بكر السباتينكانت بيروت غافية والأنظار متجهة نحو المستقبل الغامض في ظل انهيار لبنان اقتصادياً، والعقول الملجمة تخزن الأسئلة كبراميل الأمونيا.. "من يسعى إلى تدمير اقتصاد لبنان! ولمصلحة من! هل لسلاح المقاومة شأن في ذلك! هل تقف ما يسمى بإسرائيل وعملاؤها العرب في الخليج وراء ذلك بالتنسيق مع تل أبيب.. مثلاً!؟ أليس الفساد المستشري في لبنان له بواعث من عفن الدولة العميقة المتمثلة بالحكومة التي يتقاسمها الفرقاء واللصوص!؟ كم من العملاء المجيرين لكل الأجندات في لبنان المنتهك الجريح ممن سمحوا لجعل لبنان ساحة مباحة للصراع الإقليمي والدولي عبى صعيدي الإرهاب والتضليل الإعلامي!

وبغتة انفجرت الأسئلة في العقول حينما دوّى انفجاران متعاقبان في العنبر 12 في ميناء بيروت.. واستيقظ الشعب اللبناني المغبون على كارثة شبيهة بهروشيما.. انفجار أولي أثار الدهشة وجذب الأنظار وأعطى متسعاً لعدسات التصوير كي توثق مشهد الانفجار الثاني المزلزل المفاجئ، والذي بدا كأنه حبة فطر مفرغة من الداخل.. ذكرتنا بالقنبلة النووية التي ألقيت على اليابان نهاية الحرب العالمية الثانية بقرار أمريكي، فنجم عن انفجار بيروت بلمح البصر دمار شامل امتد لعشرات الأميال؛ فطيّر العقول وبعث الرعب في القلوب الواجفة.

ما زالت المعلومات الأولية تغذي الأسئلة بالمعطيات.. مع أن كل الشواهد تشير إلى تداعيات الموقف بين حزب الله من جهة، ودولة الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى، دون تبرئة الفساد والتسيب والإهمال الحكومي الذي ساعد على حدوث هذا الانفجار المرعب الثلاثاء الماضي.. فمن المسئول عن تخزين المواد الخطيرة في العنبر 12! هنا يكمن السؤال الأخطر في هذا الحدث الجلل.. الذي أدى إلى سقوط 73 قتيلا وأكثر من 3700 جريحاً بحسب السلطات، فتحولت المستودعات في مرفأ بيروت الى ركام. بحيث شوهدت في كل شوارع العاصمة وأحيائها، سيارات مدمرة متروكة في الطرقات، وجرحى تغطيهم الدماء، وزجاج متناثر في كل مكان. ووصل تحطم الزجاج والخراب الى الضواحي والى مناطق بعيدة نسبيا عن بيروت. ووقع الانفجار بعيد الساعة السادسة مساء. وبعد ثلاث ساعات لم يتوقف صوت سيارات الإسعاف، وهي تجوب كل أنحاء العاصمة ناقلة المصابين الى المستشفيات، بينما انتشرت صور مرعبة لدمار في كل مكان، وساد هلع بين المارة.

وأكد مصدر أمني لبناني أن الانفجاران ناجمان عن “انفجار مستودع يضم كميات من نيترات الأمومنيوم”.

وقال مسؤول أمني لبناني كبير إن حوالي 2700 طن من نترات الأمونيا تسببت في الانفجار.

وأشار مصدر أمني لوكالة فرانس برس إلى أن هذه المواد مصادرة منذ سنوات من باخرة أصيبت بعطل في مرفأ بيروت، “ما دفع بالقيمين عليها إلى نقلها إلى العنبر رقم 12 في المرفأ”.

وأضاف “منذ عام بدأت ترشح من الشحنات مادة شديدة الانفجار”، مشيرا الى أنه لم تتم “متابعة المسألة بالشكل المطلوب” وهذا إهمال واضح تدان به الحكوم.

وتعهد رئيس الحكومة اللبناني حسان دياب في كلمة ألقاها مساء عبر شاشات التلفزة، محاسبة “المسؤولين عن كارثة”.

وقال “ما حصل اليوم لن يمر من دون حساب. سيدفع المسؤولون عن هذه الكارثة الثمن”، مضيفاً “ستكون هناك حقائق تعلن عن هذا المستودع الخطير الموجود منذ 2013، أي منذ ست سنوات”... بعض المصادر أشارت إلى أن الباخرة المحملة بالأمونيا والتي تم مصادرة محتوياتها .

فصول القصة تعود إلى خريف عام 2013، في عهد رئيس الوزراء اللبناني سعد الدين الحريري حين أبحرت السفينة روسوس التي ترفع علم مولدافيا من ميناء باتومي الجورجي متجهة إلى موزمبيق (وفي رواية أخرى زامبيا)، وعلى متنها 2700 طن من مادة نترات الآمونيوم.

قبل أن تكمل السفينة وجهتها، طرأت مشاكل فنية، كان من الضروري معها أن ترسو في مرفأ بيروت، ولكن السلطات اللبنانية منعتها من الإبحار.

وهناك رواية أخرى مختلفة قليلاً بأن السفينة عرّجت على مرفأ بيروت، حيث خضعت لفحص فني من قبل سلطات المرفأ، وقيل إن الخبراء اكتشفوا عيوباً كبيرة بالسفينة وقرروا منعها من مواصلة رحلتها.

وبعد عدة تعقيدات تخلى مالك السفينة عنها وعدة دائنين تقدموا بدعاوى ضدها.

ولم يسمح لطاقم السفينة بمغادرتها بسبب تعقيدات الفيزا.

وبعد سلسلة دعاوى قضائية تركزت على مصير طاقم السفينة المحتجزة، تمت تسوية هذا الجانب من القضية.

المحاولة تكللت بالنجاح وأصدر القاضي أمراً طارئاً، بعده بوقت قصير غادر البحارة بيروت.

وفي حين أصرّ الجانب اللبناني على عدم السماح بنقل شحنة نترات الآمونيوم التي تمت مصادرتها وتخزينها في مرفأ بيروت.

وتواصل عقب ذلك صمت مالك السفينة الذي تخلى عن ملكيتها، وتُركت مسؤولية الشحنة شديدة الانفجار على عاتق السلطات في مرفأ بيروت.

ويرجح أن تكون إشكاليات قانونية قد حالت دون بيع شحنة نترات الآمونيوم في المزاد العلني، باعتبارها السبيل الوحيد للتخلص من تبعاتها الخطرة.

وفقاً لبعض التقارير، فإنه وبسبب مخاطر الإبقاء على شحنة نترات الآمونيوم في السفينة تم تفريغها وتخزينها في مخازن في ميناء بيروت في 2015 بانتظار أن يتم طرحها هي والسفينة في المزاد.. وقد استمرت أزمة شحنة الأمونيا ولم يتم معالجتها رغم تعاقب الوزارات عليها.. منذ عهد سعد الحرير الذي تكرر وجوده مروراً بنجيب ميقاتي وتمام سلام وصولاً إلى رئيس الوزراء الحالي حسان دياب الذي أنيطت به مواجهة عاصفة من الأزمات المتعاقبة.. فمنذ ذلك الوقت، ظلت الشحنة مخزنة، ضمن شروط لا تراعي معايير السلامة، رغم خطورة ما تحويه، وهو ما يمكن تأكيده في طلبات وجهت إلى القضاء المستعجل، في أكثر من تاريخ منذ عام 2014 في عهد نجيب ميقاتي، لإعادة تصدير المواد المخزنة، أحدها لمدير عام الجمارك السابق شفيق مرعي. الذي يحمله اللبنانيون مسؤولية المشكلة حتى وصل الأمر ببعضهم إلى المطالبة بإعدامه عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ونستخلص من تداعيات أزمة السفينة روسس وتداعياتها منذ عام 2013 وصولاً إلى انفجار بيروت الأخير بأن حزب الله لا علاقة له بحادث الانفجار كما يروج إعلام الإمارات والسعودية وذبابهما الإلكتروني.. والقضية برمتها تتعلق بتخبط القرارات ذات العلاقة بأزمة مخزون الأمونيا، وعلى كافة المستويات في إطار الدولة العميقة التي تترع بالفاسدين وتجاذباتهم الجهوية والطائفية.. ويؤكد هذا التخبط ما قاله مدير مركز الارتكاز الإعلامي، سالم زهران عبر حسابه الرسمي في تويتر: "منذ 6 اشهر في أن أمن الدولة رفع تقريراً عن خطورة المواد ووجود فجوة في العنبر، واليوم وقع "‫انفجار بيروت" أي أن الإهمال هو سيد الموقف وإن تعددت الأسباب.

وبحسب وسائل إعلام محلية، فقد نقل متحدث باسم المجلس الأعلى للدفاع عن دياب قوله خلال جلسة طارئة للمجلس: "من غير المقبول أن تكون هناك شحنة من نترات الآمونيوم تقدر بـ2750 طناً موجودة منذ ست سنوات في مستودع من دون اتخاذ إجراءات وقائية". وهذا الكلام لم يقنع اللبنانيين الذين طالبوا عبر مواقع التواصل الاجتماعي باستقالة الرئيس والحكومة ومحاسبة كل من له علاقة بالحادث الأليم.

أما عن الأسباب المباشرة التي أدت إلى الانفجار فإن ثمة رواية أمنية غير مؤكدة تقول إن الانفجار وقع أثناء عملية التلحيم لباب العنبر 12 وتطايرت شرارة وأدت إلى اشتعال مفرقعات موجودة في العنبر نفسه، أدت بدورها إلى انفجار كميات الآمونيوم"، مع الإشارة إلى أن 2750 طناً منه هذه المادة توازي 1800 طن من مادة "تي إن تي". وهذا غير مقنع.. لعدة أسباب.. أولها أن جميع الشهود المباشرين على الحدث أبيدوا عن بكرة أبيهم.. ولا توجد تقرير إدارية موثقة تثبت ذلك.. تانيهما أنه لو صحت هذه الرواية لحدث انفجار واحد خلافاً للحقيقة التي أعلنت عن نفسها بوجود انفجارين الأول منهما تسبب بالثاني.

وفي تقدير غالبية المراقبين أن الانفجار حدث بفعل فاعل.. وتشير أصابع الاتهام إلى ما يسمى بإسرائيل؛ لعدة اعتبارات.. أولها أن حمولة السفينة من الأمونيا ووجهتها كانت مكشوفة للموساد لأن الأزمة بشأن السفينة التي تفجرت عام 2013 كانت تفاصيلها مكشوفة إعلامياً على الملأ .. ثانيهما "نفسيّ" يقوم على مبادرة تل أبيب - قبل اتهامها- إلى نفي ضلوعها في انفجار بيروت بحسب ما جاء في إذاعة الجيش الإسرائيلي..حيث أفادت “القناة 12” العبرية نقلاً عن مسؤولين سياسيين رفيعي المستوى قولهم إنه “لا علاقة لإسرائيل بالانفجار الذي هزّ العاصمة اللبنانية بيروت”؛ لينطبق عليها المثل القائل "إللي على رأسه بطحة يحسس عليها"

ثالثهما ما يمكن وصفه بأذكى رسالة إسرائيلية بعد انفجار بيروت وجهت إلى حزب الله جاءت من خلال فيديو انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لمّح فيه نتنياهو بأن على حزب الله أن يفهم "الرسالة".. وهي شبيهة برسائل نتنياهو إلى إيران حينما اتهم بأنه يقف وراء التفجيرات الغامضة في طهران.. ولا بد لهذه الرسالة أن تكون بحجم انفجار بيروت بحيث يمكن لها أن تردع حزب الله! وقد أعقب بث هذه الرسالة نفي الاحتلال الإسرائيلي لمسؤوليته عن الحادث لا بل أبدى الإسرائيليون استعدادهم لتقديم المساعدات الطبية للبنان في تمويه للجريمة فبدت المراوغة مكشوفة.

رابعهما أن أجهزة الرصد الإسرائيلية ومنذ بداية الأزمة السورية ترصد حركة سلاح حزب الله من مطار دمشق وصولاً إلى مستودعات حزب الله في لبنان.. وكانت تعالج الموقف بقصف حمولاته في دمشق أو تظل تلاحقه حتى يختفي في لبنان..  مع أن الانفجار الضخم حصل في مستودعات للأمونيا موجودة في العنبر 12 في ميناء بيروت ولا علاقة له بسلاح حزب الله كما يروج له إعلام صفقة القرن، إلا أنه يؤكد أن أجهزة الرصد الاستخبارية الإسرائيلية تراقب كل التحركات العسكرية في لبنان.. وهي أهداف إسرائيلية محتملة.. ومخزون الأمونيا كان أهمها.. حيث مثل خيار نتنياهو للرد غير المباشر على تهديدات حزب الله الأخيرة.. في إطار رسالة كان حريصاً على إيصالها إلى حزب الله دون أن تؤكد مسؤولية الكيان الإسرائيلي عن الحادث.. وهذه مراوغة إسرائيلية مكشوفة.. حيث نجم الانفجار الأول كما يتوقع مراقبون عن قنبلة موقوتة أو صاروخ إسرائيلي أدى إلى حدوث الانفجار الكارثي الثاني.. إنها كارثة تسبب بها كيان الاحتلال الإسرائيلي.. وهذه حقيقة دامغة وإن حيدها إعلام الأجندات الخارجية من أتباع صفقة القرن، الذي يحيل أسباب الانفجار إلى جهات لبنانية! تحديداً حزب الله.. عجبي.

 

بقلم بكر السباتين..

8 أوغسطس 2020

 

 

علاء اللاميلا يخلو قرار الرئيس التركي أردوغان، والمؤسسة القضائية التركية، تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد مجددا، من البُعد والدوافع السياسية والطموحات الانتخابية للرئيس الذي أخذت أسهمه في مقاييس الشعبية - كما قالت تقارير صحافية تركية - بالتراجع لأسباب كثيرة. وقد يحتج البعض لتأكيد صحة قرار أردوغان بتحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد بكونه كان أصلا كنيسة اشتراها السلطان العثماني محمد الفاتح بعد فتحه القسطنطينية في القرن الخامس عشر الميلادي، ولأنَّ القرار - في نظر هذا البعض - شأن تركي داخلي ومن مشمولات السيادة التركية. ولكن الرافضين لهذا القرار لم يتوانوا عن الرد بأن دور العبادة لا تباع ولا تشترى من حيث المبدأ، وأن قرار أردوغان قرار سياسي ذو دوافع سياسية انتخابية ودينية طائفية عدوانية.

أعتقد أن حجج الجانبين، المؤيد والرافض للقرار، يتعلق بجزئية صغيرة من الموضوع وليس بجوهره التاريخي والاجتماعي، فسواء صحَّ أم لم يصحْ مبدأ شراء دور العبادة - وبالمناسبة، فهو مبدأ معمول به في عصرنا، وهناك كنائس عديدة معروضة للبيع وقد اشترت جمعياتٌ وجماعاتٌ مسلمةٌ في أوروبا بعضها وحولتها الى مساجد أو مصلَيات- وقد شاهدتُ إحدى الكنائس المعروضة للبيع بعيني في مدينة سانت إتيان الفرنسية، وهي ما تزال معروضة للبيع حتى الآن، وهناك كنيسة أخرى معروضة للبيع في حي ليزوفيف بمدينة جنيف - أقول سواء صح أم لم يصح دينيا وأخلاقيا وقانونيا، فهذا لا يغير شيئا من التاريخ الحقيقي لآيا صوفيا ولا من سياقات القرار الحكومي التركي ودلالاته.

 بُنيت كاتدرائية آيا صوفيا سنة 573 م، كدار عبادة كبرى ورمز مهم للمسيحيين الأرثوذوكس البيزنطيين، ولكنها تعرضت للعبث من قبل الصليبيين الكاثوليك خلال حملتهم الصليبية الرابعة سنة 1204 بقيادة دوق البندقية أنريكو داندولو، وحولوها إلى كنيسة كاثوليكية، وتعرضت المدينة آنذاك للحرق والسلب والتدمير وتعرض أهلوها للقتل ونساؤها للاغتصاب، وعندما توفي داندولو دفنه أصحابه في هذه الكاتدرائية، وبعد نصف قرن تقريبا، وتحديدا في سنة 1261 استرد البيزنطيون الأرثوذوكس عاصمتهم القسطنطينية من الصليبيين وطردوهم من مدينتهم ونبشوا قبر داندولو رموا عظامه للكلاب كما كتب المؤرخون!

وبعد سقوط الدولة البيزنطية ودخول العثمانيين عاصمتهم منتصرين سنة 1453م، اشتراها السلطان من رهبانها وقساوستها وحولها الى مسجد، والشراء يبقى أفضل من الناحية الأخلاقية والمعنوية من اعتبارها غنيمة حرب ومصادرتها وتحويلها إلى مسجد دون تعويض. ويمكن اعتبار ما فعله الفاتح بشراء كاتدرائية "آيا صوفيا"، بعد فتحه لمدينة القسطنطينية واستباحتها وارتكاب المجازر فيها، هو مجرد فعل رمزي لتخفيف وطأة هذا الفعل المتكرر في تاريخ الحروب، وذلك بسبب انتفاء العدالة والحرية من شروط عقد البيع والشراء بين الغازي المنتصر والمغزويين المهزومين. ففي جميع الأحوال لم يكن للبائعين وهم رهبان وقساوسة الكاتدرائية حق رفض عرض السلطان المنتصر بالشراء، وهذا بحد ذاته مُبطِلٌ لشروط البيع والشراء الحر والعادل، ولكن هذه التفاصيل تتعلق بالماضي وليس لنا منها إلا العِبر ومحاولة فهم التاريخ بطريقة صحيحة وأقرب إلى الحقيقة.

وبعد أن تحولت آيا صوفيا إلى مسجد، وبقيت بهذه الصفة لعدة قرون - وأستدرك هنا فأقول، إن هذا بحد ذاته يدحض قول القائلين (إن أردوغان قرر تحويل الكنيسة الى مسجد) وهذا خطأ تاريخي ومغالطة للوقائع، فالفاعل الحقيقي ليس أردوغان بل السلطان محمد الفاتح - وبسبب انهيار السلطنة العثمانية وقيام جمهورية أتاتورك، تقرر إغلاق المسجد الذي ظل مسجدا لأكثر من أربعة قرون ونصف، وذلك سنة 1931م، ثم افتتح ولكن كمتحف بعد أربع سنوات. ولا يمكن استبعاد احتمال أن يكون مصطفى كمال آتاتورك قد قرر تحويل المسجد إلى متحف، ولا يُستعَبد أن ذلك تم بناء على شروط أو ضغوط غربية فُرضت عليه خلال بناء دولته التركية الجديدة وبما يتسق مع نهجه العلماني الذي يعتبر من النوع العلماني المتطرف على النمط الفرنسي.

واليوم، يأتي قرار أردوغان ليعيد المتحف الى طبيعته السابقة كمسجد. إن هذا القرار لا يخلو من الدوافع السياسية والانتخابية، وبما يرسخ النزعة الإسلامية السلطانية لديه ولدى قيادة حزبه، ولكن النزوع أو الدافع السياسي للقرار قد يفسره، ولكنه لا يحكم عليه بالرفض والقبول. ولو وضعنا القرار في سياقه التاريخي الحقيقي اليوم، لتوصلنا إلى فهم أعمق للموضوع ولخرجنا باستنتاجات أكثر معقولية وفائدة: فالعالم، وخصوصا إقليمنا يعيش حالة من التوتر والاستقطاب الديني والطائفي التي أطلقتها مأساة الشعب الفلسطيني بقيام دولة دينية صهيونية مفتعلة في فلسطين المحتلة وانتشار الحركات السلفية الانتحارية التي انطلقت بمساع أميركية في أفغانستان الثمانينات من القرن الماضي وبلغت ذروتها في مجازر داعش في العراق وسوريا، والاستقطاب الطائفي "الشيعي السني" الذي تحول إلى اقتتال بعد الغزو الأميركي في العراق وإقامة نظام محاصصة بين الطوائف؛ إن كل هذه الظروف تجعل قرار أردوغان سلبيا في التقييم العام، وليس لمصلحة شعوب المنطقة الطامحة للسلام والخلاص من الهيمنة الغربية الإمبريالية، وسيصب القرار زيتا على نيران الاستقطاب والتوتر الديني والطائفي دون أدنى مبرر سوى الربح الانتخابي والأطماع البونابرتية لأردوغان نفسه.

إن أردوغان بتجربته القيادية الداخلية الناجحة تركياً ضمن إطار الاقتصاد الدولاري، يريد أن يدخل التاريخ بحروب الوكالة والتدخلات المسلحة في عدة بلدان كسوريا وليبيا والعراق، والترويج لأحلام العصافير السلطانية البائدة، واستعادة ولايات عثمانية سابقة كالموصل وكركوك العراقيتين وحلب السورية وغيرها من مدن ومناطق في دول أخرى، مستغلا اقتراب مناسبة مرور قرن على اتفاقية لوزان الموقعة سنة 1923، أي بعد أقل من ثلاث سنوات، وتحديدا في سنة 2023، وهو ما قد يسمح لتركيا بالمطالبة بتعديلها كما أعلن أردوغان، وبتجديد مطالبه في ضم وإلحاق مدن وولايات عثمانية سابقة هي اليوم جزء وطيد من أوطان أخرى وجزر يونانية، وهذا ما ينبغي أن ينتبه إليه الوطنيون الاستقلاليون في بلدان المنطقة، بما فيها تركيا، ليشكلوا جدار صدٍّ أمام أطماع وخطط أردوغان وتفادي الحريق القادم.

إن اتفاقية لوزان 1923، التي يسميها البعض اتفاقية "لوزان الثانية" وهي ألغت اتفاقية سيفر 1920 وعلى أساسها تم الاعتراف الدولي بالجمهورية التركية. وهي لا تذكر أسماء المدن والمناطق بالأسماء كالموصل وكركوك وحلب. أما بخصوص الموصل فقد عيّن مجلس عصبة الأمم لجنة تحقيق بخصوص مشكلة الموصل بين تركيا وبريطانيا فأوصت اللجنة بأن تعود ملكية الموصل إلى العراق، فأُجبرت تركيا على قبول القرار على مضض من خلال التوقيع على معاهدة الحدود مع الحكومة العراقية في عام 1926. وقام العراق بمنح إتاوة 10 في المئة من الودائع النفطية في الموصل إلى تركيا لمدة 25 عاماً. وبانتهاء فترة منح الأتاوات المقررة لتركيا بموجب اتفاقية أنقرة / المادة الرابعة عشرة، بين بريطانيا وتركيا والعراق الملكي، والتي تقرر بموجبها أن يدفع العراق 10 بالمائة من عائدات نفط الشمال العراقي إلى تركيا لمدة 25 عاما، أقول: وبانتهاء تنفيذ هذا الشرط سنة 1951، تكون اتفاقية أنقرة قد أصبح واقعا قانونيا وتاريخيا لا يجوز الخروج عليه. ولكن تركيا الحالية تريد في مناسبة مرور قرن على معاهدة لوزان أن تفتح الملف كله، ولا أعتقد أن أردوغان سيحصل على شيء من هذا الحمق السياسي البحت إلا على زرع الكراهية والتوترات بين الشعوب وقد يتسبب بحريق جديد بين بين تركيا والعراق وسوريا.

وبمناسبة هذا الحدث الخطر، وبمراجعة ملفه الأوسع "ملف دور العبادة الدينية في التاريخ"، نجد أن السلطان العثماني محمد الفاتح لم يكن هو المخترع الأول لعملية تغيير هوية وديانة دور العبادات الدينية السماوية وغير السماوية "الوثنية"، بل إن ما قام به وهو تفصيل صغير في تقليد بشري حربي وديني مستمر يعود إلى عصور ما قبل الميلاد.

وربما وجدنا في قصة الجامع الأموي الجميل في دمشق خير مثال يلخص لنا هذه القصة. فقد كان هذا الجامع خلال العصر الحديدي، معبدا وثنيا لإله الخصب الجزيري "السامي" حدد بعل في العهد الآرامي 1200 قبل الميلاد. وبقي هذا المعبد حتى العهد الروماني فحول الرومان هذا المعبد الوثني الآرامي الى معبد لإله الرومان جوبيتير سنة 64 ميلادية. وفي نهاية القرن الرابع للميلاد، تحديداً في عام 391، تم تحويل معبد جوبيتر إلى كاتدرائية القديس يوحنا بأمر من الإمبراطور الروماني ثيودوسيوس الأول. وتشير الأسطورة المحلية أن رأس يوحنا المعمدان -النبي يحيى عليه السلام - دُفن هناك، وهذه مجردة أسطورة شعبية بقيت حتى العهد الإسلامي وتشييد الجامع الأموي على أنقاض الكتدرائية في عهد الخليفة الأموي المرواني عبد الملك بن مروان. وهناك رواية تقول إن رأس الإمام الحسين عليه السلام موجود فيه وليس هناك ما يؤكدها.

وثمة من يعتقد أن الأمويون استبدلوا قطعة الأرض التي بنوا عليها الجامع بقطعة أرض أخرى بنيت عليها كنيسة لهم، وهذا المعطى ليس دقيقا فقد كلف الخليفة الأموي السادس، الوليد بن عبد الملك (705–715م) الصناع والمهندسين، ببناء المسجد في موقع الكاتدرائية البيزنطية في عام 706 م. قبل هذا، كانت الكاتدرائية لا تزال قيد الاستخدام من طرف المسيحيين المحليين، ولكن قد تم تشييد غرفة صلاة (المصلي) للمسلمين في الجزء الجنوبي الشرقي من المبنى. الوليد، الذي أشرف شخصيا على المشروع، أمر بهدم معظم الكاتدرائية، بما في ذلك المصلى، وتم تغيير تخطيط المبنى تماما، ليستخدم كمسجد كبير لصلاة الجماعة لمواطني دمشق ومعلما دينيا لمدينة دمشق. وقد احتج المسيحيون العرب الشاميون على هذه الخطوة، وردا على هذا الاحتجاج أمر الوليد بردِّ جميع الكنائس المصادرة الأخرى في المدينة إلى المسيحيين كتعويض. واكتمل بناء المسجد في عام 715 م.

*إن قصة الجامع الأموي تلخص لنا قصة الأديان والمعتقدات البشرية والخلافات بين أهل الأديان والعقائد وتحول وانتقال دور وهوية دور العبادات الدينية، وكونها - بمنظورنا ومصطلحاتنا اليوم - أشبه ببناء متعدد الطبقات بُنيَ بمختلف الأساليب المسلحة وغير المسلحة. ومن العِبر المهمة في هذا الصدد، هو أن قضية التعددية الدينية والطائفية والقومية في المجتمعات الشرقية تسجل كدليل باهر على تسامح الشرقيين وإنسانيتهم واحترامهم لعقائد وأديان وأرواح ودماء البشر الذين يقاسمونهم الأرض والماء والهواء والأمل، على العكس من سردية المجتمعات الغربية الأوروبية الإقصائية والتي مارست إقصاء وإبادة المختلف دينيا وطائفيا حتى لو كان مسيحيا وآريا منهم.

إن أسماء المجازر لدى الغربيين كثيرة ولعل أشهرها مجزرة "سان بارتيليمي" في فرنسا القرن السادس عشر والتي أباد فيها الكاثوليك مواطنيهم الفرنسيين البروتستانت فصارت فرنسا منذ ذلك الحين أمة واحدية المذهب. وتشذ عن هذا المنهج الدموي الغربي بعض البلدان ومنها سويسرا التي استقبلت الناجين البروتستانت وقاسمتهم الوطن والمعاناة وسويسرا اليوم من البلدان القليلة المتعددة دينيا وطائفيا، أما ما حدث في الأندلس بعد هزيمة العرب المسلمين وما لحق بهم وباليهود الذين شاركوهم العيش المشترك هناك فهو ملف ثقيل من التجاوزات والفظاعات!

ومن الطبيعي أن لا يُحسَب ضمن هذا الواقع ما جدَّ من تعددية بعد الحرب العالمية الثانية وقدوم الملايين من أبناء المستعمرات للمشاركة في بناء أوروبا التي دمرها الأوروبيون أنفسهم في الحربين العالمتين فهذا تطور آخر خارج بوتقة الصراع الديني.

*ولعل العراق - إلى جانب بلاد الشام - من أبرز الأمثلة على البلدان القائمة على التنوع والتعددية والتعايش السلمي في نسيجه المجتمعي، تعددية قديمة وتعايش متميز لا يخلو طبعا من الهنات، حتى وصف بالحديقة الإنسانية الجميلة ظلت شاخصة بثمارها حتى مجيء حكم المحاصصة الطائفية الأسود الذي فرضه الاحتلال الأميركي في بدايات القرن الجاري فبدأ العراق ينزف أقلياته الدينية والقومية ولم يتبق منها الكثير اليوم.

*ونحن حين ندرس ونقرأ التاريخ، فليس هدفنا الأول محاكمة الموتى لنعاقبهم على ما ارتكبوه قبل ألف عام، بل هي محاولة لفهم ما ارتكبوه وتوثيقه وتحليله بشكل منهجي وعلمي لأخذ العبرة منه لأجيالنا الحاضرة، وبما يخدم تعزيز السلام والأمن والحرية لشعوب منطقتنا، واعتقد أن ما فعله أردوغان بقراره تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد مجددا، ورغم أنه يقع في مشمولات سيادة الدولة التركية، مضر جدا بالعلاقات بين شعوبنا وبالسلام وبالصداقة بينها وسيخلق مزيدا من التوترات والعداوات بين هذه الشعوب وينكأ جراحات الماضي والهدف من كل ذلك هو الطموحات والأطماع الشخصية الزعاماتية.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

محمود محمد علي"زواج عتريس من فؤاده باطل"... هذه جملة درامية مشهورة من الفيلم المصري " شيء من الخوف"، الذي تم إنتاجه عام 1969م، والذي قام بإخراجه حسين كمال، وتمثيل الراحلة شادية والراحل محمود مرسي ويحيى شاهين ومحمد توفيق.. وكوكبة أخري من الفنانين.. الفيلم مأخوذ عن قصة قصيرة للكاتب الكبير ثروت أباظة.

قصة الفيلم باختصار تدور بقرية؛ حيث يفرض عتريس (محمود مرسي) سلطته على أهالي القرية ويفرض عليهم الإتاوات ويذيق أهل قريته أشد أنواع الظلم والقهر، حتى أنه عمد إلى قطع المياه عن مزروعاتهم، وجعلهم يتسولون رغيف الخبز، ولم تنجوا من ساديته حتى فؤاده (شادية) التي أحبها في عهد الطفولة واقترن بها عنوة وكانت الشرارة التي أحرقت عتريس وعرينه هو قتله محمود ابن الشيخ ابراهيم (يحيى شاهين) لتخرج الجماهير حامله نعش القتيل يتقدمها الشيخ ابراهيم هاتفا بأعلى صوته زواج عتريس من فؤائده باطل وليتردد الصدى من جميع اهل القرية باطل، باطل، باطل، ويردد كل أهل القرية وراء الشيخ إبراهيم ويتوجهون لمنزل عتريس الذي لا يستطيع مقاومة كل أهل القرية مجتمعين فيحرق أهل القرية منزل عتريس وهو بداخلها وتكون هذه نهاية عتريس جزاءً لأفعاله ..

سبحان الله المشهد لا يبتعد كثيراً.. ومحطات التاريخ تبقى دوماً مليئة بالدروس التى حين نطالع بعضها نجد أوقاتاً كثيرة أنها نسخ كربونية تقريباً، ما كان اليوم كانت صورته بالأمس.. الفيلم به الكثير من الرمزية، فعتريس يرمز للحاكم الديكتاتور وأقصد به "فايز السراج"، رئيس حكومة الوفاق الليبية، وأهل القرية يرمزون للشعب الليبي الذي يقع تحت وطأة الطاغية.. فؤاده ترمز لليبيا التي لا يستطيع الدكتاتور أردوغان أن يهنأ بها... وعبارة "جواز عتريس من فؤاده باطل" ستظل أيقونة من أيقونات السينما المصرية والتي تترد دائما علي ألسنة العامة لما تحويه من رمزية الكفاح ضد كل طاغية يحكم بلد ما بالعنف والإجبار.

القصة بدأت من عام 2015 من خلال ما يسمي باتفاق الصخيرات، وهو اتفاق يشمل أطراف الصراع في ليبيا والذي تم توقيعه في مدينة الصخيرات المغربية ؛ حيث بدأت معظم الأطراف الموقعة عليه العمل به منذ أبريل 2016م، وهو يسعي إلي إنهاء الانقسام والعنف الذي تشهده ليبيا من صراعات وانقسامات بسبب ثورات الربيع العربي التي أنهت حكم القذافي لتسقط بعدها ليبيا في مستنقع الدولة الفاشلة، وهنا جاء اتفاق الصغيرات كما كنا نعتقد بأن يتصدى لانتشار المليشيات المتطرفة – الداعشية، كما جاء أيضا ليمهد لمرحلة انتقالية مدتها عامان تنتهي بإجراء انتخابات تشريعية ..

من أهم بنود اتفاق الصخيرات الليبي: منح صلاحيات تنفيذية لمجلس رئاسة حكومة الوفاق الوطني والذي يترأسها فايز السراج وتكون من صلاحياته أيضا قيادة الجيش والقوات المسلحة .. هذه الحكومة بدلاً من أن تلبي رغبات الشعب الليبي نحو عودة الدولة الليبية إلي ما كانت عليه، لجأت إلي إبرام اتفاق عسكري مع أنقره، وهو اتفاق يهدد الاستقرار الإقليمي، وحتي من الناحية الجغرافية، فإن هذا الإتفاق مناف للمنطق وفق الليبيين ؛ حيث يدعو هذا الاتفاق إلي دعم إنشاء قوة استجابة سريعة لنقل الخبرات والتدريب من الجانب التركي، وعند الطلب يتم إنشاء مكتب مشترك في ليبيا للتعاون في مجالات الأمن والدفاع، وتقديم خبرات تدريبية واستشارية تتعلق بالتخطيط العسكري، واستخدام أنشطة التعليم والتدريب والأسلحة في مجال القوات البرية والبحرية والجوية، والمشاركة في التدريبات العسكرية أو المناورات المشتركة .

علاوة علي أن هذا الاتفاق كشف لنا بما لا يداع مجالاً للشك النية المبيتة لإسقاط الدولة الليبية’ ؛ خاصة وأن أطماع أردوغان فى ثروات ليبيا والسيطرة على شرق المتوسط، ووضع أقدامه فى شمال إفريقيا، جاءت وفق خطة محكمة، بدأ الترتيب لها منذ 2011 وليست وليدة الاتفاقية التى وقعتها حكومة الوفاق الليبى برئاسة «فايز السراج»، والمتعلقة بالتعاون الأمنى والبحرى..

ولذلك نجد أن قرار التدخل العسكرى فى ليبيا الذى أيده البرلمان التركى في العام الماضي استجابة لطلب من حكومة رئيس الوزراء الليبى فايز السراج، كان آخر مغامرات «العثمانى الجديد»، فالأزمات التى تلاحقه والضغوط التى يتعرض لها فى الداخل والخارج دفعته للهروب إلى الصحراء الليبية .

إن أردوغان يريد تحويل الغرب الليبى لمنطقة تركية تبدأ بانتشار القوات التركية، ثم اعلان الانفصال عن الجسد الليبى، تماما، مثلما حدث فى قبرص، عندما اقتطعت تركيا جزءًا وحولتها إلى منطقة تابعة لأنقرة، فى «شرق المتوسط» تحت زعم حماية المواطنين القبارصة المنحدرين من أصول تركية، وذلك عام 1974.

ولذلك  قرر أردوغان،  استنساخ سيناريو استقطاع ثلث الأراضى القبرصية، لتطبيقه فى ليبيا، واستقطاع الغرب وضمه لتركيا،، حيث استغل الضعف الشديد حكومة الوفاق الليبية، وهو الأمر الخطير الذى سيمزق ليبيا، ويحولها إلى كانتونات،  وذلك بتمزيق النسيج الاجتماعى الليبى، من خلال إعلاء شأن النعرات العرقية فى مدن «مصراتة وزليتن والزاوية»، وبالفعل تم تأسيس جمعيات فى هذه المدن، تستحضر الموروث العثمانى، بالادعاء أن هناك قبائل يعود نسبها للعثمانيين، مثلما كانوا يرددون فى مصر، بأن هناك عائلات لديها «عرق» تركى، ممتد.

سبحان الله، التاريخ يعيد نفسه.. فما لجأ إليه فايز السراج- ابن طرابلس (ذو الأصول التركية)- عام 2020 هو نفس ما لجأ إليه أجداده الليبيين (ذي الأصول التركية أيضا) وذلك  عام 1835.. أى استدعاء الجيش العثمانى ليحكم ليبيا!!.. كيف حدث ذلك وارتكب أجداد فايز السراج نفس الجريمة مرتين؟!....

إن التاريخ يحدثنا أن ليبيا انضمت  إلى الدولة العثمانية عام 1520 إلى أن انفردت أسرة "القره مانلى" بحكم ليبيا، بالذات فى طرابلس، من عام 1711 إلى 1745، وطلبت طرابلس دعمًا عثمانيًا من السلطان، وبذلك عادت السيطرة العثمانية إلى ليبيا عام 1835، أى برغبة وطلب طرابلس!!.

ولم يتوقف الطرابلسيون عند هذا الطلب.. إذ أرسلوا وفودًا إلى استانبول لدعوة «الخليفة العثمانى» لاستلام حكم ليبيا بعد تدهور البيت الحاكم القره مانلى على يد آخر ولاته يوسف باشا.. ويكاد هذا السيناريو القديم يتكرر هذه الأيام من زيارة السراج إلى تركيا وتوقيعه معه هذا الاتفاق المشؤوم.. إذ بهذين الطلبين القديم والجديد جاء العثمانيون إلى طرابلس برغبة أهلها.. وهكذا تقف ليبيا الآن فى مفترق الطرق .

إذن خطة أردوغان، ليس إنقاذ فايز السراج، ولا السيطرة على ثروات ليبيا النفطية، ولا فرض أمر واقع فى منطقة شرق المتوسط، فحسب، وإنما اقتطاع الغرب الليبى كله لضمه إلى ولاية تركيا، ومن ثم عدم الخروج من ليبيا نهائيا، باعتبارها أرضًا تركية خالصة، تخص مليون مواطن يعود نسبهم للأتراك.

ولتنفيذ هذه المهمة قام بمخالفة صريحة وواضحة لقمة برلين الخاصة بليبيا وقام بإرسال عتاد وصواريخ، وطائرات مسيَّرة بحراسة من البحرية التركية... كما نقل مرتزقة من كينيا والنيجر وسوريا إلى ليبيا للقتال بجانب قوات السراج.. كما أرسل 40 مهندساً لإنشاء أبراج اتصالات لتأسيس قاعدة عسكرية فى طرابلس.. وهلم جرا...

ولهذا السبب أصبح أردوغان لا يهددنا فقط من الحدود الغربية، ولكن يهددنا أيضا من الحدود الشمالية، حينما وقع مذكرة تفاهم مع حكومة الوفاق والميليشيات فى طرابلس يعتقد أنها تعطيه الحق فى الحصول على جزء من ثروة الغاز فى شرق البحر المتوسط؛  وما يهم مصر الآن في المقام الأول ألا تصل القوات التركية إلى شرق ليبيا، لأن ذلك يعنى تهديداً مباشراً للأمن القومى المصري، أي يصل التهديد التركى إلى أرض مصر مباشرة.

وهنا وجه الرئيس عبد الفتاح السيسى رسائل قوية وحاسمة إلى الأطراف المعتدية على سلامة ليبيا وخاصة الميليشيات المسلحة والمرتزقة المنتشرين في البلاد، وأوضح الرئيس أن مصر تكن كل الاحترام والتقدير لليبيا ولم تتدخل يوما في شؤونها الداخلية ومستعدة لتقديم الدعم من أجل استقرارها.

وأكد الرئيس السيسى أن سرت والجفرة خط أحمر، ولن يدافع عن ليبيا إلا أهل ليبيا واستعداد مصر لدعمها، مضيفا: "ليبيا دولة عظيمة وشعبها مناضل ومكافح، بنقول الخط اللى وصلت إليه القوات الحالية، سواء من جانب المنطقة الشرقية أو الغربية كلهم أبناء ليبيا ونتكلم مع الشعب الليبي"... وللحديث بقية في قابل الأيام...

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........................

المراجع

1- عماد الدين أديب :أردوغان: بطل العالم فى المصادمات والمغامرات! .. (مقال)

2- عباس الطرابيلى :  ليبيا.. بين سلطانين! .. (مقال)

3- محمد سعد عبد الحفيظ : مغامرة أردوغان فى المستنقع الليبي.. (مقال)

4- خالد العاني: هل ( فقط ) زواج عتريس من فؤاده باطل ؟؟؟ .. (مقال)

 

ابراهيم أبراشطرح فكرة الدولة الواحدة ثنائية القومية كما يقترح مثقفون ومحللون سياسيون ويهدد سياسيون وقياديون من السلطة ومنظمة التحرير كرد على تعنت إسرائيل ووصول خيار حل الدولتين لطريق مسدود مغامرة غير مضمونة النتائج، صحيح أن إسرائيل رفضت سابقاً هذا الحل ولكن ماذا لو قبلت إسرائيل بحل الدولة الواحدة كأساس للتفاوض وكنوع من المناورة كما جرى مع مشاركتها في مدريد وأوسلو انطلاقاً من فكرة (الأرض مقابل السلام)؟!!في هذه الحالة سيتم تجاوز حل الدولتين ونهاية المشروع الوطني التحرري وسنشهد سنوات من المفاوضات العبثية التي لن تؤدي إلى شيء وخلالها ستواصل إسرائيل الاستيطان والضم ما دام في أفق المفاوضات سراب يسمى الدولة الواحدة!!!.

مع احترامنا لذوي النوايا الوطنية والصادقة ممن يطرحون فكرة الدولة الواحدة ومع أن حل الدولة الواحدة يتضمن حمولة أخلاقية ويتوافق مع ما هو موجود في كثير من دول العالم حيث تتعايش قوميات وطوائف متعددة في دولة واحدة، إلا أن الأمر يحتاج لتفكير عميق بسبب طبيعة دولة إسرائيل اليهودية العنصرية والكراهية والخوف التاريخي عند اليهود من الأغيار وكيفية تعامل إسرائيل مع المواطنين العرب فيها.

  حل الدولة الواحدة ليس بالجديد فقد تم طرحه أو المطالبة به بصياغات مختلفة في أوقات سابقة من عدة جهات فلسطينية وإسرائيلية ودولية وبعض الطروحات كانت سابقة لقرار التقسيم 181 الصادر عام 1947 الذي أسس لفكرة حل الدولتين - ويمكن الرجوع في ذلك  إلى مقال موسع ومتميز للدكتور عز الدين المناصرة تم نشره في مارس 2018 تحت عنوان (مشروع الدولة الواحدة- ثنائية القومية)، وإعادة تداوله الآن يثير كثيراً من القلق لأنه لا ينطلق من موقع قوة بل ضعف شديد للنظام السياسي الفلسطيني كما يعكس حالة تخبط وضياع البوصلة في المشهد السياسي حيث أصبحت الساحة الفلسطينية حقل تجارب لمشاريع وأفكار وأيديولوجيات متعددة ومتضاربة.

فالرئيس أبو مازن والخط الرسمي في المنظمة يحاربون في الأمم المتحدة ودولياً لتثبيت دولة فلسطين في الضفة والقطاع، وحركة حماس وبدعم من الإخوان المسلمين تعمل على تحويل غزة التي مساحتها 360 كلم2 (1,5% من مساحة فلسطين) لدولة/إمارة تكون جزءاً من الخلافة الإسلامية القادمة، ومخطط لتوسيع غزة لتشمل جزءاً من سيناء في سياق مخطط إسرائيلي أمريكي أوسع، وجماعات مصالح تشتغل في الضفة لإدارة ما قد يتبقى من الضفة بعد تنفيذ الضم الإسرائيلي، وآخرون يقترحون مشروع الكونفدرالية الثنائية مع الأردن أو الثلاثية التي تضم إسرائيل أيضاً، بالإضافة إلى طرح الفيدرالية بين الأردن والضفة، ويأتي طرح فكرة الدولة الواحدة أو الثنائية القومية على أرض فلسطين التاريخية ليزيد المشهد السياسي تعقيداً وارباكاً .

عندما طرحت حركة فتح نهاية الستينيات فكرة دولة فلسطين الديمقراطية على كامل تراب فلسطين التاريخية وتم تبنيها رسمياً ضمن مقررات المجلس الوطني الفلسطيني عام 1971، اعتقدت حركة فتح أن الفكرة ستجد استحساناً من أطراف يهودية عالمية وأطراف دولية لأن هذه الدولة ستمنح اليهود المقيمين في فلسطين نفس الحقوق التي للعرب الفلسطينيين حيث قالت الحركة: (نحن نقاتل في سبيل إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية يعيش فيها الفلسطينيون بكل طوائفهم ... مسلمين ومسيحيين ويهود في مجتمع ديمقراطي تقدمي، ويمارسون عباداتهم وأعمالهم مثلما يتمتعون بحقوق متساوية). وتأكيداً من فتح على إنسانية الهدف استطرد نفس البيان قائلا: (إن ثورتنا الفلسطينية لتفتح قلبها وفكرها لكل بني الإنسان الذين يريدون أن يعيشوا في المجتمع الفلسطيني الحر الديمقراطي وأن يناضلوا في سبيله بصرف النظر عن اللون أو الدين أو العرق).

وفي الدورة السادسة للمجلس الوطني الفلسطيني سبتمبر 1969 قدمت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين مذكرة للمجلس حددت فيها أن هدف النضال الفلسطيني : (إقامة دولة فلسطين الموحدة بعد إزالة الكيان الإسرائيلي وتقضي على التمييز العرقي والعنصري، وتعتمد على حل ديمقراطي للتناحر القائم يستند إلى تعايش الشعبين العربي واليهودي)، نفس الموقف اتخذته الجبهة الشعبية التي  أكدت على المضمون الأيديولوجي لفلسطين الغد التي ستحكمها المبادئ الماركسية اللينينية التي لا خيار عنها في مرحلة التحرير والنضال وفي مرحلة ما بعد التحرير: (فلسطين المحررة ستكون جزءاً من مجتمع عربي ثوري جديد... وأن اليهود في فلسطين بعد التحرر سيمارسون شأنهم شأن غيرهم كافة حقوقهم الديمقراطية كمواطنين في مجتمع ديمقراطي اشتراكي).

مع عدم تجاهلنا لأهمية العامل الإنساني في تبني هدف "فلسطين الديمقراطية" وعقلانية هذا العامل آنذاك في إطار التعامل مع القضية دولياً، إلا أننا نعتقد أن الدافع الرئيسي وراء تبني هذا الشعار والهدف هو تلمس بعض العناصر القيادية في م.ت.ف. وفي فتح تحديداً الفجوة الكبيرة ما بين إمكانيات الثورة والشعب الفلسطيني من جهة وتحرير فلسطين عسكرياً وإرجاع اليهود من حيث أتوا من جهة أخري.

 كان تبني هدف «فلسطين الديمقراطية» منطلق التفكير بحلول وسط بالرغم من أن الثورة الفلسطينية والحالة العربية كانتا أفضل مما هي عليه اليوم، إلا أنه وبالرغم من التنازل المُتضمن في هدف فلسطين الديمقراطية، وهو القبول بالتعايش مع اليهود المتواجدين في فلسطين وليس طردهم منها كما ينص الميثاق الوطني، إلا أن الكيان الصهيوني الذي قام على عقيدة شعب الله المختار رفض هذا الموقف الفلسطيني حيث اعتبره وصفة لإنهاء المشروع الصهيوني ولأنه يريد إقامة دولة يهودية نقية خالصة.

بعد فشل تسوية أوسلو وحل الدولتين وبعد الانقسام ووصول المشروع الوطني التحرري بشقيه المقاوم والسلمي لطريق مسدود عاد الحديث عن الدولة الواحدة أو الدولة ثنائية القومية، والملفت للانتباه أن طرح الدولة الواحدة  جاء من كُتاب ومثقفين ومن طرف قيادات في حركة فتح ومنظمة التحرير منهم السيد أحمد قريع كبير المفاوضين وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير آنذاك، الذي تحدث عن الموضوع لأول مرة في يناير 2005 عندما كان رئيساً للوزراء وعندما كانت المفاوضات تمر بمأزق، وكرره بعد ذلك في أغسطس 2008 وأخيراً في 13سبتمبر الماضي 2012 حيث قال في تصريح له خلال لقاء صحفيين صهاينة بمناسبة مضي تسعة عشر عاماً على توقيع اتفاق أوسلو ونشرت الإذاعة العبرية جزءاً منه : "إن الفلسطينيين مستعدون لخوض مباحثات مع إسرائيل حول إنشاء دولة ثنائية القومية"، وكان أبو علاء  قريع  وصف في مقال له في شهر أبريل من نفس العام حل الدولتين بأنه "أقرب ما يكون إلى حرث في البحر، إن لم أقل ملهاة سياسية طويلة"، كما تطرق للموضوع بما يشبه صيغة التهديد لإسرائيل صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولا يخرج عن هذا السياق وإن كان بصيغة مختلفة حديث الرئيس أبو مازن عن حل السلطة أو تسليم المفاتيح لإسرائيل، فعندما يقول الرئيس بذلك دون أن يُعلن العودة لحالة التحرر الوطني ويتمسك بالحل السلمي فكأنه يتبنى خيار الدولة الواحدة. وعاد الموضوع للنقاش من عديد المثقفين والسياسيين بعد الإعلان عن مشروع ضم أجزاء من الضفة وتأكيد أغلب الأطراف بما فيها القيادة الفلسطينية باستحالة تطبيق حل الدولتين بالرؤية الفلسطينية.

 

قد يقول قائل إن المراد من الدعوة للدولة ثنائية القومية من طرف مثقفين ووطنيين فلسطينيين تبليغ رسالة احتجاج على تعثر المفاوضات واستحالة التوصل لحل الدولتين وتهديد للإسرائيليين بتخويفهم من الخطر الديمغرافي أو قطع الطريق على يهودية الدولة الخ، إلا أن صدور هذه التصريحات من قيادات في منظمة التحرير أو أن تفكر القيادة الفلسطينية تبنيه الآن سينبني عليها تداعيات خطيرة ويعطي مؤشرات تستدعي منا التوقف عندها وعند فكرة الدولة الواحدة بشكل عام:

1- لا يجوز التلاعب بالحقوق الفلسطينية وبهدف النضال الوطني بحيث يتم الانتقال من هدف لآخر كلما تعثرت المفاوضات أو فشلت النخبة السياسية في تحقيق الهدف الوطني، فالوضع الطبيعي والعقلاني عندما تفشل القيادات السياسية في تحقيق الأهداف أن تتنحى عن مواقعها أو أن تراجع أدوات عملها على أقل تقدير، وليس تغيير الأهداف مع بقاء نفس القيادات.

2- لا يجوز للضعيف التهديد بالانتقال من هدف يمثل الحد الأدنى – دولة على حدود 1967-إلى حد أعلى –الدولة الواحدة-وفي ظل الوضع الفلسطيني الضعيف الراهن فإن استعمال ورقة الدولة الواحدة كتهديد وتخويف لإسرائيل لن تنجح.

3- طرح فكرة الدولة الواحدة سيُحدث ارباكاً في الموقف الرسمي الذي تتبناه القيادة طوال سنوات والذي يقوم على اعتراف دولي بدولة وطنية خالصة للفلسطينيين على حدود 67 وتطبيق قرارات الشرعية الدولية حول فلسطين كما يُضعف تحرك الرئيس أبو مازن في الأمم المتحدة ويكشف غياب رؤية مشتركة عند الفلسطينيين.

4- طرح الفكرة اليوم وصيرورتها موضوعاً للحديث والجدل عند السياسيين والمثقفين الفلسطينيين يعني إسقاط هدف الدولة المستقلة في الضفة وغزة أو تجاوز المشروع الوطني الفلسطيني الذي وُضِعت أسسه في دورة المجلس الوطني في الجزائر 1988.

5- لقد فشلت الفكرة عندما كان الفكر السائد في إسرائيل معتدلاً ومتفتحا، فهل للفكرة نصيب من النجاح اليوم في ظل فكر ديني توراتي يسيطر على المؤسسة الرسمية الإسرائيلية ويعم إسرائيل التي تعلن رسمياً أنها دولة يهودية خالصة.

6- كيف ستقبل إسرائيل التعايش مع خمسة ملايين فلسطيني وهي غير قادرة على التعايش والتكيف مع أقل من مليوني فلسطيني متواجدين فيها منذ اثنين وسبعين عاما وتمارس معهم العنصرية؟ وفي حالة توسيع جغرافيا إسرائيل لتضم الضفة أو بعضها فستكون دولة يهودية عنصرية أيضاً وليس دولة ديمقراطية ثنائية القومية.

7- إن خطورة طرح الفكرة اليوم تكمن في تجاوز كل قرارات الشرعية الدولية والعربية، من قرار التقسيم حتى المبادرة العربية وحل الدولتين، والتأسيس لشرعية ومرجعية جديدة لا نعتقد أن الوضع الدولي والعربي والفلسطيني مستعد وقادر على تأسيسها ونجاح مقاصدها. وما هو مصير قرارات الشرعية الدولية حول الدولة واعترافات دول العالم بها ومصير السفارات والاتفاقات التي تم توقيعها باسم الدولة الفلسطينية؟!.

8- لا شك أنه في حالة فشل كل خيارات التسوية ليس أمام الفلسطينيين أصحاب الأرض والحق إلا التشبث بأرضهم ولكن فرض حل الدولة ثنائية القومية بالرؤية الوطنية يحتاج لنضال لا يقل عن النضال من أجل الدولة المستقلة وهذا يتطلب وجود استراتيجية فلسطينية واحدة حول هذا الهدف ولا يبدو في المدى القريب إمكانية وجود هذه الاستراتيجية وخصوصاً مع الانقسام.

9- إن من يفكرون بحل الدولة الواحدة إن فشلت كل الخيارات الأخرى عليهم أن يعلموا بأن أول خطوة بهذا الاتجاه هو حل السلطة بحكومتيها في غزة والضفة كما يتطلب أيضا عودة احتلال قطاع غزة حتى يكون العامل الديمغرافي مؤثراً وضاغطاً على إسرائيل.

10- مع بقاء قطاع غزة منفصلاً وخارج المعادلة الوطنية ومع ضم المستوطنات ومنطقة الغور قد تقبل إسرائيل بفكرة الدولة ثنائية القومية كأساس لتسوية جديدة ما دامت تملك الأغلبية السكانية وكمناورة لإفشال حل الدولتين وتجاوز كل قرارات الشرعية الدولية.

11- إن الوصول إلى الدولة الواحدة بالرؤية الوطنية الفلسطينية يحتاج إما لحرب شاملة تُهزم فيها إسرائيل ويفرض الفلسطينيون رؤيتهم وإرادتهم، أو سلام شامل وتفاهم استراتيجي بين الفلسطينيين والإسرائيليين وبين المسلمين واليهود يسمح بقيام هذه الدولة، وضمن الظروف الحالية لا نرى إمكانية تحقق أي من الاحتمالين، مما يجعل الدولة الواحدة فكرة طوباوية.

12- إن ما نخشاه أن يؤدي طرح فكرة الدولة الواحدة في ظل حالة الضعف الفلسطيني والفصل ما بين غزة والضفة واستمرار تآكل السلطة الفلسطينية في الضفة واستمرار الاستيطان وتزايد عدد المستوطنين أن تقتصر فكرة الدولة الواحدة ثنائية القومية على الضفة الغربية فقط، وهذا أمر حذرنا منه منذ سنوات ونعتقد بأن مراكز تفكير استراتيجي إسرائيلية تفكر اليوم بهذا الأمر والذي قد يشكل بديلاً عن سياسة الضم.

وأخيراً لا نروم من ملاحظاتنا السابقة أن تستمر الأمور على حالها أو أن حل الدولتين بالمفهوم الوطني قريب الإنجاز، بل التحذير من حالة التيه السياسي وصيرورة الحقوق الوطنية ورقة مساومة، وأهمية وضرورة إعادة بناء النظام السياسي والتوافق على استراتيجية وطنية يتم الاشتغال عليها من الجميع. إن كان لا يوجد أمام الفلسطينيين غير خيار الدولة الواحدة فيجب وضع استراتيجية وطنية لدراسة الأمر والبحث في كيفية تحقيقها بما لا يهدد الوجود الوطني لأن الوصول لها لن يتم عن طريق مفاوضات مع إسرائيل بل من خلال نضال متعدد الجبهات والأشكال.

 

إبراهيم أبراش

 

حسن العاصي- إذا كنت تريد اللجوء في أوروبا، فمن الأفضل ألا تكون مسلماً.

- يدعمك الأوروبيين إذا كنت قد تعرضت للتعذيب في بلدك.

- السويد أكثر البلدان الأوروبية ترحيباً باللاجئين، والتشيك الأسوأ.

- الدنمارك: اللجوء فقط لأولئك الذين يشبهوننا أكثر.

- الأصغر سناً والأكثر تعليماً هم الأوفر حظاً.

قضيتا اللاجئين والمهاجرين الراغبين في دخول دول الاتحاد الأوروبي، تشكل تحدياً أوروبياً مشتركاً. فقد دفعت الاضطرابات والحروب في العديد من بؤر التوتر في العالم، الملايين من الناس للفرار. والكثير منهم يلجأون إلى دول الاتحاد الأوروبي. هذا الوضع خلق قدرا كبيرا من الضغط على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي وأنتج الشعور بانعدام الأمن لدى شرائح واسعة من الشعوب. بطبيعة الحال لا توجد حلول سهلة، لكن الأمر يتطلب التعاون الأوروبي للتعامل مع هذا التحدي.

في عام 2015 دخل 1.6 مليون من اللاجئين والمهاجرين الاقتصاديين إلى أوروبا. وليس هناك ما يشير إلى أن الهجرة ستنخفض فيما يتزايد الضغط على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي خاصة في دول مثل اليونان وإيطاليا.

دفع هذا الوضع العديد من دول الاتحاد الأوروبي بما في ذلك الدنمارك، إلى إدخال ضوابط مؤقتة على الحدود. إن التعاون الذي كان يتم بين دول الاتحاد الأوروبي وفقاً لاتفاقية شنغن حول الحدود المفتوحة متعثر والتكاليف الاقتصادية أصبحت باهظة. بالرغم من أن مصلحة الاتحاد الأوروبي وكذلك الدنمارك الحفاظ على الحدود المفتوحة. لذلك، يتم العمل على قواعد جديدة يمكن أن تخفف الضغط على الحدود الداخلية، وفي الوقت نفسه يتم تشديد الرقابة على الحدود الخارجية.

وجود هذا العدد غير المسبوق من اللاجئين في دول الاتحاد الأوروبي أحدث وضعاً تفاعلت فيه العديد من المعطيات، بحيث أصبح من أهم خصائص قبول اللجوء لدى الأوروبيون هو رفضهم للمسلمين.

دراسة حديثة ترصد مواقف الأوروبيين من اللاجئين

إن الأوروبيون الآن أكثر استعدادًا لقبول اللاجئين الذين يمكنهم المساهمة في المجتمع، أو المضطهدين أو غير المسلمين.

كما يريد الأوروبيون مساعدة ضحايا التعذيب واللاجئين السياسيين، لكنهم يقولون إنهم لا يفضلون طالبي اللجوء المسلمين.

هذه من أهم النتائج التي توصلت لها دراسة جديدة خصصت لدارسة مواقف الأوروبيين من الهجرة والاستعداد لقبول طالبي اللجوء، ونُشرت في مجلة العلمية الدنماركية "علم" videnskab

على وجه التحديد، تظهر النتائج أن ميل الأوروبيين لقبول طالب اللجوء هو، في المتوسط أقل بنسبة 10.7 نقطة مئوية إذا كان مقدم الطلب مسلمًا وليس مسيحيًا.

أحد المشرفين الثلاثة على هذه الدراسة هو البروفيسور السويسري "دومينيك هانجارتنر" Dominik Hangartner استاذ العلوم السياسية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، المدير المشارك في هيئة تدريس مختبر سياسة الهجرة في جامعة "ستانفورد" Stanford University

 يقول "إذا قارنت وجهات نظر الأوروبيين بشأن مهاجر عاطل عن العمل مع مهاجر يعمل كمدرّس، فإن البطالة تعنيهم بدرجة أقل من موقفهم تجاه المهاجرين مما لو كان المهاجر مسلماً وليس مسيحياً".

"أنا معجب جدًا بالاستديو" هذه هي الطريقة التي عبر من خلالها "كيم مانيمار سونديرسكوف" Kim Manimar Sunderskov أستاذ العلوم السياسية في جامعة "آرهوس" Aarhus Universitet عن رأيه في المقالة العلمية.

لقد قرأ وأُعجب بالدراسة ولا يشك في جودة العمل الذي قام به الباحثون الثلاثة.

تفضيلات الأوروبيين لطالبي اللجوء

ثلاثة تفسيرات رئيسية لتقييم المهاجرين في الدراسة، طلب "هانجارتنر" وزملاؤه من 18000 أوروبي من 15 دولة مختلفة قبول أو رفض 180.000 ملف شخصي ملفق لطالبي اللجوء.

عندما حلل الباحثون الأرقام، اتضح أن هناك ثلاثة تفسيرات أساسية لحكم المستطلعين على طالبي اللجوء:

المساهمة الاجتماعية والاقتصادية، والأعباء، والاعتبارات الإنسانية

المواقف المعادية للمسلمين تتعلق بالإمكانيات الاجتماعية والاقتصادية بالوظائف السابقة للمتقدمين، ومهاراتهم اللغوية وكذلك أعمارهم، وبالتالي كم تبلغ المسافة بين أعمارهم إلى سن التقاعد المتوقع.

وقد تم التعبير عن الاعتبارات الإنسانية كتقييم لأساس المتقدمين للفرار.

 كان المشاركون في الدراسة أكثر استعدادًا لقبول المتقدمين الذين فروا بسبب الاضطهاد الديني أو العرقي أو الذين تعرضوا للتعذيب مقارنة بالمتقدمين المشاركين الذين تعرضوا للاضطهاد السياسي أو لم يتعرضوا للتعذيب.

البعد الثالث، المواقف المعادية للمسلمين، كان حول الموقف الديني للمتقدمين.

 هنا اتضح أنه قلل بشكل كبير من قبول المتقدمين إذا كانوا مسلمين، مقارنة بما إذا كانوا مسيحيين أو لا أدريين، أي أصحاب الرأي القائل بأنه ليس من الممكن التأكد من وجود الله.

يفضل الأوروبيون المهاجرين المسيحيين

أجرى الباحثون وراء الدراسة تحليلاً إحصائياً لاستجابات 18000 مستطلع.

 في ظل هذه العدد الكبير يمكنهم أن يعرفوا مدى اختلاف استعداد المجيبين لقبول طالب اللجوء فيما يتعلق بالخصائص التي تم فحصها، والتي يمكن أن تكون على سبيل المثال، الوظيفة والجنس والعمر وأساس الفرار والموقف الديني.

يتم حساب النتيجة في عدد النقاط المئوية لتحركات مميزة معينة من خلال رغبة المجيبين في منح طالب لجوء فيما يتعلق بفئة مرجعية.

لكل مجموعة من الخصائص، هناك فئة مرجعية ثابتة. إذا نظرنا على سبيل المثال، إلى وجهة نظر دينية فإن كلمة "مسيحي" هي الفئة المرجعية، بينما توضح الأرقام ما يعنيه إذا كان طالب اللجوء إما ملحدًا أو مسلمًا وليس مسيحيًا.

إذا كنت ملحدًا، فإن استعداد الأوروبيين لقبولك هو في المتوسط 3.7 نقطة مئوية أقل مما إذا كنت مسيحيًا.

إذا كنت مسلماً، فإن الاستعداد أقل بنسبة 10.7 نقطة مئوية في المتوسط.

لدى الأوروبيين تفضيلات مماثلة

يمكن أن يشير العدد الكبير لطالبي اللجوء الذين اتخذتهم دول مثل السويد وألمانيا إلى أن سكانها لديهم تفضيلات مختلفة لطالبي اللجوء عن السكان في البلدان التي اتخذت عددًا أقل بكثير. لكن البروفيسور "هانجارتنر" يوضح أن الأمر ليس كذلك. يقول: "لدى شعب ألمانيا والسويد نفس التفضيلات لأنواع طالبي اللجوء مثل بقية الأوروبيين. إنهم يحبون المتقدمين الذين يساهمون ماليا، وهربوا من التعذيب وليسوا مسلمين ".

وبشكل مثير للدهشة إلى حد ما، أظهرت الدراسة أن التفضيلات لأنواع معينة من طالبي اللجوء هي نفسها عبر البلدان ونوع المستجيبين وعمرهم.

اليسار أكثر خيرة تجاه المسلمين

في الدراسة، تمت ملاحظة اختلاف في مجال واحد فقط عن تفضيلات المجيبين: فالتزامهم السياسي له تأثير على موقفهم من المعتقدات الدينية لطالبي اللجوء.

في المتوسط ، كما ذكرنا، جذب هذا 10.7 نقطة مئوية في استعداد الأوروبيين لقبول المتقدم إذا كان أو كانت مسلمة مقارنة بالمسيحي. ولكن هنا يلاحظ أن الانتماء السياسي للمشاركين قد أحدث فرقا كبيرا:

فقد توافق اليساريون واليمينيون على كون أنه يحدث خرقاً لمعايير قبول اللجوء إن كنت مسلماً. وهم يرفضون طالبي اللجوء لهذا السبب فقط، بنفس المقدار الذي ابداه اليمينيون".

لكن تميز المجيبين اليساريين بموقفهم من طالبي اللجوء كونهم مسلمين مقارنة بكونهم مسيحيين قد انخفض بنسبة 6.7 نقطة مئوية. بينما بين المجيبين اليمينيين وصل إلى 14.3 نقطة مئوية.

طريقة الدراسة

تم إجراء الدراسة على أنها تجربة مسح مشترك مقترنة، حيث اضطر كل من 18000 مستجيب من 15 دولة أوروبية مختلفة إلى قبول أو رفض 10 طالبي لجوء وهميين.

وبالتالي، فإن المسح يغطي أكثر من 180.000 لمحة عن طالبي اللجوء.

وعلى وجه التحديد، تم منح كل مستجيب خمس مجموعات من ملفي المتقدمين.

من بين أمور أخرى، طلب منهم تقييم ما إذا كان يجب إعادة كل طالب لجوء أو منحه حق اللجوء.

يتألف كل ملف شخصي من تسعة أجزاء من المعلومات، بما في ذلك بلد منشأ مقدم الطلب والمهنة والجنس والعمر وأساس الهجرة والانتماء الديني.

بناءً على رفض المستجيبين وقبولهم للمتقدمين، تمكن الباحثون من حساب تأثير الخصائص المختلفة فيما يتعلق بفرصة قبولهم كمتقدمين لجوء من قبل المواطنين الأوروبيين.

قال "سونديرسكوف" في الحقيقة إنها دراسة مثيرة للإعجاب، تحتوي على العديد من النتائج المثيرة للاهتمام وتستند إلى أساس متين. وأشاد بشكل خاص بدقة الباحثين واختيارهم للطريقة. ولكن أيضا نهجهم تجاه هذه القضية الإشكالية في القارة الأوروبية.

وفيما توصلت الأبحاث الأخرى في المواقف تجاه المهاجرين إلى مواثق متباينة، لكنها في المجمل سلبية، تراوحت ما بين تردد المواطنين الأوروبيين إلى النفور. هذه الدراسة تؤكد جميع الأبحاث السابقة التي جرت خلال العقود القليلة المنصرمة، بالرغم من أنها تحاول إظهار حسن النية لدى بعض الأوروبيين تجاه طالبي اللجوء.

الطريق إلى المواقف الحقيقية

يذكر "سونديرسكوف" أن هناك سببًا للإشادة بالدراسة، وهو المنهج المستخدم الذي يجعل من الممكن الاقتراب جدًا من المواقف الحقيقية للمشاركين، على الرغم من أنه موضوع حساس للغاية.

 

عادة قد يكون من الصعب الكشف عن مواقف الناس الحقيقية تجاه طالبي اللجوء في استطلاع عام. على سبيل المثال، حُمل اليساريين على الكشف عن أي مواقف سلبية تجاه الهجرة. لذا إنني أظن أن هذه المشكلة تتجاوز هذه الدراسة إلى حد بعيد.

العقدة هي أنه من الأسهل جعل المستجيبين يرتبطون بصدق بمجموعة من خصائص طالبي اللجوء من الخصائص الفردية.

إذا تم سؤال الفرد في أوروبا على سبيل المثال هل يجب منح المسيحي حق اللجوء؟ وهل يمنح المسلم حق اللجوء؟ لا يحصل الإنسان السائل بالضرورة على إجابات صادقة.

إذا قلت أنه يجب أن يكون للمسيحي حق اللجوء، فمن الصعب بعد ذلك القول أنه لا يحق للمسلمين ذلك.

إن الخصائص المتعددة لملفات طالبي اللجوء تعني أن المجيبين يجيبون بصدق شديد. لذلك إن الإجابات نقترب كثيرا من وجهات نظرهم الحقيقية.

إن الأوروبيين مؤثرات اجتماعية

من بين العديد من نتائج الدراسة، هناك استنتاج مثير للاهتمام. اتضح أن الأوروبيين يقبلون أو يرفضون طالبي اللجوء على أساس تقييم يتعلق بتأثير اللاجئين على المجتمع، وبالتالي ليس على أساس تأثير اللاجئين على الأوضاع الشخصية للأوروبيين.

يجادل الباحثون بأن ما يسمونه الاعتبارات الأنانية أو الشخصية غير مهمة. وبدلاً من ذلك، أخذ المستجيبون الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية في الاعتبار. على سبيل المثال، يرفض الأوروبيون المتقدمين العاطلين عن العمل اللاجئين لأنهم يؤثرون على الاقتصاد الوطني، وليس لأننهم خائفون من فقدان وظائفهم.

بظني أن هذا الاستنتاج غير دقيق، لأنه يتعارض مع نتائج دراسات عديدة، توضح حذر الأوروبيين من إمكانية تأثير اللاجئين على وظائف العمل المتاحة. ربما في هذه الدراسة كانت الأسئلة المستخدمة عامة جدًا بحيث لا يمكن كشفها.

نظر الباحثون على سبيل المثال، إلى ما إذا كان الأشخاص ذوو التعليم العالي يرفضون طالبي اللجوء ذوي التعليم العالي إلى حد أكبر من طالبي اللجوء ذوي التعليم المنخفض، لكنهم وجدوا أن الأمر ليس كذلك

يُؤخذ هذا على أنه تعبير يفكر فيه الأوروبيون اجتماعيًا وليس أنانيًا - استنادًا إلى منطق مفاده أن المواطن المتعلم ذو الأنانية يجب أن يكون أكثر رفضًا لطالب متعلم بدرجة عالية من طالب لجوء منخفض التعليم، لأن هذا الأخير لا يشكل تهديدًا للوضع الوظيفي المتعلم.

ولكن ربما يفكر المواطنون في فئات أكثر دقة من التعليم العالي أو المتدني على سبيل المثال.

فإن كنت صحفياً أنانياً، لن ترفض بالضرورة الأطباء أو أساتذة العلوم السياسية أو المحامين، لأنك لا تخشى المنافسة المهنية من طبيب أو محامي أو أستاذ. يجب على الصحفي الأناني أن يرفض على وجه التحديد الصحافيين وليس الأشخاص ذوي التعليم العالي بشكل عام.

ومع أخذ ذلك في الاعتبار، لا أعتقد أن الدراسة يمكن لها أن تعلن لنا أن الأوروبيين مؤتمنين اجتماعيين حقاً.

أساس مشترك بين الشعوب

بحثت الدراسة أيضاً في النسبة التي سيقبلها المشاركون في الدراسة من طالبي اللجوء. وكانت النتيجة ملحوظة.

إن الفارق الصغير نسبيًا في نسبة المتقدمين الذين سيقبلهم مواطني الدول الأوروبية المختلفة مثير للاهتمام فيما يتعلق بالنقاش العام في المجتمعات الأوروبية.

في الدنمارك على سبيل المثال، ينشغل كثير من الناس في إخبار الدنماركيين عن مدى فظاعة قوانينهم وتعاملهم تجاه طالبي اللجوء. في بعض الأحيان يمكن للمتتبع الحصول على الانطباع بأننا نعيش في ألمانيا في ثلاثينيات القرن العشرين. لكن نتيجة الدراسة تؤكد أن الدنماركيين ليسوا أسوأ أو أفضل من بقية أوروبا.

أما بالنسبة لنسبة المهاجرين التي يبدو أن الأوروبيين على استعداد لقبولها، فإن الأرقام تشير إلى أن حوالي نصف جميع طالبي اللجوء يجب أن يحصلوا على اللجوء في حال تم سؤال الأوروبيين.

بالنسبة لي كباحث لدي انطباع واضح بأن الأمر ليس كذلك، وهذا ليس نقدًا للدراسة، ولكنه تحذير لما يمكن أن يتم توظيفه واستخدمه بالأرقام.

هنا يمكن لنا معرفة كيفية تأثير الخصائص المختلفة لطالبي اللجوء على متوسط استعداد الأوروبيين لقبولهم. جميع الأرقام هي تعبير عن تأثير الخصائص في النقاط المئوية.

الملحد (على عكس المسيحي) -3.7

مسلم (مقابل مسيحي) -10.7

التنظيف (مقابل العاطلين) 4.8

مزارع (مقابل العاطلين عن العمل) 5.6

محاسب (مقابل العاطلين) 8

مدرس (مقابل العاطلين) 9.2

طبيب (مقابل العاطلين) 13.4

38  سنة (مقابل 21 سنة) -0.7

62  سنة (مقابل 21 سنة) -6.7

اضطراب ما بعد الصدمة (على عكس عدم وجود صدمة) 1.3

ضحايا التعذيب (مقابل عدم التعرض) 11.2

فرد من العائلة على قيد الحياة فقط (على عكس وجود عائلة) 4

الإعاقة (مقابل عدم وجود) 2.6

هرب بسبب الاضطهاد الديني (على عكس الاضطهاد السياسي) 0.5

هرب بسبب الاضطهاد العرقي (على عكس الاضطهاد السياسي) 1

هربت بسبب الفرص الاقتصادية (على عكس الاضطهاد السياسي) -15

يتحدث لغة مكسورة (على عكس بطلاقة) -5.9

لا يتكلم اللغة على الإطلاق (على عكس الطلاقة) -11.7

هنا يمكن ملاحظة عدد طالبي اللجوء المتخيلين لكل 1000 نسمة الذين سيقبلهم سكان البلدان الأوروبية الخمسة عشر.

10,3 النمسا 

4,60 سويسرا

0,14 تشيك

3,5 دنمارك

5,9 ألمانيا 

1,2  اليونان

0,60  بريطانيا

0,30  إسبانيا

1,1 فرنسا

18  هنغاريا

1,40  إيطاليا

2,40  هولاندا

6  النروج

0,30  بولونيا

16,7  السويد

***

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك

 

احمد عزت سليملقد أصبح الوجود العنصرى فى الفكر الصهيونى أفقياً بالنسبة للفكر اللاهوتى الصهيونى حيث يتموضع الإله والشعب والميثاق والنص فى وضع أفقى وقد توحدوا معاً فيه، والوجود بالنسبة للعالم هرمى يحتل قمته الإله/ النص/ الميثاق/ الشعب، وفى الأسفل عالم الأغيار، ويصير هذا التموضع اللاهوتى معبراً عن العظمة التى تجلى فيها البشر/ الشعب اليهودى وهو قابع مع الإله فى قمة الهرم وقد أصبح ذاكرة البشر الغائرة والكائن الكلى الواجب الوجود من أجل الوجود ذاته الذى خلقه الإله له، ومن ثم يتخطى حدود التطورات البشرية التى شهدتها الإنسانية وقوانينها التطورية، إن لم تكن كينونته هى التى تجرى بها هذه التطورات وتدفعها إلى التطور، ومهما أفقدت تلك التطورات الميتافيزيقا الكثير من عناصرها وعزلتها بقوة العلم والتقدم التكنولوجى، لكنه مع اليهودى ــ كما تؤكد العنصرية الصهيونية اللاهوتية ـــ يبقى لا معنى للوجود إلا به، وتصير عناصره منهجا فى معرفة ورؤية الآخر وتفسير تصرفاته وتطوراته فى مقابل الثبات العنصرى اليهودى الذى يفسر هو الآخر التصرفات المقدسة الخاصة بما يسمى  الشعب  اليهودى، المزعوم .

وتصبح العنصرية الصهيونية برنامجا عمليا مقدسا لتحقيق إرادة الرب، ويقول الحاخام جيتسبرج : إن قتل اليهود لغير اليهود لا يعتبر جريمة تبعاً للديانة اليهودية، وأن قتل العرب الأبرياء بغرض الانتقام يعتبر فضيلة يهودية، كما أعلن الحاخام يوسف عن أن اليهود لديهم واجب دينى يتمثل فى طرد جميع المسيحيين من دولة إسرائيل "، وجاء فى التلمود الجحيم أوسع من النعيم ستين مرة لأن الذين لا يغسلون سوى أيديهم وأرجلهم كالمسلمين والذين لا يختتنون كالمسيحيين الذين يحركون أصابعهم ( يفعلون إشارة الصليب) يبقون هناك خالدين "، وذكر فى التلمود أنه " إذا مات أحد الجدود مثلاً تخرج روحه وتشغل أجسام نسله حديثى الولادة ... وأن هذا التناسخ قد فعله الرب رحمة باليهود لأنه أراد أن يكون لكل يهودى نصيب فى الحياة الابدية ....، ويعتقد اليهودى ما سطره لهم حاخاماتهم من أن اليهودى جزء من الرب كما أن الابن جزء من أبيه وأنه لو لم يخلق اليهود لانعدمت البركة فى الأرض، ولما خلقت الأمطار والشمس، ولما أمكن باقى المخلوقات أن تعيش ... وكما قال حاخام آخر أرئيل وهو يرثى على حد زعمه - الشهيد المقدس باروخ جولد شتاين الذى ارتكب مذبحة الحرم الإبراهيمي والذى أصبح بفعلته الإجرامية شفيع إسرائيل فى الفردوس ... وكما يرى : ــــ أن اليهود يرثون الأرض ليس فقط من خلال معاهدة سلام ولكن فقط من خلال إراقة الدماء، وحياه الحاخام دوف ليور لأنه طهر اسم الإله المقدس، وأن أرواح غير اليهود تأتى من الجانب المؤنث من الكرة الشيطانية، ولهذا السبب  فإن أرواح غير اليهودى شر، وليست خيراً، وخلقت دون علم إلهى" – يقصد بمعرفة الشيطان، كما أن قوة الفيض، تبارك اسمه شاء أن يكون هذا الشعب على هذه الأرض يجسد جوانب الفيض الإلهى الأربعة، وهذا الشعب هو الشعب اليهودى الذين اختيروا لكى يجمعوا  معا العوالم الإلهية الأربعة هناك على الأرض " .... ومن ثم  إذا غضب الرب من شعبه ندم وكف أبده عنهم كما كف سيفه عن بيت داود إلى الأبد، يقوم الشعب ـ إلى الأبد ـ كما تقول التوراة كلبؤة ويرتفع كأسد لاينام حتى يأكل فريسة ويشرب دم قتلى، وكما يقول الحاخام كوهين فى التلمود :  سكان الأرض قسمان : ـــ إسرائيل والشعوب الأخرى منظوراً إليها ككل يتسلط عليها الرب ـ إلى الأبد ـ، والشعب الذى حل فيه، كقربان يجب أن يتم  بطريقه شرعية كفريسة للشعب المختار الذى يستحق الحياة الأبدية وكما قال الرابى (البو) : ـــ" سلط الرب اليهود على أموال باقى الأمم ودمائهم"،  ويضيف الحاخام أفنيرى : ــــ " إننا يجب أن نعيش فى هذه الأرض حتى بالحرب . علاوه على ذلك حتى لو كان هناك سلام،  فإننا يجب أن نشعل حروب التحرير من أجل غزو هذه الأرض،  وليس من المستبعد افتراض أن جوش أمونيم إذا ما امتلكت السلطة والوسيلة فإنها سوف تستخدم الأسلحة النووية من أجل محاولة تحقيق هدفها "، أما الحاخام دريفوس فقد عبر عن هذا قائلاً : ـــ " إننا سوف نشعل حرباً لا تعرف الرحمة ضد الكيان الكنعانى الفلسطينى "، وهذه العنصرية الإلهية  هى ذاتها التى يعبر عنها حديثاً الحاخام كوك الأب الروحى للنزعة المسيانية فى الأصولية اليهودية قائلاً : ــــ " إن الفرق بين روح اليهود وأرواح غير اليهود أكبر وأعمق من الفرق بين روح الإنسان وروح البهائم "،  ويعبر الحاخام يهود أميتال عن هذه الخصيصة البنائية قائلاً : ــــ " إننا نعلم إذن أن هناك تفسيراً واحداً للحروب فهى تهذب وتنقى الروح . فعندما يتم التخلص من الدنس،  تصبح روح إسرائيل وبفضل الحرب نقية  ـ إننا قمنا بالفعل بغزو الأرض،  وكل ما تبقى الآن هو أن نقوم بغزو الدنس ".

 

أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

 

ناجي احمد الصديقلم تعد امور فى عالم اليوم على درجة كافية من الوضوح بحيث نستطيع الجزم بحقيقة ما من خلال ما يقال عنها من كلمات او ما يصدر فيها من قرار او ما يسطر لها من تقرير، فعالم اليوم يكون فيه ما بين الجمل والسطور اكثر ما فيه ما تعنيه تلك الجمل والسطور كان هذا فى مجال الدين او السياسة او الاقتصاد او الاجتماع وعلينا تبعا لذلك عدم الركون الى الكلمات بمعانيها المعروفة بل يتحتم علينا ان نغوص فى أعماق تلك الكلمات ونستبين الظروف ونحلل الوقائع حتى نصل الى المعاني الحقيقية .. فعالم اليوم هو عالم التهويم لا الحقيقة لان الحقيقة المجردة لا يملكها الا الحكام والطاقم الذى يساعدهم فى تلك نشر تلك التهويمات

قرار محكمة مجلس الدولة الإدارية العليا فى استانبول بتحويل متحف أيا صوفيا الى وضعه الطبيعي كمسجد كان واحدا من القرارات التى ثار بشأنها الجدل، ليس لان القرار كان صائبا او خاطئا لان الخطأ والصواب فى قرارات المحاكم ليس من الأشياء التى تثير الجدل بين الناس فالجدل حول قرارات المحاكم مكانه منصات القضاء، وليس لان قرار المحكمة كان تدخلا فى شئون الآخرين فشأن المحاكم الوطنية دائما هو فض النزاع بين أشخاص الدول الطبيعيين والاعتباريين دون التعدي الى أشخاص دولة أخرى، ولكن لان قرار المحكمة التركية كان يمس العقيدة الإسلامية كما يرى المسلمون تماما كما يمس العقيدة المسيحية كما يرى المسيحيون ولان قرار المحكمة كان يلبى اشواق مناصرو الرئيس التركى فى تعاطيه مع اذمات الحكم تماما كما يدغدغ احلام المعارضين فى دفعهم المستمر نحو تهجم الإسلام على بقية الاديان واتخاذ مشاعر المسلمين سبيلا لذلك التهجم،وبين جدلية الدين والسياسة تتهوه بنا التحليلات من أصالة قرار المحكمة وعدم تدخل الدولة فيه كشأن داخلى لا يمت لغرض دينى وسياسي للسلطات، الى توجيه السلطات فى تركيا الى إصدار القرار لإغراض دينية ذات صبغة سياسية فاين اى يقف ايا صوفيا بين جدلية السياسة والدين التى كادت ان تعصف بكل العقائد

أقيمت ايا صوفيا اول مرة ككنيسة فى عام 537 بامر من الإمبراطور .البيزنطي يوستاريوس الاول 527- 565 لتكون صرحا دينيا لا مثيل له فى العالم المسيحى، بعد ان فتح السلطان العثماني محمد الفاتح القسطنطينية عام 1453 قام بتغيير اسمها الى استانبول ودخل كنيسة ايا صوفيا وصلى فيها او جمعة وجعلها بعد ذلك مسجدا كبيرا ويبدو انه قام باجراءت قانونية لدى دوائر التسجيل تحولت بموجبها بصورة دائمة الى مسجد ومنذ ذلك الوقت أصبحت ايا صوفيا جامعا إسلاميا عظيما ورمزا اسلاميا معروفا الى ان ظهر الزعيم التركي كمال اتاتورك وانهى حكم العثمانيين وقام بتحويل المسجد الى متحف فنى يضم كنوزا إسلامية ومسيحية.

لا نعلم ماهى الأجندات التى دفعت كل من السلطان محمد الفاتح والزعيم كمال اتاتورك الى التحويل من كنيسة الى مسجد او من مسجد الى متحف ولكن الأجندات الدينية والسياسية هى التى تدفع الحكام الى استثارة عواطف الناس لهذا فان اللجوء الى العواطف الدينية كان وما يزال هو المحرك الاول للحكام لتحقيق مآربهم السياسية وان كنا لا نستطيع الآن التحقق من الأهداف الأساسية الكامنة وراء التحولات الاولى لصرح ايا صوفيا سواء من جانب السلطان محمد الفاتح او من جانب كمال اتاتورك الا اننا يمكن ان نتعمق فى هدف الرئيس اوردغان من وراء تحويل اياصوفيا الى مسجد كما يمكن ان نتحقق ايضا من ردود الفعل العنيفة فى بعض الاحيان من جانب بعض الدول على ذلك التحويل.

لا بد من الإشارة الى ان دولة تركيا تعتبر دولة إسلامية لان نسبة المسلمين فيها اكبر من غيرها ولأنها كانت فى يوم ما معقل الدين الاسلامى ابان عهد الخلافة العثمانية ولهذا فانه ليس مستغربا ان تكون فيها مظاهر الإسلام بارزة وواضحة كان ذلك على مستوى المؤسسات الإسلامية ومن بينها المساجد او على مستوى التمسك بتعاليم الإسلام وتوجيهاته وترتيبا على ذلك فان للمساجد فى وجدان المسلمين حظا كبيرا ويتم التعامل معها بحس وجدانى كبير لان المسجد هو بيت الله واحرى بالمسلم من الحفاظ على بيت الله والدفاع عنه حتى الموت

تقول وقائع التاريخ ان الأحزاب الإسلامية فى تركيا لم تتناسى ايا صوفيا فهناك الكثير منهم يرى ا نايا صوفيا يجب ان يعود مسجدا مرة اخرى وقد تبلور هذا الاتجاه بصورة واضحة منذ استلام حزب العدالة والتنمية الاسلامى مقاليد الحكم هناك، فى عام 2013م اعلن اردوغان حينما كان رئيسا للوزراء انه لم يفكر فى امر ايا صوفيا ما دام هناك صرحا إسلاميا كبيرا شبه خالى مسجد السلطان احمد وكان ذلك كما يبدو على خلفية مطالبة بعض الجمعيات الأهلية الإسلامية بالنظر فى تحويل ايا صوفيا الى مسجد ومع توالى تلك المطالبات سمحت حكومة حزب العدالة والتنمية بفتح مسجد فى الجزء الخلفى من المبنى فى عام 2016م، ثم قامت رئاسة الشئون الدينية والأوقاف بإصدار قرار بتلاوة القران يوميا بايا صوفيا خلال شهر رمضان المعظم من عام 1937هـ .

يبدو ان الحكومة التركية قد رأت عدم الزج بنفسها بقرارات إدارية فى مسأـلة تحويل ايا صوفيا الى مسجد كما يبدو أيضا ان كانت على دراية بحساسية التعامل مع تلك المسألة من جانب المجتمع الدولى وخاصة المسيحي منه ومع ذلك فإننا نرى ان اتجاه الدولة كان يدفع نجو ذلك التحويل حتى وان كان من باب الأمنيات والرغبات وتركت السلطات فى الحكومة التركية امر التحويل للقضاء بحيث يستطيع الطرف الذى يرى احقية ذلك التحويل من اللجوء للقضاء ليفصل فى الامر بقرار قضائي وليس إداريا ولا يخفى على احد الفرق الكبير بين الفصل امر التحويل بقرار قضائي وبين اصدار قرار ادريا من سلطات الدول، فالاول يعتمد على بينات وشهود وقانون والثاني يرتكز على تقديرات شخصية وبهذا ترى السلطات التركية بانه لا يد لها بتحويل ايا صوفيا من متحف الى مسجد فالأمر أصبح برمته بين يدى السلطات القضائية ومن يتضرر عليه اللجوء اليها. وبالفعل قام مجلس الدولة وهو اعلى سلطة قضائية فى تركيا باصدار قرار يبطل فيه الوضع الذى كانت ايا صوفيا توصف بموجبه كمتحف وقالت المحكمة فى حيثيات حكمها (ان ايا صوفيا مسجلة كمسجد فى مستندات الملكية التى تحمل اسم مؤسسة محمد الفاتح وهو السلطان العثمانى الذى كان قد ضم القسطنطينية الى الدولة العثمانية وان هذا الوصف غير قابل للتعديل) .

يقول معارضو حكومة اوردغان ان الهدف من تحويل ايا صوفيا هو إعادة الابتزاز وشحن العواطف والبسطاء من المسلمين فى وقت تتراجع فيه شعبية اوردغان، كما وجد القرار ردود فعل متفاوتة بين العنيفة كما حدث فى رد الفعل اليونانى ومتوازنة كما هو فى رد الفعل الاوربى واذا كنا نتفهم ردود الفعل العنيفة من قبل المسؤلين اليونانيين للتوترات الشديدة الموجود تاريحيا بين البلدين من ناحية والشعور الدفين لدى اليونان بافول مجدهم الذى كانت ايا صوفيا واحدة من معالمه البارزة فاننا لا نجد سببا لردود الفعل العربية والإسلامية من التى نددت بتحويل ايا صوفيا إلا من باب الأجندة السياسية التى درجت على توظيف كل الأحداث حتى وان كانت خيارات دولة تتمسك بهويتها الإسلامية

لا ينكر احد ان قار التحويل جاء لمصلحة الرئيس اردغان فى سياق تعاطيه مع التوترات التى تشترك فيها تركيا فى الشرق الأوسط كما انها جاءت فى صالحة فى سياق التنافس الداخلي مع خصومه فى المعارضة ولكن واجهة الأحداث تخبرنا بان قرار تحويل اياصوفيا كانت بقرار قضائي اولا وثانيا فان أمر التحويل مهما كانمت ظروفه هو شأن تركيا داخليا ليس لدولة خارجية التدخل فيه وواجهة التى نعنى هى الصورة التى تنقلها لنا وسائل الإعلام اما خفى من تلك الصورة فليس لنا من سبيل للوصول اليها غير التحليل، والتخليل لدينا هو ان حكومة اردوغان كانت تدفع نحو ذلك التحويل وهى تنظر الى وضعها فى ليبيا وفى سوريا ورؤيتها لمجمل التحالفات والاصطفافات الإقليمية والدولية ولكنا كعادتها سلكت سبيلا مشروعا نحو ذلك الدفع وليس اكثر مشروعية من طريق القضاء ليصل به المرء الى حاجته

ينظر الى أيا صوفيا بانها تمثل رمزا عالميا له وزن خاص لدى المسلمين والمسيحيين على السواء وهى مقصد سياحى للملايين من كل إنحاء العالم وهى مدرجة ضمن الآثار التراثية لمنظمة اليونسكو لهذا يبدو ان السلطات التركية قد جعلت المسجد مفتوحا كمعلم سياحى للناس من كل إنحاء العالم وهو بهذا لايجب ان يكون من أجندة الاختلاف الديني او السياسي بين المحاور المتصارعة الى حد الموت فى عالم اليوم

 

بقلم: ناجى احمد الصديق الهادى – المحامى / السودان

 

محمود محمد عليذكر عالمتا الكبير الراحل جمال حمدان (1928- 1993) في كتابه الرائع والذي يحمل عنوان " الجماهيرية العربية الليبية: دراسة فى الجغرافيا السياسية" ، والمنشور بمكتبة «مدبولى» المصرية  وذلك عام 1996، فمن خلال مقدمة مركزة وبابين (300 صفحة)، تناول «حمدان» «المسألة الليبية» فى ضوء «علم الجغرافيا السياسية»؛ حيث تتبع «التطور الجيوبوليتيكى - الجغرافي السياسي لليبيا» فى الباب الأول. وقام بجهد مبدع بما أطلق عليه "تحليل القوة" الليبية؛ فى الباب الثانى.

بداية يشرح حمدان أهمية الجغرافيا السياسية باعتبارها: "ذلك الفرع من العلم الذى يحلل الجوهر الكامن والدفين فى كيان الدولة، ويمارس التشريح الموضوعي للجسم السياسي، من الجلد إلى العظم وحتى النخاع.

وهنا نجد جمال حمدان يدرس تفاصيل «المسألة الليبية» من حيث الآتى: أولا: التاريخ القديم والوسيط الجغرافى ـ السياسي لليبيا، وثانيا: ما أسماه »«حمدان» دراسة جغرافية الاستعمار الإيطالي الليبي ومن ثم جغرافية التحرير، وثالثا: دراسة أداءات ليبيا المستقلة تجاه جغرافيتها السياسية.

ولتوضيح ذلك يقول جمال حمدان، قد تكون ليبيا كدولة «ظاهرة حديثة جدا فى السياسة الدولية. بنت القرن العشرين على الأكثر، ولكنها فى حكم الجغرافيا السياسية، وبمقاييسها دولة قديمة للغاية، عمرها عشرون قرنا على الأقل».

فمنذ عرف الإغريق القدماء الأرض التى ذكرها لنا «هيرودوت باسم ليبيا، والعالم مضطر إلى أن يفردها كوحدة جغرافية متميزة». فبين «كتلة جزيرة المغرب» غربا، ووادى النيل بمصر» شرقا، وإلى «الجنوب من الحوض الأوسط للبحر المتوسط، تمتد مساحة شاسعة»، لا مفر من اعتبارها منطقة جغرافية قائمة بذاتها.

ويستطرد جمال حمدان، فيقول: ثم هى فى الوقت نفسه وإن اشتركت معهما فى القطاع الأكبر من الصحراء، التى هى بحد ذاتها عامل فصل أولى، تختلف بقطاعها الفعال عن كل منهما اختلافات متفاوتة ولكنها أساسية، سواء فى البنية أو البيئة، الطبيعية والبشرية... ومن هذين العاملين: أولا: مطلق الامتداد المترامى؛ وثانيا: الاختلاف الطبيعى والبشرى المطلق والنسبى؛... تستمد ليبيا قوتها؛ من الموقع والثروة الطبيعية والبشرية.

ثم بؤكد جمال حمدان فيقول: "ومن الناحية الأخرى فإنها كما تتألف فى الداخل من نطاق متوسطى وقطاع صحراوى، تقع بين البحر المتوسط ومن خلفه أوروبا شمالا وبين الصحراء الكبرى ومن ورائها السودان الإفريقى وإفريقيا المدارية جنوبا".

وهنا يصل جمدان حمدان إلي حقيقة هامة وهي موقع ليبيا استطاع أن يكتسب عبر التاريخ قيمة كبيرة؛ حيث تبين عمليا وفى أوقات الحروب - تحديدا - الأهمية الاستراتيجية لليبيا حيث يمكن أن يتم «تهديد شرايين مواصلات البحر المتوسط، كما يمكن منه الزحف يمينا إلى الشرق الأوسط ويسارا إلى شمال إفريقيا»... ومن ثم تعد ليبيا «قوة بينية صغيرة تقع بين قوتين قطبيتين» مصر من الشرق. والمغرب العربى من الغرب. ونضيف من خلفها إفريقيا وأمامها المتوسط وأوروبا: إيطاليا واليونان تحديدا...

ولهذا السبب أضحت ليبيا مطمعاً لكل الغزاة لكون أن موقعها الجغرافي أضحي يقدمها كنموذج مثالي للاستعمار الاستراتيجي. ويشرح جمال حمدان ذلك فيقول: "هي لا تتوسط ساحل البحر المتوسط الجنوبي في مواجهة إيطاليا فحسب، لكنها كذلك تقع بين قوسي الاستعمار البريطاني في شمال شرق إفريقيا والفرنسي في شمالها الغربي. وهي بذلك خشبة قفز من القاعدة الأم، وموطئ قدم على اليابس الإفريقي، ورأس حربة داخل محيط الاستعمار القديم".

ويشير جمال حمدان إلى أنه في عهد الفاشية اتسعت أحلام إيطاليا إلى إمبراطورية عظيمة "أفريقية" أو "إسلامية"، تبدأ من تونس وليبيا فلا تنتهي إلا في الصومال واليمن، وبذلك يبتلع جسمها كل الاستعمار البريطاني في حوض النيل، سواء مصر والسودان، إلى جانب القرن الإفريقي، كما يرتكز هيكلها على البحرين المتوسط والأحمر.

وفق هذا المنظور، يؤكد "حمدان" على أن ليبيا كانت بالنسبة لإيطاليا عتبة أو مفتاح الإمبراطورية المأمولة، لافتا إلى أن ما حدث كان بمثابة استعمار استراتيجي في الدرجة الأولى، استعمار مواقع وقواعد عسكرية وموقعا جغرافيا لا موضعا عمرانيا.

لكنه يؤكد أن مشروع الإمبراطورية الإيطالية الخيالي كان يمت إلى منطق الماضي أكثر منه إلى حقائق الحاضر والعصر، إذ تبدد المشروع برمته بصورة ساخرة حقا أثناء الحرب الثانية، لكنه يستدرك أن "هذه التجربة أثبتت على الأقل قيمة ليبيا البالغة كموقع استراتيجي دقيق وكموقعة حربية هامة".

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة أود أن أؤد عليها من خلال ما توصلت إليه من كلام جمال حمدان ومن تاريخ ليبيا الحالي وهو أن ليبيا لديها احتياطي نفط بلغ 41 مليار برميل، وتنتج، قبل إيقاف الضخ، 2 مليون برميل يومياً، وتعد سواحلها -حتى الآن- باحتياطي غاز لا يقل عن 2 تريليون أمام سواحلها الممتدة على ساحل المتوسط.

وهناك ثروات من نقد وذهب غير معلومة من زمن نظام حكم معمر القذافي لا أحد يعلم مكانها بالضبط، لكن يدرك أنها سوف تظهر ويتم استعادتها، تقدر بـ350 مليار دولار على الأقل..

يضاف لذلك احتياطي الصندوق السيادي الليبي «يقدر بقرابة 90 مليار دولار» الذى يمكن أن ينتعش، فى حال الاستقرار السياسي والأمنى، إذا بدأت عوائد النفط واستكشاف الغاز الجديد تدر مداخيلها..

ولذلك وجدنا الغرب وأردوغان لا يخفى تلهفه على النفط الليبى الذى تقول تقديرات إن عائداته تصل إلى 180 مليار دولار سنويا، إضافة إلى أن أردوغان يسعى إلى تحويل ليبيا لورقة يهدد بها أوروبا بإغراقها بالمهاجرين غير الشرعيين، وكذلك إزعاج ومناكفة مصر، عقابا لها على ما فعلته بضرب مشروعه عام 2013 .

ولهذا السبب أصبح أردوغان لا يهددنا فقط من الحدود الغربية، ولكن يهددنا أيضا من الحدود الشمالية، حينما وقع مذكرة تفاهم مع حكومة الوفاق والميليشيات فى طرابلس يعتقد أنها تعطيه الحق فى الحصول على جزء من ثروة الغاز فى شرق البحر المتوسط؛  وما يهم مصر الآن في المقام الأول ألا تصل القوات التركية إلى شرق ليبيا، لأن ذلك يعنى تهديداً مباشراً للأمن القومى المصري، أي يصل التهديد التركى إلى أرض مصر مباشرة..

بينما يستقر النفوذ التركى في غرب ليبيا ليكون تجمعاً مع تونس وتهديداً للجزائر وكل باقى شمال إفريقيا العربى.. من هنا يجىء أردوغان لمنع سقوط- أو تحرير- طرابلس وليس هزيمة الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر.. ليس من أجل عيون الجانب الوطنى، ولكن لترسيخ فكرة انفصال الغرب عن الشرق.. أي تقسيم ليبيا.. وبالمناسبة يتنامى الوجود التركى في طرابلس منذ سنوات فالشركات التركية يزداد نفوذها.. تستثمر هناك عشرات المليارات.

ويستهدف المخطط التركي سحب الجيش المصري إلى معركة في طرابلس، وبسبب تصاعد الوجود التركى هناك يمكن أن تندفع مصر بقواتها الجوية لقصف مناطق تواجد الميليشيات الإرهابية فيها.. وهنا يتعرض سكان طرابلس ومصراتة وغيرهما للضرر.. وبذلك تحدث القطيعة بين مصر وأبناء غرب ليبيا وبالذات في طرابلس حيث الكثافة السكانية العالية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

............................

المراجع

1- جمال حمدان: الجماهيرية العربية الليبية: دراسة فى الجغرافيا السياسية، مكتبة مدبولي ، القاهرة، 1996م.

2-عماد الدين حسين: ليبيا.. والمشروعات المتنافسة على المنطقة (مقال).

3-  عباس الطرابيلى: تقسيم ليبيا.. هدف تركي(مقال).

4- سمير مرقص: ليبيا.. الميزان والذهب (مقال).

5- عماد الدين اديب: عشرة أسباب للصراع على ليبيا (مقال).

 

صلاح حزاماعلن السيد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي عن موعد اجراء الانتخابات المبكرة في السادس من حزيران من عام 2021 . وقد تلى ذلك سلسلة من الدعوات من عدة جهات لجعل موعد الانتخابات مبكراً اكثر .

ومع وجود شكوك في مدى كفاية الفترة المتبقية لاجراء تلك الانتخابات بشكل كفوء ونزيه يعكس ارادة الناخبين العراقيين، الا ان البعض اراد للانتخابات ان تجرى قبل الموعد المعلن من قبل رئيس الوزراء!!

السؤال المنطقي هو لماذا ذلك الاستعجال؟

وبغض النظر عن مدى تحقق رغبة المحتجين في جعل الانتخابات تجري على اساس الدوائر المتعددة بدلاً عن الدائرة الواحدة ، فهل سوف يخدم الاجراء المبكر للانتخابات مطالب المحتجين العراقيين في ساحات التظاهر؟

الملاحظة الاولى والاساسية هي كون المتظاهرين والناشطين لازالوا غير منظمين في إطار تنظيمي واحد او أكثر لكي يدخلوا الانتخابات ببرنامج انتخابي محدد !!

كيف سيضمنون فوز مايكفي من الناشطين او من يختارونهم في عضوية البرلمان القادم؟

مضى على بداية الحراك الشعبي عشرة اشهر تقريباً ولازالت المطالب المعلنة هي :

نريد وطن .....

ولكن كيف؟ ووفق اي رؤية واي برنامج واي توجه سياسي واقتصادي واجتماعي؟

هل هنالك مايضمن ان تقدم الاحزاب الحاكمة وجوهاً تابعة لها لكنها جديدة على الساحة وتبدو كأنها تنتمي للحراك الشعبي؟

هل ان الناشطين في الساحات وفي المنابر الاعلامية يعملون على تنظيم انفسهم؟ هل تم البدء في تلك العملية؟ وهل سيكون الجمهور على بينة بخصوص المرشحين من دعاة التغيير الحقيقي والذين افرزتهم التظاهرات؟

هل يستعينون بخبرات دولية في هذا الخصوص؟

في بعض الدول تأسست احزاب سميت حزب المؤتمر على أثر عقد مؤتمر لمناقشة القضايا الوطنية وانبثقت عن الاجتماع لجان تنظيمية وفكرية تولت تاسيس الحزب الذي خاض الانتخابات وفاز وتولى تغيير مسيرة الحياة السياسية في ذلك البلد .

انا الاحظ ان الناشطين الذين يمثلون المتظاهرين ليسوا متفقين على موضوع الدوائر الانتخابية فيما اذا كانت متعددة او دائرة واحدة، ويظهر ذلك من خلال احاديثهم على شاشات التلفزيون .

وكل فريق منهم له تبريره لما يريد !!

وحتى بعض السياسيين المنتمين لاحزاب عريقة يقتصر حديثهم على انتقاد اداء مؤسسات الدولة والفساد المستشري فيها دون التركيز على النهوض بمستوى الوعي السياسي لدى الجمهور لمساعدته في القيام بافضل اختيار في الانتخابات القادمة .

في الانتخابات السابقة والتي قبلها ظهرت قوائم تمثل الاكاديميين والفنانين والمثقفين لكنها لم تفز بمقعد واحد !!

ما الذي يريده الجمهور؟ هل لديهم تصور جمعي عن مواصفات من يستحقون الانتخاب ؟ ووفق اي أسس؟ هل هي السمعة ام التاريخ الوطني ام العمر ام التحصيل العلمي ام الخبرة المهنية ام المنطقة الجغرافية او الانتماء الديني او المذهبي او العشائري؟

ماهي منابرهم المخلصة التي تخدمهم باخلاص للوطن قبل اي شيء آخر؟ هل لديهم صحف او قنوات تلفزيونية او نقابات مهنية تتضامن معهم؟

وهنا قد يبدو الالحاح على تقديم موعد الانتخابات كمحاولة لمنع تكوين أطار تنظيمي يحتوي دعاة التغيير في العملية السياسية وتطويرها نحو الافضل .

كلما كان الوقت الذي يفصلنا عن موعد الانتخابات اقصر ضاقت الفرص امام دعاة التغيير لإحداث تغيير ملموس او ربما عدم إحداث اي تغيير على الاطلاق.

 

د. صلاح حزام

 

 

عبد الخالق الفلاحالجماهير المطالبة بالتغيير نجحت في الإطاحة بالحكومة السابقة برئاسة عادل عبدالمهدي بعد الاحتجاجات الايجابية منها وتخللتها أعمال عنف  سلبية أسفرت عن مقتل المئات وإصابة الآلاف، والتي تعد الانتخابات المبكرة أبرز المطالب في الاحتجاجات و تشدد من جديد على وجوب إجراء العملية الانتخابية بشكل سريع دون مطبات وفواصل زمنية الغاية منها اطالة الموعد بتبريرات غير حقيقية وتستغل للمزايدة السياسية والإعلامية كي لا تكون هناك أية انتخابات لا مبكِّرة ولا وفقاً لتوقيتها الدستوري" وعلى اعتبار أن الحديث عن انتخابات مبكرة لم يرد في الدستور أصلاً أي اشارة اليها، لاسيما مع وجود برلمان قائم بالاسم دون فعل يجدي وهو منذ اكثر من اربعة اشهر في سبات دائم وبعيداً عن متطالبات المرحلة والازمة الوبائية (كوفيد 19) التي تشغل العالم ونافذ الصلاحية كما ينوه عنه وهو عاطل عن العمل.

 واجراء الانتخابات وفق الشروط والمعايير التي تضمن شفافية اجراء العملية هي عملية مهمة ولكن يسودها نوع من الغموض  وفيها تردد، كي تقود إلى تمثيل حقيقي عن إرادة الشعب، وتكون الأمم المتحدة الضامنة و مشاركة ومشرفة على العملية الانتخابية، مع فسح المجال للمراقبين والصحفيين لمتابعة مجرياتها، وابعاد الاخطاء المقصودة والغير مقصودة التي حدثت في الانتخابات السابقة وما أفرزته من نتائج ستلاحق أية عملية جديدة ما لم يتم اعتماد عدة خطوات ومنها إصدار قانون "يستلهم إرادة الشعب ومطالب الجماهير باعتماد الانتخاب الفردي والدوائر المتعددة، واستخدام البطاقة البايومترية حصرا لتفويت الفرصة على المزورين والمتاجرين و انبثاق مجلس نواب جديد يكون نواة حقيقية لحكومة تمثل تطلعات الشعب، وليس تكراراً لتواجد الأحزاب نفسها تحت قبة البرلمان العراقي المقبل، بالنمط والعقلية ذاتها، مع تغيير الوجوه والاتيان بسياسيين شباب، يمثلون نهج وطريقة هذه الأحزاب.

وما ان اعلن رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي في بيان له  الموعد الجديد للانتخابات داعيا لأن "تجري الانتخابات المبكرة في السادس من يونيو/ حزيران من العام القادم".والذي هز مضاجع القوى السياسية و اكد فيها ان الصراعات الداخلية والدولية تهدد أمن العراق ومستقبل شعبه، و لا حلول للأزمات في العراق من دون استعادة دور الدولة كما اعلن عن حرصه على اكمال المرحلة الاولى من الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة ولن يحتاج العراق إلى وجود عسكري امريكي بقدر حاجتنه الى التسليح والتدريب والدعم الثقافي والاقتصادي ، وللحقيقة وعلى الرغم من اعتقادنا الكامل ان رئيس مجلس الوزراء لا يمتلك عصا سحرية لمعالجة كل السلبيات والتصدعات والازمات والمشاكل في ليلة وضحاها، فيجب ان يُمنح الفرصة الكافية لترتيب اوضاع البلد المرتبك وسط اجواء ملبدة بالغيوم والعواصف  التي اغرقت البلاد بالظلام والبؤس والحرمان منذ سنوات طويلة، لا سيما وانه حقق في وقت قصير ما عجز عن تحقيقه غيره من رؤساء الحكومات السابقة ،و كان هدفه منذ قبوله التكليف ولازال ، فتح ثغرة يستطيع النفوذ منها لاصلاح ما يستطيع اصلاحه ولإنقاذ العراق من الفوضى التي فاقت قدرة اي حكومة و حكومته تعمل على الحد من الأزمة المتفاقمة على الرغم بأن المؤشرات تتوقع صعوبة المهمة هذه في هذا الجو المعقد .

المهم منذ اعلان الرجل عن موعده للانتخابات حتى بدأت تتوالى ردود الافعال منهم الأمم المتحدة " بعثة يونامي"التي رحبت بالموعد وابدت العمل على مساعدة العراق، والقوى السياسية التي سارعت البعض منها إلى الترحيب بتحديد موعد الانتخابات المبكرة ومختلف الكيانات والأحزاب السياسية على مضض وبدون رغبة وهي غير مقتنعة بهذا الموعد والرعب مسهم من النتائج التي قد تخرج في غير صالحهم واشارت الى المادة التي تطعن بالقرار مسبقاً وفق الاشارة التالية من الدستور "إجراء الانتخابات يحكمها المادة 64 من الدستور العراقي التي تنص على حل مجلس النواب بطلب من ثلث أعضاءه أو بطلب من رئيس الوزراء بموافقة رئيس الجمهورية"، واشارة المادة الى ان  "الانتخابات المبكرة لا تجرى إلا بموافقة البرلمان على حل نفسه بأغلبية المطلقة"، وهذا الكلام الغيرالمنطقي والتبريرات هو  جزء مبكر من اجل وضع العصي في عجلت القرار و اخذت تتعاقب من قبل اعلى المسؤولين بشكل متوالية بعد سكوت مطبق لفترة زمنية طويلة صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171) وأن الحكومات المتعاقبة لم تنفذ اي برنامج حكومي ولا اي منهاج وزاري ولم تتعدى السطور التي كتبت به مما أدى إلى استمرار الاحتجاجات الشعبية بسبب قلة الخدمات وانعدام المقومات الطبيعية لحياة المواطن وبين مؤيد وبين مقترح لتقديم الموعد الانتخابي او تأخيره تتهافت مقترحاتهم . كانهم ابرياء من كل ما جرى ويجري في العراق من مظالم كبراءة الذئب من دم يوسف وهم بعيدين عن الاخفاقات التي منيت بها الحكومات السابقة ولم يكونوا هم الاساس وكأن على رؤوسهم الطير ولا بطش لهم ولا حياة فيهم واخيرا لابد من توفير الأجواء الديمقراطية السليمة المؤهلة لممارسة المواطن حقه الشرعي في اختيار ممثليه دون ضغوط أو تهديدات وبصورة قانونية، وتهيئة مستلزمات العملية الانتخابية، والحرص على إبعاد التدخلات التي من شأنها أن تطعن النتائج، عبر ولاءات وانحيازات غير شرعية  ولا انبثاق مجلس نواب جديد يكون نواة حقيقية لحكومة تمثل تطلعات الشعب لاعادة احترام ومركزية اختصاص البرلمان، وليس تكراراً لتواجد الأحزاب نفسها تحت قبة البرلمان العراقي المقبل والتي فشلت في ان تسير عجلة البلاد نحو الاحسن بل كانوا جزء من انهيار القيم وانتهاك الحقوق والتهكم الذين فقدوا كل شرف وخلق ودين ومسؤولية وإنسانية، وسلبوا الفقراء حقوقهم، وحولوا البلاد الى خرائب  وهنا انا " لا اعمم ابداً" ، بالنمط والعقلية ذاتها سيبقى الفساد مستشرياً ، وبعد الانتخابات السليمة ومع تغيير الوجوه والاتيان بسياسيين شباب، يمثلون نهجاً وطنياً اولاً واخراً سيكون الحل ات .

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

 

 

عبد الجبار العبيديلا احد ينكر ان المخاض الجديد في العراق اليوم لم يكن وليد الساعة، بل كان مخاضاً عسيرا ولدته الايام والليالي العجاف التي مرَ بها الوطن خلال اكثر من ثلاثين سنة مضت. فعلى من يريد التقييم لهذه الفترة وما حل بالوطن الجريح اليوم من متاعب وأهات ومظالم، عليه ان يكون منصفاً في التقييم.

من يتابع ما يكتب وما يُعلق على الوضع الراهن في العراق اليوم يخلص الى نتيجتين، الاولى سلبية، والثانية ايجابية. السلبية جاءت من الذين يعتقدون بفقدان الحقوق والامتيازات وحصرها في الجانب الاخر فقط، فهم يعتقدون ان التغيير الاخير بعد 2003 لم يعد تغييرا بالمعنى الصحيح كما يدعي المُغييرون “ ذئاب الغابة السوداء، و كما تمناه الشعب العراقي بعد الخلاص من دكتاتورية التسلط الواحد. فالحقوق لازالت بعيدة عن المنال، والعدالة الاجتماعية مجروحة يعتريها الخلل التام، والقوانين تطبق بانتقائية مفرطة، والوظيفة والمنصب بمحاصصية باطلة لا زالت بيد المغييرين، والمقربين دون غيرهم، اضافة الى فقدان الامن والاطمئنان في المجتمع، والتساهل في الثوابت الوطنية والمواثيق الدولية لاستقلال العراق، وبعثرة القوى الداخلية للبلاد، وظهور مليشيات القتل والاجرام التي اصبحت تهدد المواطن والدولة والرئيس . والشعب يعاني الفقر والجوع والخدمات.. وكأنه كتب عليه ان لا جديد.

ان المعارضة الشعبية اليوم محقة في ذلك قياساً على ما نرى ونشاهد، فالدولة ليست ملكاً لمن يحكمها، بل هي ملكاً للجميع دون تفريق او تمييز، وهذا هو هدف التغيير.. لكن يجب ان لا ننسى الظروف الصعبة والبداية الخاطئة التي أملت على الوطن والحاكم ذلك السلوك الخاطىء الذي فرضه المحتل من اجل مصالحه واضعاف الوطن فوجد فيه الحاقد على الوطن والشعب فرصة التنفيذ . ، لكن ذلك لايعني الاستمرار في الخطأ، فالأعتراف بالخطأ فضيلة، ان الاستمرار فيه جريمة يعاقب عليها القانون..

اما الجانب الايجابي من العملية السياسية مصدرها السلطة، واقصد الرئاسة والحكومة والبرلمان، فالجهات الثلاث هي المكون الحقيقي لقيادة الدولة، وهي المهيمن على الوظيفة والمال. لذا فالمعنيون بها هم من يجب ان يعتقدوا بايجابية العمل الحكومي الان من اجل الوطن والشعب، بدلا من الخيانة والمروق.. وان شعروا بالنقص ذاتياً في التطبيق العملي للقانون اجتماعيا وسياسيا، مستخدمين سياسة التبريرمن قبل مؤيديهم ووسائل اعلامهم الفاشل المرتزق للدولة التي بأيديهم، خلافاً لما نص عليه الدستور من أستقلالية وسائل الاعلام وبقائها مراقباً محايدا بين السلطة والشعب . ناهيك عن الحصانات المختلفة التي طوقوا بها قانون المحاسبة اليوم، وغدا لمن يعتدي على المال العام وحق المواطن في العدالة الاجتماعية منفذا للهروب من القانون . وكأننا نعيش في دولتين، دولة للحكام الاسياد ودولة للعبيد الأوغاد، خلافاً للوعود واخلاقية الانسان التي نادوا بها.. يوم كانوا يسمون أنفسهم معارضة عراقية..

فالحصانة القانونية اصبحت سيفاً مسلطاً على الشعب حاميا للسلطة من المسائلة والمحاسبة الحقة. فالنائب مثلا تبقى حصانته مستمرة معه حتى الوفاة ولربما تجاوزته الى الابناء والاقارب، وهذا مالم يوجد في كل دول العالم حتى المتدنية منها والتي لم يجيزها الدستور، وهو محفوظ الحقوق حتى ولو لم يساهم في مراقبة السلطة التفيذية حماية للشعب، هذا ما جعل غالبية النواب يعرضون عن خدمة الشعب لاهين بمصالحهم الخاصة، كما في حالة النواب الذين لم يحضروا اجتماعاً واحدا للمجلس ورواتبهم وتقاعدهم مضمون.. والرئيس والوزير محصناً من المسائلة الحقيقية لضمان معارضة كتلته القوية في البرلمان ضد اي مسائلة حقيقية له، وحتى اذا ما حصلت المسائلة فهي حبر على ورق خارج التنفيذ الفعلي لما يترتب عليها من ادانة لفقدان المحاسبة والرقابة القانونية، كما في المالكي والشهرستاني والجعفري والمطلك وأيهم السامرائي ووحيد كريم وهوشيار زيباري وشلة الاخرين.. ومحاولة حصر الوظيفة الهامة بالمؤيدين دون الاخرين خوفاً من فقدان السيطرة، وتلك مأساة يجب ان لا تقبل ابدا، لانها ستمنع تحريك عجلة التغيير للاحسن. ناهيك عن تقصير الوزراء تجاه كوارث الدولة تمسكاً بالمنصب على حساب الوطن والشعب والدستور.. تلك يسمونها ايجابية للسلطة للحاكمين.. ألم يقلها المالكي :"أخذناها وبعد ما ننطيها".. نعم انها ملك ارثه بلا سند المالكين..

ان اخطر ما يواجه الدولة في هذه الحالة هو فبركة وسائل الاعلام للخطأ المرتكب من قبل السلطة حتى باتت تعتقد ان كل ما يكتب عنها سلبا هو معادي لها، وليس ناصحا او موجهاً خلافا لحرية الرأي والكلمة التي كفلها الدستور، وكأننا عدنا للمربع الاول. واذا ما استمر الحال على ما عليه من وسائل الاعلام والمؤيدين المنتفعين، ستستمر السلطة بالخطأ الى ان تواجه المصاعب وجها لوجه، وهذاما حصل في عهد النظام السابق حين اصبح الرئيس دكتاتورا لا يقبل حتى الهمسة الناصحة ضد النظام خوفا من المعارضة والمصير المحتوم. وما اعدام الوزراء والوكلاء والسفراء عام 1979الا شاهدا حيا على ما نقول.. واليوم تتكرر المآساة بأعدام المفكرين .. والمفكر الهاشمي مثالأ .

ان اعدام كوكبة من المسئولين السابقين في النظام السابق، وابعاد الاخرين لهو خير دليل على ان ليس كل من كان في صفوف الدولة كان خائناً للوطن على طريقة المدلس بريمر واعضاء مجلس الحكم والاخرين. وان قرار اجتثاث البعث جملة وتفصيلاً، وحل الجيش العراقي كان اكبر جريمة اقترفت بحق الوطن لا تغتفر ، فلابد من محاسبة مقترفيها، فالقانون لا يحاسب الا المقصرين. ان العدالة القانونية تستدعي المصلحة الحقيقية لا المصلحة الدعائية لمنح المظلومين حقوقهم، وعلى الولايات المتحدة الامريكية راعية التغيير تقع المسئولية الكبرى في التنفيذ، وعلى الرئيس ترامب ان ينفذ وعوده الانتخابية بحق عدالة الوطنيين. ان بعض من جاؤا بعد التغيير لابد من محاسبتهم مثل ما حوسب الاخرين العدد(55) من قبلهم للاخطاء الفضيعة التي ارتكبوها بحق الوطن والمواطنين، فالدولة ليست ملكاً لهم، بل هي ملك كل العراقيين. ناهيك من ان دورهم في التغيير كان ثانوياً، لان امريكا هي التي قامت بالتغيير.

هذه الاسباب هي التي دعت عامة الناس وحتى المؤيدين للنظام السابق يرجون التغيير والتبديل له، خوفاً حتى من زلة اللسان، بعد ان وصلوا للطريق المسدود في النصيحة او الاعتراض. وهذا ما يتبلور الان في الدولة مع الاسف بعد ان استبدت المؤسسات الحكومية بالرأي دون الاخرين، حين يتكر العنف اليوم باشد منه قساوة على المحتجين.. والان عدنا لما كنا فالمركز الحكومي أصبح مقصوراً على فئة معينة وفق المحاصصة الوظيفية التي تستخدم كقانون، وما تعيين السفراء بلا أهلية الكفاءة السياسية والدبلوماسية التطبيقية عند معظمهم الا دليل القول وغيرها كثير ناهيك عن فتح اكثر من 40 سفارة في دول لا يتواجد فيها العراقيين.. ، ولا احد يستطيع اختراقها ابداً. حتى اخذت تميل نحو القناعة السابقة فاستبعدت كل من له نفس في الاصلاح او التحذير، وكأن الخارجية العراقية اصبحت ملكا للخاصة دون العامة وخاصة في عهدي هوشيار زيباري والجعفري المتخلف .. وجعلت مؤتمراتها وحواراتها تصب في اتجاه واحد دون اشراك الاخرين. كما حصل في مؤتمر الحوار العراقي السابق . فقد استضاف المؤتمر كل المؤيدين ورافعي شعار السلطة والخانعين والمتذبذبين، باستثناء النزر القليل من المعتدلين. ولعمري ان هذا اكبر خطأ يرتكب بحق السلطة قبل المواطنين، حين يصبح الاعلام خادماً للسلطة لا للدولة والمواطنين.. فهل سيستطيع نبيل جاسم الذي ملأ الدنيا صراخا من التغيير.. ؟

لا اعتقد ان المسئول الاول بالدولة مطلع على كل ما يجري بعد ان ضربت المليشيات القاتلة عليه طوق الحديد، ولكن ليس من حقه السكوت واهدار حقوق الاخرين، حين يلجأ وسط الازمة الحقيقية الىى بعض شيوخ العشائر على طريقة الخليفة العباسي "احشوا فمه ذهبا" . اما ما يقال عن مجلس محاسبة الفاسدين وهيئة النزاهة فيكفي ان رئيسها الزوبعي متمها بسرقة اموال المواطنين..

ان ما يقال عن مؤسسات النزاهة ومراقبة الفاسدين ما هو الا ضرب من الخيال حتى اصبحت الحكومات المتعاقبة نكتة الزمن الرهيب ، وخاصة عندما تكون السلطة المركزية مبعثرة بين المركز والاقاليم .. والكل يجري خلف مرتباته وامتيازاته اللا مشروعة بمن فيهم الذين تركوا الوطن حيث هناك في بلاد الاغراب يعيشون بجنسياتهم الاجنبية دون محاسبة القانون.. ناهيك ان غالبيتهم لم تحضر عملا ولم تساهم في اصلاحا ابدا. اذن كيف يستحقون.. ؟وتبقى علية نصيف كل يوم تنشر خبراً عن (ر.. س، ج .. " ولاندري من هم واسماء العراقيين تتشابه في الحروف .. ؟وهي تقف في اول قوائم الفاسدين..

هذا من ناحية ومن الناحية الاخرى ان السلطة في العراق مبعثرة الان بين الخارجية والداخلية ورئيس الوزراء والرئاسة المتناحرة والاقاليم بحجة الفدرالية التي لم يفهموا حتى معناها اليوم، فالفدرالية ليست منقصة سياسية، لا بل هي رصيد قوي للدولة ان طبقت بشروطها وقوانينا العادلة. ولم يبق للشعب الا مجلس النواب، ولان والمجلس اليوم عاجزا عن الحل، والا هل يوجد في العالم كله مجلس امة يقرر سُلم رواتبه وامتيازاته ومنافعه الاجتماعية اللا محدودة بنفسه دون قانون، حتى اصبح أعضاؤه من اكبر الاثرياء اليوم. وهم يعلمون ذلك جيداً، فأن غالبية النواب هم من الذين لاتهمهم مصالح الشعب او الناخبين، لانهم اصلا لم يكونوا منتخبين من احد، بدليل ان الغالبية قد هجرت المجلس واستقرت في البلدان المجاورة ما دامت امتيازاتها مضمونة وحقوقها المالية والمعنوية مكفولة دون حراك من احد. ناهيك ان بعضهم لم يحضر اجتماعا واحدا طيلة عمر المجالس السابقة والحالية .

ان كل شيء في العراق يجري اليوم على غير نظام ابتداءً بالتعيينات والمخصصات، ومرورا بالمعاهدات والتوريدات والتصديرات ,وانتهاءً بالبعثات الدراسية التي اصبحت ملكاً للقائمين عليها والملحقيين الثقافيين دون عدالة تذكر بين الطلبة العراقيين، فمن له قريب او حسيب استطاع الدخول ومن ليس له عليه ان يضرب رأسه في الحيط، لذا على الدولة مسئولية مراقبة سجل المبعوثين .

هذه الفترة المظلمة من عمر الدولة (16 سنة) لايمكن ان نسميها فترة التغيير، لكن يحق لنا حقاً وصدقا ان نسميها فترة التدمير، لكل ما كان صالحا في العهد السابق على ردائته وتخلفه ودكتاتوريته المقيتة، اذ نرى الكثير منهم من اتخموا ماديا واصبحوا من اصحاب الكروش المنتفخة، فأنتشر الفساد وعمت الرشوة وفقدان الحقوق بين الناس، والمال السائب يفسد النفوس واخلاق الرجال على حدِ قول الامام علي (ع). وهذا اصعب ما تمر به الدولة اليوم بعد ان اصبح هذا السلوك الرديء منهجا معترفا به دون ضمير. والدولة تواجه الصعوبات والانتكاسات، والمعارضة تحيط بها من كل جانب. فلا انتخابات قادة بقادرة على الاصلاح ولا مصلحون بقادرين على التغيير حين تداخلت الامور واصبح الفكاك منها شبه معدوم، وهذا ما نلاحظه اليوم من فقدان هيبة الحكومة والدولة لدى المواطن العادي حتى اصبحت السلطة مهزلة المتندرين.

ان ما يجري اليوم من تناحر الرئاسة مع الحكومة في الصلاحيات، والبرلمان من تشتت في الاتجاهات وما تتصرف به وزارة المالية بواردات الدولة وتقسيم الميزانية بطريقة لا شرعيةوفقدان الاحصاء السكاني في توزيع الثروة كما نص عليها الدستور، والالتجاء الى الميزانيات التكميلة وقروض البنك الدولي لهي كارثة تطوق بها الوطن دون دراية من احد، وسيتحمل الشعب مردودها السلبي بعد حين، ورحم الله من قال وهو وسط ازمته المالية: (نموت جوعا ولا نستدين من احد). والنفط ليعد كارثة مستقبلية على الوطن في قادم الايام وعقوده شذر مذر بين الشمال والجنوب، وسرقاته امام الاعين والابصار ولا راد لها من احد. والاكراد في الشمال متحكمون بالسلطة والثروة والمنافذ ومواردها، ومن حقهم هذا لما يرون من تفكك في مركزية الدولة اليوم.

الدولة اليوم منتهكة في الثوابت الوطنية، ومنتهكة في المال العام، ومنتهكة في حقوق الناس وممتلكاتهم المستولى عليها من قبل الاخرين، ومنتهكة من قبل من يملكون الحصانة بلا مسائلة قانونية. أذن كيف لها ان تصون القانون وهي لا تملك مخفرا للشرطة يراقب في اكثر المواقع بما فيها العاصمة بغداد، معتمدة على مزاجية الصحوات العشائرية والمنتفعين من المتخلفين وقطاع الطرق، والا هل يقتل عالم امام داره والشرطة لا تعلم القاتلين"المفكر الهاشمي مثالاً".. اما في المؤتمرات الباهضة الثمن والحوارات الحكومية المغلقةعلى طريقة خلفاء بني العباس والتباهي بالانجازات الوهمية فهم فرسانها اليوم ,ولم يبنوا مدرسة حديثة ولا مستشفىً على حدِ قول المعنيين. في برنامج المشهد العراقي في فضائيات الاعلام المزيف.

كثيرة هي الدول التي مرت بما يمر به العراق اليوم سواءً في الدول الاشتراكية او الرأسمالية، كما في كوبا وامريكا الجنوبية والدول الافريقية، لكننا سرعان ما تجد ان أسداً يخرج من بين اشجار الغابة ليأكل كل الثعالب ويعيد الامور الى وضعها الطبيعي كما في غالبية دول التحرر من الفوضى والاستعباد .. فهل سيكون الكاظمي هو البديل..؟

ان الحل امام السيد المخلص هو حل واحد لا غير، هو ان يخرج الاسد الهصور من بين الصعاب ليخترقها ويعلن الثورة عليها وتصفيتها ان اراد ان يكون زعيما تاريخيا للعراق، وبلا خطب او تمهيد. ان هذا التوصيف ينطبق على بعضهم ممن تتوسم فيه الغيرة الوطنية والشهامة الاخلاقية فالام العراقية لا زالت تنجب الرجال المخلصين. وعلى كل من يستطيع ان يحمل مطفئة اطفاء نيران الغضب لدى عامة الناس، والا فلا الانتخابات القادمة ولا الوزارة القادمة او الرئاسة القادمة، باستطاعتهم اصلاح الفساد والمفسدين، مادام القديم على قدمه في راسهم دون تغيير، وبعد ان اصبح الفساد منهجا في رؤوسهم لا بديل. هذا هو الانا اما الانا الاخر. فهي وثيقة التاريخ وحساب الزمن وهي اقسى وامر من الانا الاول.. وحتى الاخرين.

لم يفنِ الله عاد وثمود وقوم لوط الا بعد ان منحهم مهلة التغيير.. بعد ان جعلهم فما أبقى.. فهل القصص القرآنية ستعود مرة اخرى ليجعل حكام العراق اليوم فما أبقى.. كل شيء عند الله قريب..

لا حل الا بتعديل الدستور والغاء المادة 140 التي اضيفت خارج التصديق.. وتعديل قانون الانتخابات والمفوضية المزيفة لها .. والغاء المحاصصة الطائفية والعنصرية بنص رسمي محكم.. والغاء المادة الثانية من الدستور القاضية :بأن لا تشريع لقانون يتناقض مع الشريعة يجب ان يعدل الى "لا يتناقض مع الديمقراطية والغاء نص الشريعة.. فالصيرورة الزمنية هي التي تتحكم بتغيير النصوص القانونية وليست الشريعة.. فالعراق بلد المكونات المختلفة وليس بلد الاسلاميين حسب.. أقدم يا كاظمي فلا يوجد مستحيل.. أمام المخلصين ان كنت منهم..؟

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

 

 

سامان سورانيمن الواضح أن مآل اليأس من النظام السياسي في العراق بسبب بقاءه ضمن دائرة الأزمات رغم التحول الذي شهده البلد من الناحية السياسية هو التمزق، خاصة إذا إستمر زعماء القوی السياسية، الذين لايستطیعون التخلي عن ثنائیة الفشل والفساد، علی نهجهم في إبقاء المنظومة السياسية في إطار قاعدة التخادم المصلحي والترويج عبر ماکیناتهم الإعلامية لنظرية المؤامرة الخارجية، التي تسعی "بحسب إدعائهم" للإنقلاب علی الطبقة السياسية والنظام السياسي المشکل أساساً لمصالحهم الشخصية، بعيداً عن مصلحة الجميع.

واقع اللادولة و ديمومة الفوضی العارمة في العراق يثبتان مدی صحة موضوع إنهيار شرعیة الطبقة السياسية الشيعية التي حکمت العراق بعد عام 2003.

في هذا الصدد يمكننا وبكل بساطة تصور الموت المفاجیء للنظام السياسي القائم، بدلاً عن القول بإنهاء الفجوة السياسية أو التفکير بحلول لمواجهة أزمة الشرعية عن طريق تحشيد مجموعة من الناخبين، يرتبطون بمصالح مع أصحاب القرار ضمن تلك الطبقة، وإجراء إنتخابات مبكرة والعمل علی إرجاع السيادة وإيجاد المرونة وتمتع المؤسسات السياسية بقدر من السلطة. 

إن مُحصَّلة الإنسداد السياسي وجمود المؤسسات السياسية وإستمرار اللاإستقرار وعجز الطبقة السياسية في تقديم حلول وإن كانت رمزية أو بسيطة لتجاوز الأزمات هو بحسب المنطق نوع من الإنحلال السياسي.

إن إستمرار حرکة الإحتجاجات الشعبية والمساهـمة الفعالة للنخب المعارضة التي ترفع شعارات سلمية تحت مظلة "الحراك التشريني"، قد لاتنطفىء بعد عام من اندلاعها حتى التغيير الفعلي التام، والتأکيد علی ممارسة الحقوق الدستورية، بعد أن إنعدم عنصر الثقة بين المجتمع والنظام السياسي بسبب سلول الطبقة السياسية، کان من العوامل الرئیسیة والمساعدة في إعادة الإعتبار للشعب، الذي أستخدم في السابق کأرقام من قبل الطبقة السياسية في فترة الإنتخابات.

لکن إذا أراد هذا الحراك أن لا تُأکل من قبل النخب السياسية الفاسدة، فلابد له أن يبدأ بالعمل علی تنظيم نفسه بشکل سياسي للدخول في معترك التنافس و يضغط علی البرلمان للإسراع بإجراء التعديل المطلوب لقانون الإنتخابات قبل أن يقوم هذا الأخير بحل نفسه، ليضمن  إجراء انتخابات ذات مصداقية وحرة ونزيهة وشاملة بشكل صحيح بعيدة عن تأثير المیلیشيات والسلاح المنفلت.

نحن علی يقين بأنه لایمکن أن يتم التغييرعلی يد الفاعل السياسي الشيعي الذي حکم العراق بعد سقوط نظام البعث وفشل في توثيق علاقته مع الجمهور، لکن بالرغم من ذلك قد يکون تغيير النظام مدخلاً لبناء ركائز تبنى عليها الثقة بين الشعب والنظام السياسي.

الفاعل السياسي الشيعي المیهمن علی الدولة والحکومة في العراق والمحتکر للقرار السياسي في بغداد أخفق خلال عقدين من الزمان في إيجاد حلول وخطط إصلاحية مناسبة للتفرقات والتشتتات التي نالت وما زالت تنال من مشروع الدولة الإتحادية والديمقراطية في العراق. بالمقابل کان هذا الفاعل السياسي ناجحاً بعقلیته التقليدية المتصلبة في أبقاء العراق علی حال ليعيش في دوامة من الفشل والشلل السياسي بعيداً عن مشروع دولة حقيقي أو تبني رؤية عقلانية للإصلاح السياسي والاقتصادي.

إن إطلاق وعود خاوية وتهميش حقوق المواطنين وسلب إرادتهم وهدر المال العام ونهب ثروات البلد کانت من جملة المشاريع التي تبنتها تلك الطبقة السياسية، التي لاتمتلك أحزابها الی اليوم برامج سياسية مکتوبة، لکنها تستخدم أسلوب القمع والإقصاء بحق المنتقدين والمعارضين، للإستمرار في ثقافتها الأوليغارشية لغرض إدارة السياسة والقرار العسکري والأمني بإزدواجية وبشکل فوضوي.

لقد فقد النظام السياسي في العراق خيوط الإدارة والطبقة السياسية الفاقدة للشرعیة والتي لا تولي أية أهميةً لقيم الديمقراطية و حقوق الإنسان وحُكم القانون، تسعى جاهداً، بعد إعلان السيد مصطفی الكاظمي تحديد يوم  6 يونيو/حزيران من عام 2021 موعداً للإجراء الإنتخابات البرلمانية، لإستخدام آخر ما لديها من كروتها الرخيصة وهي تصارع الموت.

 

الدکتور سامان سوراني

 

فرات المحسنفي خضم المشهد السياسي العراقي الملتبس، تتضارب التحليلات دون الوصول لنتائج حاسمة، أو الأحرى تتوقف عند أطراف ونتف من الحدث، لتبني عليه روايات واستنتاجات وقصص ما أتى الشيطان بها من سلطان. ولكن فضاء وسائط التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام تمنحها زخما يجعل الكثير منها حقائق قابلة للتصديق، لا بل مسلم بها عند جمهرة واسعة.

لازالت جذوة قضية اغتيال الخبير الأمني والباحث هشام الهاشمي مستعرة وتتفاعل بين أوساط الكثير من المهتمين بالحدث العراقي. ففي الوقت الذي تربط صحيفة الواشنطن بوست عملية اغتياله بتصاعد حدة الصراع الأمريكي الإيراني، وتلمح لكون عملية الاغتيال كانت جزءا من الرد الإيراني على أقدام أمريكا على قتل قائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني وذراعه الأيمن أبو مهدي المهندس قائد فصائل الحشد الشعبي العراقي، وكان قد قتلى عند أطراف مطار بغداد الدولي بهجوم نفذته طائرة مسيرة أمريكية. وهناك من يرجح أن تكون عملية اغتيال الهاشمي تدخل في باب قص أجنحة رئيس الوزراء الكاظمي وقضم مصادر معلوماته، ووضعه في عزلة لا يجرأ بعدها على اتخاذ قرارات تصطدم بالحشد الشعبي، وترفع من سقف علاقته بالأمريكان وتنفيذ رغباتها في شأن الحشد،وظهر هذا المؤشر إثر اتهام الهاشمي بعمالته للطرف الأمريكي.

ومثلما كانت رسالة مقتل الهاشمي ومن ثم اختطاف الألمانية الجنسية مديرة القسم الثقافي في معهد غوتا السيدة هيلا لويس، واضحة المغزى والأبعاد، وموجهة مباشرة  لرئيس الوزراء وحاشيته، فقد سبقتها حوادث أخرى كانت اشد وقعا وخطورة وقسوة على مركز الرئيس وقدرته على اتخاذ القرارات.ونستطيع القول أنها كانت ضربة مباشرة لمركزه وأدواته وحتى مكانته السياسية ، ولازالت تداعياتها مؤشر لاستكانة رئيس الوزراء وخضوعه لإرادة الحشد الشعبي وفصائله المنفلتة.  فالاستعراض الذي سجلته عدسات الكاميرات لمجموعة سيارات ذات دفع رباعي تتجول داخل المنطقة الخضراء، ومن ثم طوقت  مقرات رئاسة الوزراء ومكافحة الإرهاب. استعراض القوة هذا والتطويق، كان ردا مباشرا وحاسما على عملية جهاز مكافحة الإرهاب، الذي بادر ونفذ أوامر الرئيس الكاظمي، باقتحام مقر حزب الله في المنطقة القريبة من الدورة جنوب العاصمة بغداد، وتم اعتقال مطلقي الصواريخ. وكان حزب الله وبعض الفصائل الموالية لإيران يتخذون من المنطقة وطبيعتها الريفية، مراكز لمقراتهم ولعمليات التدريب على مختلف أنواع الأسلحة ومنها الصواريخ الثقيلة وبعيدة المدى وطائرات مسيرة. والمنطقة بحد ذاتها تمثل الجزء الجنوبي لقوة الصدمة للحشد الشعبي وواحدة من أهم مناطق طوق بغداد الأمني، الذي فرضه الحشد تحسبا لمستقبل مرتقب. وكانت حملة الكاظمي وجهاز مكافحة الإرهاب بقيادة الفريق الركن عبد  الوهاب الساعدي، محاولة لكبح جماح المليشيات وردع عملياتها المستمرة بقصف المنطقة الخضراء ومطار بغداد والسفارة الأمريكية بالكاتيوشا.

ولكن نتائج الاعتقال لبعض رجال الحشد من قبل قوات مكافحة الإرهاب، ومن ثم عملية دخول عجلات الحشد الولائي إلى المنطقة الخضراء وتطويقها لمقرات السلطة،وامتناع قادة حرس المنطقة الخضراء عن المواجهة مع الحشد، أضطر الرئيس الكاظمي الاستعانة والطلب من رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي ليأمر بفك الحصار وإبعاد قوات الحشد عن مقرات الحكومة وهي رواية موثقة. كل ذلك يدل على هشاشة موقف الكاظمي وضعف إمكانياته وخضوعه لاملاءات تفرض عليه، ولا يملك القدرة على مواجهتها أو عدم تنفيذها، ولا حتى الاعتراض عليها. فالرجل محاط منذ ما قبل ترشيحه لمركز الرئاسة، بشبكة من عتاة السياسيين والشياطين، تمتد علاقاتهم وأذرعهم إلى ما خلف الحدود العراقية، ويمثلون شبكة واسعة من روابط ومصالح، ليس من السهل الإفلات منها أو تفكيك حتى بعض حواشيها وأطواقها، دون المجازفة والحزم وهي الخاصية الغائبة عن رجل لا يملك رصيد من القوة ولا القدرة على صناعة الحدث.

 من المناسب وبشكل عام معرفة طبيعة بعض قوام هذه الشبكة .  وفي ذات الوقت القول، من الصعب الوصول إلى عمق هذه الشبكة، وحتى كشف بعض أذرعها.  فكثير من المناصب الحكومية ومؤسسات السلطة المدنية والعسكرية، باتت بشكل حاسم وناجز تخضع لمقدرات هذه الشبكة، وتدار حسب مقرراتها وتنفذ أجندتها. وهناك وشائج ظاهرة ومخفية تربط  حلقات وحواشي هذه الشبكة مع بعضها البعض، وفي الأغلب الأعم فإنها تملك مصالح ورؤى مشتركة لمسيرة الحدث العراقي. ويحتمي أعضاؤها وإداراتها بفصائل مسلحة بغطاء مسمى الحشد الشعبي، وهي من ينفذ عمليات تطويع الآخرين وإجبارهم على القبول بما تفرضه مافيات الاقتصاد والسياسة، التي تمثل المكاتب الاقتصادية والسياسية للأحزاب الداخلة في العملية السياسية ومن هو قريب منها. ومجمل ذلك الحراك يرتبط أيضا بمصالح الدول الإقليمية وتأثيرها في الوضع الاقتصادي والقرار السياسي العراقي، وينوخ تحت ضغط علاقتها وتأثيرها على أطراف الشبكة المافوية الداخلية المسيطرة والمنفذة.

لم يحظى الكاظمي مصطفى بالقبول والرضا للحصول على مركز رئيس الوزراء إلا بعد نيله موافقة الأطراف المتنفذة والمهيمنة على الجزء الأكبر من الشبكة السياسية الاقتصادية للسلطة، والمتمثلة بقائمتي الفتح لهادي العامري وسائرون لمقتدى الصدر.  ورغم المناورات التي أجريت مع الزرفي و توفيق علاوي ومن ثم مع الكاظمي للتمويه على مجمل العملية وإعطائها طابع اللعبة  الديمقراطية بين القبول والرفض. ولكن في نهاية المطاف وافق الكاظمي على جميع شروط أطراف اللعبة، وقدم لها حقائب وزارية حسب خياراتها. فنال رضا الكرد بمنحهم ثلاث وزارات وأجبر على قبول فؤاد حسين كوزير للخارجية. وكان بقاء فالح الفياض بمركزه مطلبا ملحا للفتح كون الرجل يمثل قوة المافيات الساندة للقرار الاقتصادي والسياسي لمجموعة هادي العامري وحلفاؤه. وكانت مجموعة مقتدى الصدر المسماة سائرون قد نالت مرادها دون عناء بالحصول على العدد المناسب من وزارات الدولة . ولكن موقف سائرون كان شديدا وحاسما لا يقبل المناقشة أو التسويف، حول وجوب وضرورة الإبقاء على الأمين العام لمجلس الوزراء حميد نعيم الغزي في المركز الذي حصلت عليه مجموعة مقتدى على عهد رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي.

 ووظيفة الغزي تمثل الرديف لرئاسة الوزراء، ويصب عمله في التنسيق مع الوزارات وإعداد جداول بسياق عمل مجلس الوزراء وتنسيق أعماله، وترأس لجان وزارية عديدة، والتوقيع باسم رئاسة الوزراء للعديد من المذكرات والاتفاقات بين الحكومة وبلدان أخرى. ولمعرفة قوة مركز أمين مجلس الوزراء، يمكن الرجوع إلى الأوامر الإدارية التي صدرت من مجلس الوزراء خلال عهد عادل عبد المهدي ومن ثم العهد الحالي، بتعيين وتدوير الكثير من المدراء العامين، وتوج كل ذلك بإصداره أمر إعادة موفق الربيعي للوظيفة وتعينه سكرتيرا للجنة العليا للصحة والسلامة الوطنية، وأغلب تلك الأوامر كانت بتوقيع الغزي وليس غيره، ولم تجد اعتراضا من رئيس الوزراء.

لن يستطيع مصطفى الكاظمي ولا غيره الانعتاق والخلاص من الطوق المحكم الذي بنته وفرضته تلك الشبكة الواسعة من المصالح الاقتصادية للأحزاب الحاكمة. وإن افترضنا حسن النية في السيد مصطفى الكاظمي وجردناه من علاقاته بتلك المنظومة الفاسدة وعصابات المافيا، وأنا اشكك بمثل هذا، وأعد الكاظمي شريكا في كل ما جرى ويجري منذ ما كان رئيسا لجهاز المخابرات العراقي.

 إن الذي يحدث من عمليات اغتيال وخطف لنشطاء الحركة المدنية، والتفجيرات في المعسكرات وأمطارها والمنطقة الخضراء وبشكل دوري بقذائف الكاتيوشا، والاعتداء وقتل المتظاهرين، ما هو إلا حلقات متتالية وعمليات ممنهجة، الغرض منها ليس فقط استهداف وزعزعة الثقة بالأجهزة الأمنية والعسكرية، وإنما غايتها إفشال مهام الكاظمي والطعن بالوعود التي قطعها على نفسه بعد تكليفه برئاسة الوزراء. ويأتي كل ذلك باستخفاف واضح وإذلال علني لسلطته وحاشيته، ولن تتوقف تلك الأفعال لحين اقتناع الكاظمي بفشله وخذلانه وإعلان تخليه عن المهام التي أراد تنفيذها، وخضوعه التام وقبوله بكلية ووحدانية شروط الدولة العميقة وشبكتها التي تدير شؤون السلطة في العراق .

 

فرات المحسن

 

 

ابراهيم أبراشفي الصراعات الدولية لا يتحقق السلام بإرادة منفردة لطرف واحد بل يحتاج لجهوزية الطرف الثاني من الصراع للسلام، وأن يستمر طرف واحد في إرسال رسائل سلام وتقديم تنازلات أو التلويح بتقديمها لخصمه دون خطوات مقابلة من الخصم فإن هذه الرسائل سيتم تفسيرها وفهمها من العدو كموقف ضعف وسيدفعه للتشدد والتمادي في مواقفه وسياساته العدوانية، كما أنها ستخلق إشكالات داخلية لأنها ستضع القيادة السياسية في موقف وموقع العاجز والمتخاذل في الدفاع عن الوطن مما سيعزز من قوة المعارضة السياسية.

هذا هو الحال في الصراع العربي/الفلسطيني مع إسرائيل، فاستمرار الفلسطينيين والعرب في التمسك بالسلام وتقديم تنازلات أو التلويح بتقديمها باسم الواقعية السياسية أو بهدف إحراج إسرائيل وجلب تأييد دول العالم للموقف الفلسطيني أدى لمزيد من التعنت الإسرائيلي كما أدى للتشكك بالحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة ما دام يتم الانتقاص منها تدريجياً وصيرورتها موضوعاً للنقاش على طاولة المفاوضات.

نعم يجب استمرار الدعوة للسلام والتمسك به كاستراتيجية وطنية لأنه مطلب انساني ولا توجد دولة تقول بأنها لا تريد السلام، حتى إسرائيل فإنها تبرر سياساتها العدوانية بأنها من أجل تحقيق السلام!! ولكن حتى يتحقق السلام ولأننا نعيش في زمن الواقعية السياسية يجب أن تتوفر أوراق قوة لتوظيفها على طاولة المفاوضات وإلا كانت مفاوضات عبثية أو ستؤدي لتوقيع وثيقة استسلام.

 تبرير تقديم مزيد من التنازلات أو التخلي عن مزيد من الحقوق التاريخية باسم الواقعية السياسية وتحقيق السلام لن يجلب سلاماً مع دولة وحكومة عنصرية كإسرائيل  كما أن التطبيع مع إسرائيل لن يجلب سلاماً لأنه تطبيع مع دولة احتلال تمارس الإرهاب والعنصرية ضد شعب آخر، حتى عنصر المصلحة فهو من جانب واحد، فإسرائيل هي المستفيدة أمنياً وسياسياً واقتصادياً من التطبيع أما الدول العربية المطبعة أو الساعية للتطبيع فلا تستفيد شيئاً في واقع الأمر حيث يمكنها الحصول على كل الأمور التي تبرر بها التطبيع مع إسرائيل من تكنولوجيا واقتصاد وأمن الخ من عديد الدول في الشرق والغرب وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية دون أي عائق، كما أن استمرار تمسك الفلسطينيين باتفاقية أوسلو وبالعملية السلمية يخدم إسرائيل أكثر مما يخدم الفلسطينيين.

ومن جهة أخرى فأن تبرير التطبيع مع إسرائيل بأنه توجه نحو السلام ورفض الحرب مردود عليه لأن الأنظمة العربية التي تتحدث بهذا المنطق هي نفسها التي تدعم حروب وصراعات عربية عربية بل وترسل جيوشها وتنفق الملايين لخدمة أحد أطراف الصراع بل لدعم جماعات متطرفة وإرهابية، فكيف يكون لجوء الفلسطينيين للمقاومة بما فيها المسلحة للدفاع عن أنفسهم وأرضهم عملاً مداناً ويتعارض مع السلام وما تقوم به هذه الأنظمة يندرج في سياق السلام!.

أيضاً باسم الواقعية السياسية ونشدان السلام يتم مهادنة الاحتلال ورفض المقاومة، وأن الواقعية السياسية تقول بخيار السلام وأن لا جدوى من الحرب والصراع مع إسرائيل وعلى الفلسطينيين والعرب البحث عن حلول سلمية كبديل عن الحل العسكري الذي ثبت عدم جدواه من وجهة نظرهم.

صحيح أن بعض الشعارات التي تم رفعها وتبنيها عربياً وفلسطينياً في بداية انطلاق الثورة الفلسطينية منتصف الستينيات، كتحرير فلسطين من البحر إلى النهر وأن الكفاح المسلح الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، لم تعد قابلة للتحقيق ضمن معطيات الحاضر، ولكن المشكلة لم تكن في رفع هذه الشعارات أو في ممارسة العمل الفدائي في وقت ما لتحقيق أهداف تنسجم مع تلك المرحلة مثل إبراز وتثبيت الهوية الوطنية وإظهار القضية للعالم كحركة تحرر وطني، بل في إسرائيل التي كانت ترفض الاعتراف حتى بوجود الشعب الفلسطيني وتواصل عدوانها واحتلالها لكل فلسطين وأراضي عربية أخرى، وهنا نذَّكِر بأن العرب والفلسطينيين قدموا أكثر من مشروع سلام وآخرها المبادرة العربية 2002 ووقعوا على عديد الاتفاقات للتسوية السياسية مع إسرائيل كما اعترفت منظمة التحرير  بقرارات الشرعية الدولية وقبلت بدولة على حدود 1967 ووقعت اتفاقية أوسلو عام 1993 والتزمت بوقف العمل المسلح، لكن إسرائيل لم تتجاوب وما زالت مستمرة في سياستها العدوانية في فلسطين وخارجها، وكلما تقدم الفلسطينيون والعرب بخطوات نحو السلام كلما زادت إسرائيل تطرفاً وارهاباً.

عندما يقاوم الشعب الفلسطيني الاحتلال بما هو ممكن ومتاح إنما يمارس حقاً مشروعاً تنص عليه كل الشرائع الدولية وهو حق مقاومة الاحتلال والدفاع عن النفس، ومقاومة الاحتلال شكل أو نوع من الحرب تلجأ لها الشعوب الخاضعة للاحتلال، فبما أن موازين القوى العسكرية في صالح الاحتلال الذي يستعمل كل أشكال القوة والإرهاب فليس أمام الشعب الفلسطيني، إن لم يشأ الاستسلام لواقع الاحتلال، إلا استعمال وسائل قتال ومواجهة بما هو ممكن ومتاح له من أشكال المقاومة مع تجنب المواجهة العسكرية المباشرة.

وعلى هذا الأساس فإن رفض الشعب الفلسطيني الاستسلام ولجوئه للمقاومة ينسجم مع العقلانية والواقعية السياسية التي ترفض الخضوع لواقع الاحتلال، كما ينسجم مع السلام لأن الشعب بمقاومته لاحتلال ترفضه الشرعية الدولية وتطالب بتصفيته إنما يؤسس لسلام عادل. إلا أن الواقعية السياسية تتطلب أيضاً أن تكون المقاومة في إطار استراتيجية وطنية تجمع ما بين التمسك بحق المقاومة من جانب واستكشاف آفاق للحل السياسي بطرق سلمية أو عن طريق مفاوضات برعاية وضمانات دولية من جانب آخر، أيضا أن تكون المقاومة في إطار توافق وطني على الهدف والوسائل المناسبة لتحقيقه وليست عملاً ارتجالياً لهذا الحزب أو ذاك الفصيل المسلح.

إن مقاومة الاحتلال وحتى تندرج في سياق العقلانية والواقعية السياسية يجب أن تكون في الإطار الوطني ونابعة من استقلالية القرار الوطني المستقل وليس تنفيذا لأجندة خارجية، وضمن المعطيات الحالية وطنياً وإقليمياً ومع التأكيد على الحق في المقاومة فإن الشكل الأنسب والأفضل هو مقاومة شعبية تشمل كل أماكن التواجد الفلسطيني مع الحاجة لإبداع اشكال نضالية ونموذج BDS خير مثال.

مع دولة تًعلن أنها يهودية وأن الضفة الغربية أرض يهودية تم تحريرها من العرب وأن لا عودة للاجئين الفلسطينيين وأن القدس عاصمة أبدية لإسرائيل ... فإن تقديم مزيد من التنازلات أو التلويح بها لن يجلب سلاماً أو يغير مواقف إسرائيل، ولكن، مزيد من الوحدة الوطنية، تعزيز وجود الشعب على الأرض، الحفاظ على الهوية والثقافة الوطنية، المقاومة الشعبية المفتوحة على كل الاحتمالات، مع موقف عربي متضامن ورافض للتطبيع، هو ما سيُجبر إسرائيل على إعادة النظر في سياساتها وسيدفع العالم للتحرك للبحث عن حل عادل للقضية الفلسطينية.

 

إبراهيم أبراش

 

لدى الاقطاعيات السياسية في العراق ثلاثة عوامل تعمل على ديمومتها:

الاول هو الهيمنة على الاعلام اذ انهم يمتلكون ترسانة من الفضائيات والمواقع والصفحات الممولة المؤثرة وغيرها.

ثاني تلك العوامل هو النفوذ في كل مفاصل الدولة بما في ذلك مفوضية الانتخابات والاجهزة الامنية وباقي الوزارات والمؤسسات غيرالمرتبطة بوزارة حيث عملت المحاصصة على توزيع مواقع وكلاء الوزراء والمدراء العامون وصولاً الى موقع مدير قسم.

كما ان هيئات يفترض ان تكون مستقلة لم تسلم من المحاصصة والتقاسم كهيئة النزاهة والبنك المركزي وغيرها وهو ما يفسر قدرة تلكالاقطاعيات على جني المال عبر السرقة والفساد والتلاعب مع ضمان عدم الملاحقة القانونية.

اما العامل الثالث فهو المال فالقدرات المالية والسيطرة على منافذ الاقتصاد في البلد ومقدراته صنع من تلك الاقطاعيات امبراطوريات ماليةوجعلها تمتلك استثمارات داخلية وخارجية تتوفر لها عوامل النجاح ، لقد كشف تقرير نيوريورك تايمز للصحافي روبرت وورث وجود حواليعشرة مليارات دولار مستثمرة في القطاع العقاري في لندن .

ان هذه العوامل مجتمعة اي (الاعلام والنفوذ والمال) التي تقوم عليها تلك الاقطاعيات هي ما جعل اعادة ترسيمها في اي حكومة قادمة امراًشبه حتمي ، لقد اتفقت تلك الاقطاعيات بطريقة ضمنية على تقاسم البلد ومقدراته ووزاراته وصنع دول داخل الدولة .

تنقسم الاقطاعيات في العراق بحسب الجغرافية الى:

١- اقطاعيات اقليم كردستان التي يتقاسمها حزبا الاتحاد الوطني الكردستاني جماعة الطالباني والديمقراطي الكردستاني جماعةالبارزاني ولا يسمحان بنشوء احزاب يمكنها ان تمثل الشريحة التي لا تؤمن بهذين الحزبين ولا بمشروعهما السياسي ويسيطر هذينالحزبين على وسائل الاعلام في الاقليم وعلى قوات البيشمركة وبقية الاجهزة الامنية وعلى بقية المؤسسات الحكومية ، كما يمتلكانامبراطوريات مالية ورجال اعمال وواجهات تجارية تمضي لهم الصفقات وتمثلهم في العقود.

٢- الاقطاعيات في المناطق السنية والتي تتمثل في ال النجيفي في الموصل وبعض المناطق وبرزت بعد مرحلة داعش اقطاعية بعضالواجهات السياسية التي توحدت في محافظة صلاح الدين وحاولت تصدر المشهد السني بعد انخفاض شعبية ال النجيفي فيما برز دورمحمد الحلبوسي رئيس مجلس النواب الحالي واخرين كالاخوين محمد و...... الكربولي في الانبار وتوابعها في حين تخفى سياسيو الحزبالاسلامي ودخلوا بمسميات مختلفة مع ان لهم نفوذا واعلام ومؤسسات كثيرة ، وبذلك ظهرت اقطاعيات صغيرة تسيطر على وزارات ومناصب اخرى وتملك وسائل اعلام موجهة الى الشارع السني .

ويبقى واضحاً ان الشارع السني لم يحسم خياره بشأن الجهة التي ستتولى سدانة تلك الاقطاعية نتيجة للظروف الامنية التي سادت فيمناطقهم ولأسباب اخرى كثيرة.

٣- الاقطاعيات في مناطق الشيعة والتي يسيطر عليها مجموعة من الاحزاب التقليدية التي سيطرت على الساحة الشيعية وامتلكت وسائلاعلام تهيمن على الخطاب الموجه الى تلك المناطق كما تملك نفوذا عميقاً في مؤسسات الدولة وحكوماتها المحلية كما تمتلك تلك الاحزابقدرات مالية ضخمة عبر الفساد والسيطرة على العقود ومنافذ الاقتصاد التي المملوكة للدولة.

حيث يتقاسم سائرون التابع للتيار الصدري ومنظمة بدر وتيار الحكمة التابع للسيد عمار الحكيم محافظات الجنوب ويمتلكون نفوذا واتباعاً كبيرا فيها .

ومع هذه الاقطاعيات الثلاث ظهرت مافيات طفيلية قويت وتمكنت كثيراً واصبحت مؤثرة في المشهد العراقي المتأزم هذه الشبكة تتكون منرجال اعمال ومتمولين يمتلكون علاقات مع تلك الاحزاب ونفوذاً وعلاقات في معظم دوائر الدولة ويمتلك بعضهم وسائل اعلام حيث يحصلاعضاء هذه المافيات على العقود الحكومية والمناقصات وغيرها ويديرون مصالحهم بحذاقة عالية بعيداً عن الظهور في وسائل الاعلام ويقومون بابتزاز الجهات التي تقترب من مصالحهم كما يقدم هؤلاء المساعدة في تمكين تلك الاقطاعيات من البقاء في السلطة والاستفادة منحالة الفوضى واللاقانون حيث تنتعش اعمالهم ويزدادون ثراءاً.

لقد هزهزت انتفاضة تشرين التي انطلقت في بغداد والجنوب هذا الاتفاق الضمني الذي تقاسموا بموجبه مصائرنا ويدرك القائمون علىتلك الاقطاعيات ان أي خلل في احدها سينعكس سلباً على الاقطاعيات الاخرى ويحرك مائها الراكد.

ان ما اريد قوله هو اننا في العراق ليس لدينا احزاب بالمعنى الحرفي للكلمة بل ما لدينا هو اقطاعيات تلتحف السياسة وتتخذ منها معبراً الىتحقيق مصالحها وهي تقوم بترسيخ سلطتها وتقوية نفوذها وتدعيم مؤسساتها .

ان محاولات تفكيك هذه المنظومات الاقطاعية امر صعب والاعمال الثورية العنيفة غير نافعة مع مثل هكذا سلطة اذ انها ستعيد انتاج نفسهابصورة شرعية عبر الانتخابات لأنها ضمنت عدم قدرة الاخرين على منافستها ويبقى الخيار الامثل ولكنه خيار صعب ويستنزف وقتاً هوالاستمرار بالضغط والحضور الشعبي في الاحتجاجات .

يراهن اقطاعيو العراق على عدم وجود بديل يمكنه ادارة البلد وعدم انبثاق قوى سياسية طيلة الفترة الماضية وقدرتهم على احتواء اي تغييرفي مفاعيل اللعبة السياسية هي بظني ما يجعلهم واثقين من عدم وجود تغيير، لكنهم لا يدركون ان سلطتهم تتآكل ليس لأنها تفقد شرعيتهافحسب بل ان حالة السخط والغضب تنذر بعواقب غير حميدة.

ربما يدرك البعض ان هؤلاء يمكن ان يديروا حرباً اهلية مسيطر عليها فيما لو تعرضت سلطتهم الى التزعزع ويمكنهم بسهولة الصاق تهمةالبعث او الارهاب بمن يقف بوجوههم وهي تهم جرى استخدامها بشكل مفرط خلال السنوات الماضية ضد كل من وقف بوجه سلطتهم.

 

اياد نجم الجيزاني

 

عامر صالحلا زلت غير مقتنع في التقسيم المتحجر الذي يقسم الشخصيات العربية او الأسلامية او التقسيم القائم على اساس جغرومناطقي الى شخصيات ذات ثبات شبه مطلق وغير قابل للتغير أو التأثر بالظروف او الفترات والحقب التاريخية التي تنتج شخصيات مختلفة في مراحل سياسية وتاريخية مختلفة، وبالتالي عندما نتحدث عن الشخصية المصرية، او الشخصية العراقية، او اللبنانية او المغربية وغيرها يجب ان يكون الحديث مقترنا بسلامة منهجية تعبر عنها الظروف المحيطة والتغيرات السياسية والاقتصادية والسياسية والاجتماعيىة لكل حقبة زمنية أنتجت شخصيات مختلفة، حتى وأن سميت بأطرها الجغرافية المكوناتية العرقية، وبالتالي يمكن القول أن ما كان عراقيا او مصريا او لبنانيا أن يتبادلا المسميات عندما تتشابه الظروف التي يمرون بها، فما هو عراقي يمكن ان يكون لبناني او مصري او مغربي وبالعكس.

وهنا اتفق نسبيا ان ثبات الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية عبر حقب مختلفة ينتج بالضرورة ثباتا نسبيا في الصفات السيكولوجية للشخصية وقد تتأصل الكثير من الصفات السلوكية والشخصية بفعل عوامل التعزيز الدائم والدعم المحيط بما يترك انطباعا اوليا انها صفات وراثية وذات طبيعة تأصلية ويصعب تغيرها او يستحيل حتى اذا تغيرت الظروف التي انتجتها" طبعا هذا غير صحيح " والصح هو ان هناك بطئ شديد او عدم توافق وتطابق دينامي بين التغيرات الحاصلة في البنية الاقتصادية والاجتماعية وبين منظومة القيم والصفات الشخصية حيث الاخيرة تتخلف عنها نسبيا بفعل ارتباطها في البعد الشخصي ومدى تفاعله مع التغيرات الموضوعية الحاصلة على الارض، ولكنه لا يستمر طويلا حتى يلتحق بتلك التغيرات ويكتسب افرازاتها السايكولوجية وحتى بما تفرزه من منظومة اخلاقية.

ما اريد الحديث عنه بتلك المقدمة هو ما افرزته الظروف السياسية في العراق حاليا بعد 2003 وبتأصل جذورها الى مرحلة النظام السابق هو الدعاوى الباطلة والفاقدة للسند العلمي والاخلاقي هو تقسيم العراقيين الى عراقيي الداخل وعراقي الخارج والتفضيل المفتعل لعراقي الداخل على عراقي الخارج، والذي وصل الى مطالبات تفتقد الى الحس الانساني والتي تدعو الى الخلاص او اسكات صوت عراقي الخارج، هذه الدعاوى المبطنة لها جذورها في موقف النظام السابق من المعارضة العراقية ودعواه للخلاص منهم وتصفيتهم وخاصة عندما رفعوا شعار الكفاح المسلح لأسقاط النظام الدكتاتوري، وفشلت اغلب محاولاته لترويض المعارضة العراقية في الخارج وخاصة ذات المزاج والتوجه اليساري، في محاولة منه لأستغلالها في كسب الرأي العام العالمي لدعم النظام وبقائه وفك العزلة الدولية عنه.

وللأسف الشديد ان هذه الدعاوى اليوم امتدت وبأشكال مبطنة الى بعض مجاميع الحراك الجماهيري وبشكل خاص الى جماهير انتفاضة اكتوبر العراقية والتي اندلعت في الاول من اكتوبر للعام الماضي ولا تزال مستمرة، بل وصل الأمر الى ما هو الأسوء ان يتجاوز بعض من " المثقفين او الاساتذة " على عراقي الخارج ويدعوهم الى السكوت عن المطالب العراقية المشروعة في العيش الكريم او تحت دعاوى مبطنه تحت شعار " دعوا شعب الداخل وشأنه " ولا اريد التشكيك بتلك الدعوات إلا من منطلق من استفاد الكثير منهم في اكمال دراساته في ظل النظام السابق والجميع يعرف ضغوطات النظام السابق على ذوي الدراسات العليا وغيرهم، فأن لم يكون مع النظام عليه توقيع تعهد براءة من العمل السياسي المعارض، وفي تلك الاشكالية قد تفسر بعض من عقدة كراهية عراقي الخارج، واليوم في هذا الظرف عندما يحضروا هؤلاء كناشطين مدنيين او دعاة تغير فأن التلوث الأسقاطي اشد حضورا في سلوكياتهم الأضطرابية.

عراقيو الخارج كما يحلو للبعض ان يطلق عليهم هم عراقيون ليس من حق احد ان ينتزع منهم وطنيتهم وولائهم للوطن وليس من حق احد ان يوزع الوطنية كيفما يشاء وينتزعها ممن يشاء. كما لا يمكن أن  يُأخذ ستة  ملايين عراقي في الخارج بجريرة حفنة أساؤوا  التصرف، فليس من العدل ان يجردوا من وطنيتهم، ويتم الهجوم عليهم وكأنهم خونة أو متآمرين. ولو قارن المواطن النبيه والفطن: كم من فاسد سياسي قادم من الخارج ساهم في الحكم بمن هم فاسدين من عراقي الداخل، ومن اعلى درجة وظيفية الى ادناها !!!.

ان افتعال الفرقة بين العراقيين و تقسيمهم الى داخل وخارج  وزجهم في معركة خاسرة خطيئة بحق الوطن، فالعراق عراق الجميع، وما تحدث به بعض المسؤولين أو سياسين او من  المشعوذين " المثقفين " بأن العراق للعراقيين في الداخل هي كلمة حق يراد بها باطل. ان في عراقيي الخارج كفاءات كبيرة وطاقات مهمة، يقومون بدور فاعل في بناء البلدان التي يعيشون فيها ولهم سمعة طيبة، فاقصائهم  هو مؤامرة مقصودة، وانا هنا لا اعني السياسيين بل، الكفاءات العلمية والاكاديمية والطبية والهندسية والفنية والادبية الأبداعية وفِي بقية المجالات، ان دول العالم تدفع الأموال الضخمة وتقدم الإغراءات الكبيرة من اجل استقدام العقول والطاقات ونحن في العراق وللاسف نمارس وبجهل طرد العقول البناءة من ابناء الوطن. أن فاسد سياسي قادم من الخارج وينتمي الى حزب لا يؤمن بالديمقراطية والتعددية والتداول السلمي للسلطة لا يمكن تعميمه على عراقي الخارج، ففي ذلك جهل وفتح بوابة جهنم  لتشتيت شمل العراقيين في الداخل والخارج.

يجب على كل شعبنا ومثقفيه وطلائعه السياسية الخيره ان تقف بقوة ضد هذا التصنيف المفتعل: عراقيو الخارج وعراقيو الداخل، وان هذا التقسيم والتجزئة للجسد العراقي الواحد قد يحمل في طياته بوادر سيئة لقتل وتصفيات متبادلة بين مكونات شعبنا وقد تفقده اكثر الناس كفاءة ونزاهة، وفي مجملها تصب في خدمة الأسلامويين غير المؤمنين بالديمقراطية والتعددية، وبقايا ثقافة البعث المنهار وتعيد انتاج العنف المجتمعي بين شرائحه النوعية والأكثر وفاء للوطن.

وبهذا السلوك الاقصائي بين عراقي الداخل والخارج فهو سلوك أناني سلبي قائم على تعميمات وأوهام ومشاعر وانفعالات تجعل المتعصب من عراقي الداخل يتصرف على نحو عاطفي غير منطقي، يتنازعه دافعان متناقضان، الحب الأعمى للذات من جهة، والحقد الأعمى للآخر من جهة ثانية. وكما يمكن الحديث عنه باعتباره سلوكا فرديا، يمكن الحديث عنه باعتباره سلوكا جماعيا، باعتبار الجماعة المتعصبة هي مجموع الأفراد المتعصبين المكونين لها. ولذلك يعد التعصب، بهذا المعنى، مرضا نفسيا واجتماعيا في آن معا. وذلك بالنظر إلى كونه إنتاجا للفرد والجماعة معا، يتأثران به معا. ومن المعاني التي ترتبط بالحقل الدلالي للتعصب التقوقع والتزمت والعمى والعنصرية والتمييز والإقصاء والاستبعاد والتطرف. وهي كلها معاني سلبية. هكذا نجد أن التعصب داء يصيب الأفكار والقناعات والمشاعر فيؤثر سلبيا على معقولية وجودة وحكمة التصرفات التي تصدر عن المتعصب.

في هذا التعقيد من النزوع جراء تعقد الاوضاع الداخلية في العراق، ولكي نكون براء من تلك النزعة اللاانسانية علينا نحن عراقي الداخل ان نكون اكثر وعيا في تشخيص مواطن الضعف واسباب الانهيارات الكبرى في مجتمعنا وان نكون اكثر بعدا عن الانفعالات المدمرة للذات العراقية الواحدة في تجزئتها الى عراقي داخل وخارج، أنها ازمة حضارية ومعبرة عن عزلة شعبنا عن العالم الخارجي لعقود ماضية، تلك ثقافة النظام المقبور والاسلامويين الذين يعزفون على الانفعالات المريضة في محاولة للخلاص من ازماتهم، وبالتالي فأن شعبنا امام مهمة معقدة ومتشابكة وهي الخلاص في ثقافته من التعصب الديني والمذهبي والابتعاد عن الهويات الفرعية الضارة وعدم تجزئة شعبنا الى شعب في الداخل وشعب في الخارج، انها هجمة مفبركة ضد أي تغير مرتقب في الاوضاع الحالية للعراق، بل انها دعوى لأقصاء النخب السياسية النزيهة، بل وللأنفراد بشعبنا مجددا واقحامه في آتون الطائفية والمناطقية والفرعية والمذهبية والشوفينية العرقية.

اعتقد ان تلك التجزئة والفرقة بين عراقيي الداخل والخارج هي ردة فعل حضارية حملها النظام السابق بعزلته العالمية والحضارية عن العالم الخارجي والتي وضع فيها العراقي في موقع القوي المفتعل شكليا ولكنه ضعيفا امام متغيرات الحضارة الانسانية وضعيف الاستيعاب امام ما يجري من منجزات في الفكر والثقافة والعلوم المختلفة، ومن ثم كان مجيئ الاسلامويين اشد وقعا في اعادة انتاج التخلف وفهم ظروف العصر والانفتاح واعادة انتاج خطاب القرون الوسطى الذي لا يصلح للحياة، وعلى شعبنا ان يدرك اللعبة بأمعان وان يستفيد من خبرة اليسار العراقي بكل اطيافه في استعادة اللحمة الوطنية والابتعاد عن خطاب التفرقة والتراجع الى الخلف، فأن العودة الى الصفر يعني ضياع العراق !!.

 

د. عامر صالح

 

 

احمد سليمان العمريالنزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت حكومة أديس أبابا بفرض أمر واقع جرّاء تعبئة السّدّ ولأول مرة، رغم أنّه ما زال قيد الإنشاء منذ تسع سنوات، وعلى الرغم أيضاً من الانتقادات الدولية وملفه الذي قد يحوّل الصراع الجيوسياسي إلى أزمة دبلوماسية وربمّا عسكرية.

يتصاعد النزاع على مياه النيل من خلال السّدّ ويخشى المصريون أزمة مياه حقيقية، حيث يغطي النيل أكثر من 90 بالمائة من الإحتياج المصري.

القلق المصري والسوداني يتفاقم مع خشية قلّة المياه المتدفّقة في النيل عبر أكبر سدّ في إفريقيا. السودان أشارت إلى إنخفاض مستوى المياه التي يعود سببها إلى قطعها من الجهة الإثيوبية، ومصر تستند على اتفاقيات أُبرمت منذ عهد الاستعمار.

صرّح رئيس الوزراء الأثيوبي أبي أحمد الحائز على جائزة نوبل للسلام يوم الأربعاء 22 يوليو/ تمّوز بإستكمال ملء السّدّ لأول مرة، دون إنقطاع تدفّق المياه في إتجاه مجرى النهر، متذرعاً الملء بسبب الأمطار، هذا بالرّغم من تصريح إثيوبيا منتصف يوليو/حزيران نيتها زيادة منسوب مياه السّدّ.

 كما ودعا الآخر ضرورة إكمال البناء مع توضيح القضايا الدبلوماسية الأخرى. وحسب تصريح وزير الرّيّ الإثيوبي «سيليشي بيكيلي»، وصل منسوبه إلى 4.9 مليار متر مكعب.

بني سدّ النهضة على النيل الذي يمتد عبر عشر دول بطول 6000 كيلومتر ليغذيها تقريباً كاملة بالماء والكهرباء في «بينيشانغول» على مساحة شاسعة وصلت لـ 1800 كيلو متر مربع، الواقع على الحدود السودانية ويبعد قرابة 900 كيلو متر شمال غربي العاصمة أديس أبابا، وتصل سعته 74 مليار متر مكعب، وهي النسبة التي تساوية حصتي مصر والسودان السنويّة من مياه النيل، لتبلغ ما يقارب سعة ثلاثة أضعاف بحيرة «كونستانس» وبإرتفاع 155 متراً، حيث يفصل جداره حوض النيل بمسافة أميال، ولقد بلغت تكلفته 4.6 مليار دولار، وبذلك يصبح السّدّ الأكبر للطاقة الكهرومائية في أفريقيا.

علّ الإعلان الأثيوبي عن إنشاء سدّ كبير في فبراير/شباط 2011 م لم يكن وليد ذلك العام، حيث يعود إلى عقود سابقة، وعلى وجه التحديد بين عامي 1956م وعام 1964م إبّان حكم الإمبراطور «هيلا سيلاسي».

كانت فكرة السّدّ وليدة وتمويل الحكومة الأمريكية بالشراكة مع مؤسسات دولية تمويليّة، إلّا أنّ الإنقلاب الذي أطاح بالنظام الملكي أخفق في بدء بناء السّدّ العظيم آنذاك. ورغم الصراعات العرقية والطائفية التي مزّقت الشعب الإثيوبي وأضعفت الدولة ونظامها، إلّا أنّ حلم الأثيوبيين لم يمت من استثمار الموارد المائية في النيل، حتى آل الحلم قضيّة أمّة ومسألة تؤرّق أصحاب القرار والمواطن البسيط في آن.

المعضلة في تحقيق آمال الأثيوبيين في تشييد السّدّ كانت تكمن في التمويل في الدرجة الأولى، بالإضافة إلى الأبعاد السياسية والأمنية المرتبطة بالضرورة بالبدء بالبناء، ودور مصر الفاعل في المنطقة وحلفائها في الغرب.

مع دخول عام 2011م استطاع أصحاب القرار في أديس أبابا استثمار الإطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك وانشغال القوى الداخلية للسيطرة على أمن الدولة، وعلى أثرها أُتيحت الفرصة الأفضل للعمل في المشروع المنتظر من خلال الدعم الهائل من استثمار ومنح وقروض من الصين والسعودية والإمارات وأمريكا وصندوق النقد الدولي، والدعم الإسرائيلي الذي أعلنه رئيس وزراء دولة الإحتلال بنيامين نتنياهو في تمّوز/يوليو عام 2016م وتأييده الكامل للموقف الإثيوبي المتمثّل بتوفير وتطوير قدرات الدولة السيبرانية.

الإضطرابات الثلاثية جرّاء ملء السّدّ

إرتفاع مستوى سدّ النهضة وتوليد الكهرباء اللازمة للتنمية الاقتصادية في إثيوبيا يعني بالضرورة الشُحّ في الدولتين الجار مصر والسودان.

اللافت للإنتباه تغيير إثيوبيا موقفها حول مناقشات السّدّ مرات عديدة، بداية الأمر أنكرت الأخرى  قطع الماء عن السودان عبر رسالة لوزارة الخارجية السودانية، حيث صرّح «سيليشي بيكيلي» في مقام آخر بعدم صحّة قطع حصة السودان، وأنّ ملء السّدّ غير مقرون بالإنتظار حتى اكتمال البناء. وتوثّق صور الأقمار الصناعية ارتفاع منسوب المياه منذ نهاية يونيو/حزيران، كما ولوحظت أدّلة تشير إلى تزايد نسبة المياه في السّدّ ممّا يؤكّد عدم صحّة تصريحات أديس أبابا إرجاء إمتلاء السّدّ بهطول الأمطار.

انتهت الجولة الأخيرة من المفاوضات الثلاثية دون الوصول لأي إتفاق. ويرى المراقبون أن النزاع المتفاقم يشكّل خطر حقيقي على أمن المنطقة برمّتها، حيث شدّد «ديفيد فولد جيورجيس» من المعهد الدولي للأمن في أديس أبابا، بعدم ترك الوضع الحالي لمصر وإثيوبيا فقط، وإلّا سيكون لذلك تأثير على الوضع الأمني في المنطقة وأفريقيا، ولم يخفِ مخاوفه في إجتماع الإتحاد الأفريقي الطارئ لبحث تطورات أزمة القاهرة والخرطوم وأديس أبابا يوم الجمعة 26 يونيو/حزيران من استمرارية المواجهة الحادّة، وتبعة نشوب حرب في المنطقة. ونوّه إلى أنّ السبيل الوحيد القابل للتطبيق لكلا البلدين، هو عقد إجتماع طارئ يجمع دول النيل وإجراء حوار ودّي مع رؤساء الدول الأفريقية.

الحرب الباردة وتأرجح الأمن المائي

سدّ النهضة يقنّن بشكل كبير من كمية المياه المتدفقة إلى الأراضي المصرية، وتتوقع مصر إنخفاض المياه فيها بنسبة 14 إلى 22 بالمائة، وفي أسوأ سيناريو تصحّر 30 بالمائة من الأراضي الزراعية، حسب سرعة إثيوبيا في ملء السّدّ. كما ودعت مصر في نهاية يونيو/حزيران مجلس الأمن الدولي إلى تحقيق حلّ عادل ومُنصف للخروج من المأزق، الذي قد تؤدي تبعاته إلى نتائج وخيمة لكلا البلدين والمنطقة بأكملها.

ومع ذلك لم تتحدّث إثيوبيا حتى الآن عن تحديد تجميع المياه في المستقبل أو تحديد مدّة زمنية، وبدلاً عن ذلك، يتم بناء واقع جديد لدول النزاع وتهديد ظاهر للعيان للأمن المائي فيها.

القلق المصري والسودني يتزايد حيال موسم الأمطار القادمة، وحكومة إثيوبيا تستعد للفحوصات الأولية لتوربينات الطاقة الكهرومائية في السّدّ، وتأمل الأخرى في ملء 4.9 مليار متر مكعب خلال شهري يوليو وأغسطس، حيث ستكون الكمية في مرحلة التعبئة الأولى للحوض كافية لبدء عمل توربينات اثنين مع حلول منتصف عام 2021م، ويُتوقع تشغيل السّدّ على الأرجح مع جميع التوربينات الـ 16 في عام 2029م خلال السنوات السبع القادمة، ليكون وصل للحدّ الأقصى من سعته مع إحتمالية خمس سنوات تأخير.

وبهذا سيكون سدّ النهضة أكبر محطة للطاقة الكهرومائية في القارة، ويصبح قادراً على تزويد دول شرق أفريقيا بالكهرباء.

فهل الجهود الإثيوبية في استثمار مقدّراتها المائية تعني بالضرورة مواجهة فعلية بعد الحرب الباردة التي أعلنتها حكومة السيسي بسبب قرارات أديس ابابا أحادية الجانب؟

وهل عدم تنازل إثيوبيا عن مواقفها يعود لعدم وجود أسباب تعتقدها مصر والسودان بضرر بالغ على كلتا الدولتين بذريعة الخلاف التنسيقي والفنى الذي لا يستدعى تدخل أطراف دولية ومؤسّسيّة خارجية؟

 للمراقب أن يرى بعدالة مطالب الدولتين أو عدمها، أو ضرورة مشاركة أطراف إقليمية ودولية من شأنها تمكين لغة الحوار للوصول إلى حلّ عادل ومُنصف، بعد تعثّر الجهود الدبلوماسية ممثّلة بالإتحاد الإفريقى ومجلس الأمن الدولي بقيادة ألمانية لتسويّة النزاع وفضّ الأزمات في إطار مفهوم شامل لمصطلح الأمن.

وعلّ التعنّت الضمني الذي تُصرّ علية حكومة أبي أحمد، وصلابة موقف الدولة الضعيفة في الأمس، يعود للجهود الروسية والتأييد الإسرائيلي الصريح لتحقيق أطماعه على حساب البقعة العربية والإضرار بمصالحها التي قدّ تهدّد الأمن القومي والمائي أهمّه على المدى البعيد.

 

 دوسلدورف/أحمد سليمان العمري

 

كفاح محمودأطلقت الامارات العربية المتحدة مسبارا الى المريخ في سابقة علمية فضائية تسجل لها وهي تكسر قيود التاريخ كما اطلق عليها الكاتب حسن إسميك في مقاله (في سيرة المدن التي كسرت قيد التاريخ: "أبو ظبي نموذجاً") والذي تحدث فيه عن التطور الكبير الذي شهدته الإمارات العربية المتحدة وذروته في إطلاق مسبار إلى المريخ، وقد اعادني الحدث والمقال قليلا إلى التاريخ غير المقروء بل المشهود، وتحديدا منذ تأسس هذا الاتحاد الفيدرالي الاختياري بين إمارات مترامية ومشتتة هنا وهناك قبل نصف قرن، وبقيادة رجلٍ حكيمٍ لم يتخرج من جامعة أكسفورد أو من أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية البريطانية ليكون جنرالاً ينقلب على رفاقه بانّقلاب، ولم يكن رئيس حزبٍ يتآمرُ مع مخابراتٍ دولية لكي يتسلم مقاليد الحكم، أو يزور الانتخابات لكي يفوز ويتحكم برقاب عباد الله، ولم يعرف عنه انه رجل دين او عالم فقه أو امام معصوم، بل كان انسان (ملئ هدومه) كما يقول الاخوة المصريين، إنسانٍ عفويٍ حكيمٍ مخلصٍ لنفسه ولقيمه وللوطن الذي ينتمي له، أنه الإنسان زايد، الذي تعجب ذات يوم من أن لا يكون لفردٍ من أبناء شعبه بيتاً يملكه، ومن هنا بدأت الحكاية، وضع اصبعه على مكمن الجرح في هذه الأوطان التي تفتقد للانتماء اليها كمسكن، من هنا كانت النبضة الأولى بل القدحة التي اطلقت فيما بعد مسبار الامارات الى المريخ!

أنه الانتماء للوطن بملكية دار السكن!

وما بين دار السكن والانتماء للوطن تسلل الروائي جورج أورويل الى الفناء الداخلي للدار ليدرك أي مواطن يسكن فيه وتحت أي حكم يعيش في هذا الوطن المقهور بكاميرات وعيون روايته (السيد الرئيس) المزروعة في كل الشوارع والازقة وربما حتى في غرف النوم، حتى أدرك في روايته 1984 شكل الأنظمة التي تحكم هذه الشعوب المغموسة بالتاريخ وفتوحاته وسبياه، ثم ما لبث ان أسس مملكته أو جمهوريته بعد تلك الرواية في (مملكة الحيوان)، لكي يعطينا نموذجاً لمن يحكم بلداننا خارج دائرة الإنسان.

في دول الوطن التي خرجت عن جمهوريات اورويل، واكتشفت ان الانسان يبحث في البدء عن مكان يأويه، فكان الكهف ثم تطور حتى أصبح وطن، وفي الوطن كانت الحلقة الاولى في الانتماء، شعر مؤسس دولة الامارات ان البداية في احترام الوطن والانتماء اليه هو سكن يليق به ومدرسة تليق بأطفاله، ومشفى يستدركه اذا مرض، ومستقبل آمن اذا توالت سنين العمر، ومنها انطلقت وفتحت أبو ظبي أبواباً ومساراتٍ إلى العلى، بينما في وطني الذي قامت على اديمه اقدم حضارات البشر ما تزال انياب التوحش غائرة في جسده، وفي مدينتي سنجار أو شنكال بكوردستان العراق، والتي قال عنها المؤرخ والآثاري الأمريكي سيتون لوئيد في كتابه (انتصار الحضارة) ان  أهاليها اسسوا أول قرية زراعية قبل سبعين الف عام، نعم سبعين الف عام، وعلماء الحضارات يدركون ماذا تعني بناية قرية ودورا للسكن وحقولا يزرع فيها القمح،  سبعون الف عاما من التقدم والتطور لم تمنع أصحاب فلسفة (التوحش والغزو) من اقتراف اكبر جريمة بحق الانسان والادمية، ففي الثالث من آب أغسطس 2014م انّهارت عند أبوابها حضارة آلاف السنين من تطور الإنسان النوعي والثقافي والسلوكي، بل ونسيت كل معاناة البشرية وتعب علمائها في كل مجالات الحضارة حينما داهمتها مجاميع من المتوحشين الآدميين، لكي يهجموا الدور على ساكنيها  ويحرقوا حقولهم وحنطتهم حتى التي تحجرت منذ الاف السنين، قتلوا كل الذكور العزل الذين وقعوا في اسرهم، واستعبدوا آلافاً من الصبية والأطفال، ولم  تشبع غرائز القتل والدمار في دواخلهم فسبوا آلافاً مؤلفة من الصبايا والنساء، بل وأسسوا لأول مرة بعد مئات السنين من المدنية اسواق النخاسة لبيع وشراء النساء في واحدةٍ من أقذر ما شهدته البشرية في العصر الحديث من سلوك يندى له الجبين!

إن ما حدث في سنجار والموصل واطرافهما جعلنا ندرك تراكماً تاريخياً من السلوك الاجتماعي والسياسي التي فرضته الأنظمة الحاكمة منذ قرن الزمان، والتي كانت تعتبر الإنسان المختلف دينياً ومذهبياً وقومياً من الدرجة الثانية أو ربما بدون أي درجة، فهو ما لم يكن عبداً لها لا يساوي حتى ثمن الطلقة التي يعدم بها رمياً بالرصاصة التي كانت تستحصل قيمتها من ذويه، بينما كان الاخرون يعملون من أجل تمليكه داراً للسكن، نعم دارا للسكن، لم نكن نطلب منذ البداية الا دارا للسكن، لكنهم رفضوا ذلك واعتبروه تمردا وعصيانا وانفصالا، فبدأت دوامة العنف ونافورة الدماء طيلة أكثر من سبعين عاما، تصلبت فيها العبرات في الانفال وتاهت الأوطان في حلبجة وتوقفت الحياة في أكثر من خمسة الاف قرية حينما دفنوا سكانها احياءً في صحراوات العراق ليتوقف معها الانتماء!

حينما فشلوا في ابادتنا ومنعنا من بناء دار للسكن، شنوا غزواتهم المعروفة بالأنفال مستخدمين ذات الاسم القرآني لأبادتنا، وحينما فشلوا عادوا الكرة ثانية، لكن هذه المرة دونما استنفار قومي بل استخدموا ظلال راية الإسلام والقرآن، ليؤسسوا من جماجم أطفالنا (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، ويخطفوا اكثر من ستة الاف صبية وامرأة كسبايا بعد أن قتلوا اضعافهم من الرجال والشباب والفتيان، وما تزال اكثر من ثلاثة آلاف امرأة كوردية إيزيدية مسبية ومستعبدة من قبل من ادّعى أنه يمثل الرّب وشرعه ودستوره في مقاتلة غير المسلمين حتى يؤمنوا بدينهم وإلا فدماؤهم مُباحة ونساؤهم مسبية وأطفالهم مستعبدة، لاحظ أننا في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، والمفجع إن كل هذا حصل أمام مرأى ومسمع كل دول المسلمين ومجتمعاتهم وقادتهم ملوكا ورؤساء وامراء وأئمة وشيوخ عشائر ومنظمات مجتمع مدني، لكن وبمرارة لا توصف لم نسمع أو نرى رفضاً علنياً ولا تظاهرة مضادة ولا تحريماً لما جرى من جرائم بشعة وسلوك منحرف لم تشهده المجتمعات البشرية المعاصرة.

بعد كلف هذا كيف إذن لنا أن نتوقع نهوضا لبلدٍ بهذه التراكمات من الجرائم بدءاً من الأنفال والمقابر الجماعية ومروراً باعتبار الكورد من جنس الجن، وانتهاءً بإبادتهم، كونهم من الإيزيديين!؟

لقد كسروا عند أبواب أبو ظبي قيود التاريخ، وارتحلوا الى المريخ، وعند بوابات مدينتي سنجار في كوردستان العراق استخدم المتوحشين تلك القيود ليحطموا جماجم الأطفال ويقيدوا النساء بسلاسل ارثهم الرث في أسواق النخاسة، بل ليحرقوا كل ما له علاقة بالحضارة والمدنية، ثم ارتحلوا الى دهاليز التاريخ وتركوا لنا جروحا لن تندمل، ودار سكن مهدد بالحصار وقطع الارزاق!؟

 

كفاح محمود كريم

 

مصطفى محمد غريبالحصار الاقتصادي وما يخص البرنامج النووي مأساة يعيشها الشعب الإيراني، العراقيون يعرفون جيداً من خلال تجربتهم المرة كارثة الحصار الاقتصادي ضد الشعب انه ليس حصاراً على الطغمة الحاكمة وهرمها صدام حسين لانهم لم يتأثروا به واستأثروا  بكل الخيرات والرفاهية  مثلما حال أي اباطرة في التاريخ، فالحصار ليس بلعبة للمرح او قضاء الوقت الممل، الحصار يعني تجويع الشعب حتى موتهم البطيء على مراحل، يعني الامراض والاوبئة والعاهات الاجتماعية ، الحصار ينتج زيادة الأسعار وبخاصة في النواحي الغذائية والمعيشية المرتبطة بغالبية الفقراء والبطالة والعوز وتصاعد وتيرة الفساد والجرائم  بمختلف أنواعها واشكالها، ثم هناك نتائج مدمرة ملموسة ليس على الأوضاع الحالية فحسب بل على المستقبل القريب والبعيد، وهذه المؤشرات دليل دامغ على سياسة الحصار الاستعماري المدمرة  وهي مرفوضة تحت أي حجة او ادعاء لأن هدفها تجويع الشعب وتسمين الحكام المسؤولين، ومثلما اشرنا حول  المثل (العراق) في عهد الحكم الدكتاتوري، ونرى اليوم واقع الامر وما يجري في ايران وكيف تدرج الحصار الاقتصادي سلبا على حياة المواطنين الإيرانيين من " موظفين وكسبة وعمال وفلاحين وكادحين  وأصحاب الدخل الضعيف وبصراحة على الفقراء والعاطلين عن العمل وزيادة في التعقيد انتشار جائحة فيروس كورونا والنتائج السيئة التي ظهرت بسبب هذا الانتشار " وقد وطالب نواب النظام الإيراني رئيس الجمهورية حسن روحاني ونشر الطلب في وكالة (فارس) ـــ توضيح أسباب زيادة أسعار المواد المعيشية وما لحق بالعملة الإيرانية من انخفاض لم تشهده من قبل وعن ازمة السكن وكذلك استفسارات حول الاتفاق النووي الذي يتعنت حكام طهران بالمضي لتخصيب  اليورانيوم لتصنيع القنبلة النووية بهدف التهديد وتأجيج الصراعات وزعزعة الاستقرار النسبي  للأوضاع والتهديد بالحرب الذي تقف بالضد منها شعوب المنطقة والعالم لما لها من كوارث ومآسي على حياة الملايين في الحاضر والمستقبل، ومخاطر البرنامج النووي الإيراني لا تقتصر على صنع القنبلة التدميرية فحسب انما تتجاوز اهداف التصنيع بحجة الدفاع عن النفس لأن حكام ايران يصرحون باستمرار حول تدمير إسرائيل ومسحها من الوجود وهي حجة واهية غير منطقية فهؤلاء الحكام يعرفون جيداً ان التحرش النووي بإسرائيل سيقابله ردع نووي ان كان من حكام إسرائيل او حلفائها وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الامريكية وسيكون الخاسر الأكبر هو الشعب الإيراني وشعوب الدول المجاورة وحتى البعيدة ، وحكام طهران يدركون ان الردع لن يكون محصوراً بمساحة جغرافية محددة لأنه سيمتد الى ابعد ما يكون ويشمل دول وشعوب المنطقة فضلاً عن تدمير واسع للموجودات  البشرية والحيوانية والنباتية وتلوث واسع للأنهار والبحار ولمساحات جغرافية واسعة... الخ ، اذن التفكير الحقيقي لحكام طهران هو التهديد وتوسيع نفوذهم في المنطقة..

اولاً: سعي حكام إيران لبناء قوة عسكرية بدءً من تخصيب ا اليورانيوم حتى تصنيع القنبلة النووية لتهدد دول وشعوب المنطقة مع هدف التوسع وتصدير الثورة بحجة الإسلام دون أي اعتبارات لخصوصية وظروف المجتمعات في دول المنطقة.

ثانيا: التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار ومنها العراق والخليج وسوريا ولبنان واليمن وأجزاء أخرى من الوطن العربي.

ثالثاً: توجه طائفي عدواني ضد المكونات الأخرى ولكن تحت طائلة شعارات الدفاع عن الإسلام او تبني شعارات مغلفة بالوطنية وقومية ضد إسرائيل والشياطين على الأرض.

لكن المشكلة الكبرى في العقلية المتناقضة لحكام طهران، فهم يدركون حتماً مدى الاخطار المحدقة بالشعب الإيراني الصديق لكنهم يتناسون معاناته، ويدركون ماذا يعني الحصار الاقتصادي ونتائجه المدمرة، لكنهم يتغاضون بالتصور الساذج ان الجماهير الجائعة والفقيرة والمحرومة من ابسط الحريات سوف تشبع بالشعارات مع احترامي للحسين والأئمة المعصومين والشعارات الدينية او الطائفية لكن الحقيقة على الرغم من قساوتها هم يستغلون الدين والطائفية وأسماء دينية غير قليلة لتحقيق مآربهم ومخططاتهم الهادفة الى اخضاع المواطنين، إيران تعيش ازمة شاملة في مقدمتها الازمة الاقتصادية والمعيشية التي تدمر حياة عشرات  الملايين الإيرانيين وتدفعهم للفقر والفاقة والعوز والبطالة وتفشي الامراض الاجتماعية والوبائية وهذه الازمة تتحمل مسؤوليتها

1 - الحكومة الإيرانية وسياستها الداخلية المبنية على الاضطهاد والقمع وتقييد الحريات الشخصية والعامة، والخارجية غير الحميدة في ظروف عالمية تختلف عما سبق حيث أصبح القطب الواحد يتحكم بشراسة وعدوانية ويحتاج الى المرونة المبدئية بدلاً من العنجهية والتخبط والتطرف والالتزام بالقواعد الدولية والقوانين المرعية التي تقف بالضد من التدخل في الشؤون الداخلية لبلدان اخرى

2 -عدوانية الولايات المتحدة الامريكية وعقوباتها والحصار الاقتصادي بالضد من الشعب الإيراني الصديق، وعموم سياستها التي تسعى للهيمنة والتسلط وفرض الامر الواقع على الدول والشعوب الرافضة للسياسة الاستعمارية العدوانية.

لقد اثبتت الحياة بما لا يقبل الشك ان النتائج التي تحصدها إيران من خلف سياستها منذ الثورة الإيرانية عبر الفشل في جميع المرافق الحياتية الا اللهم في مجال التطور في الأسلحة بما فيها الصواريخ المختلفة ثم تقوية الماكنة العسكرية للحرس الثوري وفيلق القدس، وعندما نحصد اثار جائحة كرونا نجد الطامة الكبرى لما يجري على الشعب الإيراني الصديق بسبب عدم جاهزية المرافق الصحية والخدمية بشكل جيد لان جائحة كرونا تكاد تؤثر على اكثرية المناحي الحياتية وفي مقدمتها الوفيات الكبيرة ثم طمس للنتائج الحقيقية التي تخفيها الحكومة الإيرانية والمراكز الصحية بما فيها وزارة الصحة، كما نلاحظ التفجيرات الأخيرة التي ضربت العديد من المؤسسات الصناعية وبخاصة في مجال عمليات تصنيع " أجهزة الطرد المركزي المتطورة لإنتاج اليورانيوم المخصّب" فحادثة " مبنى بمجمّع (نظنز) النووي في طهران وسط البلاد خلّف "أضراراً مادية جسيمة" وغيرها من الحوادث دليل قوي على المعارضة للبرنامج النووي وهو ايضاً لاحتمال تدخل القوى الخارجية ليبطئ عمليات التخصّيب وبخاصة إسرائيل التي تخشى من وتصنيع قنبلة نووية مع تهديدات ايران المستمرة في" الظاهر!!" لتدمير إسرائيل، وتخفي الحكومة الإيرانية نواياها في هذا الخصوص على الرغم من انها  " تشدّد على أنّها لا تعتزم صنع قنبلة نووية كما تتّهمها بذلك الولايات المتحدة وإسرائيل" ، لكن لا يعفي ما تخطط له ايران بتواجد الحرس الثوري وفيلق القدس العسكري في سوريا وغيرها والمحاولات لإنشاء قواعد عسكرية بالقرب من الحدود الإسرائيلية التي تقوم الطائرات الإسرائيلية في كل يوم بقصفها لتلحق بها وبالحرس الثوري وفيلق القدس الإيراني وقوات حزب الله اللبناني والميليشيات العراقية التابعة لإيران   التدمير والقتل ، لقد أدت مجمل سياسة ايران الى نتائج سلبية على حياة الشعب الإيراني بما فيها مخاطر الحرب والتدخل الخارجي فضلاً الى ما لحق من انتكاسات وتراجعات في الأوضاع الاقتصادية والصناعية والعملة الوطنية وهو باعتراف صريح من قبل رئيس الجمهورية حسن روحاني الذي اكد على ان " "الحرب الاقتصادية التي يشنها العدو وتفشي فيروس كورونا جعلا الشعب يعاني من صعوبات ومشاكل وأن العدو، وعبر شن حرب نفسية معقدة وفرض الضغوطات الاقتصادية، يحاول إفشال تجربة الاقتصاد غير النفطي في إيران " ونحن بدورنا نؤكد باستمرار، أن سياسة التخبط والعدوانية ومحاولات التدخل في شؤون الغير بما فيها تبني سياسة تصدير الثورة ثم السياسية غير الحكيمة للوضع الاقتصادي والمعاشي والاجتماعي سوف يؤثر بما لا يقبل الشك على افشال تجربة " الاقتصاد غير النفطي " لان ايران وبخاصة الشعب الإيراني الصديق يحتاج الى السلم والأمان والتوجه للبناء وبخاصة حياة المواطنين من جميح المناحي الحياتية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما فيها افساح المجال للحريات والتوجهات الديمقراطية ومنح حقوق القوميات المكونة للشعب الإيراني ، ان تحويل السياسة الإيرانية نحو تحقيق الرفاهية للشعب الإيراني بما فيها إقامة علاقات حسن جوار مع الدول المحيطة واعتماد اهداف السلم وعدم التهديد والعنجهية سوف تكون ايران في مقدمة الدول التي تبني دولة مدنية وطنية وديمقراطية، وليس السعي للحصول على السلاح النووي وتطوير القدرات الصاروخية الهائلة التي تهدد بها دول المنطقة والعالم.

 

مصطفى محمد غريب

 

 

 

عبد الحسين شعبان"إن عقوبات "إسرائيل" الجماعية بحق الفلسطينيين غير قانونية وإهانة للعدالة ولسيادة القانون (الدولي) وتنطوي على انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان" هذا ما قاله البروفيسور مايكل لينك المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة ؛ جاء ذلك في تقريره السنوي الذي قدّمه في 16 يوليو(تموز) 2020 بخصوص سياسة " العقاب الجماعي" التي تتبعها "إسرائيل" بحق الشعب العربي الفلسطيني.

وكان لينك  الخبير القانوني الكندي قد اختير في ربيع العام 2016 ليكون المقرر الدولي السابع لمراقبة حالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ إنشاء هذه الهيئة العام 1993، بعد 3 أشهر على استقالة سلفه الإندونيسي أستاذ القانون مكارم ويبيسوتو بسبب عرقلة "إسرائيل" لمهمته ومنعه من دخول الأراضي الفلسطينية المحتلة؛  وصعّدت "إسرائيل" الهجوم  على لينك  بعد تعيينه مستثيرة اللوبي الصهيوني داخل كندا وأوروبا بهدف الضغط على أعضاء مجلس حقوق الإنسان الدولي، لإعادة النظر في اختياره، وقالت أنه صاحب نضال طويل ضد "إسرائيل"، وهو مؤيد لجماعات الضغط العربية، وذلك في محاولة للتشكيك بنزاهته وصدقية توجّهه الإنساني.

جدير بالذكر أن لينك اختتم تقريره السنوي بطائفة من التوصيات القانونية والحقوقية منها دعوة " إسرائيل" باعتبارها قوة الاحتلال الفعلية إلى إنهاء جميع تدابير العقوبات الجماعية بما فيها الحصار على غزة منذ 13 عاماً ورفع جميع القيود المفروضة على حرية التنقّل في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتوقّف عند هدم المنازل كإجراء عقابي ووقف جميع ممارسات سحب "الإقامة الدائمة في القدس" وقطع الإعانات وإغلاق البلدات كإجراءات عقابية ووضع حدّ للتأخر في تسليم جثامين الفلسطينيين تمهيداً لدفنها، كما حصل مؤخراً في تسليم جثمان أحمد عريقات الذي استشهد برصاص حرس الحدود (قرب أبو ديس) يوم 23 يونيو (حزيران)  2020.

وتتبع "إسرائيل" منذ احتلالها نهجاً يستند إلى سياسة ذات وجهين  متداخلين : الأول - الاستعمار الاستيطاني، والثاني- نظام الفصل العنصري "الأبرتايد"، وكلاهما  يهدفان فرض عقوبات جماعية، وكان تقرير مايكل لينك قد قدّم تحليلاً قانونياً موسعاً أكّد فيه على عدم شرعية الممارسات التي تنتهجها "إسرائيل" بحق الشعب العربي الفلسطيني، وذلك في محاولة شرعنة اللّا قانوني، من خلال المحاكم "الإسرائيلية" والقضاء "الإسرائيلي" الذي ذهب في العديد من المرات إلى إضفاء "شرعية" على إجراءات السلطات "الإسرائيلية" في هدم المنازل واحتجاز الجثامين وغيرها من أساليب العقوبات الجماعية.

العقوبات الجماعية أياً كانت مبرراتها  تعتبر محظورة بموجب القانون الدولي ويحرّم استخدامها تحت أية ذريعة، ولا توجد استثناءات مسموح بها، حسبما تذهب إلى ذلك اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 وقواعد القانون الدولي العام المعاصر بشكل عام والقانون الإنساني الدولي بشكل خاص، سواء وقت السلم أم في وقت الحرب، لأنها تمثّل انتهاكاً صارخاً لنظام العدالة ولحقوق الإنسان، ناهيك عن كونها اعتداء سافر على إنسانية الإنسان وكرامته ولنظام الأخلاق العامة.

وحثّ مايكل لينك في توصياته لمجلس حقوق الإنسان اتخاذ إجراءات سريعة وعاجلة لوضع حد للجرائم "الإسرائيلية"، وإنهاء كامل وسريع لاحتلالها للأراضي الفلسطينية (المقصود بعد العام 1967)، وناشد المجتمع الدولي "بضرورة اتخاذ التدابير بما فيها التدابير المضادة للعقوبات"، تماشياً مع التزامات ومسؤوليات المجتمع الدولي القانونية.

وإذا كانت الأمم المتحدة كثيراً ما أدانت "إسرائيل" وأصدرت قرارات واجبة الأداء والتنفيذ، وخصوصاً من جانب مجلس الأمن الدولي  بما فيها القرارين 242 و 338 وهما على التوالي في العام 1967 والعام 1973، بشأن الانسحاب "الإسرائيلي" من الأراضي المحتلة، باعتبار أن أي عملية ضم أو إلحاق للأراضي أو استيلاء بالقوة أو الحصول على مكاسب سياسية جراء الاحتلال تتعارض مع القانون الدولي المعاصر، فإن الواجب الدولي والإنساني يتطلب اليوم  اتخاذ إجراءات أكثر حزماً تتجاوز عبارات التنديد الكلامي والإدانة اللفظية،  لما هو عملي وضاغط على "إسرائيل" بما فيها فرض " عقوبات"، لثنيها عن الاستمرار في مشروعها التدميري بحق الشعب العربي الفلسطيني والامتثال إلى  قواعد القانون الدولي وما يسمى بـ الشرعة الدولية، خصوصاً حين يتم تأمين مستلزمات الاعتراف بحق تقرير مصيره وعودته إلى دياره، وإقامة دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

وإذا كانت "إسرائيل" قد تمادت في سياسة العقاب الجماعي، فإن قواعد العدالة الدولية تقتضي عدم إفلات الجناة والمرتكبين من المساءلة، خصوصاً أولئك الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية، وهو ما تؤكده المحكمة الجنائية الدولية ونظام روما الذي تأسس في العام 1998والذي دخل حيّز التنفيذ العام 2002، حتى وإن كانت "إسرائيل" قد انسحبت منه، لكن الأمر يتعلق بمخالفة قواعد عامة ذات صفة إلزامية آمرة، وهو أمر لا يمكن لأي كان التملّص منه وتحت أية حجة أو مسوّغ، ولذلك فإن يد العدالة سوف تلاحق "إسرائيل" التي لن تجد لها مفرًّا من العقاب وهو ما حاول لينك أن يلفت النظر إليه في تقريره.

 

عبد الحسين شعبان

باحث ومفكر عربي