محمد سعد عبداللطيفوقفت تركيا على الحياد أزاء الصراع المسلح بين المانيا وقوى المحور وبريطانيا وقوى الحلفاء فی الحرب العالمیة الثانیة. ومع إن السياسة الخارجية لتركيا، بعد الحرب العالمية الثانية تأثرت بالمنطلقات التي سادت العالم آنذاك بتأثير النظام العالمي الجديد بظهور كتلتين متنازعتين هما الآتحاد السوفیتي۔۔ والولایات المتحدة الأمریکیة  ، يبدو أن موقع تركيا الجيوبوليتكي، بوصفها جسراً بين الغرب والشرق، کان لة تأثیر في رسم السياسة الخارجية التركية ،،  التي أتسمت العلاقات التركية –السوفیتیة  بعد الحرب العالمية الثانية بالتوتر. فلم تكد الحرب العالمية الثانية تضع أوزارها حتى بدأت الخلافات الأقلیمیة ، بين تركيا ۔۔والآتحاد السوفيتي. ففي بدایة عام  1945 م طلب السوفیت من ترکیا ۔تعدیل معاهدة "الحیاد"  وجاء فی مذکرة المطالب. أن الوضع الجدید بحاجة الی تعدیل مع ظروف ما بعد الحربّ أعلنت الحكومة السوفيتية أنه إذا ما أُريد توقيع معاهدة جديدة فيجب منح الاتحاد السوفيتي قاعدة على مضايق البحر الاسود. رفضت ترکیا المطالب السوفیتیة ۔ وبدآت العلاقات التركية – السوفیتیة تآخذ منعطفا آخر : فی التقارب الترکي الأمریکي عام 1947 فی إرسال بعثات عسکریة واقتصادیة لترکیا.

وفي  منتصف عام 1947 تَّم إبرام  التوقيع على اتفاقية المعونة العسكرية بين تركيا والولايات المتحدة. والتقارب الترکي مع دول غرب آوروبا فی توقیع اتفاقیة الشراکة الأوروبیه  ودخول حلف الناتو عام 1963م ظلت ترکیا حلیف مهم للآمریکان حتی وقت قریب من حکم الرٸیس اوباما۔۔

كيف تحولت العلاقات التركية الروسية من غريمين إلى شريكين ۔۔؟

فی تحلیلي الشخصي ۔ هناك عوامل کثیرة سوف نسرد بعضها تمخضت عن التوتر  فی العلاقات الترکیة الأمریکیة !! أولاؒ :بعد حرب الخلیج الثانیة ۔والتقارب الأمریکي الکردي فی اقلیم کُردستان شمال العراق ۔بدآت ترکیا فی عدم الارتیاح للوضع والتواجد الأمریکي فی شمال العراق وإعطاء الضوء الأخضر للآکراد "ب إجراء إستفتاء للإنفصال عن الدولة الآم فی بغداد ۔ وهذا المطلب فی نظر   ترکیا تهدید لآمنها القومي ۔۔

ثانیاؑ: عدم تسلیم المعارض السلفي "فتح اللة غول "المقیم فی واشنطن  الی انقرة ، بعد الإنقلاب  والشکوك الترکیة حول دور البیت الأبیض فی الانقلاب؟

ثالثاؒ:  أهم نقطة تحول فی العلاقات  الأزمة السوربة وصفقة الصواریخ الروسیة؟

ویرجع البعض الی سبب الأزمة في العلاقات التركية الأمريكية بدأت بسبب أوباما ۔۔ فی رفض بیع صواریخ "باتروت " المضادة للصواریخ والطاٸرات وسحب بعض  دول أعضاء بالناتو صواريخ باتريوت من تركيا ،،، في أوج التوتر مع روسيا،  رغم مخالفة ذلك لميثاق الناتو الذي يعتبر أمن أي عضو جزءاً من أمن باقي الأعضاء.

مع العلم أن ترکیا عضو بارز فی حلف الناتو وحلیف أمریکا وترکة فی مواجهة مع روسیا،  بسبب التدخل الروسي مع سوریا الدولة الجار ۔ والتخلي عن التنسیق فی دعم ترکیا من قبل الاوروبیین ودول الخلیج والامریکان فی دعم الثوار السوریین ۔ودعم  الامریکان الاکراد فی شمال سوریا ،،وتصاعدت الأزمة مع انتهاك الطائرات الروسية للمجال الجوي التركي، وهي الأزمة التي وصلت ذروتها بإسقاط أنقرة لطائرة روسية انتهكت أجواءها. وتصاعد الخلاف بمقتل السفیر الروسي فی ترکیا ۔

وفي مواجهة موقف حلفائها المتخاذل، حدث تقارب تركي روسي، بعد فشل مفاوضات  "جنیف " المتعددة فی حل الأزمة السوریة

وفي مواجهة موقف حلفائها المتخاذل، حدث تقارب تركي روسي، ونجحت ترکیا  فی عقد وأبرام  صفقة لشراء منظومة( S-400 ) الروسية المتطورة للدفاع الجوي، وقد وصلت أول شحنة منها بالفعل في العام  الماضي. وفي أكتوبر/من العام  الماضي، وقَّع بوتين وأردوغان اتفاقاً لتطهير شمال شرق سوريا من الميليشيات الكردية وإنشاء منطقة دورياتٍ مشتركة بينهما.

وبعد التدخل الترکي فی شمال شرق الفرات۔۔وفي مواجهة موقف حلفائها المتخاذل، حدث تقارب تركي روسي، بدأ بمحاولة وضع خارطة طريق لحل الأزمة السورية عبر ما يعرف بمفاوضات  (أستانة )  منذ حوالي شهر اتهم وزير الدفاع الأمريكي ۔ تركيا بالانسحاب من مسار حلف الناتو لمصلحة التعاون مع روسيا. وبدآت

أمريكا تلوح بعقوبات على تركيا

وأثارت الشراكة المزدهرة بين موسكو وأنقرة۔۔۔ قلقاً في واشنطن ففی الیوم التالي لتصریح وزیر الدفاع الأمریکي صوَّتت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس  "الشيوخ " على تأييد مشروع قانون لفرض عقوبات على تركيا بسبب شرائها منظومة S-400 الروسية وعمليتها العسكرية في شمال شرق سوريا. وتشمل بعض البنود الرئيسية للقانون فرض عقوباتٍ على مسؤولين أتراك بارزين، وعقوباتٍ على أحد البنوك التركية الكبرى، وقيودٍ على مبيعات الأسلحة إلى تركيا، وتقرير عن صافي ثروة أردوغان وعائلته.ولكن أردوغان يهدد برد حازم۔علی التهدیدات الأمریکیة بإغلاق قاعدتين عسكريتين أمريكيتين كبيرتين في تركيا إذا أقرَّ الكونغرس حزمة عقوبات مُرتقبة ضد أنقرة.

بينما كانت الأوضاع المتصاعدة بین  الولايات المتحدة وإيران بعد  مقتل الجنرال  (قاسم سلیماني)  ودخول حربٍ ضد بعضهما في العراق، بقصف قاعدة عین الاسد الامریکیة ۔۔ التقى رئيسا تركيا وروسيا رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين في إسطنبول في 8 يناير/ الجاري لإطلاق خط أنابيب الغاز «تركستريم»،

في حفل افتتاح خط الأنابيب، وصف بوتين روسيا وتركيا بأنَّهما قوتا حفظ الاستقرار في الشرق الأوسط، ویُعتبر افتتاح خط الغاز انتصار لترکیا ضدالتحالف الیوناني / القبرصي / الإسراٸیلي ۔ بمبارکة من الولایات المتحدة ۔ فی حین هددت امریکا ترکیا فی مدؒ خطوط الغاز الی دول جنوب اوروبا وتعاونها مع الروس

  وجاء إعلان اتفاقٍ جديد لوقف إطلاق النار بليبيا، في لقاء يظهر المدى الكبير الذي وصل إليه تطور العلاقات التركية الروسية وكيف أنها باتت تعيد صياغة الشرق الأوسط.

وبعد ذلك بيومين، أعلنت موسكو وأنقرة أنهما توصلتا إلى اتفاق آخر لوقف إطلاق النار في محافظة إدلب السورية، التي تعد آخر معاقل قوات المعارضة في سوريا والتي كانت تواجه احتمالية التعرُّض لهجومٍ من قوات برية موالية لبشار الأسد بدعمٍ جوي روسي.

وحضر أردوغان وبوتين مؤتمر برلين لتسوية الأزمة الليبية، والتوصل إلى ترتيبات لوقف إطلاق النار في لیبیا . الذي تآمر علیة حلف الناتو

ويأتي هذا اللقاء الأخير بين بوتين وأردوغان وسط توترات متصاعدة بين أنقرة وواشنطن، الحليفتين منذ فترة طويلة في حلف شمال الأطلسي

هل تتخلى تركيا عن تحالفها مع الغرب لصالح علاقتها الجديدة مع روسيا؟

هل أصبحت الأزمة بين أنقرة وواشنطن تتفاقم والرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتهم واشنطن بطعن بلاده في الظهر ملوحا بالبحث عن حلفاء جدد. فهل تتصدع التحالفات القائمة بسبب الخلاف الأمريكي التركی ؟

 

محمد سعد عبد اللطیف

کاتب مصري وباحث فی الجغرافیا السیاسیة

 

محمود محمد عليشهدت العاصمة الألمانية أنظار العالم، يوم الأحد الماضي الموافق 19/1/2020، بانعقاد جلسات "مؤتمر برلين" الذي يهدف للتوصل إلى حل سياسي للأزمة الليبية بعد سنوات من الصراع المسلح، الذي امتدت آثاره لتشمل المحيط الإقليمي لها.

وينظر لهذا المؤتمر بأهمية خاصة لأسباب عدة يتقدمها المشاركة الدولية الواسعة في فعالياته، والدعاية الكبيرة التي مهدت له قبل شهور من انطلاقته، باعتباره سيحدث نقلة جذرية في الملف الليبي من المسار العسكري، ليعيده إلى طاولة الحوار السياسي ويقرب وجهات النظر بين الأطراف الدولية والاقليمية المتدخلة في أزمة ليبيا والمرتبطة بأطرافها، وهو ما يميزه عن مؤتمرات عدة ناقشت الأزمة الليبية من دون التطرق إلى هذا العنصر والمحرك المهم للصراع الليبي - الليبي.

ويهدف "مؤتمر برلين" كما صرحت ألمانيا منذ الإعلان عنه، إلى تقريب وجهات النظر وإنهاء الانقسام الدولي حول ليبيا عبر الحوار بين القوى الدولية والإقليمية المؤثرة والمتأثرة بالمشهد الليبي، وهو ما تعبّر عنه بوضوح قائمة المدعوين لاجتماع برلين.

وفرضت التطورات الأخيرة المتعلقة بإعلان هدنة عسكرية وما تبعها في حوار موسكو، مساراً جديداً داخل المؤتمر يشمل قيادتي أطراف الأزمة الليبية ممثلة في قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر ورئيس حكومة "الوفاق" فايز السراج، للاستفادة من هذه الهدنة وتحويلها من مؤقتة إلى دائمة عبر حوار نسقت له بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ليغطي ثلاثة مسارات "الأمني والاقتصادي والسياسي"، التي يدور في فلكها "المُختلف عليه بين فرقاء ليبيا".

ومن جهة أخري يعاود المؤتمر بشدة علي إسكات سريع دائم لصوت المدافع، فلا حل عسكريا في ليبيا كما قال الأمين العام للأمم المتحدة أونطونيو جوتيرش في كلمة ألقاها وحظر بوتيرش بالخوص من مغبة اندلاع حرب أهلية تؤدي إلي تقسيم ليبيا بشكل دائم إذا لم تتخذ إجراءات حاسمة وفورية .

كان جليا إذن أن جميع الأطراف الفاعلة في الأزمة الليبية والحاضرة هنا في برلين علي دراية دقيقة بما يجب إجراءه من اتخاذه من إجراءات حاسمة وفورية، وقد اختزلها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو  في مسارات ثلاثة : هي دعم وقف دائم لإطلاق النار في ليبيا والعودة إلي العملية السياسية وإنهاء التدخل ألأجنبي، إلا أن الاختبار الحقيقي يكمن في مدي استعداد الطراف الليبية والدولية المتداخلة إلي جانب حفتر لاتخاذ ما يلزم من إجراءات في وضع حدا للحرب.

نتحدث هنا عن دعم ومشاركة لا مشروطة لنشر قوات سلام أممية تسهر علي مراقبة احترام وقف إطلاق النار ومراقبة حظر توريد الأسلحة عن انخراط تام في جهود نتائج مؤتمر برلين والتأسيس لعملية انتقالية جديدة في ليبيا، فهل ستغالب الأطراف الدولية مصلحة ليبيا والليبيين، وتتخلي عن حسابات المصالح، وبسط النفوذ، وتطبق ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر برلين، قد يأتي الرد في اليوم التالي لمؤتمر برلين وقد يطول انتظاره ليلتحق مؤتمر برلين بسلسلة مؤتمرات دولية سابقة حول ليبيا اصطدمت قراراتها بمعضلة تنفيذها أو بالأحري بغياب إرادة حقيقية لإتقاذ ليبيا.

ولقد كشفت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خلال المؤتمر، أن القائد العام للجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر ورئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فائز السراج، لن يكونا جزءا من فعاليات مؤتمر برلين حول الأزمة الليبية؛ فلم لم تكن المستشارية الألمانية تعقد أمالا كبيراً علي لقائهما، يكفيها في الوقت الراهن افتكاك مواقفة الحاضرين علي أبرز الخطوات العاجلة التي تراهن عليها ضمن 55 بندا وضعت علي طاولة النقاش، في مقدمتها تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، ووضع آلية لتنفيذه، وتجريد المليشيات من السلاح، إضافة إلي تأمين المنشآت النفطية،ووضع آلية لفرض عقوبات علي من ينتهك هذه القرارات.

وقالت ميركل في مؤتمر صحفي: "اتفقنا علي خطة شاملة، والجميع موافقون على أنه يجب احترام حظر الأسلحة ومراقبته بشكل أقوى من الماضي". وتابعت أن "الوثيقة التي تمت المصادقة عليها تحتاج لتأكيد من مجلس الأمن لتدعيم حظر الأسلحة".

وانتهى مؤتمر برلين بشأن ليبيا، بإصدار البيان الختامي لحل الأزمة دون أن يشارك أيا من الأطراف الليبية في صياغة البيان أو حضور المؤتمر الذي جرى بين القوى المجتمعة؛ وجاء نص البيان الختامي لقمة برلين حول ليبيا كالتالي:

1- جمعت قمة برلين بشأن ليبيا، بدعوة من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، كلا من حكومات الصين، ومصر، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وروسيا، وتركيا، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، فضلا عن ممثلي الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية.

2- نشير –نحن المشاركين إلى بيان الرئيس المشترك بشأن الوضع السياسي والأمني والإنساني في ليبيا للاجتماع، الذي عقد على مستوى وزراء الخارجية من جانب فرنسا وإيطاليا، على هامش الدورة الرابعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة للأمم المتحدة والتي انعقدت في 26 سبتمبر 2019 في نيويورك.

3- نؤكد مرة أخرى التزامنا التام بسيادة واستقلال ووحدة ليبيا جغرافيًا وقوميًا. يمكن فقط لعملية سياسية تقودها ليبيا وتملك زمامها أن تنهي الصراع وتحقق سلام دائم.

4- يظل الصراع في ليبيا، وانعدام الاستقرار في البلاد، والتدخلات الخارجية، والانقسامات المؤسسية، وانتشار كميات كبيرة من السلاح دون رقابة، واستمرار الاقتصاد القائم على السلب والنهب، يمثل تهديدًا للسلام والأمن الدولي، حيث يوفر كل ذلك تربة خصبة للمهربين، والجماعات المسلحة، والمنظمات الإرهابية. وسمح ذلك أيضًا لتنظيمي «القاعدة» و«داعش» بالازدهار في الأراضي الليبية، وتنفيذ عمليات داخل البلاد وفي دول الجوار. كذلك يسّر حدوث موجة مسببة لعدم الاستقرار من الهجرة غير الشرعية في المنطقة، وتدهور كبير للوضع الإنساني. ونحن ملتزمون بدعم الليبيين في معالجة تلك المشكلات المتعلقة بالهيكل الحكومي والأمن.

5- الهدف الأوحد لـ«عملية برلين»، التي نشارك فيها لدعم الخطة المكونة من ثلاث نقاط والمقترحة من جانب غسان سلامة، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، هو مساعدة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في توحيد المجتمع الدولي في دعمه لحل سلمي للأزمة الليبية، فأي حل عسكري في ليبيا غير ممكن.

6- نحن نلتزم بالامتناع عن التدخل في الصراع المسلح، أو في الشأن الداخلي الليبي، ونحثّ جميع الأطراف الفاعلة الدولية على القيام بالمثل.

7- نعترف بالدور الرئيسي للأمم المتحدة في تيسير عملية سياسية ومصالحة شاملة داخل ليبيا استنادًا إلى الاتفاق السياسي الليبي لعام 2015، ومؤسسات الدولة، وقرار مجلس الأمن رقم 2259 لعام 2015، وقرارات المجلس الأخرى ذات الصلة، والمبادئ التي تم التوافق عليها في كل من باريس، وباليرمو، وأبو ظبي، إلى جانب الأدوار المهمة لكل من الاتحاد الأفريقي ولجنته العليا حول ليبيا، والمكونة من رؤساء الدول والحكومات، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، ودول الجوار، في تحقيق الاستقرار في ليبيا.

8- ندعم بشكل كامل المساعي الحميدة وجهود الوساطة، التي تبذلها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والمبعوث الخاص غسان سلامة، ونؤكد أن التوصل إلى حل دائم في ليبيا يتطلب نهجًا شاملا يتناول بشكل متزامن الجوانب المختلفة لاستعادة الاستقرار.

9- ندعو إلى اتخاذ خطوات ذات مصداقية قابلة للتحقق، ومتسلسلة، ومتبادلة، تبدأ بهدنة تلتزم بها جميع الأطراف المعنية، وتؤدي إلى وقف شامل ودائم للأعمال العدائية كافة، بما فيها عمليات القصف الجوي في الأراضي الليبية. سوف يشمل وقف الأعمال العدائية أيضًا إعادة نشر الأسلحة الثقيلة، والمدفعية، والمركبات الجوية، وإيواءها وتجميعها، وإنهاء كل التحركات العسكرية، التي تقوم بها الأطراف المتصارعة، أو التي تتم كدعم مباشر لها، في الأراضي الليبية كافة مع بداية عملية وقف إطلاق النار.

10- ندعو إلى اتخاذ إجراءات لبناء الثقة مثل تبادل الأسرى ورفات القتلى.

11- ندعو إلى عملية شاملة تبدأ بالتزامن مع ترتيبات وقف إطلاق النار، وتسريح أفراد الجماعات المسلحة، ونزع سلاحها في ليبيا، ودمج الأفراد المؤهلين في المؤسسات المدنية، والأمنية، والعسكرية، بالدولة، على أساس فردي، وبناء على إحصاء لأفراد الجماعات المسلحة، وعمليات تدقيق مهنية. ندعو أيضًا الأمم المتحدة إلى تقديم المساعدة لإنجاز هذه العملية.

12- ندعو إلى وضع ترتيبات أمنية مؤقتة فعّالة يحمي من خلالها الجيش، والشرطة، وقوات الأمن، المناطق السكنية، ومرافق البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك المقرات الحكومية، والمطارات، والموانئ، والمعابر الحدودية، ومنشآت النفط، ومحطات الكهرباء، ومرافق البنية التحتية الاستراتيجية الخاصة بالمياه.

13- سوف تؤكد جميع الأطراف مرة أخرى على انفصالها عن أي جماعات إرهابية مدرجة على قائمة الأمم المتحدة.

14- ندعو إلى تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2368، والقرارات الأخرى ذات الصلة المتعلقة بتنظيمي «داعش» و«القاعدة»، والأفراد المصنفين إرهابيين، والجماعات والكيانات المصنفة إرهابية، خاصة البنود المتعلقة بحظر السفر، والتجميد الفوري للأموال وغيرها من الأصول المالية، أو الموارد الاقتصادية للأفراد المصنفين إرهابيين، والكيانات المصنفة إرهابية.

15- ندعو الأمم المتحدة إلى تيسير مفاوضات وقف إطلاق النار بين الأطراف، ويشمل ذلك إنشاء لجان فنية فورًا لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، والتحقق من ذلك، إلى جانب تسريح أفراد الجماعات المسلحة، وتنفيذ الترتيبات الأمنية المؤقتة.

16- ندعو مجلس الأمن إلى فرض عقوبات ملائمة على من يثبت انتهاكه ومخالفته لترتيبات وقف إطلاق النار، وإلزام الدول الأعضاء بتنفيذها.

17- ندعو الدول الأعضاء إلى الالتزام بدعم البند الخاص ببعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالتوافق مع قرار مجلس الأمن رقم 2486 لعام 2019 بتوفير ما يلزم من أفراد ومعدّات لدعم عملية وقف إطلاق النار بنجاح.

18- نلتزم بشكل صريح وكامل باحترام حظر توريد الأسلحة الوارد في قرار مجلس الأمن رقم 1970 لعام 2011 وتنفيذه، وكذا ما أعقبه من قرارات المجلس بما في ذلك حظر انتشار الأسلحة في ليبيا، وندعو جميع الأطراف الفاعلة الدولية إلى القيام بالمثل.

والسؤال الآن: كيف نقرأ مؤتمر برلين من خلال تلك البنود من وجهة نظر الجيش الليبي ومصر والعالم العربي، ومن زاوية المغانم والمخاسر بالنسبة للطرف الأخر وهو رجب طيب أردوغان وحكومة السراج، وذلك علي النحو التالي: إن هذا المؤتمر أفرز عن وثيقة لابد من الالتزام بها ويشهد عليها الكثير من زعماء العالم الذين حضروا المؤتمر من أمثال مصر وفرنسا وانجلترا وأمريكا... وهلم جرا، كما كشفت تلك البنود أن الطرف التركي كان خارج المعادلة، حيث أدرك أنه لا مكان له وسط المعادلة وأن التكتلات التي قامت بها مصر وإيطاليا وفرنسا والإمارات جعلت هذا المؤتمر يسير في تكتل واضح جدا لاتجاه فيما تفكر فيه تلك الدول ومعهم الاتحاد الأوربي؛ وبالتالي فإن كل القرارات التي صدرت في الوثيقة تصب في مصلحة حفتر ولا تصب في مصلحة السراج من خلال ما ورد في الوثيقة من وقف إطلاق النار وكيفية نوع السلاح .

وأخيرا نختم مقالنا بتساءل المراقبون للمشهد الليبي وكواليس "مؤتمر برلين" ماذا بعد نجاح أو فشل المؤتمر؟ ما السيناريوهات المتوقعة وإلى أين ستمضي بالبلاد؟

والإجابة علي ذلك نقول: ذهبت كل التوقعات إلى ترجيح أربعة احتمالات في ليبيا ما بعد برلين، الأول تثبيت الهدنة والاتفاق على سلام دائم بإشراف دولي. والثاني فشل المفاوضات وفرض استمرار وقف إطلاق النار بقوة دولية. والثالث انهيار المفاوضات لتتبعها الهدنة وتشتعل المعارك من جديد؛ وهناك سيناريو قاد حدة الاصطفاف وعمّق الخلاف بين معسكري الصراع الليبي إلى مطالبات غير مسبوقة، يتمثل في اقتسام البلاد باعتباره حلاً أخيراً لخلاف استنزف كثيراً من المقدرات والدماء، وهذا الخيار الرابع كانت أصوات كثيرة قد صرحت بالتحذير من وقوعه وانزلاق البلاد إليه طيلة السنوات الخمس الماضية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

احمد عواد الخزاعيلم تكن تظاهرات تشرين 2019 في العراق وليدة صدفة أو حركة انفعالية آنية ناجمة عن نقمة شعبية اتجاه نظام سياسي فاسد، بقدر ماكانت عملية (عرقنة) لطيف كبير من الشعب العراقي عاش محنة البحث عن وطن لعقود طويلة، مورست بحقه سياسات ممنهجة من الإقصاء والتهميش والتغييب والتمييز العنصري، ساهمت فيها الدولة العثمانية بشكل أساسي ثم تبنتها الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق منذ تاسيس الدولة العراقية الحديثة 1921 ولغاية الان، المكون الشيعي العربي والذي تنتفض مدنه اليوم على الدولة بمفهومها العام وعلى نظامها السياسي الذي يهيمن عليه الشيعة، عانى هذا المكون على مر الأزمنة محنة البحث عن الهوية الوطنية، وأعطى في سبيل هذا البحث المحموم الآلاف من الضحايا في محاولة منه لإثبات عراقيته، التي سلبت منه مرغما تحت شعارات (القومية والشعوبية والعمالة والوحدة الوطنية) .. فكان حطب الحروب العبثية التي خاضها النظام السابق ورأس الحربة في الدفاع عن انتماء عروبي لم يمنح له لغاية الآن، من محيط عربي قومي ينظر إليه بعين الريبة والإقصاء .. فالشعار الذي رفعه أبناء هذا الحراك الشعبي الشبابي الكبير (نريد وطن) كان شعارا جوهريا يحمل في ثناياه كل تراكمات الماضي وإرهاصاته وانعكاساته على هذا المكون العراقي الصميمي.. ولنرجع قليلا إلى الماضي للبحث في جذور هذه الإشكالية الاجتماعية والسياسية والتاريخية .. يروي ساطع الحصري في كتابه البلاد العربية والدولة العثمانية ..(إن سليم الأول حين أراد محاربة إسماعيل الصفوي أمر بقتل كل الشيعة في البلاد العثمانية، بفتوى من بعض رجال الدين على أنهم مرتدين).. وهذا النهج الطائفي، جعل الدولة العثمانية  تتبني فكرة إنشاء برجوازيات عراقية على أساس طائفي، وإدخالها إلى الجيش العثماني والحياة السياسية، والتي تحولت فيما بعد النواة والركيزة الأساس التي تشكلت عليها الدولة العراقية الحديثة عام 1921 بعد أن تبنى الانكليز هذه البرجوازيات واحتضنها، وتغيرت  تبعيتها للمستعمرين الجدد .. وقد عانى أبناء هذه الطائفة  من ظلم الدولة العثمانية، كما عانى أبناء الطائفة السنية من نفس الظلم إبان الاحتلال الصفوي للعراق.. لكن الدولة العثمانية اتبعت طرقا أكثر حداثة وذات أبعاد إستراتيجية في تعاملها مع الشيعة العرب في العراق، ومنها سياسية الإقصاء التي انتهجتها حتى منعتهم من دخول أي وظيفة حكومية أو مدرسة حربية، كما يذكر كامل الجادرجي في كتابه من أوراق كامل الجادرجي (إن الطائفة الشيعية تعد في زمن الدولة العثمانية أقلية ينظر إليها بعين العداء فلم تكن يقبل لهم تلميذ في مدارسها الحربية، ولا أي وظيفة حكومية وحتى المدارس الإعدادية كانت يمنع أبناء هذه الطائفة من دخولها) والكلام هنا  لكامل الجادرجي .. ويروي المرحوم عبد الكريم الازري في كتابه مشكلة الحكم في العراق (إن فتاح باشا قد تحول من المذهب الشيعي إلى المذهب السني، لأنه أراد إدخال ابنه المدرسة الرشيدية، ومن ثم إدخاله للمدرسة الحربية العثمانية، والتي كانت محرمة على الشيعة آنذاك)..لتأتي الحكومات المتعاقبة بعد ذلك وتعمق أزمة الهوية لدى شيعة العراق .. حيث يذكر حسن العلوي في كتابه (الشيعة والدولة القومية) إن جعفر العسكري قال لجعفر أبو التمن في إحدى حواراتهما (بأنهم اخذو الوطن وأعطوا لشيعة العراق الوطنية).. ليتبنى من بعد هذا المفهوم الأنظمة الشمولية القومية والبعثية التي حكمت العراق لتجعلهم حطبا لحروبها العبثية، وهدفا لسياساتها الاقصائية والطائفية .. بعدما نزعت عنهم هذا الانتماء ووصفتهم (بالهنود والغجر والعجم).. هذا الانتماء الوطني المسلوب ظل تتوارثه الأجيال في مدن الصفيح والعشوائيات والقرى الغافية على فقرها وبحار البترول، تتراكم وتكبر وتتعمق ككرة النار بعدما اعتقد الكثيرين إن سقوط الصنم سيغير من هذه المعادلة المغلوطة، وستحمل المرحلة الجديدة الحياة الحرة الكريمة لهذا المكون، وما هذه التظاهرات إلا رأس جبل الجليد الذي أسفر عن نفسه ليدق ناقوس الخطر بوجه منظومة سياسية فاسدة، كان الشيعة رأس حربتها الذين رفعوا شعار مظلومية الشيعة والتشيع سبيلا لهم للوصول إلى السلطة. العراق اليوم على مفترق طرق بعدما بدء هذا الحراك يأخذ طابعا يميل إلى العنف والمشاكسة، وأصبح تعطيل مرافق الدولة والحياة العامة أسلوباَ للفت الانتباه إلى المطالب المشروعة المتظاهرين، وبعد أن تحول العراق إلى ساحة صراع إقليمية ودولية، واستغلت التظاهرات من بعض القوى السياسية العراقية الداخلية  والإقليمية لتوظيفها لصالح مشاريعها التخريبية أو للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية، في ظل تعنت ومماطلة من قبل القوى السياسية الحاكمة، وبغض النظر عن الأيادي التي ساهمت في نشوء هذه التظاهرات والدوافع التي تقف ورائها، وما ستؤول إليه وما ستحققه، فإنها ستبقى علامة مضيئة وكبيرة في تاريخ العراق المعاصر، تستحق الوقوف عندها واستحضارها وقراءتها بتأني ومسؤولية من قبل الحكومات القادمة، لاستخلاص الدروس والعبر، والعمل على إنضاج مشروع وطني كبير يشارك فيه الجميع، تكون الهوية العراقية الركيزة له، يعيد للعرب الشيعة في العراق وطن سلب منهم عنوة.

 

احمد عواد الخزاعي

 

عباس علي مراديدرك رئيس الحكومة الفيدرالية سكوت موريسن ان التغيرات المناخية واحدة من اهم القضايا السياسية التي تواجه حكومته، والتي وضعت على نار حامية بعد حرائق الغابات التي اتت على شعبيته التي تراجعت في أول إستطلاع للرأي، والذي أظهر ولأول مرة تراجع شعبية موريسن، بالإضافة الى الألاف من المواطنين الذين شاركوا في المظاهرات التي جابت شوارع المدن الكبرى تطالب باتخاذ إجراءات جدية للحد من انبعاث الكربون ومحاربة ظاهرة الإحتباس الحراري. وهناك تقارير عن رسائل كثيرة وصلت الى مكاتب النواب سواء في المدن او المناطق الريفية تنتقد تلكؤ الحكومة باتخاذ أي إجراء أثناء أزمة الحرائق.

وحسب دراسة صادرة من الجامعة الوطنية فان نسبة كبيرة جداً من الناخبين اعتبروا الاحتباس الحراري القضية الأولى لديهم (93% من ناخبي حزب العمال يقولون بأهمية الموضوع، بينما اعتبر ثلثا ناخبي الائتلاف (الأحرار- الوطني) ان الموضوع مهم او الأكثر أهمية بالنسبة لهم).

ويرى 89% من المدراء التنفيذيين في أستراليا من أصل 150 أستطلعت آراءهم ان التغييرات المناخية "القضية الاجتماعية الاكثر أهمية".

 ودخل على خط التحذير من تداعيات التغييرات المناخية على الاقتصاد العالمي كل من صندوق النقد الدولي ومؤسسة بنك التسويات الدولية (التي تمثل البنوك المركزية العالمية) محذرة من ان التغيرات المناخية قد تكون السبب في ألأزمة المالية العالمية القادمة.

وكان البنك المركزي الأسترالي قد حذر أيضاً من انه قد يضطر لشراء مناجم الفحم ومحطات الطاقة الأحفورية كجزء من خطة استثنائية لحماية الأقتصاد من كارثة مالية بسبب التغيرات المناخية .(موقع صحيفة ذي سدني مورننغ هيرالد 20/1/2020)

موريسن والذي خفف من خطابه واعترف بأن التغيرات المناخية واقع لا يمكن نكرانه وتُسبب صيف أطول وأكثر حرارة وجفاف، قال ان حكومته سوف تلتزم بإعلان باريس والذي بموجبه على أستراليا ان تخف نسبة الانبعاث الى حدود  28% قياساً على نسبة العام 2005 حتى العام 2030 . وقال موريسن انه يريد ان يوازن ما بين الحد من انبعاث الكربون في الجو والحفاظ على المصلحة الوطنية الأقتصادية الأوسع. لكن البروفسور روس كارنوت الخبير بقضايا التغيرات المناخية يعتقد ان 28% التي تلتزم بها أستراليا بموجب اتفاقية باريس هي الأقل بين الدول المتقدمة.

 يحاول موريسن ان ينحني أمام العاصفة الشعبية، ولكن عينه على الكتلة البرلمانية لحزب الأحرار خصوصاً جناح اليمين، حتى ولو كان طوني أبوت خارج البرلمان، لأن موريسن يدرك كيف وصل الى رئاسة الحزب والحكومة عندما انقلب أعضاء جناح اليمين على مالكوم تيرنبول بعدما قدم الخطة الوطنية لتأمين الطاقة المستدامة،  والتي لم ترق لجناح اليمين فكان تحدي بيتر داتون لزعامته والتفاصيل وان كانت جزءاً من التاريخ لكنها لا تزال حية في ذاكرة وتوجهات معظم كتلة الحزب، والتي حسب التسريبات لا تزال منقسمة على خطوط تماس التغيرات المناخية وان كان موريسن يحاول التعاطي مع أي تداعيات من خلال الموازنة بين جناحي الحزب المعتدلين والمحافظين الذين يعتقدون او لا يعتقدون بالتغييرات المناخية .

وهنا تكمن المعضلة التي تواجه موريسن وحكومته فهذه وزيرة العلوم في حكومة موريسن كارن أندروز تعلن أن العلم حسم مسألة التغيرات المناخية،  وحسب صحيفة ذي سدني مورننغ هيرالد 18/1/2020 دعت الوزيرة الى وقف النقاش حول الموضوع. وتضيف علينا الأعتراف بان المناخ تغير والان علينا التفكير بما يجب ان نفعل لمواجهة التداعيات. وقد أيد تصريحات الوزيرة عدد من النواب منهم ترانت زيمرامن، تيم ولسون، دايف شارما، هولي هيوز، أندرو براغ وفيونا مارتن.

بينما كان النائب من حزب الأحرار غريغ كايلي يصرويجادل على ان التغيرات  المناخية غير حقيقية، وحسب صحيفة ذي أوسترالين ان وزيراً بالحكومة لم يرد الأفصاح عن أسمه حث موريسن على الحفاظ على وحدة الحزب في ما يتعلق بالتغيرات المناخية، وحذر احد النواب البارزين رئيس الوزراء من ان الحديث بالموضوع سوف يؤدي فقط الى تغير المناخ داخل الحزب وتفجيره من الداخل. وقد أيد هذا السيناريو النائب عن الحزب الوطني حليف جزب الأحرار في الحكومة بارنبي جويس الذي قال ان التغيرات المناخية عديم التأثير على حرائق الغابات في المستقبل وسوف تؤثر فقط على الأقتصاد الأسترالي.      

موريسن الذي فاز أيار العام الماضي بالانتخابات بمعجزة كما قال، يحاول ان يحكم بطريقة بعيدة عن المواجهة وحدد سياسية حكومته من خلال الوعود الانتخابية التي ذهب بها الى الأنتخابات، ولكن لا تجري الرياح كما تشتهي السفن دائماً، وكانت حرائق الغابات اول إختبار حقيقي لقيادة موريسن والذي أظهر بعض التخبط  والعشوائية ،من تمضية العطلة السنوية في هاواوي حيث لم يكن المواطنين يعلمون اين رئيس الوزراء، بالإضافة الى تأخره بانزال الجيش للمساعدة في إخماد الحرائق معتبراً ان الامر من مسؤولية حكومات الولايات، وهذا ما لم يشفع له عند المواطنين وان كان لا يستعمل خراطيم المياه لأطفاء الحرائق كما قال.

ان رئيس الوزراء لا يملك رفاهية تضييع الوقت، أو اللعب على الكلام، وعليه إما ان يقود او يواجه مصيره المحتوم، حيث ضيع أكبر فرصة ليثبت قدرته القيادية وتثبيت زعامته، هذا وقد بدأت تظهر تداعيات حرائق الغابات على الأقتصاد وكان اول ضحاياها الفائض بالميزانية وان كان وزير الخزينة جوش فرايدنبرغ يجادل ان الفائض سيساعد في الانفاق لمساعدة ضحايا الحرائق ولم يقل ان الحرائق تسببت بخسائر مادية مباشرة او غير مباشرة تقدر ببلاين الدولارات من خسائر دخل او خسارة الكتلة الخضراء والحيوانات التي نفقت نتيجة الحرائق.

وبهذا الخصوص يقول روس كارنوت  في مقالة له في (س م ه 18/1/2020) ان عدم الاقدام ومعالجة قضية  الاحتباس الحراري قد يؤثر على الامن والازدهار، ويعتقد ان هناك فرصة على أستراليا ان لا تفوتها وتكون رائدة في انتاج الطاقة النظيفة، حيث انها غنية بالمصادر التي تنتج هذه الطاقة، وتخفض سعر الطاقة وتصل الى نسبة صفر تلوث، ولكن يستدرك ويقول لكن السياسات السيئة والافتقارالى القيادة قد يذهب تلك الفرصة أدراج الرياح،واعرب عن تفاؤله بتصريحات رئيس الوزراء حول الموضوع ولكنه دعى الى التحرك بسرعة.

ويعتقد أحد نواب حزب الاحرار ان وقت الكلام انتهى وعلينا ان نقرن القول بالفعل، ويضيف " نحن نقول ان انبعاث الكربون ينخفض بينما في الحقيقة يرتفع" ويقول أيضاً اننا نعترض لان الاستثمار في الطاقة المتجددة مرتفع  ومكلف جداً، ولكن الحقيقة ان السبب هو خططنا الفوضوية، ولذلك نرى الحكومة كالدجاجة المذبوحة ، يوزعون الأموال يميناً وشمالاً وبدون تفكير. فلماذا العجب ان لم يكن لدينا مصدقية في هذا الامر.

إذن، الكرة الان في ملعب رئيس الوزراء سكوت موريسن، إما ان يقدم ويحارب الاحتباس الحراري بالحد من انبعاث الكربون او ان يكون حبيس الاحتباس السياسي داخل الحزب والحكومة، وندفع الثمن كدولة ومواطنين!

 

عباس علي مراد - سدني   

 

ابراهيم أبراشالتحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني متعددة الوجوه والأبعاد :الممارسات الإسرائيلية الاستيطانية والعسكرية الإرهابية في الضفة والقطاع، الممارسات العنصرية في أراضي 48، السلوك الأمريكي المعادي لشعبنا والمساند لدولة الاحتلال، التراجع الملحوظ في التأييد الرسمي العربي، الانقسام الفلسطيني، والوضع الاقتصادي السيئ في قطاع غزة ...، إلا أن الوجه الآخر من التحدي والتهديد الذي قليلاً ما يتم الحديث عنه هو محاولات التشويه والتنكر لتاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة الذي يمتد لحوالي مائة عام، ليس فقط من أعداء الفلسطينيين بل من بعض العرب والفلسطينيين .

لا شك أن هناك أخطاء وسلبيات وأوجه تقصير صاحبت مسيرة الثورة الفلسطينية كحركة تحرر وطني من الاحتلال، سواء في بنيتها الداخلية أو في كيفية إدارة الصراع مع إسرائيل أو في علاقاتها مع الجوار العربي وخصوصاً أثناء تواجدها في الأردن قبل 1970 أو في لبنان بعد ذلك، كما يجوز توجيه كثير من أوجه النقد لسلوك السلطة ومنظمة التحرير وكل النخب السياسية الراهنة، إلا أن ما لا يجوز السكوت عنه الحملة التي تشارك فيها أطراف متعددة تبدأ من إسرائيل وماكينتها الإعلامية إلى سياسيين وكُتاب عرب وفلسطينيين يتساوقون معها بتنسيق بينهم أو بدونه، والتي تشكك في مبدأ الثورة الفلسطينية ضد إسرائيل وفي منطلقاتها ومبررات وجودها وإظهارها وكأنها كانت مغامرة أو سلوكاً طائشاً لم يحقق شيئاً للفلسطينيين ولم يؤدّ إلا لمزيد من المعاناة للفلسطينيين والإساءة للدول العربية المُضيفة، وأن الفلسطينيين ناكرون للجميل ويسترزقون من وراء قضيتهم الخ .

كل هذه المزاعم وحملة التشويه الممنهجة لحاضر وتاريخ الثورة الفلسطينية الصادرة عن بعض الأطراف العربية والفلسطينية أيضاً  تزامنت مع سعي دول عربية للتطبيع مع إسرائيل والتخلي عن التزاماتها القومية تجاه الفلسطينيين، ومع حالة الفشل والعجز التي تعيشها الطبقة السياسية الفلسطينية الراهنة سواء في غزة أو الضفة،  وهذا التزامن يجعلنا نتلمس الهدف من وراء حملة التشكيك والتشويه لتاريخ الثورة الفلسطينية .

بالنسبة للأطراف العربية فإن هدفها كي وعي الشعوب العربية المؤمنة بعدالة القضية الفلسطينية والمؤيدة لنضال الشعب الفلسطيني وتحريض الشعوب العربية والإسلامية ضد الفلسطينيين الذين من وجهة نظرها لا يستحقون الوقوف إلى جانبهم، وذلك حتى تستطيع تمرير توجهاتها للتطبيع مع إسرائيل .

أما بالنسبة لبعض الفلسطينيين وخصوصاً من الطبقة السياسية فالهدف من التنكر لتاريخ الثورة ورجالاتها الأوائل هو التغطية على فشلهم وعجزهم بل وتواطؤهم، والزعم بأنهم ليسوا مخطئين في نهجهم وسياساتهم، وأن ما تمر به القضية من تراجع لا يعود لتقصيرهم كطبقة سياسية حاكمة بل لأخطاء سابقة للثورة الفلسطينية، بل يصل الأمر بحركة حماس لتجريم حركة التحرر الوطني الفلسطيني وتحميلها مسؤولية كل الانهيارات والتراجعات التي أصابت القضية الفلسطينية، وذلك في سعي محاولة منها لإحلال مشروعها الإسلاموي محل المشروع الوطني والقبول بأقل مما كانت ترفضه الحركة الوطنية الفلسطينية .

الفلسطينيون لم يقصروا تاريخياً في الدفاع عن قضيتهم، فقبل 1948 ناضلوا ضد وعد بلفور والاستيطان والاستعمار البريطاني وكانت ثورة 1936 -1939 التي استشهد وأصيب خلالها الآلاف وتم إجهاضها نتيجة قمع القوات البريطانية وتدَّخُل الأنظمة العربية آنذاك التي ناشدت الفلسطينيين بوقف ثورتهم على وعد أن تنصفهم بريطانيا، أيضاً نتيجة اندلاع الحرب العالمية الثانية، ولو لم تكن مقاومة وثورة فلسطينية آنذاك لتم تنفيذ وعد بلفور على كامل الأراضي الفلسطينية وليس على نصف الأراضي كما نص قرار التقسيم رقم 181 .

وفي منتصف الستينيات ثار الفلسطينيون لكسر حالة الإحباط ولمواجهة محاولات تغييب الهوية الفلسطينية واختزال القضية كقضية لاجئين فقط، وعندما قامت الثورة الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير كانت منسجمة ومتساوقة في منطلقاتها ومنطقها وسلوكياتها وثقافتها مع ما هو سائد في العالم آنذاك، من دعم عالمي لحركات التحرر الوطني وشرعية ومباركة الكفاح المسلح وموقف دولي عام يعتبر إسرائيل دولة احتلال من حق الشعب الفلسطيني مقاومتها بكل الوسائل .

نجحت الثورة الفلسطينية آنذاك في لفت أنظار العالم لعدالة قضيتها، وبالفعل اعترف العالم من خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1974 بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني وبحق هذا الأخير بتقرير مصيره السياسي وأصبح للثورة الفلسطينية مكاتب تمثيل في حوالي مائة دولة، وحدث هذا عندما كانت الثورة الفلسطينية تمارس العمل العسكري ضد الكيان الصهيوني داخل فلسطين المحتلة وخارجها، وخلال الانتفاضتين 1987  و 2000  انتقلت ريادة الثورة من الخارج إلى الداخل وقد استطاعت هاتان الانتفاضتان إفشال محاولة فرض الوصاية على الفلسطينيين مجدداً وفرض شروط مذلة عليهم تمهيداً لتصفية قضيتهم  .

أن تتغير التوازنات الدولية والنظام الدولي وتتغير المصالح وينهار النظام الإقليمي العربي وتصبح بعض الأنظمة العربية منحازة لمصالحها ولو على حساب الشعب الفلسطيني، وأن ينهار أو يتخلخل النظام السياسي الفلسطيني نتيجة ثقل التحديات والمؤامرات ونتيجة الانقسام وسيطرة نخب سياسية فاشلة، كل ذلك لا يعني أن الفلسطينيين كانوا مخطئين في ثورتهم ومقاومتهم للاحتلال، كما لا يشكك بعدالة القضية الفلسطينية، ونستغرب كيف أن الذين يُدينون الفلسطينيين لممارستهم حقهم في مقاومة دولة احتلال عنصري إرهابي يدعمون في نفس الوقت بالمال والسلاح جماعات مسلحة تقاتل ضد حكومات بزعم أنها حكومات غير ديمقراطية ؟.

وأخيراً وبالرغم من رداءة وصعوبة الواقع والنجاح النسبي الذي حققته استراتيجية الإلهاء في كي الوعي وتغيير الأولويات وفي تفشي حالة اليأس والإحباط، إلا أن القضية ليست مسالة سلطة وحكم وطبقة سياسية مأزومة بل قضية شعب تعدداه يناهز 13 مليون نسمه لم يتنازل عن حقوقه الوطنية بالرغم من كل ما يتعرض له، لذا على الفلسطينيين أن يفتخروا بتاريخهم وبأنهم أصحاب قضية هي  الأكثر عدالة بين قضايا التحرر الوطني وبأنهم أصحاب ثورة هي الأطول في تاريخ حركات التحرر الوطني في العالم ضد تحالف صهيوني استعماري امبريالي، ليس فقط دفاعا عن فلسطين بل وعن الأمة العربية والمقدسات الإسلامية، ولولا وجود الثورة الفلسطينية ومقاومة الشعب الفلسطيني لكانت إسرائيل تمددت إلى عمق العالم العربي منذ عقود .

 

إبراهيم ابراش

 

 

"الانسان هو حقيقة العالم، وحقوقه هي الاكذوبة الابدية !!!"

 لماذا هنالك حقوق الانسان؟ لماذا يتمتع كل شخص منذ الولادة بالحقوق؟ ولماذا هذه الحقوق وليس غيرها؟ لماذا يؤكد الجميع ومن دون شك أن حقوق الإنسان يجب أن تأتي أولاً وأن تكون فوق كل شيء؟ لماذا يقول الكثيرين أنه يجب حماية حقوق الإنسان والتمسك بها؟ وهل كل ذلك يوفر مفهوم حقوق الإنسان؟ ومن أين جاء التأكيد من أن هذه الحقوق موجودة بالفعل؟ وأنها تنتمي لجميع الناس وبالتحديد من الولادة؟ وهل يمكن أن يثبت وجودها الحقيقي؟ وما هي حقيقة ذلك الأثبات؟ وهل من الممكن أن يكون كل هذا مجرد خيال أو خدعة؟ ومنطقيا لا يمكن لأي شخص الإشارة إلى هذه الحقوق بإصبعه، ومن المستحيل الإشارة إلى طبيعة وحقيقة وجودها، ولم يثبت أي شخص وجود حقوق للإنسان، ولا أحد يستطيع أن يثبت بعقلانية أن جميع الناس يملكون حقوق طبيعية منذ الولادة لولا الإيمان بالله والآخرة. ولكن إذا كان الايمان بالحقوق هو لكل شخص يؤمن بالله، فلا يمكن لأحد أن يفرض هذا الإيمان على الآخرين، واذا كان الإيمان بوجود حقوق انسانية طبيعية لأي شخص في طليعة الحياة القانونية والعامة والمنصوص عليها في الدساتير والقوانين ومعظمها تعلن تعددية الأيديولوجيات وحرية الضمير والدين، فلماذا هي تتناقض مع ذاتها وتجعل حماية واحترام الحقوق الانسانية الخيالية وتمزجها بالإيمان؟

إذا كان كل الناس في الواقع يعترفون ببعضهم البعض بأي حقوق طبيعية ، فلن تكون هناك حروب أو تطرف أو إبادة جماعية أو عنصرية أو صراعات عرقية، فحقوق الإنسان ليست مجرد اكذوبة، تم نسجها لتكون خطأ وفرضها على الناس، ولكن لأي غرض؟ هل من أجل منع ومراقبة هدر "الحقوق الطبيعية" لجميع الناس؟ وهل الاستبداد والإيمان العالمي بهذه الأكذوبة له ما يبرره ويناسبه؟ إن الأكذوبة التي مفادها أن الناس يتمتعون بحقوق طبيعية وغير قابلة للتصرف منذ ولادتهم لها جذور قديمة للغاية، وبالتالي فإن من سمات العديد من وجهات النظر العالمية عدم تحديدها بدقة وإذا كان القانون الطبيعي قانونًا موضوعيًا ومثاليًا، فإن الحقوق الطبيعية هي حقوق متأصلة في كل الناس منذ الولادة، ومع ان مفهوم حقوق الإنسان اكتسب بالفعل طابعًا عالميًا ترد أحكامه في العديد من دساتير العالم وحتى في ميثاق الأمم المتحدة غير انه ومع ذلك فلا يزال من غير الواضح ما الذي تسبب بالضبط في الغياب التام لمثل هذا المفهوم الجديد وازدواجية النظرة العالمية المتخبطة له.

 سوء الفهم الأساسي لدور التقاليد والثقافة وتجاهل مراعاة مبادئ العقلانية والحرية تؤدي إلى خط الانهيار العالمي الشامل، فتتمثل خصوصية الفترة الحالية في أن إمكانيات ترسانة التكنولوجيات الصناعية والقوات المسلحة للبلدان المتقدمة تقنيًا قد تجاوزت النطاق العالمي بالقدرة على القتل والتدمير وزهق كل حق انساني وفي الوقت ذاته فإن القدرة الأولية والعقلية الأساسية للعقل البشري على الإنقاذ والبناء والإبداع والتطور والارتفاع في الروح ضمن إطار الهيكل التنظيمي والإداري الحالي يتم قمعها بشكل لا يمكن السيطرة عليه لذا تقلصت هذه القدرة بالفعل إلى النضال اليائس من أجل مجرد البقاء !! وإن الإنسانية وحقوقها تخنق بالعمليات المدمرة العنيفة الخارجة عن القانون وتنزلق إلى الإبادة الجماعية غير المقنعة فلذلك نرى ان العالم بحاجة ماسة إلى علاقات أخرى علاقات دولية سلمية ومحترمة وظروف عمل إنسانية وعدالة حقيقي وضمانات الجودة وسلامة الحياة الحقة الانسانية بغض النظر عن النقطة على الأرض والوقت من اليوم. وان التوازن العام الحالي للحضارة العالمية هو الانهيار التدريجي وحتى هذا النوع من التقدم يدفعه الموقف الهمجي تجاه الإنسان والثقافة والتطور، ويتحقق ذلك على حساب تدهور الحياة الفعلية والمناظر الطبيعية والتلوث البيئي، وإن نظرتنا العامة لهذا اليوم وحتى العلمية إلى العالم ككل هي معاداة طبيعية وغير اجتماعية وخطيرة، وإن أفق التخطيط الدولي على أساسه ضحل وأحيانًا يعود إلى الغرائز الحيوانية العدوانية وردود الفعل المتمثلة في الحماية المتشنجة لتهديدات القوة والكوارث الإنسانية الناشئة تلقائيًا والاستفزاز المتعمد والمحطم لكافة الحقوق الانسانية ان وجدت، ولا يعتمد النظام القديم للقوة العالمية للحفاظ على نظامه بالكامل تقريبًا على الصدق والضمير الجيد والوعي القانوني للمواطنين ولكنه يعتمد على التقديم الأعمى والخداع والخوف والقوانين المكتوبة المحظورة ورشوة المسؤولين الخاصين والعامين والجيش والشرطة لدرجة انه اليوم هناك حديث عن حرب هجينة.

وقد لا يفي لمن كان قد صمم العلوم والحقوق الإنسانية شبكها بالضرورات وبالمتطلبات العاجلة للحضارة في تحقيق الفعالية الحقيقية للجمع بين المعرفة والعمل والقوة الكامنة المحققة تقنياً فيتحول المنهج الروحي والمنهج العلمي لتعميق الأزمة العالمية من هذه المعارف، وصولا للانهيار المرتب لعالما مريضا أيديولوجيا فاقدا لنظام الطاقة الأساس، ولهذا نرى الان انه قد ارتفعت مسألة بناء الدولة الحقيقية من جديد في جميع أنحاء العالم اذ حان الوقت لإدراك وفهم الأساس الصارم للأفعال البشرية التراكمية كاستراتيجية تهدف لأستيعاب العالم واحترام قوانينه لتحقيق النمو والتطور الاجتماعي، مما يعني أن هناك حاجة ماسة إلى ايجاد وصنع نسخة رسمية مختلفة تعمل بشكل عام لعلم بناء الامن والحق الانساني والبشري و المجتمعي. غير اننا نجد المؤسسات العالمية تسعى الى النقيض من الفكرة السلامية للامن البشري فهي ولتحقيق السيطرة على المجتمعات فكريا وروحيا ونهجيا نراها تكتفي بتضييق تفكير الشعوب، وبالفعل ففي هذه الأطر الآمنة يتم تنظيم مناقشات واحتجاجات ومظاهرات وصراعات عامة وعاصفة لا نهاية لها، ومن أجل عدم الوقوع في تلخبط في استراتيجية الفضاء بلا أبعاد فتقوم بأغراقها للشعوب ببحار من النقاش الساخن  حول "ما ، في وقت ما ، حدث خطأ ما او كارثة فجأة"، وعبر كل هذه الفوضويات السرابية تحتاج إلى التنقل السريع والفوضوي في جوانب واطر السياقات العامة.

من خلال تدهور الحقوق الانسانية والروح الاجتماعية يفقد النظام الاجتماعي حالته ويفقد ويبدد موارده الطبيعية ويرش الطاقة المجانية أكثر مما يراكم ويتم تدمير نظام شبكته الداخلي وتظهر ظواهر عدم الاحتجاج التي تمنع الحرية والإنتاجية وبمرور الوقت ستلتهم الطبقات الإجتماعية المتحللة روحيا نفسها وتنخفض المستويات التكنولوجية البشرية وتتزايد حالات الفساد الكامل وتضمحل الحقوق وتتحلل الأخلاق العامة، وتموت الفكرة المنظمة للدول باعتبارها "إنتروبيا اجتماعية"، وإن الحكم في الصورة المعززة والمتكاملة للعالم هو الجانب الروحي الأعلى للإنسان لكونه مرتبطًا بظواهر أكثر استقلالية وتعقيدًا لقوى "الكون الفكري" الرقيق المتمحورة بشكل غير مفهوم غير إنه يحمل دفعة تنظيمية لا تُقهر لتطور الكامل للعالم عبر تطوير عقله، وهذه الصورة من العالم لا تقودنا كطريقة للإدراك من المجمع إلى البسيط ولكنها تعمل دون إغفال مبادئ النظام العالي بالنزول إلى الملموسة والخاصة ، مع تذكر أن أي جزء على حدة ليس سوى أداة عمل للعقل العام ولا يعمل ككل فتشكل أجزاء كثيرة دائمًا الصحيح المعقّد بشكل غير مفهوم وبشكل أكثر دقة يعمل باستمرار على تحسين الهيكل التنظيمي مقارنة بأوركسترا سيمفونية، ومن ذلك كله تبرز استراتيجية لخلود الحياة وتطور الحضارة بصورة فعالة فقط مع المعالم الأبدية الخالدة عبر نمو الانسانية بمشاعرها الحقيقية والبشرية والتمسك بالإيمان وترجيح الظن الحسن والسير خلف حكمة العقل الرصين لينتقل كله تقليديا في الشفرة الوراثية الاجتماعية كتجربة روحية من خلال التعليم بتوظيف واستثمار كل شيء آخر وصبها عبر أدوات تنفيذية مطيعة في أيدي الاستراتيجية الهادفة لصنع عالم بحقوق انسانية منجرف عن الحروب والظلم والنزاعات.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات الضيفي

 

محمد سعد عبداللطيفجيوبوليتيك الصراع وديبلوماسية النفط والغاز في الشرق الأوسط

في السياسة ليس هناك عدو دائم او صديق دائم هناك مصالح دائمة. فی عام 1974 م وبعد الإنتهاء من حرب اکتوبر ۔ عقد مٶتمر سري فی الرباط ۔ تحت رعایة (المخابرات الآمریکیة) وتم توجیة الدعوة الی کل من "مصر والسعودیة" ۔ لمساعدة الآمریکان فی طرد الروس من القرن الافریقي ۔ والشرق الآوسط ۔ وقد لعبت مصر دورا کبیرا فی ذلك بطرد الخبراء الروس قبل حرب اکتوبر وبعدها رغم کل تسلیح الجیش المصري سلاح روسي ۔ نتیجة تفاهُمت بین السادات والسید / هنري کیسنجر ۔

وبعد سقوط الاتحاد السوفیتي وسقوط جدار برلین وتفکك حلف وارسو ۔ وبدایة نظام عالمي آُوحادي (العولمة)

سعت روسیا الاتحادیة الی بناء محاور لها محور موسکو طهران ۔۔لدخولها الی الشرق الآوسط ۔

وظهور صراع جدید للآهمیة

الجيوبوليتيكية للعالم العربي في قطبي الصراع العالمي حیث یتمتع

العالم العربي، لاعتبارات جيواستراتيجية وجيوبوليتيكية، بمكانة كبيرة وموقع مميز في النظريات الجيوبوليتيكية كلّها. فقد اعتبر العالم "ماكيندر" صاحب "نظرية قلب العالم"، أنَّ العالم العربي من الأماكن الاستراتيجية المركزية في الكرة الأرضية التي تؤدي السيطرة عليها إلى السيطرة على العالم، فهو البوابة التاريخية لمنطقة غربي آسيا وبقعة الوثوب الاستراتيجية على أوراسيا. وبالتالي كان لزامًا على من يريد أن يُحكم سيطرته على قلب أوراسيا أن يعمل أولاً على تأمين هذه المنطقة وإحكام سيطرته على قلب أوراسيا أن يعمل أولاً على تأمين هذه المنطقة وإحكام سيطرته عليها.

الجيوبوليتيكية لإيران وتركيا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية، نجد أن العالم العربي بدوره يمتلك مفاتيح أساسية في التنافس الجيوبوليتيكي الأمريكي ـ الروسي، فالدول العربية تطل على المضایق المتحكمة في حركة الملاحة البحرية الأهم في العالم المتجهة من الشرق الوسط شرقاً إلى أوروبا غرباً، أي في مضیق هرمز، باب المندب، وقناة السويس، حيث تشكل هذه المضایق عاملاً حاسماً مهماً في واقع الجغرافيا السياسية للعالم العربي، كونه يحتل موقعاً جغرافياً يقع في ملتقى قارات ثلاثة من قارات العالم ويتحكم في أهم طرق التجارة العالمية براً وبحراً وجواً، مما يجعل من العالم العربي أرضاً للتنافس بين القوى العظمى .

يحاول النظام الإقليمي الشرق الأوسطي الجديد العمل ضمن استراتيجية تحييد القوى المنافسة للولايات المتحدة الأمريكية

أما بالنسبة للأهمية الجيوبوليتيكية للعالم العربي بالنسبة لروسيا الاتحادية، فإنه يتمتع بمكانة بارزة في الاستراتيجية الأوراسية وذلك نظراً إلى عوامل عدة أبرزها العامل الجيوبوليتيكي، إذ يكتسب العالم العربي أهميته الجيوبوليتيكية ووفقاً لذلك، فإن النظام الجدید لروسيا لم تكتف بحدود سوريا الجغرافية فقط، بل الولايات المتحدة الأمريكية مهدت لها الطريق لدخول الخليج العربي بعد ثورات الربیع العربي ثم سمحت لولي العهد السعودي للإتصال بالروس وتحقیق تعاون علی آصعدة ۔مختلفة وکانت مصر فی مقدمة الدول التی بادرت بحصولها علی المقاتلات الروسیه وتوقیع اتفاقیات معها وبناء مفاعلها النووي ، بداية عندما أمرت واشنطن حكام الإمارات بتمويل العمليات العسكرية الروسية في سوريا، وحتى دفع مرتبات الجنود الروس وقواعدهم،.

 ترى روسیا نفسها في موقع الدفاع عن مفاهيم ومرتكزات أساسية تدعم نفوذها في الشرق الأوسط وفي العالم العربي من خلال العوامل الكثيرة التي تحفظ حضورها وقوتها في الميزان العالمي أهمها الحق في حماية واستخدام الممرات المائية والمعابر البرية وهي تنسج معظم سياستها في الشرق الوسط ومحيط البحر الأسود وفقاً لهذه الاعتبارات كون أكثر من 50 % من تجارة التصدير الروسية تمر عبر هذه المياه، بالإضافة إلى المفاهيم والاعتبارات الدينية، وحماية مصادر النفط، بالإضافة إلى العامل الاقتصادي الذي بات يشكل الاستراتيجية الحديثة للسياسية الروسية الجديدة التي حلت مكان الإيديولوجية السابقة في العصر السوفييتي السابق ۔۔

 کذلك کانت ترکیا البلد المُتاخم للحدود الروسیة ۔دولة لها أهمیة إستراتیجیة للولایات المتحدة وحلف الناتو ۔۔ إبان الحرب الباردة وقواعدها العسکریة الأمریکیة علی أراضیها ۔ومطالب الروس بسحب الصواریخ من علی أراضیها إبان أزمة الصواریخ الروسیة علی الأراضي الکوبیة فی ستینیات القرن المنصرم ۔

تحتل تركيا موقعاً مركزياً في الاستراتيجية الأمريكية ليس لآعتبارات الإيديولوجيا بل للآعتبارات الجيوبوليتيكية، يعود ذلك إلى أن الرقعة الجغرافية التي تتمدد عليها تركيا كانت وما زالت في قلب المنطقة الأوراسية ومركز دائرتها. تعتبر القوة البحرية الحالية (أي الولايات المتحدة الأمريكية) هذه المنطقة هي أساس لسيطرتها العالمية، كونها تحاصر القوة البرية (أي روسيا الاتحادية) وتمنعها من التمدد والوصول إلى البحار المفتوحة بالإضافة إلى أن تركيا تسيطر على نحو متميز على الممرات البحرية في البوسفور والدردنيل، المؑمر الذي يجعلها في قلب أهم المواقع البحرية في العالم.

تمثل تركيا إحدى المفاتيح المهمة لفهم السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وذلك ليس فقط بسبب البعد الجيوبوليتيكي لتركيا والذي أعطاها ميزة ضغط بيد دول الخليج للتأثير على الدول الأفريقية النامية، بالإضافة إلى العامل الديني الذي أدّى دوراً بارزاً في ربط هذه الدول بمنظومة الدول الإسلامية التي أدّت فيها المملكة العربية السعودية دور المركز.

۔کذلك إیران الشاة ۔۔کانت هی الآخري البوابة الجنوبیة ونقطة الإنطلاق الی منطقة آورسیا وحدودها الممتدة مع الاتحاد السوفیتي السابق ۔۔ وکان الشاة هو الشرطي للخلیج وحارس نفط الامریکان ۔۔

حتى تتحقق اطماع الدب الروسي الي المیاة الدافٸة وتآمین خطوط الغاز على أرض الواقع، وجب أن تعمل روسيا الأوراسية على تكوين محاور جيوبوليتيكة جديدة منها محور موسكو ـ طهران، والذي يحقق لورسيا الأوراسية المفتقرة للمنافذ البحرية على المياه الدافئة، التمدد والوصول إلى الخليج العربي. هذا الهدف الجيوبوليتيكي ظلت وما زالت روسيا الاتحادية تسعى إلى تحقيقه، ووفقاً لهذا التصور تحتل طهران مكانتها لدى موسكو باعتبارها من أهم شركاء روسيا الاتحادية في المنطقة والذي يسمح لها بالوصول إلى الخليج العربي سياسياً.ومازال الدور الروسي الإیراني یلعب دورا بارزا فی شرق المتوسط فی سوریا والیمن والعراق ولبنان ۔۔ولم ینتة بعد فی الشرق الآوسط ۔۔

هذا التواصل الجغرافي الذي تتمتع به الجمهورية الإسلامية الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط يفرض على روسيا الاتحادية تحقيق تواصل جيوبوليتيكي مع إيران، حيث تحاول موسكو الاستفادة من الموقع الإيراني في لعبة الصراع مع واشنطن، كون السياسة الإيرانية هي في موقع النقيض مع السياسة الأمريكية وطهران لا تزال على خلاف وعداء مع واشنطن. من هنا، فإن موسكو تعمل على استغلال الموقع الإيراني في إطار الصراع مع واشنطن ضمن خطة تتضمن اعترافاً عملياً بضعف موقع روسيا الاتحادية النسبي في منطقة الشرق الوسط مقارنة مع موقف الولايات المتحدة الأميركية. بالتالي، فإن روسيا الاتحادية لا تنظر إلى إيران كخصم بل كشريك وحليف استراتيجي سيساعدها على تحدي القوة الأمريكية من خلال توسيع نفوذ روسيا الاتحادية الإقليمي والدولي، وتهدف هذه الاستراتيجية أساساً إلى إيجاد عالم متعدد الأقطاب، حيث تحاول كل من روسيا الاتحادية والجمهورية الإسلامية الإيرانية إضعاف القوة والتواجد الأميركي في الشرق الأوسط ومن خلاله إضعاف حلف الشمال الأطلسي وتكوين حلف سياسي ـ عسكري مضاد يكون موازياً للهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط تشكل سورية نقطة ارتكازه ۔۔ولکن بعد مقتل صاحب مشروع الازرع الطویلة والوصول الی المیاة الدافٸة الجنرال قاسم سلیمانی ۔ هل ینتهي حلم الأمبراطوریة الفارسیة بمقتل " سلیماني ۔أم نجح فی قرار مجلس النواب العراقي بطرد الآمریکان من العراق ۔۔۔والتفکیر فی إمتلاك منظومة صواریخ روسیة (آس300/آس400 ) هل کانت العراق تستطیع أن تفکر فی ذلك من قبل ۔ وترکیا التی حصلت علی منظومة الصواریخ من روسیا واصبحت تلعب مع روسیا فی رسم السیاسات فی شمال سوریا ۔۔الأربعاء قبل الماضي تم الاتفاق بین الرٸیسین" اردوغان وبوتین " بوقف إطلاق النار فی " إداب " وفی الیوم التالي وقف إطلاق النار فی لیبیا ودعوة أطراف الصراع الی موسکو وتقود الملف " اللیبي " الیوم الی برلین ، روسیا ستقود المنطقة ۔مع بدایة نظام عالمي جدید فی الشرق الآوسط.

 

محمد سعد عبد اللطیف

کاتب مصري وباحث فی الجغرافیا السیاسیة

 

محمود محمد عليعلى الرغم من تحقيق النساء اللبنانيات تقدماً ملموساً في مجال التعليم والاقتصاد، إلا أن مشاركتهن السياسية بقيت محدودة، وذلك بسبب نظام الزعامة البطريركي والحكم الطائفي وسلطة المؤسسات الدينية؛ فالتاريخ يشهد بأنه لم ترحب الأحزاب اللبنانية بالمرأة، إلا أن دورها ظهر بشكل أوضح بعد استقلال لبنان، وبدأت تزداد مشاركتها في الحياة العامة نتيجة لزيادة نشاط الجمعيات النسوية، إلا أن المشاركة ظلت تتمحور حول الطائفة وسلطة الزعماء. فيما تغير هذا بدءا من حراك عام 2011 وصولاً لحراك "طلعت ريحتكم" عام 2015.

ومع انتهاء الحرب الأهلية في لبنان عام ١٩٩٠، قامت النساء بأدوار متنوعة سواء على مسـتوى النضـال الطلابي أو العمل ضمن مؤسسات سياسية، كما ظهرت في مجالات أخرى عززت دورها في الحراك الثوري أو المسلح.

والنظام الطائفي اللبناني يشكل عقبة أمام المرأة اللبنانية في وجه تحقيق تطلعاتها السياسية، إذ أنها تخضع لخمسة عشر قانوناً مذهبياً في لبنان تجعل من مشاركتها في الحياة السياسية أمرأ اكثر تعقيداً مما يعتقد. إلا أن الاحتجاجات الأخيرة قد تغير المعادلة؛ حيث لعبت اللبنانيات دورا رياديا في المظاهرات الشعبية، وأسهمت في إطلاق العديد من المبادرات، لدعم ومساندة المتظاهرين.

وشهدت ساحات التظاهر حضورا بارزا للنساء، في مقدمة الصفوف، وفي مواجهة الأجهزة الأمنية. وتصدت اللبنانيات اللواتي افترشن الأرض وتشابكن بالأيدي في ساحات التظاهرات، لقوة مكافحة الشغب التي أعطيت أوامر بفتح الطرقات ، لكن أصرار المرأة وعزيمتها غيرا المعادلة رغم ما نالته من عنف.

لقد أبدعت نساء لبنان في أساليب التظاهر، حيث تسلط الاحتجاجات الأخيرة في لبنان الضوء على دور المرأة في التغييرات السياسية الحاصلة حالياً، لتكون بذلك وجه الثورة اللبنانية وصوتها، من خلال مشاركتها الواسعة في المظاهرات التي انطلقت احتجاجاُ على الوضع الاقتصادي في البلاد.

وتنوعت المشاركة النسائية لتشمل جميع الفئات العمرية والطوائف ومختلف الأدوار جنباً إلى جنب. وهو ما صبغ الاحتجاجات بلون موحد، جاعلاً منها طريقاً لتجاوز الاختلافات الطائفية والتخلص منها في بلد يضم 18 طائفة.

لم تقتصر المشاركة على المواطنات من الطبقة المسحوقة، إذ شاركت الفنانات في الاحتجاجات سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي مثل نانسي عجرم وأليسا، أو في الشارع مع المواطنين، مثل نادين نجيم، وكانت الفنانة الأخيرة قد عبرت من خلال فيديو عن حقها في التظاهر، وذلك تعقيباً على بعض التصريحات التي أشارت إلى أن الفنانين لا يشاطرون المواطن المعاناة ذاتها.

وأثارت المرأة اللبنانية الجدل لدى رواد مواقع التواصل الاجتماعي، إذ خرج البعض بتعليقات قالوا أنها "مزاح خفيف". وقد وصفت هذه المشاركات بـ"الذكورية"، لأنها تستهدف الحديث عن أنوثة المرأة اللبنانية، وحصر دورها الثوري جسدياً فقط، مما أثار حنق العديد من النساء في لبنان والوطن العربي؛ حيث إمتلأ الفضاء الإلكتروني بتعليقات لنساء لبنانيات رداً على التحرش الإلكتروني الذي تعرضن له، إذ كتب بعضهنً: "نحن مش سلع، مش عم ننزل نعرض أزياء، وريحة المظاهرة مش بارافان، ريحتها قمع".

وقد أبرزت الاحتجاجات ناشطات لبنانيات معروفات، مثل الكاتبة والصحفية جمانة حداد، والتي صرحت لـ DW عربية أن كل ما يهم الآن هو الثورة، "والثورة فقط"، بعيداً عن أية تعليقات سلبية تتعرض لها المرأة اللبنانية. وكانت المظاهرات قد سلطت الضوء على القمع الذي تتعرض له الفئات المهمشة في المجتمعات اللبنانية.

وتستمر الاحتجاجات اللبنانية علي الأوضاع الاقتصادية السيئة ، لكن برز خلال الأيام الماضية دور المرأة اللبنانية في تلك التظاهرات في ساحات المظاهرات واحتلت اهتماما كبيرا من قبل المغردين العرب ، حيث أصبحت صورة المرأة تمثل رمزا لاحتجاجات لبنان بعد لانتشار فيديو لركل إمرأة للمتظاهرين لضابط أمننا في بيروت ، وذلك في اليوم الأول من الاحتجاجات ، كما انتشرت صور النساء علي مواقع التواصل الاجتماعي ، فالنساء شاركن في التظاهرات منذ اللحظة الأولي ، وانتشرت فيديوهات عدة للنساء اللبنانيات ، ومن بين تلك المقاطع الأكثر انتشاراً لسيدة لبنانية ، وهي تخاطب ضابطاً أثناء التظاهرات قائلة: "نربد أن ندخل، إذا كنتم لبنانيين أطلقوا النار علينا، لقد جوعوكم، لا يعطونكم المال، فمن أجل ماذا تسكتون؟".

وتابعت السيدة حديثها قائلة: "هل تعتقد أن نبيه بري سيعطيك أموالا أو سعد الحريري أو حسن نصرالله أو باسيل الحرامي، لن يقوموا بذلك، هم فقط ينهبونكم".

وأضافت السيدة قائلة: "لا يمكنكم أن تطلقوا رصاصة على إسرائيل لكنكم تقومون بذلك على الشعب في بعض الأوقات، أنتم ممنوعون من إطلاق طلقة على إسرائيل، لماذا؟ هي عدوتنا نحن لسنا أعداءكم.

وانتقدت السيدة الوضع الاقتصادي في البلد قائلة: "جميع أولادنا أصبحوا في الخارج، من أجل من؟  فجميعهم ينهبونا"، وشنت هجوما على جميع الطبقة السياسية الحاكمة ومن ضمنها الرئيس اللبناني ميشال عون، وأضافت قائلة: "أنتم من يجب أن يحكم البلد في هذا الوقت.

وتابعت السيدة قائلة: "كلنا معكم، تخافون من نصرالله؟ فليطلق النار علينا، لا بأس، نموت فداء لأرضنا على أقل تقدير"، وتابعت قائلة: "أنظر إلى الفلسطينيين يموتون من أجل شجرة، فكيف لا نموت نحن من أجل أرض ووطن، فإذا لم يكن لديك أرض لن يكون لك وطن".

وما أن أنهت السيدة حديثها حتى بدأ المحتجون بإطلاق هتاف "الشعب يريد إسقاط النظام"، قبل أن يقوم العسكري بتقبيل رأسها.

وفي ظلّ نظام سياسي لطالما اعتُبر التمثيل النسائي فيه دون المستوى، ترفع النساء أصواتهن في الشارع ، وتقول مستشارة العلاقات الإعلامية، ماريانا وهبي التي تشارك يومياً في التظاهرات "شكّلت النساء جزءاً جوهرياً من هذه الثورة. فنحن في الصفوف الأمامية ونمدّ بعضنا بالدعم والقوة ونحفظ السلام". ونظّمت وهبي مساء الأربعاء مسيرة نسائية لإضاءة الشموع في ساحة المدينة الرئيسية شارك فيها الآلاف. كانت لحظة بارزة لكن دور النساء في هذه الثورة لم يقتصر على الرمزية بل شكّل نقطة تحول جذرية لشخصياتهن وتوجّهاتهن.

كما التقطت إحدى الصور الراسخة والمعبّرة عن التظاهرات في ليلتها الأولى أثناء مشاجرة بين حرّاس أحد الوزراء والمتظاهرين. وبعد أن شهر أحد الحراس سلاحه، ركلته امرأة اسمها ملك علويّة أسفل بطنه، وأصبحت صورة المرأة التي تهاجم هذا الممثل عن الطبقة السياسية الفاسدة والذكورية في البلاد فوراً أيقونة تحولت إلى رسم متداول وإلى محرّك دفع بالمزيد من الناس نحو النزول إلى الشارع.

لكن الوقع الأكبر للنساء على التظاهرات هو دورهن في جعلها أكثر سلمية.

وسعدت جدا عندما تفاعلت المطربة السورية أصالة نصرى، مع حراك الشارع فى لبنان وعودة المظاهرات من الجديد بعد توجيه دعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، منذ الأيلم الماضية، لبدء "أسبوع الغضب"، والعودة إلى قطع الطرق فى مناطق العاصمة، وتمنت "أصالة" حفظ لبنان من أى أزمات جديدة تعصف بمستقبل أبنائه، وغردت على حسابها الرسمى بموقع "تويتر"، يوم الأربعاء الماضي الموافق 15/1/2020 ، قائلة "ياربّ لبنان جنّة الأوطان احفظها يا الله.. لبنان".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

باسم عثماناتهم القائم بأعمال مدير وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" كريستيان ساوندرز، يوم الخميس 16/1/ 2020، أميركا وإسرائيل بالعمل ضدها، مؤكداً أن أميركا تحشد تأييد البرلمانات الأجنبية لوقف التبرعات لها، وقال ساوندرز في مقابلته مع وكالة رويترز: "إن إسرائيل تسعى لاستبدال الخدمات التي تقدمها الوكالة للفلسطينيين بتفويض من الجمعية العامة للأمم المتحدة في القدس الشرقية المحتلة بخدمات تقدمها منظماتها، فيما تروج الولايات المتحدة ضد تمويل الأونروا في البرلمانات الأوروبية وغيرها".

وفي خدمة المجهود نفسه، قررت "بلدية الاحتلال" في القدس، انشاء مدارس تابعة لوزارة "التربية والتعليم الإسرائيلية" بدلاً عن مدارس وكالة الغوث "الاونروا"، كخطوة تصعيدية، في اطار مواصلة العدو الاسرائيلي استهداف الشعب الفلسطيني وطمس هويته وثقافته وحقوقه المشروعة إنّ قرار "بلدية الاحتلال" بإنشاء مجمع مدارس تابع لوزارة "المعارف الإسرائيلية" شرق القدس، يأتي تتويجا للجهود الرامية لتجسيد المخطط الذي تم اعداده مسبقا وهدفه تصفيه "الاونروا"، والذي بدأته "بلدية الاحتلال" في القدس بهذه الخطوة بدعم قوي من حكومتها اليمينية المتطرفة والإدارة الامريكية.

ان تراجع دور وأداء الاونروا ومهامها، مرتبط بالإرادة السياسية الدولية، والجهود الرامية لتحقيق الانهاء التدريجي لعملها ووظيفتها الاساسية، نظرا لما يحمله استمرارها في أداء مهامها، من معنى ومغزى سياسي وقانوني صرف يتعلق ببقاء وديمومة قضية اللاجئين الفلسطينيين، وإقرار حق العودة في القرار 194.

بعد مرور سبعة عقود على تأسيس الوكالة الدولية، ثمة جدل واسع يطرح نفسه حول دور الاونروا ومستقبلها، خصوصا مع ما يترافق من حديث حول افاق عملية "التسوية" السياسية ومستقبلها، والتي يرتبط بها مستقبل الاونروا، على الرغم من انها لم تعرف نفسها سياسيا في أي من أدبياتها، واقتصر دورها على الجانب الاغاثي والاجتماعي، الا انها – أي الاونروا -لا تفارق التفكير السياسي للفلسطيني، بل ويرتبط واقعها في أكثر الأحيان ان لم نقل بمجمله، بالتطورات السياسية الإقليمية والدولية، وأنها لم تكن لتنشأ لولا العامل السياسي الذي رسم عنوانا سياسيا عريضا للقضية الفلسطينية من خلال قضية اللاجئين وحق العودة.

وهنا تجدر الإشارة ، الى ان أمريكا اخذت على عاتقها منذ عهد الرئيس ترومان الذي تولى الرئاسة في الفترة ما بين 12/4/1945 – 20/1/1953، منع عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم، وتوطينهم ودمجهم الاقتصادي في المحيط العربي، وهو ما أعلن عنه ممثل أمريكا في "لجنة التوفيق الدولية الثلاثية حول فلسطين"، والتي الفتها الجمعية العامة للأمم المتحدة من ممثلي فرنسا وتركيا وامريكا، واقرها بروتوكول لوزان في 12/5/1949 ،حيث اعلن ممثل أمريكا في الاجتماع الذي عقد في بيروت 21/3/1949 ،ان "إسرائيل لا تقبل عودة اللاجئين...وهناك حقيقة واقعة وهي ان جميع اللاجئين لن يعودوا...يجب التفكير في إعادة توطينهم من جهة، واعداد المشروعات اللازمة لعودتهم للحياة العادية".

من اجل ذلك ،ايدت أمريكا انشاء وكالة الاونروا كفرصة لتوطين اللاجئين الفلسطينيين خارج ديارهم، وضغطت على الدول العربية الخليجية كي تفتح أبوابها امام الفلسطينيين للعمل فيها وبأجور مغرية، وتسهيل كل السبل امامهم لنسيان الوطن والقضية، كما حاولت ان تغري بعض الدول العربية لكي توافق على توطين اللاجئين في بعض أراضيها، وهكذا، حددت أمريكا منذ ذلك التاريخ، موعد معين تتوقف عنده – الاونروا - عن تقديم المساعدات للاجئين، بهدف إجبارهم على الاندماج في البلدان التي هُجروا اليها ،وهذا ما حدث فعلا منذ سنوات عدة من قبل سياسة أمريكا، ما ادى الى توقف كثير من أوجه الدعم والخدمات التي كانت تقدمها الاونروا نتيجة النقص الحاد في موارد تمويلها.

ويقوم المشروع الامريكي على فرضية تقديم عملية التسوية في المنطقة والانسحاب التدريجي بموازاة ذلك للأونروا من مهامها ومسؤولياتها، لذلك جرى استحداث موازنة خاصة لمشاريع دعم ما يسمى "بعملية السلام"، وخطة للموائمة بين خدمات الوكالة ومثيلاتها في الدول المضيفة بهدف احالتها الى هذه الدول، حيث بدأ صندوق المشاريع يتغذى على حساب المساعدات المخصصة للموازنة العادية، التي شهدت تراجعا وعجزا طرديا سنويا، في الوقت الذي عملت الاونروا على إعادة هيكلة موازنتها السنوية على أساس صندوقين: صندوق الموازنة العادية لتوفير خدمات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، وطرح صندوق "برنامج تطبيق السلام"، وبشكل صريح ذلك ما عبر عنه تقرير المفوض العام للأونروا (1998-1999) حيث جاء فيه ان الاونروا توائم بين عملها ومقتضيات أوسلو و"عملية السلام".

كما شهدت الاونروا بعد أوسلو عدة متغيرات مترابطة، شكلت انعطافه في تاريخ الوكالة، وانتقالا من الوظيفة التي أنشأت من اجلها، باعتبارها مؤشرا على استمرار معاناة الفلسطينيين وضرورة وقفها من خلال تطبيق القرار 194، الى وظيفة أخرى متكيفة مع الوجهة السياسية لعملية أوسلو، ومؤشراتها قضايا التأهيل والدمج في المجتمع المحلي وفقا "للجنة اللاجئين المتعددة"، والتي تشارك فيها الاونروا وفي اعمالها منذ تأسيسها 1992 ، وهكذا واكبت الاونروا انسجامها مع وجهتها السياسية الجديدة طبقا للمتغيرات ولمتطلبات المرحلة الانتقالية على المسار الفلسطيني، مما انعكس على ميزانيتها وهيكلة عمالتها، فتوارت المشاريع مع الميزانية العادية، وبرز نهج الموائمة بين خدمات الوكالة والدول المضيفة.

 هناك العديد من الثغرات التي أحاطت بالأونروا سواء لجهة نوعية التفويض أو لجهة دورها وعملها ومهماتها:

- صلاح صالح عبد ربه في كتابه "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بين مأساة التاريخ، ومأساة الحلول" الصادر مؤخرا، ونقلا عن وليد سالم حيث يقول: " وإذ عملت "لجنة التوفيق" في مناقشة الجانب السياسي لمشكلة اللاجئين مع الحكومات المعنية، فإن وكالة الغوث قد عملت في ميادين الإغاثة وبرامج التشغيل للاجئين، أي أنها انحصرت في الدور غير السياسي، وعندما تعطلت "لجنة التوفيق" بعد سنوات قليلة من حرب 1948، فقد أصبح الدور اللا سياسي للوكالة من الناحية الموضوعية دورا سياسيا، يصب باتجاه خدمة مشاريع التوطين".

- حصر نشاط الاونروا ببعض الدول (ما تبقى من فلسطين خارج نطاق السيطرة الإسرائيلية) وسوريا ولبنان والأردن فقط، واستثنت من عملها اللاجئين في الجزء المغتصب من فلسطين إبان حرب 1948، وبقية الدول.

- تعريف وكالة الاونروا لمفهوم (اللاجئ)؟؟!!، الذي استثنى أعدادا كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين من عملها واغاثتها.

- حصر صلاحياتها على الجانب الإغاثي والتشغيلي والانساني، واستبعادها العمل من أجل إعادة اللاجئين إلى ديارهم – الجانب السياسي والقانوني - وهو الأمر الذي يسمح به نظام المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

- تسجيلها لقوائم اللاجئين الفلسطينيين يعتمد على الحاجة إلى المساعدة ومكان الإقامة، بدلا من الاعتماد على كون الفلسطيني لاجئا فحسب. وهذا ما حصل في المسح الذي أجرته الاونروا مؤخرا لاحتياجات اللاجئين، ما يوحي برغبة الوكالة في شطب أعداد إضافية من اللاجئين المسجلين في سجلاتها، حيث تم تصميم استمارة المسح بحيث تظهر النتائج عدم حاجة أعداد كبيرة من اللاجئين لخدمات الاونروا.

 - الأمم المتحدة التي أنشأت وكالة الأونروا متواطئة في خلق مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وعلى وجه الخصوص: خطتها التقسيمية (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181) التي استخدمها قادة الحركة الصهيونية لتبرير التطهير العرقي في فلسطين، وإن كان بتحريف المصطلحات في بنود القرار والتوسع إلى ما وراء الأراضي المخصصة "لدولة الأغلبية اليهودية".

- قبلت الأمم المتحدة بعضوية " دولة إسرائيل " في جمعيتها العمومية قبل تطبيق حق العودة للاجئ الفلسطيني، ما يشير الى خلل واضح في تطبيقات القانون الدولي وفقا للمصالح السياسية.

لهذا، فأن اللاجئين الفلسطينيين كانوا حذرين من دور الأونروا وسبب وجودها منذ تأسيسها، فإنهم وبفعل افتقارهم إلى جسم سياسي تمثيلي لهم يعبرعن تطلعاتهم السياسية في العودة، تعاملوا مع الأونروا كحكومتهم المعنية بتحقيق رفاههم المعيشي، وعند ظهور منظمة التحرير الفلسطينية، في الفترة التي أصبحت فيها أسواق الخليج الوجهة الجاذبة للعمالة الفلسطينية ( الجانب الاقتصادي المعيشي)، اكتسب اللاجئ الفلسطيني دعم وثقة سياسية واقتصادية، وبدت الأونروا أقل أهمية لبقائهم، غير أن اتفاقات أوسلو أحدثت أزمة وطنية وشرخا بين السلطة الوطنية والغالبية العظمى من اللاجئين، وهذا ما أعاد الأونروا إلى موقع الصدارة مجددا، حيث حافظت على أهميتها ليس كحكومة معنية بالإغاثة فقط، وإنما بوصفها حيزا يمكن اللاجئ الفلسطيني ان يعود من خلاله للمطالبة بحقوقه السياسية والقانونية، التي تجاهلتها اتفاقات أوسلو وانتهكتها، وان وجود الأونروا لا يزال يعني في القانون الدولي في عدم التوصل إلى حل سياسي وقانوني لقضية اللاجئين واستمرار مشكلتهم.

وخلافا للدعاية الصهيونية -الامريكية، فإن وجود الأونروا لم يشجع النضال الوطني الفلسطيني ولم يحتويه ايضا، بل تعامل الفلسطينيون مع الأونروا بطرق مختلفة كما فعلوا مع مؤسسات أخرى، وعلى مدار العقود القليلة الماضية ضَمِنَ نضالهم وكفاحهم عدم نجاح الوكالة –الاونروا -في إخماد قضيتهم السياسية.

والذي ينبغي تسليط الضوء عليه، هو ما إذا كانت البرامج التنموية وبرامج البنية التحتية في أماكن تواجد عمليات الأونروا ومرافقها مرتبطة بأجندات سياسية أشمل؟!، تسعى إلى الغاء وتهميش قضية اللاجئين وحقهم في العودة الى ديارهم.

ولكن تجدر الإشارة، ان لوكالة الأونروا أهمية بالغة في ظل المناخ السياسي الراهن بالنسبة للنضال الوطني الفلسطيني وذلك للأسباب التالية:

- الوكالة طرف موقع على كافة قرارات الأمم المتحدة بما فيها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.

- برزت الأونروا -في ظل غياب جبهة وطنية تحتل فيها قضية اللاجئين مكانة مركزية في المشروع الوطني الفلسطيني-كمؤسسة تحافظ على إبراز اللاجئين على الساحة الدولية، وتشير إلى أن ولايتها لا تزال قائمة.

- الأونروا تبقى في ظل غياب مؤسسات الدولة، الخازن الأوحد والأهم للذاكرة الفلسطينية التاريخية لأكثر من سبعة عقود، فقد احتفظت بسجلات اللاجئين منذ مطلع الخمسينيات وجمعت ذاكرة مؤسسية تشهد على هذا التاريخ الجمعي، ومع ذلك، فهذه الأسباب وغيرها لا تبرئ الأونروا من التلاعب بها سياسيا بيد القوى الدولية الكبرى وفقا لأجنداتها السياسية، وهو ما يتطلب موقفا متيقظا من الفلسطينيين حيال توجهات الوكالة وسياساتها وبرامجها الحالية والمستقبلية.

لذلك، لم يكن تمرير قرار التجديد الكامل لتفويض الأونروا في الشهر المنصرم من العام الماضي مهمة سهلة، نظرًا لحجم الضغط الأميركي والإسرائيلي الذي شهدته أروقة الأمم المتحدة بهدف تعطيل القرار، ويبدو واضحًا صعوبة العمل في ظل تعقيدات السياسة الدولية الحالية، ورهن الدعم المالي للأونروا بأهداف سياسية، ومؤشر ذلك ، قبل استقالة كرينبول من منصبه بتاريخ 6/11/2019، على إثر تحقيقات بالفساد، أشار إلى أن الأونروا تعاني من "مخاطر وجودية"، وأضاف خلال مقابلة له بتاريخ 18/11/2019، بأن "التحقيق نابع من دوافع سياسية"، "واستُغل في أوج تطبيق صفقة القرن."

لقد عطلت (أوسلو) منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها وأفرغتها من سلطتها وفعالياتها السياسية، ووجهت الموارد والتركيز السياسي نحو "الداخل" -الأراضي الفلسطينية الواقعة تحت إدارة السلطة الفلسطينية -على حساب اللاجئين وقضيتهم، ورغم الولاء الذي تظهره السلطة الفلسطينية بشعاراتها "لحق العودة،"، فإنها قد دفنت هذا الحق تحت عناوين سياسية متعددة، أسفر ذلك، عن نشوء مزاج سياسي تشاؤمي ولا سيما في أوساط اللاجئين في المنفى، ولذات السبب، استمرت الأونروا وستستمر كمؤسسة دولية ترمز إلى المصير السياسي المعلق للاجئي عام 1948 وحقهم في العودة المُهمَل والساقط فعليا بحكم المبادئ الناظمة لأوسلو والتزاماته.

 

د. باسم عثمان

كاتب وباحث سياسي

 

 

 

موسى فرجمدخل: منذ 9/ 4/2003 ولغاية تاريخه والعراق يعيش محن متداخلة شكلت فوضى الحكم واستشراء الفساد والفوضى القيمية عند الحكام وبين أوساط المثقفين ورجال الأعمال أهم أسبابها والفقر والبطالة وانعدم سبل العيش أهم نتائجها في حين شكل تدني الوعي المجتمعي وتفتيت المتبقي منه السمة الأبرز للمرحلة ...

- النظام السياسي الذي أعقب سقوط نظام الاستبداد أقل ما يوصف به انه شكل صدمة للشعب العراقي وللعالم بسبب فساد وعدم أهلية الطبقة السياسية التي هيمنت على الحكم ...

- المثقف العراقي بدلاً من أن يضطلع بدوره المحوري في مواجهة المحنة كان البعض منهم أدوات غير نظيفة بل مقرفة تخدم ساسة المحاصصة والفساد في حين وقف البعض الآخر موقف الشامت إزاء ما يحصل تعلقاً منه بأهداب نظام صدام ورفضاً لكل ما عداه أملاً بعودته من جديد والبعض الثالث "واغلبيتهم ممن يعيشون في الخارج" يعيرون الشعب بما حل به ويكتفون برفض ولعن النظام الذي جاء به الأمريكان وقد يجنح ببعض منهم الشطط لتحميل من بقي في العراق المسؤولية في ذلك وقد يذهبون الى ابعد منه فيتهموننا بالعمالة والخنوع والمشاركة في صنع محنة العراق في حين كنا نستصرخهم أن يستجمعوا أنفسهم وهم قادرون لو أرادوا بحكم أعدادهم المليونية أن يؤثروا إيجابياً بمسار الانتخابات لكنهم أحجموا وكانت المشاركة لا تتعدى بضعة مئات الالاف من الملايين الأربعة ومن شارك فيها كان اغلبهم من مناصري أحزاب السلطة ، وكنا نستصرخهم إن تجنبوا صيغة الكلام من على المنابر مع أبناء شعبكم وتعاملوا مع العاجز منهم بصيغة الرعاية والتحبب لكنهم كانوا مصرين على فكرة التخلص منه الى دور العجزة أو ربما أفران الحرق وكنا نستصرخهم باعتماد الوسطية في القول والطموح ليجتذبوا مواطنيهم في الداخل ويرتقوا بوعيهم لكنهم كانوا صفريين في قولهم وكتاباتهم فإما دعاة سلفيين وإما متطرفون في يساريتهم أكثر من جماعة بادرماينهوف...

البعض منهم يريدك أن تكتب قطع أدبية مثل المنفلوطي وتتقيد بالمضاف والمضاف اليه والممنوع من الصرف والجار والمجرور وانت أمام عراق مجرور على طول الخط من قبل الغريب ومن قبل الجار القريب وعلامة جره الخيبات الظاهرة على حظه العاثر...

الاتفاق الصيني العراقي بين رافض له حد الهوس وبين مناصر له حد الوله في حين أننا لسنا امام اتفاقية تحيي وتميت انما نحن امام ممارسة ثانوية لا تستحق التوقف عندها لذاتها بل تستحق أن نتوقف عندها لجهة هل تستحق أن ندعمها لنصنع منها توجه مرحلي أملته الضرورة أم لا...؟.

نفس الأمر ينطبق على خروج العسكريين الامريكان من العراق، فالأغلب من بين العراقيين يريد خروج القوات الأجنبية من العراق ولكن بعضهم يقول لك: أخشى أنك لا تسعى لذلك الا لأنك تريد ان تستبدل الوجود الأمريكي بالوجود الإيراني فوق ما هو عليه...

- والبعض الآخر يقول لك: أنك بهلمتك والصور التي عرضتها في جلسة مجلس النواب لا يهمك خروج الامريكان من عدم خروجهم بقدر ما كان يهمك اثبات الولاء لإيران واظهاره للايرانيين والا فإن الفقرة الثالثة من المادة الثلاثون من الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية واضحه وتقول:

"ينتهي العمل بهذا الاتفاق بعد مرور سنة واحدة من استلام أحد الطرفين من الطرف الآخر إخطاراً خطّياً بذلك" بالتالي لا يتطلب الأمر منك سوى قيام عبد المهدي بتقديم الطلب أصولياً...

- والبعض الثالث يقول لك: إن التئام شمل الأخوة الأعداء في قم وتشكيل جبهة المقاومة يراد منه التعبير عن الولاء لإيران ليس الا لأنهم هم بالذات من يشكلون الأغلبية في البرلمان ويسيطرون على رئيس الحكومة وبإمكانهم دفعه لتوجيه طلب رسمي للأمريكان دون إثارة ترامب الأهوج ليركب ذريعة النص المشاراليه في الاتفاقية فيلحق الضرر بالعراق...

- والبعض الرابع يقول لك: ان دخول جماعة الخزعلي والعامري ضمن المليونية انما يستهدف فض المظاهرات الحالية والمستمرة منذ أشهر بالقوة وقد تكون نتيجة ذلك ضحايا إضافية من أبناءنا سواء كانوا من هذا الفصيل أم ذاك ...

الاتفاق الصيني بين الضرورة والصخب الإعلامي...

من بين ما صادفني في حياتي الوظيفية كنت في منتصف السبعينيات أعمل في دائرة مختصة بالتدريب والبحوث والاستشارات الإدارية وفي أحد الأيام وبينما كنت في الكافتيريا أحتسي الشاي دخل أحد زملائي ودخلن بعده مجموعة ضخمة من النسوة الأقرب الى الختيارات منهن الى سن الشباب ومظاهر النعمة والسلطه واضحة على مشيتهن ...

تخلف عنهن ليجلس معي بينما واصلن سيرهنَّ لتناول المشروبات سألته ما هذه الجهر...؟ "كن يشبهن برلمانيات عراق اليوم بس بدون عبي" فقال أنهن عضوات المكتب التنفيذي لاتحاد نساء العراق ومسؤولات فروع المحافظات خرجنا من قاعة المحاضرات وسنعود بعد ربع ساعه وأضاف قائلاً عملت لهن حاله دراسيه case study بموضوع تداول المعلومات وانت تعرف وضع الجلوس في قاعة المحاضرات على شكل مربع ناقص ضلع أخبرتهن بأني سأقول همساً معلومة محدده للمشاركة الأولى على اليسار وأريد منها أن تنقل المعلومة همساً للتي تليها وهكذا للأخير ... همست للأولى بان وزير خارجية باكستان وصل بغداد البارحه...نقلتها للتي تليها همسا والثانية نقلتها بنفس الطريقة حتى وصلت المعلومة الى آخر مشاركه قلت لها قولي بصوت مسموع ماهي المعلومة التي وصلتك ...قالت: انقلاب عسكري بكوبا ...وبعد إن ضحكن قلت لهن أرأيتن كيف تتغير المعلومة اثناء تداولها ...؟

آنا ضحكت وكَلتله السبب مو انتقال المعلومه بس مشاركاتك هم أمهات كَاله وهم بعثيات شتتوقع من يتناقلن المعلومه قابل تبقى بلوح محفوظ...؟ شفت شلون سوّن الزياره انقلاب...

اللي سوته فضائيات العراق الجديد مع الاتفاق مع الصين أضرب واضربين من رفيقات منال ....

هذه مقدمه حتى أحجيلكم عن الاتفاق مع الصين .... 

واقع جهود الاعمار في العراق...

1- مرحلة تسييح الأموال:

في مرحلة الـ (CPA) وهي المرحلة التي غطت المدة من 9/4/2003 لحين مغادرة بريمر في حزيران 2004: (900 مليون دولار جمعت من قاصات مصرفي الرافدين والرشيد إلى جانب المركزي وما عثر عليه الأمريكان في قصور صدام (عدا ما سرق منها من قبل عصابات الجريمة أو الأمريكان أنفسهم) + 1,7 مليار دولار من الأموال العراقية المجمدة سحبت من المصارف الأمريكية وأودعت في بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي في نيويورك ..) هذه المرحلة كانت عبارة عن تسييح للأموال العراقية وشكلت بروفة الفساد واسع النطاق في العراق في حقبة ما بعد سقوط صدام. وكانت الأموال تنفق خلالها كالآتي:

- يتم إحالة المقولات على مقاولين محليين في المحافظات بعدد هائل وبمبالغ صغيرة والمقاولون يأخذون النقود ويهربون..

نقل لي أحد العراقيون المصاحبون للأمريكان في تموز 2003 بعد اجتماع بريمر بهم أن بريمر وجههم بان لا يهتموا بالرشا وسرقة الأموال ففي النهاية إن تلك النقود تنشط السوق فيزدهر الاقتصاد العراقي ..قلت له لكن من يحصلون عليها يخرجونها إلى عمان ولا ينفقونها في العراق ...

- يتم توزيع النقود من قبل ضباط في سلطة الائتلاف على الجهات المستفيدة بشكل نقدي فتلقى الضباط الأجانب أول دورات ميدانية مكثفة وقصيرة في الفساد على أيدي الفاسدين من العراقيين وذاك لا يشكل شيئاً يذكر مما تعلموه من طرق الفساد في حقبة صدام ، فرئيس الدائرة أو الجهة المستفيدة يقول للضابط الذي يوزع تلك المنح : بدلاً من أن تعطيني ألف دولار أصرف لي 10 آلاف دولار وسأزودك بوصل يؤيد كوني استلمت 10 آلاف دولار ولكن فعلياً سأقبض منك 5 آلاف دولار فقط والـ 5 آلاف دولار الأخرى في جيبك ..وفي هذه الحالة يمتلئ جيبك بالدولارات وموقفك سليم أمام الجهة التي تدقق عليك وأمامي أيضاً فكانت إن انتشرت ولأول مرة في العراق مفردة : واووو..!.. والكل بات يستخدمها إلا أنا وأشجم غشيم في العراق بقينا نستخدم يا يابه...!.

2- مرحلة الشركات:

- ما بعد مرحلة الـ (CPA) بدأت مرحلة الشركات التي استحوذت على معظم العقود في ملف إعادة أعمار العراق ...؟ وفي هذه المرحلة سيطرة شركة هاليبرتون وشركة بكتل الأمريكيتين وشركة كويتية على معظم المقاولات (كشف تقرير أعدته صحيفة فاينانشال تايمز Financial Times أن عشر شركات عملاقة حققت أرباحاً طائلة قدرها 72 مليار دولار خلال عملها على تقديم الخدمات والأعمار في العراق، مبينة أن شركتين أميركية وكويتية تقفان على رأس من حصدوا تلك الأرباح)...

- لماذا سيطرت شركتا هاليبرتون وبكتل على عقود الأعمار ..؟.

الجواب: بسبب صلتهما بالإدارة الأمريكية إذ إن هاليبرتون يرأسها ديك تشيني قبل وصوله إلى البيت الأبيض نائباً الرئيس الأمريكي (كان يتولى منصب الرئيس التنفيذي للشركة قبل انتقاله إلي البيت الأبيض.. )...

- هل أن ذلك مخالف للقانون الأمريكي ويعتبر فساد ..؟.

الجواب: نعم بسبب تعارض المصالح.

- كيف كان يتم تحديد مبلغ المقاولة..؟.

الجواب: وفقاً لطريقة الكلفة زائد .. وتعني انه لا يتم تحديد سقف للمبلغ وإنما تجعل المقاول غير محدد بالصرف وكلما صرف أكثر زادت أرباحه أكثر (حالة واحده مشابهه على حد علمي حصلت في العراق قبل ذلك وهي إن حكومة صدام عندما أرادت بناء مبنى القيادة القومية لحزب البعث في شارع الزيتون في أوائل السبعينات كلفت شركة يوغسلافية وقالوا لهم: لا يهمنا المال إنما تهمنا النوعية فاصرفوا قدر ما شئتم ونحسب لكم هامش ربح يحسب على أساس كذا نسبة من الكلفة ..يعني بما يقابله باللهجة العامية ـ توصاه ـ كي تليق البنايه بمقام عفلق والياس فرح اللذان سيسكنان البناية عند انجازها... هذا ما تعنيه طريقة كلفه زائد بالضبط .

- ما هي مفردات الكلفة زائد في المقاولات الأمريكية...؟.

الجواب: الكلفة + تكاليف أمنية بنسبة 30% من الكلفة + هامش ربح بنسبة 12%من الكلفة...

- أثناء وجودي في هيئة النزاهة وجهت كتابين بهذا الخصوص مذيلان بتوقيعي واحتفظ بصورتيهما إلى رئيس الوزراء بتاريخ 28/5/2006 وهذا نص ما ورد فيهما:

((إن المشاريع التي يتم إحالتها من مكتب أعمار العراق التابع للسفارة الأمريكية تتم وفقاً للآتي:

1- تضاف مقدماً نسبة 30% من قيمة المشروع باسم فقرة (الخدمات الأمنية) في مختلف مناطق العراق (باستثناء كردستان فتضاف نسبة 8%).

2- تضاف نسبة 12% من القيمة الإجمالية للمشروع تسمى هامش ربح.

3- إن اعتماد صيغة الإحالة تلك يجعل الشركات المنفذة غير ملزمة بسقف للصرف أو تحديد للكلفة الإجمالية مسبقا والمنافسة على أساسها.

4- إن الصيغة أعلاه في إحالة العقود تتعارض مع الصيغة المعتمدة من قبل لجنة العقود المركزية في مجلس الوزراء وتنطوي على مضاعفة المبالغ لإنجاز المشاريع..

5- إن الأموال في كافة الأحوال هي أموال عراقية وبصرف النظر عن مصدرها سواء كان صندوق تنمية العراق الذي تودع فيه عائدات النفط أو المتأتية من قروض أو منح، وينبغي التعامل معها وفقا لهذا المنظور. .

6- سبق وان أكدنا على أهمية أن يتم تسليم المنح أو القروض إلى وزارة المالية العراقية وإخضاعها لرقابة الجهات العراقية المختصة، ولا يمنع ذلك من وجود لجان مشتركة تضم ممثلين عن الجهات المانحة لمتابعة تخصيص تلك المنح للأغراض التي منحت لأجلها ومتابعة كفاءة التصرف فيها... مع التنبيه إلى خطورة تكرار ظاهرة نقل الوثائق من قبل الـ (CPA) التي حصلت ضمن مرحلة سلطة الائتلاف.)..))

تم توجيه نسخ من الكتاب أعلاه إلى: السفارة الأمريكية ـ مكتب المفتش العام الأمريكي لتزويد هيئة النزاهة بكشف يتضمن المبالغ وصورة ضوئية من عقود المشاريع ..لكن ستيوارت بووين لم يتعامل مع هيئة النزاهة، والحكومة لم تحرك ساكنا...

في تلك الفترة تبين أن الشركات الأمريكية بعد رسو الاحالة عليها تقوم بتجزئة المقاولات وبيعها لشركات تركية أو كرديه بثمن بخس يعني ام الـ 5ملايين دولار بمليون دولار والشركات الثانوية تقوم ببيعها الى مقاولين محليين طكَ عطيه أم المليون بخمسين ألف دولار فيتحول المشروع من مشروع مجاري عملاق الى ساقية لتصريف مياه الأمطار...الأهالي يثورون على المقاول العراقي الغلبان يصيح يابه ماخذها بخمسين ألف ميفتهمون الشغله...

هذا نتيجته أن الأموال المصروفة على الأعمار بلغت للسنوات 2003- 2012 مبلغ 222 مليار دولار وفقاً لبيانات البنك الدولي منها 126 مليار دولار من موازنات الحكومة و96 مليار دولار من خلال سلطة الائتلاف والأمريكان والمنظمات متعددة الجنسية...والنتيجة على الأرض هي الآتي:

الـ 126 مليار المصروفه من موازنات الدولة نسبة التنفيذ السنوي 5% والـ 96 مليار دولار المصروفة من قبل الأمريكان النتيجة: صفر....

3- مرحلة الفرهود وأهم سماتها الآتي:

1- تبديد الموازنات العراقية السنوية على الاستهلاك دون البناء من خلال استيلاء النفقات التشغيلية "الرواتب والمخصصات ومصاريف الايفاد والهبات" على 70% من الموازنات في حين يخصص للمشاريع 30% ولأن الموازنات الحكومية تتضمن عجز سنوي دائم فإن تخصيصات المشاريع دائماً تقع ضمن فقرة العجز في الموازنة...

2- وكان الفرهود المشرعّن بقوانين من بين أحد سمات هذه المرحلة ويحتل الصدارة فمثلاً كانت تخصيصات الرئاسات الثلاث "رئاسة الجمهورية ومجلس النواب ورئاسة الوزراء " تفوق مجموع تخصيصات: قطاع الصناعة + قطاع الزراعة + قطاع الاتصالات + قطاع البيئة + قطاع العلوم مجتمعة للسنوات 2006 ـ2011 وراتب رئيس الجمهورية أعلى من رواتب الرئيس الصيني والفرنسي والروسي مجتمعة اما ما يقبضه البرلماني العراقي فكان يفوق ما يقبضه السيناتور الأمريكي عدة مرات ومصاريف ايفاد رئيس الجمهورية لحضور اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة لستة ايام كانت مليونا دولار وانتشر في مكاتب المسؤولين الحكوميين والبرلمانيين وفي بيوتهم أيضاً الأثاث التركي الكاريكاتيري وكراسي الطاووس التي تظهر الجالس عليها مثل ذبابة عالقة بين تلافيف وردة عباد الشمس الضخمه...

3- اما فيما يتعلق بالمشاريع فقد سارعت بطانة المالكي وبعد تسلمه المنصب عام 2006 مباشرة الى نقل اختصاصات لجنة العقود والمناقصات التي تشكلت في عام 2005 بمبادرة من المرحوم احمد الجلبي وتختص بدراسة واجازة العقود والمناقصات التي تبلغ قيمتها 500ألف دولار فأكثر الى الأمانة العامة لمجلس الوزراء فباتت إحالة كل المناقصات والعقود الضخمة من اختصاصها الأمر الذي جعلني أطلق تحذيري في عام 2008 من "أن الأمانة العامة لمجلس الوزراء باتت تشكل بؤرة الفساد في الحكومة ".

وفي هذه الفترة بدأت احالة العقود على شركات لبنانية وإيرانية وتركية وأهلية معظمها وهمية وفاشلة قامت بتواطؤ من المسؤولين الحكوميين في أمانة مجلس الوزراء والوزارات والمحافظات باستلام مبالغ المشاريع أو الدفعات الأولى لتختفي وتعاود الظهور بأسماء جديدة مرة أخرى وتحولت مقاولات المشاريع الضخمة في المحافظات الى مجرد سواقي لتصريف مياه الأمطار وصبغ متكرر للأرصفة.

فكانت النتيجة أنه لغاية عام 2017 بلغت قيمة المشاريع الوهمية والفاشلة والمتوقفة حوالي 228 تريليون دينار ومن ثم جاءت هيئة النزاهة لتكشف وخلال شهرين "قبل أن يفقد رئيسها حياته بحادث مروري مفتعل لم يرافقه سطرين من تحقيق بالحادث" مشاريع وهمية أو مشاريع لا تزيد نسبة الانجاز فيها عن 5% بمئات التريليونات من الدنانير...

في هذه الحالة أنت أمام أزمة خانقة في مجال البنية التحتية من طرق وسدود ومدارس ودور سكن وعلى مدى 16 سنه خرجت صفر اليدين من كل ذلك رغم إنفاق مئات المليارات من الدولارات لبناء المشاريع، في نفس الوقت فإنك تخصص في الموازنة السنوية وطيلة السنوات الفائتة ما نسبته ما بين 25% و30% من الموازنة للمشاريع وهذه النسبة تعادل قيمتها قيمة حوالي 1,2 مليون برميل نفط يومياً ولكن دون طائل بسبب استشراء الفساد وفوضى الحكم ...

4- الاتفاق الصيني:

تخيلوا معي هذا السيناريو:

تأتي جهة لتقول لك:

- انا مقاول مضبوط ومشاريع البنى التحتية اختصاصي اتعهد بتسليمك مشاريع على الأرض بكلفه مناسبه ونوعية جيدة.

- وعلى سبيل التأكد اعرض عليك أن تحيل عليَّ 5% من الـ 30% المقررة للمشاريع في موازنتك فاذا وجدت عملي مضبوط من ناحية الكلفة والجودة والالتزام بالوقت فبإمكانك ان تحيل عليَّ مشاريع أكثر لتبلغ النسبة 10% أو 15%...

- وحتى أسهل عليك الأمر لن أأخذ منك فلوس وانما ما يعادلها من نفط ومقداره: 100 ألف برميل يومياً وكحد اقصى 300 ألف برميل وهذه الكميات هي اصلاً جزء مما تصدره لي حالياً من نفط فانت تصدر لي حالياً بين 850ألف الى مليون برميل يومياً... قيمة الـ 100ألف الى 300 ألف برميل يوميا منها سأدفعه لك نقداً لتقوم انت بإيداع المبلغ في حساب باسمي لتغطية تكليف المشاريع التي سأنجزها لصالحك ...

- ولتسهيل الأمر عليك أكثر أضع أمامك 3 خيارات:

أما أن انجز لك بمقدار ما تلتزم به من كمية نفط لي يعني 100أو300ألف برميل وفي هذه الحاله لا تتحمل اية فوائد بل تكسب مني فوائد على مبالغ الكميات اعلاه المودعة في حسابي قبل استحقاقي للسداد ولكن في حالة اذا كنت مستعجل وتريد انجاز مشاريع أكثر من قيمة الكمية المشار اليها فإني مستعد لوضع أموال تحت تصرفك وبسقف اعلى يعادل 6أضعاف قيمة ما تصدره لي من تلك الكميات المتفق عليها والبالغة بين 100- 300ألف برميل يومياً لكن في هذه الحالة استوفي فوائد على المبالغ التي اضعها تحت تصرفك باعتبارها قرض عليك ولكن بشروط وفوائد أقل من تلك التي يطلبها عليك غيري من المقرضين ومستعد أن اوفر لك مبالغ لحد 10 مليارات دولار خلال مدة الاتفاق الذي سيستمر بيننا لمدة 20 سنه بواقع 2 مليار دولار سنويا إن رغبت ...

- وأسهل عليك الأمر بعد أكثر راح نجيب شركة تدقيق دوليه يكون مقرها عندك في بغداد تقوم بتدقيق العروض التي تقدمها شركاتي من ناحية الكلفه والمواصفات لتكون متطابقة مع المعايير الدولية وعند تسليم أي مشروع أيضاً تقوم بتدقيق مدى توفر المواصفات المعيارية من ناحية الكلفة والمواصفات...

- وبعد... أي مبلغ تضعه في حسابي عن قيمة كميات النفط المتفق عليها سيكون مؤمن عليه من الحجوزات ...

- وبعد...انت حر في أي وقت تريد تفسخ الاتفاق براحتك بس تخبرني قبل 3 أشهر...

هذا هوَّ الاتفاق الصيني كما افهمه لا فوكَاه ولا تحته الله وكيلك، لا 500 مليار دولار ولا 8 ملايين وحدة سكنية ولا 25 ألف مدرسه ولا رهن نفطك ولا يحفرولك الصينيين حفره ظلمه ويدفعوك بيها ومن لديه توضيح مستند الى حقائق يراها فيه خافية سأكون ممتن...

أسئلة افتراضية واجوبه...

س: هل هذا يعني رهن النفط العراقي وهو ثروه ناضبه...

ج:

1- احتياطي النفط العراقي نوعين المؤكد ويبلغ 115 مليار برميل وهو ما يعادل 4أمثال الاحتياطي الأمريكي أما الاحتياطي غير المؤكد فيبلغ بحدود 360 مليار برميل وسيكون آخر برميل نفط يرى النور في العالم مستخرج من بلاد ما بين النهرين...

2- انتاج النفط العراقي حاليا 4،5 مليون برميل يومياً والطموح لـ 6 مليون برميل يومياً...

3- الكمية موضوع الاتفاقي بين 100- 300 ألف برميل لا تهدد الاحتياطي النفطي العراقي ولا تشكل فارق يذكر في كمية الانتاج خصوصاً مع مراعاة قضيتين الأولى: ان ما يتهدد العراق ليس نضوب نفطه وانما التحول عن النفط الى مصادر طاقه بديله وبالتالي المنطق يقول البيع الآن خير من البيع بعد 50سنه، القضية الثانية: النفط مثل البنت مشروع زواج وليس الغرض منه تعتيقه لتشربه بعد سنوات...

س: يقولون سنبني 8 ملايين وحده سكنيه أليست كثيرة...؟

ج: سلوك جماعة عادل عبد المهدي مع الاتفاق الصيني مثل سلوك فقاء المسلمين مع الدين الاسلامي خلقوا منه روايات وبلاوي لا 8 ملايين ولا خمسه وانما الصينيين بإمكانهم بناء اكبر من هذا العدد ولكن الأمر يتوقف عليك انت أقصد الحكومه وفلوس الحكومه المتأتية من قيمة الكمية المتفق عليها 100- 300 الف برميل أو المبلغ الذي تعهدت الحكومة الصينية وضعه كائتمان لصالح الحكومة العراقية ان طلبت منهم ذلك...

س: يقولون إن الصينيين سيبنون موانئ وجسور ومطارات ومدن وغيرها من الأمور ...متى نرى ذلك...؟

ج: الصينيين مستعدين يصنعون حتى أزواج وزوجات روبوت ولكن حسب طلبات الحكومة العراقية وبحدود المال المتوفر...أما ان تتوقع تصحو من النوم في أحد الأيام فتجد كل ما ذكرته موجود فهذا من صنع خيال فقهاء عادل عبد المهدي الذين رافقوه...

س: هل يشكل ذلك بداية للصين باستعمار العراق...؟

ج: هنَّ 100 ألف برميل وبعدين انت خلص نفسك من الاستعمار الحالي وبعدين خاف من الصين...

س: يكَولون الصين راح تحسب علينا فوائد...؟

ج: لا تطلب أكثر من نفطاتك الـ 100- 300ألف ميحسبون عليك فوائد...

س: ليش امريكا تعارض ...؟

ج: امريكا لا تعارض لأنها أيضاً داخله باتفاق بشأن تمويل قرض بمبلغ 5 مليار دولار للعراق 4 منه للحكومه ومليار للقطاع الخاص ولكن امريكا تتمنى أن يكون العراق لها وحدها خوفاً من ميله على المدى البعيد للصين ويتحرر من نفوذها...

س: هل يحتاج الى تشريع من مجلس النواب...؟

ج: لا يحتاج لأنه اتفاق وليس اتفاقية ومذكرة التفاهم والاتفاق لا يحتاجان تشريع لأنهما من صلاحية الحكومة بينما الاتفاقية تتطلب تشريع من مجلس النواب الى جانب ذلك فان ما يعادل قيمة الكمية المتفق عليها 100ألف يوميا لمدة سنه يعني حوالي 1,2 مليار دولار سنوياً ستكون من ضمن تخصيصات الموازنة العامه تحت بند المشاريعٍ وبتصويت البرلمان على الموازنة فانه سيكون ضمناً صوت عليها...

س: متى يبدأ العمل بالاتفاق مع الصين ...؟

ج: بدأ فعلاً منذ 1/ 10 /2019 حيث تم تصدير اول 100 ألف برميل...اما المشاريع التي تنجز لقاء هذه الكمية على مدى السنة الحالية 2020 فستكون استكمال محطة كهرباء غير مكتمله وبناء مخازن نفطيه ...

س: ما هو دور عادل عبد المهدي بالاتفاق مع الصين...؟

ج: الفكره قديمه من ايام الجلبي وفي فترة رئاسة العبادي قام بتوقيع مذكرة التفاهم مع الجانب الصيني ودور عادل عبد المهدي اقتصر على فتح حساب مصرفي وحساب نفطي للكمية المتفق عليها...

س: يقال إنه إذا ارتفعت اسعار النفط الاتفاق الصيني ليس بصالحنا، هل هذا صحيح...؟

ج: العكس هو الصحيح لأن الاسعار إذا ارتفعت فإن قيمتها سترتفع معنى هذا فلوسها أكثر وبالنتيجه تحصل على مشاريع أكثر بنفس كمية النفط المتفق عليها هذا إذا التندر حصل توقيعه قبل ارتفاع سعر النفط أما في حالة انخفاض اسعار النفط فانت ايضاً مجبر على بيعه سواء كان سعر البرميل 100أو10 دولارات لأن موازنتك معتمدة على ايراداته...

س: يقولون ان الصينيين يجلبون المواد اللازمة لتنفيذ المشاريع من الصين ولا يشترونها من العراق..هل هذا صحيح...؟

ج: مادامت المشاريع معظمها تتعلق بالبنية التحتية وليس بإنتاج المفاعلات النووية فإنه ليس من المنطق أن يجلبون التراب والرمل والحصى والجص والطابوق والفرشي والزفت معهم من الصين لأن تكاليف نقل مثل هذه المواد عاليه...

س: يقولون إن الصينيين يجلبون عمالهم معهم من الصين وهذا لا يساعد في معالجة البطالة في العراق...؟

ج: مبلغ الالتزام في الاتفاق الصيني سنوياً حوالي 1,1 مليار دولار وموازنة العراق لعام 2019 بلغت 112 مليار ...عالج بطالتك من الـ 111 مليار المتبقيه والـ 100 ألف برميل يوميا تعادل 2,5% من كمية انتاجك اليومي من النفط وهذا يعني أن تحت يدك 97,5% من انتاج النفط يومياً حره وبإمكانك معالجة البطالة من خلالها...

بعدين الفت عنايتك لشغله مهمه:

- أثناء حرب الثمان سنوات معظم العراقيين بجبهة الحرب وأحد معامل السمنت يتم تشغيله من قبل الكادر الصيني باتفاق مع شركة صينية وقت ذاك طلب منهم وزير الصناعه اشراك 50% من عمالتهم من العراقيين اعترض مدير الشركة الصينية وطلب فسخ العقد ...وصل الخبر لطه ياسين رمضان وكان يشغل منصب النائب الأول لرئيس الوزراء فطلب حضور الوزير الهيتي وبمعيته مدير الشركة الصينية فحضرا امامه ومعهم المترجم فسأله طه ياسين رمضان لماذا ترفضون اشراك العمالة العراقية معكم...؟ فقال المدير الصيني تقاليدكم تختلف عن تقاليدنا وتتسبب بإرباك العمل مثلا العامل العراقي اذا تموت خالته يروح جناز ويحضر الفاتحه 3 أيام والأربعين وبدورة السنه كلها هاي الأيام يتغيب عن العمل واذ يتزوج ابن خالته همين يغيب...أبتسم طه ياسين رمضان فتشجع المدير الصيني ليقول أكثر فأضاف أحنا سامعين الصلاه عند المسلمين لو 3 مرات لو خمسه باليوم بس مو 16 مره استغرب رمضان ...فسأله شلون يعني...؟ قال له : العامل العراقي يعيد الصلاة عدة مرات تهرباً من العمل وعندما نقول له لماذا تعيد صلاتك يقول بطلت بسبب خروج غازات أو أصوات من جسمه...

- حاله ثانيه: عملت في التسعينيات في احدى شركات وزارة الصناعه وعند خروجنا أنا وزميل لي في أحد الأيام من مطعم المنتسبين بعد الغداء قال زميلي ما رأيك ان نمر على ابو "ص" مدير أمن الشركة نشرب جاي ...؟ وكان بيومها الدنيا حاره بلبة تموز فتحنا باب الغرفه وجدنا ابو "ص" مدير أمن الشركة يجلس على كرسي عكس فتحة الباب يحقق مع صيني أجلسه على كرسي قبالته وعلى رأسه الطير لكن كونه صيني وما ضابط اللغه تراه مبتسماً.. شنو التحقيق...؟ صاحبنا موجهاً كلامه للصيني: أنته سنييييي ..يشيعي...؟؟؟ والصيني صادف من مسلمي الصين يعرف ما تيسر له من الفصحى فيرد عليه قائلاً: أنا أعرف لا الاه الا الله موهمد رسول الله... وصاحبنا العركَ مسبحّه ويصيح عليه بعصبيه...أدري أدري ...بس انته سنيييي يشيعي...؟ كَلت لصاحبنا يمعود ابو "ص" اتقي ربك هسا همه ماصارلهم فتره طويله طعلوا من شغلة ماو موزين يعرف لا الاه الا الله...ابو "ص" كَال مو اريد أعرفه خاف بحزب الدعوه ...! ليش ما يصيح الصيني أعرف عبد القادر الكَيلاني وجان ينقذ الموقف صحنا على ابو "ص" شفت يابه طلع سني الرجال فضها عاد وطبعاً أبو "ص" شيعي ...

شفت عيني ...مع محبتي للقوى العامله العراقيه المقدسه...

س: لماذا لا نعتمد على أنفسنا بدلاً من اللجوء الى الدول الأخرى...؟

ج: أنا لست مع استيراد البضاعة استهلاكية كانت أم مشاريع وانما مع استيراد التكنولوجيا وقيام أهل البلد باللازم ولكن للضرورة احكام ففساد الطبقة الحاكمة أفسد كل شيء افسد البشر والحجر فبات الموظف فاسد الا من رحم ربي والتاجر فاسد يستورد نفايات الأسواق ليسوقها على ابناء شعبه حتى بلغ الأمر ببعض التجار أن يشتري مواد احتياطية يابانية ملوثة بالإشعاع النووي الناجم عن تحطم المحطات النووية في اليابان ويطلب من البائع رفع التحذير المكتوب عليها لإخفاء الأمر ليسوقها الى ابناء مدينته في الناصرية وعندما يعذله التاجر الياباني لأن ذلك يضر بشعبه لا يهتم لكنه عندما يحل وقت الغداء يسأل التاجر عن مطعم يذبح على الطريقة الاسلامية..! وبات المقاول فاسد حد النخاع أذن في هذه الحالة لا مناص من التوجه للدول الأجنبية وبعدها اعتماد اسلوب المشاركة وبعد ذلك عندما اتيقن من أن التاجر والمقاول بلغ مستوى الحد المقبول أركن اليهم دون غيرهم ..

س: لماذا الضجة ضد الاتفاق ومن هي الجهات التي لا يعجبها...؟

ج: للضجة اسباب مختلفه:

1- انعدام الثقة بالحكومة وبأية خطوة تخطوها الحكومة...

2- انعدام الشفافية عند الحكومة فهي رغم الضجة المثارة ضد او مع الاتفاق لليوم لا تضعه على موقعها الإلكتروني...

3- المناكفات بين ساسة المحاصصة واتباعهم...

4- اتباع إيران يؤيدونه من منطلق الرغبة في ابتعاد العراق عن أمريكا وجماعة أمريكا يعارضونه من منطلق الحرص على عدم افلات العراق من منظومة النفوذ الأمريكي ...

5- والأهم من ذلك ركز على احالة المشاريع حالياً على أية جهات تتم...؟ الجواب الشركات اللبنانية والايرانية والتركية والكردية والمقاولين الفاسدين، هذه الجهات ستخسر فرص التعاقد معها على مقاولات وبنسبة ما يتم تخصيصه لهذا الغرض من كمية نفط أو اموال من المنهاج الاستثماري فتجد اصواتهم عالية ضده ...

6- والأهم من ذلك جداً جداً الموظفين والمسؤولين الحكوميين في الوزارات والمحافظات والبرلمانيين المستفيدين من علاقتهم برسو المناقصات والعقود إذا وسعت الحكومة علاقتها بتنفيذ المشاريع مع حكومات وليس افراد وشركات هؤلاء سيخسرون ميدان الكومشنات والرشاوي والابتزاز...

س: كيف يتم تحقيق اقصى استفادة ممكنة من الاتفاق الصيني...؟

ج: هذا السؤال مهم جداً...

1- أن يتم التعامل مع مخرجاته من منطلق تحقيق التنمية المكانية المتوازنة بمعنى تحديد الأولويات اولاً من منطلق وطني مثل السدود ومشاريع الكهرباء والموانئ ومن ثم على أساس المحافظات الاكثر شحة في مشاريع البنى التحتية وبعد ذلك المحافظات الأكثر فقراً...

2- ان يتم تشكيل ادارة عراقية رديفة نظيفة ومتمكنة للأشراف والمتابعة على تنفيذه...

3- ان يتم تنويع الجهات الدولية والتوسع في هذا المجال فيتم الاستعانة بألمانيا او فرنسا لمثل هذا الاتفاق وبالحدود التي يتيحها حجم الأموال التي يراد تخصيصها للمشاريع سنويا...

س: إذا هيجي الاتفاق الصيني هذا خوش ..ما رأيك...؟

ج: أنا فهمي للاتفاق الصيني هيجي فاذا كان هذا الهيجي يعجبك حاول تحصل على معلومات أكثر وشوفه إذا هيجي خوش وإذا مو هيجي خل يسووه هيجي...

س: وهذي الفضائيات الدوختنا...؟

ج: هذي الفضائيات مثل رفيقات منال يونس....

شكراً....

***

موسى فرج

 

محمود محمد عليخلال أيام قليلة وتبدأ الذكري التاسعة لثورة 25 يناير المصرية .. واسمح لي عزيزي القاري أن أطلق علي هذه الذكري " موسم 25 يناير"؛ هذا الموسم بدأ..  والبشاير بدأت تهل علينا..هي ليست بشائر بمعني كلمة بشائر.. بل وقائع وحركات وخطوات لا بد من أن نقف أمامها ، ونركز معها.. هذا الموسم أصبح يمثل بالنسبة لنا نحن المصريون عادة مكررة من ذكري ثورة 25 يناير التي أطاحت بأعتي عتاة الدكتاتورية وهو حسني مبارك (والذي بسببه تحولت مصر من دولة قوية إلي دولة رخوة بلغة أستاذي جلال أمين) .. كل سنة يبدأ الموسم والكل يهل علينا بطلته وكذبته ولعبته الجديدة.. وعندما نقترب من ذكري 25 يناير تبدأ بكائيات النشطاء وتنتشر حملات الإخوان ويبشرنا معتز مطر ومحمد ناصر وإخوانهم من خلال قنواتهم سواء الشرق أو مكملين بثورة جديدة ، ثم يطل علينا الدكتور محمد البرادعي كعادته.. وفي هذا التوقيت أو الموسم بالذات ، والذي يظل صامتاً طوال العام لا يتكلم كلمة واحدة .. إلي يأتي موسم 25 يناير لينطق بكلماته الغير مفهومة، وكأنه مثل ثمرة المشمش لا يظهر إلا في موسم قصير ومحدد جداً جداً .

الدكتور البرادعي بدأ موسمه خلال الأيام الماضية بتغريده قال فيها بأن :" الشعب المصري عايش في انقسام.. وغضب.. وإحباط.. وأشياء أخري كثيرة ... والحقيقة كلها سلبية "..عاد البرادعي ليكشف لنا أسراره داخل القصر والحزب والميدان بعد سنوات كاملة من الغياب والاختفاء.. غاب فيها أيضًا عن ذهنه أدنى قواعد العلاقة بين السياسي وجمهوره الذي يرغب في معرفة ما الذي حدث؟ ومن أخطأ؟ ومن يتحمل تبعات ما وصل إليه حالنا؟ يعود البرادعي ليقص علينا رؤاه وفلسفته التي ساوت بين الثورة والثورة المضادة، وما الذي كان وراء خياراته الفوقية والمتعالية على السياسة والحزبية طوال 4 سنوات قضاها في مصر.

عاد السياسي المنتهي ليبرئ ذمته وهو الذي كان واحدًا ممن شاركوا في تأزيم تلك الثورة ووضعها على حافة المخاطرة مرات ومرات، قبل أن ينتهي بها المشهد والبرادعي يتلو بيان وفاتها في الثلاثين من يوليو 2013... هيئت له سذاجته أو غروره أو كلاهما أنه سيطيح بخصومه، فإذا به تروعه مشاهد الدماء، فيختار الانسحاب نهائيًا من المشهد مفضلًا العودة إلى فيينا ؛ حيث أتى قبل 4 سنوات من ذلك اليوم.

والسؤال هنا لماذا يظل البرادعي صامتاً طوال السنة، ثم عندما يتكلم يؤكد لنا بإلحاح علي أن الشعب المصري غاضب ومحبط ومنقسم ... أين هذا الانقسام يا دكتور برادعي ؟  أين هذا الغضب؟ كيف يكون هناك شعب محبط وغضبان ومنقسم مع أول لمحة توتر أو مشاكل في المنطقة كما حدث في ملف ليبيا ، عندما قام هذا الشعب لينتفض ويتماسك ويعلن مساندته لجيشه وبلده .. لماذا يا دكتور برادعي عيناك لا تري ما يحدث إلا في المصائب ؟.. لماذا تؤثر عيناك النظر إلي نصف الرجاجة الفارغ وتكتب لنا تغريدة تساند مصر وتنقذها من كبوتها سواء في ملف سد النهضة أو ملف التهديدات التركية في ليبيا؟ .. أليست كل هذه قضايا تتعلق بالوطن يا دكتور برادعي؟

وهناك نقطتان مهمتان نود أن نشير إليهما حتي لا يقال عنا بأننا نصادر علي الدكتور البرادعي رأيه وهما :

أولاً:- إذا كان الدكتور البرادعي مهتماً بالشأن السياسي المصري، لماذا يظل طوال صامتاً.. مختفياً ولا نراه يتفاعل مع الأحداث أو يعلق ويساند وطنه في الملفات المهمة .

ثانياً:-لماذا الدكتور البرادعي مهتم بالشأن العام وانتشار السلام في المنطقة بشكل عام ...لماذا لا يعطينا تصريحات ضد الانتهاكات التي يمارسها أردوغان في الأراضي العربية ... هل يصح يادكتور برادعي أن تسمع سيادتكم أدوغان وهو يقول عن ليبيا بأنها ميراث الدولة العثمانية وتصمت ولا نجد لك تصريحاً يشجب ذلك وكأن شيئاً لم يكن !!

هناك تغريدة أخري للدكتور البرادعي ... تغريدة غريبة وعجيبة ؛ حيث : هناك فارق عظيم بين نبل الثورات وسمو أهدافها وبين سوء إدارتها ومحاولات اختطافها " ... كلام جميل د. برادعي .. نتفق معك.. ولكن هذا تنظير وليست تطبيق .. ألم يكن من الأولي أن تعترف بأنك كنت سبباً رئيساً في سوء إدارة 25 يناير .. وأنك أنت ومن كان معك هم الذين دشنوا الطريق لجماعة الإخوان المسلمين كي يصلوا لسدة الحكم.. لم تترك لنا فرصة معالي الدكتور برادعي إلا وقد خذلت فيها بلدك مصر .. لقد خسرت كل معاركك .. وفضحتك ممارساتك السياسية والقمعية علي تويتر .. وذلك عندما قمت بعمل بلوك علي كل من انتقدوك .. أتتذكر عندما رجعت إلي مصر .. المصريون جميعاً قالوا أُدخل الانتخابات وواجه الإخوان المسلمون.. لكن خفت وانسحبت .. ثم تشاء الأقدار بعد ذلك لتتولي منصباً مهما في ظل رئاسة عدلي منصور للبلاد ، وذلك في توقيت حساس كانت مصر تخوض فيه حربها مع الإرهاب .. وللأسف يا معالي الدكتور مع أول أزمة هربت كما تهرب الجيرزان وانسحت دون مواجهة .. وكالعادة آثرت أن تكتفي بكلام إنشائي ينم عن عدم الاستطاعة والظروف .. وفي الرابع عشر من أغسطس 2013 ينهي البرادعي إلى الأبد، ويعلن عن نهايته كسياسي، وينسحب من المشهد نهائيًا خاذلًا هؤلاء الذين التفوا حوله وعقدوا عليه آمالهم ومنحوه ثقتهم، ويتوقف نداء «شد القلوع يا برادعي.. مفيش رجوع يا برادعي»، وتنتهي الأسطورة الكاذبة وهي أسطورة «ضمير الثورة وقديسها".

السؤال الآن : إذا لم تكن لديك القدرة علي مواجهة الأزمات الكبيرة فأي نوع من الرجال تكون أنت سعادة الدكتور البرادعي ؟ .. لكن للأسف الدكتور البرادعي أخذ يشرح لنا عوالم السياسة وكيف تكون ولماذا وأين! ... وعندما أسس حزب .. وجلس علي كرسي إدارته.. فشل الحزب وهرب البرادعي بسبب الصراعات وغياب الرؤية السياسة .. صاحب جائزة نوبل للأسف سقط من عيون المصريين عندما كتب تغريداته ليصف بها محاربة مصر للإرهاب بأنها تمثل عنف متبادل .. وهذا وصف لشخص منزوع البصيرة لا يميز بين الجندي الذي يدافع عن أرضه بشرف وبين الإرهابي المجرم المعتدي ... أكمل كما تحب وغرد كما تشاء يا دكتور برادعي فالمصريون أدركوا حقيقتك .

وأخيرا ً أختم مقالي بما قاله عنه الأستاذ محمد عبد الفتاح السرورى في مقاله المنشور بالحوار المتمدن تحت عنوان "ضد البرادعي "؛ حيث يقول :".. إن المتتبع لتصريحات محمد البرادعي لا يجد إنصافا منه ولا عدلا... لا في القول ولا في الفعل لا يجد منه الا كل تحيز واستكانة ونظرة أحادية لا تخطئها العين المجردة .... هذا الأسد الجسور على (إيران) لا يتفوه بكلمه واحدة ضد إسرائيل التي لا تخفي أنها تمتلك بالفعل أسلحة نووية ومفاعلات ذرية ... هكذا عياناً بياناً لا ظناً ولا إدعاءً... ورغم تحفظاتنا على إيران وعلى سياستها تجاه المنطقة العربية وما ترعاه أحيانا من جماعات وأحزاب وما تقوم به من تمويل لهذه الجماعات والأحزاب بما لا يخدم أحد إلا أعداء هذه المنطقة إلا إننا في هذا المقام تقف مع الحق ومع الحياد ... أنني وبصفة شخصية لا أؤيد امتلاك إيران للأسلحة النووية و أرفض أيضا أن تمتلكها إسرائيل فإذا ما اتخذت الوكالة الدولية للطاقة الذرية موقفا مناهضا لامتلاك إحدى الدول هذا السلاح المدمر فيجب أن تقف نفس الموقف وبنفس القوة وبذات الإجراءات مع جميع الدول دون استثناء وهذا لا يحدث لا من الوكالة الدولية للطاقة الذرية بصفة عامة ولا من مديرها بصفة خاصة.

ويستطرد محمد الشروري فيقول: الدكتور محمد البرادعي الذي يتحدث ليلا ونهارا عن النزاهة والشفافية هو أول من يفتقد لهذه النزاهة وهذه الشفافية ... وإلا فعلية أن يجهر بآرائه تجاه الامتلاك الفعلي لإسرائيل لأسلحة الدمار الشامل وكان من الواجب على الدكتور محمد البرادعي أن يصرح بموقفه من إسرائيل وهو لا يزال من أوج منصبة، وذلك قبل أن يرحل أو يقترب من الرحيل عنه وهو لم يفعل ذلك .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

ميثم الجنابيإن المراحل العاصفة في تاريخ الأمم والدول لا تخلو من مختلف المفاجئات. والسبب يكمن في أن مراحل الانتقال العاصفة عادة ما تتصف بانعدام الثبات والتقلب والتغير الذي يصعب رده إلى عامل أو سبب واحد بفعل تحطم أو تهشم منظومة الانضباط الذاتي للدولة والمجتمع والثقافة والقيم. من هنا إمكانية ظهور مختلف الأفعال وردود الأفعال، إضافة إلى انتشار مختلف المظاهر اللاعقلانية من الجريمة العشوائية إلى المنظمة، ومختلف مظاهر الفساد الفردي والجماعي. بحيث يصعب أحيانا عزل الفساد الفردي عن الجماعي، وذلك لتغلغله في كل مسام الوجود الاجتماعي من العلاقات العائلية إلى علاقات "النخب السياسية". من هنا عدم غرابة تحول المكر إلى فن من فنون "السياسة".

وعندما تتحول الحيلة والامتهان الشامل بما في ذلك للأعراف الراسخة إلى جزء من "صعود" الشخصية إلى "ذروة" السلطة، عندها تصبح الأفعال جزء محسوبا من نفسية وذهنية العدّ والنقد! غير أن هذا الحساب الرقيع لا يمكنه القيام بشيء غير ترقيع النفسية والذهنية المثقوبة. ومن ثم لا يمكنه الصمود لفترة طويلة أمام الحالة العاصفة للتحولات والتقلبات الملازمة لمراحل الانتقال. بعبارة أخرى، إن القوة الوحيدة القادرة على الثبات في تلك المراحل، هي تلك التي تتسم بالثبات المقترن بالفكرة العامة، أي بفكرة الدولة والمصالح الوطنية العامة. وهي الحالة التي تكشفت بصورة جلية ونموذجية في حالة العراق الحالية. إذ نقف أمام اقتران غريب، لكنه مفهوم، مثل مهاجمة أزلام السلطة للسلطة التي يعملون فيها، أو اتهام احدهم للسلطة بالطائفية وهو "نائب رئيس الجمهورية"! أو أنه يعمل احدهم أو بفرقته السياسية "البرلمانية" ليس فقط على تخريب "العملية السياسية" بل وتنظيم الاغتيال فيها وعبرها. وهذا كما يقال غيض من فيض. وهي حالة قد يصعب ربطها بطرف دون آخر، لكنها تعكس في الإطار العام حالة الخلل الفعلي في النخبة السياسية وطبيعة صيرورة السلطة والدولة ما بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية والتوتاليتارية البعثية.

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار طبيعة ومستوى الخراب الشامل للعراق بأثر عقود من سيطرة واستهتار الدكتاتورية الطائفية الفئوية الجهوية القبلية العائلية، أي اشد الأشكال تخلفا وانحطاطا لظاهرة العصابة المنظمة، من هنا يمكن توقع استمرار خرابها في بقاء وفاعلية إفرازاتها في القوى التي كانت للأمد القريب تمتص لبن وجودها منها!

ولم تعد هذه الظاهرة فردية بسبب سعة انتشارها بل غلبتها في الواقع السياسي الحالي في العراق، أي ظاهرة التفسخ البطيء لقوى الماضي في ديناميكية التحول العاصف صوب الانتقال من الدكتاتورية والواحدية العقائدية الفجة إلى فضاء النظام الاجتماعي السياسي المحكوم بفكرة الدولة والقانون. وليس مصادفة أن يتحول "القانون" إلى وسيلة لعبها الشخصي ومكرها السياسي. مع أن القضية واضحة وجلية. وذلك لأن ظروف الانفتاح والصراع العلني العنيف في ظروف العراق الحالية تجعل من الصعب بقاء وديمومة المؤامرات الصغيرة مخفية. ومن هنا أيضا تحول المؤامرات إلى مغامرات جلية. من هنا تحول "القانون" للمرة الأولى إلى جزء من تخريب القانون! لكنها مفاجأة ليست غريبة وذلك لأنها تستكمل حلقات هذه الذهنية والنفسية، أي تخريب السلطة من خلالها، والدولة من خلالها، والحق من خلاله، والقانون من خلال القانون!

ومن الممكن النظر إلى هذه الظاهرة على أنها جزء من لعبة الارتزاق السياسي، التي تحددها آلية عدم الثبات في مرحلة الانتقال. من هنا انتشار ظاهرة المؤقتين في بنية الصيرورة الجديدة للدولة والمجتمع. وهي الظاهرة التي وجدت منافذها من خلال العدد الهائل للشقوق في بنية الوجود الاجتماعي والدولة والقيم والفكرة الوطنية، كما كان يمكن رؤيته بوضوح في توسع وتضخم الظواهر التقليدية والمتخلفة من الطائفية السياسية والعرقية والجهوية والفئوية وغيرها وتغلغلها في بنية السلطة "الجديدة". وهي حالة كان وما يزال يصعب التحرر منها بسبب تخلف الوعي الوطني والدولتي عند الكثير من "النخبة السياسية".

إن صعود هذه الظواهر الخربة وقدرتها على الفعل والتأثير الخرب يكمن أساسا في مرحلة الانتقال وعدم نمو وتكامل الدولة بمعايير الحق، والمجتمع بمعايير المدنية، والثقافة السياسية بمعايير العلم النظري والعملي. الأمر الذي يفسر سبب صعود وهيمنة فكرة المحاصصة والوفاق التي جاءت بأغلب "شخصيات" السلطة على امتداد مرحلة ما بعد الاحتلال الأميركي ولحد الآن. إذ ليست المحاصصة والوفاق وما شابه ذلك سوى الوجه المحسن والمنمق والملون لقبح الطائفية والجهوية والفئوية والعرقية – أي لكل أشكال البنية التقليدية. من هنا الانهماك فيها مع كل خطوة تخطوها القوى السياسية والدولة صوب التكامل بمعايير الوطنية والاجتماعية. وإلا فماذا يعني الدفاع عن الأقلية في ظرف يحتاج العراق فيه إلى بناء منظومة عامة تحفظ الجميع؟ غير نفسية الأقلية؟ وهو سؤال يحتوي على إجابة في حال تأمل الخطاب السياسي السائد "للأقليات" بهذا الصدد. إذ نعثر فيه على إحدى الصيغ الفاقعة لنفسية وذهنية الأقلية الطائفية والعرقية! بمعنى انه يمثل التيار الذي يغلّب الفكرة الضيقة على الفكرة العامة (الوطنية). من هنا تحول نفسية وذهنية المؤامرة الصغيرة إلى فعل المغامرة السياسية، التي أدت ويمكنها أن تؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج معاكسة لما كان يجري التخطيط له. وذلك لأن هذا النمط من المكر السياسي لم يعد بإمكانه العمل والفعل بالطريقة التي كانت ممكنة في مجرى السنوات الست التي تلت سقوط الدكتاتورية الصدامية.

إن طبيعة ومستوى ومسار الفرز الاجتماعي والسياسي والفكري قد اخذ يسير باتجاه، رغم تعرجه، صوب بلورة فكرة الدولة ومركزيتها وضرورة سيادة القانون وتذليل تركة الماضي. من هنا لم يعد بإمكان مناهضة وانتهاك القانون باسم القانون سوى مغامرة غير مجدية. وذلك لأنها لم تعد تمتلك تلك الأرضية التي جعلت في وقتها من الممكن أن تصبح المحاصصة والتوافقية "نموذجا ديمقراطيا". فقد كشفت عما فيها من خلل جوهري يتعارض مع المسار الضروري للدولة الحديثة. من هنا لم يكن التمسك بفكرة الأقلية سوى التعبير عن بقايا وتأثير وفاعلية نفسية وذهنية الأقلية. وهي بلا آفاق. والقضية ليست فقط في أن الأقلية كيان ما قبل تاريخي، بل ولأنه كائن غير قابل للتطور. فالأقلية حاملة الأزمة والانغلاق والقيم السقيمة. وهي التجسيد الفعلي للضيق والعجز عن الاندماج بمعايير المواطنة والحرية. من هنا لم يعن الدفاع عن الأقلية سوى الدفاع المبطن عن فكرة المحاصصة والتوافقية. وذلك لأن الإصرار على قيمتها لا يعني سوى الإصرار على بقايا وسيادة الجزء على الكلّ. كما أنها تشكل احد مظاهر النزعة التقليدية والانحطاط المادي والمعنوي حالما يجري رفعها إلى "فكرة سياسية" و"قانونية". وذلك لما في هذه الممارسة من خداع ظاهر ومستتر. وذلك لأن الأقلية بالمعنى "القانوني" المغامر يجعل منها لعبة المكر السياسي. كما أنها تحتوي من حيث مقدماتها ونتائجها ووسائلها على نكوص عن مبادئ المواطنة، والحقوق، والوطنية، والعقلانية، والديمقراطية. ومن ثم تتعارض مع فكرة المستقبل. بينما حقيقة العراق هو مستقبل فقط من اجل الخروج من أزمته التاريخية الطويلة والعليلة. وإذا كان بالإمكان الحديث عن أقلية جيدة فهي الأقلية الثقافية، أي المندمجة بمعايير المواطنة والعقلانية والديمقراطية والحقوق. وما عداها هي مجرد لعبة المكر السياسي وهواجسه المغلقة، وذلك لأنها محكومة بهموم خربة لا علاقة لها بالدولة الشرعية والمجتمع المدني وفكرة الحق والحقوق.

***

ميثم الجنابي

 

كاظم الموسوييمر المشهد السياسي في  العراق منذ اندلاع الحراك الشعبي مطلع تشرين الاول/ اكتوبر 2019  بمرحلة صعبة أشبه ما تكون أمام مفترق طرق متشعب ومتعدد المخارج والمنعرجات، مما يجعله مربكا في التحليل السياسي العميق أو عند المراقب السياسي له. حيث تتداخل عوامل كثيرة وأسباب متراكمة في تركيبه وتعقيده. في الوقت الذي اتفق الأغلب من الذين اشتركوا في الحراك أو في السلطات والأحزاب المتنفذة في أمر رئيس هو مشروعية المطالب التي رفعها المشتركون في الحراك وحقهم في الغضب، وفشل العملية السياسية، سواء في العاصمة بغداد أو المدن الوسطى والجنوبية. التي يشكل سكانها حاضنة السلطة وقوتها الانتخابية، بحكم قيامها على أسس المحاصصة والطائفية والاثنية والتوافقية السياسية. ولعل الانقسام الواضح في المشهد هو الجاري بين قوى الحراك وتطوراته من جهة وقوى السلطات وأحزابها ورموزها المتنفذة، من جهة أخرى. وهو ما يميز ما وراء المشهد ويضع متطلبات الخروج من الأزمة أو عنق الزجاجة كما يقال إعلاميا ليس يسيرا أو قريبا في كل الأحوال. وهذه الصورة لونت المشهد السياسي وجعلت كل طرف منه حاملا بنفسه ما يتعارض مع مقابله في التنفيذ والتشريع. وهو الأمر الذي اختلفت عليه، وأصبح فاصلا بينهما.

حسب التحولات والمنعطفات التي مر بها المشهد السياسي والحراك الشعبي فرضت عمليا استقالة الحكومة رسميا فقط، رغم أن تشكيل الحكومة جاء ضمن صفقة تكليف الرؤساء الثلاثة، والتي ينبغي ان يشترك الجميع في تحمل ما سبب المشهد ودفع الحراك، مع الاستجابة المتموجة أو ما يتم عمليا في تدرج خطب المرجعية الدينية في النجف الاشرف، والتي تمرحلت أسبوعيا واعطت بشكل أو آخر فترة مراوحة أو اختبار لوعي الطبقة السياسية المتنفذة والتي قادت بإدارتها واعترافها بالفشل الى مآلات الواقع الحالي.

التصديق على قانون جديد للانتخابات ومفوضية مستقلة جديدة عن الأحزاب والمحاصصة خطوة على الطريق الا انها غير كافية لحد الان، إذ ما تزال سياسات الإدارة القائمة وواقع الحال مستمرة كما هي، ولم تتغير كما سعى لها الحراكيون في المشهد السياسي، أو ما يتوجب تحققه فعليا. وما زالت المطالب الحقيقية للحراك تنتظر تجسيدها عمليا، بدءا من الحقوق الأساسية الى محاربة المحاصصة والفساد والتدخلات الخارجية بكل أشكالها وصورها ومحاكمة كل من ارتكب جرائم القتل والاختطاف والقنص والعنف الدموي، ومن اي طرف أو جهة، فرديا أو منظما وإعلانه بشفافية كاملة واسترجاع الأموال المنهوية، وكشف حساب كامل لكل القضايا الأخرى.

خطوة قانون الانتخابات والمفوضية المستقلة فتحت المجال أمام تغير في تسلم مسؤولية السلطات وبناء الانعطاف التاريخي الجديد بعد تلك الفترة التي امتدت من الغزو والاحتلال الى اليوم. وبات خيار الانتخابات المبكرة الاقرب من  أي وقت مضى، خاصة بعد تأييد المرجعية الدينية في النجف لها وتأكيدها عليها، ما اعتبر في المحصلة اتفاقا اخر على أبرز مطالب المتظاهرين، كما تؤيده أيضا قوى سياسية أخرى تحاول فرز نفسها عن أدوارها في العملية السياسية وتجاوبها مع مطالب الحراك  أو الاندفاع معها.

رغم وجود تساؤلات حول قانون الانتخابات، والمفوضية المستقلة التي ستكون مشرفة على العملية الانتخابية، فإنه في حال أجريت هذه الانتخابات فإنها تعد ثاني عملية انتخابية تجرى في ظروف استثنائية بعد الانتخابات التي جرت في 30  كانون الثاني / يناير 2005 لانتخاب جمعية وطنية (برلمان انتقالي)، وتمت تلك الانتخابات قبل إقرار الدستور الذي صوت عليه العراقيون في تشرين الأول/ اكتوبر من العام ذاته وجرت وفقاً لمواده أربعة انتخابات دورية في أعوام (نهاية 2005، و2010، و2014، و2018).

في ظل مواصلة البحث عن تكليف رئيس وزراء جديد، وفق مواصفات الحراك، والفترة الدستورية وتجاوزها، والكتلة البرلمانية الكبرى، يبدو أن المعركة السياسية تحتدم بين كتلتي "سائرون" بزعامة مقتدى الصدر، و"البناء" بزعامة هادي العامري ونوري المالكي، فكل واحدة تصر على أنها الكتلة الكبرى وصاحبة الحق في ترشيح رئيس مجلس الوزراء، حسب مواد الدستور. ولم تقدم المحكمة الاتحادية تفسيرا حاسما او باتا لمفهوم الكتلة ألكبرى المختلف عليه، والذي استخدمه رئيس الجمهورية مبررا للمماطلة والتجاوز الدستوري. وهذا الأمر يزيد في ضبابية المشهد السياسي ولا يعبر عن جدية في إدارة البلاد، وتحمل المسؤولية، من الأطراف السياسية المعنية بالعبور من مفترق الطرق وارباكه.

ما عبرت عنه المحكمة الاتحادية في إن تعبير الكتلة النيابية الأكثر عددا الواردة في الدستور تعني إما الكتلة التي حصدت أكبر عدد من المقاعد خلال الانتخابات، أو الكتلة التي تكونت بعد الانتخابات من قائمتين أو أكثر وأصبحت مقاعدها بعد دخولها البرلمان في الجلسة الأولى الأكثر عددا من بقية الكتل، لم يكن جوابا كاملا مقنعا، وحتى في أشارتها إلى أن رئيس الجمهورية يتولى، اعتمادا على ذلك، تكليف مرشحها بتشكيل مجلس الوزراء طبقا لأحكام الدستور وخلال المدة المحددة. وهذه أمور لم ينته النقاش والاتفاق عليها، لا في دوائر القضاء أو اركان السياسة.

انتهت المدة المحددة ولم يستطع رئيس الجمهورية من تكليف مرشح، بكامل الاوصاف،  وعرضت اسماء عديدة رفضت مبكرا من الحراك الشعبي أو من جهات سياسية اخرى. وبقي المشهد السياسي منذرا بما لا يرغب به أي مواطن، دع عنك السياسي المشترك في المازق العام. وتسرب مصادر أو جهات أو وسائل إعلام، حسب توجهاتها، أخبارا عن تفاهمات وصفقات بين بعض الكتل أو القوى السياسية، لوحدها أو من طرفها دون أي تنسيق أو توافق مع الطرف الآخر في المشهد السياسي، والذي لم ينتخب أو يعين ممثلين له، بل يضع مواصفاته أو شروطه النابعة من صموده وتضحياته الجسام.

حتى تكليف رئيس مجلس وزراء واختيار الوزراء، وممارسة السلطة وإجراء انتخابات جديدة وفق القانون الجديد، يزداد الارتباك في المشهد السياسي، والأخطر فيه مشاركة قوى وجهات لم تستوعب بعد ما يحصل على الارض، كما تتفنن وسائل إعلام وجهات سياسية في نشر وإعلان ما تريده أو تعمل عليه، مما لا يخدم العباد ولا البلاد، ولا يهتم بالمصالح الوطنية والقومية ولا مستقبل العراق والمنطقة، لا سيما من ممن يرفعون شعارات إنسانية أو قانونا دوليا، كالامم المتحدة وسفراء مجلس أمنها واضرابهم. وهو امر خطير أن يظل العراق على مفترق طرق لفترة طويلة ويغيب عنه الضوء الهادي والسبيل التقدمي الذي عمدته دماء مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمصابين.

 

كاظم الموسوي

 

جوتيار تمراتسمت هذه الفترة من تاريخ منطقة الشرق الاوسط بصورة عامة والعراق بصورة خاصة بالمزيد من التوترات التي احدثتها التدخلات الواضحة والصريحة للقوى الاقليمية والدولية بشؤون دول المنطقة بشكل عام ودون حصر بالاخص تلك الدول التي لم تزل تعيش حالة من الفوضى السياسية وفراغ سياسي سيادي لاتحسد عليه، ومع تزايد الصراع بين تلك القوى الخارجية على دول المنطقة، اوجبت العملية العسكرية التي قامت بها الولايات الامريكية المتحدة تجاه بعض قادة الشيعة التابعين للحرس الثوري الايراني والحشد العراقي الشيعي الموالي تماماً لايران، اوضاعاً خاصة، حيث بلغ التوتر اقصاه، وتلى ذلك تصريحات وتهديدات ايرانية والاحزاب والمليشيات التابعة لها سوى داخل ايران او وخارجها لاسيما في كل من العراق وسوريا ولبنان وحتى اذناب ايران في فلسطين "حماس"، فضلاً عن الموقف الدولي الذي وجدناه غير متوافق وغير واضح فيما يخص شرعية العملية لانها بلاشك ارضت الكثير من الدول باعتبار انها قضت على احد رموز الارهاب في المنطقة ككل، كما انها قصت اجنحة الحشد الشيعي العراقي وجعلت قادته الباقين يعيشون حالة من الفزع والذعر، ولم يكن خافياً على احد بأن تلك العملية كانت ردة فعل امريكية طبيعية تجاه ما كان قد قام به بعض قادة الحشد الشيعي والموالين لهم بالتوجه الى السفارة الامريكية في بغداد واقتحامها ، فكان ان جاء الرد الامريكي بشكل اكثر فعالية واعمق واكثر تأثيراً ليس فقط على العراق انما على ايران واتباعهم في المنطقة كلها.

نتج عن هذه التوترات عدة امور منها ماجرى داخل البرلمان العراقي الباحث عن السيادة الوطنية حيث خضع ممثلي الاحزاب الشيعية " غالبيتهم "للمنطق المذهبي الشيعي الموالي لطهران فبدل ان يبحثوا عن حلِ لمشاكل الشعب الخارج منذ اشهر للشارع في مظاهرات عارمة، وجدناهم يرددون " نعم نعم سليماني " في اشارة الى الجنرال قاسم سيلماني الايراني الذي استهدفته الطائرات الامريكية في تلك الضربة القاصمة للظهر فاردته مع ابو مهدي المهندس العراقي احد قادة الحشد الشيعي العراقي واخرين كانوا معهما، فضلاً عن قيام ايران باظهار عنترياتها من خلال اطلاق عدة صواريخ على ما سمته قواعد امريكية لاسيما في حدود اقليم كوردستان حيث اصابت تلك الصواريخ بعض الاماكن القريبة من مطار  " هه ولير " الدولي ، ومناطق اخرى بالقرب من ناحية برده ره ش الكوردية ، دون ان تسفر عن اية اصابات، كما انها اسقطت متعمدة احدى الطائرات الاوكرانية المدنية التي قضى فيها 176 شخص، وفي خضم هذه الاجواء المتوترة، والصراع المحتدم،  وجدنا الاحزاب الشيعية العراقية الموالية لايران يطالبون بعقد جلسة للبرلمان بهدف التصويت على اخراج القوات الامريكية من العراق، واجبار الحكومة العراقية على رفع مطلبهم بشكل رسمي للجهات المعنية على المستويين الدولي والامريكي، وتلى ذلك تصريحات وتهديدات  تتوعد القوات الاجنبية على ارض العراق، مع عدم نسيان بان ذلك العمل اللاسياسي – باعتباره حدث تحت ضغط ايراني صريح – احدث شرخاً في البنية السياسية والاجتماعية في العراق الفيدرالي، فكل من نواب الكورد والسنة لم يشاركوا في جلسة التصويت، مما يعني بوضوح ان الحاضرين كانوا ممن تم توجيههم من قبل ايران.

جرت كل هذه الاحداث بشكل سريع واخضعت المنطقة لقلق متزايد وخوف من ان تندلع الحرب بين امريكا وايران على ارض العراق، ولكن بلاشك ان الامر لم يكن الا مسرحية اخرى تهدف القوى الاقليمية والدولية من خلالها الى ترسيخ مصالحها بشكل اكثر على حساب شعوب المنطقة، وليس بغريب ان تخرج الشعوب للشارع ويبقى الساسة خلف المنصات المحمية ينددون ويحرضون  ويشيعون الفتنة بين اطياف الشعوب انفسها، كما انه ليس بغريب ان تخرج اذناب ايران في المنطقة لتعلن عن نفسها بشكل رسمي وتهدد الجهات التي تساند تواجد القوات الامريكية في العراق وفي المنطقة بشكل عام، منادين بحماية سيادة الوطن، والعمل على اخراج المحتلين للحفاظ على سيادة الدولة، والمناداة بالسيادة الوطنية المطلقة والى غير ذلك من الشعارات التي التحفت بها تلك الاحزاب الموالية لايران داخل العراق لتحريك الشارع العراقي، الذي وجدناه في ساحة التحرير اكثر ثبات وايمان بان هذه الشعارات لايراد منها سوى تفريغ الساحة لايران لكي تتحكم اكثر بكل موارد العراق، اي انها كانت بنظرهم كلمة حق يراد بها باطل، فمن يريد سيادة الدولة لايردد في جلسة رسمية للبرلمان نعم  لاحد قادة الحرس الثوري الايراني.

ولقد جعلتنا تلك الشعارات التي اطلقت تحت مسمى السيادة الوطنية، سيادة الدولة، السيادة المطلقة، الى النظر للموضوع بشكل اخر، ولعلنا من خلال الاسطر القادمة نعطي ملخصاً عن مفهوم السيادة، باعبتارها كما يراها " محسن افكيرين " تعتبر فكرة السيادة والاعتراف بها للدول من المبادئ المتفق عليها في ميثاق الامم المتحدة والاتفاقيات الدولية التي تصب في ذات الصدد، كم يرتبط مبدأ السيادة في قانون الامم المتحدة (القانون الدولي العام) مع انبثاق الدولة القومية الحديثة بعد معاهدة وستفاليا 1948 التي اقرت مبدأ السيادة (سيادة الدولة) باعتبار انها سلطة الدولة العليا والمطلقة على اقليمها – اي حدودها -، اي حق الدولة في ممارسة وظائفها وصلاحياتها واختصاصاتها داخل اقليمها القومي دون تدخل من اية دولة اخرى (القانون الدولي العام)، وفي سياق الحديث عن الدولة يقول: "محمد بلعيشة" اصبحت الدولة، وبحكم الصلاحيات الممنوحة لها، تتمتع بالسيادة التي تحدد علاقاتها بالدولة الأخرى؛ في فصل كل ماهو خارجي عن كل ما هو داخلي، واعتبرت القوانين والتشريعات التي سنتها الدول أثناء منشئها – سواء كان المنشأ ثورة أو انقلابًا أو انتقالًا- أن التدخل في شأنها الداخلي يعتبر أمرًا مرفوضًا يستدعي التصعيد والرد، وأصبح أمر التدخل في شؤون الدول، وإن خرقت المواثيق أو القوانين أمرًا صعب الحدوث، ان لم يكن مستحيلًا. (الدولة في الشرق الاوسط من القومية الى الهوية).

فالدولة بلاشك  كيان، وبناء استراتيجي، تضمن للمواطنين الأمن و الانتماء، وعبر العصور تطورت وفق متطلبات الفرد وفكره، لكن في الشرق الأوسط عصف بمفهوم الدولة وسيادتها، وساد منطق المرجعيات الدينية والعرقية، بدلًا من الدولة «الويستفالية»؛  لتشهد تصعيدًا يمكن توصيفه بالـ«حرب الباردة الشرق أوسطية»! توجهت من خلال هذه المنطلقات الجماعات العرقية والإثنية لتحمل مسؤولية بعض وظائف الدولة في تحقيق الأمن والمطالبة بالانفصال؛ وبالتالي الإنقاص من شرعية وسيادة الدولة في المنطقة ، وكما يقول "طلال العيسى": ان النظر الى مسألة سيادة الدولة وفق المذهب التقليدي يعطي الدولة حق الابتكار المطلق على اقليمها وشعبها دونما رقيب ولاحسيب على هذه السيادة ولكن الاخذ بالمذهب الحديث المعاصر الذي ينظر الى فكرة السيادة بواقع ما يشهده العالم من متغيرات بدأ يفرض نفسه حيث لم تعد هذه السيادة مطلقة بل على الاغلب لاتزال كذلك فقط على الاوراق او في نصوص المعاهدات والاتفاقيات الدولية بمعنى ان هذه النصوص مع مرور الزمن ماتت واصبحت مجرد حبراً على ورق، حيث نجد في ميثاق الامم المتحدة ابرز مظاهر التدخل في شؤون الدول والتي تحد من السلطات والصلاحيات السيادية للدول الذي جعل صلاحيات واختصاصات هذه المنظمة تشمل بالاضافة للنواحي السيادية والامنية والمجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها التي كانت تعتبر تقليديا من صميم الاختصاص الداخلي للدول ، ولقد استخدم حروشيوس مفهوم السيادة في كتابه قانون الشعوب ليدلل ان كل دولة تملك قرارها بنفسها وبذلك تصبح الدول متساوية السيادة وبذلك اكد على ان الدولة لها الحق في شن حروبها بدون مبرر او التنازل عن جزء من اقليمها او ضم اقليم من دولة اخرى وكل ذلك يعتبر هملاَ مشروعا في ظل مفهوم السيادة المطلقة، والواقع ان فكرة السيادة تقوم على انها مفهوم قانوني سياسي، بالمقصود بالسيادة : ان الدولة هي التنظيم السياسي الاجتماعي الذي يحق له وحده دون غيره ان يحتكر ادوات القوة التي يحتاجها، بما في ذلك ادوات القمع والاكراه لفرض سلطته على مجمل الاقليم الذي يشكل حدوده السياسية، وعلى الافراد الذي يقطنون هذا الاقليم. (السيادة بين مفهومها التقليدي والمعاصر).

على الرغم من وجود قوانين خاصة ومفاهيم سياسية خاصة تؤكد على وجود ما يسمى بسيادة الدولة، الا ان تلك المفاهيم وتلك القوانين ليست الا غطاء واضح للدول اصحاب المصالح  في المنطقة للتدخل بشكل واضح وتحت غطاء قانوني في شؤون الدول الاخرى، حيث ان هذه المفاهيم غير المتوافقة بين ما هو تقليدي ومعاصر، وبين ما هو مكتوب وما هو ماقعي ملموس، جعلت الشعوب تعيش حالة من الهذيان السياسي ولم تعد تعرف بشكل واضح ما هو سيادي مستقل وما هو سيادي مصلحوي وما هو سيادي تابعي، وبذلك دخلت شعوب المنطقة باكلمها في دوامة من موجبات المصطلحات التي لاتخدم سوى مصالح القوى الاقليمية والدولية دون اية اعتبارات لشعوب المنطقة، وهذا ما فرض وجهة نظر اخرى، حيث وجهت انتقادات كثيرة الى نظرية السيادة، حيث نجد بان هناك من يدعو الى استبدال مصطلح السيادة بمصطلح الاستقلال، فقد ذكر" هاشم بن عوض" ان السيادة مصطلح غير قانوني ولايشير الى اي معنى ثابت، ولكنه تعبير عاطفي بشكل كلي، كل شخص يعرف ان الدولة ذات سلطة، ولكن التأكيد على السيادة يؤدي الى المبالغة في سلطتها وتشجيعها على اساءة استخدامها. (السيادة بين مفهومها التقليدي وظاهرة التدويل).

وحين ننظر الى دول المنطقة من هذا المنظور الاستقلالي نجد عمق الهوة بين ما هو مدون ورقياً وبين الواقع العياني، فالعراق كأنموذج لايمكن ابداً ان نؤمن باستقلاليته لا ورقياً ولا سيادياً ولا واقعياً، لكونه ليس الا مستعمرة ايرانية من جهة، وساحة نزاعات بين القوى الاقليمية والدولية من جهة اخرى، ويفتقر الى اي نوع من انواع السيادة، فقراره السياسي ليس بيده، وتشريعاته لايتم تصديقها الا بمباركة اقليمية او دول ذات المصلحة، بل حتى انه يمكن ان نرى انموذجاً اخراً داخل ما يسمى بالسيادة الوطنية العراقية وهو ان العلاقات الخارجية التي تتبناها لاتقف على حاجات الشعب انما بما تفرضه عليه القوى الاقليمية كتركيا وايران، وهذا بالضبط ما حدث في موقف حكومة بغداد تجاه اقليم كوردستان أبان عملية استفتاء استقلال كوردستان 25-9-1917، حيث وافقت بغداد على دخول القوات التركية لعمق اراضي الاقليم التابع دستورياً لبغداد لضرب حزب العمال الكوردستاني المنتشر بشكل كبير في المناطق الحدودية، بالمقابل  ان تعلن تركيا معاداتها للاقليم والاستفتاء، في حين موقفها مع ايران واضح حيث ان الاخيرة وافقت على اغلاق المنافذ كلها بطلب من بغداد، بالطبع الامر ليس لان ايران خاضعة لبغداد ولكن لانها التي تعمل على وضع المسار الذي يجب ان تسير عليه بغداد، وبالتالي فان مفهوم السيادة المطلقة او الوطنية " الاستقلالية"  لم يكن موجوداً في اية مرحلة من مراحل تاريخ العراق المعاصر، لانها لم تكن  سوى اوامر خارجية تطبق داخل اروقة السياسة العراقية، وهذا ليس رأي شخصي انما هو واقع ملموس والناظر بعمق وبدون مذهبية او طائفية او عرقية قومية سيرى مدى خضوع العراق تحت تأثيرات هذه الجهات الاقليمية والدولية.

ولهذا نجد من حدد ماهية  "ميثاق مناحي العيساوي" الخرق السيادي الوطني وبحسب المفهوم السياسي من خلال ثلاث طرق: وهو إما اختراقها عن طريق الإغواء “من خلال توقيع الاتفاقيات السياسية والأمنية والاقتصادية والتحالفات العسكرية” وهذا مايحدث حالياً، أو اختراقها بالقوة العسكرية والأمنية “من خلال القوة الصلبة” كما حصل للعراق عام 2003، أو عن طريق اختراق مكونات الدولة الوطنية نفسها من الأسفل والتحكم بقواها الداخلية، وهي السياسة ذاتها التي تتبعها اليوم كثير من الدول الإقليمية ودول الجوار في العراق وسوريا، سواء من خلال دعمها للفصائل أو الحركات الداخلية المسلحة أو غيرها؛ من أجل أن تكون أداة سياسية وعسكرية متحركة وفقاً لأهدافها البراغماتية، وهذا الاختراق الأخير لمفهوم السيادة الوطنية يعد من أخطر أنواع الاحتلال الداخلي؛ لأنه يرتبط بروابط دينية أو مذهبية أو عرقية، مما يهدد الطيف الاجتماعي، ويضرب عملية الاستقرار السياسي في العمق. (مستقبل السيادة الوطنية في ظل سياسة التحالفات والحرب على الارهاب).

والملاحظ لهذه لمفاهيم المطروحة حول السيادة الوطنية او سيادة الدولة سيجد بأن غالبية دول الشرق الاوسط تعيش تناقضاً واضحاً بين ما هو مدون في دساتيرها، وما هو مدون دولياً واقليمياً حول مفهوم السيادة الوطنية، وبين ما تقوم هي به من اعمال سياسية تذهب في كل اتجاهاتها الى الخضوع لمنطلق المذهب الديني او النزعة القبلية القومية، فكلما اشتدت الاوضاع داخلياً حتى تبرز الاصوات الخارجية التي تحرض اجنداتها الداخلية للقيام باعمال تعسفية تجاه المكونات الاخرى سواء من خلال تهميشها او محاربتها لكونها تطالب بحقوقها الدستورية المشروعة، او حتى من خلال ضربها بالقوة العسكرية، وبالتالي ينتج عن ذلك فوضى عارمة تهدد كيان الدولة الفاقدة في الاصل لسيادتها، وتهدد السلام المحلي والاقليمي والدولي معاً، فضلاً عن ظهور مدى ترابط القوى المنتهكة لحقوق السيادة الوطنية وتحالفاتها وتوحيد مساعيها وخطابها السياسي المعادي للمكونات الاخرى الرافضة للخضوع والتذليل، والداعمة للاستقلالية والحرية ، ولعل خطاب حسن نصرالله الايراني قبل ان يكون اللبناني وهجومه على حكومة اقليم كوردستان وعلى احد قادة الكورد البارزيين "البارزاني" ليس الا دليل محكم على تخبط هذه القوى " الموالية لايران " الخارقة لسيادة الدول الاخرى، والساعية لزعزعة اوضاع المنطقة (لبنان – سوريا – العراق – اليمن)، كما انه دليل على فقدانهم لكل مقومات المقاومة الوطنية الحقيقية، وتمسكهم فقط بالخطابات والشعارات المحرضة التي لاتسمن ولاتغني عن جوع ، ونجد في رد حكومة اقليم كوردستان على نصرالله الايراني اللبناني ما يثبت الخرق السيادي الذي تمتهنه هذه القوى الموالية لايران " انك يا من لاتجرؤ على رفع رأسك خوفاً من اعدائك، مالذي يجعلك تتحرش بشعب لارابط يربطك به.."، موضحاً ان الرئيس بارزاني هو رمز صمود أمة وانت ايها الرعديد اصغر بكثير من أن تتطاول عليه..".

 

جوتيار تمر / كوردستان

 

 

عبد الحسين شعبانأعلنت المحكمة الجنائية الدولية أنها تنوي فتح تحقيق شامل يخص جرائم الحرب «الإسرائيلية» في الأراضي الفلسطينية المحتلة، جاء ذلك في بيان أصدره مكتب فاتو بنسودا مدعي عام المحكمة، الذي أثار ردود فعل «إسرائيلية» رسمية وغير رسمية غاضبة لدرجة الهستيريا؛ وذلك لأسباب عدة؛ منها:

الأول: إن هذا الإعلان يعني أن الفحص التمهيدي لجرائم الحرب قد يقود إلى مثل هذا الإقرار، الأمر الذي يتطلّب الانتقال إلى التحقيق بخصوص الجرائم المرتكبة.

الثاني: إن اتخاذ الادعاء العام مثل هذا القرار؛ يعني وجود أساس قوي تولّد لديه؛ من خلال معطيات بأن جرائم حرب فعلية قد ارتكبت؛ وهو ما يدعم الدعاوى الفلسطينية والعربية بشأن الجرائم المستمرة التي أصبحت حقيقة، وليست اتهاماً فحسب.

الثالث: فقدان «إسرائيل» أدوات المواجهة القضائية عدا لجوئها إلى أساليب ابتزاز سياسي؛ عبر حليفها الأمريكي، الذي سبق له أن أعلن أنه لن يسمح بإدانة «إسرائيل» أو حتى وضعها في موضع الاتهام، سواء عبر «المحكمة الجنائية الدولية» في لاهاي أم غيرها من المؤسسات الدولية.

وقد لجأت «إسرائيل» إلى إثارة زوبعة من التشكيك بأن المحكمة مُسيّسة، واعتبرت صدور بيان المدعي العام «يوماً أسود للحقيقة والعدالة»، وقد شارك على رأس الحملة بنيامين نتنياهو الذي كال الاتهامات للمحكمة وقضاتها، وطلب أحد أعضاء المجلس الوزاري المصغّر الوزير بتسلئيل سموتريتيش إمهال السلطة الفلسطينية 48 ساعة؛ لسحب دعواها فوراً وإلّا فعلى «إسرائيل» أن تهدم كل يوم قرية فلسطينية مقابل ذلك حتى ترضخ.

جدير بالذكر أن واشنطن و«تل أبيب» انضمّتا إلى المحكمة الجنائية الدولية (نظام روما الذي تأسس عام 1998) قبل إغلاق باب الانضمام عام 2000 بسويعات، وانسحبتا منها بعد دخولها حيّز التنفيذ عام 2002. وكانت واشنطن قد باشرت ضغوطها؛ حيث سحبت تأشيرة دخول المدعية العامة بنسودا إلى الولايات المتحدة.

واستمرت التحقيقات الأولية نحو 5 سنوات على إقامة الدعوى، ولا شك أن الوصول إلى قرار يقضي بالتحقيق في الجرائم التي ارتكبتها «إسرائيل» جاء بعد جهود دبلوماسية مضنية، يعود جزء منها إلى الدبلوماسية الفلسطينية المدعومة عربياً، والآخر لجهود مؤسسات حقوق الإنسان التي عملت بمهنية ومسؤولية ومعرفة بدعم عربي ودولي.

وبالطبع فجلب «إسرائيل» إلى قفص الاتهام ليس من السهولة بمكان؛ بل ثمة عقبات سياسية وقانونية وعملية تقف بوجهه؛ حيث تنشط الدبلوماسية «الإسرائيلية» المضادة بوسائلها الخشنة والناعمة، وبدعم كامل من واشنطن، في محاولة لإثارة موضوع الولاية الجغرافية؛ حيث يتم التشكيك بمقومات دولة فلسطين، وبالتالي هل من حقها تقديم مثل هذا الملف إلى المحكمة بالنظر إلى أنها «أراضي دولة تحت الاحتلال»؟ وهو ما دعا المدعية العامة لإحالة الملف إلى الدائرة التمهيدية للمحكمة من باب الاستدراك القانوني؛ لكي لا تُثار بوجهها إشكاليات قضائية.

ولكن مثل وجهة النظر هذه كان يفترض أن تكون محسومة لمجرد قبول الدعوى من دولة فلسطين، استناداً إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2012 الذي اعترف بالمركز القانوني لدولة فلسطين، حتى وإن كانت دولة غير عضو في الأمم المتحدة؛ لكنها تمتلك مقوّمات الدولة؛ وهي منضمّة إلى عشرات المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة.

ويشترط أن يكون رد الدائرة التمهيدية خلال أربعة أشهر (120 يوماً)، ويمكن تمديده إلى شهرين (60 يوماً)، ويكون المجموع 6 أشهر (180 يوماً)؛ لكن ماذا لو كان ردّ الدائرة التمهيدية سلبياً؟ ففي ذلك الوقت يفترض أن تطعن دولة فلسطين بالقرار؛ حيث لا توجد أي محدّدات زمنية أو سقف محدّد لاتخاذ القرار بالطعن، وقد يستمر الأمر لشهور أو حتى لأعوام وسيكون ذلك تسويفاً للحق العادل والمشروع وللاتهام المدعوم بالوثائق والحقائق لارتكاب «إسرائيل» جرائم حرب.

وفي حال الرد الإيجابي يفترض بالمدعي العام المباشرة فوراً بالتحقيق؛ بهدف مساءلة المرتكبين، وتحقيق العدالة وتعويض الضحايا وإنصافهم، ولا بدّ من إبقاء هذا الملف مفتوحاً؛ إذْ لا يمكن مقايضة العدالة بأي حلول أخرى؛ لكي لا يفلت الجناة من العقاب.

ولا شكّ أن وتيرة المطالبة بالتحقيق في جرائم الحرب «الإسرائيلية» قد ارتفعت في السنوات العشر ونيّف الأخيرة على الصعيد الدولي؛ ارتباطاً مع نهج «إسرائيل» العنصري وعدوانها المتكرر، وهو ما عكسه تقرير القاضي الجنوب إفريقي من أصل يهودي غولدستون، والصحفي السويدي بوستروم، حتى أن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر صرّح خلال زيارته لقطاع غزة بعد العدوان عليها عام 2009 وبعد حصارها الدامي منذ عام 2007، إن الفلسطينيين في القطاع يعاملون «معاملة الحيوانات»، في إشارة إلى الوضع اللّاإنساني الذي يعيشه السكان الأبرياء العزل خلافاً لاتفاقات جنيف لعام 1949 وملحقيها، وفي ذلك إدانة مباشرة ل«إسرائيل».

 

عبد الحسين شعبان

 

ابراهيم أبراش

منذ خروج المجتمعات البشرية من مرحلة الهمجية وشريعة الغاب إلى حالة المدنيَّة والمجتمعات المُهَيكلة في إطار كيان سياسي يسمى (الدولة) لم تمر حالة كحالة الكيان الصهيوني تتموقع خارج سياق الزمان والمكان، حيث تأسس هذا الكيان بدايةً نتيجة التقاء مصالح استعمارية غربية تتطلع للهيمنة واستعمار المنطقة العربية مع مزاعم دينية وأساطير تاريخية لحركة صهيونية تتحدث عن وجود علاقة تاريخية لليهود بفلسطين قبل ثلاثة آلاف سنة، وهو زعمٌ لم يثبت يوماً صحته، وهي الدولة الوحيدة في العالم – باستثناء نظام جنوب إفريقيا العنصري البائد - التي قامت على أرض شعب آخر وتنكرت لحقوقه القومية التاريخية والتي تمارس العنصرية والتمييز العنصري .

ولأن إسرائيل خارج سياق الزمان فإنها تعمل باستماتة لفرض روايتها التوراتية وتزييف التاريخ واختلاق سردية تفرضها على العالم بما يتوافق مع روايتها متجاهلة سرديات وروايات لعشرات الشعوب التي تسكن المنطقة أو تعاقبت عليها عبر الزمان .ولأنها خارج سياق المكان حيث زرعها الاستعمار البريطاني وسط الأمة العربية فإنها عملت وتعمل بإسناد غربي على فرض وجودها في المنطقة بالقوة والإرهاب والابتزاز، كما تعمل على تغيير هوية المنطقة وحتى تغيير مسماها وعلى تفتيت العالم العربي عرقياً وطائفياً ومذهبياً حتى يستقيم وجود إسرائيل كدولة عنصرية دينية مع منطقة مقسمة إلى كيانات على شاكلتها . 

الشعب الفلسطيني المتواجد على أرضه منذ أكثر من أربعة آلاف سنة، والذي تعترف التوراة اليهودية نفسها بوجوده قبل عبور بني إسرائيل وقبل ظهور الديانة اليهودية، هذا الشعب كان وما زال ضحية جور وظلم وقع عليه، نتيجة توازنات وحسابات للدول العظمى ذات المصالح في المنطقة العربية وهي حسابات لم تأتي كما تشتهي عدالة القضية الوطنية، ونتيجة توازنات مصالح داخل عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى ثم هيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، فلو انهزمت بريطانيا في الحرب الأولى ما كان وعد بلفور وما كانت بريطانيا احتلت فلسطين وسهَّلت هجرة اليهود لها، ولو انهزمت بريطانيا والحلفاء وانتصرت المانيا ودول المحور في الحرب العالمية الثانية ما قامت دولة إسرائيل عام 1947، أيضاً لولا ما تلقته إسرائيل منذ تأسيسها حتى اليوم من دعم ومساعدات من دول الغرب ما استمرت في الوجود وما تجرأت على احتلال كل فلسطين بالإضافة لأراضي دول عربية أخرى .

انطلاقا من كل ما سبق فلا يوجد شعب في العالم يتعرض لظلم من دولة عضو في الأمم المتحدة (إسرائيل) كالشعب الفلسطيني، وهو ظلم مركب من الاحتلال والاستيطان والعنصرية والإرهاب، حيث جمعت إسرائيل في سلوكها الداخلي والدولي أسوأ الصفات التي توفرت في أسوأ دول العالم عبر التاريخ، وهي لهذا السبب الأكثر استفزازاً للرأي العام العالمي وللمنظمات الدولية المعنية بالسلم العالمي والاستقرار واحترام حقوق الإنسان . وقد آن الأوان لتسليط الضوء على جرائم الاحتلال وكشف حقيقة دولة إسرائيل الإرهابية تمهيداً لإنهاء الاحتلال .

توجه محكمة الجنايات الدولية لفتح تحقيق في جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين بناءً على طلب دولة فلسطين، حتى وإن جاء متأخراً، ومع المعرفة بأن حبل المحكمة طويل ومع دولة كإسرائيل المدعومة أمريكياً قد يطول التحقيق والمحاكمة لعقود، بالرغم من كل ذلك فإن فتح الجنايات لملف جرائم إسرائيل أمر مهم وخطوة جيدة في سياق نضال على جبهات متعددة ضد هذا الكيان العنصري .

وفي واقع الأمر لو كان هناك إنصاف وعدالة دولية حرة وموضوعية لجرت محاكمة قادة الحركات الصهيونية (أتسل، الهاجاناه، والإراجون) الذين مارسوا الإرهاب في فلسطين قبل 1948، ومحاكمة قادة الدولة الصهيونية على جرائمهم خلال حرب 1948 وما بعدها، بدءً من جرائم التطهير العرقي والتهجير القسري للفلسطينيين وتدمير أكثر من 400 قرية فلسطينية ومجزرة دير ياسين والطنطورة ...، إلى الجرائم ضد أهالي قطاع غزة مروراً بجرائم الاستيطان والتطهير العرقي في بقية الأراضي الفلسطينية .

ولو كان هناك عدالة دولية لتم محاكمة وإدانة بريطانيا التي أصدرت وعد بلفور ثم ثبتته كجزء من صك الانتداب البريطاني على فلسطين مما أطلق يد الصهاينة وسهل عليهم الهجرة لفلسطين والاستيطان فيها بحماية جيش الاحتلال البريطاني، ولو كان هناك عدالة دولية لتم محاكمة قادة الولايات المتحدة على سياساتهم الداعمة للإرهاب الصهيوني والمدافعة عنه في المحافل الدولية، ولو كان هناك عدالة دولية لتم إجبار إسرائيل على الخضوع لقرارات الشرعية الدولية ذات الشأن بالقضية الفلسطينية منذ قرار التقسيم 1947 إلى قرار حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره الوطني على أرضه وكل القرارات الأخرى حول القدس والاستيطان وجدار الفصل العنصري والعدوان على غزة الخ .

ولكن، لأن إسرائيل خارج سياق الزمان والمكان فإنها لا تعترف بالشرعية الدولية وقراراتها، وهذا ما يستدعي عدم رفع سقف المراهنة الفلسطينية على محكمة الجنايات الدولية، وألا يجلس الفلسطينيون ينتظرون جر قادة الاحتلال للمحكمة الدولية، وفي الوقت الذي يجب الاستمرار في ملاحقة إسرائيل في كل المحافل الدولية إلا أنه يجب في نفس الوقت عدم وضع كل البيض الفلسطيني في سلة هذه المراهنة، بل يجب اشتقاق طرق كفاحية أخرى لمواجهة إسرائيل وسياساتها على الأرض الفلسطينية بما هو ممكن ومتاح من إمكانات وبما يجعل الاحتلال والاستيطان أكثر كلفة ومحفوفاً بالمخاطر على المستوطنين وعلى دولة الكيان الصهيوني .

 

د. ابراهيم ابراش

 

 

 

صائب خليلجميع ثورات الربيع العربي المدمرة بدأت بمرحلة "سلمية" ولم تنقلب الى مرحلة العنف إلا في مرحلة لاحقة. وسواء كانت التظاهرات قد خططت من قبل جهة التدمير أو انها استفادت من مرحلة سلميتها، او كانت جزءاً منها، فهذا لا يغير الكثير في النتائج رغم اختلاف النوايا. السلمية تبقى بداية ضرورية، والسبب بسيط: السلمية لها ميزتين اساسيتين: الأولى هي قدرتها على جمع الزخم. فتظاهرات التخريب تحتاج الى زخم كبير لا تستطيع ان تجمعه إلا برفع شعارات شعبية وأهمها هي "السلمية".

أما الميزة الثانية للتظاهرات السلمية فهي انه يمكن قلبها الى تظاهرات عنيفة في وقت قصير جداً، من خلال القتل والعنف الذي يلقى على الجانب المقابل أو على الجانبين، ثم ليعلن عدم جدوى السلمية فتقلب الى عنيفة، ولتستخدم الزخم الذي جمعته لتحقق اندفاعاً يصل الى اهدافه قبل ان يتمكن الجانب المقابل من رد مقابل.

المشكلة الأكبر في العراق، انه ليس هناك "جانب مقابل"!

فمن يريد تحويل التظاهرات الى مرحلة العنف، هو نفسه من يملك السلطة على اجهزة الامن في البلاد، ويملك رئيس الحكومة في يده ايضاً! والدليل على ذلك هو الشلل غير المعقول للشرطة رغم قتل مئات المتظاهرين وبشكل مسرف في العنف. فلماذا لا نرى جهودا من الشرطة للحد من سلطة المتظاهرين وعنفهم ما يتناسب مع استعدادها لقتلهم، او اي شيء قريب منه؟ لماذا شاهدنا اعمال العنف في جامعة واسط بعد يومين من تهديد قائد شرطة المحافظة وإعلانه انه لن يسمح لعصابات "منع الدوام" من العبث بالمدينة!

هذا يؤكد ما ذهبنا اليه في مقالة سابقة، من أن الجرائم التي ارتكبتها القوات الحكومية بحق المتظاهرين، لم تكن تستهدف قمع التظاهرات بل اثارتها وتحويلها الى العنف. والدليل على ذلك كان ان جميع الذين تم اغتيالهم كانوا من السلميين الذين لا يشكلون خطراً على الحكومة بأي شكل، أو على الأقل ليس بالشكل المؤثر الذي يستوجب القتل. إضافة الى ذلك فحوادث العنف المتطرف مثل صولة عميل السفارة الامريكية جميل الشمري كانت ابعد ما تكون عن محاولة انهاء التظاهرة، ولم تحقق اي شيء سوى زيادة العنف. ولم يتم التعرف على اية شخصية أخرى من التي ارتكبت الجرائم البشعة ضد المتظاهرين سواه، رغم شيوع القاء اللوم على "الميليشيات" كما يسمونها.

بشكل عام، بدا وكأن القتل يتم لا بهدف انهاء التظاهرة او منع افرادها من العنف، وإنما بطريقة وكأن الهدف منها هو الحرص على ان يكون ذلك القتل بأبشع شكل ممكن! كما تم تصوير مشاهد لقتل غريبة عديدة، كلها تؤكد ان الغاية منه لم تكن دحر التظاهرات او ايقافها. هذا اضافة الى المؤشرات الخطرة الاخرى مثل كفاءة التظاهرات وتنظيمها غير المعتاد وكثرة الاموال المصروفة عليها باعتراف المشاركين بها من العفويين الصادقي الهدف.

وهنا يأتي السؤال الآخر: لماذا لم تلق الحكومة القبض على من يوزع الأموال في التظاهرة، خاصة وان بعضها توزع نقدا والكل يعرف بها، وتسألهم من يمولهم؟ هل يعقل ان هناك حكومة لا تهتم بمعرفة من يمول تظاهرات اسقطتها واستمرت لأشهر ونتج عنها حالة كل هذه الفوضى والقتل والكراهية؟ إلا إذا كانت الجهة التي تقود الحكومة، تريد استمرار التظاهرات ودفعها نحو العنف!

لقد قمت بقطع الفيديو للتخلص من الحشو الذي كان يشرح المتحدث به لماذا من الضروري ترك السلمية وكيف ان البلد ضائع، اختصاراً للوقت وللتركيز على زبدة ما يريد قوله. لا يمكن اثبات ان وراء هذا المحرض خطة كاملة، لكنه مؤشر خطير، وخطابه يبدو مرتباً وأنه مدرب عليه. وسوف يتبين الأمر قريبا إن تكرر أو كانت حادثة عابرة او قد لا تأتي برد الفعل المرجو فتؤجل عملية الإطلاق. في كل الاحوال، المؤشرات تبعث على القلق وتدعو للحذر، لشدة التشابه بين ما يحدث وبين ثورات الربيع العربي.

ولا يمتلك المرء الا ان يسأل نفسه ان كان هناك علاقة بين عملية الاغتيال الثنائية وساعة إطلاق مرحلة العنف. وفي كل الأحوال ايضاً، فإن تصرف الحكومة الذي لا يشبه تصرف اية حكومة مع التظاهرات، يجب ان لا يغيب عن البال مستقبلاً، فلا هي حكومة تتصرف بسلمية وحضارية مع التظاهرات، ولا هي تستخدم ذلك العنف بشكل موجه لإنهاء التظاهرات، بل لزيادة عنفها فقط!

هذه حقائق تبقى صحيحة ومريبة حتى إن لم ينفجر العنف، أما ان انفجر، فالسؤال الكبير هو: إلى من يجب ان يتجه الناس وحول اية نواة يتجمعون وهم لا يعرفون لمن تعود الحكومة والقوات الامنية؟

 

صائب خليل

............................

فيديو رجل يدعو لنبذ السلمية

https://www.facebook.com/saiebkhalil/videos/825872277875850/

 

ميثم الجنابيإن مآسي الأمم هو قدرها الذي يعتمل في أعماقها. بمعنى أن ما تعانيه بهذا الصدد هو الاستمرار الملازم لما فيها من نقائص. فالنتائج دوما محكومة بأسبابها. وهو تلازم يرتقي إلى مصاف الحتمية. وفيه تظهر ليس فقط حقيقة القدر بل وإمكانية البدائل للخروج من ربقته. فالقدر هو الوجه الآخر للقدرة. وعلى قدرها تتراكم حقيقة القدر في عقل وضمير النخب الاجتماعية والفكرية والسياسية. كما انه يتراكم في مواقف المجتمعات والأمم بأشكال ومستويات شتى تترامى من الخنوع لكل ما يجري إلى المواجهة والتحدي والاستعداد لتضحية بكل شيء من اجل ما تعتقده مقدسا في عقلها وضميرها، أي كل ما يرتقي في وعيها وضميرها إلى مستوى المجرد عن الابتذال. وفيما بين هاتين الحالتين، أي الخنوع إلى حد العبودية السافرة والتوكل الزائف على قيم أكثر زيفا، والاستعداد الدائم للمواجهة والتحدي مهما كانت الظروف والقوى الخارجية، تكمن أيضا قيمة النخب والأمم على السواء. وقد سبق للفكر الإسلامي وأن سجل هذه الحقيقة في عبارة مأثورة تقول "الناس على دين ملوكها"! ويمكن تأويل هذه الفكرة في ظروفنا المعاصرة على أن الأمم على دين نخبها بشكل عام والسياسية بشكل خاص. وذلك للدور الذي تلعبه النخب السياسية الآن في حياة المجتمع.

فالتطور التاريخي للأمم يسير في أشواط الانتقال صوب أولوية وجوهرية القيم والمبادئ والقوة الاقتصادية والثقافية. وهو تحول جوهري يجعل من السياسة، كما كان شأنها على الدوام، القوة العلنية في تحديد ماهية ومضمون القدر نفسه. بمعنى نقل حقيقة القدر من عوالم الغيب والسر اللاهوتي إلى ميدان الإرادة الفعلية للأمم ونخبها الفكري والسياسية.

وعندما نضع هذه المقدمة الفلسفية في الموقف من قدر العراق الحالي ومآسيه، فإننا نقف أمام حالة مزرية لقدرة نخبه السياسية وعجزها التاريخي عن تفعيل السياسة بالشكل الذي يجعلها قوة اقتصادية وثقافية قادرة على تذليل حالة البؤس الشامل فيه. بل يمكننا القول، بأن ظروف العراق الحالية بعد سقوط الصدامية تكشف عن إمكانية السير في نفس طريق الابتذال الذي ميز زمنه في مجرى النصف الثاني من القرن العشرين. ويكشف هذا الزمن عن استمرار حالة الابتذال لفكرة المبادئ المتسامية (الوطنية والحق والعدالة والنزاهة الاجتماعية وأولية المصالح العامة وما شابه ذلك). بل إننا نرى استفحال متوسع لهذا الانتهاك على خلفية الشعارات والإعلانات والدعاوى التي رافقت زمن الأحزاب السياسية التي صعدت إلى سدة الحكم بقوة الغزو الأجنبي والاحتلال. وتمثل هذه النتيجة الوجه الآخر لحالة الانحطاط الشامل في العراق، التي جعلت من الاحتلال أسلوبا لبلوغ وتحقيق الديمقراطية!

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام حالة من الانحطاط جعلت وما تزال تجعل من المغامرة أسلوب التفكير والممارسة السياسية. ذلك يعني أن النتيجة سوف تكون محكومة هنا بأسبابها أيضا. بمعنى أن النتيجة سوف لن تكون شيئا غير الاستمرار في زمن الخراب الانحطاط. فمن الناحية المجردة، يمكننا القول، بأن إدراك حقيقة التاريخ الكلي للعراق الحديث والنتائج التي أدت إليها التوتاليتارية الدكتاتورية الصدامية، كان ينبغي لها أن تصنع في وعي النخب السياسية القدر الضروري، أو الحد الأدنى من تأمل ما يمكن أن تؤدي إليه مغامرة الخروج عن فكرة الدولة الشرعية والوطنية والنظام الديمقراطي والثقافة الحرة. إلا أننا نقف أمام جهل أو تجاهل لتاريخه الحديث. فالتجربة الصدامية قد صدمت كل ما في العراق بشكل جعلته عرضة للتهشم والاندثار السريع كما لو انه كيانا هشا. مع أن العراق اعرق حتى من كل ما فيه! وتعكس هذه المفارقة مستوى الخراب والانحطاط الملازم لتقاليد الراديكالية الضيقة كما مثلتها الصدامية بصورة نموذجية! وهي نموذجية قادرة في الواقع على تعليم الحمير، بأن الخروج عن "الصراط المستقيم" في بناء الدولة لا مخرج له إلا الانزلاق في هاوية الانحطاط والخراب. ويرتقي هذا الحكم إلى ما يمكن دعوته بالبديهية السياسية. غير أن أحداث العراق الحالية ما بعد سقوط الصدامية يبرهن على أن البديهية السياسية ليست مفهومة أو معقولة أو سهله بالطريقة التي تبدو في ميدان الرؤية المنطقية والرياضية. والسر غاية في الجلاء، وهو أن "تاريخ" الانحطاط لا يشبه زمن السلطة! فزمن السلطة عرضة للتغير والتبدل الاندثار السريع، بينما "مآثر" الانحطاط أكثر رسوخا وتغلغلا في بنية الوعي والعلاقات الاجتماعية والسياسية. وهي الحالة التي تشكل مفارقة المأساة العراقية الحالية. إذ أننا نقف أمام نخب سياسية هي الوريث غير الشرعي أيضا لزمن الانحطاط! مما يجعل منها قوى ضعيفة وهشة في قدرتها على تمثل مصالح العراق الجوهرية.

فمن بديهيات الأمور في الفكر السياسي أن تكون قدرة النخبة السياسية أو الحزب السياسي على قدر ما فيهما من استعداد فعلي لتمثل المصالح الجوهرية للمجتمع والدولة والأمة. وفي الحالة المعنية على ما فيهما من قدرة على تمثل المصالح الجوهرية للمجتمع والدولة في العراق. فالأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية الشيعية العربية – قلبها في الحوزة، وعيونها إلى النجف وكربلاء، وأطرافها تعمل من اجل الاستيلاء على أجساد العرب لتحويلهم إلى طائفة(شيعية). والأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية السنّية العربية – قلبها ينبض فقط بالاقتراب من السلطة، وعيونها إلى عروبة مزيفة، وأطرافها تعمل من اجل الاستيلاء على أجساد العرب من اجل تحويلهم إلى طائفة (سنية). والأحزاب العلمانية العراقية (العربية) مشتتة القلب والأطراف، مهمومة بالتحالف الكاذب مع الآخرين، أما روحها فهو التأقلم مع تقاليد السرقة والابتزاز. والشيوعيون وأمثالهم لا قبلة لهم ولا دين بعد سقوط موسكو والشيوعية غير التأقلم مع "نحن" لا قيمة لها ولا معنى. والحركة الطالبانية الكردية – لا قلب لها ولا فؤاد غير السليمانية، ولا تتقن من الحكمة السياسية سوى لعبة المغامرة السياسية في بغداد وكركوك، أما أطرافها فسائبة مع الجميع وقوتها المصطنعة في رخويتها الفعلية. أما الحركة البرازانية الكردية فقلبها في اربيل، وعيونها متنقلة من ارث جبلي تقليدي إلى واشنطن وخدمها، وأطرافها متعاونة وخاذلة لأبناء جلدتها والآخرين.

إن هذه الأحكام القاسية في مظهرها لا تنفي وجود بعض فضائل هذه القوى، عند الجميع، بقدر ما أنها تشير إلى طبيعة النقص الجوهري عند النخب والأحزاب السياسية في العراق، بوصفها النتيجة الملازمة لزمن الانحطاط الشامل في الدولة والمجتمع والثقافة. إلا أن ذلك لا يقلل من مسئولية هذه الأحزاب والنخب، كما انه لا يزيل إشكالية القضية نفسها والقائلة، بأن قوى من هذا النوع ليست قادرة على تقديم وتحقيق بديل واقعي وعقلاني لتاريخ الخراب والانحطاط في العراق. ويمكن وضع هذه النتيجة في فكرة تقول، بان إذا كانت مآسي الأمم على قدر انحطاطها، فإن نجاحها على قدر ما فيها من نخب رفيعة المستوى ومجتمع حي هو مصدر وجودها ومعين إبداعها الأصيل. وبدون ذلك تصبح المأساة فعلا لا علاقة له بالعقل والضمير والإبداع. فالمآسي تصبح فضيلة فقط عندما تتحول إلى بلاء عظيم لقلوب أعظم، أي عندما تكون لقلوب الأمم كاللهب للذهب. الأمر الذي يجعل منها طاقة لتنقية القلوب والعقول.

ودروس التجربة التاريخية للعراق الحديث تكشف عن أن مصدر مأساته تكمن في عدم تكامله الذاتي. ويستحيل تحقيق هذا التكامل دون تكامل الأحزاب والنخب السياسية في رؤية وطنية واجتماعية واقعية وعقلانية. وعدم التكامل المشار إليه أعلاه هو الضعف الذي جعلت منه العقود الخمسة الأخيرة زمنا للتجزئة المغلفة بالوطنية الكاذبة والقومية الأكثر كذبا والتدين الأشد غشا. بحيث تحول العراق إلى كتلة متراكمة من التجزئة القومية الضيقة والعرقية والطائفية الآخذة في الصعود حاليا. ويمثل هذا الصعود عين السقوط. وفي أفضل الأحوال لا ينتج غير انحطاط آخر لا جديد فيه ولا معاصرة! كما انه لا يفعل إلا على استثارة النفسية الدموية ونزوعها التخريبي.

إذ لا يمكن للنزعات القومية الضيقة والعرقية والطائفية أن تحصل على إجماع وطني. كما أنها غير قادرة على الخروج من مآزقها الذاتي بوصفها أيديولوجيا المأزق التاريخي. من هنا ليس صعودها سوى الوجه الآخر لسقوطها التاريخي. وهي حالة عادة ما تميز الأبعاد الموضوعية في مرحلة الانتقال الكبرى من التوتاليتارية إلى الديمقراطية. مما يجعل من صعود القوى الممثلة لهذه النزعات شيئا أقرب ما يكون إلى كبش فداء. أنها كبش بالمعنى السياسي، وفداء بالمعنى التاريخي. وتنعكس في هذه المفارقة حالة العراق المعاصرة. بمعنى خروجه من نفق التجزئة التوتاليتارية المغلفة بالوحدة والدخول إليه من جديد باسم "الديمقراطية". بينما تفترض حقيقة الديمقراطية الفعل والعمل بمعايير المصلحة الاجتماعية وقوة الشرعية والقانون، وليس بمعايير ومقاييس الدعاوى الأيديولوجية.

 فالقومية الضيقة والعرقية والطائفية هي قوى مجزئة. مما يجعلها بالضرورة ضعيفة من حيث إمكانياتها الوطنية، ومنهكة في ثباتها الاجتماعي، وناقصة في عقلها العراقي. وديمومتها الوحيدة هي المؤقت والتأقلم. ولا تصنع هذه الديمومة ثباتا واستقرارا ديناميكيا للعراق. مما يحرفها بالضرورة عن فكرة الدولة الشرعية والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. مع ما يترتب عليه من استعداد دائم لاقتراف الرذيلة "السياسية" والتقلب فيها بمعايير ومقاييس العابر والمؤقت.

ومن حصيلة هذين الاثنين، أي الاستعداد الدائم للتأقلم والخيانة الاجتماعية يظهر "فداءها" التاريخي. بمعنى أنها منفذة المهمة التاريخية التي جعلت الانتقال من التوتاليتارية إلى الديمقراطية، ومن اللاشرعية إلى الشرعية مهمة مقرونة بالقوى الأجنبية الغازية للعراق، بينما هي مجرد أداتها السياسية الظاهرية. الأمر الذي جعل منها بالحقيقة والمجاز كبش الفداء التاريخي. وتستجيب هذه المهمة إلى ما فيها من استعداد للمرور بكل أوحال مرحلة الانتقال الوسخة في العراق، ولكن بوصفها قوة انتقالية من حيث مقدماتها وتاريخها وفكرها وذهنيتها ورؤيتها للمستقبل. وفي هذا يكمن سر المأساة التاريخية الحالية للعراق. بمعنى أن صعود قوى سياسية لا علاقة عضوية لها بتاريخ العراق ومضمون كينونته الثقافية إلى "قيادة" و"توجيه" حركة الانتقال التاريخي الكبير إلى الديمقراطية هو الثمن الذي ينبغي أن يدفعه العراقيون من اجل التطهير العقلي والأخلاقي للرذيلة التي جعلت من الممكن صعود مثل هذه القوى إلى هرم السلطة.

فالقوى المؤقتة والعابرة هي النتاج غير المباشر لزمن التوتاليتارية والدكتاتورية. بمعنى إنها نتاج مرحلة الانحطاط التام في بنية الدولة والنظام السياسي والثقافة والعلاقات الاجتماعية. من هنا واقع استمرار بنية الدولة التوتاليتارية في "مؤسسات" "الحكم المؤقت". فعوضا عن التوتاليتارية نرى براعم ومظاهر الاستفحال الشامل للنعرات العرقية والقومية الضيقة والطائفية الدينية والسياسية. وعوضا عن حكم الحزب والعائلة في النظام السياسي البائد نرى توسع المحاصصة نفسها على أسس القومية والطائفية والجهوية وليس على أساس الكفاءة والنزاهة كما نراه جليا في توزيع مناصب الوزارة والمؤسسات والفساد الإداري والمالي والأخلاقي. وكما كانت حال الثقافة والمثقفين زمن الاستبداد الشامل نرى معاداة الثقافة والمثقفين على أسس أيديولوجية قومية ودينية مزيفة. وكما كان الحال بالنسبة لإبعاد المجتمع عن إدارة شئون الدولة والرقابة نرى نفس التوجه العام عن الاستمرار الفعلي في تفتيت القوى المدنية وإحلال النزعات الجهوية والعرقية والطائفية.

أما النتيجة الحتمية لهذا السلوك فيقوم أيضا في استعداد هذه الأحزاب والنخب السياسية للخيانة الاجتماعية والسياسية. مما يشير بدوره إلى أنها لم تتعظ من تاريخ المأساة العراقية، وأنها مازالت تعيش في زمن الانحطاط، دون أن تعي بان الانحطاط دوامة مخرجها الوحيد: الزوال من مسرح التاريخ والاندثار من ذاكرة الأمم!

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

ميثم الجنابيإن احدى الحقائق الفكرية الكبرى، وإحدى البديهيات السياسية الكبرى تقوم في الإقرار، بأن الرجوع إلى النفس هو مفتاح الحلول الواقعية وأسلوب النجاح الفعلي لحل الإشكاليات التي يواجهها المرء والجماعة والمجتمع والدولة.

وتاريخ العراق الحديث ومآسيه العديدة، وانغلاق تطوره فيما مضى والعقود الأخيرة منه بشكل خاص تبرهن على أن الخروج على ما فيه هو سر سقوطه وانهياره.

فالحالة الواقعية للعراق الحالي تشير إلى انه يتعثر ويتمايل في خطاه وحركته ورؤيته. بحيث أصبح اقرب ما يكون إلى تجمعات وتراكمات متنافرة من حيث المصدر والأسلوب والغاية. الأمر الذي يشير إلى فقدانه لفكرة المرجعيات الكبرى، أي المرجعيات الجامعة التي تجعل من اختلافاته مصدرا للقوة والبحث، وليس للتخريب والانحطاط كما هو حاصل الآن.

أن فقدان المرجعيات الكبرى، او ما ادعوه بالمرجعيات المتسامية بالنسبة للقوى السياسية والنخب والمجتمع والدولة، عادة ما يؤدي إلى قلب حقائق الأشياء ومسار وجودها الطبيعي أيضا. بحيث تتحول حتى الأسماء إلى مضاداتها، مثل أن تتحول قائمة "العراقية" إلى كيان وأسلوب وغاية مناقضة لمرجعية العراق والهوية العراقية والدولة العراقية. بحيث يجري الاستعاضة عنه بالقوى الخارجية وتحويلها إلى "كعبة" الاستلهام "السياسي" في تحديد الموقف من الدولة الناشئة والمتراكمة في مجرى مخاض صعب ويتسم بقدر هائل من التعقيد والدرامية. الأمر الذي يشير إلى فقدان بوصلة الفكرة العامة المتعلقة بالوطن والدولة، مع ما يترتب عليه من إخضاع كل شيء لمصالح ضيقة وأنانية هي بحد ذاتها نموذج للخروج على النفس. ومن ثم تحتوي في أعماقها على ما أدت إليه "سياسة" الدكتاتورية الصدامية في جل العراق فريسة التدخل الخارجي والحصار والتدمير والانحطاط والاحتلال الأخير.

بعبارة أخرى، أن تجربة العراق المريرة والمأساوية التي أدت إلى الاحتلال تبرهن على أن الخروج على ما فيه هو سر خرابه المادي والمعنوي. وبالتالي، فإن البديل الواقعي والضروري الوحيد هنا هو المشروع المستقبلي الذي يؤسس لكيفية رجوع العراق إلى نفسه. وهو مشروع يستحيل بلوغ أهدافه دون إعادة بناء هويته الذاتية الاجتماعية والوطنية والقومية.

فقد كان الاحتلال الأمريكي للعراق دليلا على خروج نظامه السياسي ونخبته "القائدة" آنذاك والمتمثلة في التوتاليتارية والراديكالية على مرجعية العراق الكبرى الوطنية والاجتماعية والقومية وفكرة الدولة. مما يشير بدور إلى أن الاحتلال الأمريكي له قد كشف أيضا عن طبيعة الخل البنيوي للقوى السياسية جميعا. وإذا كان التاريخ لا يعرف قانونا صارما، فإنه يبرهن مع ذلك بصورة دائمة على أن الخروج على الحكمة السياسية يؤدي بالضرورة إلى الجحيم. وليس هناك من جحيم بالمعنى التاريخي والسياسي والأخلاقي أقسى من جحيم الانحطاط والتفكك الوطني مع ما يترتب عليه من حتمية ظهور مختلف أشكال الصراع والحروب غير العقلانية.

إن تجربة العراق المعاصرة تكشف وتبرهن بقدر واحد على هذه الحقائق. وبالتالي، فإن البديل العقلاني العراقي الممكن يصبح مشروعا واقعيا وقابلا للتحقيق حالما يجعل من هذه الحقائق بديهيات سياسية عملية لكي يتكامل الجميع بمعايير الرؤية الوطنية وتحقيق مصالحهم من خلال مصالح العراق العامة. 

إن مشكلة العراق الجوهرية ليست في كيفية خروج قوات الاحتلال (التي يدعو البعض لإرجاعها إليه تحت شعار "عدم اكتمال الديمقراطية" و"الخوف من الدكتاتورية" وما شابه ذلك من أغطية تعكس أولا وقبل كل شيء عمى العقل والقلب والضمير)، بل في كيفية رجوعه إلى نفسه. ولا ينبغي لهذا الرجوع أن يشبه في شيء رجوع "قوى الخارج" الأولى التي تعيش وتعتاش بقدر واحد على سرقة الحاضر والمستقبل باسم الشراكة السياسية والعمل بمقاييس المعارضة الخنيثة الخبيثة!

إن المهمة الكبرى القائمة أمام العراق ونخبه السياسية المحكومة والمهمومة بفكرة المرجعيات الكبرى للدولة والأمة تقوم في رجوعها المحكوم بفكرة الوطنية العراقية والمصالح العليا، أي بفكرة مركزية الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي. حينذاك فقط يمكن رمي كل مشاريع قوى الاحتلال والرجعيات العربية (السعودية بشكل خاص) في مزبلة الزمن السياسي. أما تأسيس هذا الرجوع إلى النفس، فانه يفترض ربط فكرة الوطنية العراقية والرؤية الواقعية العقلانية وفكرة الدنيوية (العلمانية) في كل واحد، ووضعها في أساس مشروع البديل الوطني الاجتماعي العراقي. فهو المشروع القادر على تذليل مصادر الخراب الكامنة والفاعلة في مثلث الاحتلال والطائفية السياسية وعرقية الأقليات القومية.

***

ميثم الجنابي 

 

قصي الصافيربما يكون من باب المصادفة ان تنطلق انتفاضتا الشعب العراقي والشيلي في نفس التوقيت، ولكن مالا يمكن ان يكون مصادفة تشابه الانتفاضتين لا في أهدافهما الرئيسية فحسب، بل في آليات التعبئه والتنظيم والتعبيرات الرمزية التي تشهدها ساحات الاحتجاج.

وأنا أقرأ توصيف الصحافية مونيكا غونزاليس لانتفاضة تشيلي في مقابلة مع صحيفة (ذي نيشين) خيل لي انها تتحدث عن انتفاضة تشرين في العراق. تصف ما شهدته في ساحة ايطاليا بسانتاياغو (سميت الآن ساحة الكرامة) وكأنها تصف ساحة التحرير في بغداد فتقول : انني لم أر في حياتي من قبل تلك الملايين من الشباب الذين يتحدون النظام بشجاعة منقطعة النظير، دون أن تكون لهم خلفيات إيديولوجية أو انتماءات سياسية، فقد اعتدنا في السابق أن نرى تظاهرات محدودة لأحزاب أو قوى معارضة تحمل أعلامها وشعاراتها، الا ان هؤلاء الشبان يصرون على رفض أي علم سوى العلم الوطني. إنها صحوة عظيمة ومفاجئه لشعب تفتحت عيونه، وربما كان ذلك سبباً في أن قناصي السلطة يتعمدون التصويب على عيون الشباب حتى أطفئت عيون المئات ومنهم من أصابه العمى، لقد أدرك فقراء الشعب العلاقه بين معاناتهم في الحياة والفساد المستشري في النظام عبر التخادم مع الشركات الاجنبيه والمحلية، والعمولات والرشاوي التي تورط فيها جميع اعضاء البرلمان والسياسيين. باسم حرية السوق والخصخصة تركزت الثروة بيد فئة قليلة ممثلة بالشركات الكبرى والطبقة السياسية الفاسدة المتخادمة معها مقابل إفقار الشعب. لقد كانت لدينا مؤسسات رعايه اجتماعيه وتوزيع عادل نسبياً للثروة وديمقراطية حقيقية قبل عام1973، كل ذلك قد فقدناه مع انقلاب المخابرات المركزية الامريكية وتنصيب الدكتاتور العسكري بينوشيت، واستمرت الحكومات المتعاقبة بعده على ذات النهج ونفس الدستور والقوانين، التي مكنت كبريات البنوك الاجنبيه والشركات الكومبرادورية من السيطرة على كل مرافق الدولة عبر الخصخصة، وتسترسل قائلةً : حين يردد الاعلام الغربي قصة نجاح الاقتصاد الحر في تشيلي انما يعني نجاح الشركات الكبرى والبنوك الاجنبيه في استغلال ابناء الشعب، حيث تم خصخصة كل شئء من التعليم الى الصحة والتقاعد والتأمين الاجتماعي ومناجم النحاس والمعادن والصناعه والزراعة والخدمات، لا شئء توفره الدوله للمواطن، إما أن تكون غنياً فتدفع للتعليم والصحة وباقي الخدمات، أو ان تصارع الجهل والمرض والحرمان. ان الشباب مصرون على عدم العودة الى بيوتهم دون ازاحة الطبقة السياسية الفاسدة وصياغة دستور من قبل الشعب بدل الدستور الحالي الذي تم فرضه من قبل الولايات المتحدة بعد الاطاحة بحكومة الليندي عام 1973 والذي ما زال سارياً، ويطالبون أيضا بصياغة قانون انتخابات عادل بدل قانون الدكتاتور بينوشيت، وقد أثار إصرار الشباب رعب الرئيس الملياردير بنيرا والطبقة السياسية التي بدأت بتهريب أموالها خارج البلاد. وتعبر الصحفية عن دهشتها لما تسمعه في شوارع سانتياغو من أغاني ثورية لفناني المقاومة التي تعود الى فترة الدكتاتور بينوشيت، أغاني فكتور جارا وسيرجيو اورتيجا إضافة الى النشيد الوطني القديم لحكومة سلفادور الليندي، مما يشيرالى ادراك الشعب ان منظومة الفساد وسر معاناتهم تكمن جذورها في المشروع الامريكي بعد الاطاحة بحكومة الليندي المنتخبة .

 على شاكلة البرلمان العراقي أصدر البرلمان التشيلي قوانين ضد الفساد، ولكن لم يعتقل أو يحاكم أيا من الفاسدين.

في البداية كان للاحتجاجات في البلدين طابعاً مطلبياً، فكانت في حالة العراق للمطالبة بالوظائف وتوفير الخدمات وتحسين الاحوال المعيشية، أما في شيلي فقد بدأت احتجاجاً على زيادة اسعار مترو الانفاق، والذي يعتبر عصباً رئيسياً في الحياة اليومية للفقراء وابناء الطبقة الوسطى، ثم ارتفع سقف المطالب في الاتتفاضتين لأعادة صياغة الدستور وقانون الانتخابات وتغيير المنظومة السياسية بكاملها.

يبدو تفسير التشابه للوهلة الاولى عصيا، فالبلدان تفصلهما مسافة شاسعة جغرافياً وتاريخياً وثقافياً، العراق مثلاً لا يتكئ على ارث ديمقراطي حقيقي، بينما تمتلك تشيلي تجربة ديمقراطيه عريقة تعود الى عشرينيات القرن الماضي قبل إجهاضها بالانقلاب العسكري الذي نفذته وكالة المخابرات الامريكي عام1973.

 رفض الانتفاضتين للطبقة السياسية الفاسدة وماتتحصن به من دستور وقوانين، يشير بوضوح الى رفض مخرجات المشروع الأمريكي في كل من البلدين، وقد زعمت الولايات المتحدة في الحالتين انها تهدف الى اطلاق الحريات ودمقرطة النظام السياسي، الزعم الذي قد يلقى في حالة العراق ترحيبا وتحمسا لدى الكثيرين، على اعتبار ان المشروع قام على انقاض نظام دكتاتوري متوحش، بل ان فريقاً مازال يبحث عن شتى المبررات لتبرئة أميركا من النتائج الكارثية التي آلت إليها اوضاع البلد والمنطقة، متناسين ان الدولة الراعية لمشروع سياسي هي الوحيدة المسؤولة عن إدارته وبالتالي هي المسؤولة عن مخرجاته بالبداهة.

أما في حالة تشيلي فقد تكشفت منذ الساعات الاولى فاشية الدكتاتور الذي نصبته المخابرات المركزية، والذي انتهى به المطاف الى المحاكمة الدولية لما اقترفه من جرائم بحق شعبه، ولكن بقي الدستور وحزمة القوانين التي حكم بها البلاد سارية المفعول الى اليوم. وقد جاء دستوره الأميركي كأطار قانوني لأطلاق يد الشركات والبنوك الاجنبية التي استشعرت حينذاك بتهديد مصالحها من قبل برنامج حكومة الوحدة الشعبية وحزمة الضوابط والالزامات الماليه التي ستفرض عليها، اضافه الى شبح تأميم بعض الصناعات، ولم يكتف الدستوربتقديم التسهيلات للشركات والبنوك فقط، بل ان المادة رقم8 منه تجرم قانونيا الافراد والحركات والاحزاب التي تدافع عن الحقوق الاقتصادية للفقراء والمهمشين، اذ تنص المادة على أن من يسهم في اثارة (الحرب الطبقية) يتعرض للعقوبات القانونية ولا يحق له التصويت أو الترشيح في الانتخابات.

لقد أعلن االمنتفضون في العراق وتشيلي أنهم يريدون وطناً مستقلاً، وشعباً حراً يقوم بصياغة دستوره وقوانين بلاده بنفسه، لا أن تفرض عليه من قبل قوى خارجية.

 

قصي الصافي