عبد الحسين شعبانفي ظرف ملتبس وملبّد بالغيوم بين بكين وواشنطن، عُثر على السفير الصيني في تل أبيب دو وي ميتاً في منزله بمدينة هيرتسليا الساحلية (شمالي تل أبيب)، وعلى الرغم من إعلان السلطات "الإسرائيلية" أن سبب وفاة السفير الصيني (58) عاماً ناجم عن سكتة قلبية تعرّض لها وهو في سريره، إذ لا توجد أي علامات عنف على جثته، إلّا أن الغموض والشك ظلاّ يلفّان القضية، خصوصاً ما ارتبط بها من ذيول وتداعيات سبقت الوفاة بنحو يومين، فقد كان دو وي قد نشر مقالة في صحيفة جيروزاليم بوست ردّ فيها على تصريحات وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، الذي وصف الاستثمار الصيني في " إسرائيل" بأنه خطر وأن بكين تحاول شراء "إسرائيل"، وجدّد اتهامه لبكين بشأن إخفاء معلومات عن انتشار فايروس كورونا، وذلك خلال زيارته الأخيرة إلى "إسرائيل" مايو / أيار/2020. وجاء في مقالة دو وي : إن الاتهامات الأمريكية لبكين بالتستر على المعلومات عن فايروس كورونا المستجد باطلة بالمطلق، ثم كيف يمكن القول أن الصين تريد شراء " إسرائيل"؟

وكان دو وي  الحاصل على درجة الماجستير في القانون قد التحق بالدبلوماسية الصينية في وزارة الخارجية منذ العام 1989 وتسلّم أقساماً عديدة لعلاقات بلاده  مع الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية السابقة، وقد شغل منصب سفير الصين في أوكرانيا منذ العام 2016 حتى تعيينه سفيراً لبلاده في " إسرائيل" وذلك  في أوج اجتياح جائحة كورونا (يناير/كانون الثاني /2020).

وجاء هذا الأخذ والرد بين بومبيو ودو وي  في ظل علاقات متردّية بين بكين وواشنطن التي  شهدت خلال العامين الماضيين منافسة محمومة  وصفها البعض بأنها حرب محتمة للسيطرة على المستقبل في جميع الصعد الاقتصادية والتجارية والصناعية والتكنولوجية، ناهيك عن ضرائب فرضتها واشنطن على البضائع الصينية، ردّت عليها بكين بالمثل، وما زاد الطين بلّة، كما يُقال، الاتهامات المتبادلة بشأن جائحة كورونا رافقها أقوال متناقضة لمنظمة الصحة العالمية، WHO وليس ذلك بعيداً عن نظريات المؤامرة الرائجة عن حروب بيولوجية جرثومية وتسرّبات مقصودة أو غير مقصودة، فضلاً عن مطالبة واشنطن بكين دفع تعويضات وهكذا.

وخارج دائرة الصراع الخفي والمعلن واستخدام أنواع القوة الناعمة والحرب النفسية وأشكال الدعاية السوداء، فإن مردودها لم يقتصر على البلدين، بل امتدّ إلى جميع البلدان في العالم شأنها شأن أية قضية اليوم في ظل العولمة والثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي.

***

وفي هذا الخضم فثمة ما يلفت النظر لما يجري بهدوء  بين بكين وتل أبيب سواء من فوق الطاولة أو من تحتها، خصوصاً في ظلّ أجواء الريبة والحذر المخيّمة على علاقات بكين - واشنطن، حيث تعززت حظوظ بكين في تل أبيب، وهو ما أثار قلق واشنطن، بل وغضبها، وهي الحليف الاستراتيجي لـ "إسرائيل"، ولهذا السبب جاء تصريح بومبيو من تل أبيب والرد الصيني منها أيضا.

فما هو موقفنا كعرب وكدعاة تحرر وتقدم من الحميمية  الصينية - الإسرائيلية المتصاعدة؟ وكيف ينبغي أن تكون مقاربتنا وتعاطينا مع هذا الموضوع؟ وما هي انعكاساته السلبية المباشرة وغير المباشرة على النضال الفلسطيني والعربي  والصراع الدائر في المنطقة بين الصهيونية والمشروع الاستعماري الاستيطاني الإجلائي العنصري من جهة وبين جبهة القوى التحررية والتقدمية من جهة أخرى؟ جدير بالذكر أن "إسرائيل" تمادت في نهجها الاستيطاني التوسعي مستفيدة من توسع علاقاتها الدولية على حساب حقوق ومطالب الشعب العربي الفلسطيني العادلة والمشروعة وفي مقدمتها حقه في  تقرير المصير والعودة وإقامة الدولة وعاصمتها " القدس الشريف".

ومع صعود " التنين الأصفر" توسمنا كعرب خيراً به، خصوصاً بعد اختلال موازين القوى الدولية على أمل انحيازه لقضايانا بعد أن سادت أجواء القنوط والتشاؤم،  عقب غياب الاتحاد السوفييتي وانحلال الكتلة الاشتراكية والنكوص الرسمي العربي، لتشكل معادلاً قوياً أمام دعم واشنطن لـ"إسرائيل"، وربما كان البعض يعوّل على بكين أن تلعب دوراً قريباً من دور الاتحاد السوفيتي السابق إن لم يكن أفضل منه، وذلك لكسر شوكة الولايات المتحدة من جهة، ومن جهة ثانية أنها دولة غير مستعمِرَة، فما بالك لو حظيت بالفوز في خطة التنمية المستدامة 2030 وأصبحت الدولة الأولى في العالم، خصوصاً وكانت قد أعلنت بثقة عن مشروع بناء طريق الحرير الجديد " طريق الحرير والحزام" الذي سيغيّر وجه العالم.  وكان العديد منا يحلم أن يسمح له العمر بأن يستقل القطار المتوجه من بكين إلى لندن وبالعكس في رحلة تاريخية عظيمة.

وقد لمست مثل هذه الأطروحات خلال زيارتنا في إطار مؤتمر للحوار العربي - الصيني إلتأم في العام 2010 ساهمت فيه نخبة من المفكرين والمثقفين والمسؤولين السياسيين السابقين العرب والصينيين في بكين بدعوة من المعهد الصيني للدراسات الدولية، الذي يسهم في رسم السياسات الخارجية للصين وله خبرة واطلاع كبير على أوضاع المنطقة وظروف الصراع في الشرق الأوسط . وكان جواب المستشرقين والخبراء الصينيين رداً على مناشداتنا واستفساراتنا يكاد يكون موحدا إن لم يكن واحداً: الصين ليست " دولة عظمى"، بل هي "دولة نامية"، وما يزال لدينا أكثر من 150 مليون إنسان دون خط الفقر.

وانعكست خشية واشنطن وقلقها من تطور العلاقات "الإسرائيلية" - الصينية على الداخل "الإسرائيلي"، حيث عبّر عدد من الخبراء "الإسرائيليين " عن مخاوفه ومحاذيره هو الآخر، على الرغم من المكاسب التي يمكن أن تجنيها تل أبيب من العلاقة مع بكين، إذْ ينبغي الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن وعدم خسارتها بأي شكل من الأشكال، ولذلك ينبغي إطلاعها على تفاصيل الصفقات والتنسيق  بين تل أبيب وبكين، علماً بأن الإدارة الأمريكية عبّرت عن غضبها الشديد من تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية والتعاون الأمني والعسكري بين الصين و"إسرائيل"، مثلما أعربت عن انزعاجها من ارتفاع عدد الزيارات المتبادلة بين مسؤولي البلدين، خصوصاً وقد تم مؤخراً شحن كمامات ومعدّات طبية خاصة بفايروس كورونا من جانب الصين إلى الكيان الصهيوني.

***

جدير بالذكر أن الاستثمارات الصينية في " إسرائيل" تعود إلى العام 2015، علماً بأنه في العام 2000 قام الرئيس الصيني شي جين بينغ  بزيارة لـ "إسرائيل" ثم قام إيهود أولمرت رئيس وزراء "إسرائيل" الأسبق بزيارة إلى بكين في العام 2007، وأبرمت العديد من الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية، وكان ذلك بعد أن رفع العرب الحرج عن مثل هذه العلاقات مع تل أبيب وبدأ الأمر تدريجياً منذ اتفاقيات  كامب ديفيد 1978-1979 واتفاق أوسلو العام 1993، علماً بأن "إسرائيل" اعترفت بالصين في العام 1950، لكن الصين ظلّت تنظر إليها كدولة حليفة للإمبريالية، وعلى العكس من ذلك ساندت مصر ضد العدوان الثلاثي الأنكلو فرنسي "الإسرائيلي"، واتخذت مواقف مؤيدة للحقوق العربية في مؤتمر باندونغ لعدم الانحياز العام 1955 واعترفت في العام 1965 بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد وشرعي للشعب العربي الفلسطيني وافتتحت مكتباً لها، ووقفت إلى جانب العرب ضد العدوان الإسرائيلي العام 1967.

لكن التقارب "الإسرائيلي" - الصيني العملي بدأ في العام 1971 حين صوتت "إسرائيل" لصالح قبول الصين في الأمم المتحدة، وفي عقد الثمانينات شهدت العلاقات خطوات تمهيدية لإقامة التمثيل الدبلوماسي، لاسيّما بعد لقاء شمعون بيريز مع نظيره الصيني تشيان تشي تشن (أيلول/سبتمبر/ 1988) في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وكانت التسعينات مرحلة للتطبيع الكامل فأقيمت العلاقات الدبلوماسية في شهر كانون الثاني (يناير) 1992 وبذلك حصلت "إسرائيل" على اعتراف أكبر دولة في العالم من حيث عدد النفوس بعد أن بدأت علاقاتها تعود بالتدرّج مع الدول الاشتراكية السابقة (منذ منتصف الثمانينات) واستعادت " إسرائيل" علاقاتها مع عدد كبير من الدول الأفريقية التي تم قطعها إثر عدوان العام 1967 وحرب العام 1973، وحصل ذلك في ظل التراجع العربي ومن ثم تمزّق الحدّ الأدنى من التضامن العربي، خصوصاً بعد غزو القوات العراقية للكويت (2 أغسطس/ أب/ 1990).

وهكذا بدأت تتعمّق العلاقات الصينية - "الإسرائيلية"  في مجالات علمية وتكنولوجية واقتصادية وعسكرية وأمنية وتجارية، حيث تبرعت الصين ببرنامجيات حديثة وتقنيات الكومبيوتر إلى " إسرائيل" وتطمح إلى الاستفادة من تطوير وتجهيز الطائرات المسيّرة التي تستخدم في الرصد والمتابعة والمراقبة والتصوير. ولا يعني هذا أن الصين تهمل العلاقة مع العرب، حيث كانت زيارة الملك عبدالله في أيلول (سبتمبر)  العام 2013 فتحاً كبيراً في هذه العلاقات، وبدأت زيارات عربية عديدة مصرية وعراقية، لكنها لم تستكمل أو لم تكن بمستوى العلاقات مع تل أبيب، ولقيت معارضة أمريكية، وهو ما بحاجة إلى منظور استراتيجي متوازن للعلاقات العربية مع الدول الكبرى.

جدير بالذكر أن العلاقات العربية - الصينية بدأت أولى خطواتها الفعلية بعد نجاح الثورة الصينية في العام 1949، لاسيّما بلقاء الرئيس المصري جمال عبد الناصر مع الرئيس الصيني شوان لاي في مؤتمر باندونغ، وقد أقيمت العلاقات الدبلوماسية الرسمية في 30 مايو (أيار) 1956، أما العلاقات الدبلوماسية  السورية - الصينية فقد بدأت في 1 أغسطس (آب) 1956 وتطورت بوتيرة عالية . وكانت  العلاقات العراقية - الصينية قد بدأت باعتراف الصين يوم 16/7/1958 بالنظام الجمهوري في العراق وبعدها بيوم واحد اعترف العراق بجمهورية الصين الشعبية، وكانت الصين من بين الدول الأولى التي دعمت الثورة الجزائرية واعترفت بالحكومة المؤقتة بعد إعلانها في سبتمبر 1958 حيث أقيمت لاحقاً العلاقات الدبلوماسية الجزائرية - الصينية، كما وقفت الصين إلى جانب الثورة في الجنوب اليمني، علماً بأن العلاقات الدبلوماسية اليمنية - الصينية أقيمت في 24 سبتمبر (أيلول) 1956 مع الشطر الشمالي (جمهورية اليمن العربية) وبعد تحرر الجنوب تأسست العلاقات بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وجمهورية الصين الشعبية في يوم 1 يناير(كانون الثاني) 1968 .

وحسبما يبدو إن الصين تريد عن طريق علاقتها مع " إسرائيل" اختراق منطقة النفوذ الأمريكي من خلال أسواق تعويضية، خصوصاً حين استخدمت واشنطن العقوبات ضدها بفرض رسوم جمركية ثقيلة على البضائع والمنتجات الصينية للحيلولة دون انتشارها في السوق الأمريكية . وعن طريقها تريد بيع الروبوت " الإنسان الآلي"، إضافة إلى بعض تكنولوجيا الفضاء والأقمار الصناعية وتوظيفها في قضايا التجسس.

***

علينا أن ندرك أن مرحلة  الآيديولوجيا في الصين قد انتهت، على الرغم من أن الحزب الشيوعي الصيني ما يزال حاكماً ومهيمناً، بل مستأثراً بحق العمل السياسي والنقابي والمهني، وقد عقد مؤتمره الأخير في آب /أغسطس 2019، إلا أن العقل الصيني التجاري بالتلاقح مع التراث الفلسفي والثقافي غلب على الفكر الشيوعي، خصوصاً بإحياء تراث لاوتسه وكونفوشيوس وغيرهما، لاسيّما العودة الحميمة إلى الثقافة والتاريخ الصيني القديم، باعتباره ذخيرة فكرية وإنسانية محفّزة لأوضاع الحاضر، بعد أن شهدت الصين قطيعة أبستمولوجية (معرفية) معه  خلال الثورة الثقافية، وعاد الاعتزاز بالتراث والتاريخ الصيني كونه إثراءً للحاضر واستشرافاً للمستقبل، بعد أن تم تطليق مرحلة التزمت الآيديولوجي وأمراض اليسارية الطفولية، واستبدالها بمرحلة الانفتاح الاقتصادي والانتشار التجاري، والحديث بلغة المصالح وليس بلغة العقائد.

وإذا كان جيلنا  برومانسيته العالية ما زال يتذكّر الشعارات الصينية "الثورية" التي كانت تطلقها بكين مثل " كل شيء ينبت من فوهة البندقية" و" الامبرالية نمر من ورق"  والتي تأثر فيها العديد من تجارب الكفاح المسلح والحركات التحررية العربية والعالمثالثية، إلّا  أن علينا الإقرار بأن تلك المرحلة قد طويت تماماً لم وتبقَ إلّا في كتب التاريخ وذاكرتنا المتعبة، فلم تعد القيادات الصينية ترتدي طواقم الملابس الخشنة والموحّدة والصالحة لكل المناسبات باعتبارها دليل "ثورية" مفرطة وطفولية يسارية ومساواة شكلية، فإنها اليوم في ظلّ ثقافة السوق والعرض والطلب والمنافسة الاقتصادية والتمدد التجاري ومنطق المصالح الذي يتقدم على كل شيء، أخذت تضاهي الغرب وأنظمته الرأسمالية بآخر صيحات الموضة العالمية وبحبوحة العيش والبذخ المفرط .

وإذا كان الماضي قد أصبح خلفنا بما فيه من مراهقة سياسية، فعلينا أن ندرك اليوم أن العالم لا يُدار بالعقائد والعواطف والتمنيّات، بل وفقاً للمصالح والمنافع والمنافسة، وهو ما ينبغي أن يكون ماثلاً أمامنا، فالسياسة كانت وما تزال وستبقى " صراع واتفاق مصالح" في أبسط تعريفاتها، أي علينا الاستفادة من دروس الماضي، فلم يعد ثمة مكان لذلك، حيث  تغيّر العالم كثيراً وتشابكت علاقاته وتداخلت مصالحه وانشطرت محاوره وتشكّلت كتل جديدة، فالماضي مضى ولا يمكن استعادته.

وعلينا كعرب أن نعي ذلك ونتفهم الواقع ومستجداته وتبعاته، فلم تعد الصين تعتبر "إسرائيل" " قوة احتلال" و"سلطة اغتصاب" وقاعدة متقدمةً للامبريالية كما كانت تصفها، وإن كانت ما تزال تعتبرها تحتل أراضي عربية، إلّا أنها  سعت لبناء استراتيجيات معها مستفيدة من ضعف حالنا وتشتت مواقفنا وغياب الحد الأدنى من التضامن بيننا، ومثل ذلك لم يكن ليحصل لو كنّا موحدّي الكلمة والموقف والآداء، توافقاً وتعاوناً وتنسيقاً، فقد كان استخدام سلاح النفط بُعيد حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 فعّالاً ومؤثراً، وما تزال أصداؤه حتى الآن، حيث أعلن الحظر النفطي لدفع الدول الغربية على إجبار "إسرائيل" على الانسحاب  من الأراضي العربية التي احتلتها العام 1967، وقد أحدثت تلك الصدمة، إضافة إلى انهيار سوق الأوراق المالية 1973-1974 أزمة كبيرة على المستوى الكوني، لاسيّما حالة الكساد والانكماش الاقتصادي التي أصابت العالم.

لقد كان استخدام سلاح النفط حينها أقرب إلى تطبيق الولايات المتحدة لـ مبدأ مونرو Monroe Doctrine  الذي اتبعته واشنطن منذ العام 1823 ضد التدخل الأوروبي في نصف الكرة الغربي باعتباره استعماراً أوروبياً في الأمريكيتين وعملاً عدائياً يتطلّب رداً أمريكياً، فما أحوج العرب لـ مونرو عربي وإن كان بالحد الأدنى ضمن توازن القوى في العلاقات الدولية الراهنة وفي إطار دبلوماسية حيوية تتمتع بقدر من الصلابة المبدأية، مثلما تمتاز بمرونة عملانية، لاسيّما باحترام المصالح ووضعها في منظومة الاستراتيجيات العامة لكل دولة وعلى المستوى العربي، مثلما يمكن توسيعه بالتعاون مع الدول الإسلامية. فمتى يتحقق ذلك؟ وماذا علينا  أن نفعل لتحقيقه؟ وتلك أسئلة للحاضر والمستقبل، ينبغي أن تبقى نصب العين دائماً.

 

عبد الحسين شعبان

باحث ومفكر عربي

 

كاظم الموسويمفردة النكبة، ومرادفاتها: الكارثة، المأساة، التغريبة الفلسطينية، موجعة بلفظها واسمها وتداعياتها، ومنذ إطلاقها واستمرارها من عامها الأول، وتقسيم البلد، وإقراره ومن ثم التآمر عليه، والصمت على "ماكو أوامر" ونصب المخيمات، وابادة جماعية وتطهير عرقي، وتهجير  وتعذيب، وابتدا المشوار... نكبة ونكسة وهزيمة وصفقة قرن.. ومازالت القضية هي القضية.. مركزية أو أساسية أو غيرها في زمن تشتد فيه الأزمات وتتنافس فيه المواقف التي يتهرب اغلبها من تحمل المسؤولية الواضحة فيها، فلسطينيا وعربيا وعالميا.

مواقف حكومات الغرب عموما رغم بعض التباينات معروفة في تأييدها للكيان الإسرائيلي ومحاباتها لخططه وانحيازها لتنسيقه الدولي، ويتنافس الرؤساء والإدارات الأمريكية على الدفاع عنه وشن حملات وضغوط في سبيله. أما مواقف الحكومات العربية قبل أيام النكبة الاولى والى اليوم لا تعكس الإرادات العربية، وتأتي متخلفة عن فرض الحقائق والوقائع القاسية وارغام العالم على إعادة الحق لأصحابه وإدانة الاحتلال والاستعمار والاستيطان، حتى الان، في مطلع العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين.

واضح أن المواقف الرسمية لا تتطابق مع الخيارات أو التطلعات الشعبية، وأن الحركات والأحزاب في الوطن العربي مازالت تحمل مع الشعب الفلسطيني سبل النضال باشكال مختلفة ومتفاوتة وتطالب بالحقوق المشروعة وتحقيق الحرية والاستقلال لفلسطين كاملة بكل حروفها، من إلفاء إلى النون، بدون مساومة أو تنازل أو تراجع.

رغم كل ذلك وبمرور السنوات، تظل هناك اسئلة .. أسئلة تتكرر دون اجوبة وبلا عقبى ضمير وخشية من حساب التاريخ وعقابه. معروف ان الشعوب تمهل ولا تهمل وان التاريخ يسجل ولا يصفح في صفحاته لمن ينسى دوره وموقعه ومكانه وواجبه. هل نكتفي بما حصل وننام بانتظار الذكرى السنوية القادمة؟. ان ما جرى مؤشر وإشارة الى ما يتوقع وما يراد له ان يكون.

 من هذه الأسئلة، كيف تخاطب اليوم الأمم المتحدة؟!، التي اصدرت قرار التقسيم ومئات القرارات الاخرى التي لم تطبق كما التزمت هي وادارة الولايات المتحدة الامريكية بقرار تأسيس النكبة، وهل تفيد اعادة معلومات ومواقف سياسية معلومة، وتناقضات سياسية مكررة؟!. ونرضى بما قدم شهادة للتاريخ بأداء الواجب لفظيا والوعد بالعمل على انقاذ شعب وارض تنتهك ابسط الحقوق المشروعة والمعروفة له وفيها.والابرز في الأسئلة:  ماهي المواقف المطلوبة الان؟!

منها ايضا سؤال يصب الملح على الجرح. ولابد من الدرس والاعتبار، وقراءة موضوعية للتاريخ، للتقدم للمستقبل. وهو ما يتعلق باليسار العربي.

مازالت محاسبة اليسار العربي على الهرولة وراء ما قاله اندريه غروميكو في الامم المتحدة حينها، اعترافا بقرار التقسيم، وتفسيرا له. وهي حالة مطلوبة مع ضرورة معرفة ظروفها والاطلاع على المواقف المتفردة من قوى لها وزنها. كما هو حال ما قدمه فهد، سكرتير الحزب الشيوعي العراقي (اعدم عام 1949)، رغم كل ما حصل وتناقلته الاخبار والإشاعات والوشايات ومراكز المخابرات والثقافة والتجنيد لتلك المهمات والصفقات. انها سخرية القدر اللئيمة في زمن غادر. لم يشر غروميكو لهذا الحدث الجلل في مذكراته، بينما افرد فصلا عن ازمة "الشرق الاوسط" في الستينيات وتأكيد موقف الاتحاد السوفييتي من القضية المركزية والسلم والأمن في العالم.

حدد فهد الموقف بسطور واضحة في اكثر من رسالة له، لاسيما بعد تأسيسه لعصبة مكافحة الصهيونية عام 1946، ومنها مذكرة مفتوحة الى الحكومة العراقية مؤرخة في 21/11/1945، كتب في فقرة تحت عنوان موقف الحكومة تجاه الصهيونية، ما يلي: "تدعي الحكومة القائمة انها تناصر عرب فلسطين ضد الصهيونية، لكن الشعب العراقي لا يلمس هذه المناصرة واختباراته اليومية تبرهن انه على ان الحكومة العراقية تمنع الشعب العراقي من مناصرة عرب فلسطين، تمنعه عن مكافحة الصهيونية وبهذا تسهل على الصهاينة وعلى القوى الرجعية– الاستعمارية وغيرها- السير بخططهم.. ان الحكومة منعت وتمنع الشعب العراقي من اقامة اجتماع في سبيل فلسطين، انها منعت عصبة مكافحة الصهيونية من اقامة اجتماع في يوم وعد بلفور الاسود، انها احتلت نقابات العمال في ذلك اليوم لكي لا يجتمع العمال فيها، انها منعت المظاهرات في سبيل فلسطين.." وأكد على: " ان الحكومة العراقية تحاول ان تخفي المسؤولين الحقيقيين عن نكبة شعبنا العربي في فلسطين، تريد ان تستر الاستعمار البريطاني المسؤول الاول، ان تخفي الصهيونية، باعتبارها تمثل مصالح الشركات اليهودية الكبرى في بريطانيا وأميركا فتظهر اليهود العرب الذين لا صلة تربطهم بالصهيونية الاستعمارية والذين عشنا وإياهم اجيالا عديدة من دون تصادم بيننا كأنهم المسؤولون فتوجه النقمة ضدهم". (يراجع كتاب سالم عبيد النعمان، نصف قرن من تاريخ وطن، ص 281 وما بعدها). وأكد ذلك في منهاج الجبهة الوطنية (لعام 1946) الذي كتبه ووزعه على القوى السياسية ودعا فيه الى نصرة فلسطين ضد الاستعمار والصهيونية وضد دعاة الخطط الاستعمارية المبيتة لها وتأييد الشعب الفلسطيني في مطالبه التالية:

1- الغاء الانتداب ووعد بلفور وتصفية حكومة الانتداب وجلاء الجيوش الاجنبية عنها.

2- تأليف حكومة وطنية ديمقراطية مستقلة.

3- وقف الهجرة وانتقال الاراضي من حوزة العرب وعرض قضيتها على مجلس الامن."

في ضوء توجيهات فهد، وإثر تطور الموقف بعد اقرار التقسيم. أصدرت القيادة الميدانية نشرة داخلية اوائل كانون الأول/ ديسمبر 1947، بينت فيها موقف الحزب. جاء فيها أن: "موقف الإتحاد السوفيتي بخصوص التقسيم وفّر للصحف المرتزقة ومأجوري الإمبريالية فرصة لا للتشهير بالإتحاد السوفيتي فقط، بل أيضا بالحركة الشيوعية في البلدان العربية.. ولذلك، فإنه يجب على الحزب الشيوعي تحديد موقفه من القضية الفلسطينية حسب الخطوط التي إنتمى اليها والتي يمكن تلخيصها بالتالي:

أ ـ إن الحركة الصهيونية حركة عنصرية دينية رجعية، مزيفة بالنسبة الى الجماهير اليهودية.

ب ـ إن الهجرة اليهودية... لا تحل مشكلات اليهود المقتلعين في أوروبا، بل هي غزو منظم تديره الوكالة اليهودية... واستمرارها بشكلها الحالي.. يهدد السكان الأصليين في حياتهم وحريتهم.

ج ـ إن تقسيم فلسطين عبارة عن مشروع إمبريالي قديم.. يستند الى استحالة مفترضة للتفاهم بين اليهود والعرب...

د ـ إن شكل حكومة فلسطين لا يمكنه أن يتحدد إلا من قبل الشعب الفلسطيني الذي يعيش في فلسطين فعلا، وليس من قبل الأمم المتحدة أو أية منظمة أو دولة أو مجموعة دول أخرى...

ه ـ إن التقسيم سيؤدي الى إخضاع الأكثرية العربية للأقلية الصهيونية في الدولة اليهودية المقترحة.

و ـ إن التقسيم وخلق دولة يهودية سيزيد من الخصومات العرقية والدينية وسيؤثر جدياً على آمال السلام في الشرق الأوسط.

ولكل هذه الأسباب فإن الحزب الشيوعي يرفض بشكل قاطع خطة التقسيم." (يراجع كتاب حنا بطاطو عن العراق، الكتاب الثاني، ص 256-257).

في ضوء هذا الموقف، توجهت جريدة الحزب, الاساس، منذ 18 آذار- مارس 1948 وحتى وقفها في حزيران/ يونيو التالي، نحو التصعيد على مدى شهرين. وكان شعارها: "أبناء شعبنا!، كافحوا للحفاظ على عروبة فلسطين وهزيمة مشروع الدولة الصهيونية". وفي مواجهة الظروف القاسية واعتقال ومحاكمة الرفيق فهد ورفاقه تحول الموقف إلى دولة ديمقراطية مستقلة في الجزء العربي من فلسطين. (بطاطو/ المصدر السابق).

هذا التحول يستدعي التذكير بالنكبة وأزلامها، في هذه الذكرى الحزينة والإشارة فيها لموقف اليسار العربي وما له من دلالة في توضيح الصورة اليوم. ولابد من الاشارة ايضا الى ما تقوم فيه "قوى الرجعية العربية" من تكرار لمواقفها ذاتها، وحسب تطور ادواتها ووسائلها، فتفرغ امكاناتها المالية الكبيرة في شراء المؤسسات الاعلامية والكتاب و"المفكرين" لإنكار جرائم النكبة او تشويه سجل التاريخ فيها وحولها. وما حصل من تقبل واستعداد لمؤتمرات التطبيع وبرامجه، وصفعة القرن وتداعياتها، شاهد على دورها المعروف والمفضوح.. وهذا يضيف على اليسار العربي خصوصا بكل قواه وجماهيره الرد عليها، بإمكاناته وقدراته وتصعيد لغة المواجهة ضد كل لغات الصمت والاستبداد والعار. اذ لابد من لغة اليسار وخطاب التغيير الآن. كما لابد من نظرة موضوعية للأحداث ومراجعة ضرورية برؤية استراتيجية لها ولما سيأتي بعدها، بجرأة وعزيمة كفاحية لرسم آفاق جديدة للتحرر الوطني والقومي.

 

كاظم الموسوي

 

ناجي احمد الصديقتعودت الولايات المتحدة الأمريكية  على  ان تكون هى وليس غيرها على هرم النفوذ العالمى بما لها من إمكانيات اقتصادية تحسبها انها الأقوى بين اقتصاديات العالم لهذا فانها غير مستعدة بالمطلق للتنازل قيد أنملة عن هذا الوضع سواء على الصعيد الدولى باعتبارها هى الموجه الاول لدول العالم فيما يتعلق بالأمور الاقتصادية والسياسية او على الصعيد المحلى باعتبار الشخص الامريكى هو من أكثر الناس تمتعا بحقوقه كاملة  وان اعتقاده الراسخ بان دولته هى اقوى دول العالم لا يجب ان تشوبه شائبة ابد الدهر

تضاعف الاعتقاد بان الولايات المتحدة هى سيدة دول العالم منذ تسلم الرئيس دونالد ترامب زمام الأمور فيها وكان شعاره البارز فى حملته الانتخابية هو امريكا اولا ولا يعنى ذلك الشعار الا ان تكون المصالح الامركية فى المقدمة فى كل ما يقوم به من نشاط سياسى او اقتصادي كان ذلك على مستوى سياسته الخارجية او الداخلية ولم يحنث الرجل بوعده فقد رأيناه كيف وظف كل نشاطه كونه رئيسا للبلاد لخدمة بلده  دون ان تقف فى وجه ذلك التوظيف اية عوائق حتى انه وضع كل التزامات القانون الدولى وأعراف العلاقات الدولية  بل وحتى كوابح القانون الوطنى – وضهعا جانبا وهو يسير الى هدفه الكبير (امريكا اولا) لا يلوى على شئ

شاءت تفاعلات النشاط الدولى ان تبرز الى الساحة قوة جديدة لم تكن ذات تأثير كبير فى سابق الايام او انها لم تتجه الى احداث اختراق فى الوضع المستقر فى العلاقات الدولية ولكن الصين الشعبية والتى كانت ذات اقتصاد راكز منذ عهد طويل أرادت ان تتدخل لخلخلة النظام العالمى الجديد والذى انفردت فيه الولايات المتحدة  بالقيادة بقطبية احادية بعد ان افل نجم الاتحاد السوفيتى الهرم الثانى للقطبية التعددية فى العالم  وبهذا فقد اشتعل فتيل حرب باردة اخرى بعد  ان خبا اوارها بالسقوط المدوى للاتحاد السوفيتى العظيم

الحرب الباردة (Cold War) هو مصطلح تم استخدامه لوصف حالة الصراع والتوتر والتنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى فى الفترة من منتصف الأربعينات حتى اوائل التسعينات وخلال هذه الفترة ظهرت الندية بين القوتين العظيمتين فى التحالفات العسكرية والدعاية وتطوير الاسلحة وتطوير التكنولوجيا  والتسابق الفضائي  وكان اللافت فى هذا الامر هو الانفاق المهول على الدفاعات والترسانات النووية والحروب غير المباشرة باستخدام وكلاء آخرين لتلك المهمة  

الغيرة ىالسياسية والاقتصادية التى اصابت الرئيس ترامب شخصيا من الصين كانت هى الباعث على ذلك الهجوم الغير مسبوق والغير مبرر على الاقتصاد الصينى والذى يرى فيه الرئيس ترامب منافسا قويا له على مستوى التعامل الدولى ولربما راى فيه ايضا مهددا محتملا لازاحة الاقتصاد الامريكى من موقعه القيادى فى عالم اليوم .

وجد الرئيس ترامب فى شركة هواوى فرصة سانحة لممارسة لعبته المفضلة فى تضخيم الاحداث حتى الوصول الى نقطة فرض عقوبات على الدول فقام من فوره بتحريض القضاء الامريكى باكالة التهم للشركة الصينية العملاقة ثم اخذ فى التصعيد من خلال وسيلته المفضلة تويتر حتى مرحلة اعلانه زيادة الضرائب على الواردات الصينية من الحديد والصلب قبل ان يتراجع قليلا ويرضخ لجملة من الضغوط المحلية والدولية .خاصة بعد قمة الفيديو كونفرانس لزعماء مجموعة العشرين، حيث أجرى الرئيس الأمريكي في اليوم التالي، اتصالا هاتفيا بالرئيس الصيني، وأثنى على التقدم الذي أحرزته الصين في مكافحة فيروس كورونا المستجد، وطلب زيادة التعاون بين البلدين في هذا المجال

ما ان وصلت جائحة كورونا فى الولايات المتحدة حتى قام الرئيس ترامب نفصه باشعال فتيل الحرب الباردة  بينها وبين الصين مجددا وربما كان الاثر النفسى الذى تركته الجائحة فى   دواخل ترامب لجهة ان الجائحة قد ضربت بلاده كما لم تضرب غيرها الاثر الاكبر لفتح حربا باردة صريحة هذه المرة ، لان الجائحة التى اطبقت على تلابيب العالم اجمع كانت اشد ضغطا على انسان الولايات المتحدة من حيث الاصابات واعمق اثر على اقتصادها بسبب الاغلاق حتى انها تصدرت دول العالم الى وقت طويل فى عدد الاصابات وعدد الوفيات وبدا الرئيس ترامب لاول مرة فاقدا لبوصلة التحكم فى قيادة بلاده للدرحة التى يصدر فيها قرارا على كل راس ساعة يلغى بهى قرارا اخر صدر قبل ساعة

يعتقد المحللين ان  ما يدور الان بين الولايات المتحدة والصين هى بداية حرب باردة بين قطبى الاقتصاد العالمى وانها مرشحة الى ان تصير معركة كسر العظم لان اى من البلدين لن يرضى الانكسار امام الاخر وانهما يعلمان ان انكسار هنا يعنى الرضوخ الابدى  لمعادلة خروج المهزوم من ميدان المعركة  والى الابد .

تخوض الولايات المتحدة والصين فى هذه اللحظة منافسة قوية على التجارة والتكنولوجيا والسيطرة العسكرية على بحار جنوب وشرق الصين  ، ويدور هذا الصراع على شكل متزايد على موجبات  الايدولوجيا وحقوق الانسان  على الاقليات  فعلى سبيل المثال حيث تقوم الولايات المتحدة بتكثيف حملتها ضد الصين فى تلك المنطقة متذرعة بحماية اقليم هونكونج من تغول الصين وانتهاكاتها لحقوق الانسان فيه  كما تكثف حملتها فيما يتعلق بحقوق الاقلية المسلمة فى اقليم تشينحانغ حيث يعتقد ان الصين تقوم بانتهاكات خطيرة لحقوق الانسان ضد الأقلية المسلمة فى ذلك الإقليم ويأتى تكثيف الولايات المتحدة لتلك الحملات فى سياق كسر ارادة الصين من ثغرة حقوق الانسان وذلك ان ملفات حقوق الانسان كانت من اكثر الملفات تأثيرا على ارادة الدول ومن اكثر الاشياء التى تمثل ورقة ضغط على الحكومات  لهذا فان استخدام الولايات المتحدة لتلك الملفات فى سياق هجومها المستمر على الصين  يمثل واحدة من حلقات الضغط الذى تمارسه لاحبار الاقتصاد الصينى الناهض على التراجع  لتتربع هى مرة اخرى على قمة الاقتصاد العالمى دون منازع

قام الرئيس الامريكى باستغلال خروج فيروس كورونا من الصين حيث اخذ فى الدفع بقوة فى اتجاه محاسبة الصين على تعمدها الأضرار بالاقتصاد العالمى لجهة ان هذا الفيروس قد ادى الى اغلاق اقتصادات الدول لمدة طويلة وان هذا الامر قد اضر بتلك الاقتصادات وتكبدت الدول بسببه خسارة فادحة لم تتمكن من السيطرة عليها حتى الان

في سياق حملة الهجوم الأمريكي على الصين فيما يتعلق بفيروس كورونا، تم إنتاج مصطلحات هجومية سهلة التداول مثل «الفيروس الصيني» أو «كونغ فلو» – على غرار «كونغ فو». ووصف مايك بومبيو الحزب الشيوعي الصيني بأنه «الخطر المركزي الذي يواجهه العالم في الوقت الحاضر»، وأنه «مايزال يخفى عن العالم الكثير من المعلومات عن الفيروس». هذه الاتهامات في حقيقة الأمر تعتبر امتدادا لمدرسة الحرب الباردة السابقة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، التي استمرت لمدة خمسة وأربعين عاما. وتسعى الولايات المتحدة من خلال استخدام أسلحة الحرب الباردة المعروفة، وابتكار أسلحة جديدة، إلى تخريب الصين من الداخل، وتكوين رأي عام يحاصر الصين عالميا. وفي سياق هذه الحرب الباردة، تقوم الولايات المتحدة بزيادة مجهودها العسكري في المحيط الهادي، وتحريك الكثير من قطع الأسطول السابع إلى بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان ومضيق ملقا، إضافة إلى تكثيف الطلعات الجوية، ونشر صواريخ باليستية متوسطة المدى في بلاد تحيط بالصين مثل، أستراليا وكوريا الجنوبية

تمثل تايوان واحدة من أوراق الضغط الامريكى تحاه الصين وفى هذا السياق أصدرت الإدارة الامريكية ما يسمى بقانون (تايبيه) وهو القانون الذى ينادى للتأكيد على مساندة الولايات المتحدة لحكومة تايوان ضد مبدأ (الصين الواحدة) الذي تلتزم به الصين في علاقاتها مع دول العالم. بهذا القانون الذي وافق عليه الكونغرس فإن الولايات المتحدة ستدخل في حرب دبلوماسية غير مباشرة مع الصين، بفرض عقوبات على الدول التي تقطع علاقاتها مع تايوان، من أجل إقامة علاقات دبلوماسية مع الصين. لكن الدعم الدبلوماسي الأمريكي لتايوان ليس بلا ثمن؛ ففي مقابله يتعين على تايوان ان تشتري المزيد من الأسلحة الأمريكية، والسلع المختلفة، بما فيها مواد الطاقة والسلع الزراعية.

قامت الصين من جانبها بفعل دفاعي خجول وهو نفيها التكرر لاى مؤامرة نحو الولايات المتحدة على وجه الخصوص وعلى بقية دول العالم على وجه العموم فيما يتعلق بظهور فيروس كورونا فى مدينة اوهان الصينية رافضة فى نفس الوقت فكرة إجراء تحقيق دولى بهذا الشأن بسبب ان الأولوية الان لمكافحة الفيروس لا لاجراء تحقيق بشأنه وترتيبا على هذا فقد تضامنت عدد من الدول الاوروبية مع الولايات المتحدة فى اتهامها للصين ولم تسلم فى ظل هذا الاصطفاف منظمة الصحة العالمية من تهمة التولطؤ مع الصين للإضرار بالعالم وعلى الرغم من عدم وجود اية ادلة علمية – كما يقول العلماء- على ذلك الاتهام الا مر يبدو خرج من المجال الطبى العلمى الى المجال السياسى واصبح اتهام الصين ومنظمة الصحة العالمية تحركه السياسة وليس الطب وبذلك اصبح واحدا من ادوات اشتعال الحرب الباردة بين الصين والولايات المتحدة الامريكية

بمرور الوقت اصبح شبح الحرب الباردة اقرب من اى وقت مضى بين القوتين الكبيرتين فى العالم

حيث اشار موقع (انسايد اوفر) فى نسخته الايطالية الى ان تراشق التهم بين الصين والولايات المتحدة وتداعيات جائحة كورونا يمكن ان تكون الشرارة التى سوف تطلق حربا بينهما

ولكن هنالك من يرى ان كل ما يحدث لا يمكن ان يؤدى الى حرب بين البلدين فبحسب أستاذ السياسة جوزيف ناي فى موقع (انسايد اوفر)، فإن الصين لديها قوة نووية محدودة، وتصل قيمة المبادلات التجارية الصينية الأمريكية إلى نصف تريليون دولار سنويًا، ويبلغ عدد الطلبة الصينيين في الولايات المتحدة إلى 350 ألف، وعدد السياح الصينيين إلى ثلاثة ملايين كل عام قبل أزمة الكورونا.

ومن خلال عضويتها في منظمة التجارة العالمية، عملت واشنطن على احتواء الصين وتحويلها إلى ديمقراطية من خلال إدخالها تدريجيا في النظام العالمي للهيمنة الأمريكية.

 ولم يحدث هذا بالطبع، لكن الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين البلدين أصبح حقيقة حاليا، وهذا الترابط الاقتصادي القوي يرفع بشكل كبير في تكاليف الصراع المحتمل ويقلل من فرص اندلاعه.

وأورد الموقع أن الحرب واسعة النطاق ليست مناسبة لأي طرف، على الأقل بالنسبة لواشنطن خاصة، لأن الخسائر ستكون أكبر من الغنائم.

 

ناجى احمد الصديق الهادى

المحامى - السودان

 

فراس زوينفي تصريح سابق للمدير التنفيذي لشركة شل النفطية (بنفان بيردن) في الأسبوع الماضي اقر بان "ما يحدق من تراجع في أسعار النفط هو ازمة ثقة ولا احد يعلم ما ينتظرنا في المستقبل" حيث انعكست المخاوف العالمية في الفترة السابقة الاربعة على جائحة كورونا عالمياً على مستويات الطلب العالمي، والذي ترافق مع تخمة في العرض اودى بأسعار النفط لحدود ال 20 دولار للبرميل الواحد في الفترة القليلة السابقة .

قد لا يكون خافياً عن الشارع العراقي عموماً والمتابع للشان الاقتصادي خصوصاً ظهور بوادر ارتفاع نسبي في أسعار النفط، تحت ضغط اربع عوامل رئيسية :-

- الاخبار المتفائلة التي تخرج من العديد من الدول والمختبرات العالمية حول تحقيق نتائج أولية إيجابية للقاح محتمل مضاد لفيروس كورونا، عزز ثقة المستهلكين وبعث برسائل إيجابية حول عودة الحياة لشكلها الطبيعي في فترة قد تكون اقصر مما متوقع.

- تخفيض القيود الاجتماعية على حركة الأشخاص وتجمعاتهم من إغلاق حدودها، في العديد من دول العالم التي سبق وان شهدت موجة انتشار للوباء فيها، مما بعث برسائل إيجابية نحو تحسن الأمور بالرغم من التحذيرات التي اطلقتها منظمة الصحة العالمية بهذا الخصوص.

- اتجاه العديد من دول العالم نحو تخفيف القيود على حركة شركات الطيران، وابداء بعض المرونة نحو تعليق رحلات الطيران الدولية، او على حركة التنقّل داخل البلاد، وابداء بعض التسهيلات في هذا المجال، عزز الامل بشان تعافي الطلب العالمي على النفط الخام، لكون وقود الطائرات احد اهم الاشتقاقات النفطية المشتقة منه.

- قرار خفض انتاج النفط الخام والذي اتفقت عليه عدة دول نفطية في تحالف (أوبك+) بحدود 10 مليون برميل برميل يتحمل التحالف 9,7 مليون وتتحمل الشركات النفطية الامريكية 300 الف برميل المتبقي.

لعل هذه العوامل الاربعة مجتمعة دفعت جسور الثقة نحو التلاقي من جديد بين الجانب المصدر للطاقة والجانب المستهلك والتي دفعت نحو التعافي النسبي في أسعار النفط، ولو بصورة بطيئة ولكنها واقعة على كل حال.

ان أسعار النفط ستصل ولاشك الى ما كانت عليها عام 2019 ولكنها ستستغرق فترة زمنية طويلة نسبياً قد تصل لمنتصف عام 2021 كما تشير العديد من تقارير الخبراء العالميين، الذين توقعوا ان يكون معدل سعر برميل النفط في نهاية عان 2020 بحدود 40 دولار للبرميل، بشرط استمرار الحال بالتحسن، وهذا ان تم كما نحب ونشتهي يجعل الحكومة العراقية في مواجهة صعبة مع توفير الأموال اللازمة لرواتب الموظفين في القطاع العام والتعويضات والتكاليف الحكومية التي قد يصعب جداً تأمينها في ظل هذه الأسعار خصوصاً انه حتى 40 دولار لا يحقق مبلغ الأربعة مليارات ونصف التي تحتاجها البلاد شهريا لدفع هذه الرواتب، مع الاخذ بالاعتبار التزام العراق بتخفيض إنتاجه النفطي بنسبة 22,8%  اعتباراً من الأول من مايو، تنفيذاً للاتفاق الأخير في أوبك النفطية، والذي قد يعني تخفيض الإنتاج بحدود مليون برميل يومياً، وهذا قد يجعل الحكومة العراقية امام خيارات صعبة جداً اقل ما يقال عنها بان حلوها مر مثل الاقتراض الداخلي او اللجوء الى الخزين الاستراتيجي للبنك المركزي او تخفيض سعر تصريف الدينار العراقي امام الدولار.

ان هذه التقلبات وعدم الاستقرار في الأسعار العالمية للنفط شيء طبيعي ومنطقي لأسباب عديدة من أهمها خضوع الاسعار لقانون العرض والطلب الذي يصعب جداً التنبؤ بها وتوقعها، لذا فانا سنعيد ونكرر ما قلته من قبل في العديد من المقالات، وما قاله العديد والعديد من الاقتصاديين والخبراء وأصحاب الاختصاص العلمي والاكاديمي، من خطورة ربط الاقتصاد العراقي وربط المصدر الوحيد لتمويل الخزينة المركزية بالإرادات العالمية للدول الكبرى والذي تعكسه قوى العرض والطلب، وحتمية فتح أبواب أخرى للتمويل المالي للبلاد، من خلال إعادة احياء القطاع الزراعي والصناعي والتحويلي وتخليص المنافذ الحدودية من العصابات المسيطرة عليها وإعادة فرض سلطان الدولة عليها، من خلال عمل فاعل وحقيقي والتوقف عن السياسة الوحيدة التي يتبعها العديد من أصحاب القرار الاقتصادي وهي الدعاء والتضرع للباري لبقاء أسعار النفط مرتفعة بدون وجود أي خطة حقيقية تعمل على بناء المستقبل لأبناء العراق الذين اثقلهم الفقر في بلاد النفط وانهكهم طابور الصبر الطويل .

 

فراس زوين

 

باسم عثمانو"ردة الفعل" الفلسطينية

بين تصريحات تنسب إلى الرئيس ترامب وبطانته، تدعو نتنياهو إلى عدم التسرع في الضم وترهن هذه الخطوة بضرورة عقد مفاوضات مع الفلسطينيين، باعتبارها العملية الوحيدة لجرهم إلى المشاركة (والموافقة) على "صفقة ترامب ـ نتنياهو"، وأن أية خطوة نحو الضم دون مشاركة الفلسطينيين ستؤول الى الفشل، وبين ما تمخض من نتائج لزيارة بومبيو وزير الخارجية الأميركي إلى "إسرائيل"، و"ردة الفعل" للرسمية الفلسطينية على قرار الضم الإسرائيلي، بدا واضحًا وكأنّ الضمّ لأجزاء من الضفة الغربية قد تأجّل!، بعد أن طالبت إدارة الرئيس ترامب بأن يندرج الضم ضمن تطبيق الرؤية الأميركيّة الكاملة، وإعطاء فُرصة للفلسطينيين لإجراء مفاوضات فلسطينية -إسرائيلية، ودعوة الفلسطينيين إلى تقديم عرض مضاد للخطة على طاولة المفاوضات، وبذلك حوّلت الضوء الأخضر الذي منحته لحكومة الاحتلال إلى ضوء أصفر وفق تعبير صحيفة نيويورك تايمزالامريكية.

المصالح الامريكية-الإسرائيلية المشتركة:

ظهر وكأنّ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قد وافق وأزال الضم من الخطوط العريضة لبيان حكومته، والتي نُشِرت قبل وصول بومبيو الى المنطقة، رغم تأكيد هذا الاخير بأنّ الضم هو قرار إسرائيلي، إلّا أنّ إدارة ترامب لم تُخفِ رغبتها في تأجيل الضموتوقيته وفق المصالح المشتركة.

في هذا السياق، لا يتناقض إعلان نتنياهو عن تمسك حكومته بالضم مع الدعوات الأميركية لتأجيل التنفيذ، لأن الحديث يدور عن توقيت الضم وربطه بإشراك الفلسطينيين عبر جولات من المفاوضات، والهدف منها استكمال ترويض السلطة الفلسطينية وممارسة المزيد من الضغط عليها لتقبل برؤية ترامب-نتنياهو.

 وعلى كل حال ترامب يحتاج الى الضم "أكثر" من نتنياهو!، ولكن في توقيته المناسب، لضرب عدة عصافير بحجر واحد: لدعم ترشيحه في الانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة، حيث سيكون بحاجة إلى دعم المحافظين الجدد واللوبي الصهيوني الأمريكي وتليين الموقف الفلسطيني الرسمي وإلزامه بالرضوخ للإملاءات الامريكية من خلال مشاركته بعقد سلسلة مفاوضات ثنائية مع الإسرائيليين، وتنفيذ الضم الإسرائيلي ضمن رؤية الصفقة الامريكية بعد تذليل كل العقبات الفلسطينية والعربية والدولية. لذلك يكون "تأجيل" الضم مؤقتا، ومرتبط بالدرجة الاولى بحاجة ترامب إليه عشية الانتخابات الامريكية، أكثر منه في رسم الدور التاريخي "لأحلام" نتنياهو في خريطة " إسرائيل الكبرى".

لا شك في أن رؤية ترامب، هذه المرة، تنظر إلى الأمور نظرة استراتيجية، لا تهمل المصالح الإسرائيلية في الضم وقيام "إسرائيل الكبرى"، لكنها في الوقت نفسه، لا تهمل المصالح الأمريكية في استكمال خطوات بناء الحلف الإقليمي، الذي يوفر لها الهيمنة التامة على المنطقة، ويعزز موقعها في مواجهة الحسابات وموازين القوى الدولية الأخرى.

تساؤلات الفلسطينيين:

من هذا المنطلق، ما أعلنه الرئيس الفلسطيني عباس من أنّ: "منظمة التحرير، ودولة فلسطين، قد أصبحتا في "حل" من جميع الاتفاقات والتفاهمات مع الحكومتين الاميركية والإسرائيلية، ومن جميع الالتزامات المترتبة عليها، بما فيها الأمنية"...، مهم جدا؟! لكن السؤال الأهم: ماذا بعد ذلك؟!. وما هي الية التنفيذ لذلك؟! ومن هي الهيئة الفلسطينية التنفيذية المعنية في اصدار قرار "الحل" وليس " الإلغاء" ؟! لان الفرق بينهما يحمل مناورات سياسية تكتيكية – براغماتية لا حول للشعب الفلسطيني من تحمل وزرها او نتائجها؟!، وهل ستشهد الساحة الفلسطينية خطوات عملية وسريعة تؤدي إلى وحدة الجسم الفلسطيني وهيئاته التمثيلية؟! وهل ستجتمع الفصائل الفلسطينية كلّها في إطار منظمة التحرير الفلسطينية وفق برنامج عمل مشترك وطني-توافقي يلبي الحد الأدنى من طموحات الهم الوطني للفلسطينيين؟!

سبب هذه التساؤلات هو الخوف الفلسطيني المشروع من استمرار "السياسة التكتيكية" والانتظارية لأصحاب القرار، والاستمرار في احتلال المواقع الثابتة في المراهنة فقط على خيار المفاوضات العقيم، والخوف الفلسطيني من توظيف "القرار" الذي أعلنه الرئيس الفلسطيني كوسيلة "ضغط تكتيكية" لا كموقف مبدئي يتم الإنطلاق منه لبدء مرحلة جديدة في استعادة عافية المشروع الوطني الفلسطيني، من خلال وحدته الميدانية وتوافقه الوطني في مواجهة أوسلو واستحقاقاته ورؤية ترامب- نتنياهو، والمراهنة على خيار المفاوضات العقيمة كونه الخيار الوحيد الذي جرت المراهنة عليه طيلة 27 سنة منذ اتفاقية أوسلو وأخواتها!!.

لقد "هددت" السلطة الفلسطينية في السابق مرارا بإنهاء التفاوض مع "إسرائيل"، لكن ما البديل الذي طرحته؟ لم تُعلن مثلاً التخلّي عن نهج التفاوض لصالح أسلوب المقاومة وبكل خياراتها المشروعة دولياً ضدَّ الاحتلال! لم تقم بإعادة بناء وتجديد لهيئات "منظمة التحرير الفلسطينية" على أرضية التوافق والوحدة الوطنية لكي تكون "جبهة تحرّر وطني" توحِّد الطاقات الفلسطينية المبعثرة!!، لان ما هو قائمٌ على أرض الواقع هو وحده المعيار في أيِّ خيار ومواجهة، خيار مبني على القوة الذاتية اولا هو الكفيل بتغيير المعادلات وصنع التحوّلات المنشودة في الموقفين الإقليمي والدولي وتحديداَ: الإسرائيلي والأميركي!

وهم الرسمية الفلسطينية:

ان تزايد حجم الضغوط العربية (الخليجية) والأوروبية والامريكية على الرئيس عباس للانخراط مجددا في عملية المفاوضات، بحجة أنه لن يكون ملزمًا بقبول رؤية ترامب، وأنّه بمقدوره أن يناور بذلك ويكسب وقتًا حتى عشية الانتخابات الامريكية ورحيل ترامب، وبذلك يتراجع خطر الضم إذا فاز "الديمقراطيون"!!، هذا السيناريو يدور في فلك المراهقة السياسية والرهان على حصان خاسر، بينما الرهان على الية جديدة تستند على وحدة الشعب الفلسطيني وهيئاته التمثيلية من خلال تصعيد أولويات العمل الوطني والمواجهة في الميدان، هو الحصان الرابح في سباق الاجندات العربية والدولية والإسرائيلية – الامريكية ومحاولتها تصفية القضية الفلسطينية.

لذلك ما يدور في الخفاء أو ما يتم حبكته من وراء ستار، من فحوى خطاب الرئيس الفلسطيني "بالحل" من الاتفاقيات وليس "الإلغاء"؟!،ونتائج زيارة بومبيو الأخيرة وتصريحاته، وتأجيل الضم مؤقتا من اولويات الخطوط العريضة لبيان الحكومة الإسرائيلية؟!، من قبيل الاتفاق على تأجيل الضم لصالح الشروع في مفاوضات سرية أو علنية للتوصل إلى "حل وسط" بين رؤية ترامب والموقف الفلسطيني (العاري من كل أوراق الضغط  السياسي والتفاوضي اصلا)، وتوفير التأييد والدعم العربي والدولي " للرؤية الجديدة"، والتي لن يكون سقفها السياسي- التفاوضي وفي احسن حالاته يتعدى الاستسلام للأمر الواقع والتعايش معه، ان كان بضم قانوني يحظى بموافقة ودعم دولي، او من خلال تسعير وتيرة مصادرة الأراضي وتوسيع رقعة الاستيطان والتهويد تدريجياوفي الحالتين ستشق رؤية ترامب-نتنياهو طريقها في الميدان ان شئنا ام ابينا، اذا بقيت الية المواجهة الفلسطينية في سبات عميق.

الية العمل الفلسطينية:

حان الوقت لكي تعتمد الرسمية الفلسطينية استراتيجيات وطنية جديدة تقوم على اعتماد خيارات مواجهة جديدة، وتعلن نهاية التسوية التفاوضية بإلغاء أوسلو وكل التزاماته واستحقاقاته مع الاحتلال، وتغيير مهام ووظائف السلطة والتزاماتها، وإعادة احياء مؤسسات منظمة التحرير بصفتها الشرعية والتمثيلية، والإقلاع عن الرهانات والحسابات الخاطئة والسياسات الانتظارية و"ردات الفعل" وليس الفعل نفسه. 

لقد بات واضحا ان استراتيجية اللجنة التنفيذية الحالية للمنظمة، تندرج في سياق معالجة الأمر السياسي بإصدار البيانات الإعلامية فقط بين الحين والأخر، لتعود بعدها إلى مغادرة المسرح السياسي المنظور لشعبها، خاصة وأنها باتت عارية من عناصر القوة حين فقدت دوائرها التي من شأنها أن تمد في علاقاتها وتقوي دورها، وبات واضحاً ايضا أن "التنفيذية" تعتقد (واهمة)، أنه كلما اتسمت بياناتها بالتشدد اللفظي في مواجهة السياسية الأمريكية، كلما موهت على غياب دورها الميداني، وعجزها عن اتخاذ قرارات عملية تواجه الإجراءات والسياسات العملية للجانب الإسرائيلي.

 

د. باسم عثمان

الكاتب والباحث السياسي

 

 

سامي عبد العالارتبط الإرهابُ بمآرب القُوى العالمية بقدر ارتباطه بأوهامٍ تراثيةٍ تحت لافتةِ الخلافةِ. الاثنتان تتلاعبان به إلى حيث الفوضى وتدمير المجتمعات، غائبُ الفهم وفاقد الشرعية وطافح بالكراهية والانتقام من الحياة والإنسان. لا فرق، لقد غدت السياسة لدي الجماعات الإرهابية كالخِرقة البالية فوق عينيها دون رؤيةٍ، فهُم كالعميان الذين يسيرون خلف ثعابين الحروب ونهب ثروات الدول وتنفيذ خطط العولمة المسلحة. ذلك نتيجة ركض الارهابيين حُفاةً من العقل والوعي باسم الجهاد الدموي. عقولهم مجرد أحذية يمكن لأي "حائك ماكر" تصنيعها بكامل أدمغتهم فوراً. السياسة الشرعية لدى الإرهاب مادة مخدرة تفقدهم بوصلة الإنسانية، فيمارسون أعمالاً قاتلة تستأصل أيَّ روح إنساني حُر.

جاء أردوغان بصدد إرهابي ليبيا بمثابة "حائك الأحذية" الماكر، أخذ يهيئ مسرح الارهاب ويرسم الرموز والديكور ويحدد الغنائم التي تثير لعاب الجهاديين. غنائم الدنيا في ليبيا (البترول – الأرض البكر – الفضاء الخالي – الأجواء الرائعة – الثروات العينية- العمليات مدفوعة الأجر) والغنائم بالآخرة نتيجة الجهاد (الحُور العين– الجنان عرضها السموات والأرض- الخمور والنبيذ الحلال- الخلود مع الشهداء والنبيين).

السلطان العثماني ظهر بسحنات لاهوتية في المشهد الليبي، أخذ يطلق عبارات الحنو والشفقة على شعبها الجريح، واضعاً نفسه تدريجياً على الخريطة السياسية. عقد أكثر من لقاء مع رئيس حكومة الاتفاق، ولم تكُن أول مرة، بل فتح الأجواء التُركية لمعالجة الجهاديين من قبل، وأرسل لهم الخطط والعتاد والخبرات بعنوان" إعادة الإعمار والاستثمار". وهو يدرك كصانع أحذية لاهوتية سياسية أن (الأدمغة الارهابية) هي ثروة استراتيجية وإقليمية لا تقدر بثمن.

برزت "خزائن الجهاد" حين أبرمت مصر اتفاقيات الغاز بالبحر المتوسط ورسّمت حدود المياه الإقليمية مع دول الجوار المائي (قبرص– اليونان). وعندما قُدِّرت القيمة المالية الكبيرة من وراء الحقول المكتشفة لو طبقت الاتفاقيات، وقد شرعت مصر فعلاً في هذا الاتجاه. لم يعترف أردوغان بالتواجد المصري واستثمار ثرواته البترولية، لكنه فطِن إلى خميرة الإرهاب المعتقة والتي أنضجتها الحرب السورية والعراقية، حيث كان السلطان يحوم ويدور ويوظف مآربه كالقط على الحدود التركية مع هذه الدول. ثم كشف أردوغان عن نواياه مؤخراً عندما اجتاح مناطق الأكراد بسوريا والعراق. وكما فعل بالأرضي المجاورة لتركيا من سلب رمزية الخريطة والتوغل غير الشرعي واستعمال الإرهاب، أراد كذاك التوغُل داخل ليبيا واعادة تشغيل ماكينة الإرهاب للتحرش بمصر والسطو على حقوقها المائية.

ومن قبل فعل السلطان شيئاً يعدُّ سابقةً في تاريخ الحدود المائية بين الدول حين أعطى لنفسه الحق (كل الحق) في ترسيم الحدود المائية بين تركيا وليبيا، رغم أنه لا تربط الدولة الأولى أية حدود بالدولة الثانية ابتداء. هذا نوع من الألاعيب البهلوانية من مرتفع شاهق وساحق فوق العدم السياسي الذي يغرق المنطقة العربية. هو بالضبط أشبه بإقامة دولة الخلافة على منطقتي العراق والشام كما فعلت داعش. النهب التاريخي واحد سواء لحدود وهمية لتركيا (بأسيا) مع دولة أخرى لا تخصها ( بأفريقيا) أو لحدود جيوسياسية طبقت عليها داعش سرقة مفهوم الخلافة ومفهوم الدين بكل تباعته الجهادية دون وجه حق أو باطل.

وبهذا ظن السلطان العثماني أنَّه يضرب كل الغنائم بضربة واحدة على المسرح الليبي.

1- فتح رئة إقليمية للتنفيس عن مشكلاته بالجوار السوري ومد يده خارج الدولة التركية.

2- وضع خدماته تحت تصرف القناصين الدوليين ( وخاصة أمريكا)، ليجدد الأهمية لنفسه بعدما فقد بريقه وتورط في مخالفة الأمريكان بأكثر من موقف سوري.

3- استعادة عمامته العثمانية المهترئة بعد أن بالت عليها الثعالبُ، الحلم القديم الذي كان متوهجاً عبر التجارة والعلاقات الدبلوماسية، ولكن حلول الربيع العربي عطّل المشروع.

4- التواجُد المادي كقوة تركية (عثمانية) على خريطة أفريقيا، بحثاً عن المصالح والضغط على مصر نظير إجهاضها لمشروع الإخوان. وهو المشروع الذي كان سيصب في الأهداف نفسها بطريقة غير مباشرة ومن وراء حجاب.

5- تشبيك أيدي تركيا بأيدي قطر في المنطقة (ليبيا كانت نقطة الالتقاء مثلما كان يخطط لذلك قبيل الربيع العربي). ولا سيما أنَّ لقطر أصابع حية بتونس (النهضة) وليبيا (مليشيات الاتفاق والإخوان) وبقايا (الفارين من إخوان مصر) وإرهابيو أفريقيا السمراء (بوكوحرام ومنظمات الشباب الاسلامي بالصومال وغيرها).

6- دفع مصر تحت حِرابه اللفظية طوال الوقت، وتحريك الخلايا الداعشية والإخوانية إن لم ترضخ لضغوطه.

7- الأهم هو ابتلاع تركيا لثروات ليبيا والانفراد بها وحدها في غيبة الغرب لحروبه مع كورونا والعواصف الكلامية بين الدول الأوربية.

أبرز ما قاله أردوغان لكتابة السيناريو هو: "أننا نتدخل بليبيا للحفاظ على ميراث الأجداد"... هذا القول جزء من خطاب غارق في التصورات الإرهابية، وربما هو الوهم الكبير منذ سقوط الخلافة العثمانية كالجرز النازف. فليس الإرهاب أكثر من فرض الوصاية على شعب لا علاقة بينك وبينه. وهو شعب حر مستقل وله كافة الحقوق على فرض سيادته والدفاع عن أراضيه. ليأتِ صوت خارجي متطفل واضعاً دولته (ليبيا) بين قوسين، كأنه يعيد عصور الظلام العثمانية مرة أخرى. عصورُ مرضٍ فتك قد بالعالم العربي والاسلامي وكان كالسرطان يغتذي على قدراته وينهب ثرواته وتراثه (ألم يستولِ العثمانيون على الحرفيين والصناع والتجار والكتاب والوراقين وأصحاب المهن المهرة وإرسالهم قديماً إلى اسطنبول؟!).

أيُّ ميراثٍ عثماني في الدولة الليبية الخارجة لتوِّها من صراعات طاحنة تحت أطماع دولية؟! إنَّ ليبيا (المجتمع والدولة) لم تهدأ ولم تأخذ أنفاساً مريحةً للملمة جراحها. حتى وإن بدا المشهد هادئاً يوماً ما، اسبوعاً ما، شهراً ما منذ سنوات، فهذا مشهد خادع، لأنها كانت وما زالت مسرحاً لقوى الخارج التي تستعمل كل الأسلحة القذرة. وجميعها اتفقت على شيء واحدٍ: ينبغي تدمير المجتمع وتقطيع أوصاله وإهانة كرامته وإهالة التراب على رموزه حتى يتم السيطرة على الأرض. ولم يكن لينقص الليبيين إلاَّ تحويلهم إلى ميراث عثماني ضائع!! وعلى الارهابيين استعادته بلكنة الخلافة العثمانية.

هذا ديدن الجهل باسم الخلافة حين تتحول إلى دماء وقتل تحركهما رايات الجهاد، وحين يتم تسهيل المهام الحربية لعناصر إرهابية تدمر كل شيء بذات المسمى. لأن الخلافة في التاريخ المعاصر خرجت من التراث بحد الموت لكل المجتمعات التي تقف في صف الحياة. الخليفة العثماني ومن قبل أمريكا رتبت هذه المفاهيم الارهابية وكم جوَّعت ذئاب الجماعات الإسلامية وشحنت ذهنيتها العنيفة طوال الحرب العراقية الإيرانية والحرب الأفغانية الروسية لهذه المهمة لاحقا. حتى طغت على خريطة الأحداث في غير حالة بسوريا وليبيا ومصر واليمن. ولولا اختلاف التكوين الثقافي لهذه البيئات، لكان العالم العربي مجازر للجهاديين حتى الأن، فقد تمَّ انتشال مصر وتونس والجزائر بدرجات نسبيةٍ ولكنها ليست كاملة.

الآن (بظهور المآرب العثمانية جهاراً نهاراً) أخذ الارهاب يعلن أنه صاحب مهام قذرة عابرة للحدود، فقد ظهر بالأشكال ذاتها في شوارع ليبيا كما ظهر من قبل، اشتعلت حرب الفصائل الواقفة وراءها تركيا وقطر من جهةٍ والجيش الليبي تدعمه دول إقليمية وعالمية من جهةٍ أخرى. المؤسف أنه وسط المشاهد المحزنة، قد ينزلق الشعب الليبي (أو هكذا يراد له السقوط) إلى براثن الفوضى والتقاتل ونهب ثرواته وانعدام فرص الحياة الآمنة.

إنه الشعب الذي لا يستحق الأوضاع الدامية، لكنه يستحق مستقبلاً أفضل وفرص العيش الكريم دون صراع. والمراهنة التي قد لا يراها العثمانيون أن الشعب الليبي يعرف جيداً ماذا يريد، وأنه قد بلغ من الحنكة إزاء المؤامرات مبلغاً يحول دون الوقوع في الفخ. كما أنَّ نسيجه الاجتماعي (القبائلي) سيجهض الصراع أو بالأقل سيقف حائلاً دون انتشاره. لأن القبائل أشد رسوخاً على الأرض وتعرف ماذا يعني الوطن جيداً، وتدرك كل مفاصل الدولة من الرمال والحصى حتى الجبال والحروب.

إزاء ذلك نقل السلطان العثماني الإرهابيين من سوريا والعراق وتركيا إلى ساحة الجهاد بليبيا. وأخذ يلعب اللعبة الأمريكية الشهيرة بغسل الإرهاب في منطقة مدمرة، ثم إرسال عناصره إلى ساحة جديدة. إن الإرهاب لا يجد له أرضاً إلا إذا كانت فضاءً شاسعاً مثل الأراضي الليبية، لسهولة حركة وانزال السلاح والإغارة المباشرة والكر والفر دون عائق.

وهذا يبرز عدة نقاط جديرة بالنظر.

أولاً: أنَّ الارهاب مهما كانت لافتاته لا قضية له، لقد أستقر كأداة تدمير وقتل كما بدأ. ولو كان لهؤلاء الأفظاظ قضية ما كانوا مرتزقةً بالنصوص التكفيرية والجهادية واستعمال الدين لانتهاك المجتمعات.

ثانياً: الارهاب الديني لم يكن مستقلاً ولن يكون، دوماً هو كالطُفيليات الملتصقة بالقوى الدولية لتحقيق مصالح وأطماع سواه. لأنه جزء من خريطة العالم التي يرسمها عسكريو العولمة لإشعال الصراع وإلهاء الشعوب عن نهب الثروات والهيمنة. الارهاب هو الوجه الواضح لقوى تصنع الصورة الذهنية للأحداث وتعيد تسويقها وتواجدها.

ثالثاً: يريد السلطان العثماني تجميع إرهابيي مصر والسودان وأفريقيا على هيئة بؤر صديدية تطلق آلامها في الجسد المصري لا الليبي فقط. وباتت الحرب الليبية بمثابة المواجهة غير المعلنة مع مصر. هي نوع من القصاص بسبب اخفاق الإخوان في ركوب القطعان الدينية الإقليمية التي التقت مع أهدافهم.

رابعاً: يبدو أنَّ الإرهاب بسيناء سيزدادُ في المرحلة القادمة، لأنَّ السلطان العثماني مع خادمه القطري يريدان إشغال النظام المصري في منطقة أخرى بعيداً عن ليبيا. على طريقة – مثلاً- الإشارة التي قد يطلقها البعض إلى أن هناك عصفورة بالسماء، بينما يريدون اشغال المستمع عن شيء آخر يحدث باتجاه ثانٍ.

خامساً: لن يستسلم الارهابُ بسهولةٍ في ليبيا ولو بقي إرهابيٌ واحد، لأنَّ محاربة الجيش الليبي خطوة لملامسة الحدود المصرية والتوغل فيها. وأتصور أنَّ مصر منتبهةٌ جيداً لهذا الرمي العثماني القطري تجاه حدودها، وأنَّ الهدف البعيد لن يحدث.

سادساً: لن تتوانى جماعة الإخوان عن إرسال عناصرها (تجميعهم) بدوافع مازالت ساخنة (نتيجة فشل دولتها) إلى جوار إخوانهم الأتراك بليبيا. لأنَّ هناك -كما يعدُّون- المعركة الكبرى التي لو ظفروا بها ستعدل الكفة، وسيعلنون عن القادم. الجماعة الاخوانية لم تنسَ أن الثروات الليبية الضخمة تنتظر جماعة اسطورية بحجمهم تستطيع توظيفها!!

سابعاً: ربما لو دخلت القبائل الليبية المعادلة إزاء الارهاب سيتغير كل شيء. وهذا هو المقترح القادم لأنهم النسيج الليبي الحي والأكثر حرصاً على المجتمع. والإرهاب هو المبرر القوي الذي يجعلهم يخوضون حرباً تجاه عدوا يستهدفهم بالمقام الأول. لكن حكومة الوفاق تحاول من جهتها تغطية الإرهاب تحت عباءة الشرعية كما تقول كي تتجنب تلك المواجهة القادمة لو استمر العثمانيون في هذا الطريق.

ثامناً: لن تفعل أمريكا (ومن يدور في فلكها) شيئاً غير الاستنكار وإطلاق عبارات التنديد والمخاوف من اتساع رقعة الحرب الليبية. والسبب أنَّ الوكيل العثماني القطري على الأرض قد أدى فروض الطاعة وأطلق الوعود بالنصيب الأكبر من الولاء والأرباح والغنائم. ولو استفحلت الأمور فستحرص على حالة استمرار الاستنزاف بين الأطراف، وإذا تفاقمت إلى حد اللعنة ستستصدر أمريكا قرارات دولية تبقي حبراً على ورق وستعطي الارهابيين مساحة غير واضحة للتحرك الخفي.

تاسعاً: الخطاب الإعلامي المُندد بالإرهاب العثماني (فضائيات بعض العرب) أشبه بنقيق الضفادع، لا يقرأ الأحداث بدقة وبرؤية عقلانيةٍ تميز الأشياء وتحدد الأهداف، إنما استمر في إيراد صور متناثرة والعزف على تسديد ضربات النكاية في قطر وتركيا. بينما الموضوع معروف الأطراف ولا يحتاج إلى كل هذا النقيق المُمل.

 

سامي عبد العال

 

محمود محمد عليمن الواضح أن كورونا لم تصب الدول في صحتها فقط، ولكنها بلا شك أثرت على سياساتها الداخلية والخارجية، ففي الأسبوعين الماضيين قامت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بسحب بطاريتي صواريخ وبعض الطائرات المقاتلة من السعودية، ما أثار تساؤلات كثيرة بشأن أسباب هذه الخطوة، ومدى إمكانية أن تكون ضغوطاً أمريكية على المملكة، أو نتيجة توتر في العلاقات بين البلدين على وقع أزمة النفط الأخيرة.

ذهب بعض المحللين إلى ربط القرار بسياسات النفط السعودية، مرجحين أن "القرار يهدف إلى توصيل رسالة إلى المملكة مفادها أن سياستها النفطية لها عواقب"؛ بينما أكد آخرون لا توجد أي علاقة على الإطلاق بين سحب بطاريتي الصواريخ الأمريكية بروابط الولايات المتحدة مع السعودية، التي لا تزال متينة.

ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية عن مصادر مطلعة أن السلطات الأمريكية تقوم بسحب أنظمة "باتريوت" الدفاعية من المملكة العربية السعودية وتدرس تقليص قدراتها العسكرية في البلاد.. وذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أن الحزب الجمهوري أشار بأصابع الاتهام للسعوديين، وحملهم المسؤولية المباشرة عن ارتفاع معدلات البطالة وفقدان العاملين في مجال الصناعة وظائفهم، لاسيما في الولايات التي يديرونها، وتضيف الصحيفة بأنه ليس من الواضح حتى الآن إذا ما كان نزاع النفط الجاري هو العامل الرئيسي في قرار الولايات المتحدة.

وأشارت واشنطن على لسان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى أن سحب بطاريات باتريوت ليس وسيلة "للضغط على المملكة العربية السعودية بشأن قضايا النفط"، وقال بومبيو تعليقاً على سحب بطاريات "باتريوت" من السعودية: "أود أن أوضح ذلك... بطاريات "باتريوت" هذه كانت منتشرة منذ فترة والقوات يجب أن تعود، وهي بحاجة إلى إعادة انتشار"... وأضاف الوزير: "هذا لا يعني الاعتراف بتراجع الخطر. نود أن يكون الأمر كهذا، وأن تغير جمهورية إيران سلوكها، لكن الخطر ما زال قائما"... وأشار بومبيو إلى أن وزارة الدفاع قد تكشف عن مزيد من التفاصيل بهذا  الخصوص في وقت لاحق... وأكد بومبيو أن هذه الخطوة ليست تخفيض الدعم المملكة العربية السعودية "ونحن نقوم بكل ما في وسعنا من أجل ضمان أمنها وتزويدها بأنظمة الدفاع الجوي حتى لا يستطيع الإيرانيون تهديدها".

يبدو أن "الولايات المتحدة الأمريكية تجد نفسها كما صدر على لسان رئيس خارجيتها بومبيو مضطرة إلى إعادة ترتيب تواجد قواتها عالميا، ومن ذلك التفكير في سحب بطاريات باتريوت من السعودية، مع أن الخطر الإيراني قد تناقص كثيرا كما أفاد بذلك.

ولكن الخطورة لا تزال قائمة حسب ما يراه معظم المحللين الذين يرون بأن المملكة العربية السعودية أيضا قامت بعدة أمور قد تكون أزعجت الولايات المتحدة، ومنها رفع أسعار البترول، وتعمق علاقاتها مع كل من روسيا والصين، وهذه أمور طبيعية الحدوث في أوضاع صحية وسياسية واقتصادية فرضتها كورونا على مختلف دول العالم، وقد يكون ذلك نوع من الضغوط، أو محاولة إعادة الأمور إلى ما يصب في صالح الشراكة السعودية، الأمريكية".

كما أن الولايات المتحدة هي أكثر من تضرر من إصابات "كورونا"، وقيامها بسحب قواتها من أماكن عدة، قد يكون في غير صالحها"، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن السياسة السعودية الحكيمة قادرة على إعادة الأمور إلى حالها بالتفاهم السياسي، أو بالقيام بعمل ما يلزم لتكون أفضل مما كانت في السابق.. السعودية، ليست مجبرة على أنواع معينة من الأسلحة، ولها كامل الحرية حين تعثر أي علاقات، بالدخول في علاقات وشراكات، وتعهدات مع من تراه قادرا على معالجة الوضع الحالي.. : فالأمر هنا يعود للبائع، والشاري، والعلاقة بين الطرفين يجب أن تكون حقيقية أصيلة متمكنة ومستمرة، ولا تتغير بتقلب الأحوال المؤقتة، ولها القدرة على استمرارية العلاقة للمحافظة على السلام العالمي في منطقة ملتهبة مثل الشرق الأوسط.

إن العلاقات الأمريكية السعودية متواجدة قوية منذ ثمانية عقود، ولا بد للطرفين من نظرة عقلانية، لما يحدث، ومحاولة الإبقاء على ما تم التعاقد عليه بين الطرفين من عقود أكيدة للحماية والتدريب والتسليح ..

وقد فسر البعض بأن "الولايات المتحدة أرسلت في سبتمبر الماضي بعد الهجوم الإيراني على منشآت أرامكو بطارية صواريخ باتريوت إضافية وأربعة أنظمة رادار و200 فرد إلى المملكة العربية السعودية، وهذه الخطوة كانت مؤقتة مالم تتطور الأمور.. وأن التهديدات الإيرانية تراجعت في المنطقة، وبالتالي كان لابد من إعادة هذه الأنظمة الصاروخية الدفاعية إلى الولايات المتحدة، والسعودية كانت قد أعلنت فور ذلك أن البطاريات المزالة سيتم استبدالها ببطاريات باتريوت سعودية.. مع أن إعادة هذه البطاريات في هذا التوقيت تحديدا وخاصة أن إيران تهدد بممارسة أعمالها التخريبية إذا حال تمديد حظر السلاح عليها، لا يبدو أنّه قد اتخذ على خلفيات عسكرية وأمنية، بقدر ما أنه مرتبط بحسابات سياسية تخصّ إدارة الرئيس دونالد ترامب ومساعي الأخير للحصول على عهدة رئاسية ثانية في انتخابات نوفمبر القادم، الأمر الذي يضطره لمسايرة مجموعات ضغط نافذة ولو كان ذلك على حساب الحلفاء الاستراتيجيين للولايات المتّحدة"... أن "سحب هذه البطاريات ليس له تأثير كبير، حيث توجد في دول الخليج خمس قواعد عسكرية أمريكية، بالإضافة إلى انتشار 54 ألف جندي أمريكي في 12 قاعدة عسكرية بالشرق الأوسط، أي أن الوجود الأمريكي لايزال قويا في المنطقة، واليوم بعد قرار إعادة الانتشار العام الماضي تواجد القوات الأمريكية مع القوات العسكرية الخليجية في قواعد ومراكز وموانئ الدول الخليجية.. كما أكد ترامب في اتصاله بالملك سلمان التزام الولايات المتحدة بحماية مصالحها والعمل مع حلفائها لمنع أي تصعيد قد تقوم به إيران، وأن أمريكا ستقف مع حلفائها حال مهاجمة دول الخليج أو مصالح الولايات المتحدة في المنطقة..

وفي رأي بعض المحللين السعوديين، يبدو أن هناك خمسة أسباب وراء سحب هذه الصواريخ من السعودية:

أولاً، يوجد لدى الجيش الأمريكي عدد محدود من أنظمة باتريوت، ويجب إعادتها بشكل روتيني إلى الولايات المتحدة للترقية، وفقًا لما نشرته صحيفة "واشنطن بوست".

ثانيًا، بدأت الولايات المتحدة مؤخرًا في ترقية وجودها في شرق آسيا لاحتواء نفوذ الصين في تلك المنطقة، والتي تتوقع الولايات المتحدة زيادتها حيث تواجه مشاكل اقتصادية هناك، وأبرز وزير الدفاع مارك إسبر مرارا ما تمارسه الصين من أنشطة في بحر الصين الجنوبي خلال الأسابيع الأخيرة. لذا، فإنه على الأرجح سيتم نشر بطاريتي باتريوت هناك.

ثالثًا، تعتقد الولايات المتحدة أنه على الرغم من أن إيران لا تزال تشكل خطرًا حقيقيًا على مصالحها في منطقة الخليج، إلا أن مصادر هذه المخاطر تأتي من وكلاء إيران في العراق؛ وليس من إيران نفسها المنشغلة حالياً في احتواء تفشي جائحة كوفيد-19، والتي باتت تستوعب جيدًا مدى تصميم الولايات المتحدة على الدفاع عن حلفائها بعد قتل قاسم سليماني.

رابعاً، للولايات المتحدة وجود عسكري كاف في منطقة الخليج لمواجهة إيران. تمتلك الولايات المتحدة أكثر من 14 قاعدة عسكرية في المنطقة، يمكن تشغيلها جميعًا ضد إيران، إذا لزم الأمر؛ كذلك، يشير قرار الرئيس ترمب باستخدام حق النقض ضد قرار الكونغرس الذي يحد من سلطاته ضد إيران إلى إصراره على إبقاء إيران تحت السيطرة.

خامسا، تعتقد الولايات المتحدة أن سحب بطاريتي صواريخ باتريوت لن يؤثر على دفاعات السعودية ضد الصواريخ الإيرانية.

واختصارًا، لا يوجد ما يبرر الاعتقاد بأن سحب صواريخ باتريوت الأمريكية من السعودية يعد مؤشراً على توتر العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة، كما أنه إجراء لا يؤثر على القدرة الدفاعية للمملكة العربية السعودية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمد سعد عبداللطيفلحظات مفصلیة بعد کل الأزمات الکبري التی یتعرض لها العالم من الحروب، والأوبٸة، والأزمات الإقتصادیة فقد اعتاد العالم علی ذلك فی نشوء ۔نظام عالمي جدید ومرحلة مفصلیة، من فرض تغییر فی خریطة الجغرافیه السیاسیة، وظهور خریطة

سیاسیة واقتصادیة واجتماعیة وثقافیة ۔ ویرجع ذلك الی تأثیر طبیعة التغیرات الجذریة۔ وحجم الأزمة علی النظام العالمي ۔ففی أعقاب نهایة الحرب العالمیة الأولي والثانیة ۔اضطر العالم الی الجلوس ۔الی طاوله مفاوضات والجلوس والبحث عن حلول ۔فبعد إنهیار الإمبراطوریة العثمانیة ۔ظهرت دول علی الخریطة السیاسیة ۔وظهور أقلیات عرقیة ۔ومذهبیة ۔داخل حدود دول أخري وبعد الحرب العالمیة الثانیة ۔ظهر نظام جدید بعد زوال الامبراطوریة البریطانیه والفرنسیة التی کانت الشمس لا تغیب عن مستعمراتهما فی الشرق والغرب ۔ وظهور قوي جدیدة ۔بقیادة الولایات المتحدة الأمریکیة ۔ والإتحاد السوفیتي ۔وتقسیم أوروبا ۔ودخول العالم فی نظام الحرب الباردة من صراعات ۔فهل نهایة (جاٸحة کوفید 19) سیکون للعالم نظام مراکز قوي جدیدة ونظام یتشکل ۔بین الصین وأمریکا ۔هل العالم یعیش لحظات فارقة من أزمة فیروس کورونا ۔لن تقل بتأثیرها عن الأزمات الإقتصادیة التی حدثت عام 1930 م او وباء فیروس انفلونزا الاسبانیة عام 1918 م أو الحروب العالمیة السابقة وإن أختلفت التفاصیل بعض الشیء مع إنتشار الفیروس بصورة أسرع مما یتوقع ۔وتخطیة الحدود الجغرافیة وأن التداعيات أصبحت أكثر تعقيداً وخطورة من حجم التوقعات. ولا سبيل أمام العالم في مكافحة الفيروس، إلا من خلال تنسيق دولي عالي المستوى، خصوصاً بعد أن تجاوزت الأزمة حدود الدولة الواحدة، لتشمل العالم بأسره دون استثناء. الأمر الذي وضع النظام الدولي برمته على المحك.وهو الإختبار الأول للنظام الأحادي ونظام العولمة ۔والقریة الصغیرة التی اصبحت حبیسة داخل حواٸط اجدرة المنازال ۔إن فشل النظام العالمي وفشل التکتلات الاقتصادیة ۔فی أوروبا ۔ونجاحها فی دول مثل الصین وسنغافوره ۔والهند ۔یشکل مفترق طرق فی الخریطة السیاسیة بعد الجاٸحة ۔لقد ظهر نظام داخلي ومحلي داخل دول صغیره من الاعتماد علی مواردها المحدودة فی وقف الفیروس ۔من دول متقدمة والإعتماد علی مواردها البسیطة ۔وهذا یشکل نقطة إرتکاز لدول ۔تستطیع أن تخرج عن المنظومة الاحادیة والارتباط بها فی نظامها السیاسي والاقتصادي ۔لقد فشل الأتحاد الأوروبي ۔فی مساعدة ایطالیا وأسبانیا ۔فی بدایة إنتشار الوباء وفی عدد حالات الوفاة ۔وظهرت الأنانیة ۔وإغلاق الحدود الجغرافیة ۔وحرکة الطیران والسیارات ۔وكان ارتفاع عدد المصابين، والضغط المتزايد على النظام الصحي، مروراً بافتقار مراكز البحث والمختبرات للحلول الناجعة دليلاً على حجم المأزق الذي تعيشه تلك الدول. ووجدت مظاهر العولمة نفسها، على حين غرة، في مواجهة حقيقية مع نفسها. واصطدمت مع مفاهيم وأدوات اللا حدود ۔ بشكل مباشر مع الوباء يحمل في طياته وتداعياته كل مفاهيم وملامح «اللا حدود». فأصبحت القرية الكونية مهددة بوباء قادر على الانتقال من أقصاها إلى أقصاها في غضون ساعات، مستغلاً السيارات والطائرات والبواخر وحتى الهواء، العالم یعیش مأزق نظام العولمة اليوم، ورمزيته لم يقف عند حد مواجهته لذاته، من خلال مواجهته لأزمة بحجم كورونا فحسب، بل إن المأزق قد تجاوز ذلك بأبعاد كثيرة، فتحولت ذات الأدوات المجسدة لنظام العولمة، إلى عوائق تحول دون مكافحة الفيروس. وأصبحت مفاهيم التبادل التجاري الحر وسهولة التنقل وسرعته، بحد ذاتها عوامل مساعدة على انتشار المرض لا حصره. الأمر الذي قلص خيارات الكثير من الدول في مكافحة المرض، بأن جعل الحل بحتمية تعطيل أبرز أدوات وركائز الربط والتدفق والاختلاط وحرية التجارة. وانتقل الحال على إثر ذلك من مرحلة اكتمال الحلم بعالم منفتح على بعضه البعض، يملك كل أدوات إذابة الحدود، وإلغاء مركزية الدول، إلى الارتداد نحو واقعية نقيضه، تؤكد بتفاصيلها على الضرورة المركزية ومحلية السلطة. وما بين ليلة وضحاها، عاد العالم إلى العمل وفقاً لخارطة الأقطار المتعددة، والكيانات المنفصلة عن بعضها البعض، بحدود سياسية وجغرافية لا بد من إغلاقها، وإيقاف الحركة فيما بينها. حيث لجأت كل دولة لتقنيات التجزئة، كإجراءات احترازية من أجل السيطرة على هذا الوباء والتخفيف من آثاره بعيداً عن الدول الأخرى. هل یجلس العالم بعد الجاٸحة علی طاولة مفاوضات ویتشکل عالم جدید ونظام جدید وخریطة سیاسیة جدیدة

 

محمد سعد عبد اللطیف

کاتب مصري وباحث فی الجغرافیا السیاسیة

 

 

بليغ حمدي اسماعيللعل مصر وحدها هي التي تواجه محنتي في وقت واحد ؛ المحنة الأولى وهي الجائحة الكونية العالمية التي غزت كل بقاع الكرة الأرضية والمعروفة بجائحة كورونا التي واجهها علماء مصر بالمزيد من التقاعس العلمي والنفور من الابتكار والإبداع للخروج بحل سريع وعلمي ومقنع أيضا من هذه الأزمة الطارئة والتي يجمع علماء العالم بإطلاق تسمية فيروس كورونا المستجد، رغم كونه لم يعد مستجدا بل هو قائم بالفعل في مئات الكتب العلمية التي قرأها علماؤنا في مكاتبهم ومعاملهم دون فائدة تذكر حتى وقتنا الراهن ورغم النداءات والدعوات المستدامة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بضرورة تضافر جهود علماء مصر واتخاذ خطوات استباقية لغزو الجائحة وجعل مصر بحق في مكانتها العلمية التي كانت عليها لمدة قرون مضت .

أما المحنة الثانية فهي أولى بالذكر والتذكير، محنة الإرهاب الذي لا يريد أن يغادر مصر المحروسة، فمصر ربما هي الدولة الصامدة بحق ضد كل محاولات الإرهاب التي تسعى إلى تقويض الدولة والوطن وليس النظام السياسي كما يزعم بعض المحللين السياسيين، فالإرهاب ما هو إلا صورة طبيعية ونتاج منطقي فطري لاعتناق أفكار راديكالية متطرفة بغيضة .

وقصة الإرهاب أكبر بكثير مما يحدث في سيناء أو في بعض المناطق المتفرقة في مصر، وهي أكبر بحق من محاولة قتل مجموعة من الجنود والضباط البواسل الشهداء الذين يستشهدون حفاظا على أرض الوطن وهذه السطور لا تفي حق هؤلاء الشهداء المخلصين للأرض ولشرف العسكرية المصرية العظيمة، لكن خطورة الإرهاب الحقيقية في الفكر المتطرف الذي نما وترعرع بفضل سياسات سابقة وبفضل بساطة المواطن الذي صدق بغرور ما كان يتم تصديره إلى عقله من أمراء الفتنة والضلال الفكري بل وأقول مجددا أمراء ومشايخ النساء الذين استغلوا جهلن وفقر معارفهن الدينية في السيطرة على العقول والأذهان تماما كما كان يفعل ولا يزال أمراء الجماعات الإسلامية مع الصبية الصغار والشباب من أجل تجنيدهم للقيام بعمليات مسلحة سواء ضد رجال الشرطة أو قواتنا المسلحة أو الأقباط أيضا ؛ بهدف زعزعة الاستقرار والأمن في مصر وهي سيناريوهات باتت محفوظة كما هي محفورة بالذاكرة وبالوعي الجمعي العام.

لم تنس الذاكرة أسماء بعينها جاءت في مطلع السبعينيات وطوال فترة الثمانينيات كانت على رأس إشعال الفتنة الفكرية بتمويل خليجي باهت أحيانا ومعلن وسافر أحيانا أخرى، ولم تنس ذاكرة التاريخ سيد قطب صاحب كل المرجعية المتطرفة الأصلية لتكفير المجتمع وإعلان الحاكمية وصاحب أكبر رصيد من الكراهية لرجال الجيش المصري بدءا من رأس السلطة العسكرية الرئيس الراحل جمال عبد الناصر انتهاء بأحدث مجند في الجيش المصري، وقطب هو المؤسس الحقيقي للأصولية الدينية السياسية في مصر الذي أعلنها صراحة أن المجتمع المصري يعيش في جاهلية تشبه جاهلية الكفار وقت النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وأن الطريقة المثلى لإعادة إحياء الأمة الإسلامية في مصر والعودة للارتقاء هي مقاومة السلطة والجهاد ضد الأنظمة القائمة والتي رآها معادية للإسلام وللمسلمين.

وعبود الزمر أحد أمراء التيار الديني المتشدد في مصر والذي يقول عنه الكاتب الصحفي نزار السيسي في تحقيقه عن الجماعة الإسلامية في مصر بأنه سعى إلى تكوين تنظيم جديد مستقلا عن تيار الاخوان المسلمين،واستقى هذا التنظيم فكره وأيديولوجيته من مصادر متعددة وروافد راديكالية كثيرة، ومن مجمل كتابات وأفكار سيد قطب التي تتمرد على النظام الحاكم في مصر وأسموه بالجاهلية، ويشير نزار السيسي (مايو 2020) أن تيار عبود الزمر أفرز أهم ملامح هذا الفكر الذي قامت عليه الجماعة الإسلامية في صعيد مصر والتحامها بقيادات الجهاد،إذ قامت على تكفير الرئيس الأسبق الشهيد السادات واعتبروه مرتكب للكفر الأكبر وفق تمييزهم بين الكفر والظلم والفسق الأكبر،كما اعتبروا دعوته فصل الدين عن السياسة تجريدا للإسلام من روحه وتحويله الي صورة باهته بلا حياة.

‏ و محمد عبد السلام فرج الذي ظن أن الزعيم المصري خالد الذكر أنور السادات هو رئيس كافر ورأس الفتنة في مصر، وعطا طايل والإسلامبولي وعصام دربالة وعصام الصبابتي الذي يقول عنه ماهر فرغلي في مقالته بصحيفة الوطن المصرية أنه كان مفتي جماعة التكفير والهجرة الذي أفتى بتحصن أتباع الجماعة ـ البسطاء والغلابة وفقيري الثقافة والمعرفة الدينية العميقة والرصينة والصحيحة ـ في حضن الجبل بقرية الروضة التابعة لمركز ملوي بإحدى محافظات صعيد مصر بعيدا عن المجتمع الجاهلي والذي كان يعني في نظر هؤلاء المتطرفين فكريا مصر وأهلها ومؤسساتها الرسمية، وفي حقه يشير المجلس العلمي " الألوكة " بضرورة عدم قراءة تحقيقاته لكتب التراث حيث إنها تحقيقات تجارية من ناحية ومن ناحية أخرى يؤكد ملتقى أهل الحديث بأنه من غير المتقنين.

وكذلك شكري مصطفى وكرم زهدي وعمر التلمساني ومحي الدين عيسى وغيرهم كثيرين تضيق السطور بذكر أسمائهم، وهؤلاء وغيرهم كانوا الأخطر من الإرهاب وسط قصور أمني وتقاعس وضعف ديني رسمي في مواجهة أفكارهم الضالة وقتئذ، فهؤلاء الذين لا أعلم مدى سطوتهم الدينية التي يمكن الاعتراف بها عن يقين معرفي هم الذين أباحوا القتل والتكفير واعتبار أرض مصر ديار كفر والدولة في ذاتها كافرة .

وكل هؤلاء الذين فجروا ملامح الفتنة وروجوا لأفكار القتل بحق العسكريين والمدنيين لم يفرقوا وفق قدراتهم الذهنية ومدى صفاء نفوسهم بين سماحة الإسلام ووسطيته ونقائه وفطرته الأصيلة المتضمنة بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الثابتة والصحيحة وبين مطامع دنيوية رخيصة واتخاذ الدين وسيلة لتحقيق الأطماع السياسية وجدت هوى لدى بعض التيارات الخليجية التي رأت في هؤلاء فرصة سانحة لاصطيادهم من أجل الترويج لأفكارهم المتطرفة وبثها في المجتمعات العربية الأخرى لاسيما مصر.

ولعل فتاوى القتل والتكفير وشيوع الفوضى هي أبرز بل أخطر وأهم ما أفرزته قيادات الجماعات الدينية الإسلامية التي حصدت عقول الشباب وآلاف النساء وجاهدو في تكريس مرجعية دينية أراها ضعيفة وفقيرة بل أقول أن أهل السلف الذين يزعم هؤلاء أن يقتدون بهم ومن مريديهم أيضا ظهروا على الملأ عبر الفضائيات والصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية يعلنون أن علم هؤلاء الذي أفتوا وأباحوا القتل والتكفير هم من ضعاف الرأي وفاسدي الأخذ من النصوص التراثية وهذه الآراء يمكن رصدها من خلال محركات البحث الرقمية العالمية.

وكل هؤلاء الأمراء والذين ادعوا المشيخة أو التشيخ أو الالتصاق بلقب شيخ رغم عدم اختصاصهم ظنا بأن موسوعية الأستاذ عباس محمود العقاد تصلح بأن تتحول الهواية والمتعة المعرفية إلى احتراف مهني شديد التخصص، بأن الثورة والعنف وتطبيق الشريعة الإسلامية بالقوة وسائل ومؤشرات لازمة لإقامة الدولة الإسلامية في مصر ودفعتهم الثورة الإيرانية إلى تبرير محاولات القتل إزاء كل الخصوم العسكري والمدني الذي كان مفكرا أو مسئولا سياسيا أو حتى المواطن العادي الذي رفض مبادئهم العقيمة

أنا وغيري ممن يرون أن الإرهاب مشكلة طارئة ستنتهي بفضل الله أولا ثم بعزم نظامنا السياسي وقواتنا العسكرية والأمنية في مواجهة براثنه وخبائثه، نرى ايضا أن الأولى بالمواجهة هو الفكر الراديكالي المتطرف، وأنا لم أصدق ولعني لن أيضا أتقين أن تلك المراجعات الفقهية لهم قد نجحت، تلك التي تمت على أيدي رجال الدين الإسلامي وعلماء الأزهر الشريف وشيوخه لمعظم من اعتنق كل الأفكار المتطرفة الفاسدة التي خلطت الدين بالسياسة تحت زعم إقامة دولة إسلامية في مصر وكأن مصر دولة لم يقم بفتحها الفاتح العظيم عمرو بن العاص، بل ربما والشك يزيد وينقص وفق الأدلة والشواهد والبراهين أن أمراء الجماعات الإسلامية بمسمياتها المتباينة مثل " الإخوان المسلمين" و"جماعة التكفير والهجرة "، و"العائدون من أفغانستان "، و" الشواكيش"، و" أنصار بيت المقدس " و"السلفية الجهادية"، و" التبليغ والدعوة " وغير ذلك من التنظيمات الدينية السياسية التي اتخذت الدين وسيلة سريعة لإقامة دويلة خاصة بأفكارهم ومطامحهم وهذه الجماعات بأصحابها وأتباعها ركزوا على وصف المجتمعات الإسلامية بأنها مجتمعات جهل وكفر وضلال ومنحرفة عن تعاليم الإسلام الحقيقية.

وفكرة تخلي أمراء وشيوخ وأقطاب الجماعات الدينية الإسلامية المتطرفة عن أفكارهم ومعتقداتهم الأيديولوجية السابقة وقت إلقاء القبض عليهم أو خلال فترة بقائهم بالسجن نظرا للعقوبات الجنائية التي فرضت عليهم نظير أفعالهم بحق الوطن والمواطن، هي بعيدة عن التصديق، ليس لأن تلك المراجعات تمت في سياج أمني، لكن أنا لا أعتقد أن من تربى على سياسات تكفير الآخر وإباحة قتله وإهدار دمه أنه سيتخلى بسهولة عن مبادئ تربى عليها، وتجربة الإخوان المسلمين في مصر عقب العزل الشعبي التاريخي لها في الثلاثين من يونيو كفيلة برصد مشاهد الإفساد في الأرض وإباحة القتل بحق جنودنا في سيناء أو شيوع الإرهاب في كل مناسبة وطنية تمر بها البلاد، وهؤلاء الذين تربوا على فكر مغلوط أو نراه نحن مغلوطا لن يستطيعوا يوما أن يتخلوا عن صك السراب الذي منحوه لأنفسهم يوما ما وهو صط أعطاهم آنذاك حق تقرير مصير الأمة وهو الأمر الذي أجاز لهم قتل الشيخ الذهبي والقضاة والرئيس السادات ورئيس مجلس الشعب المصري رفعت المحجوب واغتيال فرج فودة ومحاولة اغتيال الروائي العالمي نجيب محفوظ عميد الرواية العربية واغتيال النائب العام هشام بركات، ومحاولة اغتيال وزير الداخلية الأسبق اللواء محمد إبراهيم، والعمليات المسلحة الإجرامية بحق رجالنا البواسل بالقوات المسلحة المصرية .

إن لهؤلاء الأمراء والقيادات الدينية الإسلامية المتطرفة مشروعا سياسيا كبيرا وطويل الأجل وهو الأمر الذي ينبغي للدولة المصرية وللنظام السياسي أن يعيه جيدا، وأن إرهاب سيناء الذي تموله جماعات خارج مصر ما هو إلا حلقة من سلسلة حلقات سابقة وراهنة ضمن مشروعهم السياسي الطامح، ولم يغب عن فكر هؤلاء أبدا وربما لن يغيب أيضا كما وصف جمال السويدي هؤلاء في كتابه " السراب 2015 " أنهم جزء من الحكم والحكومة وأنه في يوم من الأيام قامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بتسليم قيادة الدولة للملالي (رجال الدين) باعتبار أنهم معصومون من الفساد وغير قابلين للإفساد وهذا غير صحيح كما ذكر السويدي.

نقطة أخيرة قد تبدو أكثر ضرورة واهتماما، وهي ضرورة تعقب الدولة بأجهزتها المختلفة لأصحاب الفكر المتطرف بقدر تتبع وملاحقة الإرهابيين ؛ لأن الإرهاب مجرد ترجمة مباشرة لفكر يتوارى خلفه وهو أحق بالرقابة والمواجهة، وارتكان أجهزة الأمن إلى فكرة انتهاء وجود أصحاب التيارات المتطرفة وغيابها هي فكرة يجب أن تمحي عن أذهانها، لأن قيادات الجماعات الدينية الإسلامية تعمل وراء ستار وهم يستغلون ويستقطبون فئات بعينها الصبية والنساء وبعض الرجال الذين يعانون من أزمات اجتماعية واقتصادية طاحنة، وهؤلاء القيادات المتشددة لا يزالوا تداعبهم فكرة استنساخ التجربة الإيرانية، ولا تزال أفكار أبي الأعلى المودودي وسيد قطب الجهادية تتغلغل معتقداتهم الفكرية، لذا لا أظن أن مراجعات هؤلاء الفقهية التي تمت على أيدي علماء ورجال الأزهر الشريف قد باءت بالنجاح .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

قاسم محمد الكفائيثمان وعشرون عاما مَضت من عمري خسِرتُها في دولة ترعى حقوقَ الإنسان، وتكفلُ عيشَه، وتحميه من ظلم نظام بلده المستبد. كندا التي ترعى قوانينهُا (السِنجابَ) فتقاضي الذي دهسه على الطريق بخمسمئة دولار. وفيها مشافي وفنادق خاصة بالكلاب والقطط. هذه القوانين لا تشفع لكاتب عربي يريد نشر مقالة واحدة في جريدة (تورنتو ستار) يتحدث فيها عن فلسطين المغتصبة، والتسلط الصهيوني البغيض ومظلومية الشعب وعن مشروعية النضال من أجل التحرير. ولا يستطيع أيضا الحديث عن محمد رسولٌ قد خلت من قبله الرُسل، وعن الإسلام المحمدي. هذا أمرٌ خطيرٌ عليهم ويستحيل على كاتبه. ومن المستحيلات في هذا البلد تسجيل أي شارع بإسم فلسطين بينما أكثر الشوارع الكندية أسمائها يهودية وصهيونية. نستخلص من هذه الفقرة أن الحرية المطلقة في كندا تعني تشويه شخصية الإنسان ومسخ هويته وليست نشر القيم وترسيخها في المجتمع.

ولو رفعت المؤسسات الحقوقية العالمية والمؤسسات الإسلامية حاجز الخوف والتغاضي المتعمد لتابعت ظروف السجون الكندية كيف أنها لا تتماشى وقوانين حقوق الإنسان المزعومة  وقد تكون أدنى إنسانيا وأخلاقيا من نظام العصور الوسطى.

كذلك لو بحثنا في أسرار سلوكها (الخفي والناعم) سنجد أن حالات الإعدام (القتل بصورة غامضة) التي تقوم بها عناصر مأجورة من طلاب السجون والأشقياء يومية تقريبا، وارتكاب جرائم السرقة، وتفتيش البيوت وأماكن العمل أوالإعتدائات على الضحايا. أما متابعة عشرات آلاف هؤلاء الضحايا والتجسس عليهم يعتبر عملا أساسيا ومنهجيا في كل مدن كندا من خلال عناصرها المأجورين أو من توظفهم في وقتها بحسب ظرف وحركة الضحية. ومخابرات كندا تتابع الضحية حين سفره خارج البلاد وعلى ظهر طائراتها، وتعمل على التنسيق المسبق مع البلد الذي يصل اليه ولا تفارقه، خصوصا في بلاد أوباش العرب والدول الإسلامية.

ومن أخطر ما تملكه كندا من سلاح أيضا ترويج مسألة تعاطي المخدرات وتوزيعه بين قومية دون أخرى بواسطة شبكات تعمل بانتظام وتعتمد السرية والأسلوب الناعم  لتدمير ضحاياها فهم من طبقات المهاجرين ما عدى الطبقات التي تشملهم الرحمة والرعاية.

سلوك ناعم بمئات الأوجه يصعب التندر باحتواءه لكن نتيجته هي إرباك حركة الضحية وتعطيل حياته وجعله مجرد جسد بلا روح أو رقما غير فاعل إطلاقا...لكن الذي يمتلك الموهبة من الضحايا يجعل وقوفه على هذه الأسرار تعمل لصالحه وفي تطوير معرفته ودروسا لتوظيفها للدفاع عن نفسه وأمته.

كندا تقول عن نفسها أنها بلد صهيوني وتتمسك بهذا الوصف وتعتبره هويتها الوطنية والسياسية. ولو شئنا التعرف على الصهيونية فقط من زاوية بعدها الإجتماعي سنجدها منظمة عنصرية تدعو الى تدمير الشخصية الإنسانية وتشويه هويتها، كذلك مع الأسرة والمجتمع شريطة أن يسلم اليهود (المؤمنين) بها فهم شعب الله. أما الجانب السياسي في تفسير الصهيونية فهو مرتبط بما قبله، فعندما يتحقق تدمير الهوية الإنسانية فإنه من السهل جدا أن تتحقق السيطرة عليها وتدويرها وتوجيهها كيفما تشاء وترغب غرف السيطرة والقيادة.

لتحقيق ذاك الهدف فقد نمت وانتشرت فيها الحركة الصهيونية ونمت وانتشرت معها ظاهرة (المثليين) الوسخة بتخطيط محكم قامت به المؤسسات الرسمية الكندية. فتطورت وتصاعدت أكثر مما سبق وبقوة في منتصف ثمانينات القرن الماضي وقد شاهدت بنفسي احتفالاتِهم بعشرات الآلاف من المثليين يخرجون للشوارع في يوم معلوم من كل عام للمشاركة في إظهار مجتمعهم وقوتهم وهم يسيرون على شارع (يونغ) في قلب مدينة تورنتو التابعة الى إقليم أونتاريو برعاية وحماية الشرطة والأجهزة الأمنية السرية.

أثناء مراسيم الإحتفال شاهدتُ مئاتِ الرجال تعانق بعضَها، والمرأة تعانق المرأة، يتبادلون القبل والضم، منهم الصبية والشباب، أو متوسطو الأعمار وحتى العجائز.(أحتفظ بنسخ فديو وصور للكثير منها)

في مدينة تورونتو مثلا على تقاطع شارعي (جيرج غربا – ويليزلي جنوبا...فوق بناية بنك تي دي) هناك مكتب يسمى (المثلي والمثلية Gay and Lesbian). في هذا المكتب توجد الملفات لكافة اسماء وتفاصيل المثليين. ومنه تصدر هوية خاصة لكل (مثلي)، وتمنح رواتب دعم، ومكافئات مالية قدرها 25 ألف دولار لكل رجل يقطع عضوه الذكري بعمليات مجانية في مستشفيات خاصة. في هذه المؤسسة أيضا ماكنة إعلامية قوية تصدر عنها كافة الإغراءات. مثلا ... تدعو أعضائها لمن يرغب بالسياحة الى الشرق الأوسط وأفريقيا إقامة الحفلات والعلاقات مع المجتمع المعني بغرض الترويج لكل أشكال الإنحطاط، على أن تكون قيمة تذكرة السفر برا أو بحرا أو جوا وحتى المبيت في الفنادق بنصف القيمة لأن النصف المتبقي ستدفعه تلك المؤسسة.

(أشير هنا الى أسفي لمشهد صادفني حين كنت مع زوجتي قبل أشهر في أحد الأسواق في دولة عربية راقية في كرامتها ومعالجتها لهذه الظاهرة رأيت مضلة - شمسية - عبارة عن علم المثليين بألوانه – قوس قزح – جاءت نتيجة غفلة المستورد وخبث المُصدِّر.)

(في ذات السياق فإن المخابرات الكندية توظف هذه الظاهرة لضرب ضحاياها من العرب والمسلمين لأنها تعرف جيدا أنها مرفوضة بتاتا عند المسلمين، فهي توظف العنصر الناجح من فصيلة الضحية وبذات اللون الديني والقومي. هذا لون من ألوان الحرب الناعمة الخطيرة يسهل العمل بها بتوفر العملاء من كل الجاليات، وجهاء كانوا أم حُثالى).

هذه الصورة نمودجا عن كندا التي انبهر بها الجاهلون وعن إرثها اللاإنساني في قتل أقوام خلى عهدُها على الأرض الكندية، أو في سلوك مخابراتها البغيض، ونشر الرذيلة بين الناس وفي مدارس الأطفال والشباب. أما لو ذهبنا الى العراق ونزلنا في بغداد سنجدها مهبطا للعلوم الإنسانية ومدينة الحضارة والقيم ومكارم الأخلاق وقد رفرف على سمائها الى جانب الكرخ منها لأكثر من ألف عام علما الإمامين الجوادين وعلمُ الإمام ابو حنيفة النعمان، وفي جانب الرصافة في القشلة حيث قبر عثمان بن سعيد العمري وقبر أبي القاسم حسين بن روح على شارع الرشيد في الحيدرخانة والشيخ عمر بن محمد السهروردي على شارع الكفاح وقبر الشيخ عبد القادر الكيلاني على شارع الجمهورية وغيرهم من الأئمة والأولياء. هذه بغداد وهذا تاريخها الذي تحلت به تاجا مشرفا لقرون خلت منذ عصر المنصور والنعمان والشافعي والإمام موسى الكاظم الذي رعى واهتم بنشر علوم أبيه الأمام جعفر الصادق رغم كل الظروف المظلمة التي مرّت على تاريخها. لكن الإنتكاسة الكبرى التي واجهت بغداد ابتدأت منذ عام 1968 بعد تسلط الدكتاتورية عليها، ثم لحقتها الإنتكاسة الأكبر وهبطت بها الى الحضيض حين تسلطت عليها الجهلة والفاسدون عام 2003.

في خضم هذا الواقع الهش والمتردي الذي أشرنا اليه امتدت يدُ المخابرات الأوروبية والكندية على بغداد لتدمير صرحها الأخلاقي والحضاري كخطوة أولى برفع علم المخنثين المثليين على مؤسساتها في بغداد، تستوحي منها عدَّت أهداف...

 الهدف الأول هو عملية إختبار للواقع العراقي السياسي والديني المتردي بانتظار ردود الفعل لقياس درجة الحياة والموت في هذه الأمة.

الهدف الثاني هو رفع معنويات الطبقة الشاذة المتخفية في المجتمع العراقي وتحفيزهم وتأليبهم على الظهور بمزيد من الإندفاع في إقامة الفعاليات الشاذة وتجسيدها واقعا مفروضا ولو بخطوات مبتدأة بسيطة وغير مكلفة ينتج عنها تفكيك بنية المجتمع العراقي ومسخ هويته والسيطرة عليه وصولا للأبعاد السياسية الأكثر تعقيدا ومنفعة على مستوى العراق وبعض دول الجوار.

عندما نستقرأ هذه الظاهرة سنجد كندا هي الأكثر حماسا في إشاعة المثلية في المجتمعات ودعمها كظاهرة طبيعية لها مؤسساتٍ مستقلة تتبناها مؤسساتُ الدولة وتحميها وتجعل لها خصوصية وقدسية في ظروف الحرية والمدنية. وقد نجحت مخابراتها من قبل بنشر الأيدز في عموم أفريقيا فسبقت قريناتها بإنجاز هذا العمل بواسطة طيّار كندي.

اليوم لأول مرة في حياتي الإعلامية أشير الى معلومة استخبارية (ناااااعمة) ليس من الصحيح طرحها ولكن ظروف التحدي دفعتني لارتكابها فهي امتحان أو جرس تنبيه لمؤسساتنا التابعة لوزارة الداخلية والمخابرات وعمالقة الخبراء والمحللين السياسيين العراقيين...هذه المعلومة أضيف عليها ملاحظة هي الأهم أن على كل المعنيين أولهم معالي وزير الداخلية أن يتلقاها ويتصرف من خلال إلمامه الواسع والعميق بقواعد وفقه وأدبيات العمل الإستخباري الذي تنتهجه مؤسسات المخابرات الدولية وكندا على الخصوص  ....

هذه المعلومة هي متابعة أسماء كل الأشخاص العراقيين المغتربين في كندا ودول أوروبا وأمريكا الذين حضروا الى بغداد قبل رفع علم المثليين بخمسة أيام تقريبا وخرجوا منها تباعا...وبقية الحديث سأكون ملزما بتوضيحه في ظرف مناسب يحدده المعنيون. (كنت أتمنى لو أنقل نصيحتي الى الأخوة اللبنانيين عن ظروف بعض التظاهرات).

إن الديمقراطية وحقوق الإنسان في كندا والغرب وأمريكا هي عبارة عن كذبة تروج لها الأبواق الإعلامية الصهيونية والمأجورة وعند الجاهلين من المغتربين ممن تقطعت بهم سبل العيش أو ضنك الحرية السياسية في بلادهم الذين لا يلتفتون لأمر لا يعنيهم مادام الخبز يأتيهم بيسر دون عناء. فقيم المعرفة تصبح عندهم رخيصة ولا يُسأل عنها.

طيلة الأسبوع المنصرم كنت أتابع ردود فعل مؤسسات الدينية والسياسية والإعلامية في العراق فلم أجد ما هو مناسبا لردع هذا العمل المشين الذي اقترفته سفارة كندا ودول الإتحاد الأوروبي إطلاقا، وبعبارة أخرى ما كان بلسما على الجرح ما عدى مقالة كتبها الدكتور حسن الياسري أشار فيها الى المخالفات القانونية الدولية التي ارتكبتها الجهات المعنية برفعها علم المثليين في بغداد. فكانت رائعة في طرحها وصحيحة لكنهاغير مؤثرة ولا رادعة إطلاقا بينما مخابرات هذه الدول ستبرد حرارتها وتغفو عينها تحت الرماد تنتظر الساعة القادمة لتكرار هذا الفعل ويزيد.  أتمنى تهيأة الظرف المناسب لأضع خبرتي في مواجهة هذه الجريمة التي ارتكبتها المؤسسات الصهيونية في بغداد وبتدبير من حكوماتهم وأن أعمل على مكافحة هذه الظاهرة في بلدي بأسلم الطرق وأنجعها.

أما عن وضعي الشخصي فأنا لا أؤمن بشيء إسمه الحرية الفكرية أو الإعلامية في كندا غير أني أحمل حكومة بلدي الثاني مسؤولية الإنتقام مني بألف وسيلة ناعمة حتى لو على ظهر الخطوط الجوية الكندية (لكل كلمة في مقالنا رواية) ولهم حسن التصرف في تحجيم حياتي وقطع قوت عيشي بالوسيلة الناعمة، فهذا ما تعودتُ عليه وهو كل ما عندي في كندا من موروثٍ لا أفخرُ به سوى سلامتي وسلامة أطفالي الثلاثة أرجوان مكارم جمانه.

 

قاسم محمد الكفائي/ كندا

  

ابراهيم أبراشالموقف المُعلن للقيادة الفلسطينية الرافض لصفقة ترامب-نتياهو وضم الأراضي والذي تم تتويجه بإعلان الرئيس أبو مازن في اجتماع القيادة أول أمس التاسع عشر من مايو بأن السلطة في حِلِّ من أمرها تجاه الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل، هذا الموقف وتلك القرارات وإن كان يشوبها اللُبس والغموض كما جاءت متأخرة، إلا أنها في ظل غياب البدائل وانشغال العالم بصراعات أخرى في المنطقة وبالكورونا تعتبر خطوة يمكن البناء عليها ولكن مع توفر شروط واتخاذ خطوات من طرف كل القوى السياسية ومن الشعب وليس فقط من القيادة، وأهمها:

1-  استمرار القيادة صامدة أمام الضغوط التي تطلب منها التفكير بصفقة ترامب -نتنياهو أو الاشتباك معها أو العودة للمفاوضات أو طرح تصور فلسطيني كبديل عن الصفقة أو تعديل لها كما طالب وزير الخارجية الأمريكي مؤخراً.

2- إزالة اللُبس في معنى وقف العمل بالاتفاقات الموقعة، ولماذا وقفُ العمل وليس الإلغاء؟ أيضاً كيف سيتم تنظيم وتحديد العلاقة بين الفلسطينيين والاحتلال بعد وقف العمل بالاتفاقات؟ وما هو مستقبل السلطة الفلسطينية وطبيعة وشكل علاقتها مع إسرائيل؟ وهي تساؤلات طرحناها في مقالنا السابق -قبل خطاب الرئيس بيوم واحد-.

3- الحذر من التنفيذ الصامت للشق الاقتصادي من صفقة ترامب (ورشة المنامة في يونيو 2019 ). لأن هناك مؤشرات على تعاطي البعض معها والانزلاق نحو الحل الاقتصادي وبطريقة خبيثة.

4- تصويب علاقة الفصائل الفلسطينية وموقفها مع موقف القيادة الأخير، وخصوصاُ أن الفصائل كانت تطالب القيادة بتنفيذ قرارات المجلسين الوطني والمركزي ومنها وقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل.

5- أن تراجع حركة حماس حساباتها وتتراجع عن انقلابها وكل اتفاقاتها وتفاهماتها مع إسرائيل.

6- حراك شعبي واسع يعزز ويؤكد على سياسة رفض الصفقة ولمواجهة أي إجراءات إسرائيلية لتنفيذ عملية الضم فعلياً، وحتى لا تبدوا قرارات القيادة وكأنها فوقية ولا تعبر عن رأي الشعب أو لا يأخذها الشعب بجدية.

7- القيام بمراجعة استراتيجية شاملة، من خلال اجتماع وطني شامل وعاجل لإعادة بناء منظمة التحرير وتفعيلها ولإنهاء الانقسام، أو اللجوء للانتخابات لإحداث تغيير في الطبقة السياسية الحالية حيث إن استمرارها على حالها يشكل عائقاً أمام استنهاض الحالة الوطنية.

8- وكحالة مستعجلة يُستحسن تشكيل حكومة وحدة وطنية أو حكومة طوارئ للتعامل مع الوضع المُستجد، لأن كثيراً من الأمور ستناط بالحكومة.

إن كنا نولي اهتماماً للموقف الأخير للقيادة بالرغم من عشرات الأسئلة التي يثيرها المتابعون بما فيهم المواطنون العاديون الذين فقد كثير منهم الثقة باي قرارات رسمية، فإنما خشية من كسر حالة الرفض الهشة، إما تحت مسمى الواقعية أو غياب البديل أو منح فرصة أخيرة للإدارة الامريكية، أو بسبب ضغوط عربية أو لارتباطات مصلحية وغير وطنية تراكمت عند بعض النافذين في الطبقة السياسية ولم يعد بالإمكان الانفكاك منها، أو لأن الضم بالنسبة لحركة حماس ومن يدور في فلكها شأن خاص بالضفة وبالسلطة الوطنية ولا يمس الوضع القائم في غزة.

إن أية ليونة في الموقف الفلسطيني أو القبول بالعودة للمفاوضات أو التلاعب في تنفيذ قرارات القيادة الأخيرة سيُضعف الموقف الفلسطيني الذي هو هش وضعيف بالأصل، وسيؤدي لأن تعيد دول العالم النظر في موقفها المعارض للصفقة ولسياسة الضم.

المراهنة الحذرة على حالة الرفض وقرار القيادة بوقف العمل بالاتفاقات الموقعة تستند إلى أن ذلك سيؤدي إلى أحد الاحتمالين:

الأول: أن لا يؤثر الموقف الفلسطيني على إسرائيل وواشنطن ويتم تنفيذ الضم في المواعيد المقررة، وفي هذه الحالة:-

1-  لن يحظى الضم بأية شرعية دولية وستزداد الخلافات بين تل ابيب وواشنطن من جهة والاتحاد الأوربي وبقية دول العالم من جهة أخرى.

2- سيستمر تعامل العالم مع الضفة الغربية بما فيها القدس والمستوطنات كأراضي فلسطينية محتلة.

3-  قد تلجأ المجموعة الأوروبية لاتخاذ إجراءات عقابية ضد إسرائيل حتى وإن كانت محدودة؟.

4-  سيؤدي لتوتير العلاقة بين السلطة الفلسطينية والأردن وربما مصر من جانب والإسرائيليين من جانب آخر، خصوصا إن تم وقف العمل بالاتفاقات الموقعة وحل السلطة أو انهيارها.

5- سيُحرج الدول العربية المُطبِعة مع إسرائيل أو التي تسعى لذلك وسيوقف الهرولة نحو التطبيع.

6-  سيبقى الصراع بدون حل مما سيُفقد الصفقة قيمتها كتسوية سياسية، بل ستوَجَه الاتهامات لترامب بأنه زاد من التوتر في المنطقة وبدلاً من أن يصبح رجل السلام الذي أنهى أطول وأخطر صراع في الشرق الأوسط سيتحول لرئيس فشل في كل الملفات المتعلقة بالشرق الأوسط.

الثاني:  أن يتم تأجيل الضم، وكانت هناك مؤشرات على تأجيل الضم أو تمريره بطرق ملتوية وبدون ضجيج قبل خطاب الرئيس، وفي هذه الحالة:

1- قد تحدث خلافات إسرائيلية داخلية وخصوصا ما بين الحكومة واليمين المتطرف والمستوطنين.

2- سيشكل إحراجاً لإدارة ترامب وهي مُقبِلة على الانتخابات.

3- التأجيل سيُظهر السلطة والقيادة بأنها حققت انتصاراً، كما أن التأجيل سيمنح القيادة الفلسطينية فرصة لتُعيد النظر وتراجع مجمل سياساتها تجاه عملية التسوية السياسية وتُعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني من جديد.   

إذن، الرفض الفلسطيني ووقف العمل بالاتفاقات الموقعة خطوة في الاتجاه الصحيح وقد تؤدي لتأجيل ضم الأراضي لحين من الوقت وقد تُحرج واشنطن وتربك مخططاتها لأنه لا يمكن تسوية الصراع في المنطقة دون شريك فلسطيني، إلا أن المحك العملي للحكم على جدية الرفض هو مدى تحرك القيادة وكل القوى السياسية نحو الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام والقيام بمراجعة شاملة تؤسس لاستراتيجية مواجهة مع الاحتلال لأنه لا يبدو في المدى القريب أية فرصة لتسوية سياسية وسلام عادل.

 

إبراهيم أبراش

 

 

عبد الحسين شعبانيوم زرتُ مدينة هيروشيما هتفت من أعماقي: يا الله إنها " مدينة الألم والجمال"، ففي يوم واحد ذهب ضحية تلك الشراسة الساديّة نحو 70 ألف إنسان ومثلهم فيما بعد، على الرغم من وصول الحرب العالمية الثانية (1939-1945) إلى نهاياتها، لكن الرئيس الأمريكي هاري ترومان قرر إلقاء قنبلة ذرية  على هيروشيما ومن بعدها على ناكازاكي اليابانيتين، لتجريب ذلك السلاح الفتّاك واكتشاف تأثيراته التدميرية.

شعرتُ حينها بمرارة لا حدود لها وأنا أتنقّل مذهولاً في متحف المدينة وأشاهد صوراً وأفلاماً وثائقية وأستمع إلى أصوات الرعب في تلك الفاجعة المجنونة، والتي ما تزال آثارها السلبية قائمة حتى اليوم، ولكن بقدر ما تُعتصر القلوب لمشاهدة وسماع قصص العذاب الفظيع، فإن النفوس تتفتّح حين تبعد قليلاً عن تلك الأجواء الكئيبة والمكفهرّة، لتطالعك أشجار الكرز المورقة، بأزاهيرها المضيئة في الربيع الذي صادف زيارتنا للمدينة، لترى مشاهد آخّاذة حين يتفيأ اليابانيون تحت ظلال تلك الأشجار ويتنشقون رائحتها الزكية، لتزيدهم تأمّلاً وهدوءًا نفسياً فوق ما هم عليه، وهكذا ترى الوجه الآخر لتلك المدينة الفضية الضاحكة العذبة والمتغنّجة، جامعة كل مفاتن الجمال: النور والنظارة والبحيرات والخلجان .

استعدتُ ذلك بمناسبة مرور75 عاماً على انتهاء الحرب، حيث شهد العالم أهوالاً لا حدود لها راح ضحيتها أكثر من 60 مليون إنسان، وتدمير الممتلكات والمرافق الحيوية والخسائر المادية الهائلة، تلك التي ليس من السهل نسيانها، إذْ لا بدّ أن تبقى في دائرة الضوء، للاستفادة من دروسها وعِبرِها، وهو ما حدا بالجمعية العامة للأمم المتحدة، الإعلان عن أن يومي 8 و9 مايو (أيار) هو يوم للاستعبار، وذلك بالقرار رقم 5922 الذي اتخذته في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2004، محاولة استخلاص الايجابي من هذا الحدث التاريخي الذي هيّأ لتأسيس الأمم المتحدة، والتي وضعت هدف " حماية السلم والأمن الدوليين" في صدارة أهدافها، مؤكدة في ديباجة ميثاقها إلى : إنقاذ الأجيال المقبلة من الويلات والحروب، مهيبة بالدول الأعضاء أن تأخذ بعضها البعض بالتسامح وأن تبذل الجهود لتسوية نزاعاتها وحلّ خلافاتها بالوسائل السلمية.

وحين نتوقّف اليوم دولاً وشعوباً ومنظمات للسلم والتضامن وحقوق الإنسان وحتى الأفراد، للاحتفال بهذه الذكرى الأليمة ، فالأمر يتطلّب إعمال التفكير بصورة جماعية بمآلات البشرية ونتائج الحروب لصيانة السلام العالمي وتعزيز التعاون الدولي وتنمية روح المصالحة على المستويات العالمية والإقليمية والوطنية، فضلاً عن تعميق القيم الإنسانية المشتركة والمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرّيات الأساسية، لاسيّما الاعتراف بالآخر والإقرار بالتنوّع والتعددية وقبول حق الاختلاف.

ليس القصد من الاحتفال بذكرى الحرب استعادة المشاهد الحربية أو النجاحات التي حققها هذا الجيش أو ذاك أو تمجيد هذا النظام أو ذاك، بل لتعلّم الدرس جيداً، " فحوار سنة أفضل من حرب ساعة"، علماً بأن حروب ونزاعات ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت بالمئات وقد جرت بالوكالة وتركت  هي الأخرى آثاراً مؤلمة، لاسيّما في فترة الحرب الباردة (1947-1989) والصراع الآيديولوجي والحرب  الإعلامية والدعائية والنفسية  بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، والتي استخدمت فيها جميع وسائل القوة الناعمة الأكثر إيلاماً وخبثاً من الحروب الفعلية، وهو ما استمر بعد انهيار الكتلة الاشتراكية مثل الحصارات الدولية واستخدام العقوبات الاقتصادية وخنق بعض المجتمعات من داخلها ، لكي تسقط مثل التفاحة الناضجة بالأحضان، والعقوبات سلاح سبق للولايات المتحدة أن استخدمته ضد البلدان الاشتراكية والعديد من البلدان العربية والعالمثالثية .

لعلّ في الاستذكار فرصة للتأمّل أيضاً، في الأضرار الفادحة التي حلّت بالبشرية والكوارث اللاحقة التي أعقبتها والتي دفع أكثر من جيل ثمنها باهظاً، فانتشار فايروس كورونا اليوم لا بدّ أن يدفع العالم إلى إعادة حساباته، حيث أصبح الجميع دولاً وشعوباً، أغنياء وفقراء، مؤمنون وغير مؤمنين مستهدفاً، فقد تزهق الروح بأية لحظة، الأمر وضع البشرية كلّها في حالة حزن وذهول وعدم طمأنينة وتحدٍّ، وهو ما يحتاج إلى تعاون دولي على جميع الصُعد ، فبدلاً من الانشغال بتطوير وتصنيع الأسلحة وتخصيص الميزانيات الهائلة لها، ينبغي توجيهها للصحة والتعليم والبحث العلمي وعلوم الفضاء، فضلاً عن الاستفادة المتكافئة للبشر جميعاً من نتائج الثورة الصناعية بطورها الرابع والذكاء الاصطناعي، والعمل على إطفاء الحروب وردم بؤر النزاع، والعمل على تنمية العلاقات بروح الإخاء والتعاون والسلام والتسامح لتوفير الاستقرار والأمن وضمان المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة.

إن ما يجمع البشر هو الكثير الذي علينا تعظيمه ، أما ما يفرّقهم فهو القليل الذي ينبغي تقليصه، لاسيّما لمواجهة العدو المشترك للإنسانية جمعاء وهو الأمراض والأوبئة، والفقر والجهل، هذا الثلاثي المرعب، لكي تنعم البشرية بالعدل والسلام والاستقرار وصولاً إلى إزالة أسباب اندلاع الحروب والنزاعات ووضع حدٍّ للاستغلال واحترام الحقوق والحرّيات، والتوجّه صوب التنمية، وتلكم إحدى أمنيات البشرية على مرّ التاريخ.

 

عبد الحسين شعبان

باحث ومفكر عربي

 

ابراهيم أبراشبالرغم من أن الكتابات والتحليلات والمواقف الرسمية والشعبية، فلسطينياً وعربياً ودولياً، المًندِدة بصفقة ترامب -نتنياهو لم تتوقف وخصوصاً بعد الإعلان عن الصفقة رسمياً يوم الثامن والعشرين من يناير الماضي، إلا أنه لم يتم اتخاذ أي إجراءات عملية لمواجهة الصفقة وسياسة الضم، كما لم يتم اختراق حالة الجمود في المواقف ، حتى تشكيل حكومة وحدة يهودية يمينية ومنح الكنيست الثقة لها برئاسة نتنياهو يوم السابع عشر من مايو الجاري وتعهد نتنياهو في خطابه الأول بضم الأراضي لم يغير في المواقف التي استمرت مقتصرة على التنديد والشجب وتهديد السلطة بوقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل.

حالة العجز عن مواجهة الصفقة والضم حالة عامة فلسطينياً وعربياً ودولياً وهي حالة تعود لأسباب متعددة سبق الكتابة عنها ولا داع لتكرار سردها. ولكن ولأن القضية الفلسطينية أصبحت تقريباً شأناً خاصاً بالفلسطينيين بعد تفكيك وتراجع أبعادها العربية والإسلامية وحتى الدولية، فإن الأنظار تتجه لقيادة منظمة التحرير في انتظار ما سيصدر عنها من قرارات وخطوات عملية غير خطاب الرفض والتنديد وغير سياسة الانتظار. وإن كنا نركز على منظمة التحرير فلأن حركة حماس حسمت أمرها مبكراً بقطع صلتها بالسلطة الوطنية وبالمشروع الوطني وما يعنيها ويُشغلها الآن هو قطاع غزة وترسيخ سلطتها فيه. 

وبما أن القيادة الفلسطينية في حالة اجتماع مفتوح، نتمنى على المجتمعين الخروج من مربع الانتظار والرفض اللفظي والاقتصار والتهديد بتنفيذ قرارات المجلسين الوطني والمركزي إلى التفكير برؤية استراتيجية ووضع التساؤلات التالية محل النقاش:

1- بما أن الصفقة وضم الأراضي خطر سيؤدي إلى تصفية القضية الوطنية كما تقول القيادة الفلسطينية، فهل يمكن مواجهتها بدون وحدة وطنية؟ .

2- ما سبب غياب أي حراك سياسي جاد نحو المصالحة والوحدة الوطنية ونحو إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية ولو في نطاق مكوناتها التأسيسية الأولى؟ .

3- لماذا ينحصر أمر الرد على التهديد المصيري للشعب والقضية في قرارات رسمية ويغيب الحراك الشعبي في كافة أماكن التواجد الفلسطيني، بينما سابقاً كانت أحداث أقل أهمية تشعل الأرض تحت اقدام الاحتلال؟.

4- هل سيستمر الوضع السياسي على حاله وتستمر العلاقة نفسها ما بين السلطة وإسرائيل في حالة تأجيل الضم أو تراجعت عنه إسرائيل نظرياً ونفذته بوسائل وطرق أخرى بدون إعلان؟ .

5- في حالة الضم هل سيتم تنفيذ كل قرارات المجلسين أم سيقتصر الأمر على وقف العمل بالاتفاقات الموقعة فقط وربما ببعضها؟ .

6-   في ظل استمرار الانقسام، هل القرارات التي ستنتج عن اجتماعات القيادة التي تقاطعها فصائل عديدة ستُلزم الكل الفلسطيني، حزبياً وشعبياً؟ .

7- هل السلطة الوطنية مشمولة بقرارات وقف العمل بالاتفاقات الموقعة؟  أم أنه سيتم وقف العمل بالاتفاقات مع استمرار السلطة؟ وقد أكد أكثر من مسؤول في السلطة والمنظمة أن السلطة منجزٌ وطني ولا يمكن التخلي عنها .

8-  كيف ستستمر السلطة بدون الاتفاقات الموقعة مثل بروتوكول باريس الاقتصادي وأموال المقاصة والتنسيق الأمني والإداري والمعابر الخ؟ .

9-  هل وقف الاتفاقات يعني الانتقال تلقائياً من حكومة وسلطة الحكم الذاتي ومجمل اتفاقات أوسلو إلى حكومة وسلطة الدولة الفلسطينية دون تعديل في القانون الأساسي وبدون انتخابات؟ .

10- هل توجد ضمانات أو مؤشرات بأن دول العالم بما فيها الدول العربية والإسلامية ستعترف بالدولة الفلسطينية التي ستحل محل سلطة الحكم الذاتي وتتعامل معها رسمياً كواقع قائم؟ .

11- في حالة تحويل سلطة الحكم الذاتي إلى سلطة دولة فما شكل علاقتها بقطاع غزة وبسلطة حماس هناك؟ أم سيصبح هناك دولة في الضفة وأخرى في قطاع غزة؟. 

12- في حالة إلغاء أو انهيار السلطة الوطنية لمنظمة التحرير فهل سينسحب الأمر على سلطة حركة حماس في قطاع غزة؟ أم أن هذه الأخيرة ستحل محل السلطة الوطنية وقد يتعامل معها العالم وكأنها السلطة الفلسطينية الوحيدة بل الدولة الفلسطينية؟ وهذا مخطط موجود منذ سنوات والانقسام جزء منه.

13- حتى وإن تجاوزنا الانقسام الجغرافي، فهل تستطيع السلطة وعلى مستوى الضفة الغربية مواجهة التداعيات السياسية والاقتصادية التي ستترتب على خطوة وقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل وتغيير وظيفة السلطة؟ .

لا نروم من هذه التساؤلات كسر المجاديف أو التخويف من تنفيذ قرارات المجلسين بل التحذير من اتخاذ قرارات كردة فعل انفعالية ومتعجلة وبدون رؤية استراتيجية للقرارات ولردود الأفعال المترتبة عليها.

نتمنى أن تكون هذه التساؤلات محل نقاش معمق في الاجتماع القادم للقيادة، لأن كل يوم يمر دون خطوات عملية تشمل إجراء مراجعة استراتيجية وإعادة بناء النظام السياسي سيسرع من عملية الضم وتنفيذ ما تبقى من صفقة ترامب-نتناهو، بل أيضاً سيجعل الطبقة السياسية متواطئة ومشاركة في تنفيذ الصفقة.

إن اقتصر الأمر على الرفض مع بقاء الأمور على ما هي عليه الآن: استمرار الاستيطان، استمرار الانقسام وتكريس كيان في غزة، تآكل السلطة، مواصلة التطبيع العربي مع إسرائيل الخ، وهو وضع لا يقل خطورة عن الصفقة والضم، فإن إسرائيل ستكون الفائزة سواء تم الضم أم لا.

كما أن تهديد القيادة الفلسطينية بتنفيذ قرارات المجلسين الوطني والمركزي وخصوصاً وقف الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل، في ظل استمرار المشهد السياسي والوضع الداخلي الراهن سيكون مجرد زوبعة في فنجان.

 

إبراهيم ابراش

 

 

محمد الزمورييذكرني الجمال الكئيب للطرق الفارغة في معظم الشوارع العالمية ببعض أفلام ما بعد نهاية العالم القديمة، مثل فيلم "على الشاطئ"، والتي تظهر مدينة اختفى معظم سكانها، ليس هناك أي تدمير مذهل، بل فقط أن العالم لم يعد في متناول اليد، لم يعد ينتظرنا، لم يعد من اختصاصنا، لم يعد يبحث عنا... حتى الأقنعة البيضاء التي يرتديها المشاة فهي تؤمن إخفاءً للشخصية مرحباً به وتحرر من الضغط الاجتماعي.

الفيروس التاجي جعل سكان العالم يتابعون أخبار معامل الأدوية والباثولوجية ومنظمات الصحة بانتظام وشغف بعد أن هجروا مشاهير الفن والرياضة والدين والإعلام. فصول من التراجيديا ترتقي لتصبح مسرح سوريالي بامتياز، الآن أصبحت السياسة تنوب عن الفن في تقديم مشاهد سوريالية؛ لهذا سيجد مؤرخ الأدب بعد زمن أن ما كان من صميم الثقافة والإبداع اختطفته السياسة وقام أباطرة المال والسياسة بالدور غير المنوط بهم على الإطلاق.

في ظل ذلك هل يمكن أن تكون الأزمة العالمية المرتبطة بجائحة (كوفيد-19) مدخلا لتغير النظام الاقتصادي والسياسي العالمي؟

كل المؤشرات الاقتصادية، السياسية والاجتماعية تشير الى بداية تحول فعلي في آليات النظام الدولي وربما هذا التحول بدأ يظهر جليا مع تنامي الحركة البيرونيّة El Peronismo، والتي تعتمد إن صح التعبير على ما يمكن تسميته بالفاشية الشعوبية. حكومة قوية ومتسلطة تسيطر على كلا الطرفين، العمال ورأس المال، وتحاول تقديم بعض العدالة، ولكن بالنسبة لي، فإن هذا لا ينجح أبداً على المدى الطويل، بسبب الفساد والشلل.

أما النظام الرأسمالي العالمي فهو سائر نحو الزوال فحتى رموز الشركات الكبرى مثل “زوكربيرغ” و”بيل غيتس” وآخرون باتوا يقولون إن الرأسمالية لا يمكنها أن تستمر إذا ما بقيت على حالها. وأنا أتفق مع "فوكوياما" في أن ما يحدث اليوم في حقل علوم الأعصاب مخيف. الجميع -الصين والولايات المتحدة-يقومون بأمور في هذا المجال لها عواقب فلسفية كبيرة. يجري الآن بالفعل تطوير اتصال مباشر بين الدماغ والكمبيوتر: إذا فكرتُ في شيء ما فإن بإمكانه أن يحدث. هل تعلم أنه في السنوات الأخيرة، لم يعد “ستيفن هوكينغ” بحاجة إلى استعمال إصبعه في التنقل؟ كان دماغه متصلاً بسلك وكان يفكر فقط في "التحرك إلى الأمام" فكان كرسيه يتحرك إلى الأمام. لكن العكس قد يحدث أيضاً: أي أن يتحكم الكمبيوتر بالدماغ. عندها، من سيفعل ذلك؟ وكيف نتحكم به؟ هذا أمر يتصل برقمنة حياتنا. إنها واحدة من الأشكال الجديدة للسيطرة. هل تعرفون ما أجده خطيرا في كل ذلك؟ إن الأمر لا يتعلق بالسيطرة الشمولية القديمة حيث كان المرء يخاف ويعرف من يسيطرون عليه. نعيش اليوم تلك السيطرة باعتبارها حرية. ما الذي يمكن أن يكون أكثر حرية من الانطلاق وتصفح الإنترنت واختيار ما نريد؟ يتم التلاعب بنا وتوجيه وتسجيل كل شيء. انها بداية نهاية الرأسمالية، فآخر مراحلها هو محاولة استعباد البشر لتوجيههم نحو آليات الخضوع والاستهلاك.

لا نملك غير التنظير كمراقبين غير متخصصين، حيث الوصول محدود جدا إلى البيانات؟ لكن ربما ينبغي أن نسأل أنفسنا السؤال التالي على حد تعبير الفيلسوف البولندي المعاصر "سلافوي جيجك": أين تنتهي البيانات وأين تبدأ الأيديولوجيا؟

البيانات قد ترهق الأيدولوجيا والمثال واضح بالنسبة ل "لي وينليانغ”، الطبيب الذي كان أول من اكتشف وباء الفيروس التاجي الحالي ومورست ضده الرقابة من قبل السلطات الصينية، كان بطلاً أصيلاً من أبطال عصرنا، من نوع “تشيلسي مانينغ” أو “إدوارد سنودن آسيوي”. أثار موته، بطبيعة الحال، الغضب العام. كان رد فعل الدولة الصينية على هذه الإدارة للوباء متوقعاً وكان أفضل من لخصه تعليق الصحافية المقيمة في هونغ كونغ، “فيرنا يو: Verna Yu “لو كانت الصين تعلي من شأن حرية التعبير، لم يكن هناك أزمة فيروس كورونا. سوف تتكرر مثل هذه الأزمات طالما أن حرية التعبير والحقوق الأساسية للمواطنين الصينيين غير محترمة. وهو الدرس الأول الذي يجب الوعي به فصعود الدولة الأمنية في ظل أزمة الفيروس التاجي وإعلان حالة الطوارئ الصحية لا يمكنها أن تبرر تعليق الحقوق الأساسية والطبيعية للمواطنين، لأن ذلك الاجراء سوف ينذر بأزمات جديدة ولامتناهية.

مع تفشّي الفيروس؛ فجأة خمدت آلة الحرب على الأرض لحدٍ كبير، فضباع الحروب في أمريكا وروسيا والصين وأوروبا وإيران توقفوا إجباريًّا؛ لأن الوفرة الاقتصادية والمالية التي توقظ المعارك والسلاح متأثرة ومتراجعة كسبب رئيسي وجوهري، فما أغبى حاسوب النظام العالمي الذي يفرز الإرهاب والحرب مع رخائه الاقتصادي وتقاربه الاتصالي !!

بورصات المال والأعمال التي تدهس ملايين العمال والموظفين يوميًا تحت عجلات الإنتاج والاستهلاك تراجعت وانهارت، فكانت الحصيلة مشهد تراجيكوميدي من صنع الفيروس العجيب: فإمبراطوريات المال والإنتاج التي شيّدت صروحها على أكتاف وحقوق وطاقات وحريات العمال والموظفين تقدم اليوم الراحة والسلام والحقوق للعاملين على أطباق من فضة وكأن منطق ديالكتيك "فيورباخ" أصبح يمشي للوراء!

السجون ومعتقلوها أصبحت خطرًا على سلامة السجان، فالشرطة تهرع لبسط الأمن والغذاء للرعايا، بورصات المال تنزف خسائر بلا توقف، ساحات الحرب بلا ذخيرة ومعونة وربما فقدت الهدف، تجار الأديان بلا بضاعة اليوم في سوق لا بيع فيه ولا شراء.

الأزمات عادة قاطرة التغيير، والمحن عادة أبواب الحلول غير التقليدية، وهذه المرحلة فرصة لإعادة النظر في النمط الاقتصادي العالمي، فالتغيير لا يأتي دائما بإرادة بشرية أو عن طريق مخططات حكومية أو بنيوية إنتاجية، التغيير قد يفرضه الواقع، وربما الألوية الحمراء قد تنشط لإبراز حلول واقعية، خصوصا مع تزايد وتيرة القلق لدى الناس، ما بين قلق من فقدان الوظيفة وتوقف الدخل والراتب، وقلق على الصحة والقدرة على الحصول على رعاية طبية من عدمها، وتفاقم القلق من مستقبل غامض لا يبدو له ملامح معروفة أو مألوفة، بدأ يتكشف لنا أن البحث عن الأمان والطمأنينة مطلبٌ أساسيٌّ بل وحق لكل إنسان. ويتضح رويداً رويداً أن هذا الأمان ليس شخصياً فقط، وإنما أمان مجتمعي، قد يتطلب بزوغ نظام عالمي جديد، تُرصَد فيه ميزانيات الدول للأمن الغذائي والصحي، ويعتبر فيه العلم والتنوير والتثقيف أولوية، ولا شك أن أمراً ما سيحدث، وتغير -أو تغيرات ما- سيقع.

ربما تعود الحياة قريباً إلى «طبيعتها»، ولكن هل نريد فعلاً أن تعود إلى سابق عهدها؟ أم أن البشرية - بعد كورونا - ستتجه إلى آفاقٍ جديدةٍ، وربما تستعيد إنسانيتها؟

 

الأستاذ/ محمد إبراهيم الزموري

باحث في الشئون القانونية والانسانية

 

علاء اللامينستكمل في هذا الجزء قراءتنا في مقالة بعنوان (المواجهة بين مهاتير محمد والمستثمر الذي كاد أن يقضي على الاقتصاد الماليزي):

 جورج سوروس" هو ملياردير أمريكي يهودي مضارب، تمكن في عام 1992 من كسر "بنك إنكلترا" وإجباره على فكِّ ربط الإسترليني بالمارك الألماني وربح سوروس في هذه العملية أكثر من مليار دولار. وكان حاضراً، حيث بدأ في فبراير/شباط 1997 أي قبل ما يقرب من 5 أشهر من اندلاع الأزمة المالية في دول آسيا بالهجوم على البات التايلاندي والرينجيت الماليزي والبيزو الفلبيني والروبية الإندونيسية.

تركز الهجوم في البداية على البات التايلاندي ولكن سرعان ما انتقل إلى عملات كل من الفلبين وإندونيسيا وكوريا الجنوبية وهونج كونج وماليزيا. وتم هندسة ذلك الهجوم بشكل جيد لدرجة أن السرعة والحدة التي هبطت بها عملات تلك الدول أذهلت الكثير من المراقبين.

* خلال الأشهر الثلاثة الممتدة بين يوليو/تموز وأكتوبر/تشرين الأول من عام 1997، خسر البات التايلاندي 40% من قيمته، بينما تراجعت الروبية الإندونيسية بنسبة 40%، في حين تراجع كل من البيزو الفلبيني والرينجيت الماليزي بنسبة 27%. أما الوون الكوري الجنوبي فقد خسر 35% من قيمته تقريباً.

* قام "سوروس" من خلال صندوقه "كوانتم فاند" بالمراهنة ضد البات التايلاندي بحوالي مليار دولار، وذلك من خلال بيع العملة التايلاندية المربوطة بالدولار الأمريكي في ذلك الوقت على المكشوف، مراهناً عن أن البنك المركزي سيضطر في النهاية إلى تعويم البات لتلامس قيمته الأرض.

* لمقاومة هجمات المضاربين الرامية إلى خفض قيمة العملة قام المركزي التايلاندي بإنفاق جزء كبير من حيازاته الدولارية على شراء البات في سوق الصرف الأجنبي، كما قام برفع أسعار الفائدة وحظر تداول الأجانب على البات خلال الأشهر القليلة الأولى.

* انخفضت احتياطيات البنك من 37.2 مليار دولار في ديسمبر/كانون الأول 1996 إلى 30.9 مليار دولار في يونيو/حزيران 1997، كان من ضمنها 23.4 مليار دولار تخص التزامات قصيرة الأجل. كما ارتفعت الديون الخارجية للبلاد إلى 100 مليار دولار.

* تمكنت هذه الإجراءات فعلاً من دعم البات، وهو ما كبد "سوروس" وغيره من المضاربين خسائر معتبرة، إلا أن هذا الدعم سرعان ما انهار، حيث عاد المضاربون للهجوم على العملة بعد ما تأكدوا من أن المركزي التايلاندي استنفد كل قوته ولم يعد يمتلك أي شيء يمكن من خلاله الدفاع به عن العملة.

* بحلول أغسطس/آب 1997، استنفد المركزي التايلاندي كل الأموال والأدوات التي يمكنه من خلالها صد ضربات المضاربين، ليضطر البنك في النهاية إلى تعويم البات.

* كيف واجهت ماليزيا هذه الأزمة: نور محمد يعقوب، هذا هو اسم الرجل الذي صمم بدقة مجموعة من السياسات غير التقليدية التي انتهجتها ماليزيا لإدارة الأزمة ومواجهة هجوم المضاربين بالعملات بقيادة سوروس. كان يعقوب يشغل منصب مدير مكتب تداول العملات الأجنبية في البنك المركزي الماليزي. وتمت إقالته بعد تسببه في خسارة البنك الأموال الكثيرة عندما راهن على أن بنك إنجلترا لن يسمح بتعويم الإسترليني خلال الأزمة التي تعرض لها في أغسطس/آب 1992، على خلفية هجوم شنه مجموعة من المضاربين بقيادة سوروس. فما هي تفاصيل خطة نور يعقوب الذي استدعاه مهاتير محمد وعهد إليه بمهمة مقاومة هجوم المضارب سوروس وكيف نجحت في حماية الاقتصاد الماليزي من تعويم العملة والإفلاس ودون ان تلجأ هذه الدولة إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي أو غيره كما فعلت الدول الأخرى؟

مع بداية الأزمة المالية التي يقف وراءها المضاربون بقيادة الملياردير الأميركي سوروس، قام مهاتير محمد باستدعاء نور يعقوب من التقاعد، واجتمع معه في مكتبه، وطلب منه أن يشرح له الأزمة. أعجب مهاتير بالشرح والتفسير الواضح للأزمة من جانب يعقوب، وطلب منه أن يبدأ على الفور في العمل على تصميم حل للأزمة. يشير الكثير من الخبراء إلى أن السياسات المالية التي صممها "يعقوب" كانت غير عادية من حيث درجة الدقة ومستوى التعقيد، وبموجبها:

* أخضعت السلطات الماليزية كل بند من بنود ميزان المدفوعات لتحليل وفحص دقيقين، من أجل التوصل إلى أفضل الطرق لمنع التدفقات النقدية قصيرة الأجل من الخروج والقضاء على أنشطة المضاربة على "الرينجيت" العملة الماليزية.

* وبعملية أشبه بالعمليات الجراحية الدقيقة تمكنت ماليزيا من توجيه الضوابط الصارمة المفروضة على التدفقات النقدية ناحية رؤوس الأموال قصيرة الأجل، دون أن تمس رؤوس الأموال طويلة الأجل أو الاستثمار الأجنبي المباشر التي كان الاقتصاد يعتمد عليها. كانت السياسة غير التقليدية وربما الأكثر شذوذاً هي تلك التي فرضتها ماليزيا على التدفقات النقدية الخارجة.

* حيث طلبت ماليزيا من غير المقيمين الانتظار لمدة عام كامل قبل أن يقوموا بتحويل أرباحهم في سوق الأسهم الماليزي. أي أن الأجانب الذين باعوا حيازاتهم في سوق الأسهم الماليزي لم يتمكنوا من الحصول على أموالهم قبل عام.

في فبراير/شباط 1999، استبدل المركزي الماليزي هذا النظام من خلال مقياس الضرائب المتصاعدة على مكاسب رأس المال الخارجة، والتي تراوحت قيمتها من 10 إلى 30%.

* أما السياسة الأكثر دهاءً فقد كانت تلك الخاصة بالقضاء على سوق تداول الرينجيت بالخارج، والذي كان ينظر إليه على أنه مصدر لأموال المضاربة والسبب في الضغوط على أسعار الفائدة المحلية. لبلوغ تلك الغاية، طلبت الحكومة الماليزية إعادة جميع الرينجيت المتداول في الخارج إلى الوطن في غضون شهر واحد، وأكدت على أنه بعد انقضاء ذلك الشهر سيتم اعتبار الموجود من الرينجيت في ماليزيا دون غيرها كعملة قانونية، أي أن تلك الأموال التي ستبقى خارج ماليزيا ستصبح بلا قيمة.

* تم منع الماليزيين أنفسهم من الاستثمار في الخارج دون الحصول على موافقة مسبقة من البنك المركزي، كما تم حظر إقراض الأجانب من جانب الماليزيين. وبتلك الإجراءات البسيطة، نجحت ماليزيا في القضاء على السوق الخارجي للرينجيت.

عن هذه السياسة يقول نور يعقوب: من الأسهل علينا منع من لديه رينجيت من إقراض المضاربين، وليس منع المضاربين من الاقتراض.

من بين التدابير التي اتخذتها ماليزيا أيضاً في سعيها لمحاصرة أنشطة المضاربة التي يقودها "سوروس" قيامها بتثبيت سعر الصرف عند 3.8 رينجيت لكل دولار أمريكي، وقامت بإغلاق "السجلّ المركزي للطلبيات المحدّدة" (CLOB) – وهو طريقة تداول تستخدمها معظم البورصات على مستوى العالم – والذي كان ينظر إليه على أنه يمثل ثغرة يتمكن من خلالها الأجانب من إخراج عائدات مبيعات أوراقهم المالية.

مستوى التعقيد والتطور الذي اتسمت به السياسات نجح في تجنيب ماليزيا - التي رفضت اللجوء كجيرانها إلى صندوق النقد الدولي - الأسوأ. ومع الوقت تحسنت قيمة الرينجيت الذي نجا من فخ التعويم، وهو ما انعكس على الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، والذي نما بنسبة 5.8 في عام 1999 وبنسبة 8.5% في عام 2000، عقب انكماشه بنسبة 7.4% في عام 1998.

* في التاسع والعشرين من سبتمبر/أيلول، أي بعد أيام قليلة من عودته من هونج كونج، أجرت صحيفة "فورتشن" الأمريكية مقابلة مع "مهاتير محمد" حول اتهاماته لسوروس، وجهت إليه المجلة خلالها الأسئلة التالية:

فورتشن: هناك تصريحات معادية للسامية في التقارير التي تنشرها الصحف الماليزية عن السيد "سوروس". ما الذي تنوي فعله حيال ذلك؟

مهاتير: لا، لسنا معادين للسامية، لأن العرب - كما تعرفون - هم أيضاً من الشعوب السامية. لطالما عاملنا اليهود الأمريكيين دون أي تمييز على الإطلاق. ولكن عندما يقوم شخص يهودي بمثل ما قام به سوروس فإن التأثير هو ذاته عندما يقوم شخص مسلم بعمل إرهابي. على الفور يتم ربط المسلمين بالإرهاب، رغم أن عامة المسلمين لا يتصرفون كإرهابيين.

فورتشن: هل أنت قلق من أن نزاعك مع السيد سوروس سوف يتسبب في إحجام المستثمرين الأجانب عن المجيء إلى ماليزيا؟

مهاتير: ليس لدينا خيار آخر. لقد كبد سوروس ومن معه اقتصادنا مليارات الدولارات من الخسائر، وإذا كنا سنجلس مكاننا لا نفعل شيئاً خوفاً من أن يولي المستثمرون الأجانب وجوههم عنا، فسوف ندفع الثمن غالياً لاحقاً.

فورتشن: إذا كان السيد سوروس موجوداً هنا أمامك، ماذا ستقول له؟

مهاتير: سأقول له اذهب إلى مكان آخر.

 

علاء اللامي

 

مصطفى محمد غريبان حق الأمم في تقرير مصيرها أصبح الزاماً عالمياً، سياسياً وانسانياً واخلاقياً، على الرغم من الغل والحقد والتحايل العنصري الشوفيني ضده بحجج واهية لا يقبلها العقل الحضاري ولا المنطق الإنساني ولا جميع القوانين التي تقر بحق الانسان فيما يعتقد ويفكر ويعتنق بكل حرية او حق المجوعة في اختيار ما تؤمن به من عقائد وايديولوجيات واديان وقوميات...الخ

فالأرض أمنا الجميلة والعراق بضمنها تعتبر رحم الطبيعة بجميع موجوداتها من الواجب الحفاظ عليها، الحفاظ على موجوداتها المتمثلة

1 - اولاً بالإنسان وعلاقته الإنسانية

2 - الموجودات الاخرى النباتية والحيوانية وغيرها.

فعلينا احترامها وحبها وابعاد الحروب والدمار عنها، كل شيء فيها يدل على قيمة ومعنى الحياة، المياه، الأشجار، الجبال، الوديان، السهول، الحقول، الصحاري الحيوانات البرية والبحرية، الحشرات، وأخيراً الإنسان هذا المخلوق صاحب العقل الذي لديه القدرة على التغيير والبناء والتطور، هذا المخلوق من دون المخلوقات الأخرى يستخدم عقله وأحاسيسه وهو صانع التاريخ والتقدم والحضارة..

- كيف يمكن أن يعيش هذا المخلوق الذكي بدون الحرية والديمقراطية والخبز؟ بدون السلام والأمان وبعيداً عن الحروب والأسلحة الفتاكة، في ظل القوانين العادلة التي تخدمه وتحافظ على حقوقه الطبيعية، وبالضد من القهر والظلم والإرهاب والقتل والسجون والميليشيات المافيا والإعدامات لمجرد مطالبته بحرية الرأي والعقيدة والفكر

- كيف يمكن ان تستغل فئة قليلة انانية التفكير وعدائية لملايين من البشر بسبب الجشع والسرقة وحب السيطرة .

- كيف يمكن ان يسعر العداء ضد الشعوب والقوميات وبحجة اللون واللغة.

ان مشكلة الحرية وحقوق الانسان الذي سن في الإعلان العالمي للائحة حقوق الانسان هذه المشكلة التي أسسها الانسان المُستغِل نفسه وتعامل معها بشكل غريب وغير حقوقي، جابهت البشرية منذ التشكيلات الاجتماعية المستغِلة وبمجرد ظهور القهر والاستغلال نشأت فكرة الاستعباد والعنصرية بمختلف اشكالها وطرقها ومفاهيمها القهرية، لقد اشارت الديباجة للائحة الإعلان على ما يلي " لما كان الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم. ولما كان تناسي حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة." وأشارت المادة (1) "يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء."

واضحة هي الديباجة، وواضحة المادة (1) من لائحة حقوق الانسان وهناك وضوخ تام بأكثرية مواد اللائحة، إلا أن البعض ظل لا يؤمن بحقوق الانسان ولا بحق تقرير المصير للأمم والشعوب والقوميات وهذا ما حدث في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية باستثناء البعض من الأوقات القصيرة وبخاصة بعد ثورة ( 14 تموز 19585 ) ، كمثال لنضال الكرد والقوميات الأخرى وامتناع  الحكومات العراقية  بالاعتراف بهذه الحقوق بشكل كامل، تلك الحكومات التي تدعي تمثيلها للقومية العربية كذباً، الكرد ليس وحدهم عانوا من العقليات الشوفينية وحرمانهم من الحقوق المشروعة فهناك العديد من الشعوب والقوميات عانت الكثير من الاضطهاد وحرمان الحقوق ، هؤلاء البشر الذين يعيشون سوية في هذه المعمورة من المفروض ان يتمتعوا بكامل الحريات وحق تقرير المصير، وحقوق الانسان.

لقد كانت الخلافات ما بين الحكومات العراقية والكرد العراقيين ثم لاحقاً مع إقليم كردستان تاريخية تمتد الى ما قبل الحكم الذاتي الذي اقر بعد قتال شرس في عام (11 / اذار / 1970) فقد كان القتال يستعر تارة ويخف تارة أخرى حسب ظروف العلاقات وواقع المفاوضات بين الحركة الكردية وبين الحكومة المركزية في البداية متمثلة بالحزب الوطني الديمقراطي الكردستاني " البارتي " ثم الأحزاب الأخرى التي قامت بعد ذلك، ومجرد التوقيع على اتفاقية (11 / اذار/ 1970) حتى عادت الأنظار الى الخلافات بعد تنصل حكومة البعث الصدامي من تنفيذ البقية الباقية من الاتفاقية وعاد القتال المسلح مرة ثانية لكردستان العراق واستمر سنين طوال، وهذه المرة مع اكثرية  الأحزاب الكردية العراقية بما فيهم الحزب الشيوعي العراقي الذي حمل السلاح بعد عام 1979 على الرغم من الحرب العراقية الإيرانية وايقافها التي كلفت الشعب العراقي الكثير من المآسي والتضحيات وبمجرد وقوفها حتى قام النظام الدكتاتوري بحملة اضطهاد همجية مما أدى الى فقدان عشرات الآلاف ارواحهم وتهجير الآلاف منهم ولا نريد الاطالة في قضية الحقوق والتضحيات فهي معروفة وفضحت بشكل واسع من قبل الاعلام المقروء والمكتوب والمسموع والرؤيا، ولهذا نقول بعد سقوط النظام الدكتاتوري بالاحتلال الأمريكي البريطاني فقد كانت الحقب السابقة زاخرة بالتضحيات الجسام البشرية والمادية بما فيها استخدام الأسلحة الكيمياوية من قبل حكومة البعث بقيادة الدكتاتور صدام حسين، وبسقوط النظام الدكتاتوري تنفس الصعد ليس الكرد فحسب بل أكثرية الشعب العراقي باعتبار ظهور مرحلة جديدة من العلاقات وتفهم جيد لحقوق الشعب الكردي وباقي القوميات الأخرى، وخلال الحقبة الأولى تم سن الدستور وكانت المادة 140 واضحة وسارت الأمور بشكل طبيعي لإنهاء حقب سابقة مملوءة بالخلافات والقتال والبدء بمرحلة جديدة بأمل أن تنتهي فيها الخلافات وتتحقق فيها طموحات ليس الكرد والقوميات الأخرى فحسب بل الشعب العراقي بجميع مكوناته  ولتبدأ مرحلة البناء والتطور والحرية والديمقراطية والتخلص من الإرث القديم، الا ان ذلك تبخر مرة أخرى بسبب سياسة المحاصصة الطائفية ثم النهج العدائي الشوفيني الذي سلكه رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي ولم يبخل باي وسيلة لزيادة الشقة والخلاف والتنكر للاتفاقيات وتجميد المادة (140) من الدستور التي تنص على حل الإشكاليات حول كركوك والمناطق المشتركة المختلف حولها، لا بل أنهُ سعى الى تأجيج العداء لاي حل بين المكونات والتخلص من المحاصصة الطائفية ولم تقتصر رئاسة نوري المالكي على وضع العصي في عجلة الحلول الطبيعية بل تواصلت سياسة المشاكسة والتنكر للحقوق والاتفاقيات المتفق عليها في حقبة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي واستمرت بهذا الشكل في عهد عادل عبد المهدي الذي ساهم عهده في تعميق الازمات وعدم إيجاد حلول للمشاكل التي دمرت أكثرية الشعب العراقي مما أدى الى تواصل الاحتجاجات والمظاهرات حيث تكللت بانتفاضة تشرين التي ساهمت في استقالته من رئاسة الوزراء ثم اخيراً وليس اخراً تكليف السيد مصطفى الكاظمي بتشكيل الوزارة الجديدة ، ونجد ان السيد مصطفى الكاظمي يواجه عدة قضايا تحتاج الى حلول البعض منها على وجهة السرعة والأخرى وضع خططاً زمنية للمباشرة في ايجاد الحلول لها، ومن بين هذه المشاكل العلاقة مع الإقليم والتفاهم بخصوص العديد من القضايا وبخاصة الفساد والنفط ثم المادة (140) والمناطق المشتركة وقضية كركوك وقضايا أخرى وليس عن طريق  قطع رواتب حوالي مليون وربع عائلة في ظروف وباء " كورونا" وعلى ما يبدو انه  يدل على المضي في المشاكل بدلاً من إيجاد الحلول لها، واذا كانت قضايا النفط واللغط الدائر حولها وكيل الاتهامات بشكل لا مسؤول ومغرض احياناً فهي شماعة لا نعفي حكومة الإقليم من البعض من تصرفاتها الخاطئة، لكن نضع المسؤولية على عاتق الحكومة المركزية لأنها تستطيع إيجاد الحل العادل متعاونة مع حكومة الإقليم، اما قضية الخلاف حول النفط وغيره فكما أشار رئيس الجمهورية برهم صالح "ضرورة الاحتكام إلى الدستور، والالتزام الكامل بقانون الموازنة واستحقاقاتها والمصلحة الوطنية للوصول إلى تفاهمات مؤسساتية غير مرهونة بالاعتبارات السياسية، وتحفظ حقوق العراقيين كافة".

كما يجب على الحكومة الجديدة التفكير الجدي في قضية معاناة آلاف العاملين في القطاع الخاص البالغ عددهم وحسب الإحصائيات وما أكده رئيس الجمهورية برهم صالح حوالي  (8 مليون عامل هؤلاء ليسوا كرداً فقط) الى جانب الموظفين والالوف من العائلات التي لا تتقاضى اية مساعدة من حكومة الإقليم، وبدلاً من المضي في إيجاد الحلول الصحيحة  خلق مشكلة جديدة.

ان الحل الحضاري لقضية الخلافات مع الإقليم والقوميات المتآخية الأخرى هو الايمان بالحقوق المشروعة والتفاوض السلمي وخلق المناخ للثقة بعد ان تزعزعت جراء السياسة الخاطئة التي مارستها الحكومات المركزية السابقة والبعض من الممارسات التي قامت بها حكومة الإقليم، الثقة يجب ان تعود اقوى وأكثر عمقاً لان المخاطر المحدقة بالعراق سوف تضرب عميقاً في كل الكيانات والقوميات وفي الاستقلال الوطني وعند ذلك ستكون الكارثة بما فيها التدخل الخارجي في شؤون البلاد تصيب الحكومة المركزية ومعها حكومة الإقليم اي بالمعنى الواضح جميع مكونات الشعب العراقي.

 

مصطفى محمد غريب

 

 

محمود محمد علي"ما بين غمضة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلي حال" .. مقوله تنطبق الآن علي فيروس كورونا الذي وجد العالم نفسه فجأة منشغلا بموضوع فيروس كورونا، وسخرت الدول وزعماؤها وحكوماتها عظيم اهتماماتهم وكامل إمكاناتهم لمجابهة هذا الفيروس اللعين؛ حيث تخوض جميع دول العالم اليوم حرباً شرسة ضد فيروس كورونا المستجد حتي ذهب البعض إلي القول إلي أنها الحرب العالمية الثالثة لكن بدون أسلحة نارية لا سيما أن الخسائر البشرية والاقتصادية فيها لا تقل عن الخسائر التي وقعت في الحرب العالمية الأولي والثانية، ففي ظل تركيز القوي الكبرى علي مكافحة الوباء تثور تساؤلات حول مدي تأثر أبرز النزعات في العالم ولا سيما في الشرق الأوسط من سوريا وليبيا إلي اليمن وافغانستان، وبهذا الأمر إذ يرجح المراقبون أن هذه الصراعات ستشهد مزيدا من التصعيد الذي تضطلع به الجماعات المتطرفة تحديدا في هذه  المناطق في شن هجمات إرهابية مستغلة انشغال العالم عن متابعتها في محاربة الفيروس الذي بات يهدد البشرية بأكملها.

ومع انشغال أغلب جيوش المنطقة في مكافحة تفشي الفيروس في بلادها أشارت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية إلي أن الحرب في سوريا قد تراجعت حدتها بعد تفشي الفيروس وظهور عشرات الحالات في تركيا، مضيفة أنه سيتعين علي الجيش التركي الذي يقود صراعاً عسكرياً ضد نظام قوات الأسد في محافظتي حلب وإدلب، المشاركة في مكافحة الفيروس في الداخل بما قد يخفف من حدة الصراع، حتي إيران التي دأبت علي استعراض قوتها من خلال مقاطع فيديو دعائية من خلال صواريخ جديدة أو معدات عسكرية أو مناورات جديدة كل شهر تقريباً باتت  الأن منشغلة في مكافحة الفيروس الذي تفشي بشكل كبير في مختلف مدنها وتطلب مشاركة الجيش في مكافحته .. أما في ليبيا فقد اعلن المشير خليفة حفتر عن ترحيبه بهدنة إنسانية مع حكومة الوفاق الليبية للتفرغ من مواجهة تفشي الفيروس، وبذلك يكون فيروس كورونا قد أجبر طرفي النزاع علي  إلقاء السلاح  ومواجهته وتحقيق ما قد فشلت فيه سبع أمم  دولية ومحلية .

وإزاء هذا الوضع الجديد وتحول البوصلة من الاهتمام بالقضايا الساخنة كالإرهاب والخطر الإيراني وتغير المناخ، أصبح محاربة فيروس كورونا أولويات قصوي، إذ دعا  الأمين العام للأمم المتحدة " أنطونيو  غوتيريش" إلي وقف فوري لإطلاق النار في  جميع أنحاء العالم بهدف حماية من يواجهون خطر التعرض لخسائر مدمرة بسبب الفيروس وهو  المر الذي لقي ترحيبا من مدير عام منظمة  الصحة العالمية " تيدروس أدهانوم"  أيضاً إلي توحيد العالم في مواجهة عدو واحد  مشترك وهو الكورونا  ...

كورونا الآن يكاد يدق طبول الحرب العالمية الثالثة، فمنذ مطلع العام الجاري أعلنت دول العالم الحرب، ولكن هذه المرة كانت علي الفيروس التاجي، حرب حشدت لها العالم  كل ما يملك من موارد حتي لجأ في النهاية للجيوش، ليصبح  كورونا عدو  البشرية الجديد الذي تحاول هزيمته، فالصين مثلا في بداية انتشار الفيروس أرسلت أكثر من 10  ألاف جندي إلي مقاطعة هووبي، وكرست خطوط إمداد الجيش لمواجهة تفشي الفيروس، وفي الولايات المتحدة الأمريكية فقد فعل الرئيس ترامب قانون الإنتاج ادلفاعي، وأمر باستدعاء قوات الاحتياط والمؤهلين للخدمة بالجيش، وفي النمسا تم  استدعاء 3 ألاف فرد من وحدات الاحتياط بالجيش، وهي تمثل خطوة كانت الأولي في تاريخ  البلاد الحديث لمواجهة الفيروس وتعقيم الماكن الحيوية، وفي فرنسا أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن عملية عسكرية لمساعدة نظام الرعاية الصحية وسحبت باريس قواتها من العراق  للمساعدة، وفي الأردن أعلنت الملك عبد الله في 17 مارس عن نشر قوات الجيش علي مداخل ومخارج  البلاد وفعلت  قانون " الدفاع " الذي يتيح للحكومة فرض حظر التجوال، وفي إيطاليا كان للجيش في إيطاليا مهمة مختلفة تمثلت فينقل جثث ضحايا كورونا .

سبحان الله من يصدق أن العالم الآن الذي أصبح قرية صغيرة مُحتفلًا بالعولمة ونجاحها في ربط الجميع وثقافاتهم وأخبارهم عبر الإنترنت أعجزه فيروس كورونا... سبحان الله من يصدق أن الولايات المتحدة الأمريكية التي تبنت الحروب بالوكالة في العالم تسببت في ثورات الربيع العربي وإنهيار الكثير من القيم في مجتمعاتنا العربية، كما أنها الفاعل الرئيسي في الترويج للشائعات والأكاذيب التي من شأنها هدّم دول وأنظمة سياسية أعجزها فيروس كورونا... سبحان الله من يصدق أن العالم يسيطر عليه الهلّع والفزع بسبب كرونا الذي ضرب الروح المعنوية والحرب النفسية لدول مثل إيطاليا وأسبانيا وألمانيا وفرنسا.. الخ... سبحان الله كورونا المستجد لم يفرق  بين إنسان وغيره، لم يفرق بين مؤمن وملحد، بين إبراهيمى ووثني، ضرب الجميع وتمكن من كل الخلق، ولم يقف عند حدود معبد بوذى أو كنيس يهودى أو دير مسيحى أو مسجد إسلامى، الجميع أصابهم المرض ولم يخطئهم.. سبحان الله من يصدق أن  كورونا أشرس من الحروب والمعارك على أرض الواقع ضاربًا الجميع دون تفرقة بين عرقّ أو لون أو ديانة بين مُصاب وضحية وافتها المنية إما لأسباب ضعف الجهاز المناعي أو الإصابة بأمراض مُزمنة لا يُمكن لصاحبها احتماله معها وذلك كما قالت شيريهان المنيرى الإعلام في زمن "كورونا"..  سبحان الله من يصدق أن فيروس كورونا المستجد لا توجد علاجات جديدة له حتي الآن وأن الحديث عن التوصل لعلاج له ما هو إلا اجتهادات من شركات الأدوية، التي قطعا تبحث عن جنى مكاسب مادية وتسويقية، بل سياسية، فالشركة التي ستنجح في تصنيع الدواء ستعطى قوة هائلة للدولة التي تنتمى لها، سواء كانت فرنسا أو ألمانيا أو أمريكا أو أي دولة في العالم، إلا أن ما يثار الآن عن العلاج ببعض أدوية الملاريا أو الأنفلونزا ما هو إلا اجتهادات، لا يمكن تعميمها أو تطبيقها بشكل قاطع في كل الحالات، فالأدوية الآمنة تحتاج إلى فترات اختبار ومتابعة وذلك كما قال محمد أحمد طنطاوي علاج كورونا وخطورة الحديث عنه.

ومثلما فعل فيروس كورونا المستجد في أغلب مجالات الحياة، خلق فيروس كورونا حالة من الشتات في عالم كرة القدم، أصابت الساحرة المستديرة المتسعة لكل أنواع المتعة والسعادة، قبل أن تتحول إلى نفق ضيق يسعى الجميع إلى الخروج منه بأقل الخسائر على كل الأصعدة... وضع كرة القدم في العالم بات متأرجحا بين الرغبة القوية في استعادة النشاط باعتباره مصدر رزق ونوعا من أنواع الاقتصاد وأحد أهم مصادر الدخل القومى لكثير من البلدان، وبين الرعب والخوف من أن يصل كورونا إلى أي فرد في المنظومة في ظل عدم السيطرة على الفيروس في أغلب دول العالم.. وذلك كما قال كمال محمود في مقاله كورونا وشتات كرة القدم!

إن كورونا فيروس ليس له علاج حتى الآن، وهذا لا يعود لتخلف العلم أو تراجع مستويات البحث، بل أساسه أن العالم يبحث فى اتجاه العلاج الآمن المختبر المجرب الفعال، فلا يمكن أن يتم تقديم علاج لا نعرف نتائجه أو أعراضه الجانبية وتأثيره على الصحة العامة وعلاقته بالأمراض المزمنة المختلفة، وهذا ما يجعل اختبار علاج أو دواء لفيروس كورونا أمر معقد ويحتاج إلى تجربة وبحث وذلك كما قال محمد أحمد طنطاوي علاج كورونا وخطورة الحديث عنه.

لقد أصاب الفيروس منطقتنا العربية، لكن بدل من أن نواجهه بالعلم، واجهناه بأفكار الماضى، وظل البعض يعيش أساطير الأولين ويتباهى بحماية الله له دون غيره من البشر، ودون أن يعطى هو نفسه سببًا لذلك التفريق الإلهى، ويتمسك بأفكار عصور الخرافات والأساطير، ويرفض العلم.

واضح أن حالة الفزع التى يسببها انتشار فيروس كورونا، فى العالم، ليس خوفا ورعبا من الموت فقط، وإنما لاح فى الأفق الرعب من شبح الإفلاس، فبجانب اكتظاظ المستشفيات بالمشتبه بهم المصابين بالفيروس فى مختلف الدول، فإن هناك حالة رعب تسيطر على الأغنياء من أصحاب الأعمال والمصانع والشركات والتجار الكبار، من إغلاق عدد كبير من مصانعهم وتوقف استثماراته فى مختلف دول العالم، بجانب توقف حركة السفر والطيران، مما عرض على سبيل المثال أصحاب الشركات التكنولوجية لخسائر فادحة.

نعم، تمر كل دول الوطن العربي بضائقة حالية لم تصل حتي الآن بفضل الله لحد الأزمة التي نالت من دولاً كثيرة تمتلك من الإمكانات ما لا نملكه.. ولكن : لم تنساقون خلف الشائعات التي لا أول لها من آخر، والتي جاءت لمنتظريها علي طبق من فضة يطلقونها كيفما شاءوا لإثارة الرعب والهلع وافتعال الأزمات التي لم يحن وقتها بعد؟... لم تثقلون كاهل الدولة بأعباء غير مطلوبة بالوقت الحالي، كنقص السلع وارتفاع الأسعار، فضلاً عن إمكانية انتشار العدوي نتيجة الاختلاط والتزاحم علي متاجر السلع، لتفسدون بأيديكم ما تبذله من مجهودات كبيرة تشترك بها كافة الأجهزة علي رأسها الجيش... هل نتعظ من اعترافات المواطنين بدولة كإيطاليا بأنهم من تسببوا بتفشي الوباء بأيديهم نتيجة استهتارهم وعدم التزامهم بالتعليمات الوقائية في بداية الأمر، حتي وصل بهم الحال إلي العزل بالمنازل وحظر التجوال التام، ما لا نتحمله نحن بمصر حفظها الله !.. بني وطني: رفقًاً بأنفسكم .. فلا نعلم ما تحمله الأيام القادمة من أحداث، يتحتم علينا جميعاً التصدي لها بتعقل وحكمة كي لا نفقد قدرتنا علي تحمل ما هو أصعب، ونتحسب جيداً للقادم مادياً ومعنويا وصحياً إلي أن يرفع الله بفضله عنا البلاء ويكشف عنا الهم والكرب. وذلك كما قال دينا شرف الدين في مقاله بعنوان هل نعشق افتراض البلاء؟... وللحديث عن كورونا بقية في قادم الأيام..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

ابراهيم القادري بوتشيشلا تزال مخلفات جائحة كورونا تكشف عن عورات العولمة ونظامها الرأسمالي المتوحش الذي يجعل من الاقتصاد التبادلي والربح الفاحش هدفه الأول، في الوقت الذي يضع الإنسان في مرتبة أدنى. ومن النماذج التي آثرنا طرحها في هذا السياق نموذج الاتحاد الأوروبي الذي أبانت أزمة كورونا هشاشة معاهداته، وهي المعاهدات التي جعلت من السلع التبادلية والاقتصاد الربحي هدفها الأول قبل الإنسان، وكشفت أنه كيان اقتصادي يسدي خدماته في مجال مرور الأشخاص، دون الاهتمام بهم ككائن بشري يحتاج إلى التآزر والتعاون والتعاضد، خاصة في فترات الأزمات والمحن. وقد انتقد المثقفون الأوروبيون ومن بينهم إدغارد موران في إحدى مقابلاته الحوارية مؤخرا، التصدع الذي عرفه الغرب، وضمنه الاتحاد الأوروبي بسبب غياب التضامن. ولعلّ ما يعكس هذه الصورة التنازلية للاتحاد، ما أقدم عليه بعض الإيطاليين من إنزال علم الاتحاد الأوروبي، واستبداله بالراية الصينية، وما يجسّده ردّ الفعل هذا من دلالات تعكس تذمر الرأي العام الأوروبي، والسخط والتبرّم من طريقة تدبير الاتحاد الأوروبي لأزمة كورونا.

وتعكس التصريحات الصحفية الرسمية، الهزّة التي ضربت هذا التكتل الإقليمي الأوروبي. ومن نسيجها نستخلص مؤشرين هامين حول الخلل الذي دبّ في كيان الاتحاد الأوروبي من جراء وباء كورونا:

1- الموت الإكلينيكي للاتحاد الأوروبي (ولو مؤقتا)، وهو ما يعكسه تصريح رئيس وزراء الحكومة الإيطالية جوسيبي كونتي الذي أكد فيه أن الاتحاد الأوروبي على حافة الانهيار بسبب انعدام خطة موحدة لمقاومة جائحة كورونا. بل إن رئيس وزراء إيطاليا السابق إنريكو ليتا ذهب إلى حدّ وصف الاتحاد الأوروبي بأنه يواجه (خطرا مميتا)، بسبب تداعيات هذا الوباء وضعف المواجهة.

2- الافتقار إلى التضامن والروح الجماعية بين الدول الأعضاء في الاتحاد، حتى أن ألمانيا وفرنسا فرضتا قيودا على تصدير الملابس الطبية الواقية، وعارضت هولندا وألمانيا تقديم سندات كورونا المالية لإيطاليا. بل وصل الأمر إلى حدّ القرصنة، وسطو دولة من الاتحاد على دولة أخرى، والاستيلاء على المعدات الطبية الموجهة إليها من الصين في وضح النهار تحت مبرر التصدي للتهريب،  مما يطرح أكثر من سؤال حول هيبة كيان إقليمي كان يعد بالأمس القريب نموذجا  للاحتذاء. كما يتجلى انعدام التضامن من خلال التحذير الذي أطلقه جاك ديلورز رئيس المفوضية الأوروبية السابق من أن عدم التضامن بين أعضائه يشكل خطرا قاتلا على الاتحاد الأوروبي، وصبّ جام غضبه على الولايات المتحدة التي أدارت ظهرها للاتحاد في عزّ الأزمة الوبائية، وانتقد التوجهات الشوفينية لبلدانه بسبب الانكفاء على الذات، وترك كل دولة تنزع شوكها بيدها، بدل التعاون والتضامن بين أعضاء الاتحاد.

صحيح أن بعض التصريحات الإيطالية تحمل خطابا يقف عند سقف العتاب، بهدف الضغط على باقي دول الاتحاد لتنفيذ التزاماتها، وهو ما يفسر اعتذار المسؤولة الأوروبية فون دير لاين للإيطاليين على التلكؤ الذي وقع في مساعدتهم إبان بداية تفشي الوباء، ووعدهم ببعض القروض، (كما ورد في صحيفة "لا ريبوبليكا). كما ان اجتماعات المسؤولين في الاتحاد الأوروبي خلال المدة الأخيرة حاولت إصلاح الأعطاب التي حدثت، لكن  ذلك لا يخفي تذمر مكوّنات دول الاتحاد الأوروبي، وسخط الرأي العام الذي وصل إلى حد إلقاء أحد المواطنين براية الاتحاد في سلة المهملات.

ومهما كان تجني هذه الانتقادات على الاتحاد الأوروبي الذي لا يملك في الواقع سوى سلطات محدودة في التنسيق لمواجهة هذه الأوبئة،  فإن جائحة كورونا كشفت هشاشة قانون معاهدة الاتحاد الأوروبي وأنه في حاجة إلى مراجعة لتحديد المسؤوليات.

إن الثغرة الكبيرة في معاهدات الاتحاد الأوروبي التي وقعت سواء في معاهدة بروكسيل أو ماستريخت أو إعلان كوبنهاجن، أو لشبونة تتجسد في إغفالها الالتزام الإنساني بين دول الاتحاد. صحيح أن البند 222 من اتفاقية بروكسيل ينص على أن الدول الأوروبية تقدم مساعدات للدول الأعضاء المنكوبة بسبب الكوارث، ولكنه لا يشير بدقة  إلى نوعية المساعدات التي تقدم في كوارث لها خصوصيتها مثل فيروس كورونا المدمّر من جهة، وتكون ضحاياه كل الدول الأعضاء، وليس دولة واحدة يسهل تقديم الإعانات لها. فهذا البند لا يحدّد من يقدم المساعدة لمن؟ وكيف؟ وما هو حجم المساعدة عندما تصبح كل الدول الأعضاء فريسة الكارثة ؟؟ وهذا ما يقوي الاحتمال بأن اتفاقية بروكسيل التي تمّ  بمقتضاها تأسيس الاتحاد، ستعرف تعديلات كبيرة في بنود قوانينها بما  بما يوفّر المزيد من الوضوح، خاصة من ناحية رسم الخط الفاصل بين سلطات الاتحاد وسلطات الدول الأعضاء، ومنح المزيد من السلطات للاتحاد الأوروبي لتعزيز صلاحياته في المجال الصحي ومواجهة أخطار الأوبئة وكافة أشكال الكوارث، حتى ولو أصابت كل البلدان الأعضاء فيه، مما يجعله يتماشى مع متطلبات شعوب الاتحاد ، وإلا فسيكون معرضا للتفكك، واختراق روح الدولة القومية لنسيجه كنظام اتحادي.

وهذا ما تؤكده بعض الخيوط الأولية التي تمخضت عن غياب روح التعاون والجانب الإنساني في موقف الاتحاد الأوروبي. فالنزعة القومية التي ما فتئت تتصاعد منذ سنة 2008 بسبب الأزمة المالية العالمية آنذاك، وارتفاع منسوبها بعد تدفق اللاجئين مؤخرا، أعطى نفسا جديدا  للأحزاب القومية اليمينية المتطرفة،  خاصة بعد وصول بعضها إلى سدة الحكم. غير أن أزمة الاتحاد تفاقمت بشكل كبير خلال أزمة كورونا، فارتفعت الأصوات لغلق الحدود، وغدت كل دولة تسلك سلوكا أحاديا، حتى صار شعار "نحن أولا" شعارا لا يعلى عليه. بل بدأت بعض دول الاتحاد تنتقد في العلن. فهذا "ماتيو سالفيني"- أحد أيقونات المتطرفين اليمينيين يستنزل اللعنات على الدول الأعضاء في الاتحاد، وهذا الرئيس الصربي يقبّل علم الصين نكاية في الاتحاد الأوروبي، واعترافا بما قدمته الصين لبلاده من أيادي بيضاء. ممّا يشي بأن الاتحاد الأوروبي يعيش اليوم امتحانا صعبا، يتطلب تأقلما جديدا مع الوضع الجديد ومراجعة شاملة لاتفاقياته وقوانين معاهداته، ويشي بأن مشهده في زمن ما قبل كورونا لن يكون نفس مشهد ما بعد كورونا على الأقل في الجوانب القانونية التي تستلزم التوضيح والتعديل.

 

أ. د. إبراهيم القادري بوتشيش

جامعة مولاي إسماعيل بمكناس- المغرب

 

محمد سعيد محفوظ انتهج العالم دروبًا حيال مواجهة جائحة كورونا هى إلى الخيال أقرب؛ كما كورونا تمامًا فى ظهوره وسرعة انتشاره ونوعية مُصابه الأليم، وكذا الدول التى تجرعت كأس كورونا، تلك الكأس التى احتساها الشريف قبل الوضيع، الثمين قبل الغث، ولن أذهب بعيدًا إذا وسمت هذا الجاثم على صدورنا بوَسْم: كورونا .. حرب القرن. بله يمكن القول بقليل من التسامح:أفتك من كورونا!!!

ومن نوادر ما حدث تحت وطأة إكراهات كورونا نتلو ما تيسَّر منها:

حرية الكلمة:- لقد سارع العالم جميعه –أو كاد-بأن أطلق سراح أكثرية معتقليه، لا سيَّما معتقلى الرأى، ومنها مصرنا الحبيبة؛ بل والأنكى من ذلك أن تستجيب دولٌ مثل إيران والصين ويكون هذا على مرأى ومسمع من العالم كله.

رحمة كورونا:- ومن ذلك أيضا تسامح العالم، لا سيَّما ألمانيا مع المهاجرين؛ حيث جعلت طلبات اللجوء تقتصر على الأطار الكتابى، وكان قبلاً يمر بمراحل أقسى وأشد تعقيدًا.

أنقذنى رغم أنفى:- مُناشدة رئيس أكبر دولة –الولايات المتحدة الأمريكيَّة- فى العالم، الصين بُغية مساعدتها إزاء تابوت كورونا، على الرغم ممَّا بينهما من احتراب واقتتال، بل وتبادل اتهامات تُحمِّل تَبِعة ذلك إحداهما الأخرى.

وذات الشىء بالنسبة لروسيا، التى ارتأت مُناصرة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه ذات الخطر المُحدق.

التكافل الاجتماعى – تلك الفريضة الغائبة-بين دول العالم؛ تمثَّل ذلك فى إسقاط ديون الدول المتعثرة، وذات الأمر بين جُموع شعوب الدول الأكثر فقرًا، والدول الفقيرة؛ حين أقدمت حكوماتها على التنازل عن مُستحقَّاتها لديهم.

وما فعلته أمريكا حين غضَّت الطَّرف عن وصول شاحنات ومساعدات بكافة أنواعها إلى إيران المنكوبة .

هذا هو:- تخلَّت الدول الكبرى عن الأنانية العلميَّة وتركت سِياج التَّكتم الذى اكتنف منهجها العلمى لئلا تقتبس منه الدول الأخرى ومن ثمَّ تلحق بركابها، وغدا العالم بأسره معملاً علميًّا وحقل تجارب، ويُعلن كل ملأ ما توصل إليه الآخر فى تكامل علمى فريد.

كورونا المسلم!!! سمح الغرب الأوروبى وكذا الأمريكى بأن يُدوِّى الأذان ويملأ جنبات البلاد طُولاً وعرضًا، بل وتُتيح إحدى الكنائس للمسلمين اعتلاء سطح الكنيسة ليعلو نداء: الله أكبر، وفى ذلك إشارة ضمنية بالإقرار بالآخر، المسلم بعدما كان مُتلبسًا بلباس الجحود والإنكار.

الوطن للجميع:- فريضة التسامح التى سادت دول الخليج حيال المقيمين بها، والتساهل معهم فى أمر الإقامة وتجديدها إلى نهاية العام دون أية غضاضة أو ملامة عليهم فى ذلك.

لن أضربك:- انحسار موجة العنف فى الطُرقات والشوارع العامة؛ لشىء هيِّن يسير، هو الحظر الجزئى، والكُلِّى فى بعض البلاد، والمناطق؛ ليس هذا فحسب؛ بل خشية أن يكون أحد المتعاركين مُصابًا ب :كورونا القاتل فتتناقل العدوى؛ فيخسر الظَّالم أكثر من المظلوم.

فرمان كورونا..الكل ناجح:-كورونا لم يرسب أحد:أعلنها السيد الأستاذ الدكتور/ وزير التربية والتعليم فى مصرنا الحبيبة، وقالها صراحًا؛ دونما مواربة ولا مُمالأة: لم ولن يرسب أحد، فى سابقة هى الأولى من نوعها.

فى بيتنا كورونا:- داهم كورونا العالم؛ فانشغل كُلٌّ ب:كورونته، ولم يعد يُبيح لنفسه أن تكون رقيبةً على الآخر؛ تُحصى عليه سكناته وحركاته.

كورونا الشيطان الهادىء:-الهدوء المُصاحب ل:كورونا، هدوء لا ينازعه شىءٌ؛ فلا صخب ولا لجب يتدافع يترى إثر مراسم زواج أو مناسبات تضجُّ بها المضاجع، ولا حافلات ولا حتى توك توك، طيلة بعض يومٍ فى دول وربما اليوم كُله فى دول أخرى، ممَّا يمنح النفس بعضً من الوقت تجنح فيه إلى بعض أمورها، تعيد حسابها شطر هذه الأمور: محوًا أوتأكيدًا أوإعادة نظر.

لن أقتلك:-توقفت المعارك والمناوشات –أو كادت-بين المناوئين، فى المناطق المُستعرة المُستحرة؛ لمسنا ذلك فى المنطقة العربية مثال : اليمن وسوريا، كما يتم على استحياء فى ليبيا، وعلَّة ذلك تتأكد فى أنَّ كورونا قد تكفل ذلك وتولى هو بنفسه هذا الأمر.

لا ...كورونا قاتلى:- أن تقابل رفيقك فى الطرق والساحات، ولا تضجر، ولا تأسى على تجاهله إياه لك؛ ولسان الحال يقول : لا ...كورونا قاتلى، لا بل سأذهب لأبعد من ذلك حين أذهب إلى القول بأَنك تتمنى-وبحقِّ- ألاَّ يُعانقك، فضلاً عن المُصافحة، ولقد سمعنا عن أمِّ -أبدًا -لم تعانق وليدها إلا بعد عشرة أيامٍ كاملة؛ حدبًا وحنوًا عليه وعليها.

كورونا..الذئب يرعى الغنم :- أتت قرارات الدول –خاصة الدول ذات أحادية الحكم –ذات الحكم الشمولى- فى أكثريتها –ولم أكن ألبتة مُخطئًا إذا حسمت القول : بجميعها-تركن إلى مصلحة المواطن، وإنْ جشَّمت صانعى القرار كبير عناء ماديًّا ومعنويًّا، وبالتالى تلقفها قاطنو هذه الدول بشىءٍ من الارتياح، حتى لو أثقلت كاهلهم المعيشى؛ فقد وعى الجميع فداحة وجسامة الموقف ف: كُلنا كورونا.

وفى الختام:-فالبادى على تلك الظواهر التى تمَّ سردها بشىءٍ من الإيجاز :غرابتها وغموضها؛ ربما مرجع ذلك مأتىٌّ من الارتباك الحادث جرَّاء تلك الجائحة النَّائحة؛ ربما أيضًا من تنامى من قُضُوا بشكل متواليَّة هندسيَّة؛ أضف إلى ذلك كُلِّه عجز العالم كُلِّه قُبالة كورونا القاهر: علميًّا وصحيًّا، لاسيَّما أُناس كُنَّا نعدُّهم من الأخيار طبِّيًّا؛ بل إنَّ الجميع مَنْ ارتاد هذا الكوكب الأرضىِّ:ينتظر كورونا، وقد أتى يحِثُّ الخُطى إليه ويخفُّ الرّكب، حامدًا الله تعالى، شاكرًا أنعمه؛ إنْ هو توانى فى ذلك، راجيًّا أنْ يضلَّ السَّعى إليه، وذاك مغزى ما ألمح إليه رئيس وزراء بريطانيا: ودِّعوا أحبَّاءكم، وقد تجرَّع بعضًا منه؛ حيث أضحى رهين الحجر الصحى.

هذا جميعُه جعل العالم لا يلوى على شىءٍ، جعله يتحرك على غير هدىٍ وهُدىً؛ لعلَّه يبلغ ما يُمنِّى به النفس؛ فهذا التحرك اللاواعى-الذى يدخل تحت مُسمًّى: الصُّدفة-هو الذى أتاح للعقل البشرى أنْ تتفتفق عنه اختراعات جمَّة، مثل قوانين الجاذبية، والطفو ...إلخ.

 

بقلم د/ محمد سعيد محفوظ عبد الله

 

ابراهيم أبراشمرور اثنان وسبعون عاماً على حرب 1948 أو ما تم تسميتها (النكبة) للتهرب من الاعتراف بأنها هزيمة نكراء، وهي الحرب التي انهزمت فيها سبعة جيوش عربية (مصر، سوريا، الأردن، العراق، العربية السعودية، اليمن، لبنان) أمام عصابات صهيونية، وإن كان يثير الألم والغضب بسبب التهجير القسري لغالبية الشعب الفلسطيني وقيام دولة الكيان الصهيوني وبسبب طول أمد الصراع دون أن يتم إنهاء الاحتلال وعودة اللاجئين إلى ديارهم وإقامة الدولة الفلسطينية، إلا أن الألم والغضب الأكبر يأتي من تخلي بعض العرب عن الفلسطينيين وتركهم وحيدين في مواجهة إسرائيل، وفي تغيير طبيعة الصراع وأطرافه ومعسكر الأعداء ومعسكر الحلفاء في المنطقة العربية.

التاريخ والوقائع يؤكدان أن ضياع فلسطين ونكبة الشعب الفلسطيني التي ما زالت متواصلة لم يكن لأن الفلسطينيين باعوا أرضهم كما يزعم الحاقدون على أهل فلسطين ممن بهم عقدة نقص تجاه الشعب الفلسطيني، أو بسبب هزيمة الشعب الفلسطيني الذي لم يتوقف عن النضال والمقاومة بكل اشكالها منذ النكبة حتى الآن، بل كان نتيجة هزيمة الجيوش العربية في حرب 48 التي كان نتيجتها إقامة إسرائيل على مساحة 78% من فلسطين ثم هزيمتها في حرب 1967 (النكسة) حيث تم إضاعة بقية فلسطين وأراضي عربية أخرى، ويمكن أن نضيف بأن النكبة الفلسطينية الثالثة وهي الانقسام الذي جرى عام 2007 كان بتواطؤ بعض الأنظمة العربية مع إسرائيل، بمعنى أن الفلسطينيين يدفعون ثمن هزائم الجيوش العربية وتدخل بعض العرب في شؤونهم الداخلية.

ندرك جيدا خطورة التحولات التي جرت وتجري في العالم العربي وفي مجمل العالم، وأن الأسباب والدوافع السياسية والأيديولوجية والأخلاقية التي دفعت الأنظمة والشعوب العربية للوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني طوال تاريخ الصراع قد تغيرت، وإن كانت بعض الأنظمة غير قادرة على مواجهة الضغوط الأمريكية عليها لتُطبِع مع إسرائيل وتفك علاقتها التاريخية مع الشعب الفلسطيني، وإن كان بعض الأشخاص والفئات الاجتماعية في الدول العربية تريد أن تطبع لأسباب تعنيها كالبحث عن الشهرة أو المال كما هو الأمر في بعض الأعمال التلفزيونية وبعض المثقفين والإعلاميين، أو عن دعم إسرائيل واللوبي الصهيوني في مواجهة صراعات داخلية كما هو الامر بالنسبة لبعض الناشطين في جماعات طائفية أو إثنية أو معارضة سياسية غير وطنية، فهذا شأنها وشأن الشعب الذي يتواجد فيه هذه الفئات، ولكن ما لا يجوز السكوت عنه فلسطينياً أن يكون التطبيع على حساب كرامة الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة التي يعترف بها العالم ويوثقها في قرارات ومواثيق دولية، كما لا يجوز أن يكون مدخل التطبيع شيطنة الشعب الفلسطيني والتشكيك بتاريخه وهويته.

سبق وأن كتبنا وتحدثنا كثيراً عن التطبيع وقلنا بأن التطبيع مع إسرائيل، بمعنى إقامة علاقة طبيعية بين الدول العربية وإسرائيل، أصبح أمراً سيادياً خاصاً بكل دولة ليس لأنه أمر طبيعي بل بسبب عملية كي الوعي التي تعمل على وأد البعد القومي للقضية الفلسطينية وتزوير تاريخ الصراع مع إسرائيل بل وتاريخ المنطقة وكيف ضاعت فلسطين ومَن المسؤول عن ضياعها، أيضاً بسبب التغيرات التي طرأت على الأنظمة والنخب السياسية حيث صعدت للسلطة في العالم العربي نخب جديدة لها أيديولوجياتها وثقافاتها ومصالحها وعلاقاتها المتميزة مع الغرب وخصوصا مع واشنطن.

مع أهمية مواجهة التطبيع والمطبعين إلا أنه مهما حاول بعض الفلسطينيين انتقاد التطبيع والمطبعين فلن يكون لانتقادهم أهمية أو تأثير كبير وخصوصاً أن أكبر دولة عربية (مصر) أقامت علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل منذ 1978 وتبعتها الأردن عام 1994 بعد أن اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل رسميا عام 1993 وتدشين عملية تسوية سياسية وقيام سلطة فلسطينية، كما أن منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية ليس لهما موقف واضح من التطبيع والمطبعين وما زالت تربطهما بالجهات المتَهمة بالتطبيع علاقات متميزة وجيدة.

الجهة الوحيدة التي يمكنها الضغط على الأنظمة لوقف الهرولة نحو التطبيع هي الشعوب العربية نفسها كما سبق الذكر، وهذا يتطلب جهداً كبيراً من الفلسطينيين ومن القوى التقدمية الوطنية والقومية العربية لكشف حقيقة المشروع الصهيوني وأهدافه الخبيثة من التطبيع، وتقويم العلاقات الفلسطينية العربية وخصوصاً على المستوى الشعبي حيث تتوسع الفجوة بين الشعوب العربية وقضية فلسطين التي تتراجع مكانتها في الثقافة والوعي الشعبي.

إن كان للفلسطينيين وكل من يدعم قضيتهم ويناهض المشروع الصهيوني أن يتخوفوا من التطبيع فالتخوف يفترض أن يكون من التطبيع الشعبي وليس الرسمي فقط، حيث إن التطبيع الرسمي بين مصر والأردن مع إسرائيل لم يؤدي بالضرورة لتطبيع شعبي، كما أن المطلوب البحث عن الأسباب التي تدفع أنظمة عربية للتفكير بالتطبيع مع إسرائيل بالرغم من أنها ليست دول جوار لإسرائيل ولا تحتاجها لأن ما يوجد في إسرائيل يمكن الحصول عليه من الغرب أو بقية دول العالم، كما أن المطلوب من السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير تحديد موقف واضح من التطبيع، هل هو موجود ويتزايد بالفعل أم فيه مبالغة؟ وإن كان موجوداً فهل يخدم القضية الفلسطينية أم يضرها؟ وإن أصبح أمراً واقعاً فهل يمكن توظيفه لصالح القضية بدلاً من أن يؤدي لحالة عداء وقطيعة بين الشعب الفلسطيني والشعوب العربية؟ .

بعد مرور اثنين وسبعين عاماً على النكبة جرت مياه كثيرة أدت لتراجع بل انهيار حلفاء استراتيجيين للشعب الفلسطيني وكانوا حاضرين بقوة عندما قرر الفلسطينيون مواجهة النكبة ووضع استراتيجية العودة والتحرير في منتصف الستينيات، وأهم هذه الانهيارات أو المتغيرات السلبية، تراجع البعد القومي للقضية الفلسطينية كما أشرنا، انهيار المعسكر الاشتراكي الذي كان يُوصف بـ (الحليف الاستراتيجي) للفلسطينيين ولقوى التحرر العالمي، كما انكشفت أزعومة (العالم الإسلامي)، كل هذا أثر على المشروع الوطني الذي أنبنى اعتماداً على وجود هؤلاء الحلفاء، كما أثر على النظام السياسي الذي مثلته السلطة لاحقاً .

بالرغم من كل ما جرى ويجري، وبالرغم من سوء المشهد السياسي الفلسطيني الداخلي فإن الشعب الفلسطيني ما زال متجذراً في أرضه التي تواجد فيها منذ آلاف السنين ولم يتنازل عنها وعن حقوقه المشروعة التي يعترف بها غالبية دول العالم، كما أن إسرائيل لم تحقق كل أهدافها ولا تعيش بأمن وسلام، بل يكتشف العالم كل يوم زيف مزاعمها مقابل عدالة مطالب الشعب الفلسطيني.

ليس هذا الكلام مجرد تعزية للذات أو رفع للمعنويات أو الهروب من واقع الاعتراف بوصول المشروع الوطني التحرري إلى طريق مسدود، قد يكون في قولنا بعض مما سبق ولكنه في مجمله كلام مبني على تجارب الشعوب ومسار التاريخ البشري وعلى التحليل والفهم العلمي للعلاقات الدولية والنظام الدولي وموازين القوى، فالتاريخ يُعلمنا بأن في حياة الأمم مراحل مد وجزر وانتصارات وهزائم، كما يُعلمنا بأن موازين القوى غير ثابتة، وأن مناط الحكم على الشعوب وقضاياها الوطنية لا يكون من خلال لحظة انتكاسة في مسار صراعها مع العدو الخارجي أو فشل في تدبير أمورها الداخلية أو انفضاض الحلفاء من حولها، بل من خلال مدى استمرار تمسك الشعب بحقوقه وثوابته الوطنية ومدى استعداده للنضال من أجلها، أيضا قدرة الشعب الفلسطيني على تغيير واقعه الداخلي قبل مطالبة العرب وغيرهم بالالتفاف حول قضيته العادلة.

 

القضية الفلسطينية بعد مرور 72 سنة على النكبة

مرور اثنان وسبعون عاماً على حرب 1948 أو ما تم تسميتها (النكبة) للتهرب من الاعتراف بأنها هزيمة نكراء، وهي الحرب التي انهزمت فيها سبعة جيوش عربية(مصر، سوريا، الأردن، العراق، العربية السعودية، اليمن، لبنان)أمام عصابات صهيونية، وإن كان يثير الألم والغضب بسبب التهجير القسري لغالبية الشعب الفلسطيني وقيام دولة الكيان الصهيوني وبسبب طول أمد الصراع دون أن يتم إنهاء الاحتلال وعودة اللاجئين إلى ديارهم وإقامة الدولة الفلسطينية، إلا أن الألم والغضب الأكبر يأتي من تخلي بعض العرب عن الفلسطينيين وتركهم وحيدين في مواجهة إسرائيل، وفي تغيير طبيعة الصراع وأطرافه ومعسكر الأعداء ومعسكر الحلفاء في المنطقة العربية.

التاريخ والوقائع يؤكدان أن ضياع فلسطين ونكبة الشعب الفلسطيني التي ما زالت متواصلة لم يكن لأن الفلسطينيين باعوا أرضهم كما يزعم الحاقدون على أهل فلسطين ممن بهم عقدة نقص تجاه الشعب الفلسطيني، أو بسبب هزيمة الشعب الفلسطيني الذي لم يتوقف عن النضال والمقاومة بكل اشكالها منذ النكبة حتى الآن، بل كان نتيجة هزيمة الجيوش العربية في حرب 48 التي كان نتيجتها إقامة إسرائيل على مساحة 78% من فلسطين ثم هزيمتها في حرب 1967 (النكسة) حيث تم إضاعة بقية فلسطين وأراضي عربية أخرى، ويمكن أن نضيف بأن النكبة الفلسطينية الثالثة وهي الانقسام الذي جرى عام 2007 كان بتواطؤ بعض الأنظمة العربية مع إسرائيل، بمعنى أن الفلسطينيين يدفعون ثمن هزائم الجيوش العربية وتدخل بعض العرب في شؤونهم الداخلية.

ندرك جيدا خطورة التحولات التي جرت وتجري في العالم العربي وفي مجمل العالم، وأن الأسباب والدوافع السياسية والأيديولوجية والأخلاقية التي دفعت الأنظمة والشعوب العربية للوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني طوال تاريخ الصراع قد تغيرت، وإن كانت بعض الأنظمة غير قادرة على مواجهة الضغوط الأمريكية عليها لتُطبِع مع إسرائيل وتفك علاقتها التاريخية مع الشعب الفلسطيني، وإن كان بعض الأشخاص والفئات الاجتماعية في الدول العربية تريد أن تطبع لأسباب تعنيها كالبحث عن الشهرة أو المال كما هو الأمر في بعض الأعمال التلفزيونية وبعض المثقفين والإعلاميين، أو عن دعم إسرائيل واللوبي الصهيوني في مواجهة صراعات داخلية كما هو الامر بالنسبة لبعض الناشطين في جماعات طائفية أو إثنية أو معارضة سياسية غير وطنية، فهذا شأنها وشأن الشعب الذي يتواجد فيه هذه الفئات، ولكن ما لا يجوز السكوت عنه فلسطينياً أن يكون التطبيع على حساب كرامة الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة التي يعترف بها العالم ويوثقها في قرارات ومواثيق دولية، كما لا يجوز أن يكون مدخل التطبيع شيطنة الشعب الفلسطيني والتشكيك بتاريخه وهويته.

سبق وأن كتبنا وتحدثنا كثيراً عن التطبيع وقلنا بأن التطبيع مع إسرائيل، بمعنى إقامة علاقة طبيعية بين الدول العربية وإسرائيل، أصبح أمراً سيادياً خاصاً بكل دولة ليس لأنه أمر طبيعي بل بسبب عملية كي الوعي التي تعمل على وأد البعد القومي للقضية الفلسطينية وتزوير تاريخ الصراع مع إسرائيل بل وتاريخ المنطقة وكيف ضاعت فلسطين ومَن المسؤول عن ضياعها، أيضاً بسبب التغيرات التي طرأت على الأنظمة والنخب السياسية حيث صعدت للسلطة في العالم العربي نخب جديدة لها أيديولوجياتها وثقافاتها ومصالحها وعلاقاتها المتميزة مع الغرب وخصوصا مع واشنطن.

مع أهمية مواجهة التطبيع والمطبعين إلا أنه مهما حاول بعض الفلسطينيين انتقاد التطبيع والمطبعين فلن يكون لانتقادهم أهمية أو تأثير كبير وخصوصاً أن أكبر دولة عربية (مصر) أقامت علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل منذ 1978 وتبعتها الأردن عام 1994 بعد أن اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل رسميا عام 1993 وتدشين عملية تسوية سياسية وقيام سلطة فلسطينية، كما أن منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية ليس لهما موقف واضح من التطبيع والمطبعين وما زالت تربطهما بالجهات المتَهمة بالتطبيع علاقات متميزة وجيدة.

الجهة الوحيدة التي يمكنها الضغط على الأنظمة لوقف الهرولة نحو التطبيع هي الشعوب العربية نفسها كما سبق الذكر، وهذا يتطلب جهداً كبيراً من الفلسطينيين ومن القوى التقدمية الوطنية والقومية العربية لكشف حقيقة المشروع الصهيوني وأهدافه الخبيثة من التطبيع، وتقويم العلاقات الفلسطينية العربية وخصوصاً على المستوى الشعبي حيث تتوسع الفجوة بين الشعوب العربية وقضية فلسطين التي تتراجع مكانتها في الثقافة والوعي الشعبي.

إن كان للفلسطينيين وكل من يدعم قضيتهم ويناهض المشروع الصهيوني أن يتخوفوا من التطبيع فالتخوف يفترض أن يكون من التطبيع الشعبي وليس الرسمي فقط، حيث إن التطبيع الرسمي بين مصر والأردن مع إسرائيل لم يؤدي بالضرورة لتطبيع شعبي، كما أن المطلوب البحث عن الأسباب التي تدفع أنظمة عربية للتفكير بالتطبيع مع إسرائيل بالرغم من أنها ليست دول جوار لإسرائيل ولا تحتاجها لأن ما يوجد في إسرائيل يمكن الحصول عليه من الغرب أو بقية دول العالم، كما أن المطلوب من السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير تحديد موقف واضح من التطبيع، هل هو موجود ويتزايد بالفعل أم فيه مبالغة؟ وإن كان موجوداً فهل يخدم القضية الفلسطينية أم يضرها؟ وإن أصبح أمراً واقعاً فهل يمكن توظيفه لصالح القضية بدلاً من أن يؤدي لحالة عداء وقطيعة بين الشعب الفلسطيني والشعوب العربية؟ .

بعد مرور اثنين وسبعين عاماً على النكبة جرت مياه كثيرة أدت لتراجع بل انهيار حلفاء استراتيجيين للشعب الفلسطيني وكانوا حاضرين بقوة عندما قرر الفلسطينيون مواجهة النكبة ووضع استراتيجية العودة والتحرير في منتصف الستينيات، وأهم هذه الانهيارات أو المتغيرات السلبية، تراجع البعد القومي للقضية الفلسطينية كما أشرنا، انهيار المعسكر الاشتراكي الذي كان يُوصف بـ (الحليف الاستراتيجي) للفلسطينيين ولقوى التحرر العالمي، كما انكشفت أزعومة (العالم الإسلامي)، كل هذا أثر على المشروع الوطني الذي أنبنى اعتماداً على وجود هؤلاء الحلفاء، كما أثر على النظام السياسي الذي مثلته السلطة لاحقاً .

بالرغم من كل ما جرى ويجري، وبالرغم من سوء المشهد السياسي الفلسطيني الداخلي فإن الشعب الفلسطيني ما زال متجذراً في أرضه التي تواجد فيها منذ آلاف السنين ولم يتنازل عنها وعن حقوقه المشروعة التي يعترف بها غالبية دول العالم، كما أن إسرائيل لم تحقق كل أهدافها ولا تعيش بأمن وسلام، بل يكتشف العالم كل يوم زيف مزاعمها مقابل عدالة مطالب الشعب الفلسطيني.

ليس هذا الكلام مجرد تعزية للذات أو رفع للمعنويات أو الهروب من واقع الاعتراف بوصول المشروع الوطني التحرري إلى طريق مسدود، قد يكون في قولنا بعض مما سبق ولكنه في مجمله كلام مبني على تجارب الشعوب ومسار التاريخ البشري وعلى التحليل والفهم العلمي للعلاقات الدولية والنظام الدولي وموازين القوى، فالتاريخ يُعلمنا بأن في حياة الأمم مراحل مد وجزر وانتصارات وهزائم، كما يُعلمنا بأن موازين القوى غير ثابتة، وأن مناط الحكم على الشعوب وقضاياها الوطنية لا يكون من خلال لحظة انتكاسة في مسار صراعها مع العدو الخارجي أو فشل في تدبير أمورها الداخلية أو انفضاض الحلفاء من حولها، بل من خلال مدى استمرار تمسك الشعب بحقوقه وثوابته الوطنية ومدى استعداده للنضال من أجلها، أيضا قدرة الشعب الفلسطيني على تغيير واقعه الداخلي قبل مطالبة العرب وغيرهم بالالتفاف حول قضيته العادلة.

 

ابراهيم أبراش