2025 وفق المعطيات التي بين أيدينا ووفق الأرقام التي تكلمت عنه بلومبيرغ  الصين ستكون حصتها من الناتج العالمي من الاقتصاد العالمي في سنة 2024 فإن الصين ستكون في حدود 32 % بعد كورونا متوقع أن تنزل نسبة مساهمتها إلي 28.3%.. الولايات المتحدة الأمريكية كانت حصتها من النمو الاقتصادي العالمي 13 %.. ستنزل حصتها إلي 9.2% خلال عام 2024.. في حين سترتفع حصة الهند إلي 15 % كي تصبح الهند هي الدولة الثانية بعد الصين في المساهمة في نمو الناتج القومي العالمي.. إذا أخذنا هذه المعطيات يتأكد لنا أنه فعلا الصين هي التي تتقدم علي أمريكا وأمريكا بدأت في التراجع عن عرش الكون اقتصاديا.. وهناك أيضا مؤشرات تكلم عنها صندوق النقد والبنك الدولي تؤكد علي أن الصين في عام 2030 ستكون الناتج القومي للصين في 2030 64.9 تريليون دولار وسيكون الناتج.. وقد تم عمل مقارنة ما بين الناتج القومي عام 2017 و 2030.. في 2017 كان الناتج القومي الصين في حدود 15 تريليون دولار سيصبح في 2030 64.4 تريليون دولار.. الهند كانت 9 تريليون دولار في عام 2017 سيصبح الناتج القومي للهند 46.6 تريليون.. الولايات المتحدة الأمريكية كان الناتج لقومي 22 تريليون دولار سيصبح الناتج القومي في 2030 حوالي 31 تريليون دولار أي أن الصين أكثر من ضعفي الناتج القومي الأمريكي ، هذا إذا أخذنا أيضا نسبة النمو.. نسبة النمو في أمريكا لا تتجاوز 1.2% بينما نسبة النمو في الصين في أسوأ حالاته كما هي الآن هي 5.6%.. إذا قسنا نسبة النمو بالنسبة للحركة التجارية ، فإن هذا أن الصين سابقة أمريكا والهوة ما بين الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد الصيني تكبر يوما بعد يوم هذا إذا ما أخذنا نسبة العجز بالنسبة للميزان التجاري الأمريكي سيكون هناك فائض عند الصين.. ودعونا ننتظر ما تسفر عنه الأيام المقبلة حيث يكون للحديث بقية إن شاء الله.. وللحديث بقية عن تداعيات كرونا في المقالات المقبلة إن شاء الله!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

  

للمؤرخ: Mark Curtis*

ترجمة: عزام محمد مكي

من ظهر الكتاب

(بريطانيا متواطئة في موت عشرة ملايين من البشر. هؤلاء ليسوا بشرا- ويُنظر لهؤلاء الذين على قيد الحياة بكونهم غير ضروريين، في السعي لتحقيق الاهداف الاقتصادية والسياسية لبريطانيا)

تاريخ بريطانيا حافل في حالات التواطئ مع الاعتداءات وانتهاكات حقوق الانسان في العراق. وبالتأكيد فأن الكثير مما نشاهده الآن في هذا البلد ترجع جذوره الى الاحداث المروعة التي حصلت في ستينات القرن الماضي. ان الملفات السرية سابقا للأدارة البريطانية تخبر عن إن الدعم الذي قدمته هذه الادارة لعمليات الاضطهاد والقتل الذي قامت به الانظمة المتعاقبة في بغداد، كانت سابقة بوقت طويل لوصول صدام للسلطة. إن هذه الملفات السرية تكشف مستوى مذهل من التواطئ مع عمليات الاضطهاد ضد الكرد ومن ضمنها استخدام الاسلحه الكيمياوية - هذه السياسات التي تمثل الجذور لما قدمه الدعم الغربي لاحقا الى صدام. في الوقت الراهن فان لندن و واشنطن مصممة على ضمان بقاء نظام موالي لهما في بغداد. انهم يسلكون سياسات لها سوابق تاريخية وخلفية لاتبشر بخير لمستقبل العراق.

سقوط الملكية

في ثورة 14 تموز1958 تم اسقاط النظام الملكي، للملك فيصل ورئيس الوزراء نوري السعيد، المدعوم من بريطانيا. ونتجت عن هذه الثورة جمهورية بقيادة الجنرال عبد الكريم قاسم. وعلى اثرها تم قتل العائله المالكة ونوري السعيد ومن ثم تم طرد السفاره البريطانية التي عُرفت منذ وقت طويل بدعمها ووقوفها خلف العرش، وفقدان حياة احد البريطانيين.

وفي التقرير السنوي للسفارة البريطانية في بغداد تم وصف ماحدث كونه " ثورة شعبية" كنتيجة "لمعاناة الكبت لمشاعر الحقد والخوف، التي غذتها المشاعر الوطنية المتحدية، والروح العدائية للحكومة الاوتقراطية، والاستياء ضد الهيمنة الغربية والاشمئزاز من وضعية الفقر التي لم يتم التخفيف منها." [1]

إن النظام الذي دعمته الإدارة البريطانية كان واحدا من أسوأ الانظمة في تاريخ الشرق الاوسط، رغم ان بريطانيا كانت على علم بطبيعة هذا النظام القمعي. ففي تقرير لوزارة الخارجية البريطانيا تم التأكيد على ان "الثروة بقيت متمركزه بايدي حفنة قليلة من اصحاب الاراضي الاغنياء وشيوخ القبائل الذين تمركزوا حول البلاط".[2]

في رسالة السفير البريطاني في بغداد (السير)Michael Wright، ارسلها 3 اشهر قبل الثورة الى وزير الخارجية البريطاني Selwyn Lloyd يخبره فيها بان الوضع الدستوري في العراق مماثل بشكل كبير بما كان عليه الوضع في المملكة المتحدة ايام ارتقاء جورج الثالث العرش، "حيث ان السلطة السياسية بيد البلاط، فالملك هو من يعين او يقيل رئيس الوزراء بينما لاتستطيع المعارضة ان تعقد لقاء علني او ان تعبر عن معارضتها للنظام في الصحافة". وتحدث السفير البريطاني كذلك عن "المساعدة الكبيرة التي قدمتها الحكومة البريطانية، في السنة السابقة للثورة، لزيادة كفائة الاجهزة الأمنية من خلال تقديم التدريب وتجهيز المعدات اللازمة"، وكانت الوضعية واحدة من " عملية متكاملة من الأضطهاد السياسي". وقد لخص السفير البريطاني كذلك معارضته للديمقراطية من خلال قوله" أي تهاون في السيطرة الحالية على حرية التعبير مترافقة مع الحرية التامة للأنتخابات" قد "ينتج عنها فوضى واحتمالية الثورة"؛ ولم ترتق مقترحاته الى اكثر من السماح بتكوين احزاب سياسيه.[3]

وفي ضربة واحدة، استطاعت الثورة الشعبية والوطنية أن تزيل النظام الموالي لبريطانيا والركيزة المهمة لسياسة الامبريالية البريطانية في الشرق الاوسط. والأسوأ من ذلك إقرار الأدارة البريطانية "بالشعبية الكبيرة"[4] التي تمتعت بها شخصية قاسم. مع ان قاسم كان يحكم بطريقة اوتوقراطية وكانت شرطته وحشية في قمعها، ولكن مقارنة بالنظام السابق (نوري السعيد) فإن قاسم يُعتبر لطيف نسبيا. مع ان الإدارة البريطانية قد تحملت قاسم في الايام الاولى لحكمه، لكنه سرعان ما إنظم الى صفوف ’سوكارنو’ في اندونسيا و(Jagan) في غيانا البريطانية و’ناصر’ في مصر كوطنيين شعبيين معاديين للمصالح البريطانية في العالم.

إن التهديدات التي كان يشكلها قاسم، قد تم تلخيصها بكفائة من قبل احد الأعضاء البريطانيين في شركة نفط العراق، التي كانت تسيطر على نفط العراق، في مذكرة قدمها الى وزارة الخارجية اشهر قبل الاطاحه بقاسم. وقد كتب في ملخصه بإن قاسم:

كان يسعى لإن يكون للعراق استقلال سياسي مُعترف به وإن يكون موحداً وله كرامة بتعاون اخوي مع بقية العرب وان يمارس الحياد بين القوى السياسة الكبرى في العالم. وكان يسعى ايضا الى زيادة وتوزيع الثروة الوطنية جزئيا بناء على المبادئ الوطنية والاشتراكية، ونبع هذا من تعاطفه مع الفقراء، على الرفاهية الاقتصادية والعدالة، فانه كان يتمنى ويسعى الى مجتمع جديد ديمقراطي وكذلك كان يريد ان يكون هذا العراق القوي والديمقراطي قوة لتحرير وتطوير بقية الدول العربيه وبلدان اسيا وافريقيا وبالتالي المساعدة في تحطيم الامبرياليه، والذي قصد بها التدخل البريطاني في شؤون الدول الضعيفة التطور.[5]

 لقد كانت سياسات قاسم حول البترول هي الموضوع الرئيس لكمية هائلة من المراسلات التي تضمنتها الملفات التي رُفعت عنها السرية، و كانت هذه السياسات هي السبب وراء سعي الادارة البريطانية في إزاحة قاسم من السلطة. إن الخلفية لهذا السعي تكمن في اعلان قاسم في عام 1961 عن سعي الحكومة لإن تستحصل اكثر من 50% من الارباح التي تأتي من ارباح تصدير البترول، وابدى كذلك رفضه تثبيت اسعار البترول من قبل الشركات البريطانية. وفي قانون صدر في كانون اول، ادعى بأنه سيحرم شركة نفط العراق من 99.5% من امتيازاتها، وشملت الاراضي المصادره حقول مُثبت بانها غنية بالنفط. في 1962 تم اصدار مسودة قانون لايجاد شركة النفط العراقيه ولكنه لم يجد طريقه للتنفيذ قبل الانقلاب في شباط 1963 الذي اطاح بقاسم من الحكم.

ومن اهتمامات بريطانيا الكبرى كانت في مطالبة العراق بالكويت في عام 1961، الذي استدعى انزال القوات البريطانيه في الكويت، للدفاع عنها ضد هجوم وشيك مفترض من العراق.

لقد كشفت الملفات التي تم رفع السريه عنها بان واضعي الخطط في بريطانيا قد قاموا بتلفيق التهديد العراقيمن اجل تبرير التدخل البريطاني لتامين اعتماد قادة الدوله الغنيه بالبترول على" الحمايه البريطانيه كما تم شرحها في كتاب (شبكة الخداع)". [6]

مجازر 1963

في 8 شباط 1963 تم اسقاط نظام قاسم واغتيال قائده، في انقلاب بقيادة الجنرال عبد السلام عارف ورئيس الوزراء الجنرال احمد حسن البكر العضو في حزب البعث، الذي استطاع تأمين وصول الحزب للسلطة لأول مرة. لقد كان الانقلاب نتيجة دعم وتنظيم مهمين من قبل المخابرات المركزية الامريكية (CIA)، حيث كان الموجه الحقيقي هو (William Lakeland) والذي كان يشغل ملحق في السفارة الامريكية في بغداد.

لقد قامت الولايات المتحدة الامريكيه بشكل نشط بالتآمر لأغتيال قاسم، فقد قامت ’لجنه التاثير الصحي’(Health (Alteration Committee التابعه لوكالة المخابرات المركزيه الامريكيه (كما كان يطلق عليها)، في احدى المرات بارسال منديل يد مزين بالحروف ومسمم، ولكنها فشلت بالتأثير او في الوصول للضحيه.

استنادا الى المؤلف سعيد ابو الريش، لقد احدثت الولايات المتحدة الامريكية سبقا في تطبيق خطة تفصيلية لاستأصال الحزب الشيوعي العراقي، كقوة في السياسة العراقية، والذي كان يعني القضاء جسديا على اعضائه. لقد قامت المخابرات الامريكية بتزويد قادة الانقلاب بقائمه بأسماء تقدر ب 500 اسم من الذين تم اعتقالهم وقتلهم. لقد تضمنت هذه الاسماء ضباط جيش كبار بلإضافة الى محامين، اساتذة جامعه، مدرسين واطباء. ومن ضمن الضحايا نساء حوامل وكبار سن، معظمهم تم تعذيبهم امام اطفالهم. لقد تمت معظم التصفيات على شكل انفرادي من خلال تفتيش بيت بيت من قبل فصائل قتل يعرفون مسبقا اماكن تواجد ضحاياهم. وقد قاموا بتنفيذ الاعدام موقعيا.

"لقد مثل الانقلاب انتصار كبير لجانبنا، هذا ما قاله روبرت كومر (Robert Komer)، احد اعضاء مجلس الامن القومي، للرئيس كندي مباشرة بعد حدوث الانقلاب".[7]

لقد كانت لصدام حسين، الذي كان في وقتها عضوا بسيطا في الحزب، مشاركة نشطة في هذا الانقلاب.

استطاع صدام، اثناء ما كان مُبعدا في القاهرة، مع متآمرين آخرين ومنذ 1961 ان يستفاد من ايجاد صلات مع وكالة المخابرات المركزية الامريكية تم تنظيمها من خلال القسم العراقي في المخابرات المصرية. اثناء الانقلاب اسرع صدام بالرجوع من القاهرة وشارك شخصيا في تعذيب اليساريين في المجازر التي التي حصلت. [8]

وقبل هذا بوقت طويل وبريطانيا ايضا راغبة برؤية سقوط قاسم. لقد احتوت الملفات التي رُفعت عنها السرية الكثير من الملاحاظات التي تشير الى الرغبة البريطانية بالمشاركة في اطاحته، مع وجود عدد من الملفات السرية التي تعود الى هذه الفترة لم يتم رفع السرية عنها. ممكن ان بريطانيا كانت تعرف بالانقلاب، ولكن لايوجد دليل مباشر بان بريطانيا كانت على اتصال بالمتآمرين. فقبل 5 أشهر من إنقلاب شباط، اشار موظف في وزارة الخارجية البريطانية الى رؤية للسفير البريطاني " بانه سيكون من الافضل سقوط قاسم عاجلا عن سقوطه آجلا، وعلى هذا فالواجب علينا ان لا نكون انتقائيين فيما يوجب اتخاذه للمساعدة نحو هذه النهاية". وتوجد معلومات إضافية بان السفير البريطاني(Roger Allen) كان يدعم " تقديم سياسة معادية لقاسم". وملاحظة أخرى من (Allen)، قدمها قبل 5 اسايع من الانقلاب تشير الى انقلاب ضد قاسم، تنص على " لقد تم التأكيد لنا بأن الانقلاب تم الاعداد له بشكل تفصيلي، وتم تشخيص الاشخاص الذين تم اعدادهم لشغل مواقع مهمة، بشكل دقيق. ولكن هذه الملاحظة لم تقترح ان يكون الجنرال عارف، الذي في النهاية قاد الانقلاب، سيكون الشخصية الرئيسية. وقد لاحظ (Allen) كذلك الاهمية الكبرى لموظفيه في بغداد أن لا (يظهروا اهتماما او مشاركة في التآمر، وقد اكدت لبعض الموظفين ومن ظمنهم الملحق الجوي قبل فترة وجيزهة بوجوب توخي الحذر في العمل".[9]

وقبل 11 يوم من الانقلاب أخبر القائم بالاعمال الامريكي في بغداد السفير البريطاني (Allen) بأنه " حان الوقت لبناء مصداقيه في التعامل مع معارضي قاسم، إنتظارا لليوم الذي سيحدث فيه تغير في الحكومة هنا". بناء عليه استنتج السفير (Allen) بأنه "لأول مرة في وجودي هنا، صار عندي شعور بان النهاية قد تكون محتملة القدوم في المستقبل المنظور". لقد كان هذا بمثابة معلومة سرية، على الاقل من الولايات المتحدة الامريكية، التي كانت مشاركة بشكل قريب مع المتآمرين وبالتأكيد، فبعد يوم من الانقلاب، في 9 شباط، أرسل (Roger Allen)، برقية الى وزارة الخارجية بأن وزير الدفاع الجديد "قد كان متوقعا ان يكون قائد القوة الجوية في حالة حدوث الانقلاب"- مما يؤشر على وجود معلومات مسبقة.[10]

والشئ الذي لانزاع فيه هو كون المسؤوليين البريطانيين في بغداد ولندن كانوا على علم بالمجازر القادمة ورحبوا بالنظام الجديد الذي سيقترفها. لقد كان واضحا في الملفات قيام (Roger Allen) وعدد من موظفي السفارة بمتابعة تقارير الاذاعة العراقية في اليومين الاولين من الانقلاب. الرسائل التي كان يطلقها النظام الجديد تدعوا الناس "للمساعدة في تصفية جميع الذين لهم علاقة بالشيوعيين وإنهائهم". لقد استحثوا الناس "للقضاءعلى المجرمين" و "لقتلهم جميعا، اقتلوا جميع المجرمين" وكل هذه البيانات كانت تُكرر مرات عديدة في اليوم الواحد. وقد قام (Allen) بأخبار وزارة الخارجية بتاريخ 11 شباط بان "الإذاعة كانت تحض الناس على ملاحقة واصطياد الشيوعيين. مثل هذا القتل الذي اخذ مجراه، قد تمت ادارته ليأخذ مداه ويشمل المتعاطفين مع الشيوعية". وقد قام بارسال هذه البيانات الى وزارة الخارجية في 15 شباط.[11]

وفي مراسلة للملحق العسكري البريطاني في السفارة في بغداد مؤرخة في 19 شباط بين بأنه في 9 شباط كان هنالك "اطلاق نار في انحاء المدينة" و "مطاردة للشيوعيين" مضيفا: (لكون السفارة تقع في منطقة تُعتبر معقلا للشيوعيين، كنا نسمع اطلاق نار من اسلحة خفيفة بشكل مستمر خلال معظم اليوم كله". في 10 شباط قامت السفارة باخبار وزارة الخارجية حول "مطاردة الشيوعيين"، كذلك عن "اطلاق نار متفرق في مختلف المناطق في المدينة". وفي نفس اليوم، بينت وزارة الخارجية عن وجود " اجراءات قوية ضد الشيوعيين".[12]

في 11 شباط سجلت السفارة "اطلاق نار" في الضواحي حيث كما يُعتقد يتواجد الشيوعيون، وأوردت "قصصا عن وجود ضحايا كبيرة، خاصة بين المدنيين، ولكن لم يتم التأكد منها".[13]

في 26 شباط، أوردت السفارة بان الحكومة الجديدة كانت تحاول "للقضاء على التنظيم الشيوعي في العراق" ونوهت بوجود شائعات بأن "الصف الأول من القادة الشيوعيين قد تم اعتقالهم، وتم اعدام 50 منهم سرا" رغم انه قد أضاف " من الممكن الا توجد حقيقة في هذا الخبر".[14]

في الشهر اللاحق، أرسلت شركة نفط العراق رساله الى وزارة الخارجيه تشير الى "ملاحقة الشيوعيين" وكذلك " انه يبقى لنرى لأي مدى سوف يتم تحطيمه بنيويا". وبعد ستة اسابيع من الانقلاب اشار احد مسؤولي وزارة الخارجية الامريكية الى " حمام دم" و " يفترض بنا ان لانرغب بان تتم رؤيتنا كمدافعين عن مثل هذه الوسائل " في قمع الشيوعيه" مع ان مثل هذه " القسوه" يلاحظ المسؤول، "قد تكون ضروريه ومفيدة في المدى القصير"[15]

"لقد تم التعامل مع التهديد الشيوعي بتصميم" هذا ماعبر عنه السفير البريطاني للعراق في رسالته المؤرخة في شهر آيار، الى (Alec Douglas-Home)، مضيفا بان الحكومة العراقية قد قالت بوجود 14،000 معتقل سياسي وكذلك " فإن السجون لازالت تمتلئ بالمحجوزين السياسيين". في حزيران كتب المسؤول في وزارة الخارجية (Percy Cradock)- الذي اصبح لاحقا رئيس لجنة الاستخبارات المشتركه" بان النظام العراقي مازال مستمرا في الاضطهاد القاسي للشيوعيين "مع 39 عملية اعدام كما اعلن حديثا".[16]

لقد اقرت وزارة الخارجية بان المجازر التي حدثت ضد الشيوعيين كانت عدوانية بشكل سافر. فقد لاحظت في 9 شباط، بان عمليات القتل كانت "تحصل في الوقت الذي لاتوجد فيه اية ادلة على وجود تهديد من الشيوعيين، او وجود اي معارضة فعالة ضد الحكومة الجديدة".[17]

إن الادارة البريطانية، في حقيقة الامر، قد دعمت هذه المجازر. فبعد اسبوع من الانقلاب أخبر (George Allen) وزارة الخارجية بان "عملية التخلص من الشيوعيين ستبقى مستمرة":

فإن الحكومة الحالية تقوم ما تستطيع القيام به، ولهذا فأنا اعتقد بضرورة دعمها ومساعدتها في المدى البعيد حتى تستطيع توطيد نفسها مما يساعد على الأضمحلال التدريجي للتهديد الشيوعي.

فالحكومة الجديدة كما كتب " قد تلائم مصالحنا بشكل جيد". وفي تقرير آخر مؤرخ في نفس اليوم كتب بأنه بأمكان "المعارضة الشيوعية الاستمرار " وكذلك حسب وجهة نظره، عدم وجود بديل لهذه الحكومة "فمن الضروري ان تتم تقويتها بسرعه". إنها " ستحتاج كل الدعم والاموال التي تستطيع الحصول عليها". [18]

في نفس الوقت قامت وزارة الخارجية البريطانية بتوزيع مذكرة لمختلف السفارات توضح الموقف البريطاني من الانقلاب. تنص المذكرة على ان النظام الجديد " قد قام بعمل شاق ضد الشيوعيين في البلد" وعلى هذا فإن " القمع ضد الشيوعيين قد يستمر، بينما ستبقى واحدة من مشاكلها الاساسية هي "التهدئة مع الكرد". " نحن نتمنى ان يكون النظام الجديد في وضع جيد"، هذا ما نصت عليها المذكرة، بعد ان ذكرت التدهور الذي حصل للعلاقة البريطانية مع نظام قاسم السابق. [19]

وفي رسالة داخلية لوزارة الخارجية بينت بان الحكام الجدد" اظهروا شجاعة وإصرار في تخطيط وتنفيذ مؤامرتهم" وعلى هذا يجب ان يكونوا " لحد ما مقبولين لدى الغرب".[20]

وألتقى السفير البريطاني مع وزير خارجية النظام العسكري الجديد بعد يومين من الانقلاب. لم تتم الاشاره في المحاضر اي ذكر لموضوع القتل; ولقد تم وصف اللقاء بانه كان (في منتهى الود).[21]

وبالتأكيد لم يكن هنالك اي ذكر في أي من الملفات التي شاهدتها أي اهتمام يُذكر بعمليات القتل - الاستجابة الوحيدة التي اعلنتها الحكومة البريطانية كانت بتقديم الدعم لهؤلاء الذين أداروا هذه العمليات.

ومن ثم اشاروا مسؤولو الادارة بأن عليهم " تدارس كل الوسائل الممكنه للأستفادة من المناخ المعادي للشيوعية في العراق" ولعمل "اكبر جهد لإيجاد صلات مع الحكام الجدد، لقد اقترحت وزارة الخارجية مختلف الطرق "لإعطاء إشارات " للنظام الجديد، ومن ضمنها "ان نبدي المساعدة من ناحية تزويد الاسلحه" وكذلك " توفير دورات التدريب العسكري إذا رغبوا في ذلك". وقد كُتبت هذه المذكرة في نفس اليوم الذي أرسل فيه السفير البريطاني الى وزارة الخارجية النصوص التي تمت إذاعتها من راديو بغداد والتي كانت تحض العراقيين على"قتل المجرمين". [22]

وعلى نفس الشاكله اقترحت السفارة البريطانية في بغداد ارسال "إشارات ودودة " الى "الذين عانوا من جراء عملهم في تفكيك الشيوعيه في العراق" – اي الذين عانوا في عملية الانتصار على الشيوعيين، وليس الى الذين كانوا ضحايا المجازر. وهذا سيكون بأتجاه " الامتنان لجهود معاداة الشيوعيين"[23]

وكان مضمون سياسة لندن هي لتوفير اعتراف دبلوماسي آني للنظام الجديد وايجاد "علاقات اقتصادية" معه وشملت هذه السياسة كذلك "ايجاد إتصالات صداقة سريعة مع قادة البعث والقوميين" بلأضافة الى دعوة أعضاء في الحرس القومي" اي المنظمة التي ساعدت في تنفيذ المجازر" الى لندن . ولكن كان هذا يحتاج ان تتم " تحت عناوين مختلفة" من اجل ابقائها سرا، مما يجنب ظهورهم العلني للناس مما يؤدي الى التعرف الى المجموعة التي ينتمون لها. وتمت مشاركة هذه السياسة مع الولايات المتحدة الامريكية، حيث قام مسؤول كبير في وزارة الخارجية الامريكية باخبار وزارة الخارجية البريطانية  بانه في حالة ان الإنقلاب " نتج عنه نظام بواجهة بعثية فإن سياسته ستكون اكثر مقبولية لحكومة الولايات المتحدة الامريكية"[24]. لقد كان من المؤمل بان تكون واحدة من منافع النظام الجديد هي "فرصة لعهد جديد من العلاقات بين شركات النفط مع الحكومة" وكذلك إلغاء السياسات النفطية لقاسم، والتي كانت قد شكلت تهديدا جديا لهيمنة شركات النفط الغربية على احتكار نفط العراق.[25]

وبعد اسبوع من الانقلاب، صرح (Roger Allen) بكل سعادة بان كل شئ "رجع طبيعيا كالسابق" آملا بان (عهد الاحباط ) تحت حكم قاسم قد ولّى " وسيكون من الآن إمكانية نسبية من العمل البناء في البلد". وياتي هذا في ظل التصور الكامل بان " معضلة الشيوعيين والاحياء الشعبية المكتظة لم تتم، على كل حال، حلها" – ولهذا نفترض استمرار النظام بقمع واضطهاد الشيوعيين. وفي شهر نيسان كان (Roger Aleen) بامكانه الاشارة " ماتذكره محاضرنا حول الصداقة مع النظام الجديد".[26]

وكذلك ذكرت وزارة الخارجية البريطانية الحاجة الى "مراقبة" المنظمة التي تشكلت حديثا من برلمانيين من حزب العمال البريطاني والتي تدعى اللجنة البريطانية للدفاع عن حقوق الانسان في العراق، واتي كانت تنوي زيارة العراق، والتحقيق في عمليات القتل. وبدورها " قامت " السفارة البريطانية في بغداد " بتحذير " وزارة الخارجية البريطانية بنشاطات مشابهة خاصه بحقوق الانسان يقوم بها اللورد برتراند رسل، التي وصفتها " كمصدر لتوتير" العلاقات العراقية الانكليزية.[27]

ومن المنافع لاخرى التي اغتنمتها بريطانيا هي الموقف الجديد للنظام من الكويت. فبعد الاطاحة بقاسم قدمت بريطانيا نصيحة للكويت بأستباق اي تهديد مستقبلي لأستقلالهم من قبل النظام الجديد من خلال تقديم الرشوة لهذا النظام . وعلى أثرها دفع الكويتيون 50 مليون جنيه استرليني الى حكومة البعث، والتي، حسب سعيد ابو الريش تفسر بشكل كبير محاولة صدام لتخويف الكويت في 1990-1991 قبل غزوها، واجبارها لدفع الاموال من اجل سد الاحتياجات المالية للعراق.[28]

تسليح العدوان

إن التواطئ البريطاني مع العنف في العراق، على كل حال، يتعدى كثيرا انقلاب شباط. كذلك قامت بريطانيا في 1963 بدعم نفس الحكومة العراقية في عدوانها على الكرد. ان السابقة التي اوجدها هذا الموقف تلعب دور مهم في فهم كيف استطاع صدام حسين ان يستمر في حملته العنيفة والمرعبة ضد الكرد في الثمانينات دون أخذه بالحسبان الموقف الغربي. في 10 حزيران 1963، بدأ الجيش العراقي في هجومه الوحشي على الكرد، الذين صعّدوا صراعهم من أجل الحكم الذاتي، مع بغداد في 1961. وقد طالب الكرد كذلك بنصيب من البترول العراقي وإبعاد القوات العربية من كردستان، القسم الشمالي من العراق.

وقد لاحظ المسؤولون البريطانيون " نية العراقيين لتنفيذ حملة ترهيب "[هكذا]. وخلال عشرة ايام من العمليات، كتبوا: " من الواضح ألآن بان الجيش منخرط في عمليات إخلاء وتهديم القرى الكردية في محلات في كركوك ". مع نشر ثلثي الجيش العراقي في الشمال، كتبت وزارة الخارجية البريطانية في تقرير لها بان" من الجلي للعيان ألآن بان حكومة [العراق] تقوم بكل ما امكنها من قوة لتسوية المشكلة الكردية مرة واحدة وللأبد". لقد تم استخدام " أساليب عديمة الرحمة" من قبل العسكر العراقي، ومن ضمنها القصف الجوي.[29]

وفي تقرير للسفارة البريطانية في بغداد أُرسل الى لندن في 22 حزيران ورد فيه مايلي:

إن الاساليب الوحشية التي استخدمها الجيش من المحتمل ان تضر بالعلاقات العربية/الكردية لوقت طويل قادم. لقد نجح الجيش بأخلاء القرى الكردية في المناطق الواطئة حول النقاط الضعيفة.....

والأسلوب الذي تم تبنيه هو بأخذ القرى واحدة بعد الاخرى، من خلال قصفها من مسافات آمنة بواسطة مدافع الدبابات ومدافع الميدان، وقد يُعطى تحذير او لايُعطى بتاتا لسكان هذه القرى.  وبعد فترة آمنة يقوم الحرس القومي أو مرتزقة الحكومة من الاكراد بالدخول لهذه القرى والقيام بالنهب والتخريب ...... في بعض الاحيان، وهذا حصل في القسم الكردي من مدينة كركوك، تم استخدام الجرافات بتهديم البيوت والنتيجة كان الرجال يلتجأون الى التلال أما النساء والاطفال فيتم تركهم بدون رعاية وتُهجر القرية، وفي الوقت الراهن، تبقى هادئة.[30]

لقد أقرت وزارة الخارجية بوجود بعض المخاطر المؤكده من هذه الحملة العسكرية على المصالح البريطانية. وتشمل هذه المخاطر: " فشل الهجمات قد تؤدي الى تعرض النظام العراقي الحاضر للخطر؛ قد يتيح هذا القتال فرصة للروس لخلق المشاكل؛ أن ينتشر هذا الشغب الكردي الى تركيا وايران وسوريا؛ بالأضافة الى مخاطرة حدوث اضرار في المنشآت البترولية الخاصة بشركة نفط العراق [IPC] وكذاك عرقلة في انسيابية البترول. والشئ الفاضح هو عدم احتواء هذه القائمة أي ذكر لما قد يشكله هذا القتال من أثر على الشعب الكردي.[31] وقد تم التنويه في المذكرات عن كون السفير قد شجع بغداد على التفاوض من اجل تسوية مع الكرد، ولكن لاحقا، قدمت بريطانيا دعمها المطلق للحكومة العراقية مباشرة بعد بدء حملات الهجوم على الكرد.

قبل ان تبدأ بغداد العمليات وافقت بريطانيا على صفقة كبيرة لتصدير الاسلحة مع علمهم بان هذه الاسلحة سيتم استخدامها ضد الكرد. في احدى الملفات نقرأ بان " دوغلاس هيوم كان كثير الاهتمام بشكل عام لضرورة تلبية المتطلبات التسليحية للجيش العراقي باسرع وقت ممكن". في 11 نيسان تمت الموافقة من قبل الوزراء على تصدير 250 ناقلة مدرعة من نوع ’Saracen’ والتي من "الممكن ان تُستخدم ضد الاكراد، في حال الاحتياج لها". كما تمت الموافقة على تصدير ذخائر مدفعية، 22 طائرة هوكر هنتر بالأضافة الى صواريخ الهوكر هنتر الموجودة اصلا في العراق، " ايضا من الممكن استخدامها ضد الاكراد". وفي تعليق للّجنة الوزارية نوهت " بالفوائد التجارية الهائلة التي يمكن الحصول عليها" وان " افق تطور صادرات الأسلحه كبير جدا" – لقد كانت قيمة الصفقه 6 مليون جنيه استرليني.[32]

وقد قرر المسؤولون ابطاء تزويد بعض الصوريخ وذلك:

يتوجب علينا اعطاء العراقيين بعض احتياجاتهم لاجل تمكينهم ان يكونوا قادرين على مواجهة الكرد، ولكن قد يكون من غير المستحسن تزويدهم بسخاء، حيث قد يشجعهم ذلك على ان يكونوا اكثر عناداً[هكذا] مع الاكراد. وكذلك إذا بدأ اندلاع القتال وكان هنالك قصف عشوائي بالصواريخ فقد يؤدي هذا الى حدوث انتقاد على مستوى البرلمان والمجتمع.[33]

بعد ان قامت بغداد بمهاجمة كردستان، تدارست الحكومة البريطانية حول مسألة تسليم الصواريخ كونها " مادة حساسة" حيث انها " المقصود من استخدامها هو ضد الكرد". لايوجد في الملفات اي اعتبار للعواقب الانسانية، فقط التنوية بامكانية التاثير على العلاقات العامة: " ان الاخبار التي تعكس القتال قد يثير انتقادات عامة حول قرارنا تزويد العراق بالاسلحة" كما ورد في محضر لمجلس الوزراء.[34]

بعد اسبوعين من القتال، كتبت وزارة الخارجية البريطانية " اننا على استعداد للقيام بافضل ما يمكننا لتلبية المتطلبات العراقية في الميدان من أسلحة وتدريب"، مع ذلك لازال الوزراء مستمرون في تأخير تسليم الصواريخ، الشئ الذي كان العراقيون يضغطون من اجل الحصول عليه. في تموز وافق الوزراء على تصدير 500 من " صواريخ عالية التفجير".   وأخبر جنرال في الجيش العراقي ‘الجنرال حلمي‘ السفير البريطاني بأنه " يحتاج هذه الاسلحة لأنهاء الحرب ضد المتمردين بسرعة وبنجاح ". وعندما تم اخباره بأنه سيتم تسليم الصواريخ، كان ‘حلمي‘ " ممتناً بصدق"، حسب السفير، والذي أضاف معلقا بان القائد " كان سعيدا حول المبادره".[35]

وفي رسالة وجهتها وزارة الخارجية البريطانية الى سفاراتها لتوضيح السياسة البريطانية ورد " لقد اعتقدنا طوال الوقت بامكانية ان السلاح الذي نزوده قد يمكن استخدامه ضد الكرد، ولكن علينا ان نوازن بين هذا الجدل وعوامل أخرى"، والتي ستؤدي الى بناء علاقات جيدة مع القاده العراقيين الجدد وابعادهم عن مصادر الاسلحة السوفيتية.[36]

مع نهاية آب 1963 تسلمت القوة الجوية العراقية 500 صاروخ لطائرات هوكر هنتر، بالاضافة الى 1000 يتم تسليمها في الاول من ايلول و 500 أخرى في الأول من تشرين أول. كما سيتم تسليم 18،000 في فترة لاحقة. وستتبع ذلك الموافقه بتزويد 280،000 اطلاقه كذخيرة لمدرعات ‘Sarcen‘ وقنابل هاون، قذائف مدفعية، حوامات(هليكوبترات) مسلحة ورشاشات سترلينغ. [37]

كما وافقت بريطانيا على طلبات لارسال فريق للعراق للقيام باصلاح مدافع دبابات ‘السنتوريون‘التي تم استيرادها من بريطانيا في أوقات سابقة. "المسألة السياسية الصعبة" كما تلاحظ وزارة الخارجية، كانت باستمرار العمليات العسكريه ضد الكرد. فكان يستوجب تجنب رؤية الضباط البريطانيين قرب ميادين القتال وعلى هذا، " إذا حدث عطل في مدافع[هكذا] هذه الدبابات في الشمال، كان يجب ببساطة نقل الدبابه الى بغداد من اجل إصلاحها".[38]

لايوجد شك بان الوزراء كانوا على علم بما يسمحون بتصديره. في تشرين أول، كمثال، صادقت وزارة الخارجية على تصدير الواح تهديم، مع علمهم بانه " من المحتمل استخدامها بتدمير، ليس النقاط الكردية الحصينة فقط، ولكن ايضا لاجل تهديم القرى الكردية".[39] إن هذه المساهمة في تهديم القرى الكردية هي السابقة لنفس السياسات البريطانية تجاه الهجمات التي شنتها الحكومة العراقية في اعوام الثمانينات والارهاب التركي في التسعينيات.

إن المسؤوليين البريطانيين كانوا بالتأكيد مدركين كون الهجمات العراقية التي يقومون باسنادها قد تشكل جرائم إبادة جماعية. فقد ورد في محضر لوزارة الخارجية مؤرخ في ايلول بأن " الوسائل التي يستخدمها العراق هي من الوحشية بحيث يمكن ان تحمل تهم تحطيم او تحجيم المجتمع الكردي كأقلية قومية". وقد أخبرت السفارة البريطانية في بغداد وزارة الخارجية في 6 تموز ما يلي:

هنالك توجة لقتل الاكراد بدل من اخذهم اسرى . لدينا بعض المؤشرات من مسؤولين بان هذا قد يكون سياسة متعمدة.. ومن ذلك الوقت وصلتنا تقارير حول وجود توجه نحو تقليص هائل في نفوس الاكراد في الشمال وكذلك اعادة توطين عرب في المنطقة. كذلك وجود اشمئزاز من قبل ضابط عربي واحد من هذه الاساليب المستخدمة، كأساليب غير انسانية وغير مستحسنة على المدى البعيد. لاتوجد على الاطلاق اية شكوك حول قيام الحكومة بشكل متعمد بتهديم القرى.....إن حكومة العراق ... التجأت الى استخدام القوة بدون وجود الوقاية المتحضرة العادية ضد الخسائر المدنية الغير مبررة. بالأضافة ربما مع التوجه نحو تحجيم نفوس الاكراد كأقلية في العراق، او على الاقل دفعهم للخضوع بشكل دائم.[40]

إن معرفة تاريخ هذه المذكرة له اهمية كبيرة: فأن معظم الاسلحة البريطانية التي صُدرت للعراق والتي اُستخدمت ضد الاكراد، تمت المصادقة عليها بعد هذا التاريخ؛ سياسه كانت مماثلة لزيادة الدعم البريطاني لنظام صدام بعد هجمات الحرب الكيميائية على كردستان في آذار 1988.

وهنالك تشابة آخر بين 1963 و 1988 هو محاولة بريطانيا ضمان عدم اتخاذ اي موقف دولي ضد العراق. في 1963 عمل مسؤولون بريطانيون لضمان ان لاتتم مناقشة مزاعم الابادة الجماعية في العراق داخل الامم المتحدة. وقد تم توجيه التعليمات الى مندوبي بريطانيا الى الامم المتحدة في رسالة كانت تحت عنوان:

" سياسة الابادة الجماعية من قبل حكومة جمهورية العراق ضد الشعب الكردي:

أسباب معارضة النقاش"

وقد نصت الرسالة على " من الواضح ان حكومة صاحبة الجلالة تتمنى رفع فقرة المناقشة هذه بالسرعة الممكنة"[41]

أقترح المسؤول في وزارة الخارجية (William Morris) بانه اذا تم طرح موضوع الابادة الجماعية على النقاش داخل الامم المتحدة " فالموقف الافضل لنا هو الامتناع عن التصويت" و "تجنب قول اي شئ اطلاقا اذا كنا قادرين على ذلك". واوضح موريس كذلك بان طرح تهمة الابادة الجماعية يكون المقصود به بان الامم المتحده قد اقحمت نفسها بالشؤون الداخليه لدولة عضوة في الامم المتحدة، وهذا يتناقض مع ميثاقها و " سيكون غير مرحب به من قبلنا في سياق أي مشكلة في المناطق التابعة لنا".[42]

ويمكن لتصدير الاسلحة البريطانية والتدريب العسكري ان يلعب دور في " الامن الداخلي"، بمعنى دعم النظام العسكري في القمع الداخلي. فتم اعتبار مساعدة بريطانيا في تصليح دبابات السنتريون العراقية/ تصب في هذا الغرض بشكل خاص: " فوجود دبابات السنتريون تشكل العمود الفقري لأمنهم الداخلي في بغداد" "إن عمليات توريد طائرات الهوكر هنتر مضت قدما، على اعتبار بأنها " قد تقوي امكانية العراقيون ليكونوا اسياد بلدهم (لقد لعبت القوة الجوية دور مهم في الاطاحة بقاسم والسيطرة على بغداد)"[43]

فمن المؤكد انه قد تم استخدام مقاتلات الهنتر الموردة من بريطانيا في مهاجمة وزارة الدفاع حيث لجأ قاسم. نفس السيناريو قد تكرر لاحقا في تشيلي عندما تم استخدام مقاتلات الهنتر الموردة من بريطانيا أيضا لمهاجمة القصر حيث كان يقاوم فيه الرئيس المنتخب ديمقراطيا.

لقد استمر الهجوم ضد الكرد خلال 1963، قبل الوصول فعليا الى طريق مسدود في نيسان 1965. في نيسان 1965، استأنف العراقيون ما كان يُعتبر سنة كاملة من الهجوم مشابه في مستوى الوحشية، حتى تم الوصول الى تسوية في حزيران 1966 من خلال اعطاء الكرد بعض من الحكم الذاتي .

في تموز 1965، لاحظت  السفارة البريطانية بأن " الضحايا من الاكراد كانوا بشكل اساسي من المدنيين من خلال تعرضهم لهجمات جوية عشوائية؛ هجمات عشوائية شنتها طائرات الهوكر هنتر ال 27 التابعة للقوة الجوية العراقية وألآف الصواريخ وغيرها من الذخائر التي تم توريدها من قبل حكومة دوغلاس هيوم وحكومة ولسن. كما كان معلوما كذلك بأن النابالم قد تم القائه من طائرات الهنتر العراقية". وتم المضي في تسوية القرى بالارض في نفس الوقت الذي تتم فيه عملية " التهجير القسري للأكراد" من بعض مناطق كردستان.[44]

أستمرت عملية تصدير الاسلحة البريطانية مع انتقال الحكم من المحافظين الى العمال في عام 1964. وقد تحدت حكومة العمال دعوة في البرلمان في منتصف عام 1965، لايقاف تصدير السلاح الى بغداد مع ملاحظة بان "لا نوايا لحكومة صاحبة الجلالة بايقاف المساعدات العادية المقدمة لحكومة العراق على شكل توريد الاسلحة".[45] كانت هناك طلبيات ضخمة قيد الاعداد من ضمنها من صواريخ لهوكر هنتر، 17000 ليتم تسليمها ابتداءا من تموز، مرة ثانية مع المعرفة بأحتمال استخدامها ضد الكرد. كما وافقت حكومة ويلسن بتزويد العراقيين 40 طائرة من نوع Lightening المقاتلة.

في موجز لوزارة الخارجية مؤرخ في حزيران 1965، لاحظت بأنه " لقد حافظنا على توريدنا السلاح للعراق، حتى خلال فترة القتال مع الاكراد" لإسباب تتعلق بالحفاظ على صلات مع العسكر، الذين تم وصفهم بانهم " الطبقه الحاكمة العراقية"، لتقليص استيراد السلاح من الاتحاد السوفيتي ومن مصر ناصر، ومنذ ذلك الوقت "ونحن نجني فوائد اقتصادية مُعتبرة". وفي هذه الأثناء" فليس لدينا تعامل رسمي مع الكرد ولا نعطيهم اي مساعدة.[46]

لقد كشفت الملفات التي رُفعت عنها السريه أيضا بان حكومة ويلسن قد قدمت سابقة اكثر رعبا الى حكام بغداد: لم يكن صدام حسين حاكم العراق الأول الذي استخدم الاسلحة الكيمياوية ضد الاكراد، لقد حدث هذا ايضا في منتصف أعوام الستينات.[47]

في آب وايلول من عام 1965، شكى مصطفى البرزاني، رئيس اكبر مجموعة كردية في كردستان العراق، لرئيس الوزراء البريطاني بان العراق قد اشترى " كمية كبيرة من الغازات السامة لاجل استخدامها ضد السكان الأكراد". وقد ناشد البرزاني ويلسن لايقاف تسليح بغداد والتوسط مع النظام من اجل "منع الأخير من المضي في ما زعموا النية لبدء هجمات بالغاز ضد الاكراد".[48] لم تستجيب الحكومة البريطانية لهذه الرسالة ولا لرسائل أخرى أرسلها البرزاني؛ لقد رفضت بريطانيا ايجاد اي اتصالات رسمية مع الكرد.

لقد جاء هذا الرفض رغم رغم وجود معرفة مسبقة بان لدى الكرد اتصالات مخابراتية داخل نظام بغداد. كما عُلم بانه في عام 1964 قام وزير الدفاع العراقي بمفاتحة حكومات كل من بريطانيا، المانيا الغربية، الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي بأستفسار أولي بشأن طلب 60000 قناع واقي من الغازات السامة" لأجل التسليم الفوري". وفي النهاية تلقى المسؤولون البريطانيون "تقريرا نعتقد انه موثوق عن وجود خطة تم وضعها من قبل الجيش لوضع حد نهائي للمشكلة الكردية".[49]

والاكثر من ذلك كتبت السفاره البريطانيه في أيلول:

لن يكون للعراقيين سوى القليل من الضغط الإنساني (وخز الضمير) حول استخدام الغاز إذا كانت الأمور (كما هي ألآن) تسير بشكل سيء بالنسبة لهم. من المحتمل انهم يعتقدون بامكانية إخفاء الاحداث ولايبدو انهم مهتمين حول الرأي العالمي. من المؤكد انهم يظهرون اهتماما كبيرا ألآن في الحرب الكيمياوية ونحن نعتقد بأن لديهم مخزون من بعض انواع الغازات (من المحتمل ان يكون من النوع المستخدم للسيطره على أعمال الشغب) وكذلك فمن المحتمل ان قد تمت في الواقع مشاهدة ما يشبه الاسطوانات.

بالرغم من إن المذكرة قد مضت بالقول بان هنالك صعوبة في رؤية العراقيين يستخدمون الغاز في ظل الاوضاع الراهنة، لكنها ذكّرت كذلك " بأنه في الجانب الآخر توجد أدلة كثيره يجعل الأكراد قلقين بشكل حقيقي بأمكانية استخدام الغاز".[50] الشئ المثير الاهتمام من هذا الاكتشاف هو عدم رغبة بريطانيا للتوسط مع بغداد بأي شكل كان رغم وجود اهتمامات وأدلة كثيرة.

إن نظام البعث الذي أتى للسلطة اول مرة في شباط 1963، قد تمت الاطاحة به في إنقلاب عسكري آخر في تشرين ثاني. في هذا الوقت قامت بريطانيا بتقليص الكثير مما كانت تقدمه من دعم للنظام، ولكن السجلات كانت تشير بوضوح بان هذا لم يحدث لأسباب إنسانية.

"لقد بدأو بشكل جيد" هذا ما قاله السفير البريطاني في كانون أول 1963 بعد ان تم إستبدال النظام. المشكلة هي ان البعثيين بالنهاية سلكوا سياسات مشابهة لسياسات قاسم، من ضمنها محاولة القوميين العرب لتوحيد كل من سوريا، مصر والعراق لتشكيل الجمهورية العربية المتحدة. وقبل هذا بوقت طويل " أثار النظام الجديد قلق مجتمع الاعمال من خلال أشاراته نحو تأميم الصناعات، البنوك والتجارة".[51]

ولم يستطيع حزب البعث العودة للسلطه حتى جاء عام 1968 وذلك بعد سلسلة من الحكومات المتعاقبة خلال الستينات - وفي هذه المرة بقى فيها حتى غزو العراق في 2003. لقد أتى انقلاب 1968 بالجنرال احمد حسن البكر كرئيس، والذي كان رئيس وزراء في انقلاب 1963. أصبح صدام حسين نائب الرئيس قبل ان ينقلب على البكر ويستلم السلطة. وكان انقلاب 1968 مدعوما ايضا من قبل وكالة المخابرات المركزية الامريكية CIA، والتي طورت مباشرة علاقات قريبة مع حكام البعث. وقد لاقى نظام البعث في 1968 الترحيب المباشر من قبل البريطانيين: "ان النظام الجديد قد ينتظر من المملكة المتحدة التدريب والمعدات العسكريه ونحن يجب ان لانضيع اي وقت في تعيين ملحق عسكري"، كما كتب السفير في بغداد. لقد تمت دعوة وزير الدفاع الجديد للنظام الجديد، الجنرال التكريتي الى المعرض الجوي في Farnborough، وتم أخباره من قبل السفير بأنه (يبدو لي بان لدينا الآن الفرصة لإسترجاع العلاقات الانكليزية/العراقية الى سابق عهدها من المودة". وفي اجابته " قال الجنرال التكريتي بأنه، خلال عهد النظام البعثي في 1963 كان ممتنا للموقف التعاوني لحكومة صاحبة الجلالة".[52]

من هذه الجذور ظهر نظام صدام، والدعم البريطاني له

 

 

...........................

ألمراجع

* الفصل الخامس من كتاب  "اللابشر - Unpeople"،

  1. British embassy< Baghdad, ‘Annual report, 1958-Iraq’, 29 January 1959, FO371/140896/VQ1011/1.
  2. FO, ’The immediate outlook in Iraq’, 24 July 1958, FO371/134201/VQ1015/162.
  3. M. Wright to S. Lloyd, 22April 1958, FO371/134198/VQ1051/36.
  4. British embassy, Ankara to FO, 17 July 1958, FO371/134199/VQ1015/95.
  5. Memorandum by IPC staff member. “The political situation in Iraq’, 25 November 1962, FO371/170428/EQ1051/13
  6. See Web of Deceit, Chapter 12.
  7. Aburish, A brutal Friendship, pp. 139-40.
  8. Ibid, pp. 137, 139.
  9. F. Maynard, Note, 27 September 1962, FO371/164235/EQ1051/83; C. Cope, Note, 1 October 1962, ibid; R. Allen to S. Crawford, 31 December 1962, FO371/170428/EQ1051/05.
  10. R. Allen to S. Crawford, 28 January 1963, FO371/170428/EQ1015/26; R. Allen to FO, 9 February 1963, ibid, EQ1051/36.
  11. D. Haskell to D. Goodchild, 15 February 1963, FO371/170432/EQ1051/104; R. Allen to FO, 11 February 1963, FO371/170431/EQ1015/68.
  12. Report by military attaché, ‘The revolution in Iraq’, 19 February 1963, FO371/170434/EQ1051/126; Embassy, Baghdad to FO, 10 February 1963, - FO371/170428/EQ1015/39; FO to Embassy, Tehran, 10 February 1963, ibid, EQ1015/33.
  13. Embassy, Baghdad to FO, 11 February 1963, FO371/170431/EQ1015/64.
  14. R. Munro to D. Goodchild, 26 February 1963, FO371/170431/EQ1015/129.
  15. R. Lawson to G. Hiller, 2 March 1963, FO371/170434/EQ1015/131; D. Goodchild to R. Munro, 21 March 1963, FO371/170446/WQ1018/3.
  16. R. Allen to Ear Home, 17 May 1963, FO371/170437/EQ1015/186; P. Cradock, Minute, 10 July 1963, FO371/170439/EQ1015/236.
  17. FO to Embassy, Amman, 9 February 1963, FO371/170428/EQ1015/37.
  18. R. Allen to FO, 15 February 1963, FO371/170502/EQ1532/23 and EQ1532/26.
  19. FO to various embassies, 12 February 1963, FO371/170432/EQ1015/99.
  20. FO, ‘The outlook in Iraq’, 15 February 1963, FO371/170433/EQ1015/111.
  21. FO to Embassy, Ankara, 10 February 1963, FO371/170428/EQ1015/40.
  22. A. Elwell to R. Munro, 14 March 1963, FO371//170446/EQ1018/3; written note by IRD official, ibid; FO, ‘The outlook in Iraq’.
  23. R. Munro to D. Goodchild, 6 March 1963, FO371/164235/EQ1018/3.
  24. Embassy, Baghdad to FO, 10February 1963, FO371/170428/EQ1015/53; D. Goodchild to R. Munro, 21 March 1963, FO371/170446/EQ1018/3; Embassy, Washington to FO, 10February 1063, FO371/17-430/EQ1015/46.
  25. FO brief, 19 February 1963, FO371/170502/EQ1532/28.
  26. R. Allen to FO, 13 February 1963, FO371/170432/EQ1015/82; R. Allen to FO, 15 February 1963, FO371/170433/EQ1015/120; R. Allen to E. Earl Home, 22 February 1963, FO371/170434/EQ1015/125; R. Allen to G Hiller, 25 April 1963, FO371/170461/EQ1015/2.
  27. D. Goodchild to H. Maynard, 17 May 1963, FO371/170446/EQ1018/10.
  28. Aburish, A Brutal Friendship, p. 141.
  29. Embassy, Washington to FO 12 June 1963, FO371/170438/EQ1015/206; Embassy, Bagdad to FO, 21 June 1963, ibid, EQ1015/217; FO brief, ’Resumption of the Kurdish war in Iraq’, 19 June 1963, FO371/170481/EQ1192/67.
  30. E. Maynard to D. Goodchild, 22 June 1963, FO371/170447/EQ1019/4.
  31. FO to Various embassies, 14 June 1963, FO371/170438/EQ1015/217.
  32. G. Hiller, ‘Arms for Iraq’, 7 June 1963, FO371/170489/EQ1224/8; FO to Amman, 10 April 1963, FO371/170479/EQ1192/21; Ministerial committee on Strategic Export, Brief for 8April 1963 meeting, ibid, EQ1192/25.
  33. G. Hiller, ‘Arms for Iraq’, 29 May 1963, FO371/170480/EQ1192/52.
  34. Brief for Cabinet, 11 June 1963, FO371/170438/EQ1015/212.
  35. FO brief, 25 June 1963, FO371/170480/EQ1192/57; P. Cradock to A. Campbell, 12 July 1963, FO371/170481/EQ1192/63; R. Allen to FO, 18 June 1963, FO371/170489/EQ1224/16; R. Allen to FO, 3 July 1963, FO371/17-490/EQ1224/21.
  36. FO to various embassies, 14 June 1963, FO371/170438/EQ1015/217.
  37. D. Goodchild to H. Moreland, 27 August 1963, FO371/170490/EQ1224/24; J. Robey to FO, 9 July 1963. Ibid.
  38. D. Goodchild to R. Hutton, 20 September 1963, FO371/170485/EQ1194/6.
  39. W. Morris, minute, 8 October 1963, FO371/170482/EQ1192/91.
  40. FO, Minute, ‘Arms for Iraq’, 13 September 1963, FO371/170492/EQ1224/70; E. Maynard to Goodchild, 6 July 1963, FO371/170448/EQ1019/21.
  41. Draft FO brief, 12 September 1963, FO371/170449.EQ1019/45.
  42. W. Morris, Minute, 26 September 1963, FO371/170449/EQ1019/54; W. Morris, ‘Genocide in Kurdistan’, 16 September 1963, ibid, EQ1019/45.
  43. R. Allen to FO, 4 December 1963, FO371/170485/EQ1194/11; FO to Embassy, Tehran, 22 April 1963, FO371/170489/EQ1224/4.
  44. E. Maynard to C. Brant, 30 July 1965, FO371/180813/EQ1019/75; Draft to FO brief, June 1965, FO371/180830/EQ1192/29; S. Egerton too C. Brant, 15 January 1966, FO371/186747/EQ1019/2.
  45. FO to Embassy, Baghdad, 8 July 1965, FO371/180830/EQ1192/41.
  46. Draft FO brief, June 1965, FO371/180830/EQ1192/29.
  47. Said Aburish, Saddam Hussein: ‘The politics of revenge’, Bloomsbury, London, 2000, p. 68; David McDwall, A modern History of the Kurds, I. B Tauris, London, 2000, p.318.
  48. M. Barzani to PM, undated in FO371/180814/EQ1019/102.
  49. E. Maynard to C. Brant, 2 January 1965, FO371/180812/EQ1019/I; E. Maynard to M. Burton, 13 March 1965, ibid, EQ1019/24.
  50. E. Maynard to C. Brant, 2 September 1965, FO371/180814/EQ1019/95.
  51. R. Allen to R. Butler, 20 December 1963, FO371/170445/EQ1017/19.
  52. T. Evans to M. Stewart, 25 July 1968, FC017/417/EQ1/17; T. Evans to FO, 12 August 1968, FC17/441/EQ3/24.

 

 

 

"في الديمقراطية "النقية".. الشعوب هي القانون.. وهي القوة المحركة والمتحكمة!!!"

الديموقراطية المطلقة، أو النقية، لم تكن ولن تكون أبدًا بسبب عدم الواقعية، فالديمقراطية في أفضل صورها قوة الأغلبية، أي قدرة المواطنين الأكثر نشاطا في البلاد على اتخاذ قرارات تهدف إلى المساعدة في التغلب على المشاكل البشرية والوطنية المشتركة وفي المقام الأول مشاكل حماية الحياة وضمان سلامة المجتمع وأفراده. وان أحد أهم المؤشرات الاصطناعية للديمقراطية هو المدى الذي يكون فيه كل فرد من أفراد المجتمع بشكل فردي وكلهم معًا أحرارًا في أفعالهم، ويمكنهم حل مشاكل حياتهم عمليًا على المستوى الفردي، والمشاركة بحرية في إدارة شؤون مجتمعهم، وهذه نتيجة مباشرة للدرجة الصحيحة من حرية المجتمع والمواطن. وكانت مشكلة العلاقة بين حرية الإنسان والديمقراطية والتي هي أساسية وثانوية ومشتقة ومعتمدة، وهي القيمة الأساسية للشخص فدائمًا ما كانت تهم الناس، ومن غير المحتمل أن ينكر أي شخص أن الحرية الإنسانية أساسية وتقع في صميم جميع العلاقات الاجتماعية، فهي للإنسان نفس الضوء والشمس لحياته ولا تخترق أشعة الغيوم فقط بل تدعم أيضًا كل ما ينمو، وتزود بالطاقة لجميع التنوع اللامتناهي من الأشياء والجمال، والتي بدونها تكون البشرية ككتلة باردة وخاملة، وكذلك الحرية، ونحن نتحدث عن الحرية كظاهرة واحدة والكرامة والثروة والمعرفة والاختراعات والقوة الوطنية والاستقلال الوطني، ومن بين كل هذه الامور فالحرية هي المصدر، فهي الأم والشرط لكرامة الإنسان، وهي عبقرية الاختراع وعضلات القوة الوطنية وروح الاستقلال الوطني، وحين تتوسع الحرية، تزداد الكرامة، وتزداد الثروة، وتتوسع المعرفة، والاختراعات وتتضاعف القوى البشرية، وحين يتم قمع الحرية، فلم يعد هناك وجود للكرامة، وتتناقص الثروة، وتنسى المعرفة، وتقف الاختراعات.

الحالة الطبيعية للشخص هي العمل الحر وفقًا للقوانين ولكن كما قلنا بالفعل، في مرحلة معينة من تطور المجتمعات، يبدأ تمايزها الاجتماعي والاقتصادي، وتتشكل الدول، وتتركز السلطة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في أيدي قلة ويصاحب كل هذا تقييد لحرية الإنسان حتى الحصار لمجموعات وطبقات معينة من الناس، واستبعادهم من عمليات الإدارة، بما في ذلك إدارة مشاكل حياتهم الخاصة، فالسلطة السياسية تعزز عدم المساواة هذه وتحميها بكل الطرق، ومع ذلك فإن جزءًا من سكان المجتمعات الذين يجدون أنفسهم في وضع غير متكافئ، يناضلون من أجل حريتهم ومساواتهم. في هذه المرحلة، والنضال من أجل الحرية والنضال من أجل الديمقراطية مترابطان، فالحرية تؤدي إلى الديمقراطية، والديمقراطية إلى توسيع الحريات الإنسانية. وإن البداية الأكثر نشاطًا في هذه العملية المزدوجة هي الديمقراطية، وتعتمد درجة حرية أعضاء المجتمع عليها، وبالتالي يصبح النضال من أجل الحرية مكافئًا للنضال من أجل الديمقراطية، والعكس صحيح، والديمقراطية هي روح العلاقات الاجتماعية التي تتشكل في عملية المشاركة الحقيقية لأفراد المجتمع، أو على الأقل معظمهم، وهي الحل الجماعي للمشكلات المشتركة بين الجميع والتي لا يمكن حلها بمفردها، ومعها يحل كل شخص المشاكل الممكنة وفقًا لتقديره الخاص وفقًا لقوانين الشعوب ومعايير الأخلاق الاجتماعية. والنسبية للديمقراطية لديها أسباب الموضوعية، فمن ماذا تتكون؟ بادئ ذي بدء أن كل شخص فريد وبحكم ذلك، يتم تقسيم أي مجتمع وأي شعب إلى آلاف وملايين من مجموعات الأشخاص الذين لديهم اهتماماتهم وأهدافهم ورؤيتهم الخاصة للمشكلات الاجتماعية وطرق حلها، ومن خلال المشاركة في الحياة العامة سوف يسعون إلى أهداف مختلفة، وأحيانًا معارضة، ولديهم آراء ووجهات نظر مختلفة، ولديهم توجهات اجتماعية وسياسية مختلفة. لذلك فإن تحقيق الوحدة الكاملة للمجتمع أمر مستحيل وغير مفهوم، فقد كان دائمًا وسيظل نسبيًا. ولكن ما هو إذن "الصالح العام" الذي يجب أن يكون هدف جميع المؤسسات الديمقراطية في المجتمع؟ كيف تحدد استراتيجية التنمية الاجتماعية، وطرق ووسائل تنفيذها؟ أي من الاتجاهات وخيارات التنمية العديدة الممكنة يمكن اعتبارها ذات أولوية والأكثر في مصلحة المجتمع؟ تختلف إجابات السياسيين من العصور المختلفة على هذه الأسئلة وغالبًا ما تكون متبادلة.

تقوم الديمقراطية الحديثة على "قانون الأغلبية"، ولكن هنا تطرح سلسلة أخرى من الأسئلة المشروعة فلماذا لا الوحدة أو الإجماع، ولكن الأغلبية ولماذا يجب على المواطنين الذين هم في الأقلية أن يطيعوا قانونًا لم يوافقوا عليه؟ أغلبية من ولماذا وكيف تحدد هذه الأغلبية بالقوة والثروة والتأثير في المجتمع أو بالمعرفة والقدرة ؟ الإجماع هو أفضل حل للمشاكل الاجتماعية والتجسيد الأكثر اكتمالاً للديمقراطية، ولكنه للأسف غير قابل للتحقيق، وما قد يعتبره البعض طبيعيًا قد يبدو غير طبيعي وغير منطقي للآخرين، هناك مشاكل تؤثر بشكل متساوٍ على مصالح جميع الناس ولها العديد من الطرق لحلها وسيختلف الناس حتمًا في اختيار خياراتهم المثلى واختيار من الذي يفضل؟ وإذا كنا نتحدث عن بعض جوانب الحياة الشخصية للأشخاص التي يقررها كل شخص على حدة فيجب أن يكون تقدير كل فرد حاسماً، وإذا كانت المشكلة بطبيعتها وأي من قراراتها تؤثر على مصالح العديد من الناس كاستخدام الموارد الطبيعية، والأثر البيئي، والسلوك في المجتمع، والتأثير على حقوق أعضائه، وما إلى ذلك والحق في تحديد أفضل الخيارات لحلها ينتمي إلى المجتمع ككل. وان المشاركون في العمليات الاجتماعية هم أناس لديهم أحجام مختلفة من الثروة وأحجام المعرفة ودرجات الحكمة والقوة البدنية والصحة، ويجب أن تكون الخطوة الأولى نحو الديمقراطية هي الاعتراف بالحرية والمساواة لجميع الناس كأعضاء في المجتمع، بغض النظر عما يمتلكونه وإلى أي مدى يمتلكونه. وان الجميع يعلم أن محتوى "الأغلبية المطلقة" في العالم كله أصبح الآن منحرفًا، ويتم أخذ غالبية المشاركين في التصويت بعين الاعتبار ففي بعض البلدان تعتبر حتى "الانتخابات الشعبية" التي أجريت بغض النظر عن نسبة المواطنين الذين قدموا إلى صناديق الاقتراع، ومع دمقرطة المجتمعات والاعتراف بحقوق الإنسان كانت هناك شكوك طبيعية حول دمقرطة الوضع عندما يمكن للأغلبية النسبية فرض إرادتها على "الأقلية"، والتي تتكون في الواقع من الأغلبية المطلقة، فكيف تكون مع حقوق هذه "الأقلية" وأعضائها في التعبير عن رأيهم، وتقرير المصير، وحقهم في التصرف بشكل مستقل، وحاليا لا يوجد رئيس في العالم تقريبًا ولا يوجد أي حزب حاكم يحظى بدعم الأغلبية المطلقة من الناخبين، لذلك يقترح بعض العلماء القانونيين وعلماء السياسة مراجعة محتوى مفهوم "الناس" ليتم استخدام "الشعب" كمفهوم سياسي في المقام الأول لالتماس الحقوق المنصوص عليها في الدولة، مما يعني أن أي شخص يجب أن يتمتع بملء الحقوق السياسية.

 "قانون الأغلبية" لا يرفض ولا ينكر آراء الأقلية، لأن الديمقراطية تنطوي على احترام كل شخص، معتبرا أن الفرد هو أعلى قيمة، لا ينظم "قانون الأغلبية" جميع جوانب الحياة البشرية، ولكن فقط ما يسمى مشاكل الحياة العامة مما يؤثر على مصالح جميع أفراد المجتمع، وفي الحياة الشخصية للناس فإن السير وفقا لمعايير الأخلاق العامة، كلا من المشرع والاستاذ والطبيب والمهندس والقاضي همه يتولاه بنفسه، وفي الرأي العام والحياة العامة يعتبر رأي "الأغلبية" هو الأفضل، فرئيس الدولة هو الذي يحظى بدعم أغلبية الناخبين الذين قدموا إلى صناديق الاقتراع، ورئيس الحكومة وبدعم من معظم البرلمانيين يعطى الأفضلية لخيار حل المشاكل المشتركة لجميع المواطنين أو مجموعة من المواطنين، والتي سيتم اعتمادها من قبل غالبية البرلمانيين أو أعضاء الجمعية الوطنية او البرلمان، لذا يجب أن يكون المعيار الشرعي هو غالبية مواطني الدولة الذين لهم الحق في التصويت، وفي الوقت نفسه يحتفظ ابناء الأقلية بلا شك بالحق في إثبات قضيتهم وإعطاء الأولوية لآرائهم والترويج لها وجذب المواطنين إلى جانبهم، والمطالبة بتقديم مقترحاتهم للاستفتاء الشعبي، بدعم من النسبة المئوية للمواطنين التي حددها دستور البلد المعني. كما ويمكن أن تتحول الإرادة أو الرأي الذي تشاركه اليوم أقلية إلى رأي أغلبية غدًا وتصبح قانونًا للمجتمع، ويمكن أن تصبح الأغلبية الحالية أقلية، ومن الضروري أن نتذكر المعيار المهم للديمقراطية والذي يتمحور في انه ليس الناس هم الذين يحكمون، ولكن القانون هو المعبر عن إرادة الشعب، وإرادة الناس قابلة للتغيير لأنها تعتمد على ظروف الحياة المتغيرة والظروف الجديدة، فتعمل الإرادة المتزامنة لمعظم المواطنين كقانون للديمقراطية ويحدث هذا في مجتمع ديمقراطي، حيث تقوم الأغلبية والأقلية بتغيير الأدوار باستمرار، وتتلقى الوضع المقابل ليس بفضل الجهاز الإداري للدولة وجميع أنواع الاحتيال، ولكن إلى رمح المواطنين أنفسهم، الذي يتم التعبير عنه بحرية بالاقتراع السري في انتخابات عامة ديمقراطية حقيقية. والمعايير الديمقراطية الهامة بانتخاب ودوران المسؤولين، وكذلك المدة المحدودة لوجودهم في المناصب المنتخبة ليتم عبرها تشكيل جميع مؤسسات السلطة تقريبًا في العالم الحديث من خلال الانتخابات، وعلى الرغم من أنه لا يمكن أن تكون جميعها ديمقراطية، وبسبب عدم ثقة جزء كبير من السكان تجاه هذه المؤسسة وإهمالها لفشله في الظهور في الانتخابات، فلا يكاد أي من "ممثلي الشعب" المزعوم يتمتع بدعم معظم المواطنين في منطقتهم، ونتيجة لذلك لا يعمل "قانون الأغلبية" اذ يحل محله قانون الأغلبية النسبية أو المشروطة، وفي كثير من الحالات حتى في ما يسمى بالدولة الديمقراطية تصبح إرادة الأغلبية فيه ليست أساس القانون بل إرادة "ممثليها" الأفراد، وان القانون الديمقراطي الرئيس للشعب هو الحق في السيطرة على أنشطة المسؤولين, والرأي العام الذي يعني كلا من الرقابة والثناء هو القوة المحركة للمجتمعات الديمقراطية، وفي التحكم في أنشطة ممثليهم والحق في استعادتها في حالة التزوير، ولذلك فلا تقل عناصر الديمقراطية أهمية عن الانتخابات، ومن خلال الجهود غير المشروعة غالبًا ما تُبطل حقوق المواطنين فيتم ذلك عن طريق استبدال الانتخاب بالتعيين واستيلاء العديد من الأحزاب السياسية بغير وجه حق في تسمية المرشحين لدور موظفي الدولة مما يؤدي إلى الاستبعاد الفعلي للمواطن والشعب ككل !!!

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات الضيفي

 

مع تطورات الوضع الصحي في ارجاء البلاد وتطبيق اجراءات شديدة ومنها الحظر الشامل والتمديد له لعدة مرات اخرها لغاية ١١_٤ بغية السيطرة على فايروس كورونا والتقليل من الاصابات به من قبل الشعب العراقي، يخوض السياسيين حربا من نوع آخر تتعلق بالخلافات حول تشكيل الحكومة الجديدة والخوض بجدلية اخرى تخص المكلف الثاني لرئاسة الوزراء خلفا للمستقيل عادل عبد المهدي.

هذه الخلافات القت بظلالها على تماسك القوى الشيعية ووضعته على المحك وقدرته على إستعادة قوته السابقة كونه صاحب الحق في ترشيح رئيس الوزراء واصبح بذلك عرفا سياسيا كما هو الحال بمنصبي رئيسي الجمهورية للمكون الكردي ورئيس البرلمان للمكون السني، ولم يكن هدا الامر هذا غير مشخصا ولكن كان يتم تجاوزه في اللحظات الأخيرة وكما حدث سابقا مع رؤوساء الوزراء السابقين، إذ كانت القوى الشيعية متماسكة نوعا ما في السنوات الاولى لوجود اسماء زعمائها كالسيد عبد العزيز الحكيم والسيد إبراهيم الجعفري ولكن متغيرات المشهد السياسي جعلت من الصعوبة بمكان إستمرار ذلك الوضع الى فترة اطول فكانت النتيجة ان انفطر عقد التحالف الوطني الى مجموعة من الكتل السياسية التي اصبحت حاملة اللواء الشيعي كأسماء السيد نوري المالكي  وهادي العامري وعمار الحكيم ومقتدى الصدر وقيس الخزعلي وغيرهم من القيادات، وعلى الرغم من تلك التعددية في القيادة الشيعية إلا انها استطاعت لغاية إنتخابات ٢٠١٨ ان تسمي رئيس الوزراء، اي بمعنى تتفق على شخصية معينة لتولى منصب رئيس الوزراء وطرحه لنيل الثقة داخل مجلس النواب، ولكن التغيير الكبير الدي طرأ بعد عام ٢٠١٨، إذ لم يتمكن التحالف الشيعي الكبير من طرح شخصية متفق عليها للرئاسة، فحدث الإنقسام الاكبر بين زعمائها وبالتالي ترشيح السيد عادل عبد المهدي كشخصية توافقية بعد شهور من عدم الإتفاق بين الكتل الشيعية الفائزة في إنتخابات ٢٠١٨.

يمكن عد توشيح عادل عبد المهدي لتولي منصب رئيس الوزراء بداية الإنقسام الشيعي إزاء مسألة تعد عرفا من حصة المكون الشيعي وهو رئاسة السلطة التنفيذية وبالتالي احدث ذلك الامر شرخا كبيرا بين الكتل الشيعية الكبرى. إذ ايدت بعضا منها عبد المهدي، بينما رفضته الأخرى، ليستمر هذا الحال لغاية شهر تشرين الاول ٢٠١٩ الذي كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، وإندلاع احداث تشرين الاول من قبل المتظاهرين السلميين الذين طالبوا بحقوقهم المشروعة وإيجاد فرص العمل والقضاء على البطالة وإستيعاب الخريجين الشباب وتحسين واقع المعيشة وتقديم الخدمات الضرورية للشعب العراقي، إلا ان ذلك لم يتحقق مما ادى الى رفع سقف المطالبات الشعبية الى حد المطالبة بإستقالة حكومة عادل عبد المهدي على أثر سقوط العديد من الشهداء الذين تجاوزت المئات وبالتالي تحت ضغط التظاهرات الشعبية التي عمت المناطق الجنوبية من البلد ودعوة المرجعية الدينية، تم رضوخ الحكومة لتلك المطالب واستقالت حكومة عادل عبد المهدي في نهاية تشرين الثاني ٢٠١٩ وقبول الاستقالة في بداية كانون الاول، لتصبح حكومة تصريف اعمال لحين ترشيح مرشح جديد لتولي منصب رئيس الوزراء.

هذا التطور الدراماتيكي في الأحداث لم يكن حاضرا في مخيلة واضعي نصوص الدستور، فلم يتطرق واضعي النصوص الدستورية الى مسألة مهمة وهي إستقالة الحكومة لكون المراحل السابقة كانت تقتضي ان يكمل المكلف بتشكيل الحكومة لسنوات الحكم الاربع ليأتي غيره وهكذا دواليك الى حين مجيء حكومة عبد المهدي الذي قدم إستقالته ليكون اول رئيس وزراء يفعلها وبالتالي فقد كان ذلك سببا في عدم إتفاق الجميع على مرشح واحد ليكون بديلا عنه في رأس السلطة التنفيذية، فهذه الحالة الدستورية جعلت الكل يبحث عن مخرج هنا وهناك، وتم تحاوز المهلة الدستورية للخروج من هذا المأزق الذي لم تفكر كل الكتل السياسية بعد عام ٢٠٠٣ فيه وعليه لابد من إتفاق حول شخص ما ليكون بديلا للرئيس المستقيل وقيادة البلد في مثل هذه الظروف الاستثنائية الصعبة، إذ على المكلف ان يوازن بين مخرجات العملية السياسية وما كانت تعده من إمتيازاتها وعدم تجاوز حصصها في الوزارات وبين تنفيذ مطالب الجماهير المنتفضة التي تريد حلا عادلا وإنصافا مقبولا وعدم تجاوزا لها في قادم الايام، وبالفعل وبعد مخاض عسير جدا تم ترشيح السيد محمد توفيق علاوي ليكون مرشحا للقوى الشيعية لمنصب رئيس الوزراء وبدأ الرجل بالشروع بمفاوضات تشكيل حكومته مع الكتل السياسية ولكن ليس كما هو معتاد، بل وضع نمطا جديدا في مشاورات إختيار الوزراء إعتمادا على الكفاءة والنزاهة وبعيدا عن الكتل السياسية التي اعطتها هذه الفرصة، ولكن مع هذا لم يستطيع المكلف علاوي المضيء بتشكيل حكومته بسبب إمتناع بعض القوى الشيعية عن القبول بعلاوي وينسحب هذا الامر ايضا على الكتل السنية التي رأت في علاوي خروجا عن اصول اللعبة السياسية الحاكمة منذ٢٠٠٣ ونفس الشيء ينطبق على الكتل الكردية التي ارادت ان تختار وزراءها بنفسها دون القبول بحركة علاوي وبالتالي لم يوفق علاوي في نيل الثقة داخل مجلس النواب لإنها لم تنعقد اصلا ولمرتين، هذا الوضع الجديد افرز واقعا جديدا غير مألوفا في المشهد السياسي العراقي، فطبقا لنصوص الدستور العراقي، يجب خلال ١٥ يوما من تأريخ إعتذار المكلف بتشكيل الحكومة ان يتم إختيار مرشحا آخر خلال مدة زمنية لا تتعدى ١٥ يوما، فبدأت الكتل الشيعية من جديد مشاوراتها لإختيار مرشحها وعلى هذا الاساس تم تشكيل لجنة سباعية منها لتقديم مرشحها للصف الاول من قيادات الكتل السياسية الكبرى لتختار هي بدورها اسما لمنصب رئيس الوزراء، ومضت المدة ولم تتفق اللجنة السباعية على اسما واحدا وبالتالي انتقل هدا الحق الدستوري لرئيس الجمهورية برهم صالح الذي حسم الأمر بإختيار السيد عدنان الزرفي لرئاسة الوزراء وعلى الاخير ان يقدم كابينته الوزراية خلال مدة شهر من تأريخ التكليف.

هذا الامر لم يرق للكتل الشيعية الكبرى التي رأت في خطوة الرئيس هذه بتكليف الزرفي بمثابة تجاوز الكتلة الاكثر عددا بتشكيل الحكومة ومن لها الحق بترشيح الشخصية المناسبة للمنصب كعرف ساد خلال المدة السابقة، واعلنت رفضها لتلك العملية التي وصفتها بغير الدستورية وانها تجاوزا لصلاحيات رئيس الجمهورية، وعلى الجانب الآخر نجد بإن تلك الخطوة  لاقت ترحيبا من البعض من الكتل الشيعية الاخرى والكتل السنية والكردية وبالتالي سنكون خلال ايام التكليف المحددة دستوريا امام فرصة تشكيل حكومة تنال ثقة البرلمان اذا ما تمكن المكلف الزرفي من تشكيل الحكومة وتسمية وزراءها.

 

محمد كريم الخاقاني - باحث في الشأن السياسي

 

علجية عيشتعرضت الدولة العثمانية إلى حملات عنيفة ظاهرها محاربة الظلم والفساد وباطنها التشهير بها والنيل منها وصولا إلى تفتيتها والقضاء على جسدها كأمة واحدة بعد سلخ الأمم والشعوب التي جسدت وحدة هذه الأمة، حيث انطلق الغرب الإستعماري والصهيونية العالمية في بث هذه السموم فاستخدموا أساليب الطعن والتشويه والتشكيك فيما قام به العثمانيون من خدمة الإسلام وعقيدته، وبدأت معاهد الإستشراق والجامعات الأوروبية الإهتمام بالتاريخ العثماني، وظهرت دراسات معادية لهذه الدولة وللإسلام عموما، خاصة بعد سقوط القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية التي حولها العثمانيون إلى دار الإسلام وأطلقوا عليها اسم "إسلام بول" أي دار الإسلام فتأثرت نفوس الأوروبيين بنزعة الحقد والمرارة الموروثة ضد الإسلام

يدور حاليا جدل قوي حول تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان واعتزازه بأجداده العثمانيين في مقال نشر على موقع "الجيش العربي" في ظل تعالي اصوات بإعادة كتابة تاريخ الدولة العثمانية وإبراز صفحات من التاريخ الإسلامي رغم انقضاء ما يقرب عن 100 عام على نهاية حكم الدولة العثمانية، هو المقال الذي كتبه - عبد الناصر نهار- لاسيما وبعض الأصوات بالغت في انتقاداتها للحكم العثماني ووصف الدولة العثمانية بأنها غازية وراحت أصوات أخرى باتهامها بالهمجية والبربرية بل قالت أنها دولة إرهابية، وأن تركيا بقيادة أردوغان تسعى إلى إذكاء الفتن الطائفية، في محاولة منها إعادة النظر في العلاقات التركية السعودية والعلاقات التركية اللبانية وكذلك العلاقات التركية السورية وما يدور بين الحكومتين من خلافات أشار إليها الكاتب في مقاله، طبعا لا يسع المجال لذكر تفاصيلها هنا، وقدم الكاتب أمثلة حية عن تاريخ الدولة العثمانية من خلال مسلسل "حريم السلطان" الذي تم عرضه على الشاشات العربية وكيف تفشت مظاهر العنف والقتل من أجل السلطة، حيث لقي بعض الإنزعاج لدى الجمهور التركي وحتى حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي ينتمي إليه الرئيس رجب أردوغان.

 ولا شك أنها تحركات المعارضة للإطاحة بالنظام الحاكم، خاصة وأردوغان ما يلبث في كل خطاب له أن تستلهم الدول والشعوب من التجربة التركية وتوعد ببناء تركيا جديدة بحلول 2023، كما دعا إلى استعادة تعلم اللغة العثمانية في المدارس التركية من أجل تجسيد مشروع "التتريك "، وإن كانت تركيا تعتبر جارة للعديد من الدول العربية في إطار الشراكة الإقتصادية، فهي كما يقول صاحب المقال ما تزال تعيش في أزمة هوية منذ سقوط الدولة العثمانية وتحولها من سلطنة إلى جمهورية، وكانت قناة الجزيرة قد عرضت صور ومظاهر إحياء الأتراك لحقبة الإمبراطورية العثمانية إلى غاية سقوطها عام 1918 والتي اشار إليها في مقاله الذي لقي ردودا قوية، بأن تركيا امبراطورية عسكرية لا تملك إنجازات وعلى اردوغان أن يطور بلاده، وغيرها من الآراء التي وقف اصحابها بين مؤيد ومعارض، خاصة ما تعلق بقضية تاريخ انتهاء معاهدة لوزان الموقعة عام 1923 بين تركيا وأطراف الحرب العالمية الأولى، أمام مطالب بإعادة أراضي سوريا وليبيا التي استولت عليها تركيا، لأنه ليس من حق تركيا كما قال أحدهم وقّع بأنه جزائري، أن تحقق مشروعها التوسعي على حساب الدول العربية والمسلمة.

بعد هذه المقدمة لابد من إلقاء نظرة تاريخية على نشأة الدولة العثمانية وعلاقاتها مع الدول، الواقع وكما جاءت به العديد من الدراسلت التاريخية أن الدولة العثمانية منذ نشأتها كانت تشكل هاجسا كبيرا بالنسبة للأوروبيين، لسبب واحد هو أنها كانت العدو الأكبر للمسيحية الأوروبية، فقد تعرضت الدولة العثمانية إلى حملات عنيفة ظاهرها محاربة الظلم والفساد وباطنها التشهير بها والنيل منها وصولا إلى تفتيتها والقضاء على جسدها كأمة واحدة بعد سلخ الأمم والشعوب التي جسدت وحدة هذه الأمة، حيث انطلق الغرب الإستعماري والصهيونية العالمية في بث هذه السموم فاستخدموا أساليب الطعن والتشويه والتشكيك فيما قام به العثمانيون من خدمة الإسلام وعقيدته، وبدأت معاهد الإستشراق والجامعات الأوروبية الإهتمام بالتاريخ العثماني، وظهرت دراسات معادية لهذه الدولة وللإسلام عموما، خاصة بعد سقوط القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية التي حولها العثمانيون إلى دار الإسلام وأطلقوا عليها اسم "إسلام بول" أي دار الإسلام فتأثرت نفوس الأوروبيين بنزعة الحقد والمرارة الموروثة ضد الإسلام.

يقول الدكتور عدنان العطار من سوريا في مقدمة كتابه الذي حمل عنوان: "الدولة التركية من الميلاد إلى السقوط" أن الدولة العثمانية أحرزت انتصارات باهرة باسم الإسلام ووصلت في فتوحاتها إلى فيينا عاصمة النمسا وهي اقاليم لم تخضع من قبل لحاكم مسلم وقامت بدور هام في نشر الإسلام في ربوع هذه الأقاليم ووحدت الشعوب الإسلامية في إطار يعتمد على المساواة بينهم دون تفريق في الجنس واللون، وقد تطرق الكاتب إلى تاريخ الأتراك منذ أن استوطنت عشائر "الغز" التي عرفت بالترك أو الأتراك منطقة ما وراء النهر والمسماة اليوم (تركستان) والتي تمتد من هضبة منغوليا وشمال الصين شرقا إلى بحر الخزر (بحر قزوين) ثم تحركات هذه القبائل وتنقلاتها ثم دخول الأتراك الإسلام في عهد الخليفة عثمان بن عفان، ثم فتحهم بلاد بخارى في عهد معاوية بن ابي سفيان ووصول جيوشها سمرقند، والعثمانيون ينتسبون إلى قبيلة تركمانية كانت في بداية القرن السابع الهجري تعيش في كردستان وتزاول مهنة الرعي، ونتيجة للغزو المغولي بقيادة جنكيز خان على العراق ومناطق شرق آسيا الصغرى، فإن سليمان جد عثمان الأول بن أرطغول مؤسس الدولة هاجر إلى بلاد الأناضول واستقر في مدينة أخلاط (شرق تركيا الحالية)، كما تحدث الدكتور عدنان العطار عن أعمال الأمراء الأتراك والسلاطين العثمانيين وخلفائهم، وأهم الحروب التي خاضوها ومنها حرب القرم والحرب مع العجم، وحربها مع الحركة "الوهابية" في جزيرة العرب ثم ثورة اليونان، وحرب الشام الأولى بين محمد علي باشا والدولة العثمانية.

الجزائريون والدولة العثمانية

ما يعاب على الدكتور عدنان العطار هنا أنه لم يتطرق إلى كيف ارتبط مصير الجزائريين بمصير الدولة العثمانية مثلما تحدث عن لبنان والمسالة المارونية وتسليم فرنسا السلاح للكاثوليك وكيف نشب الصراع بين الدروز والمراونة، إلا أن كتابات أخرى تطرقت إلى علاقة الجزائر بالدولة العثمانية منذ عام 1518 أي منذ أكثر من 03 قرون من حكم العثمانيين للجزائر باسم الخلافة العثمانية إلى غاية الإحتلال الفرنسي (1830) الذي حاول فصل الجزائر سياسيا عن الدولة العثمانية ووضعه حدا للوجود العثماني، لكن فشل في تحريض الجزائريين على العثمانيين، تشير الكتابات أن الوجود العثماني في الجزائر تميز بالحضور الألباني في الفترة بين 1516 و1830 عن طريق البحّارة حتى أصبحت أغلبية رياس البحر من الألبان أو الأرناؤوط في السنوات الأخيرة للحكم العثماني، كما ارتبطت إيالة طرابلس الغرب (ليبيا) والجزائر في العصر العثماني بروابط عديدة حيث شهدت العلاقات بين الطرفين ازدهارا ملحوظا وعلى مختلف الأصعدة، كانت إيالة الجزائر من أبرز الولايات العثمانية التي ارتبطت بعلاقات مع طرابلس القرمانلية، حسبما اشار إليها الدكتور مفتاح غويطة من جامعة المرقب ليبيا، لكن الإحتلال الفرنسي للجزائر عجل في سقوط الحكم القرمانلي خاصة وأنه اقترن بشيخوخة رمز السلطة الوالي يوسف باشا فحدث توتر في العلاقات الطرابلسية الجزائرية.

ويذهب باحث آخر وهو الدكتور عقيل البربار من ليبيا أيضا للحديث عن علاقة الكراغلة بالجزائر العثمانية في طرابلس الغرب، والكراغلة هم عسكر محليون وهم خليط بين الطرابلسيين والجزائريين مهمتهم مساندة الدولة العثمانية في جمع الضرائب وفي فض النزاعات مقابل الحصول على الإعفاء من دفعها، لكن ماهي الأخطاء التي ارتكبها الوجود التركي في الجزاٍئر؟ تشير بعض الدراسات أن الرابطة بين الأتراك والجزائريين هي الإسلام والخلافة، فقد اكتسب الأتراك مشروعية وجودهم في الجزائر من خلال جهادهم ضد القوات الأجنبية وتحرير الأرض، لكن الحكام العثمانيون استغلوا هذا الوضع فترّكوا الحكم (أي أن تكون الجزائر تركية كما سعت فيرنسا وجعل الجزائر فرنسية)، ونظروا إلى الجزائريين نظرة الغالب والمغلوب، حيث فرضوا الإستبداد المطلق في تسييرهم الأمور الداخلية، بل حاولت السلطة العثمانية أن تفرض المذهب "الحنفي" على الجزائريين وأن يتحكم في أوقافهم، فأنشاوا إدارة محلية يتولى المفتي الأكبر الإشراف عليها، حيث تطورت الأحباس في الجزائر خلال العهد العثماني على المذهب الحنفي، تقول تقارير أن وثائق الأحكام الشرعية بالأرشيف الوطني الجزائري يحتوي على عقود تحبيس الأملاك، تعود إلى بداية القرن التاسع عشر وكانت هذه العقود في معظمها على المذهب الحنفي.

 

علجية عيش

.....................

المصادر

1) الدولة العثمانية من الميلاد إلى السقوط للد/ عدناة العطار من سوريا عن دار الأصالة ووحي القلم ط1 2006

2) محاضرات قدمها أكاديميون في مؤتمر دولي حول: "الجزائر والعالم العثماني احتضنته جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية قسنطينة في نوفمبر 2010 .

 

محمود محمد عليفي الأسبوع الماضي نشرت مجلة «الإيكونوميست» على غلافها صورة لكوكب الأرض ووضعت عليه لافتة مكتوباً عليها كلمة واحدة: «مغلق». بدَا كوكب الأرض فى صورة الغلاف وكأنه أحد المحال التجارية التى توقف العمل بها ووضعت لافتة الإقفال وهي :"سيتغير العالم كثيراً فيما بعد" ؛ لا سيما بعد أن زحف فيروس كورونا بعد الصين وإيران إلى دول الاتحاد الأوربي كالإعصار، جالباً معه ارتفاعاً في عدد المصابين والموتى والضرر الاقتصادي، الأمر الذي بدا فيها قادة الدول الأوروبية غير قادرين على الوصول إلى استجابة مشتركة للكارثة، التي ضربت قطاع الصحة وثقة المستهلك والأسواق المالية في آنٍ واحد.

وقد أدَّت زيادة عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا في أوروبا إلى فرض مزيد من السياسات. فطبقاً لبيانات جمعتها مؤسسة بلومبرغ، فإن دولاً مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا تضم أكبر عدد من الحالات المؤكدة للإصابة بكورونا خارج الصين، حيث وصلت إلى 5423 و7753 و24747 حالة على الترتيب. كما زادت سرعة الإصابة والانتشار بالمرض أيضاً، فقد زادت الإصابة به في فرنسا 5 أضعاف في أسبوع واحد، بينما تضاعف عدد الوفيات في إسبانيا بين ليلة وضحاها.

إن وسائل الإعلام الأوربية اليوم ترصد الموت علي مدار الساعة وترصد معه الضعف الأوربي وانحداره درجة السقوط، ذلك السقوط الذي يشبه سقوط الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينات عندما توهم العالم لأكثر من نصف قرن نجاح الإمبراطورية الماركسية اللينينية .. وسائل الإعلام الأوربية اليوم ترصد الموت علي مدار الساعة في أنحاء العالم ... وترصد الانحدار الايديولوجي الأوربية نتيجة للسياسة التي تبرر وضع كبار السن في ممرات المستشفيات وتركهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة .. كما أن الإلقاء بالفرق الطبية في ساحة الحرب والعجز عن توفير أقنعة لهم أو حتي معقمات كحولية لدفع الأذى عنهم لا ينذر بسقوط ولا يعجل به فقط، وإنما يُظهر بشكل كامل الطرق التي يسلكها هذا السقوط .. وسائل الإعلام الأوربية ترصد الموت علي مدار الساعة في أنحاء العالم .. وترصد أيضا تداعي الاقتصاد الليبرالي الذي جعل من الربح غاية لجميع السياسات ومنتهاها .

إن فيروس كورنا بدا أقوي من كل الأسلحة مجتمعة بالعالم، مع أنه ضعيف لكن العالم لم يتوقع هذا النوع من التهديد الفيروسي يوماً من الأيام، ولم يتوقع أن تصبح الحرب اليوم حرب فيروسات قد تكون بيولوجية أكثر منها طبيعية .. كورونا كان أقوي من كل التحالفات الاستراتيجية العسكرية والأمنية والاقتصادية بالعالم .. كورونا أقوي من معاهدات الدفاع المشترك .. كورونا أقوي من اتفاقيات مواجهة الكوارث الطبيعية والغير طبيعية حتي أقوي من كل اتفاقيات العمل الاستخباري المشترك .. لقد سقطت كل التحالفات الاستراتيجية أمام الكورنا ولم يتجرأ أي من زعماء العالم حتي الالتقاء مع الآخر.. توقفت لقاءات القادة ومنتدياتهم السياسية .. توقفت المؤتمرات السياسية حتي اللقاءات السرية باتت ممنوعة .. كورونا كشف لنا أنه أقوي من الاتحاد الاوروبي الذي تهددت بلدانه بشكل كبير فرنسا وإيطاليا وأسبانيا واليونان وبلجيكا وألمانيا .. لقد أجبر كورنا الاتحاد الاوروبي علي أن يغلق الجميع حدوده في وجه الآخر وفرض الإقامة الجبرية والحجر الصحي علي من يصل أي بلد بالعالم ..أُغلقت المطارات .. أوقفت الرحلات الجوية الداخلية وتوقفت حركة المواصلات بكافة اشكالها بين دول الاتحاد.. لم تقدم أي دولة اوربية العون لإيطاليا التي باتت تفقد كل يوم اكثر من 1000 مصاب ولم يرسل أحد اجهزة التنفس الاصطناعي إلي فرنسا أو يقرر الاتحاد الاوروبي استراتيجية موحدة للقضاء علي الفيروس ببلدانهم.. كل دولة مشغولة بمصيبتها وكل دولة أصبح كل ما يهمها سلامة مواطنيها واجتياز هذه الكارثة  التي باتت تهدد العالم، مع أن تطهير أوربا يتطلب تدخل عسكري مشترك لقوات مكافحه الهجوم البيولوجي والفيروسي في حلف شمال الأطلسي إلي جانب القوات البرية والجوية وفرض منع تجول علي كل أوروبا ورشها بالمعقمات المتطورة علي مدار الساعة مع عمل علي الأرض لكشف الحالات الجديدة ونقلها إلي المستشفيات الميدانية التي يفترض أن يكون قد تم انشائها .. حلف شمال الاطلسي تبخر وقد تكون كورونا استطاعت أن تشل قدرة هذا الحلف علي التدخل السريع وكشفت أنه لم يتسارع قادته لوضع الخطط المحتملة لمحاربة هذا الفيروس بمجرد أن ضرب الصين .

والسؤال الآن : ما هو مصير الاتحاد الأوربي بعد هذه الجائحة؟ وهل فشل هذه الاتحاد في أن يكون اتحاد أزمات؟ وهل كشف فيروس كورونا عجز الغرب؟، لماذا تصرفت كل دولة بالاتحاد الأوربي كقطر مختلف عن الآخر؟، لماذا تخلوا عن إيطاليا؟، هل سقطت ألمانيا في اختبار ريادة الاتحاد؟، وهل فعلاً تصرفت بأنانية مفرطة؟، هل نحن أمام تحالفات وتكتلات جديدة، وكيف يُنظر إلي وقوف روسيا إلي جانب هذه الدول؟، هل الدعم الصيني والروسي لأوربا عملاً إنسانياً محض أم لأهداف سياسية واستعراضية؟، ولكن لماذا الهجمة علي أوربا فقط؟، ألا تسير الولايات المتحدة علي ذات النهج الأوربي؟ ألم تثبت هذه الأزمة أن لا دولة كبيرة أمام هذا الفيروس؟، هل نحن أمام ارهاصات تصدع لنظام نيو – ليبرالي وتشظي معسكر الغرب كما كان قبل الحرب العالمية الثانية؟ .

يقال إن مصائب عند قوم فوائد، وفي حال النظام العالمي اليوم تبدو جائحة كورونا العاصفة بإيطاليا مكسباً ومصدراً للاهتزاز السياسي كما أعلن التقرير الذي قدمته قناة أورينت العربية في موضوع بعنوان "هل يطيح كورونا بالاتحاد الأوربي" .. وهذا التقرير أكد لنا أن إيطاليا تعيش منذ أسابيع أسوأ أيامها مع تفشئ وباء كورونا في معظم المدن والبلدات وفي تطور خطير تتصدر الدولة الأوربية قريناتها في إعداد الإصابات بالفيروس التاجي وتسجل حتي ساعة كتابة المقال أكثر من 74 ألف حالة، فيما تتخطي إيطاليا الصين في أعداد الوفيات برقم متسارع يتجاوز 7500 شخص .. أرقام كارثية يضاف لها فرض حالة الطوارئ ومنع التجول ووقف كامل للعجلة الاقتصادية والسياحية ما أدخل إيطاليا الواقعة أساساً تحت احتمال انهيار اقتصادي بديناً اجمالي يصل بنحو ثلاثة تريليون دولار أمام نفق غير واضح المعالم .. وهنا تدخل روسيا والصين علي خط الأحداث المتسارعة في إيطاليا فترسل الأولي 14 طائرة محملة بمساعدات إنسانية وطبية بما فيها طواقم مختصة في علوم الأوبئة ومكافحة فيروس كورونا، فيما ترسل الصين المصدرة لفيروس كورونا إلي الكرة الأرضية فريقاً طبياً مؤلفاً من خبراء مكافحة فيروس كورونا وأجهزة انعاش والعناية المركزية ...

إن التحرك الروسي الصيني تمت قراءته كمحاولة للاصطياد بالمياه العكرة وفرصة لكسب إيطاليا بهدف تمزيق الاتحاد الأوربي لا سيما بعد الاتهامات الموجهة لهذا الاتحاد في التقصير بمساعدة إيطاليا، في حين تقول وسائل إعلام أوربي بأن تفشي فيروس كورونا لا يقتصر علي إيطاليا ويشمل في أضراره وأعداد مصابيه الكبيرة في أسبانيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وغيرها .. الأمر الذي سبب حالة من الإرباك في معظم دول أوربا، وأظهر روسيا والصين كمنقذين لإيطاليا .. في حين ومع الضجة الإعلامية لهبوط الطائرات الروسية والصينية التي تحاول أحزاب إيطالية استغلالها للترويج بالمعسكر الشرقي، تأتي المفارقة من إعلان المعهد الإيطالي للشؤون الدولية في روما أن المساعدات الطبية الروسية – الصينية لا يمكن ذكرها مقارنة بتلك المساعدات التي أعلن عنها البنك المركزي الأوربي من خطط لشراء سندات إيطالية تصل إلي 750 مليار يورو وبين صناديق طبية روسية وعدة خبراء صينيين يبقي المشهد ملقي لذات المعهد بالرأي العام الذي قد لا يمكن اقناعه بتلك الحقائق .

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة نود أن نشير إليها وذلك من خلال هذا التساؤل الذي فرض نفسه على هامش الهجوم الكاسح لفيروس «كورونا»على أوروبا: متى ينهار الاتحاد الأوروبي؟ وهل ينجو النموذج الاقتصادي للاتحاد الأوروبي من وباء «كوفيدـ 19»؟! بعد أن التزمت الدول الأوروبية بما يشبه «الابتعاد الإجباري» عن دول الاتحاد، وأغلقت الحدود لأول مرة في وجه شرعية اتفاقية «شينجن» لفتح الحدود بين الدول الأعضاء في الاتحاد، لتواجه إيطاليا وإسبانيا ـ على سبيل المثال ـ حالة من العجز والاحتياج في مواجهة فيروس كورونا الذي توطن وبلغ ضحاياه عشرات الآلاف من المصابين والموتى، لولا مبادرة المساعدة العاجلة من روسيا والصين للتخفيف من نكبة إيطاليا وإسبانيا، بينما الاتحاد الأوروبي لم يتحرك وبقي في حالة من الانكماش و«الابتعاد الإجباري».. ونفس المعاناة طالت دولاً أوروبية أخرى ـ على انفراد ـ منها بريطانيا وفرنسا وألمانيا، مع غياب التنسيق والدعم المتبادل بين دول الاتحاد الأوروبي وذلك كما قال فتحي خطاب في مقال له بعنوان «كورونا» يطرح سؤالا محيرا: متى ينهار الاتحاد الأوروبي؟!

اعتقد أنه اذا ما استمرت الكارثة الوبائية في التفشي إلي نهاية العام الحالي 2020 وأتوقع كما قال فتحي خطاب (في مقاله السابق) أن يتفكك الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الاطلسي وتنهار كل اتفاقيات الدفاع المشترك بالمنطقة العربية، وقد تلجأ الدول الناجية من الكورنا إلي عقد اتفاقيات وتحالفات أكثر شمولية وأكثر تخصصة وسيكون غالبها اتفاقيات وتحالفات عمل مشترك نحو الحفاظ علي بلدان كل حلف نظيفا من أي فيروسات، بل وسوف يضعوا كل اجراءات الحماية لأي فيروس متوقع، بيولوجي كان أم طبيعياً , وأتوقع أن تسود الصين وتتراس العالم اقتصادياً وعلمياً، وتكون هي رأس كل التحالفات الاستراتيجية الجديدة لما يخدم البشرية بعيداً عن تسابق التسلح وتسابق صناعة الصواريخ التدميرية  ليكون التوجه نحو صناعة الأدوية والاكتشافات الانتي- بيولوجية التي من شانها أن تقضي علي أي فيروس متطور أو متحد مع آخر أو مولد في مهده وقبل تفشيه.. سوف تتغير خارطة التحالفات  الاستراتيجية بالعالم وسوف تتغير مراكزها وقد تندثر دول وتتلاشي وتقوي دول وتضعف أخري بفعل انهيارات اقتصادية كبيرة تسبب فيها الكورونا، وسوف يتغير شكل العالم بعد عهد الكورونا وقد تبرز دول أخري لم يكن لها وزن سياسي، لأن وزن الدول ومركزيتها بعد اليوم سيحدده العلم والتفوق العلمي والطبي والقدرة علي ايجاد كل عوامل الحماية من أي كوارث بيولوجية غامضة ككارثة الكورونا، نعم قد تتحول الحروب بعد اليوم الي حروب بيولوجية سرية يكتشفها الانسان بعد حدوث تدمير شامل وابادة شاملة لكثير من الامم وقد يختفي السلاح التقليدي ويظهر سلاح آخر أكثر فتكا بالبشر سلاح أخطر من الاسلحة النووية  تعمل به وتستخدمه دول ومنظمات واجهزة استخبارات عالمية لأغراض غير إنسانية تتنافي مع كل القوانين والشرائع الدولية التي انتهكت قبل ذلك من كثير من الدول دون ادني خشية ان يتحول العالم يوماً من الأيام إلي عالم مجنون.. وللحديث بقية عن تداعيات كرونا في المقالات المقبلة إن شاء الله!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

الطيب بيت العلوي- إن التاريخ يعلمنا أن البشرية لا تتطور إلى حد كبير إلا عندما تكون خائفة حقا…

- جائحة عابرة ستساعد على إنجازحكومة العالم الجديدة *تصريح جاك أتالي في عام 2009: المستشارالأسبق لكل الرؤساء الفرنسيين منذ ميتيران حتى الرئيس الآخير ماكرون

لم يعد الكلام في البطاح والبلدان سوى الحديث عن فيروس كورون:، ترتفع أصداؤه في الآفاق على كل لسان، حتى فاق ذكره، ذكرالواحد القهار.

فمن المستفيد من الجريمة؟

كوفيد- Covid-19:19 :يتطور، ينتشر، يتحول إلى وباء، يهاجم ويقتل.

لن أتحدث هنا عن الفيروس التاجي، -فذاك مجال له أهله وإختصاصيوه .بل سأتحدث عن الصخب السياسي الدائرحول النظريات المتعلقة ب Covid-19، حيث لا يزال الجدل يدورعن حقيقة ماهية هذا الفيروس و عن مصادره، فذهبت الآراء والقراءات والتفسيرات كل مذهب.:

* فيروس صنع صيني؟ -يصر ترامب-، أو خلق أمريكي؟ يقول الصينيون والروس والكوبيون والإيرانيون

يدورالجدل اليوم بصدد هذه الفرضيات الذي لن يتوقف حتى ما بعد كورونا:

- حيث يقع الخلط والخبط والمناوشة بين مفردات * الشائعة* و* نظرية المؤامرة* والخبر الزائف، وأضداها من أنواع الإعلام الموازي والضد.

حيث يتم الحديث عن الحروب الباكتيرولوجية -وإن كان هذا النوع من الحرب ليس بالجديد، حيث إستعمله البيض في القرن الثامن عشر لإبادة الهنود الحمر في القارتين الأمريكيتين عبر تعقيم الأغطية بالجراثيم الفتاكة المهداة - بإعتبارأن الغرب لم يرعو عن القيام بأبشع الممارسات اللاأخلاقية في فترات الإستعمار الغربي

ويتم الترويج من بشكل كبير لنظرية المؤامرة، بسبب المواقف المشبوهة للحكومات الغربية التي قللت من خطورة الفيروس والسخرية من *هلع* الصينيين بسبب إستنفارها لمحاربة الفيروس-وخاصة من طرف ماكرون الفرنسي وترامب الأمريكي-

وقد تلخص أن الشعوب الغربية تعتقد بأن حكوماتها تخفي الحقيقة، خاصة بأن ماكرون وترامب صرحا لشعبيهما بأن الوضعية المستجدة مسيطرعليها بالكامل، وتبين لا حقا عكس ذلك، مما خلق التربة الخصبة لرعاية ودعم نظريات المؤامرة .

بدءاَ، لنحاول الإبتعاد عن مضاربات نظريات المؤامرة وأضداها، تفاديا للوقوع في شباك خطابات النهايات التوراتية، وإرتعابات البوكاليبس وتهاويلها، التي صاحبت همجيات الحربين العالميتين، وفظاعات هيروشيما ونغازاكي، وما تلاها من فزاعات أطروحات المابعد و نهاية الإنسان، التي رافقت ما بعد الحرب الباردة .

هذا ولئن رفضنا-قبليا-مقولات المؤامرة، فإنها في أنظارالبعض تعود إلى السطح، مع حدث جائحة *كونفيد-19*: أو فيروس كورونا المثير للجدل كجائحة طبيعية، أومفبركة، وكيف سيواجهها العالم على جميع الأصعدة؟

ومن هذا الباب، فخذ بنا بديا، إلى القول بأن جائحة كورونا، حشرت البشرية في العالم المرعب لمادماكس فما العمل ومن المستفيد؟

ومن جهة ثانية :لقد قزمت هذه الجائحة الغرب المتقدم والإدعائي إلى حجمه الطبيعي، وأعادت عقارب الساعة إلى نفس التساؤلات المستعصية : الميتافيزيقية، التلفسفوية، الإيديولوجية، والسياسية للقرن التاسع عشر فكيف ذلك؟

ومن جهة ثالثة، أربكت هذه الجائحة، إختصاصي العلوم الباكتريولوجية والفيروسات والأمراض المعدية في الغرب، ولم يستقروا في شأنها على قرار، ولم يتوحدوا في أمرها على مقال، في حين أن الجائحة، تتحدى، تتزئبق، تنتشر، تُعدي، تقتل، تُرعب وتفتك بالبشر.مقابل تهاطل المهاترات *العلموية*وتكاثرهاعلى مدارالدقائق والساعات والأيام المرافقة لغياب الحلول العلمية والعملية التي ما فتئت تتزئبق وتتعارض وتتراجع في دول عظمى مثل الولايات المتحدة، بريطانيا ألمانيا وفرنسا.

ومن جهة رابعة:شعوب العالم المتقدم تضج تفزعا وخشية، وبدأت تفقد الثقة في نجاعة مراكزه العلمية وفي مصداقية سياسييه. حيث أن معظم كبارمتخذي القرارات السياسية في الغرب، قد قللوا من شأن الفيروس ومن خطورته في البدايات، مثل ماكرون في فرنسا وجونسون في إنجلترا وترامب في الولايات المتحدة وتبعهم في ذلك دول إسكندنافية ومن دول البلطيق، معتبرينه مجرد إصابة مثل الأنفلونزا العابرة، وأن إيلاءه كبيرالإهتمام هو مجرد فوبيا جماعية وشعبوية خرقاء، ثم تبين لاحقا أنهم كانوا على علم بالفيروس بمخاطره فصمتوا عن ذلك، فكان من الطبيعي أن يطرح البعض تساؤلات بهذا الصدد، معظمها ظلت بدون أجوبة، مما أدى بالكثيرين إلى الغرف من نظريات المؤامرة -وقد يكونوا محقين في ذلك-وهذا جانب تفصيلبي قد نوضحه في مبحث آخر-

ومع مرورالأيام إزدادت الأمورتعقيدا بعد تفشي الجائحة، وصمت ساسة الدول الغربية -التي كانت حتى البارحة النموذج الأمثل للدول الخارجة عن الغرب المركزي-، حيث تبين أن هذه الدول المتقدمة تكنولوجيا وعلميا، وذات الباع الطويل في مجالات البحوث الجرثومية والأمراض المعدية، عاجزة عن مواجهة هذه الجائحة بسرعة وكفاءة وفعالية، بسبب عدم توفرالإمكانيات والتجهيزات المختبرية المتقدمة، رغم تبجح ماكرون وترامب في أن بلديهما يمتلكان الخبرات والتجهيزات المناسبة الأكثرتقنية وجهوزية لمواجهة كل أنواع الكوارث والأزمات، فتبين لاحقا عكس ذلك -حيث أن فرنسا على سبيل المثال لا تملك حتى الأقنعة الواقية الكافية للأطباء والممرضين وسائقي سيارات الإسعاف حيث يطلق عليهم ب* المنسيون ومهملو الجمهورية* أما الشعب في فرنسا مثلا فقد عمد إلى طرق وسائل جداتهم إبان الحربين العالميتين أو ما يسمى بSystem D

الأزمات تُسفرعن خفايا الأشياء:

1- زيف القيم العليا الإنسانية الغربية: وملاك الأمر في هذا الأمر، أن إستقراء التاريخ ومباحث الأنثروبوجيات الجادة، تخبرنا بأن الأزمات تُسفرعن معادن الأشياء والبشر:فليس من المبالغة القول، إذاَ، بأن تحميل مفهوم القيم العليا الإنسانية الغربية أكثرمما تحتمل، عندما نتبين أن إرجاع مفاهيم القيم الإنسانية العليا وحصرها في مفهمة* الحضارة الغربية* قد تداعت منذ عقود.مادامت جائحة كورونا قد كشفت عن زيفها المطلق، -وهذا جانب تفصيلي يحتاج إلى مبحث مطول- مما يجعلنا إلى القول بأن العبرة بمضمون الأمرلا بالإسم.

موت المثال الغربي إلى غيررجعة:

وفضلا عن هذا وذاك، فالثابت للعيان أن الصين البوذية/ الديكتاتوريةالملحدة، وآكلة الخفايفش والكلاب والفئران والسحالي والحشرات :تساعد إيطاليا وإسبانيا-الأوروبيتين المسيحيتين-كما ساعدت حوالي 82 دولة من جميع الأنواع العرقية والحضارية والجغرافية /ومرأى تقبيل رئيسي حكومتي إيطاليا والصرب لعالم الصين كان مدار إهتمام العالم كله.

فتبين للشعوب الغربية مدى خواء ما يسمى بالقيم الإنسانية العليا الغربية، عندما تخلت دول عظمى مثل ألمانيا وفرنسا وإنجلترا عن شقيقتها إيطاليا - معقل الحضارتين الرومانية والمسيحية الكاثوليكية، وبلد النهضة الأوروبية، ورائدة فنون التعبير الكتابي والتشكيل والعمران لما بعد المسيحية الغربية،

وأكثر من هذا: أن دولا أوربية إستجابت إلى ضغوط واشنطن -اللاأخلاقية- لعرقلة المساعدات الصينية السخية لإيطاليا وإسبانيا، عندما قررت جمهورية التشيك إيقاف مجموعة من 101600 قناع طبي قدمتها الصين إلى إيطاليا-بدون تهريج إعلامي – وإلى حوالي 82 دولة أوروبية وإفريقية وأسوية أهمها إيران.

-روسيا الملحدة والمارقة -كما يصفها الغرب في أدبياته السياسية والإعلامية-، ترسل علماء الفيروسات العسكريين الروس لمكافحة الفيروس التاجي في إيطاليا بسبب إرتفاع حصيلة القتلى بما يقرب من 800 في غضون كل 24 ساعة

- كوبا العصية على *الأمركة*

على الرغم من العقوبات اللاإنسانية والحصار الطويل الذي فرضته واشنطن على الجزيرة لعقود طويلة، تمكنت كوبا من تطوير نظام طبي فريد في العالم خارج القبضة الخانقة لشركات الأدوية العالمية الكبرى. لم يستطع النظام الطبي الكوبي تطوير جزيئاته العلاجية فحسب، بل تمكن من التصدير بنجاح ودون أي اعتبار لمقدمي الرعاية الشخصية في منطقة البحر الكاريبي وأمريكا الجنوبية وأفريقيا وآسيا.

كما لا حظت الشعوب الغربية المشاهد المزرية لبلدانهم كيف تواجه الفيروس بالطرق البدائية في حين يشاهد العالم كيف تمكنت الصين من بناء مستشفياتها بكامل الأجهزة التكنولوجية المتقدمة-التي لا يمتلكها الغرب-حيث تم ذلك في ظرف إسبوعين-بدل عام- في حين أن فرنسا صرفت تصرف خمسة أيام في إقامة خيام لإستضافة المصابين في الضواحي الباريسية مثلا.

وبالمقارنة الموضوعية، ومن باب الشيء بالشيء يُذكر، فإن الولايات المتحدة -كصرح متقدم للحضارة الغربية، والوريث الشرعي لقيمها-نجد أن إدارة ترامب تواصل تحويل الانتباه العالمي عن الحالة المتداعية لنظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة التي أبان فيروس كورونا عن الثغرات اللاإنسانية في النظام الصحي الإجتماعي الأمريكي -الذي هو الأسوأ في العالم المتقدم مقابل نظائره في أوروبا الغربية-، وعدم التوقف عن اتهام الصين بأنها المسؤولة عن جائحة وقد يكون ذلك- والمستقبل كفيل لتبيين الحقيقة -ليتوضح لنا، مدى خبث وسخافة البارانويا والفوفيا الأمريكية تجاه *الدول المارقة*لإيمان واشنطن-على لسان وزير خارجيتها، ب*سلبية*وخطورة النشاط الصيني في العالم -بدون تحديدماهيتها -، وعدم إستجابة إدارة ترامب لمنظمات إنسانية أمريكية وأجنبية بما فيهم صحفيون مشهورون مخضرمون أمريكيون برفع الحصار الإقتصادي عن إيران من أجل منع إنتشار العدوى لأسباب إنسانية .فكان رد ترامب هو تشريع المزيد من العقوبات على إيران، حيث ربما سيعيش ترامب ما يسمى ب*كورونا غيت*التي قد تعرقل كل مشاريعه حتى ولونجح في حملته الإنتخابية.

هذا إضافة أن سمعة ترامب وصلت -في خارج أمريكا – إلى الحضيض، عندما شاع بأنه حاول إرشاء مختبرألماني متخصص في البكتريولوجيات، من أجل التعاقد الحصري لإيجاد لقاح للولايات المتحددة بهدف الإستعمال الحصري داخل أمريكا-وذلك لثلاثة أسباب رئيسية وهي :

دعم حملته الإنتخابية، -بالدرجة الأولى، و ممارسة المزيد من الضغوط الإقتصادية على الدول المستعصية على التدجين والتركيع للمشيئة الأمريكية ثم إستثماراللقاح- بالتعاون مع مافيات الصناعات الكيماوية للأدوية، كمنتوج إقتصادي في زمن الحاجة إليه عالميا -وتلك رؤية ترامب الماركانتيلية الإحتكارية النفعانية الشرهة للعالم-

وبعد هذا وذاك، فالعالم المتحضر- بحكوماته وسياسيه ومثقفيه وشعوبه ومتخصصيه – ينظرون إلى اليوم إلى فيروس كورونا بمفردات :العجزوالتيه، الخوف والتخويف، التجهيل والتزييف التشوش والإرباك، الثرثرة والتسييس ...

حيث أصبح الغرب /الأنواري-التنويري/ حتى النخاع، والمتقدم الحضاري والديموقراطي حتى الثمالة مهدد اليوم بالتفكيك من الداخل أكثر من أي وقت مضى؟ ومن ما يزال يؤمن بمصداقية التبجحات الغربية، فذاك ظن من ظنه ماء، وآماله سراب، وعلمه خواء وهباء.ففيروس كورونا أدخل الغرب خاصة، والعالم بأسره، في عالم ماد ماكس المرعب.فهل سيصل العالم إلى ماإنتهى به الفيلم المخيالي الأمريكي؟ - والتساؤل سيظل قائما إلى ما بعد كورونا.فمن المستفيد؟

للمبحث بقية

 

د. الطيب بيتي

 

سليم مطران التدقيق الشمولي بالاحصائيات السنوية، يكشف لنا بوضوح ان مرض الكورونا لا يختلف بعدد ضحاياه عن عدد ضحايا الانفلونزا الموسمية. ومن الخطأ البحث عن من صنع الفيروس، بل تحديد (عملية التهويل والترهيب الاعلامي) التي تهيأ لفرض النظام البوليس العالمي.هذه الاحصائيات اساسية جدا لفهم وتحليل الامراض في العالم:

هذه الاحصائيات الاساسية جدا لفهم وتحليل الامراض في العالم

احصائيات عامة لسكان الارض

ـ سكان العالم هذا العام حوالي 8 مليار نسمة في العالم

ـ في اليوم الواحد: يموت حوالي (200 الف) انسان.

ـ في اليوم الواحد: يولد حوالي (300 الف) انسان

ـ عدد الوفيات خلال الثلاثة اشهر منذ بداية هذا العام: حوالي 14 مليون انسان

ـ عدد الولادات خلال الثلاثة اشهر منذ بداية هذا العام: حوالي 33 مليون انسان

احصائيات اساسية عن علاقة الانسان بالميكروب

ـ يتكون جسم الانسان من حوالي 70 تريليون خلية

ـ اضعاف عدد هذه الخلايا، أي اكثر من نصف وزن الانسان، يتكون من (ميكروبات) في داخل وعلى جسم الانسان، كلهات مفيدة وضرورية للصحة. ولكن قد يتحول بعضها الى ضار في حالة سوء الحالة الصحية (البدنية والنفسية)

احصائيات عن ضحايا امراض الجهاز التنفسي والانفلونزا الطبيعية الموسمية

ـ كل عام في العالم يموت حوالي (9 مليون)  بسبب مختلف امراض الجهاز التنفسي:

ومنها مرض الجهاز التنفسي السفلي (Respiratory tract infection)

مرض الانسداد الرئوي المزمن (Obstructive Pulmonary Disease)

مع مرض السل

ـ خلال ثلاثة اشهر حوالي مليونين وفاة في العالم، بسبب تلوث الجو!

ـ كل عام يصاب حوالي 5 مليون انسان بالانفلونزا يموت منهم حوالي (ثلاثة ارباع مليون).

ـ في اوربا وحدها 60 الف حالة وفات سنويا بالانفلونزا

ـ (99% ) من وفيات الاطفال دون الخامسة في العالم الثالث، بسبب الانفلونزا

ـ في فرنسا وحدها: في العام الماضي اكثر من (100 الف) اصابة بالانفلونزا ادت الى اكثر من 13 الف وفات عام 2018.

ـ في الولايات المتحدة يموت سنويا حوالي (40 الف) انسان بالانفلونزا

بعض احصائيات اسباب الوفيات  في العالم

كل عام يموت 60 مليون انسان، لمختلف الامراض والحوادث.

ـ من الطرائف ان نسبة الوفيات الكلية في البلدان المتخلفة اقل من المتقدمة؟!!

في العراق مثلا: يموت سنويا : 4  اشخاص سنويا بين كل 1000 شخص!

بينما في المانيا 12 شخص كل الف، بسبب ارتفاع نسبة المسنين.

ـ وفيات الامراض المعدية حوالي 20 مليون انسان

ـ السرطان حوالي 8 مليون

ـ فقط بـ(حوادث التزحلق والسقوط) هنالك (نصف مليون) وفاة سنويا

ـ الغرق نصف مليون وفاة

ـ الكحول 2 مليون ونصف

ـ السيكائر حوالي ثلاثة ارباع المليون

ـ سوء التغذية حوالي 4 اربعة مليون

ـ مرض السكر اكثر من 3 مليون

ـ الانتحار حوالي المليون

ـ النساء بسبب الحمل والولادة حوالي المليون

ـ القتل الشخصي اكثر من نصف مليون

ـ النساء المقتولات من قبل ازواجهن: اكثر من 50 الف

ـ الحروب حوالي 200 الف ضحية

ـ عض الكلاب حوالي 50 الف ضحية

آخر احصائيات مرض كورونا

حتى هذه الايام العدد الاجمالي للمصابين بمرض الكورونا:

حوالي 500  الف  95  % منهم مرضهم خفيف وعادي..

الوفيات اكثر من 22 الف

المتشافين: حوالي 120 الف

نسبة الوفيات اقل من 1% من المصابين، اكثر من 90% من المسنين المرضى بامراض دائمية مثل السكر والقلب والضغط والسرطان وغيرها.. وهي اكثر بقليل من نسبة الانفلونزا. علما بانه اقل خطورة من الفلونزا لانه لا ينتقل عبر الهواء بل فقط عبر اللمس المباشر ورذاذ اللعاب

ـ ان وفيات الكورونا مثل الانفلونزا سببها مرض آخر موجود مسبقا. هذا مثال عن آخر حالة وفات في العراق هذه الايام:

بارتفع عدد الوفيات جراء الإصابة بفيروس كورونا في العراق إلى 37، الجمعة، بعد تسجيل حالة جديدة بمحافظة ذي قار: إن "المتوفية كانت مصابة بكورونا وعانت أيضاً من مرض السكري، وتبلغ من العمر 56 عاماً"..

ومساء الخميس(26 نيسان)، أعلنت الصحة العراقية، تسجيل 382 إصابة

معلومات اضافية عن ازمة المرض في العالم

ثم يليها مصادر الاحصائيات

ـ هذا يوتيب عن نظام المراقبة المرعب الذي فرضته الصين على شعبها باسم مكافحة المرض:

https://www.youtube.com/watch?v=ebn46MDj-Ug

ـ هذا يوتيب لقاء مهم جدا مع المفكر الانكليزي(ديفيد ايك : David Icke) ويتحدث به عن خطة السيطرة على العالم من خلال رعب مرض كورونا:

https://www.youtube.com/watch?v=dpBRMdyxCeU

ـ هذه الزعيمة المعارضة الفرنسية، تنتقد الحكومة لانه تقوم بالتهويل الاعلامي بصورة اكثر من اللازم من اجل غايات سياسية.

https://twitter.com/LaDepeche82/status/1239297888561303552?ref_src=twsrc%5Etfw%7Ctwcamp%5Etweetembed%7Ctwterm%5E1239297888561303552&ref_url=https%3A%2F%2Fwww.francetvinfo.fr%2Fsante%2Fmaladie%2Fcoronavirus%2Fje-pense-qu-il-y-a-une-manipulation-politique-la-maire-sortante-de-montauban-en-tete-du-premier-tour-des-municipales-critique-la-gestion-de-la-crise-du-coronavirus_3869587.html

ـ هذا الطبيب الفرنسي يقول:

 ان ضحايا الفلونزا لا يجلبون انتباهنا سنويا لاننا لم نهتم اعلاميا ولم نجلبهم الى المستشفيات. ويعتبر (الكورونا) اشبه بالكوسج(سمك القرش) الذي يرعبنا كثيرا رغم ان عدد ضحايا في العالم سنويا(3000) ، اما(الانفلوانزا) فهي اشبه بالبعوض الذي لا يخيفنا كثيرا رغم ان عدد ضحاياه سنويا(700 الف)!.

https://www.agoravox.fr/actualites/politique/article/le-taux-de-mortalite-du-222035

ـ أكد الدكتور أحمد عكاشة، رئيس الجمعية المصرية للطب النفسى إن ضحايا الإنفلونزا العادية 10 أضعاف ضحايا فيروس كورونا، كما أن ضحايا حوادث السيارات أكثر من كورونا.

https://www.youm7.com/story/2020/3/10/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B9%D9%83%D8%A7%D8%B4%D8%A9-%D8%B6%D8%AD%D8%A7%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D9%81%D9%84%D9%88%D9%86%D8%B2%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-10-%D8%A3%D8%B6%D8%B9%D8%A7%D9%81-%D8%B6%D8%AD%D8%A7%D9%8A%D8%A7-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7/4666213

ـ هذا الباحث الاقتصادي يستغرب بان عالم المال يتعاملون مع الازمة الحالية وكانها دائمية وليس وقتية؟!

https://www.allnews.ch/content/points-de-vue/coronavirus-la-phase-dexag%C3%A9ration-est-proche

ـ الفضائية التابعة لترامب تدعو مختصين يتهمون الطرف المعادي بانه يشيع الرعب من المرض للتأثير الانتخابي:

http://www.slate.fr/story/188553/fox-news-desinformation-coronavirus

ـ طبيب فرنسي، يدين اعلام التخويف والرعب من المرض، وانه بالنتيجة لا يختلف عن باقي السنوات، ويحث الناس على تجنب مشاهة التلفزيون الذي ينشر الرعب.

https://alternatif-bien-etre.com/maladies/coronavirus-des-medecins-osent-dire-la-verite/

ـ هذا الموقع اليساري العالمي، يقول ان (القوى العالمية التي اجتمعت في دافوس في شهر كانون من هذا العام، قد اقرت تنفيذ الخطة المعدة منذ سنوات المسمات(Agenda ID2020 ) التي تتخلص بفرض النظام الامني على الطريقة الصينية باسم الخوف من المرض:

https://www.mondialisation.ca/la-pandemie-de-coronavirus-covid-19-le-vrai-danger-est-lagenda-id2020/5642924

 

سليم مطر – جنيف

................................

مصادر الاحصائيات

اهم موقع عالمي رسمي لاحصائيات العالم بمختلف اللغات ومنها العربية:

https://www.worldometers.info/ar/

ـ حول خلايا وميكروبات جسم الانسان:

https://www.bbc.com/arabic/science-and-tech-43710716

ـ احصائيات دقيقة عن الوفيات في العالم، في ويكيبديا، بالعربي. ومن المستحسن مطالعتها ايضا بالانكليزي والفرنسي:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%B9%D8%AF%D9%84_%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%81%D9%8A%D8%A7%D8%AA

ـ عن نسبة الوفيات في مختلف بلدان العالم:

https://www.indexmundi.com/map/?v=26&l=fr

ـ وفيات الامهات اثناء الحمل والولادة

https://www.who.int/maternal_child_adolescent/topics/maternal/maternal_perinatal/ar/

ـ حول ضحايا تلوث الجو

https://www.planetoscope.com/mortalite/1913-deces-dus-a-la-pollution-dans-le-monde.html

ـ عن احصائيات فرنسا، طالع:

https://www.lci.fr/bien-etre/grippe-saisonniere-l-epidemie-fait-elle-vraiment-moins-de-morts-cette-annee-2147290.html

كذلك:

https://www.francetvinfo.fr/sante/maladie/grippe/la-grippe-fait-plus-de-1-000-victimes_3179511.html

كذلك:

https://www.lemonde.fr/idees/article/2020/03/09/coronavirus-et-si-l-on-en-faisait-autant-contre-la-grippe_6032342_3232.html

ـ احصائات ضحايا الانفلونزا في امريكا:

https://www.cdc.gov/flu/about/burden/preliminary-in-season-estimates.htm

 ـ فلم في محطة الجزيرة عن المرض في امريكا:

https://www.aljazeera.net/programs/newsreports/2020/2/22/%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D8%AA%D8%A7%D9%85-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6

كذلك:

https://www.lapresse.ca/actualites/sciences/202003/05/01-5263504-le-danger-relatif-de-la-grippe-et-du-covid-19.php

ـ عن عدد الضحايا في اوربا:

https://www.sciencesetavenir.fr/sante/l-oms-rappelle-que-la-grippe-saisonniere-fait-60-000-morts-par-an-en-europe_141906

ـ عن وفيات الأطفال دون سن الخامسة الأنفلونزا في البلدان النامية. منظمة الصحة العالمية:

https://www.who.int/ar/news-room/fact-sheets/detail/influenza-(seasonal)

ـ حول احصائيات مرض كورونا:

طالع الصحيفة الطبية:

Pourquoi Decteur

https://www.pourquoidocteur.fr/Articles/Question-d-actu/31733-Coronavirus-taux-mortalite-probablement-bas-qu-annonce-incertain

ـ عن آخر وفاة بهذا المرض في العراق:

https://www.aa.com.tr/ar/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B9-%D9%88%D9%81%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7-%D8%A5%D9%84%D9%89-37/1781520

 

 

حسن العاصيليس من المصادفة أن يتوافق ترتيب القوى الأكثر فاعلية مع ترتيب الدول الأقوى إعلامياً. فلم يعد الإعلام مجرد خطاب سياسي أو ثقافي، بل أصبح شريكاً رئيسياً في صناعة الأحداث العالمية. ويقوم بمتابعة تطورات هذه الأحداث والأفعال ويصحح اتجاهاتها.

بالرغم من أن العلاقة بين الحقيقة والإعلام هي علاقة جدلية تبادلية، إذ في الوقت الذي تسهم فيه الحقائق في صناعة إعلام بارز وناجح ومؤثر، فإن الإعلام يمكن بدوره أن يكشف الحقائق ويثبتها ويعززها وينشرها أو يغيرها، أو ينقلها من مكانها، أو يوظفها في سياقات غير حقيقية. إن للإعلام تلك المقدرة الكبيرة على تدوير الحقائق لتصب في مصلحة جهة أو دولة ما، من خلال التلاعب بالعقول. حتى تلك العقول المثقفة والنخبوية لا تنجو من التأثير العميق الذي يحدثه الإعلام الموجه على خيارات وأفكار ومواقف وقناعات الناس.

إن من يتوقع الحصول على الحقيقة من خلال وسائل الإعلام فإنه لا شك واهم، ذلك أن هدف وسائل الإعلام المتعددة هو إنتاج منظومات فكرية تقوم على صياغة أفكار ومفاهيم واذواق المتلقين، من خلال رسائل إعلامية وصور ورموز ومصطلحات تتكرر حتى تتحول إلى بديهيات ومسلمات في ذهن المتلقي، كي تسيطر على متطلباته من جانب، وتوظفها وتستثمرها من جانب آخر. ويمكن للإعلام أيضاً أن يكون صانعاً لنماذج بشرية ذات نفوذ مجتمعي، تقوم بالتأثير على الناس لخدمة مصالح سياسية لطرف او غيره. ووسائل الإعلام تقوم بهذا الدور بخبث شديد من خلال إظهار جزئيات وتفاصيل صغيرة بصورة مكثفة واختزالية وبسيطة في ذات الوقت، كي يسهل تسللها إلى وعي المتلقي، ومن ثم تصبح شيئاً مسلماً به موجود في العقل البشري، يصعب تفكيكه.

الناس تميل لمتابعة الأخبار الكاذبة

في دراسة أخرى أجراها البروفيسور الدنماركي "أندرياس بيركباك" Andreas Birkbak أستاذ الفلسفة في جامعة "آلبورغ" Aalborg Universitet في عام 2018

من أهم النتائج التي ذكرتها الدراسة أن معظم الناس نظراً لأن لديهم تصوراً معيناً عن قضية ما، فإنهم لا يميلون تمامًا للسماح للآراء الموضوعية بتصحيح المفاهيم، بل على العكس يقومون بمراجعة الحقائق لتتناسب مع مفاهيمهم الخاطئة. كما بينت الدراسة أن تحيز الناس لمواقف ما أو أشخاص ما أو لأي شيء يقودهم إلى تحريف المفاهيم والمواقف، بل إنهم يخلقون معلومات خاطئة، وتسوء الأمور حين يعتقد الناس أن عليهم نقل هذه المعلومات الخاطئة. فالقصص الكاذبة تنتقل بخصائص جديدة عبر وسائل الاتصال والتواصل وبين الجموع.

من جانب آخر فقد أجرى المعهد الأمريكي “ماساتشوستس” للتقنية Massachusetts Institute of Technology مؤخراً دراسة شملت حوالي 130 ألف خبراً كاذباً وإشاعة على موقع “تويتر”، وتوصلت الدراسة التي أشرف عليها باحثون متخصصون إلى أن الأخبار الزائفة تنتشر بصورة أسرع كثيراً من تلك الأخبار الحقيقية، وأن الناس يبحثون عنها وأن مستخدمي تويتر أعادوا تغريد الأخبار الكاذبة بصورة مبالغ فيها، وذلك يعود ربما إلى أن الأخبار الزائفة عادة ما تكون غير مألوفة.

اللافت في هذه الدراسة أن أكثر الأخبار الزائفة كانت حول قضايا سياسية بصورة كبيرة، ثم تلتها قضايا مرتبطة بالمال والأعمال ثانياً، ثم نلتها قضايا العلوم والترفيه، ثم الكوارث الطبيعية والإرهاب. وتوصلت الدراسة إلى أن الأخبار الزائفة والإشاعات تنتشر بصورة أسرع ست مرات من الأخبار الحقيقية. وأن نسبة المتابعين لهذه الأخبار الكاذبة أكثر بعشرة أضعاف من الذين يتابعون الأخبار الحقيقية.

الإعلام الأسود

تحول قطاع الإعلام إلى مشروع سياسي واقتصادي، وإلى صناعة للرأي العام بهدف تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وفكرية وتجارية. إن صناعة الكذب في الإعلام تزامنت مع ظهور الصحافة المطبوعة، وتطورت بتطور وسائل الإعلام. وهي صناعة على درجة عالية من الخطورة لاستهدافها العقل البشري.

إذ يمكن لوسيلة إعلامية أن تقنع المتلقين أن هناك مؤامرة كونية ضدهم من خلال البث المتكرر المدروس لبعض الفقرات والجمل الكاذبة والصور الملفقة. كما يمكن للإعلان أن يغير السلوك البشري من خلال التأثير على متطلباته ورغباته، وتبديل طرق إدراكه للوقائع والأشياء المحيطة به، من خلال وسائل متعددة تقوم بتوظيف علم النفس للتحكم بسلوك المستهلك وعاداته، وتوجيهه إلى ناحية دون أخرى.

إنه الإعلام الأسود الذي يستطيع تحويل إنسان مغمور إلى شخصية شهيرة جداً من خلال التدليس والكذب والبيانات الملفقة، وخلق وقائع مزيفة، وإيهام المتلقي بأن ما يراه أو يقرأه هو حقيقة. كما يستطيع تشويه صورة إنسان أو جهة ناجحة ومتميزة، عبر نشر الأكاذيب وإطلاق الإشاعات حولها.

الإعلام الأسود يقوم بحجب الحقائق واستبدالها بمواد يرغب بها المتلقي حتى لو كانت أشياء ساذجة. هو إعلام كيدي أيضاً يهدد الاستقرار المحلي والإقليمي في عالم تشهد صراعات متزايدة. الإعلام الأسود تستخدمه الدول، أيضاً عبر أدوات خبيثة، فعلى سبيل الذكر لا الحصر، لتحويل مباراة كرة قدم إلى ميدان لتنفيس غضب الناس واحتقانهم السياسي والاجتماعي نتيجة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في بلدان تحكمها أنظمة قمعية استبدادية. ومن خلال مثل هذه السياسات الإعلامية القذرة يتم قياس سلوك المواطنين من قبل الأجهزة الأمنية عبر دارات تلفزيونية، لكي تحدد أساليب التعامل الأمني معهم لاحقاً.

صناعة المصطلحات

المصطلحات التي تستخدمها الوسائل الإعلامية المختلفة، عبارة عن كلمة، أو جملة مركزة مصنوعة بدقة ويتم اختيارها بعناية فائقة، بهدف جعلها تعبير ومرادف ملاصق لقضية أو حدث محدد، في مكان جغرافي معين، وفي فترة زمنية محددة، ويستهدف قطاع ما وفئة ما. الغاية من هذا المصطلح الإعلامي هو تسليط الضوء على حقيقة ما، أو العكس إخفاءها. ويمكن لاستعمال مصطلح محدد من قبل وسيلة إعلامية أن يسعى لتغيير ميول ومواقف فئة ما أو شعب أو أمة. كما يمكن للمصطلح أن تكون له غايات أخرى مثل التأثير على صناع قرار لكسب مواقف دولية أو إقليمية.

يستطيع المصطلح عبر استخدامه في وسائل الإعلام أن يصنع صورة نمطية عن أحد أو شيء، أو التأثير على الوعي الجمعي، بهدف السيطرة على عقول الناس، ومحاولة سلب إرادتهم، وبالتالي صناعة رأي عام يتوافق مع مصالح من يصنع هذا المصطلح ومن يسوّقه.

فصناعة المصطلحات واحدة من الأدوات الهامة التي تستخدمها وسائل الإعلام لتسويق الافكار وتمرير المعلومات بطريقة تحقق أهداف جهة ما أو دولة ما. حيث يتلقى القارئ أو المستمع أو المشاهد مصطلح ما يوسم حدث محدد أو يتم وسم قضية معينة بمصطلح ما، يصبح هذا الوسم هوية لهذه القضية وشخوصها ومكانها وزمانها، وهكذا تصبح كافة القضايا المتشابهة والتي تتناولها وسائل الإعلام موضع مقاربة لدى المتلقي بالمصطلح السابق، ويظل الناس يتذكرون هذه الحوادث والقضايا كلما تم استخدام المصطلح من قبل وسائل الإعلام. هذا هو التأثير السياسي والاجتماعي الذي تخلفه صناعة المصطلحات في الغرف المغلقة لوسائل الإعلام، التي عادة ما تكون تخدم جهة أو دولة.

تسعى وسائل الإعلام من خلال استخدام وإعادة استخدام هذه المصطلحات إلى التأثر على عقل المتلقي لتوجيه اهتماماته نحو قضية معينة، أو لجعله يتقبل فكرة كان يرفضها سابقاً ولتبديل مواقف المتلقي وافكاره يجري ربط المصطلح بواقعة ما، تجعل الإنسان يتذكر الواقعة أو الحدث كلما تكرر المصطلح في وسيلة إعلامية.

مع التطور الهائل الذي حققته تقنيات وتكنولوجيا الاتصال والتواصل ونقل المعلومات، يصبح للمصطلح تأثيراً بالغاً في منطقة تشتعل بنيران متعددة المنشأ. وبالقدر الذي تتقاطع فيه المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية إقليمياً ودولياً، فإن المصطلحات المستخدمة في وسائل الإعلام تتوالد وتتكاثر وتتباين لمواكبة تطور الأحداث.

ولا يقتصر غزو المصطلحات الجوانب السياسية، بل يمتد ليشمل كافة مناحي الحياة. فقد ابتدعت وسائل الإعلام العربية مصطلح “المثلية” بدلاً عن فعل الشذوذ الجنسي، وظهر مصطلح “التحرش الجنسي” بدلاً عن الاغتصاب، وهي مصطلحات الغاية منها تشذيب السلوك وجعله أكثر قبولاً.

التضليل الإعلامي

يهدف إلى عكس الوقائع وقلب الحقائق، ويسعى إلى توجيه عقل المتلقي من خلال استهدافه بحرب نفسية لإحداث تأثير عليه، بواسطة الترويج لمعلومات لا ترتبط بالحدث، أو باستعمال وسائل الإعلام لمفردات ومصطلحات بعينها تؤدي في نهاية المطاف إلى إصدار أحكام ما في قضية ما، أو من خلال انتقائية متحيزة تنتهجها وسيلة إعلامية ما، فتختار أن تقدم شيء للمتلقي وإخفاء اشياء أخرى.

 إنها سياسة غسيل العقول وصناعة الكذب، وهي حرب في غاية الخطورة، حيث إنها تستهدف العقل البشري والتشويش على صحة قناعاته وأفكاره، ثم تأثر عليه لتغيير موقفه بدافع من وقائع وهمية لا وجود لها، وإقناع المتلقي على أنها حقائق، وهذا الفعل بدوره يمس حقيقة الواقع الحقيقي المعاش، ويبدأ التشكيك بشأنه، حتى يصبح في وعي المتلقي -فرداً كان أم جماعة- شيئاً غير موجود.

وعادة ما تلجأ الدول إلى التضليل الإعلامي خدمة لسياساتها تجاه دولة أخرى أو تجاه المعارضة السياسية الداخلية. هي صناعة الكذب ذاتها التي تجعل من “إسرائيل” دولة صديقة لبعض العرب، وتشيطن الفلسطينيين في بعض الوسائل الإعلامية العربية، وهو التضليل الإعلامي الذي يجعل وسائل إعلامية عربية أخرى تقدم تبريرات للحرب الصهيونية على قطاع غزة، بحجة أن إسرائيل فقط تقصف مواقع حركة حماس “الإرهابية”، فيما تعتبره وسائل إعلام غربية أنه “دفاع مشروع عن النفس"

صناعة الكذب التي تؤدي مفعول السم السياسي والفكري. صناعة التضليل الإعلامي هي أخطر قطاع صناعي على الإطلاق، لأنها تتعلق بكافة عناصر الواقع الذي نعيشه، وتزييف هذا الواقع، وإعادة صناعته بمؤثرات تخدم الدولة أو الجهة التي تقف خلفه، من خلال تضخيم التفاصيل التافهة والتقليل من شأن كل ما هو مهم مفاعل، في سياقات تربك عقل المتلقي، وتفصله عن واقعه البغيض الذي عادة ما يكون سبباً في حراك جماهيري مثلاً أو سبباً في احتجاجات ومطالبات حقوقية أو سياسية. إنها عملية لعب جماعي بالعقول وتزييف وعيها.

مثقفو ورجال دين ميديا

لم تستثني حمى الإعلام وصناعة التضليل حتى المثقفين الذين وظفهم الإعلام بهدف التبرير السياسي للسلطات المتنفذة في عدد من الدول، ذلك أن بعض المثقفين قد استخدموا مقدراتهم المعرفية كسلعة تجارية خاضعة لمقتضيات السوق الإعلامي من عرض وطلب. فهم جاهزون لأي تسويق إعلامي يقوم بتبييض وتجميل جهة ما، أو تشويه وتقبيح جهة أخرى. وهنا يتحول المثقف من صانع للأفكار والتنوير، إلى صانع أيديولوجيا براغماتية تقوم على خلط الأوراق وإرباك المتلقي باستخدام خطاب تبريري لا تحليلي. ولسوء حظ هذه الأمة أنه حتى بعض رجال الدين ليسوا خارج هذا التصنيف، فيما يجب أن يكون رجال الدين ينتمون إلى شريحة المثقفين الذين تناط بهم مهمة تغيير وتحديث المجتمعات البشرية، نجد أن عدداً ليس قليلاً من رجال الدين العرب قد انخرطوا في لعبة الإعلام وصناعة الكذب وتزييف الحقائق، من خلال إصدار الفتاوي وإطلاق الخطب التي تخدم جهة دون أخرى، وتشوه صورة طرف دون آخر، عبر الاقتصار فقط على إظهار التفسير الديني الضيق الخالي من الاجتهاد لأسباب تتعلق بمصالح جهات ودول، الأمر الذي يؤدي كما هو الحال إلى انسداد فكري ثقافي ديني معرفي في الواقع العربي، لأن الخطاب الديني في منطقتنا يقوم بتكييف فقهي لكافة الظواهر حتى الاستبدادية منها، وهذا ينسحب على مجمل القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية، فعلى سبيل الذكر لا الحصر إن الصراع الفلسطيني الصهيوني ليس صراعاً دينياً، فلا الفلسطينيين يهدفون إلى إدخال اليهود في الدين الإسلامي، ولا الصهاينة ينشدون تهويد الفلسطينيين، إنما هو صراع سياسي على الأرض من أجل الوجود.

إن تحول بعض المثقفين إلى أبواق دعائية لهذه الجهة أو تلك فإنهم بذلك يساهمون في تمزيق ما ظل من الأواصر التي تجمع بين أبناء البلد الواحد، وما بين مواطني البلدان العربية فيما بينهم. مثقفي الميديا يعملون على خلط الحابل بالنابل، وإرباك المتلقي وإحداث نوع من الفوضى التي تنتشر فيها ثقافة الاستغباء، وبناء ثقافة تقوم على الظن والانفعال وليس على الوعي المعرفي.

عندما ينجح الإعلام في تحويل المفكر والمثقف ورجل الدين إلى تجار، وتتحول الأفكار والمواقف والخطابات إلى سلع تشترى وتباع، فإن هؤلاء يتحولون إلى تجار جهل وشقاء واستبداد للأمة، ذلك لإسهامهم الخطير في تكريس الواقع المريض وإعادة إنتاجه بكامل علله.

إلى اين نمضي؟

يشهد عصرنا الحالي فورة في الإغراق المعلوماتي، بحيث أصبحنا نرزح تحت وطأة كميات مرعبة من الفبركات الإعلامية، والمعلومات المضللة، والأخبار الكاذبة، والبيانات المزيفة، والصور المركبة، وحملات دعائية تضخم التافه وتسطح المهم، حملات عدائية تشوه سمعة وصورة طرف معين وتنال من أخلاقه وذمته، فيديوهات يتم تصويرها في أستوديوهات متخصصة تبث للمتلقي على أنها في ميدان معركة أو مظاهرة أو حدث ما في مكان ما. كل هذا تطالعنا به وسائل الإعلام المتعددة من مطبوعات وإذاعات وفضائيات ومنصات تواصل اجتماعي وعبر مواقع الانترنت. إنها حروب إعلامية ناعمة لا تراق بها دماء، بل يجري غسل العقول من خلالها، بأدوات تبسط أذرعها وأدواتها بطرق مختلفة ومتعددة، تربك العقل والمشهد، وتزيف الواقع، وتحدث نوعاً من الفوضى الاجتماعية والسياسية والأمنية.

الأخبار الكاذبة خطر يهدد الوحدة المجتمعية، ويغذي العنف ويزيد من الانقسامات، ويقوض السلم الاجتماعي والتعايش بين جميع المكونات العرقية والاثنية والمذهبية. هذا دفع دول مثل الاتحاد الأوروبي لإصدار حزمة من القوانين في مواجهة التأثير المتزايد لشبكات التواصل الاجتماعي.

في منطقتنا العربية التي تعاني من احتقاناً شديداً واستعصاءً متعدداً في معظم قطاعات الحياة، وتعاني من ضغوط سياسية واقتصادية كبيرة، تبرز قوى وأطراف تحاول الهيمنة على مقدرات المنطقة، ولها مصالح في إضعاف العرب. هذه القوى تمتلك وسائل إعلامية خطرة موجهة لمخاطبة المتلقي العربي، تقوم سياستها الإعلامية على الكذب وتزوير الوقائع.

في الأسابيع الماضية ومع انتشار فيروس كورونا المستحد، وتأهب دول العالم لمواجهته، وتقليل حجم الخسائر التي يحدثها في جبهات متعددة، بشرية واقتصادية وسياسية واجتماعية وفلسفية، ظهر حجم الكارثة التي تجلت في هذا الطوفان المرعب من المعلومات والأخبار الكاذبة والصور الملفقة والفيديوهات المفبركة، التي يجري تداولها وانتقالها بين الناس، في معركة شقاء حقيقي للبشرية، اختلط فيها الحابل بالنابل، وأثارت رعباً غير مسبوق وسط البشرية.

بغياب استراتيجية عربية تتصدى لهذا الغول الإعلامي وتفضحه وتعريه، وعدم وجود مؤسسات إعلامية عربية تساهم في بناء الوعي الجمعي للمتلقي العربي ليكون قادراً على التمييز بين الغث والسمين، بين الحقيقي والمزيف، يمكن لك أيها القارئ العزيز أن تتخيل القادم.

 

حسن العاصي

باحث وكاتب فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

 

 

حدث انتشار لمرض فيروسي خطير وجديد وشديد العدوى ولايعرف له  لقاح او دواء، تأكد أن مسببه فيروس من الفصيلة التاجية سمي كوفيد-19 . اتُهمت الصين أنها عند ظهور الوباء تأخرت في اتخاذ الاجراءات ولم تبلغ منظمة الصحة العالمية والدول الاخرى مبكرا. هناك تبادل للاتهامات بين الدول الكبرى،  هناك اتهامات من قبل الصين تجاه امريكا بأن الجيش الامريكي قام بنشر الفيروس في ووهان خلال انعقاد دورة رياضية عسكرية، وقد اتهم الناطق باسم الخارجية الصينية امريكا في تغريدة على صفحته في تويتر،  وردت امريكا وطلبت من الصين سحب اتهامها . مع العلم بأنه لم يوجه الاتهام لحد الان من قبل الصين بشكل رسمي (اي من خلال شكوى لدى مجلس الامن او الامم المتحدة او شكوى بواسطة الطرق الدبلوماسية)، مما يدل على عدم الجدية او عدم توفر الادلة الكافية لتوجيه الاتهام لدى الصين فأكتفت بتغريدة على تويتر من قبل الناطق باسم خارجيتها. ايضا هناك اتهام من قبل روسيا موجه لاميركا بالتسبب بنشر الفيروس كما أن هناك اتهام من قبل امريكا بأن الصين هي المتسبب بنشر الفيروس على شكل تسريبات اعلامية بأنه انتقل الى البشر بسبب تناول الصينيين للحوم بعض الحيوانات المصابة بالفيروس كالخفاش ومن ثم انتقاله للانسان او اتهام الصين بتطويرها للفيروس وعدم قدرتها على السيطرة عليه ووصلت الى حد تسمية الفيروس من قبل المسؤولين الامريكان وبضمنهم الرئيس الامريكي بالفيروس الصيني. ادى ذلك الى تصاعد العنصرية تجاه الاسيويين في اوربا وامريكا ومناطق اخرى في العالم خصوصا في بداية ظهور الوباء في الصين وحدثت اعتداءات على الاسيويين في دول مختلفة. تم نشر مقطع فديو على وسائل التواصل الاجتماعي لعالم فرنسي يتهم فرنسا بالتسبب بانتاج الفيروس ونشره وانه هناك تعاون بين فرنسا والصين على تطوير هذا الفيروس. لكن مايقف ضد الاتهامات أن شرق اسيا وخصوصا الصين تأريخيا كان مكانا نموذجيا لظهور اوبئة اجتاحت العالم وخصوصا الانفلونزا والسارس ويمكن تفسير ذلك بسبب عدد السكان الكبير اوالمستوى الاقتصادي للسكان او العادات الغذائية للسكان.

على الجانب الاخر هناك صمت مطلق من قبل مجلس الامن الدولي ومنظمة الامم المتحدة تجاه هذه الاتهامات مع العلم أن هذه الاتهامات تدخل في نطاق الحرب البيولوجية حيث أنه اذا ثبت قيام دولة ما بتطوير الفيروس ونشره في دولة اخرى عمدا فهو امر خطير ويدخل في نطاق اشعال الحرب بالاسلحة البايولوجية . سكوت الامم المتحدة ومجلس الامن يعني اما أنها لا تريد الزج بنفسها في مهاترات واتهامات بين الدول لكون الامم المتحدة مهما علت فهي بالنتيجة عبارة عن موظفين يمثلون دولهم او انها تعرف اشياء ولاتريد كشفها خوفا او حذرا او لان الموضوع لم يستقر لحد الان. من المؤكد بأن رؤساء الدول الكبرى ومسؤوليها يعرفون الكثير عن هذا الموضوع ولايريدون البوح بمعلوماتهم ولاسباب لا نعرفها ولا يريدون التصريح حتى بتخميناتهم او توقعاتهم ليجنبوا دولهم التورط في نزاعات عن المتسبب بهذه الكارثة العالمية. لقد رأى العالم في مواضيع ابسط من هذه بكثير من ناحية عدد الخسائر او تأثيراتها بأن الموضوع يتم اثارته في وسائل الاعلام ومناقشته في مجلس الامن الدولي وفي الامم المتحدة كموضوع اتهام سوريا باستخدام الاسلحة الكيمياوية ضد المعارضة او موضوع اتهام العراق بامتلاك الاسلحة الاستراتيجية واحتلاله بناءا على هذه الاتهام.

اثبت ظهور وباء الكورونا هشاشة الانظمة الصحية وخصوصا في دول متقدمة مثل ايطاليا بسبب خطأ في ترتيب الاوليات لدول العالم وخصوصا المتقدمة منها فهي تخصص اموالا طائلة  لبحوت تطوير الاسلحة النووية والصواريخ والاسلحة والصناعات بمختلف انواعها، والاحتفالات والبطولات الرياضية والافلام والترفيه، بينما لاتخصص المبالغ اللازمة لبحوث تطوير المواد الطبية والادوية واللقاحات والتعرف على الاعداء الحقيقيين للانسان كالفايروسات بالرغم من تحذيرات الكثير من العلماء الذين حذروا البشرية بأن العدو القادم للانسانية سيكون فايروسا واخرهم بيل غيتس في عام 2015 .

حدثت تغيرات كبيرة في سلوكيات ومتطلبات الانسان خلال القرن الماضي والحالي واصبح السفر والتنقل والهجرة والاختلاط من متطلبات العصر الحديث وتطورت وسائل الانتقال فاصبح الانسان كثير التنقل بسبب متطلبات عمله او الترفيه مما زاد من مخاطر حصول الاوبئة وسرعة انتشارها بين دول العالم . وعندما ظهر مفهوم العولمة قيل بأن العالم اصبح قرية واحدة ويبدوا أنه اصبح قرية واحدة فقط للاغنياء بسهولة السفر والتنقل، اما الفقراء فلم يستفيدوا من القرية الواحدة بل بالعكس اصبح هذا الموضوع يشكل خطرا عليهم مع ظهور الاوبئة وسرعة انتشارها. اصبح الصراع والتنافس بين دول العالم وخصوصا المتقدمة يدور ضمن التلاعب بالمادة الوراثية لكائنات حية كالحيوانات والبكتريا والفيروسات ولاسباب عسكرية وليس لاسباب طبية مما يؤدي الى تغييرات في صفات الكائنات غير معروفة النتائج، وهذا قد يؤدي الى ظهور كائنات معدلة وراثيا وغير مسيطر عليها مما يؤدي الى ظهور اوبئة تنتشر بين البشر والعالم بكل امكانياته الحالية غير مستعد لمواجهتها بسبب عدم وجود الادوية او اللقاحات الخاصة بها.

 

د.  احمد المغير/ طبيب وكاتب

 

 

"اخطر انواع الأكاذيب.. هو الصدق المفبرك!!

 التلاعب الصحي بوعي الناس يعد من أكبر المشكلات التي اتقدت في عصرنا، وتتناسب الأهمية المتزايدة للقضايا المرتبطة به مع العواقب المدمرة التي تنتجها التقنيات المتلاعبة في المجتمع المؤدية لتدمير المعايير الأخلاقية المقبولة وتغيير القيم الصحية والمثل الاجتماعية وانتشار العنف وزراعة الاستهلاك الهائل وما إلى ذلك، وعند التلاعب يفهم أن التأثير النفسي الخفي لمرسل الرسالة على المتلقي لأجل تغيير سلوكه ونواياه أو يتم تقديمها على أنها تقنية للتغلب على الانعكاس النقدي للأفراد لغرس الأفكار والأهداف والقيم الصحية المزيفة التي حددها المتلاعب كأساس لإعادة إنتاج الممارسات البشرية، وعملية التلاعب الصحي معقدة للغاية ولا يمكن تقييمها في الانقسام الى جيد وسيئ، لأنها عملية مصطنعة لأوهام الناس حول الواقع المحيط أو عن انفسهم وحياتهم وصحتهم، وتعتبر القدرة على خلق أوهام والتلاعب كعلامة ترسيم ونحن جميعًا نعيش في عالم من الأوهام والتلاعب، وهذا العالم مشتق من الأوهام ولا ينفصل عنها باعتباره نظامًا للتأثير النفسي يركز على زرع رؤية وهمية للعالم. وأن العنصر الوهمي دائمًا ما يكون متأصلًا في الوعي الصحي الإنساني وهو يؤدي وظائف معينة كالتعويضية والتكاملية والتي قد تكون إيجابية والأوهام ليست سوى مظهر واحد من مظاهر هذه الظاهرة، لذلك فهيا تمثل مكانًا هامًا في المبادئ السلبية والتي تؤدي  دورًا مفككًا ومحبطا. وان الأوهام ظاهرة اجتماعية ثقافية تتجلى في تكوين أو عدم وجود أو إعادة إنتاج اكذوبة غير ملائمة عن الذات وعن الواقع الصحي ككل من جانب فرد معين او من جانب مجموعة اجتماعية، وان من اهم العوامل في تشكيل الأوهام الصحية هي تكنولوجيا التلاعب.

يعتقد البعض أن الوهم الصحي والتلاعب الطبي أكثر إنسانية من القمع المفتوح الذي تسلكه السلطات تجاه المعارضة، لأنهما يحلان محل العنف، ويرون فيهما شكلاً خفيًا من الإكراه يحرم الفرد من الحرية إلى حد أكبر من الإكراه المباشر، وعلى الرغم من حقيقة أن ظاهرة التلاعب الصحي يمكن اعتبارها ظاهرة جنونية بفضل تقنيات الوسائط المتخصصة التي مكّنت من تسريع نقل أية معلومات زائفة بالإضافة إلى توسيع نطاق الوصول للجمهور المستهدف فلذا لا يصبح المجتمع الحديث غنيًا بالمعلومات المتلاعب بها وانما ينفذ ويعتمد عليها أيضا لذلك أصبحت مشكلة التلاعب في مجتمع المعلومات الصحية تقليدية وعالمية، ولذا فإن تأثير وسائل الإعلام الكوروني أعد العالم فكريا لقبول أوهام عن طريق استبدال الفردانية بمعايير خاطئة، ونتيجة لتطور المنتجات الإعلامية الكورونية لهذا اصبح لدى الفرد رغبة متزايدة في تأكيد الذات وفهم الهلوسة الوبائية للعالم والعدوانية مما يؤكد تواجد اعتبارات الامتثال الفطري للوعي البشري الفردي للتأثيرات الخارجية.

تجدر الإشارة إلى أنه حتى وقبل الوقت الذي كان للإعلام الكوروني فيه أهمية كبيرة في المجتمع فقد كانت الأوهام الاجتماعية والوبائية موجودة ولعبت دورًا مهمًا في المجتمع، كما ان القدرة على خلق أوهام ليست ملكًا لوسائل الإعلام الكوروني وحدها، انما هي إعادة إنتاج الملكية العامة للوعي البشري لتحويل المعلومات المزيفة في عملية نقلها، وحقيقة تشوه وسائل الإعلام بالإضافة إلى توظيف الاوهام والوباء هو جوهر القضية، وبالتالي تسهم في خلق أوهام جديدة ومكررة، وعلى الرغم من أنه لا يوجد شك في أن الإمكانات التقنية لوسائل الإعلام لفتح مجالًا للتشويه المتعمد لرؤية العالم والتفكير الإنساني، ولذلك فأن الأوهام الصحية التي يتم إنتاجها ونقلها عبر وسائل الإعلام، تسمى الأوهام الاجتماعية ذات الطبيعة التكنولوجية والتي من خلالها تفهم مجموعة متنوعة من التقنيات الصحية المتلاعبة لتشكيل صورة مشوهة للواقع من خلال تفسير الأحداث الحقيقية في وسائل الإعلام باستخدام الرموز الثقافية مثل الأسطورة والقوالب النمطية لحل مشاكل سياسية معينة والتأثير على الرأي العام.

 وسائل الإعلام مع انها دوما ما تقوم بنشر المعلومات التي لا تؤدي إلى رفع القيم الروحية ولا تسهم في رفع التوجه الاجتماعي والصحي للناس غير انها تكون تهدف من ذلك إلى تحقيق مصالح أخرى غالباً ما تكون متلاعبة، وإن تعزيز تأثير تقنيات الزيف يتناسب طرديا مع الزيادة في كمية وشدة تأثير تكنولوجيا المعلومات والاوهام والتي تنقل المعلومات عبر الإنترنت وهم التواصل الدائم والملكية وإنشاء قنوات اتصال مستقرة تتطلب مشاركة مستمرة، وكلما كان لدى الشخص وقت أقل للتفكير والوعي، كلما أدى إلى ضمور القدرة على تكوينه لرأيه الخاص، وخاب في الدفاع عن وجهة نظره امام هجوم الاعلام المزيف. ولكل فكرة أو مشكلة في المجتمع ، هناك ما يسمى بـ "نافذة الفرصة" التي تنتقل تدريجيًا بشكل غير محسوس من مرحلة إزالة اللامركزية عن موضوع أو آخر إلى موضوع آخر أكثر قبولًا، وعبر نشر الاوهام يشهد التوزيع الكمي والتنوع النوعي للتأثير الخفي للتلاعب بالوسائط وتوزيعها على نطاق واسع ومثل هذا التأثير المحجوب هو تقنية غير مرئية لإدارة الحياة العامة والتي تتخلل اليوم حرفيًا جميع مستويات التفاعل الاجتماعي من السياسية والصحية والقانونية إلى الشخصية، وعبرها يتم تشكيل العلم المعاصر ليعيش ويعمل في فضاء الاوهام والتلاعب بالمعلومات المزيفة والمهولة التي أنشأتها وسائل الإعلام الكوروني.

كقاعدة عامة المعلومات التي يتم تلقيها بانتظام لا تساهم في النمو الصحي الشخصي، وليس لها طبيعة عملية المنحى، ولا تستند إلى أية نظريات جادة وتثير مشاعر قوية وتحتاج إلى تحديث مستمر، ولذلك فإن مشكلة التأثير المتلاعب على الوعي الصحي بهدف تشكيل صور وهمية معينة من خلال وسائل الإعلام الكورونية خطيرة للغاية أيضًا لأن مثل هذا التأثير يمكن أن يصبح سلاحًا نفسيًا خطيرًا للمعلومات في أيدي القوى المدمرة، وإن الأوهام التي تم إنشاؤها وإدخالها عن قصد باستخدام تقنيات التلاعب لا تؤثر على أداء المؤسسات والأنظمة الاجتماعية الفردية فحسب، بل تؤثر أيضًا على المجتمع ككل، ولذلك لم يعد تحسين كفاءة الإعلام الزائف ككل أمرًا مرغوبًا فيه اليوم، وانما تعد جانباً ضروريًا للحفاظ على أمن المعلومات وبقاء لكلا من الانظمة والدول بأكملها. وكآلية تحمي المجتمع  من التأثير الاستعبادي للتكنولوجيات الكورونية، فيمكننا اقتراح طريقة لتشكيل "مرشحات" غريبة في الوعي الجماهيري والتي تجعل من الممكن التعرف على التلاعب وبالتالي منع تكوين أوهام صحية غير مرغوبة في المجتمع، وأساس هذه الالية يكون عبر النشاط التربوي والصحي والتعليمي بتقديم المعلومات حول الأساليب والأشكال والنتائج المحتملة لكل من الآثار الصريحة والكامنة على الوعي الصحي، اضافة الى شرح مختص لآليات المجابهة للاساطير الوبائية، ووصف لأشكال الحماية من الاوهام والتلاعبات وحجب تأثيرها على المستوى الفردي والمجتمعي والعالمي.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات الضيفي

 

محمد بغداديما حقيقة المرض الذي ارعب العالم في أيام قليلة؟ وما السر الذي يخفيه؟ هل انتشار الفيروس بهذه الطريقة يعد حرباً بيولوجية بين القوى العظمى في العالم بقيادة واشنطن؟ أم أنه غضب إلهي على الإنسانية جمعاء جراء الانغماس في العالم المادي والبعد عن عالم الروحانيات؟ أم أن نهاية العالم قد اقتربت خاصة بعد سلسلة التغيرات المناخية الأخيرة التي اجتاحت معظم دول العالم. تساؤلات واستفسارات تطرح نفسها على الساحه الآن، وتكهنات عن غضب الطبيعة وعدم الاهتمام العنصر البشري بها بالقدر الكافي مما جعلها تتخبط في شكل انتشار للأوبئة وتقلبات مناخية حاده.

نشاهد يوماً بعد يوم انتشار المرض بشكل وبائي وبطريقة ليست طبيعية، وكانت الصين هي البداية ثم اليابان ثم كوريا ثم ايطاليا ثم أسبانيا ثم دولاً أخرى، وهكذا مما ينذر بعواقب وخيمة على العالم بأسرة، وكأننا أمام إحدى أفلام هوليود التي تحدثت عن الفيروسات وانهيار العالم أمامها وكيف أن دول العالم عاجزة عن التصدي لمثل هذه الأوبئة، حيث يسعى القائمون على صناعة الأفلام الأمريكية والعالمية، لطرح الأعمال التي تركز على الموضوعات المثيرة والمختلفة، كـالأمراض الغريبة والوبائية، وبالفعل طرحت شركات الانتاج العالمية هذه النوعية من الأفلام المتميزة، التي تدور حول الأمراض القاتلة، دون وجود حلول لها، ويجتاح العالم هذه الفترة، فيروس كورونا، الذى ظهر في الكثيرمن بلدان العالم المختلفة.

ليست حرب كورونا هي الأولى عالميا، سبقتها حرب الكوليرا التي اجتاحت الهنود الحمر، بخلاف حرب الجدري، والجمرة الخبيثة، واستطاعت ألمانيا هتلر أن تصنع فيروسات قاتلة للمعسكرات المعادية، وبالفعل استطاعت الحرب البيولوجية في الماضي أن تحصد الملايين من الشعوب. وها هي اليوم تلقي بظلالها على عالم التقدم التكنولوجي وعالم الانترنت وعالم التقدم التقني وعالم القرية الصغيرة.

فالصين  صاحبة السبق الأول واليد العليا في ظهور أعراض المرض أثبتت أنّها قوّةٌ بشرية عالمية عُظمى تناطح الاقتصاديات الدولية الأخرى وبخاصة الولايات المتحدة التي تأبى أن ينازعها أحد بعد انتهاء الحرب الباردة مع المارد السوفيتي السابق، فقد استطاعت بكين أن تناور وتقاوم هذا الفيروس في غُضون أسابيع ليست بالطويلة نسبياً ، وتُقَلِّصت الخسائر إلى ما يعادل 3169 حالة وفاة، وعالجت وبتحدي ما يعادل 80 ألف حالة شُفِيَت تمامًا من هذا الوباء اللعين، كما أعلنت مدينة ووهان خاليةً كُلِّيًّا من المَرض.

فالاقتصاد الصيني سيحتل المرتبة الأولى دولياً ويُنافس واشنطن على عَرشِها الذي تربّعت عليه منذ الحرب الباردة، حيث خطِّطت القيادة السياسية في الصين لتقليل الدور الاقتصادي للدولار الأمريكي وفق ما سمي بسياسة تقليم الأظافر ، مع إقامة نظام مالي بديل يُنهِي سلطة الدولار على السياسة الاقتصادية العالمية في غُضون خمسة أعوام، وهذه عوامل قد تدفع واشنطن للإقدام على إقامة حرب بيولوجية جديدة على الصين وعلى العالم بأسره.

فأزمة فيروس كورونا التى تمر بها بكين لاتشبه أزمة سارس فى بداية الألفية مطلقاً، لان بكين عام 2003 ليس لها كيان اقتصادي يسمح لها بالمنافسة في الاقتصاد العالمى مثل بكين فى عام 2020، ففى عام 2003 كانت الصين سادس أقوى اقتصاد في العالم بناتج  يقدر بحوالي 1.6 تريليون دولار، أما الصين فى 2020 فالناتج يقارب 14 تريليون دولار ، كما تحتل المركز الثانى دولياص بعد واشنطن، أيضا فى 2003 كان تعداد السائحين الصينيين لكل دول العالم يبلغ 20 مليون فقط، اليوم وصل الى 150 مليون سائح، إضافة إلى أن الاقتصاد الصينى كان نموه ومحركات توسعه أكثر مناعة وصلابة من الوضع الحالي، بدليل إنه وأثناء أزمة "السارس" لم يشهد النمو الصينى انخفاضا يذكر.

فمنذ اندلاع فيروس كورونا في مدينة ووهان الصينية بنهاية 2019، كثرت الأقاويل بشأن معقل الفيروس الجديد الذى لم يتوقف في الانتشار من دولة إلى أخرى بالتناوب، ولكن يبدو أن الصين والتي تمكنت من احتواء الفيروس بنسبة كبيرة، تعتقد أن هناك بالفعل عامل بيولوجى وتدخل خارجي وراء انتشار الفيروس الذى بات يعرف بـ"كوفيد 19" في يوهان الصينية، حيث ألمحت قيادات صينية إلى تورط الجيش الأمريكي في ذلك، وهو ما نفته واشنطن. وعند قراءة التاريخ نجد أن واشنطن قد استخدمت القنابل النووية في اليابان، ومن غير المُستَبعد تحليلياً أن تكون الأولى دولياً التي تستخدم سلاح كورونا، والأسلحة البيولوجيّة الأخرى، فهي تَقِف خلف جميع الحُروب.

 

بقلم/ محمد بغدادي - باحث دكتوراه

 

 

محمود عبدالمجيد عسافكشف فيروس كورونا عجزاً عالمياً منقطع النظير، وتجاوز تأثيره حواجز عالم الطب بكل أحواله، وحصر كل تيارات التفاؤل البشرية التي تفاخرت حتى اليقين بانتصار الإنسان على الطبيعة والبيئة بالعلم والتكنولوجيا، فتعطلت المجتمعات وأغلقت الدول، وانهارت البورصة الدولية ليصبح هذا الذي لا يرى بالعين المجردة هو الصانع الجديد لنظام عالمي مختلف عما توقعه المنظرون ومهندسو السياسة الدولية قبل تفشي وباء كورونا.

ويبدو جلياً دون التركيز في تحليل النسق الجيوسياسي العالمي أنه مرحلة (ما بعد كورونا) هي بداية لعصر جديد، فكل الأوبئة التي اجتاحت العالم عبر التاريخ  كانت نهاية لشيء قديم هرم، وبداية لشيء جديد كان لا يستطيع الولادة إلا بمخاض مزلزل ليولد بعده.

إن ظهور فيروس كورونا المستجد، وهو بالمناسبة ليس الجيل الأول بل الجيل السادس من فيروسات كورونا التاجية، ما هو إلا حرباً منخفضة الحدة، لأنه يهاجم بشراسة المتقدمين في السن (الذين استنفذت قدراتهم الإنتاجية)، وبتتبع ما حصل في حقب التاريخ الماضية، فإن نسبة الموت في هذه الحرب قليلة مقارنة بالأوبئة الكبرى التي اجتاحت البشرية، لأن قدرة الإنسان على العلاج والتعافي والغذاء والوقاية حالياً أفضل مما كانت عليه في السابق، فعلى سبيل المثال لا الحصر قدر عدد ضحايا الطاعون في سنة 1348م حوالي 100 مليون شخص أي حوالي ثلث سكان العالم في حينه.

وبغض النظر عن التركيب الجيني لهذا الفيروس، ومبررات انتشاره في مدينة (ووهان) الصينية في نوفمبر 2019م حيث يتواجد مختبر للأبحاث البكتيريولوجية المتخصص في الكورونا فيروس، سارس، إيبولا، إلا أن اتجاه التدمير لهذا الفيروس بات معروفاً، بدءاً من الصين بهدف زعزعة الاقتصاد الصيني، مروراً بإيران بهدف تأزيم المجتمع وإرباك القدرة العسكرية الإيرانية، وتفشياً في إيطاليا كانتقام بارد، لتكون العصب الذي سيفكك الاتحاد الأوروبي كمرحلة أولى، وفي المرحلة الثانية سيتم السيطرة التامة على هذه الحرب بخروج اللقاح الكامل لــcovid -19 من المختبرات الأمريكية ليكون لها السبق في احتكار الصناعة الكيميائية وتكون الدول أمام خيار وحيد وهو التنازل مقابل الحياة من جديد بعدما وصلت إلى الرمق الأخير.

وقبل هذه المرحلة ستشهد الدول الأوروبية غضب شعوبها على حكوماتها، وسيتولد حقد البعض نتيجة للتخلي عنهم وقت الأزمة، وستصبح مؤسسات الاتحاد الأوروبي أقل تشدداً وصرامة مع بريطانيا في المفاوضات الجارية حالياً معها لتنظيم العلاقة عقب الخروج البريطاني من الاتحاد.

كل ما يجري الآن من أحداث لم تمر عبر التاريخ من انغلاق كامل للكرة الأرضية، وتعليق للحرية الفردية والشعائر الدينية إلى إشعار غير معلوم، قد يستمر طويلاً في ضوء ما أشارت إليه أكثر الدراسات تفاؤلاً، فلربما تمتد إلى حزيران 2020 أو ما بعد ذلك بقليل أو بكثير، إنما تدفع في اتجاه ولادة عالم جديد يكون فيه الاقتصاد الضحية الثانية بعد الإنسان.

ولأن العالم قد تغير في أيام، لا أستبعد أي سيناريو قادم يغير معالم التوجه العالمي، فقد تتعافى الصين – بغض النظر عن دقة إحصاءاتها- وتحاول كسب دول العالم عبر تزويدها بالخبرات التي استطاعت بها محاصرة الفيروس، وقد تدخل أوروبا وأمريكا في ذروة المرض، ويصاب نظامها  الاقتصادي والسياسي في مقتل بعد فشل نظامها الصحي، وفي ظل هذا السيناريو، يكون الشرق الأوسط خاصة الدول العربية أقل المجتمعات تضرراً من الناحية الاقتصادية والسياسية، لأنه لم يتغير على علاقة الحكومات بشعوبها شيء، فالشعوب العربية معتادة على تراجع جودة الخدمات الصحية، وإغفال تعويض الشعوب خسائرها من المطاعم والمقاهي وقطاع السياحة والطيران والموظفين.

 كل ما علينا فعله، هو الالتزام بالإرشادات الصحية لتخفيف حدة الموت، والاتجاه نحو الوحدة من أجل الخروج من هذا الواقع الذي سيعيد تشكيل العالم بأقل الخسائر وليس المنافسة ليكون البقاء للأقوى، فلا قوى أمام هذا الفيروس، ويجب أن يعترف الجميع بالضعف أمام سكين الذبح القادم، وأن العلاج الوحيد للخلاص هو التضامن الإنساني، والميثاق الأخلاقي فقط.

ورغم كل ما تقدم ، ومحاولات التفكير البسيطة فيما يجري أو ما سيحدث مستقبلاً - وللأسف لا أتوقع أن هذا الوباء سينتهي عما قريب- لا أجد ما يبشر باهتمام إنساني أو صحي أو أخلاقي سواء على مستوى الشعوب أو الحكومات العربية، فما تقوم بها الحكومات لا يتعدى التزاماتها أمام المجتمع الدولي، والمسؤولية الدولية، فلا تبذل أي جهد نحو تعزيز المواطنة، أو حماية الفئات الهشة، أو التواصل الشفاف مع الرأي العام، أو اتباع قوانين الرعاية الصحية والإنسانية عند تنفيذ الإجراءات الاحترازية، وما تقوم به الشعوب لا يتعدى الانخراط في السلوك العالمي من حيث الممارسات، دون وعي وكأنهم لا يستشعرون الخطر الذي يتربص بهم، ولا يعلمون أنه لم تعد هناك أهمية لا المال ولا السلطة ولا السياسة ولا الجاه،  فالأمر تخطى كل العالم وإن تعافينا ستكون رحمة الله بأطفالنا هي التي جعلت الموت يجتازنا.

أيها الناس.. إن الأمر جد خطير، ولم يعد هناك متسع من الوقت للتباكي على إغلاق المساجد، فالدين لا يهزه التخلي عن الشعائر مؤقتاً للحفاظ على النفس، ولكن ما يهزه أن يخالف قولنا عملنا، نحن الآن بحاجة لتجديد النية والخطاب بأشكاله، وإصلاح الخاطر، والتوبة عما كان.

 

بقلم د. محمود عبد المجيد عساف

 

منذ نيسان ٢٠٠٣ والعراق يعيش حالة عدم الإستقرار، فبعد اكثر من ثلاث عقود من النظام الشمولي المستبد وسيطرة الحزب الواحد على كل مجريات الحياة، فجأة تحولت كل تلك الاوضاع التي اضحت من الامور المألوفة في البلد الى مرحلة جديدة لم يعيشها اغلب العراقيين طوال السنين السابقة الأ في مدة الحكم الملكي ١٩٢١_١٩٥٨، إذ شهد ذلك العهد نوعا من تطبيقات الديمقراطية وتنافس الأحزاب السياسية فيما بينها على الرغم من بعض حركة الإنقلابات العسكرية لتولي السلطة لفترات قليلة، الإ انها كانت مرحلة يمكن ان نسميها وفي ذلك الوقت وقياسا لبعض البلدان العربية مرحلة متطورة نسبيا من الديمقراطية، فكان تشكيل الحكومات وإستقالتها  مشهد متكرر في الحياة السياسية لغاية ما حدث في صبيحة يوم ١٤ تموز ١٩٥٨ وما صاحبه من تفسيرات متعددة بشأن ما جرى فيه وإختلاف المفكرين بطبيعة الحركة التي اسقطت النظام الملكي الى الابد هل هي حركة إنقلابية قامت بها مجموعة من الضباط ام انها ثورة، وعلى العموم يمكن القول بإن الحياة السياسية بعد عام ١٩٥٨ لم يشهد الحركة السياسية المتمثلة بقيام إنتخابات تفرز برلمان حقيقي وتنافس الأحزاب على تشكيل الحكومات كما كان سابقا، إذ سرعان ما سيطر المشهد العسكري على الموقف ككل، فبعد إستلام عبد الكريم قاسم للسلطة في عام ١٩٥٨، إنقلب عليه اقرب رفاقه الذين ساهموا معه في تنفيذ ما حدث في ١٤ تموز واقصد به عبد السلام عارف وما جرى من تصفيات وإعتقالات لفئات الشعب العراقي وسيطرة الحرس القومي وصولا لعام ١٩٦٨ الذي شهد سيطرة البعثيين على مقاليد الحكم في العراق وبزعامة احمد حسن البكر ولغاية تموز ١٩٧٩ التي شهدت سيطرة صدام حسين وبقوة على المشهد السياسي ولغاية دخول القوات الامريكية الى بغداد في ٩_٤_٢٠٠٣ التي أرخت لإنتهاء الحكم الشمولي الإستبدادي لتعلن بداية عهد جديد وإنفتاح ديمقراطي لم يألفه الشعب العراقي وذلك بتتافس الاحزاب السياسية المعارضة آنذاك وتوليها مقاليد الحكم في العراق الجديد.

وبعد ما جرى في ٢٠٠٣، دخل العراق مرحلة التحول الديمقراطي من نظام شمولي مسيطر على كل شيء الى نظام ديمقراطي وتغير شكل نظام الحكم فيه من النظام الرئاسي الى النظام النيابي وبذلك اصبحت العملية السياسية تدار وفقا لمعادلة توافقية تحاصصية تبعا لتقسيم المجتمع العراقي الى مكونات شيعية وسنية وكردية وبالتالي استمرت اللعبة الى وقتنا الحالي، فكما هو معروف بإن النظام البرلملني يعتمد على نتائج الإنتخابات وبالتالي تفرز الاحزاب السياسية الفائزة بها لتشكل حكومة إئتلافية تتكون من عدد من الكتل والاحزاب السياسية وهذا النظام يعد من اضعف الانظمة كونه يستند على التحالف وتوزيع الحصص فيما بينها لتعلن في النهاية حكومة إئتلافية تكون هشة غير قوية، وعلى هذا المنوال استمر تشكيل الحكومات بعد كل إنتخابات، وقد تستمر مشاورات تشكيل الحكومة لأشهر عدة  وبالتالي تعطيل مصالح البلاد والعباد لتكون حكومات تصريف اعمال لحين الإتفاق بين الكتل على من يدير مقاليد الحكم واقصد منصب رئيس الوزراء، الذي اصبح عرفا من حصة المكون الشيعي وعلى الرغم من ذلك، فتسمية المرشح للمنصب الاول في السلطة التنفيذية لا يحسم الإ باللحظات الحرجة، فهذا الامر تكرر منذ تولي السيد المالكي لفترتين متتاليتين ثم مع السيد العبادي وتاليا مع السيد عادل عبد المهدي حتى تقديم الاخير إستقالته ثم تكليف السيد محمد توفيق علاوي وإعتذاره في اليوم الاخير ثم ترشيح السيد عدنان الزرفي بعد فشل اللجنة السباعية المشكلة من قبل الكتل الشيعية لترشيح مرشحا تتوافق عليه تلك الكتل وتقديمه لرئيس الجمهورية خلال مدة ١٥ يوما من إعتذار المكلف الذي سبقه.

ونجد بإن اصل الازمات في العراق بنيوية وتتعلق بالنظام السياسي وبالتالي نحو امام مشكلة قائمة منذ إعتماد النظام التحاصصي في الدولة فضلا عن مشكلات تتعلق بالجوانب الاخرى في مجالات الحياة سواء كانت إقتصادية وإجتماعية وسياسية وأمنية ولذلك ورث النظام السياسي العراقي العديد من المشاكل المزمنة التي لم يستطيع إيجاد حلا لها وعليه وجد البلد نفسه امام ازمة حكم لم تخرج من فكرة توزيع المناصب حسب المكونات، فمن ازمة الى اخرى تعود البلد عليها دون الرغبة في النية لإيجاد الحل لها.

 

الباحث في الشأن السياسي: محمد كريم جبار الخاقاني.

 

علجية عيشعندما يبرز المال كقوة وكسلاح بين أيدي رؤوس المال، تكون لهم القدرة على توجيه الرأي العام عن طريق التحكم في الإعلام وبالطريقة النازية، وهي الأسباب التي دفعت الجماهير الشعبية إلى التمرد والخروج إلى الشوارع في مسيرات سلمية حضارية من أجل التحرر من التبعية للسلطة وإعادة النظر في السياسيات الفاشلة اتي عرقلت إنجاح الإصلاحات وإعادة النظر كذلك في مفهوم الحكم الراشد الذي حصره البعض في إطار ليبرالي والأخذ في الحسبان دور اللوبيات

يجمع الملاحظون أن الثورات الشعبية أو كما أطلق عليه اصطلاح الحراك الشعبي الذي اشتعلت نيرانه والتهبت في مختلف دول العالم قادته جماهير تتطلع إلى الحرية الحقيقية وإلى العدالة الإجتماعية ونادت ببناء نظام أساسه العدل والحرية، ولعل الجزائر كانت السباقة في إشعال هذا الفتيل عندما خرج المواطنون وهم يشتعلون غضبا يوم 22 فبراير 2019 لرفع عدة مطالب، من أجل تحقيق التغيير الجذري، فقد عاشت الشوارع الجزائرية أجواءً أعادت للجزائريين المراحل التي عاشوها أيام الثورة، فكانت الذاكرة الجماعية حاضرة بقوة عندما خرجت الجماهير في مظاهرات تندد بالممارسات الإستعمارية وسياسية العنف التي مارستها فرسا، لكن هذه المرة كانت الإنتفاضة ضد الممارسات التعسفية للسلطة، حدث نفس الشيئ في العراق والسودان وفي سوريا وفي مصر وفي تونس وفي البلاد الأخرى، كما أن الحراك الشعبي لم يحدث في العالم العربي وحده بل حرك مشاعر الأوروبيين أيضا، ومنهم فرنسا باسم حركة السترات الصفراء.

و إن كانت هذه الإنتفاضات تشبه إلى حد ما انتفاضة البحرين في فبراير2011، ففي الجزائر كان الحراك فريدا من نوعه لأنه ترك أثرا على كل المستويات، بحيث انتشر وتوسع نطاقه بقوة جددت فيه مطالب عديدة: ضمان حقوق الإنسان وتوفير له مجالا واسعا من الحرية والديمقراطية والمشاركة في صنع القرار ومحاربة الفساد والقضاء على التبعية، وإن تحقق جزء من المطالب كما حدث في الجزائر بمحاسبة المتورطين في الفساد وجرهم إلى المحاكم، فالإنتفاضة مستمرة من أجل التحرّر من العبودية المقننة التي فرضتها السلطة، وكذب الحكام والمسؤولين على الشعوب ونهب أموالهم بقوانين وضعت على المقاس، في وقت تميز بتحولات سريعة واستعجالية أضحت الوسائل (المال) عبارة عن مفاهيم بدون معنى ثابت، أي تحركها الأهواء، ومن له المال والوسائل تكون له الشرعية ويكون هو صاحب القوة ومالكها.

ما يهمنا هنا هو فكرة "التحرّر" التي طالما تغنى بها الشعراء، ونادت بها الفلسفات والأديان، وتعطشت إليها الجماهير التي استقبلت الموت بالأحضان من أجل أن تعيش هذا الشعور، هذا المصطلح الماركسي الذي وصل صداه إلى هيأة الأمم المتحدة في مؤتمرات عديدة، بدءًا من مؤتمر باندونغ لحل النزاعات الخارجية والداخلية التي وظفت لصالح إيديولوجيات معينة وحق تقرير مصير الشعوب، وإن كان الموالون للسلطة يرون أن النزاعات الداخلية ظاهرة سلبية كونها مخلة بوظائف النظام، وتدخل البلاد في فوضى، فالحراك الشعبي في سلميته وحضارته أثبت للعالم كله أن الجماهير الشعبية اصبحت تتميز بوعي سياسي، وبعيدًا عن الجانب الديني، لا أحد يمكنه أن ينكر أن فكرة التحرر نادى بها الماركسيون وهو بالنسبة لهم شعور الإنسان بالوضعية التي يعيش فيها وشعوره بضرورة تغيير هذه الوضعية تغييرا جذريا يجعله (أي الإنسان) يعيش في ثورة مستمرة.

والتغيير الجذري عند الماركسيين لا يتحقق إلا إذا كان الفرد يحمل شعورا ممكنا أو كما سمّوه بـ: الشعور المنتظر (التحرّر)، بمعنى الشعور بأن مطالب الجماهير ستتحقق وبكل الطرق، ولكن قد يحدث العكس إذا لم يتوفر مطلب التحرر، حيث يخلق فيهم الشعور بالفراغ، والخيبة، خاصة إذا برز المال كقوة وكسلاح بين أيدي رؤوس المال، إذ يمكّنهم المال من توجيه الرأي العام عن طريق التحكم في الإعلام وبالطريقة النازية، فعندما استولى النازيون على الحكم في المانيا سنة 1933، كان من بين التدابير التي اتخذوها فرض الرقابة على الصحافة، واتباع سياسة عدم التسامح مطلقا مع أي فكر سياسي حر ومستقل.

ولذا يرى الماركسيون أنه وجب تحرير الإعلام من التبعية للحزب أو للنظام وخلق تربة صالحة لتأسيس إعلام واع، إعلام مستقل يعني حرّ، لا تخيفه التهديدت أو وقف عنه الإشهار، وهذا لا يتحقق إلا إذا تحرر الإنسان من الخوف ومن كل القيود، لقد أظهر فيروس كورونا حماس العالم كله في مواجهة الخطر الذي يحدق بالشعوب، فكان التضامن مع الشعوب الشعار الذي رفعته كل الدول، بعيدا عن الإنكماش على الذات AUTARCIE، وهذا يجعلنا نتساءل هل هو الحنين إلى الإشتراكية، وإن كان الأمر كذلك وجب إذن إعادة النظر في السياسيات الفاشلة اتي عرقلت إنجاح الإصلاحات، وإعادة النظر كذلك في مفهوم الحكم الراشد الذي حصره البعض في إطار ليبرالي والأخذ في الحسبان دور اللوبيات.

 

علجية عيش

 

 

نجوى السودةالكاتب البروفيسور ميشيل تشوسودوفسكي

المترجمة: نجوى السودة

يدعي ترامب أن وباء كورونا "صُنع في الصين". وأن الصين تُهدد الولايات المتحدة الأمريكية .

يريد رئيس الولايات المتحدة أن يقتنع بأن وباء كورونا يحمل شعار"صُنِعَ في الصين .

يُشير وزير خارجية الولايات المتحدة إلى الوباء ب"كورونا ووهان.

"الكذبة الكبرى "بدأت الكذبة الكبرى في 30يناير حينما صرَح مدير منظمة الصحة العالمية تحت وطأة الضغوط التي تفرضها أمريكا من أجل مصالحها الإقتصادية أن الحالات المؤكدة 150حالة فقط "وأضاف أن الحالات خارج الصين هي 6حالات في الولايات المتحدة وأنها يطلق عليها وباء .على الفور قام إعلام التضليل بإعداد عدته على أعلى مستوى وإلقاء المسئولية على الصين  وأنها السبب في إنتشار الوباء على مستوى العالم .في اليوم التالي31 يناير ،2020)،أعلن ترامب أنه سوف يمنع دخول الأمريكيين الصينيين والجنسيات الأجنبية "الذي سافروا إلى الصين خلال الأسبوعين الماضيين ".أفضى هذا على الفور إلى أزمة في الطيران ،وفي النقل ،وفي العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين وفي الشحن والتجارة ما بين البلدين .في الوقت الذي ساعد شعار "صُنِع في الصين"كذريعة ،كان الهدف غير المُعلن أن تجعل الولايات المتحدة الإقتصاد الصيني جاثيا على ركبتيه .ما قامت به الولايات المتحدة هي "حرب إقتصادية "،وقد أسهمت في ضعضعة الصين ومعظم دول الغرب إقتصاديا (حلفاء الولايات المتحدة )مما أفضى إلى سلسلة من الإفلاس ،ناهيك عن البطالة ،وانهيار صناعة السياحة ،إلخ .

 

علاوة على ذلك،فإن شعار كورونا الذي طرحه ترامب"صُنِع في الصين"كان تقريبا في أوائل فبراير وجرَوراءه حملة ضد العرقيين الصينيين في دول الغرب .

المرحلة 2.0: وهي المرحلة التي إنتقل فيها الوباء عن طريق أوروبيين "؟.في الحادي عشر من مارس ،بدأت مرحلة جديدة .قامت الولايات المتحدة بالتعاون مع الدول الأوروبية وامتنعت بريطانيا ، بفرض حظر 30يوما على الأوروبيين دخول الولايات المتحدة عن الطيران الجوي.

تقوم الآن الولايات المتحدة بشن "حربا إقتصادية "ضد غرب أوروبا ،مستغلة كورونا مبررا لذلك .لقد كانت الحكومات  الأوروبية عضوا منتدبا .ففي إيطاليا ،أصدر رئيس الوزراء أمرا بملازمة البيوت  ،ولقد صارت على إثره المدن الكبرى مثل ميلانو وتورينو حرفيا مُغلقة .

نشر الفوضى والخوف والترويع .

إنه الأذى "صُنِعَ في أمريكا ".

أواخر فبراير :إتسمت تداولات سوق المال بالتحويلات عبر البورصة إلى أنحاء العالم .

بين عشية وضحاها إنهارت قيمة الأرباح بشركات الطيران .هؤلاء الذين قد تم"إخبارهم مسبقا"بقرار ترامب في 11 من مارس بحظر الطيران من الدول الغربية مما أدى إلى خسارة فادحة لتلك الشركات .يطلق على ذلك "البيع قصير الأجل "في سوق الإتمان من بين الخيارات الأخرى للأسهم المتضاربة .المضاربات ما بين المؤسسات ومن بينها الصناديق المغطاة كانت بالفعل قد حوطت بشدة على رهاناتها.

وعلى وجه أكثر تعميما ،لقد قامت أكبر الشركات العالمية في تاريخ العالم  بتحويل مبالغ ضخمة ،مما أودى إلى إفلاس  لا حصر له ،ناهيك عن الخسائر على المدخرات طويلة الأجل التي وقعت من خلال إنهيار أسواق المال.

يسير هذا النهج على قدم وساق .سوف يكون من السذاجة أن نظن أن كل هذا الذي حدث كان إعتباطيا ،مبني على قوى السوق .لقد كان كل هذا مُتعمدا .إن هؤلاء جزء لا يتجزأ من خطة تم تدبيرها بإحكام تورط فيها القوى العظمى من رجال المالح وذوي المصالح .

كورونا -19:أما الآن وقد وقعت الصاعقة ،صاعقة من نوع جديد : -

لقد كذًب اليابانيون والصينيون التقارير التي إنتشرت عبر العالم واللغو الذي تردد في البيت الأبيض متهمين الصين أنها السبب في إنتشار الوباء .كشفت التحليلات العلمية التي قام بها لاري رومانوف أن الفيرس "صُنِع في أمريكا ":

وكما جاء في التقارير اليابانية ووسائل إعلام أخرى أن الفيروس لم يُخلَق في الصين وأنه تبعا لتلك التقارير تم تخليقه في الولايات المتحدة .....

في فبراير،إدعت صحيفة آشاي اليابانية في تقرير لها (مطبوع وعبر التلفاز)أن وباء كورونا نشأ في الولايات المتحدة وليس في الصين ،وأن البعض (أو العديد) من الوفيات الأمريكية التي تصل إلى 14000التي يرجعونها إلى  الإنفلونزا نجمت عن فيروس  كورونا .

 

تحياتي/نجوى السودة