بكر السباتينفي الصراعات الكبيرة يهزم عادة الطرف الذي يفقد خياراته.. ورغم ذلك لن يخرج من أتون المواجهات بل يتحول إلى حليف برتبة بيدق على رقعة الصراع مع الخصوم الأقوياء للطرف المنتصر.. هذا ما خطر لي وأنا أحاول فهم الصراع الصيني الأمريكي منذ مجيء ترامب.. لذلك فقوة الصين في مواجهتها مع الولايات المتحدة الأمريكية تكمن في خياراتها الاستراتيجية، مثل استهداف الدولار باليوان، وتحالفها مع خصوم أمريكا الأقوياء مثل روسيا، ثم الدخول إلى الاقتصاد الإيراني المحظور وكسر المحرمات الأمريكية إزاءه، لتوفير مصادر الطاقة وفتح بوابة آسيوية للصين عبر طهران إلى أوروبا.

إذن الصراع الصيني الأمريكي في جانبه الاقتصادي يقوم على اختبار كل دولة لعملتها في صعيد عالمي، وخاصة أن موقف اليوان يجد تشجيعاً أوروبياً لمواجهة طموحات ترامب الإقصائية في أوروبا الغربية وخاصة ألمانيا.. خلافاً لما كان عليه الحال قبل مجيء المقامر الأشقر ترامب الذي غير كل قواعد الصراع وخاصة في المجال الاقتصادي والدخول في مواجهات فعلية على الأرض بين العملاقين الباندا الصيني والعم الأمريكي سام.

وفي سياق متصل ما زال العالم يعيش تداعيات وعود ترامب الانتخابية القائمة على إعادة أمريكا إلى موقع القطب الواحد التي كنا في الشرق الأوس أكثر من دفع فاتورتها ثم جاء العملاق الصيني الذي ما زال في موقف القوي إزاءها، إذْ لم يُفوِّت الرئيس الأمريكي مناسبة إلا وانتقد الصين، وسياساتها الاقتصادية والتجارية، فبعد تثبيت سعر صرف اليوان أمام الدولار الأمريكي في يناير 2017، فإن الصين بذلك عملت على تثبيت قوة العملة الصينية وسيطرتها مقابل الدولار؛ إذ إن بكين التي تتحكم في اليوان، لا تسمح له بالهبوط أو الارتفاع، بأكثر من 2% يوميًّا، وذلك لمنع تقلبات العملة، والاحتفاظ بالسيطرة عليها؛ لذلك وفي أبريل من العام نفسه ذكر ترامب بأنه يجب تسمية الصين بدولة «تتلاعب بالعملة» ومن هنا بدأت المواجهة تتخذ طابعاً بنويوياً عميقاً. وليس خافياً على أحد في أن تخفيض سعر العملة، أو حتى تثبيت سعر الصرف، شكَّل تخُوفًا رئيسيًّا للرئيس ترامب، ومن قبله الرئيس أوباما؛ إذ إن الصين بذلك تدعم منتجاتها المختلفة في الأسواق العالمية، من أجل غزوها حتى باتت الصناعات الأمريكية الاستهلاكية في موقف حرج، إذ بات عليها أن تنتج هذه السلع في مصانع أمريكية تعمل في الصين حتى تقلل من تكلفتها من أجل دخول الأسواق العالمية بأسعار تنافسية وقد تجد مخرجات هذا الواقع في غضون جولة ما في الأسواق الشرق أوسطية ومنها الأردنية على سبيل المثال، فالدمغة الصينية باتت هي المسيطرة؛ وما زاد الطين بلة هو التنافس المحموم في مجال السلع التكنلوجية وكسر كل المحاذير الأمريكية من قبل المنتج الصيني الذي أبدى قدرة فائقة على التنافس الشديد.. وهذا يعني بأن زيادة صادرات الصين باعتبار أن منتجاتها ذات أسعار أرخص من مثيلتها الأمريكية، يؤثر بشدة في الصادرات الأمريكية، ويقلل العائد من صادرات الولايات المتحدة، وهو ما سبب تخوُفًا للرئيس ترامب، وذلك نظرًا إلى أنه يزيد من قيمة العجز التجاري بين البلدين. من هنا اعتبر ترامب إصداره رسوم جمركية عقابية على بعض الواردات الصينية إجراءً وقائياً.

إن الأزمة الاقتصادية بين الصين وأمريكا آخذة في التفاقم بالعمق، وتتخذ طابعاً تصعيدياً بين اليوان الصيني والدولار الأمريكي.. وفي سياق ذلك تحاول الصين تعرية الدولار الأمريكي أمام مستخدميه في العالم من خلال لُجوء بنك الشعب الصيني بشراء ما قيمته 100 مليار دولار من الذهب في إطار الحرب التجاريّة مع أمريكا، والتحالف مع روسيا من أجل إقامة نظام مالي جديد يُنهي هيمنة الدولار الأمريكي. ويرى خبراء صينيون بأنه في غضون خمس سنوات سيتصدر اليوان قائمة العملات العالمية باقتدار ومن الطبيعي أن يُفهَم هذا التوجه الصيني على أنه استمرار في تنفيذ الاستراتيجية الصينية الرامية إلى توفير غطاء من المعادن الثمينة لعملتها اليوان حتى تحافظ على ثقة دول العالم، ويعزز مساعيها لإضعاف الدولار الأمريكي، وإنهاء سيطرته على النظام المصرفي العالمي، حيث يصِل حجم الاحتياطي الصيني من الذهب حواليّ 1885 طنًّا مما يضعها في المرتبة السابعة، مقابل المخزون الأمريكي الذي يصِل إلى 8133 طنًّا ما يضع بلاد العم سام في المرتبة الأولى,, ولكن الفرق بين المخزونين أن المخزون الأمريكي لا يغطي ما تطبعه أمريكا من الدولار، وهو ما تصمم الصين على تجاوزه.. ولنأخذ بعين الاعتبار أنّ الذهب يُشكّل دائمًا الملاذ الآمن في ظل تصاعد التوترات العسكرية على أكثر من جبهة في العالم، وخاصّة بين الولايات المتحدة وإيران في مضيق هرمز حيث تستورد الصين معظم احتياجاتها من النفط التي تقدر بحوالي خمسة ملايين برميل يوميًّا.. لذلك أعلنت الصين عن عزمها استثمار ما قيمته 280 مليار دولار في قِطاع الطاقة (الغاز والنفط) الإيراني، وتحويل إيران إلى شريك تجاري رئيسيّ.

ولم يأت القرار الصيني من باب الارتجال والرجم بالغيب لأن الرؤية الصينية بعيدة المدى ومحبوكة مع جملة من المصالح الصينية المشتركة مع دول الجوار وخاصة الصين حيث يجمعهما مشروع ميناء غوادر على بحر العرب.. من هنا يقرأ الخبراء دوافع الصين للاهتمام بالعلاقة الاقتصادية مع إيران، لجعلها البوابة الآسيوية إلى أوروبا حتى تطيح بسطوة الاقتصاد الأمريكي في عالم تتحكم به المصالح والرهانات على التكتلات الاقتصادية التي تسعى لضرب الدولار وإخراجه واهناً ومكشوفاً.

والسؤال هو هل تساعد الظروف في تحقيق كل طرف أجندته الاقتصادية على خلفية التداعيات السلبية الداخلية لهذا الصراع البيني.. ناهيك عن المشاكل التي تواجه ترامب من قبل خصومه الديمقراطيين وحالة الركود التي من المحتمل أن تصيب الاقتصادين العملاقين، أضف إلى ذلك ما تشهده الصين من اضطرابات في بعض الأقاليم وخاصة هونغ كونغ.. الرهانات بين العملاقين مفتوحة واليوان يكتسب مناعة أمام الدولار.. والأسئلة تتوالد في صراع ستمس مخرجاته العالم.

 

بقلم بكر السباتين

 

باسم عثمانثمة حاجة ماسة إلى نسق سياسي جديد تحدد مساره قيادة سياسية جديدة تمثّل جميع الفلسطينيين ولا يقتصر تركيزها السياسي والتمثيلي على جغرافية الضفة الغربية و قطاع غزة، وسيتطلب ذلك الابتعاد عن إطار أوسلو والتزاماته وسياسة "الامرالواقع" الحمساوية، وإعادة التفكير بالرؤية السياسية والاستراتيجية الفلسطينيتين، وكذلك بدور المؤسسات الوطنية والمدنية، ليتسنى للفلسطينيين جميعا، أن يتحوّلوا إلى لاعبين سياسيين مُنظمين وأكفاء يتصدرون المقاومة الوطنية والمجتمعية ضد المشروع الكولونيالي الاستيطاني الإسرائيلي.

ان الإنكار المتعمد للرسمية الفلسطينية لأثار أوسلو ونتائجه التدميرية (فلسطينيا)،فاقم المشكلات الناجمة عنه، لأنه من الأساس تمت صياغته على هامش و كواليس الرؤية والاجماع التوافقي الفلسطيني،ولم تجر الرسمية الفلسطينية اية مراجعة نقدية له، فضلاً عن أن ذلك، أفضى إلى تكلّس العقل السياسي الفلسطيني السائد، الذي كفّ عن البحث عن خيارات بديلة، ناهيك عن إشاعته البلبلة في إدراكات الفلسطينيين الجمعية، بما فيها إدراكاتهم لمصيرهم المشترك ولعلاقتهم بقيادتهم التمثيلية.

نحو تجديد مؤسَّسي:

إن الهوية السياسية والثقافية الفلسطينية والمثال الأعلى المُدرَك للوحدة الفلسطينية ما زالت أصداؤهما تتردد بقوة، غير أن الشعب الفلسطيني والذي يعاني التشتت السياسي والجغرافي والاغتراب السياسي عن حالته الوطنية على حد سواء، وتكلس الفكر السياسي لمرجعيته، الأمر الذي يزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى التجديد المؤسسي (مركزيا).

ورغم الإقرار الشعبي الفلسطيني ومثقفيه بضعف منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها الوطنية والتمثيلية، لا زالوا يعتبرونها كيانا حيويا ووطنيا (شرعيا وتمثيليا)، وهي المفتاح الرئيسي لإحياء المشروع الوطني الفلسطيني وتجديد مؤسساته، بالترابط مع كل ما هو نقابي واجتماعي ومدني داخل المجتمع الفلسطيني. فالسلطة الفلسطينية أخذت بالضمور والانحسار السياسي والوطني وهي تبذل جهدها اليوم لتقديم الخدمات الادارية العامة والمحافظة على سيولتها النقدية وامتيازاتها الشخصية، وقد فشلت في رعاية جيل جديد من المواهب والكفاءات الشبابية تنمويا، وثمة دلائل واضحة كل الوضوح على هجرة الأدمغة والشباب الفلسطيني من ميدان المواجهة (الوطنية والاقتصادية).

في السياق نفسه، هناك العديد من الفصائل الفلسطينية التقليدية والتي تواجه تحديات جسيمة، داخلية و خارجية، فقد تنازلت وفقدت (فتح) إحساسها التاريخي برسالتها الوطنية بعد عقود طويلة من ممارسة السلطة، وهي تؤدي وظيفتها الآن كشبكة للرعاية الخدماتية لا كحزب سياسي وطني تحرري، وتواجه (حماس) مشاكل أعمق من ذلك، غياب الاستراتيجية الوطنية، وضعفها في الضفة الغربية وعجزها عن إدارة دفة الحكم في غزة، وفشلها في طرح خيار حقيقي للمقاومة، ووضعها الحالي على هامش اجندة الرأي العام الدولي وتجاذباته، في الوقت الذي وافقتا فيه اي ( فتح وحماس)على تقسيم عملي وسلطوي لفلسطين، جغرافيا وديمغرافيا وسياسيا، مما أدى إلى تَخنْدُق كل منهما وراء رؤيته السياسية الفئوية،على حساب التيار القوي في أوساط الفلسطينيين الذي يرى أن هذه المنافسة اللامبدئية والسلطوية، ساهمت في تقويض وحدة الشعب الفلسطيني، كما أنها أسهمت في تداعي مؤسساته المجتمعية منها والوطنية والتمثيلية، والى تدني تجليات القضية الفلسطينية و مركزيتها إقليميا ودوليا،اضف الى ذلك، فقدان بقية الفصائل الفلسطينية التقليدية قدرتها على اجتذاب الأجيال الجديدة من الشباب والكفاءات الفلسطينية المهنية والاطر الجماهيرية المتنوعة، فلا زالت هذه التيارات التحتية الجماهيرية والتي أدت إلى ولادتها وانطلاقتها أصلا، تتمتع بحضور مؤثر في المجتمع الفلسطيني ولكنها – للأسف – على هامش بيروقراطيتها الفصائلية والتنظيمية، كما أن البنى التنظيمية والوطنية والمؤسساتية التي تجسد الهُويّة الوطنية الفلسطينية آخذة بالتحلل والانهيار، بيد أن الهوية الوطنية الفلسطينية نفسها ما زالت ثابتة الأركان في الضمير الجمعي والوطني الفلسطيني.

ثمة مؤشرات عديدة على العنفوان والروح الوطنية الديناميكية على المستويات الوطنية اللامركزية الفلسطينية، فالنقابات، والاتحادات المهنية، والأطراف الفاعلة الأخرى في المجتمع المدني، تمارس نشاطا سياسيا داخليا نابضا بالحياة، وتتشابك مع القادة الأكثر شبابا ممن يستطيعون إعادة الروح إلى السياسات الفلسطينية، فيما توشك السلطة الرسمية الفلسطينية على الاندثار والتهميش وانتقالها من جيل إلى اخر.

نرفض صفقة القرن ونلتزم بأوسلو واستحقاقاته؟!!:

منذ اتفاقيات أوسلو العام 1993، باءت كل الجهود المتتالية للتفاوض حول الحل النهائي بالفشل، ومع تزايد الشكوك حول الطرق التي قد تؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية، فإن الهدف النهائي لم يعد هو العنصر الموجّه للحسابات السياسية الرسمية، ونتيجة لذلك، بدأت الشرعية السياسية الفلسطينية تتآكل مع تصاعد الرأي في أوساط الفلسطينيين بأن قيادتهم الوطنية عاجزة عن طرح رؤية استراتيجية وطنية ومدنية تفصيلية متماسكة، وسيؤدي المسار الحالي لا محال إلى استمرار الاحتلال وقطعان مستوطنيه، وزيادة وتيرة الاستيطان والضم والتهويد الإسرائيلي، واستفحال الانقسام الاجتماعي والسياسي و الجغرافي الفلسطيني (وطنيا ومؤسساتيا وتمثيليا).

وعلى الرغم من ضمور النشاط المؤسسي الفلسطيني، تبرز في الأفق الآن، بعض المؤشرات على نشاط ديناميكيّ – وطني واجتماعي مدني -على مستوى المواقع الفرعية والجغرافية الفلسطينية، فهناك نشاطاً سياسياً واجتماعيا داخلياً نابضاً بالحياة، الأمر الذي خلق الروابط بين الفئات الشبابية المختلفة (جغرافيا)، وأتاح فرصة المشاركة للقيادات الشبابية التي كانت تتعرّض على العموم إلى الإقصاء من جانب السلطة الفلسطينية ومؤسساتها في رسم أولويات المواجهة الفلسطينية مع المشروع الامريكي - الاسرائيلي، في حين،ان المقاربات الوطنية البديلة التي يجري تبنيها، مثل حملة مقاطعة "إسرائيل" وابداعات المقاومة الشعبية والمدنية السلمية وادواتها، فإنها تنبثق من المجتمع المدني الفلسطيني الناشط وليس من مراكزالقوى التقليدية الفلسطينية، بل إن اكثر الفلسطينيين يتوقعون أن يكون المجتمع المدني ومفاعيله – لا مركزية الأحزاب والقوى السياسية – هو المِهاد والتربة الخصبة لزراعة ونمو جيل من القياديين الفلسطينيين الراديكاليين وطنيا ومبدئيا في المستقبل القريب.

لم يكن تغييرُ الموقع السياسي والمنظومة الفكرية للعديد من القوى الفلسطينية، باستخدام مبرّراتٍ سياسيّةٍ موضوعية عند البعض،او تسويقية براغماتية عند البعض الاخر، مسألةً جديدةً في التاريخ الفلسطينيّ المعاصر، فعلى صعيد الفكر السياسيّ الفلسطيني، تدحرج الخطابُ الرئيسي للحالة الفلسطينية من:

"تحرير فلسطين التاريخية وإقامة الدولة الديموقراطيّة العلمانيّة على كامل التراب الوطنيّ الفلسطيني"؛ إلى خطاب "دولتين لشعبين" مرحليا؛ ليصل أخيرًا مع اتفاقيّة أوسلو ونتائجها التدميرية الى سلطة الحكم الذاتيّ "مخترة بدون ختم مختار"، وتحوّلِ هذه السلطة إلى موظّفٍ أمنيٍّ صرْف، مهمّتُه حمايةُ المستَعمِر ومستوطنيه! وما " التنسيق الأمني المشترك" بين الاحتلال والسلطة الفلسطينية خيردليل على ذلك.

هذا الانزلاق الخطير في الموقع والفكر السياسي،من شعار "حل الدولتين" الى اوسلو واستحقاقاته ونتائجه، اتى تعبيرًا عن مصالح الشريحة البيروقراطيّة التي نمتْ وتضخّمتْ وترعرعت في مؤسسات السلطة الفلسطينية واداراتها، عبر التمويل الخليجيّ أساسًا وللمقايضة السياسية حتما، فغدتْ مناصبُها وامتيازاتُها وسلطتُها ورأسُ مالها الاجتماعيّ والمهني أهمَّ من المسألة الوطنيّة وامتيازاتها، لذا، وجدتْ تلك الشريحة البيروقراطية والإدارية الوظيفية حليفَها الأساسي مع الرأس المال الفلسطينيّ المهاجر والخليجي بدرجة أساسية.

في ذات السياق،وعلى سبيل المثال لا الحصر، بعض الفصائل الوطنية الفلسطينية والتي تدعي اليسارية منها، لحقت بركب السلطة وامتيازاتها الوظيفية، من دون أنْ تمتلك حتى مجرّدَ القدرة على التمايز اللفظيّ عن نهج السلطة وفكرها، فاضحت ديكورا لها لا اكثر ولا اقل، ودعموا تراجعَهم الموقعي والفكري بسلسلةٍ من التبريرات الإيديولوجيّة لتكون بمثابة "مراجعة فكريّة ضرورية للمتغيرات الإقليمية والدولية"؟!،وهل هناك مراجعة نقدية موضوعية بحجة حماية "المشروع الوطني" والتأقلم مع "المتغيرات" تقود الى تبرير الانهيار السياسي والانبطاح والاستسلام؟!.

ان التاريخ والسمعة النضالية، ليست "جوازَ سفر" إلى مواقعَ تفترق عندها الوطنية !!! من يرسم متطلّبات النضال الوطني في سمته المرحلية والتأكيد على الثوابت، مقابل الاصطفاف في طريق خدمة المشروع المعادي للقضية الوطنية و حقوقها، لان الخطاب الشعبويّ حول "التاريخ النضاليّ السابق" لتسويق الانهيار والعجز في الأداء السياسي، و التمترس خلف مصطلحات "البدايات" و"رموز الثورة"، ليس اكثر من التبرير للتنازلات السياسية المجانية و السياسات التوصيفية البراغماتية لواقع الحال، وهو أيضا، تدعيم للدعاية الشعبويّة المبرِّرة للتنازل والسقوط السياسي في احصان المشروع التصفوي الانهزامي المتناقض مع أولويات وابجديات المشروع الوطني الفلسطيني.

ليس ثمّة ما هو أسوأ من اعتماد الانحطاط والتخلف في الأداء السياسي و البرنامجي مدخلًا نظريًّا إلى التغيير،فالهزيمة السياسية يجب أن تكون مدخلًا إلى مراجعة السياسات والتوجّهات والبرامج النضالية من أجل تجديد التمسّك بالمبادئ والثوابت والمكتسبات الوطنية والسياسية من جهة، واجتراح آليّاتٍ جديدةٍ للعمل الوطني والجماهيري من جهة أخرى.

ان التجديد والتغيير في الحالة الفلسطينية ابعد ما يكون عن" المركزية الفلسطينية"، لتحاشي سلطة الجغرافيا وسلطة الاحتواء، لابد من السعي وراء التجديد الفلسطيني من "اللامركزية الفلسطينية"، في الأطر الجماهيرية والنقابية والمؤسسات المدنية والاجتماعية،لان سلطة المركز الفلسطيني والتشتت الجغرافي سيحولان دون ذلك.

 

د. باسم عثمان

كاتب وباحث سياسي

 

فراس زوينشرعت وزارة المالية منذ فترة بكتابة مسودة موازنة عام ٢٠٢٠ بشكلها النهائي، والتي قدرت إيراداتها بحسب العديد من المطلعين ب ١٣٩ تريليون دينار، بعد احتساب سعر البرميل ب ٥٣ دولار أمريكي، وليس هذا بالأمر الجديد أو الغريب ففي كل عام تعكف كل الجهات ذات العلاقة على العمل بهدف تسليم الموازنة في مواعيدها القانونية والدستورية، لكن قد يكون الغريب أو الصادم في الأمر ما صرحت به اللجنة المالية النيابية في يوم السبت ٢٧/٧/٢٠١٩ حول تفاقم العجز في الموازنة لمستوى بلغ ٧٢ تريليون دينار.

ولمن لا يحيط بمعنى العجز بمفهومه الاقتصادي فانه يعرف بأنه "انعكاس لعدم قدرة الإيرادات العامة على تغطية النفقات العامة أي زيادة النفقات العامة علو الإيرادات العامة" وقد تكون هذه الأرقام تقديرية وغير دقيقة كما صرحت بذلك سابقاً وزارة المالية، لكنها وبكل حال من الأحوال تعكس وبكل وضوح حجم الأزمة المالية والاقتصادية التي تعصف بالعراق، وخصوصاً إنها صدرت من جهة مطلعة ومختصة بالشأن المالي والاقتصادي في البلاد وهي اللجنة المالية النيابية.

ان ارتفاع العجز في الموازنة العمومية من تقدير ٢٢،٨ عام ٢٠١٩ إلى تقدير ٧٢ تريليون كما صرحت به اللجنة المالية النيابية يعود للاحتمالات التالية، 

- الاحتمال الأول هو زيادة حاصلة في الإنفاق الحكومي بشكل يفوق حجم الواردات المتاحة خلال العام القادم .

- الاحتمال الثاني هو تراجع مستوى الإيرادات العامة لسبب أو لأخر مع ثبات حجم الإنفاق العام مما يؤدي إلى اختلال توازنهما.

- أو كلا الاحتمالين معاً .

وحيث إن قرابة ٩٠٪ من مصادر تمويل الموازنة العمومية في العراق هو عن طريق ما يوفره تصدير النفط الخام وبيعه، ومع ملاحظة ثبات حجم التصدير الذي قدر ب ٣،٨ مليون برميل بما فيها ٢٥٠ ألف برميل عن طريق إقليم كردستان (في حالة الالتزام والإيفاء بهذا البند) وحتى مع تراجع تقدير سعر البرميل من ٥٦ إلى ٥٣ فان الفرق لازال دون مستوى العجز المقدر في الموازنة القادمة فلا يمكن القول بتراجع مستوى الإيرادات العامة للدولة ويتبقى بذلك سبب واحد لارتفاع العجز وهو زيادة الإنفاق الحكومي في الفترة القادمة.

ومع مراجعة موازنات السنوات السابقة ومقارنتها مع تصريح اللجنة المالية النيابية حول العجز المتوقع نلاحظ القيمة المرتفعة للعجز الكلي، والتي قد تتجاوز ٢٠٪ من القيمة الكلية للموازنة، فقد كان في عام ٢٠١٧ (٢١،٦ مليار) ليبلغ في عام ٢٠١٨ إلى (١٩مليار) ثم يعاود الارتفاع في تقدير قانون موازنة ٢٠١٩ إلى (٢٢،٨ مليار) ثم يقفز في تقدير عام ٢٠٢٠ ب (٧٢) تريليون دينار !!!

قد يكون من الملائم في هذا المقال الإشارة إلى ما قاله واكد عليه عالم الاقتصاد الألماني (فاكنر) والذي وضح وجود علاقة إيجابية بين الإنفاق العام والنمو الاقتصادي، فكلما زاد الإنفاق الحكومي تزايد دخل الفرد، وهذه القاعدة الاقتصادية قد تصطدم بقوة أمام التناقض الغريب في حالة العراق، فخلال السنوات الثلاثة السابقة يلاحظ ارتفاع قيمة الكلية الموازنات العمومية، و تنامي العجز في الموازنة والذي عرف بأنه "عجز مخطط" وان كنت شخصياً لا أراه يمت بشيء للعجز المخطط بمفهومه الاقتصادي الذي وضعته المدرسة الكينزية في أعقاب الأزمة المالية الكبرى عام ١٩٢٧ ، حيث بني مفهوم العجز المخطط لهدف إخراج السوق من حالة الركود إلى حالة الانتعاش، من خلال ضخ كميات إضافية من الأموال عن طريق زيادة الإنفاق العام، ولو على حساب الإيرادات الكلية، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى ارتفاع حصة الفرد الواحد من الإنفاق الكلي وزيادة كمية الأموال المطروحة في الأسواق المحلية، مما يحفز عملية الشراء والإنتاج لتغطية الطلب المتزايد نتيجة ارتفاع الدخول الفردية للمجتمع، فتندفع عجلة العمل والتنمية بناء على قاعدة العرض والطلب، فكلما ارتفع دخل الفرد ازداد طلبه على السلع فيزداد الإنتاج ويدفع السوق للخروج من حالة الركود الو حالة الانتعاش .

هذه القاعدة الاقتصادية التي بني على أساسها مفهوم العجز المخطط لا نراها في العراق إلا بصورة مشوهة وغير واضحة المعالم، ففي العراق ومنذ عام ٢٠٠٣ ولغاية الوقت الحاضر والموازنات الحكومية يلاحظ عليها ثلاث حالات ،

- ارتفاع القيمة الكلية الموازنات سنة بعد اخرى  باستثناء أعوام (٢٠١٥ – ٢٠١٦ – ٢٠١٧) بسبب انهيار أسعار النفط عالمياً.

- ارتفاع قيمة العجز في الموازنة سواء من حيث الرقم المطلق أو بالنسبة للناتج المحلي الكلي .

- ارتفاع الدين العام سواء نتيجة العجز المتنامي والمتزايد أو لأسباب اجتماعية واقتصادية وأمنية حتى وصل لقرابة ١٢٧ مليار دولار .

وفي نهاية المطاف يلاحظ عدم واقعية هذه الموازنات وعدم جدوى العجز المخطط في تحريك السوق وانتشاله من حالة الكساد التي تفتك به وفشلها في توجيه الدفة الاقتصادية للبلاد، فبالرغم من ضخامة الانفاق حتى وصل ل ١٣٩ تريليون دينار، وارتفاع تقديرات العجز ل ٧٢ تريليون دينار بتقديرات موازنة ٢٠٢٠، يبقى المواطن يعاني شحة العمل ويسأل نفسه بعد ان تعب من سؤال الحكومات المتعاقبة أين تذهب هذه الأموال؟ وأين يذهب العجز المخطط؟ ولماذا العجز المخطط أصلاً إذا لم يكن هناك عمل أو لم يكن هناك تعيينات ولم يكن بناء ولا ماء صالح للشرب ولا كهرباء ولا استثمار ولا علاج للفساد ولازال أكثر من ٣٠٪ من سكان يسحقون دون مستوى خط الفقر فما داعي العجز المخطط وأين ذهبت وتذهب وستذهب الأموال.

 

فراس زوين

 

 

محمود محمد عليمرة أخري نعود ونكمل حديثنا في هذا المقال السابع والأخير عن المخطط الأمريكي لاحتلال العراق 2003،وهنا نركز علي أهم نتائج الحرب الأمريكية علي العراق التي توصلنا إليها من المقالات السابقة، وفي هذا يمكن القول إن التبريرات الأمريكية التي انطلقت منها الحرب الأمريكية علي العراق والتي كان من بينها (القضاء علي أسلحة الدمار الشامل – القضاء علي نظام صدام حسين والذي من وجهة نظرهم أنه علي علاقة مع التنظيمات الإرهابية-وبناء الديمقراطية في العراق– التدخل من أجل حقوق الإنسان) تبين زيف بعضها (القضاء علي أسلحة الدمار الشامل)، وعدم واقعية البعض الآخر (بناء الديمقراطية في العراق– التدخل من أجل حقوق الإنسان) وتحولت العراق لمركز للإرهاب، بدلاً أن تكون مقراً لمحاربته وتحول هدف الإدارة الأمريكية في العراق من الأهداف والتبريرات السابقة إلي مستوي أدني وهو الحفاظ علي استقرار الأوضاع في العراق .

ومن هنا سوف نتقصى نتائج الحرب الأمريكية علي العراق علي عدة مستويات منها المستوي السياسي والأمني – المستوي الاقتصادي – المستوي الثقافي .

1- علي المستوي السياسي والامني:

يتجلى الهدف الأمريكي السياسي والأمني من وراء غزو العراق بوضوح أكثـر، وهـو تسـوية أرض المنطقة العربية وتمهيدها دون مقاومة أو ممانعة تعاند واشنطن في مرحلة ما بعد الحادي عشـر مـن سبتمبر 2001م، وإيجاد "الشرق الأوسط الكبير"، هدفه تطبيع إسرائيل في المنطقة بعد فشل مشروع الشرق أوسطية، بمعارضة قوية من سوريا، والعراق، وإيران، وضرب العراق هو أولاً تعبير عن السخط وفراغ الصبر من عدم خضوع المنطقة كلياً للإرادة الأمريكية، وثانياً حماية أمن إسرائيل ودعمهـا وتبريـر سياساتها وتوفير التغطية الدبلوماسية لكل ما تقوم به هو الوجه الآخر للمصالح القومية الأمريكية، ولا شك في أن موقف العراق من القضية الفلسطينية، كان داعماً ومشرفاً، لذا كان الكيـان الصـهيوني أكبر محرض على حرب العراق .

وباجتياح العراق واحتلال أرضه وإسقاط نظامه السياسي تكون أمريكـا، قـد خطـت خطوتهـا الحاسمة نحو تفكيك الكيان العراقي، وحل الجيش، والشرطة، وإنهاء الدولة، وإحداث فراغ سياسـي فيـه، وسماح قوات الاحتلال لعمليات السلب، والنهب، وإحراق الدوائر الحكومية والوزارات (مـا عـدا وزارة النفط)، والمتاحف، والمكتبات، والجامعات، تعني شيئاً واحداً هو مصادرة الدولة وتحطيم الكيان السياسـي للعراق واستنزافه، ومنعه من النهوض بدوره القومي، وتدمير كل هياكل الدولـة (المؤسسـات العلميـة والثقافية).

وتهدف الإدارة الأمريكية بمساعدة (الموساد) الإسرائيلي، الذي أقام قواعد له فـي العـراق، أن تخلق حالة من التوجس والاحتقان، بين فئات الشعب العراقي ودفعهم للاقتتال الداخلي، وإشـعال حـرب طائفية بين العراقيين، وتقسيمه إلى دويلات متنافرة، ومتصارعة، وغير قادرة على حماية نفسها، وتعـيش تحت الخطر المزعوم، وهذا ما يجعلها دائماً بحاجة لحماية أجنبية، ومن ثم يصبح الاحتلال الأجنبي في العراق ضرورة ومطلباً، وبمناسبة مرور عام على الاحتلال أشارت تقديرات لمركز أبحاث مستقل إلى أن عدد المـدنيين العراقيين الذين قضوا منذ الحرب التي قادتها الولايات المتحدة على العراق يتـراوح بـين 8400 و 10300 شخص .

على أن الأمر الذي يخفف تداعيات الغزوة الأمريكية السياسية على العراق، جاء من الوقفة الرائعة للشعب العراقي،ومن قدرة النخب والناشطين، على تمثيل القواسم المشتركة بين فئات الناس، في وعيهم بوطنهم، ومصالحهم، وعدم فقدان البوصلة في تحديد الأهداف، ورفضهم الأمـان للاحـتلال ومطالبتـه بالرحيل، والقيام بأعمال المقاومة الشاملة ضد المحتلين في بغداد، والفلوجة، والرمادي وغيرهم .

ولا شك في أن مواجهة أمريكا للشعب العراقي نقلها إلى الموقف الأضـعف، ذلـك لأن قوتهـا تتجلى عندما تكون المواجهة بينها وبين دولة وجيش نظامي، أما عندما تواجهها الجماهير، فهنا تكمـن نقاط ضعف القوات المحتلة .

وقد اعترف الجنرال "دافيد ماكيرنان" David McKiernan قائد القوات الأمريكية البرية في العراق بأن " الحرب لم تنته بعد " وأن الأمريكيين حققوا نجاحاً ضئيلاً في مواجهتهم للمقاومة، ويزداد شعور بـأن المعركـة الحقيقية، إنما قد تكون بعد في بدايتها على حسب تعبير كاتب أمريكي في مجلة النيوزويك الأمريكية.

ومن جهة أخري فإنه منذ بداية الاحتلال الأمريكي، فإن الادارة الأمريكية سعت الي استمالة الشيعة علي حساب السنة، وبعد انتهاء الحرب قامت سلطات الاحتلال الأمريكي بقيادة الحاكم المدني " بول باريمر "، بتأسيس مجلس الحكم الانتقالي للعراق علي أساس طائفية اثنية، حيث ضم المجلس 25 عضواً من بينهم 13 عضواً من الشيعة، و5 أعضاء سنة، و5 أعضاء أكراد، وواحد مسحي، وواحد تركماني.

وطبقا لما ذكره " ريتشارد هولبرك" Richard Holbrooke، سفير الولايات المتحدة السابق أن إقامة حكومة ديمقراطية في العراق سوف يخلق صراعات ونزاعات طائفية، وربما تكون تلك النزاعات أسوأ، مما كانت عليه في البوسنة، وذلك لأن الانتماءات الطائفية في حالة العراق أشد تعقيداً .

وكان نتيجة ذلك بطبيعة الحال تزايد معدلات العنف الطائفي، ووصول الأمر الي حد الحرب الأهلية، بل وتفتيت وانهيار الدولة، ويمكننا القول أن الإدارة الأمريكية هي التي أرست الطائفية في المجتمع العراقي، نتيجة السياسات التي اتبعتها في التمييز بين السنة، والشيعة، والأكراد .

وعلي الرغم من إقامة الانتخابات في العراق، إلا أن مستقبل الديمقراطية غير واضح في العراق، فمازالت الأحزاب تختلف حول مجموعة من القضايا، منها دور المرأة، وطريقة الانتخابات، وحسب مجموعة من الباحثين، فإنه لكي تنجح الجهود الأمريكية في توفير الاستقرار، والأمن في السنوات المقبلة في العراق، فإنه يتعين عليها عمل الآتي:

أ- منح السنه تمثيلاً متوازناً مع الشيعة والأكراد في مختلف المؤسسات .

ب- إعادة كافة كوادر حزب البعث إلي وظائفهم السابقة .

جـ- العمل علي تفكيك كافة المليشيات الموجودة علي الساحة، وإعادة إدماجها في المجتمع .

د- العمل علي وضع استراتيجية لتشكيل جيش فعال ومجهز .

ومن نتائج السياسات الأمريكية واتباعها سياسة اجتثاث حزب البعث، فتم نتيجة ذلك طرد آلاف الموظفين، والمدرسين، وأساتذة الجماعات من وظائفهم، وحرمان كل من له صله بـ "حزب البعث" من وظائفه، وكان لهذا تأثيره الواضح علي الوضع الأمني في العراق، حيث انضم العديد من هؤلاء إلي جماعات المقاومة التي رفعت السلاح في وجه الاحتلال والحكومة العراقية .

ومن هنا يجب الاشارة إلي انضمام هؤلاء الأشخاص إلي التنظيمات الراديكالية، ومن تنظيم الدولة الاسلامية الذي أصبح يلعب دوراً مهماً علي الساحة العراقية والسورية .

وارتفع عدد ضحايا الوضع الأمني، طبقاً لدراسة أعدتها مجلة "لانست "الطبية البريطانية، حيث ارتفع معدل الوفيات بنسبة ثلاثة إلي واحد مقارنة بما كان عليه الحال قبل الغزو، وارتفع معدل الوفيات الناجمة عن أعمال العنف من 3,2 حالة وفاة إلي 12 حالة وفاة من كل ألف شخص بعد الغزو من يونيو 2005 الي يونيو 2006 وزاد عدد القتلى الأمريكان الي 2974 خلال أربع سنوات من 2003 الـ 2006 (129)، وعلي المستوي الإقليمي كشفت الحرب مدي ضعف النظام الإقليمي، ووصول النظام العربي إلي مستوي التردي الممثل في جامعة الدول العربية، وفشل هذا النظام في حماية الحقوق العربية وكانت إسرائيل من أكثر الرابحين علي المستوي الإقليمي، حيث تم تدمير دولة عربية تشكل تهديداً لها وهذا سوف يوجه رسالة لباقي دول النظام، إنها سوف تلقي نفس المصير إذا سعت لامتلاك أسلحة دمار شامل، أما إيران فتنامي نفوذها الاقليمي علي عكس ما كانت تشتهيه إسرائيل والولايات المتحدة، وعلي المستوي الدولي كشفت الحرب عن عجز مجلس الأمن والأمم المتحدة في دورهما في حفظ الأمن والسلم الدوليين، وتخطت الولايات مجلس الأمن عندما لم تستطع تخطي غالبية  أعضائه .

2- علي المستوي الاقتصادي:

تؤكد الحرب العدوانية التي شنتها الولايات المتحدة على العـراق أن ثمـة برنامجـاً سياسـياً واقتصادياً لدى اليمين المتطرف في الإدارة الأمريكية ولوبي الصناعة العسكرية، والشركات الاحتكارية الكبرى أرادوا تنفيذها، وبدأ باحتلال العراق والسيطرة على نفطه وتأمين منابعه وخطوط نقله وإمداداته. وكل ما يقال عن نشر " الحرية والديمقراطية " يفتقر إلى دليل حقيقي تظهره الممارسات اليومية لقوات الاحتلال الأمريكية في العراق، إذ استولت هذه القوات على جميع آبار النفط مـن أم قصـر، والفـاو، والبصرة جنوباً، حتى كركوك والموصل شمالاً، وأمنت حراستها حراسة جيدة. كما سـمحت بأعمـال النهب والسرقة في كل الوزارات، والمنشآت الحكومية في العاصمة بغداد، ما عدا وزارة الـنفط التـي وضعت عليها حراسة مشددة منذ اليوم الأول للاحتلال ، ودخل وزارة النفط العراقية في بغداد بحراسة الجنود الأمريكيين “غراي فوغلر”Gray Vogler المدير السابق لشرطة نفـط إكسـون Exxon وصعد إلى الطابق الثالث وجلس على مكتب وزير النفط العراقي السابق "عامر محمد رشيد"، وأخذ يفتش وثائق وزارة النفط العراقية. وعلى عكس حرب الخليج الثانيـة عام ١٩٩١ بقيت منشآت النفط العراقية في حرب ٢٠٠٣ سليمة، وينوي الأمريكيون أن يوجهوا ضربة قوية لمنظمة أوبيك بأن يرفعوا سقف إنتاج النفط العراقي مستقبلاً بعد الإصلاحات في منشآته إلـى ٦ ملايين برميل نفط يومياً، هذا الحلم قد راود السياسيين وأصحاب شركات النفط منذ أزمة النفط ١٩٧٣ في أعقاب حرب أكتوبر 1973م، بأن يكسروا تحكم أوبيك بالأسعار وأن يباع النفط في السوق الحرة وفق قانون العرض والطلب، ولن تسمح الإدارة لأمريكية لمنظمة أوبيك باستبدال دولارها باليورو الأوروبي، وهي لن تتوانى عن نسف هذه المنظمة من جذورها إذا اقتضى الموقف ذلك .

ومما لا شك فيه أن معظم ما تم تدميره في العراق لم يكن بسبب عسكري استراتيجي، بل بهدف اقتصادي بحت، وهو إعادة إعماره وتتسابق كبرى الشركات الأمريكية للحصول علـى عقـود إعـادة المرافق المهمة في العراق وإدارتها، وإن أرباحاً فلكية تحققت وذهبت إلى خزائن من يعرفون بأثريـاء الحروب وفي مقدمتهم الرئيس جورج بوش شخصياً إذ إنه كان مديراً لشركة نفط سابقاً، وإلى شركات لوبي المجمع الصناعي العسكري، وعلى رأسها شركات لوكهيد مارتن. ونائب الرئيس الأمريكي ديـك تشيني، كان رئيساً لمجلس إدارة شركة "هالبيرتون" للخدمات النفطية من عام 1991م حتى عـام 2000م، في حين كانت مستشارة الأمن القومي كوندليزا رايس تشغل منصباً إدارياً رفيعاً في شـركة شـيفرون النفطية لمدة تسع سنوات، وإن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد شغل منصب رئـيس مجلـس إدارة شـركة جنرال انسترومنت، وقبلها مجموعة شركات بكتل. وقد أناطت إدارة بوش بالوكالة الأمريكيـة للتنميـة الدولية مسؤولية إعمارالعراق بعد احتلاله. وبدأت معركة العقود أو (معارك البيزنس)، وانكشف الأمر المستور عن حقيقته باحتكار مجموعتي هالبيرتون وبكتل لعملية إعادة الإعمار، فقد حصلت مجموعـة هالبيرتون على عقود تصل إلى ٧ مليارات دولار خلال العامين الحالي والقادم، أبرزها عقود مبرمـة مع شركات كيلوغ براون أندروت Kellogg Brown & Root Inc التي كان تشيني مديرها التنفيذي، وتصل قيمتها قبل اندلاع الحرب مع سلاح الهندسة بقيمة 750 مليون دولار لإصلاح آبار النفط وتشغيلها، وأبرمت عقـود مـع وزارة الدفاع بنحو 450 مليون دولار لتقديم خدمات إمداد الجيش وتموينه في أثناء الحرب. أمـا المجموعـة الثانية هي شركات بكتل ومديرها الحالي جورج شولتز (وزير خارجية في عهد ريجان) وله علاقـات وثيقة مع رامسفيلد حصلت على عقود لإعادة البناء والبنى التحتية وإنشاء محطات كهرباء ومياه وطرق بقيمة 680 مليون دولار.

أما العقود الأخرى ستعطى للدول الحليفة كبريطانيا، وإسرائيل، وأسبانيا، وأستراليا، ثم الشركات من الجنسيات الأخرى على حسب مواقفها من الحرب .

ولا يقتصر الضرر الاقتصادي الذي حل بالعراق على النفط فقط، وإنما على الديون هذه المشكلة كبيرة ؛ إذ إن احتياطات القطع الأجنبي العراقي، قد نفدت بفعل توالي الحروب والعقوبات الدولية. وكـان إجمالي الديون على العراق في نهاية عام 1990م يقف عند حد 48,1 مليار دولار وأصبح فـي نهايـة 2002 م يساوي 180 مليار دولار، وما يزيد على ثلث هذا الدين هو ديون مستحقة لدول الخلـيج العربـي، وفي المقدمة الكويت والسعودية، ثم بعد ذلك روسيا ولها ٨ مليارات دولار تراكمت جميعها قبل عـام 1991م .ويعاني العراق من ورطة الديون التي قد تنقضي أعمار أجيال من أبناء العراق دون أن يقـدر العراقيون على أن يروا شيئاً من ثروة بلادهم، وهو ما يعني أن أمريكا وبريطانيا وحدهما المستفيدتان من النفط المتدفق إلى الخارج .

ومن جهة أخري فقد أنهت الحرب الأمريكية علي العراق علي ركائز الدولة القومية في العراق، حيث أدت سلسة الحروب الي انهيار قيمة الدينار العراقي، وبعد الحرب الأمريكية، تم استبدال الدينار العراقي والذي يحوي صورة صدام بدينار آخر جديد، حيث 1500-2000 دينار عراقي تساوي دولار أمريكي واحد ويمكن القول إن الحرب أدت إلي:

أ- معاناة البنية التحتية للاقتصاد العراقي من الانهيار وتدهور الصناعات النفطية ووصل معدل التضخم الي أكثر من 58% نتيجة انهيار سعر الصرف غير الرسمي للدينار العراقي .

ب- معاناة القطاع المصرفي من السلب والنهب .

جــ - وصول الديون العراقية إلي مليارات الدولارات .

د - معاناة في قطاع النفط ويصل التدهور في بعض الأحيان إلي استيراد العراق البنزين من الدول المجاورة مثل الكويت .

هــ - انهيار القطاع الزراعي والبنية التحتية للعراق وتدهور قطاعات الكهرباء ومياه الشرب والاتصالات والسكن .

وأيضاً من النتائج الاقتصادية تزايد معدلات البطالة بين 30 و40 %، وتضاعفت معدلات سوء التغذية، وهروب رأس المال الأجنبي، وانتشار الفساد في القطاع النفطي، وتدهور الناتج المحلي، والدخل القومي، وتدني مستوي معيشة المواطنين، ومؤشرات إنتاج النفط انخفضت من 2.25 مليون برميل إلي 2,1 مليون برميل بين عامي 2003 و2005م، ويرجع ذلك إلي عمليات المقاومة، التي طالت عدداً من المصافي، هذا بالإضافة إلي السياسات الأمريكية التي ركزت في معظمها علي قطاع النفط لخدمة مصالح الولايات المتحدة .

أما علي مستوي الولايات المتحدة تجاوزت خسائر الجيش الأمريكي أربعة آلاف قتيل في الذكري الخامسة، وبلغ عدد الجرحى 29314 مصاباً، وتتسم التكلفة المادية للحرب، بأنها أكثر ضخامة حتي مقارنة بتكاليف حرب فيتنام، فمع دخول الحرب في العام السادس، وصلت التكلفة الي 12 مليار دولار شهرياً، أي ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في السنوات السابقة .

3- علي المستوي الثقافي والاجتماعي:

يستدعي سقوط بغداد الثاني في يد المحتلين الأمريكيين عام 2003م، من الذاكرة، استرجاع سقوط بغداد الأول على يد جيش المغول عام 1258م، م بقيادة هولاكو الذي دمر المدينة العظيمة، وأعمل القتل في سكانها، وانتقم من عاصمة الحضارة – عاصمة الرشيد – وفيها مكتبة بيت الحكمة، وألقى كتبها في نهر دجلة الذي بقيت مياهه لأيام عدة مصطبغة بلون الحبر لكثرة ما ألقي فيه من كتب. وفـي أعقـاب احتلال بغداد، نهبت المتاحف التاريخية الأثرية، وسرقت الوثائق والمخطوطات داخـل متـاحف بغـداد، ناهبين، ومحطمين القطع الأثرية، والجنود الأمريكيون يتفرجون على ما يجري وكأنه لا يخصهم، لقـد كان المتحف القومي العراقي في بغداد ضحية هجوم مخطط بعناية، فاللصوص الذين أخذوا معظم الآثار القيمة جاءوا مستعدين بتجهيزات لرفع أثقل الأشياء، ولم يحدث منذ الحرب العالمية الثانية، حين جردت المتاحف الأوروبية بصورة منظمة أن ارتكبت جريمة كهذه. لقد كانت جريمة منظمة لأن الأمـريكيين يعرفون قيمة المتاحف، وقيمة الجامعات، وقيمة مكتباتها ومخابرها. وكان البروفسور "جيبسون" من جامعة شيكاغو ضمن مجموعة التقت مسؤولين من وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عدة مرات وقدمت لهم قائمة بالمواقع الأثرية التي يتعين حمايتها، وخاصة المتحف القومي العراقي في بغداد.

وقد نُهب المتحف وسرق 170 ألف قطعة من معروضات الآثار، التي تعود إلى آلاف السـنوات، منها آنية زهور من المرمر يعود تاريخها إلى 3500 عام ق. م. وتقدر قيمـة هـذه الآثـار ببلايـين الدولارات. كذلك سرقت قطع ذهبية ولوحات ومخطوطات نادرة، كما نُهبت جامعة الموصل، ومتحـف الموصل، وجامعة البصرة، وغير ذلك من المراكز الثقافية والعلمية العراقية. وتشير هذه الحملة المنظمة إلى نيات خطيرة لدى قوات الاحتلال، تتمثل بتدمير الهوية الثقافية لبلد له تاريخ حضاري يزيد علـى خمسة آلاف عام، فالعراق قدم للعالم الكتابة السومرية قبل الميلاد بثلاثة آلاف عام، وقدم للإنسانية أولى الملاحم (ملحمة جلجامش)، وتشريعات حمورابي القانونية، وفي بابل بنيت إحدى عجائب الدنيا السـبع (حدائق بابل المعلقة)، وفي العصر العباسي أُسست أعظم مكتبة علمية في التاريخ بعد مكتبة الإسكندرية، وهي بيت الحكمة أيام الخليفة المأمون .

وتتجه أصابع الاتهام إلى المجلس الأمريكي للسياسة الثقافية ACCP، وهو مؤسسة تضم فـي صفوفها مجموعة من جامعي القطع الأثرية، والفنية، ورجال القانون، وبائعي التحف الفنية، بسبب تشجيعها على سرقة الإرث الثقافي العراقي، وقد بدأت القطع الأثرية المسروقة واللوحات الفنية تصل إلى أوروبا وأمريكا وتجاوزت حدود الشرق الأوسط لتباع في لندن ونيويورك. وكان لعمليات النهب والسرقة التي تعرضت لها مدن العراق تأثيرات كبيرة في الأوساط الثقافية العالمية، ومنها استقالة ثلاثة أعضاء مـن اللجنة الاستشارية للممتلكات الثقافية في البيت الأبيض الأمريكي، وعلى رأسهم رئيس اللجنـة (مايكـل سوليفان) احتجاجاً على ما حصل في العراق. وقد ذكر سوليفان في خطاب استقالته أنه يترتـب علـى الرئيس بوش التزام الأخلاقي لمنع أعمال النهب، والسلب، والتدمير، ومن الجدير بالذكر أن اتفاقية "لاهاي" قضت بحماية التراث الإنساني، لكن أمريكا وبريطانيا لم توقعا عليها .

وفـي أعقـاب احتلال بغداد نهبت المتاحف التاريخية الأثرية، وسرقت الوثائق، والمخطوطات داخـل متـاحف بغـداد، وتعرض أيضاَ المتحف القومي العراقي في بغداد ضحية هجوم مخطط بعناية، فاللصوص الذين أخذوا معظم الآثار القيمة، وقد نهب المتحف وسرق 170 ألف قطعة من معروضات الآثار التي تعود إلى آلاف السـنوات يعود تاريخها إلى 3500عام ق. م، وتقدر قيمـة هـذه الآثـار ببلايـين الدولارات، كذلك سرقت قطع ذهبية ولوحات ومخطوطات نادرة، كما نهبت جامعة الموصل ومتحـف الموصل وجامعة البصرة وغير ذلك من المراكز الثقافية والعلمية العراقية ولم تقتصر النتائج الثقافية للغزو الأمريكي على العراق على الكنوز التاريخية فحسب بل امتـد إلى طبقة المثقفين، حيث أن 3500 مطلوب استجوابهم بشأن مشاركتهم في صناعة التسليح العراقية و 500 مطلوب رأسهم لمعرفتهم خبايا برامج أسلحة الدمار الشامل المزعومة في العراق .

ولم تقتصر النتائج الثقافية للغزو الأمريكي على العراق على الكنوز التاريخية فحسب، بل امتـد إلى طبقة المثقفين من العلماء العراقيين، إذ إن 18 ألف عالم ومهندس وطبيب مطلوبون في قوائم الإدارة الأمريكية بتهمة مشاركتهم في صناعة العلم العراقية، و3500 مطلوب استجوابهم بشأن مشاركتهم في صناعة التسليح العراقية، و 500 مطلوب رأسهم لمعرفتهم خبايا برامج أسلحة الدمار الشامل المزعومة في العراق ، والمطلوب تفريغ العراق من علمائه قبل أن يبتعد عن دوامة التخلف، فالعراق كغيره مـن الدول النامية ممنوع أن يتجاوز الخط الأحمر للإفلات من عجلة التخلف، وقد حقق العـراق إنجـازات كبيرة على صعيد البحث العلمي وإيفاد الشباب العراقيين لجامعات الغرب للحصول على الخبرات التي يمكن استثمارها في التصنيع والتكنولوجيا، وقد أفرز ذلك نخبة من العلمـاء تخصـص بعضـهم فـي اختصاصات علمية نادرة، وبعد انتهاء الحرب الباردة تنبهت جامعات الغرب ومنعت طـلاب البعثـات باختصاصات نادرة كالفيزياء النووية، والكيمياء، وعلوم الحياة، حتى بعض مجالات الطـب، والهندسـة، وخلال سنوات 1990م– 1999م تمكن رغم المنع في جامعة جورجيا 112 عراقياً مـن نيـل شـهادة دكتوراة في العلوم والهندسة، وكانت الولايات المتحدة قد فتحت أبوابها للعلمـاء العـراقيين، كلاجئـين سياسيين منذ عام 1991م، ولكن لم يخرج من علماء العراق إلا القليل. وعملياً بعد هروب "خضر حمزة" الدكتور في الفيزياء النووية عام ١٩٩٤ لم يهرب أي عالم من العراق فبقي العلماء العراقيون غصة في الحلق الأمريكي، ولم تستطع استقطابهم، وفي عام 2002م أقر مجلس الشيوخ الأمريكي مشروع قانون هجرة العلماء العراقيين وإعطاء 500 عالم عراقي Card Green مقابل أن "يتعاونوا تعاوناً كاملاً مع كل ما تطلبه حكومة الولايات المتحدة وبكل إخلاص وصدق وبشكل غير محدود ".

ولم يستجب العلماء العراقيون لهذه الإغراءات لذا لم يبق أمام الولايات المتحدة سوى تصـفيتهم. ويؤكد هذا جنرال فرنسي متقاعد من معلومات مؤكدة لديه، أن قوات كوماندوز صـهيونية تضـم 150 عنصراً دخلت الأراضي العراقية بالفعل تنفيذاً لخطة اغتيال الكفايات العراقية تضم قائمة بــ 2000عالم من أمثال العالمة العراقية " رحاب طه" و"عبد الناصر هنداوي" و"حازم علي" و"مهدي عبيـد" و"جعفـر ضياء" و"سعد خضر" و"فايز بيرقدار"، وغيرهم الكثيرون. وبذلك تتكرر مع العرب وأمـام صـمت دولـي مريب مأساة ضرب مفاعل تموز العراقي في عام 1981م، واغتيال العالم "يحيى المشد" المصـري فـي باريس .

تحليلا لما سبق يمكن القول أن الحرب الامريكية علي العراق قضت علي العراق وأسهمت في تحوله إلي دوله فاشلة فقبل التدخل الأمريكي كان العراق دولة هشة علي الأقل تتسم بالقدرة علي بتلبية مطالب المواطنين الاساسية، إلا أن عنصر الاحتلال أدي الي تدمير الدولة العراقية، وتحوله إلي دولة فاشلة سياسياً واقتصاديا، كذلك فإن الإدارة الأمريكية هي التي وضعت بذور الطائفية، فضلاً إلي أعداد الضحايا والانتهاكات التي نتجت عن التدخل الامريكي في العراق .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

كاظم الموسوياستلم جون بولتون يوم 2018/4/9 ذكرى احتلال بغداد عام 2003  منصبه الجديد، مستشارا للأمن القومي بقرار الرئيس الامريكي دونالد ترامب، وهو أحد مهندسي وداعمي غزو واحتلال العراق. وطرد من منصبه بتغريدة عشية الحادي عشر من ايلول/ سبتمبر، وذكراها الأمريكية، هذا العام. كنت قد كتبت هذا المقال عنه ونشر في  16/4/2005 ، قبل أكثر من 14سنة واعيد نشره الان للاطلاع، لا شماته بأصدقائه العرب والمحتفلين به بانواطهم وشهاداتهم بالتراهن والتخادم:

اثار اختيار الرئيس الأمريكي بوش الابن لجون بولتون إلي وظيفة سفير الولايات المتحدة في الأمم المتحدة استياء العديد من الدبلوماسيين الأمريكيين قبل غيرهم من المتضررين سابقا من عمل بولتون أو مستقبلا. من هو جون بولتون ولماذا تم هذا الاختيار وهذا الاحتجاج عليه؟.

يعد بولتون أحد أبرز زعماء المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية، وقد عبر وهو المحامي، وخريج جامعة ييل الأمريكية، دارسا الحقوق فيها، عن استهزائه بالقانون الدولي وبعمل ومواثيق المنظمات الدولية، خاصة الأمم المتحدة، وبالمحكمة الجنائية الدولية وميثاق روما لها، ولديه أقوال وآراء مشهورة فيها. وخدم في الإدارات المختلفة موظفا بامتياز لتنفيذ المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وقبول كل تكليف له بغض النظر عن مستواه الإداري، وسجله في القضايا الدولية والمتعددة الأطراف التي تعامل معها مزعج ومشهود له بنهاياتها المريحة للاستراتيجية الإمبراطورية، كما أشار العديد من المحللين السياسيين الأمريكيين خصوصا.

شغل العديد من الوظائف المساعدة لوزير الخارجية، وآخرها في قضايا الحد من التسلح والأمن الدولي، وقد اعترض وزير الخارجية السابق الجنرال كولن باول على تعيينه، ولكن الوزيرة الحالية الدكتورة رايس، لم توافق وحسب وإنما قدمته كرجل من مساعديها الجدد في إدارة جانب مهم وحساس من السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وفي تقديمها له ذكرت ما قاله رئيسها بوش في اجتماع الجمعية العامة في ايلول/ سبتمبر الماضي من رغبة بلاده في تمتين العلاقة مع الأمم المتحدة وتعاونها مع أعمالها وتمني النجاح لمهماتها كأساس مهم في الدبلوماسية الأمريكية. وبعد حديث صار متكررا عن أعمال بلادها في نشر الحرية والديمقراطية في العالم، لاسيما في ما يسمونه غربيا الآن بالشرق الأوسط الكبير، وذكرت أسماء بلدان متعددة، لو شرحتها لوقعت في تناقض مع ما تدعيه ووقائع الأحوال فيها، ولكنها وهذه ضمن إطار سياستها الجديدة تعتمد على الصورة التلفزيونية لما تريده واشنطن منها والإيحاء بها أمام العالم، سواء كانت لها يد فيها أو الادعاء بنتائجها. وعند وصولها لتقديم السفير الجديد الذي رشحه رئيسها بوش وصفته بالخبير والدبلوماسي البارع، والشخص المناسب لمهمته في الأمم المتحدة. وأفادت بأنها مع الرئيس بوش اختارا جون بولتون لهذا المنصب لأنه يعرف من أين يؤكل الكتف فيها. وعددت مناقبه في تشكيل تحالفات دولية لخدمة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وتنفيذ سياساتها.

ما يهم العرب منها ما ذكرت من نجاحاته فيما قام به في التفاوض مع ليبيا لتجريدها من مشاريعها في بناء أسلحة دمار شامل، وفي عمله المستمر لتغيير المنظمة الدولية وادانة عمل وكالاتها ومنظماتها المتعددة التي تقدم خدمات انسانية عامة. والقضية الأخرى الأساسية هو ما قام به عام 1991، حيث كان مفتاح ومخطط الحملة وراء إلغاء قرار الأمم المتحدة رقم 3379 الذي يعتبر الحركة الصهيونية حركة عنصرية. ومن بعدها عمل خلال فترة 1997- 2000 مساعدا لمبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، وزير الخارجية الأمريكي السابق جيمس بيكر، في قضية الصحراء الغربية.

وفي رده الدبلوماسي على تقديم الوزيرة أعاد تذكيرها بسجله الحافل بمساهماته في المنظمات الدولية وقضايا التعاون والحد من التسلح والأمن الدولي ونقده لسياسات الأمم المتحدة ومنظماتها التي تنتقد الولايات المتحدة باستمرار، ومواقفه منها، ولاسيما قرار عام 1975 الذي ساوى بين الصهيونية والعنصرية وعمله على إلغائه، الذي به مسح اعظم وصمة لحقت بسمعة الأمم المتحدة، كما قال حرفيا.

لماذا كرر بولتون ورايس هذه القضية، التي تهم العرب أساسا، ونضالهم المشروع من اجل حقوق الشعب الفلسطيني العادلة وقرارات الأمم المتحدة، الشرعية الدولية المعترف بها؟. بالعودة إلي القرار وكيفية إصداره تعرف الإجابة عن السؤال وعن مستقبل غيره من الأسئلة المشابهة التي سيقوم بها بولتون في منصبه الجديد.

القرار 3379 صدر عن الأمم المتحدة في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1975 اقر اعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري. بالاستناد إلي قرارات سابقة أصدرتها المنظمة عام 1963 داعية إلى القضاء على كل أشكال التمييز العنصري، وقرارها عام 1973 الذي أدانت فيه في جملة أمور التحالف الآثم بين العنصرية والصهيونية، وإعلان المكسيك بشان مساواة المرأة ومساهمتها في الإنماء والسلم عام 1975 والذي أعلن المبدأ القائل بان "التعاون والسلم الدوليين يتطلبان تحقيق التحرر والاستقلال القوميين، وإزالة الاستعمار والاستعمار الجديد، والاحتلال الأجنبي، والصهيونية، والفصل العنصري والتمييز العنصري بجميع أشكاله، وكذلك اعتراف بكرامة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها". ومعتمدة على ما صدر من دورة رؤساء دول وحكومات الوحدة الأفريقية في آب/ أغسطس 1975 والذي رأى أن: "النظام العنصري الحاكم في فلسطين المحتلة والنظامين العنصريين الحاكمين في زيمبابوي وجنوب أفريقيا ترجع إلى اصل استعماري مشترك، وتشكل كيانا كليا، ولها هيكل عنصري واحد وترتبط ارتباطا عضويا في سياستها الرامية إلى إهدار كرامة الإنسان وحرمته". وكذلك الإعلان السياسي واستراتيجية تدعيم السلم والأمن الدوليين وتدعيم التضامن والمساعدة المتبادلة فيما بين دول عدم الانحياز اللذين تم اعتمادهما في مؤتمر وزراء خارجية دول عدم الانحياز في أغسطس 1975 واللذين أدانا الصهيونية بوصفها تهديدا للسلم والأمن العالميين وطلبا مقاومة هذه الأيديولوجية العنصرية الإمبريالية". ولهذا عمل بولتون إلى إلغاء هذا القرار في 16 ديسمبر عام 1991، وهنا لابد من التساؤل عن معنى هذا العمل ووصفه وتوقيتاته والانتباه لها ولما وراءها من دلالات سياسية وتاريخية. أليس هذا الإلغاء حاملا لأكثر من معنى وعلى اكثر من صعيد، ولماذا هذا القرار بالذات؟. لاشك في معرفة سيرة حياة ومواقف الذي يحتفي بتعيينه في هذا المنصب وما قدم به وعلى أساسه اختير لهذا الموقع المباشر والمؤثر على مصير المنظمة الدولية وميثاقها وقراراتها، تعكس دلالات عديدة، بل ولها معاني خطيرة وأبعاد أخرى، ليس اقلها أنها تنذر بعواقب شديدة وربما تأثيرات على مصائر شعوب، لا قرارات وحسب. فهو كما وصف بأنه حاد في أحكامه ويُحل الحرام ويحرم الحلال، كما يوصف، وإذا كان هذا موقفه من المنظمة ومن قراراتها فماذا يمكن التوقع منه ومن مواقفه من قرارات أخرى متواصلة مع قرار إدانة الصهيونية وتعريفها واستغلال التغيرات في موازين القوى واغتنام الفرص في إلغاء أو تحوير قرارات الأمم المتحدة رغم كل الملاحظات والاحتجاجات على ازدواجية المعايير في التعامل مع بعضها وبعض تطبيقاتها مع بعض البلدان، وفي خصوص العرب ماذا عليهم أن يتوقعوا من هذا الرجل وماذا يتوجب عليهم من استعدادات لإنجازاته القادمة؟!.

 

كاظم الموسوي

 

محمود محمد عليمرة أخري نعود ونكمل حديثنا في هذا المقال السادس عن المخطط الأمريكي لاحتلال العراق 2003،وهنا  نركز علي العامل الجيوستراتيجي وفي هذا يمكن القول: يشكل العامل الجيوستراتيجي عاملاً شديد الأهمية في سياسات الإدارات الأمريكية، تجاه منطقة الشرق الأوسط عموماً، والخليج العربي بشكل خاص، وإلى جانب الموقع الجغرافي المهم للمنطقة بإشرافها على بحار العالم ومحيطاته، وأهم المضائق العالمية التي تمر عبرها التجارة الدولية بخاصة، فالجديد في عقيدة التدخل الأمريكي، أنها لم تعد تقتصر على الحفاظ على مصالحها في المنطقة، وضمان وصول إمدادات النفط إليها، وإنما أخذت تسعى إلى ضمان موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي السياسي والاقتصادي، فالولايات المتحدة – وإن كانت لا تزال القوة العسكرية،  والاقتصادية العظمى – إلا أنها تعانى حالياً من منافسة شديدة من أقطاب أخري متطلعة للقيام بأدوار مهمة في المجالين السياسي، والاقتصادي العالمي، كالصين، والهند، والاتحاد الأوربي، وروسيا العائدة بقوة إلى الساحة الدولية .

ولقد جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كذريعة لإدارة بوش (الابن) لتحقيق أهداف بعيدة المدى وفق استراتيجية الحسم العسكري، والحرب الوقائية، والتدخل المباشر، واستطاعت الولايات المتحدة عبر استغلال التعاطف العالمي معها بعد أحداث 11 سبتمبر بمؤازرة الخوف والخشية التي تملكت أطراف عدة من ردة الفعل الأمريكية تحت شعار"  من ليس معنا فهو ضدنا"، أي معنا الإرهابيين لتحقيق أهداف استراتيجيتها بعيدة المدى من غزوها لأفغانستان، ومن ثم العراق، وأما الأدوات المستخدمة لتحقيق ذلك فتجلت في التمسك بالهيمنة الأمريكية على العالم، والحيلولة دون ظهور قوة أخري منافسة حتى لو اقتضي الأمر استخدام القوة، وبالتالي يمكن تبرير استخدام القوة العسكرية كمحور للسياسة الخارجية الأمريكية، مع استخدام هذه الأداة وربطها بتحقيق المصالح الأمريكية المباشرة، ولو تم ذلك خارج الأطر الشرعية، ودون الرجوع إلى الأمم المتحدة أو الحلفاء .

والحقيقة إن الولايات المتحدة لم تحرك قواتها، وتجند طاقاتها العسكرية من أجل القضاء على نظام طالبان في أفغانستان، أو نشر الديمقراطية في تلك البلدان التي لا تحترم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإذا كانت الولايات المتحدة قد أعلنت أن الهدف من حملتها على الإرهاب الدولي، هو القضاء على تنظيم القاعدة الذي يعيش بحماية طالبان، فإن المتمعن في ضوء التحليلات الواقعية للاستراتيجية الأمريكية سيجد أن الهدف من السيطرة على أفغانستان القريبة من بحر قزوين، الأمر الذي يمكنها من التحكم في 85% من منابع بترول العالم، ويجعلها قادرة على ممارسة الضغوط على الدول المنافسة لها في السوق الاقتصادية الدولية .

ومن ثم استخدام السلاح النفطي لردع الدول المنافسة بعد أن سيطرت على نفط الخليج العربي وبحر قزوين والنفط الإفريقي. إن غزو أفغانستان، ومن ثم العراق، جاء كخطوة مكملة في سياسات الهيمنة الأمريكية على العالم، وردع أي قوة تتطلع إلى انتزاع مركز الصدارة من الولايات المتحدة في منطقة بحر قزوين لما تملكه من الاحتياطي النفطي .

وجاءت حرب العراق كخطوة أمريكية واضحة، لتهديد مصالح هذه الدول في المنطقة، واتخاذ العراق كقاعدة لمحاصرة إيران، والدول العربية الممانعة، وفي مقدمتها سوريا تحت شعار مشروع  الشرق الأوسط الكبير، وحماية أمن إسرائيل، وما عدوانها على العراق إلا رسالة من الولايات المتحدة للدول العربية، بأنها تريد التغيير في المنطقة، وأنها قادرة على فرضه، وأن هذا التغيير ومضمونه،  يجب أن يتم أولاً وأخيراً وفق الأجندة الأمريكية، التي تسعى إلى تغيير خارطة المنطقة العربية بتغيير حدودها السياسية كــ" سايكس بيكو" جديد، ومن العوامل الجيوستراتيجية التى تقف كدافع خفي للعدوان على العراق ضرب منظمة الأوبيك، وهى قضية لا يتم التركيز عليها غالباً، وهذه الاستقلالية ووجود جهاز غير خاضع للتوجهات والمصالح الأمريكية، يعد تهديداً للولايات المتحدة، ومصدراً  لزعزعة هيمنتها على المدى الطويل. وهنا يمكن الاستشهاد بــ"جون صوهيل" رئيس مكتب الطاقة الفيدرالي الأمريكي في عام 1978م،حيث يقول " إن السياسة النفطية لدول الأوبك تهدد البناء القومي الأمريكي، ولا بد من تعديل قواعد اللعبة الحالية، حيث تعطى الدول النفطية سلطة تتجاوز مسؤولياتها والقوة التي تملكها " .

ج- العامل الديني والايديولوجي:

إذا كانت بريطانيا قد لعبت الدور الأساسي، والممهد لقيام دولة إسرائيل على حساب طرد شعب فلسطين من أرضه! إلى الشتات والمنافي، فإن الولايات المتحدة التي خرجت من الحرب العالمية الثانية، كأقوى دولة اقتصادية وعسكرية، هذا الواقع دفع بالصهيونية العالمية لنقل تحالفها من أوربا إلى الولايات المتحدة، وهى التي تبنت قيام إسرائيل منذ اللحظات الأولى لإعلانها، واستمرت في حمايتها وضمان استمراريتها، ودعم احتلالها المستمر للأراضي العربية، وإذا كان الهدف الأول حماية إسرائيل ووجودها في المنطقة العربية، والثاني سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة، فإن طبيعة الروابط والصلات بين الولايات المتحدة وإسرائيل لا تنحصر في كون إسرائيل بمنزلة شرطي الولايات المتحدة في          المنطقة .

بل إن هناك عوامل دينية وأيديولوجية تقوي العلاقة بين الطرفين، وهذه العوامل ذاتها لعبت دوراً خفياً في إقدام الولايات المتحدة على غزو العراق واحتلاله، فالدور المستمر لإسرائيل لم يعد سراً، فالعقيدة التوراتية لعبت دوراً بارزاً في التحريض على هذا الغزو، ويمثل العراق في الأصولية الصهيونية رمزاً مهماً يعود بجذوره في التاريخ إلى آلاف السنين، فالعراق يمثل جزءاً من أرض الميعاد التي أعطاها الرب لبنى إسرائيل، وبعد أن نجح اليهود في بناء دولتهم لفترة من الزمن في جزء صغير من فلسطين تمكنت الإمبراطوريات العربية القديمة التي انطلقت من أرض الرافدين، من القضاء على الدولة اليهودية وأقدم خلال ذلك ملوك بابل وآشور على جلب ألاف اليهود أسري وعبيداً إلى العراق، حيث بقوا فيها لسنوات عدة قبل أن يجتمع شملهم مجدداً في فلسطين، وللمرة الثانية احتل الرومان المنطقة، وتشتت اليهود في العالم دون أن تقوم لهم أو لدولتهم قائمة منذ ذلك الوقت .

وما زال اليهود يذكرون دور العراق في القضاء على أحلامهم وأوهامهم، وما سياستهم الحالية تجاه قضية غزو العراق، إلا تعبيراً عن أحقاد تاريخية تجددت بالخوف من القوة التي مثلها العراق في المنطقة منذ الحرب العراقية - الإيرانية، وينكر بعضهم وجود أي أحقاد تاريخية، أو دينية، للعزو، أو وجود يد لإسرائيل في العملية برمتها، مستشهدين بعدم مشاركة إسرائيل في حرب الخليج، وعدم ردها على هجمات العراق بصواريخ السكود عام 1990م، بيد أن المتعمق في تحليل أحداث المنطقة، سيجد أن إسرائيل هي الداعم الأكبر للتحولات الجارية في المنطقة وهى المستفيد الأكبر منها .

فصقور الإدارة الأمريكية الذين خططوا لغزو العراق، ومعظمهم منظرو تيار المحافظين الجدد في عهد، إدارة بوش (الابن) بُنيت عقيدتهم على أساس فكر ديني متشدد، كما ساعدهم "بوش" بكل ما في توجهاته التوارتية، والتي قد زادت حدتها من خلال أحداث 11 سبتمبر 2001م،  وفي ظل الصدمة الأمريكية صرح  "بيل بينت"  Bill Bennett  لمحطة  CNN:" إننا في صراع بين الخير والشر، وأن الكونجرس يجب أن يعلن الحرب على الإسلام المجاهد، وأنه ينبغي استخدام قوة ساحقة، كما ذكر أن العراق دولة تستحق الهجوم".

أما القس "جيري فالويل" زعيم منظمة الأغلبية الأخلاقية صرح قائلاً :" لقد بارك الله هذه الأمة، لأنها في أيامها الأولى، حاولت الإخلاص لله والإنجيل، وسيجد أي طالب مجتهد للتاريخ الأمريكي أن أمتنا العظيمة، نشأت من قبل رجال ربانيين لتكون أمة  مسيحية" .

ويظهر هذا في أفكار الحركة الصهيونية المسيحية التي جندت نفسها لخدمة المخططات الصهيونية من خلال التغييرات الدينية للتوراة، والتي تروج بوصفها نبوءات لا بد أن تتحقق، والقصد منها تكوين قناعات دينية جماعية للمجتمع الأمريكي، يتوافق مع الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل ضمن فلسطين والوطن العربي، ومن أبرز هذه النبوءات "معركة هرمجدون" التي ستكون مسرحاً لأكبر حرب في تاريخ البشرية، والتي يقتل فيها الملايين من البشر، عندها تحين ساعة اللحظة العظيمة بنزول المسيح لينقذ الإنسانية من الاندثار الكامل .

إن أغلب قادة اليمين المسيحي الجدد، يعتقدون أن الكتاب المقدس يتنبأ بالعودة الحتمية الثانية للمسيح بعد مرحلة من الحرب النووية العالمية، أو الكوارث الطبيعية، أو الانهيار الاقتصادي، والفوضى الاجتماعية، هذه النبوءة كان أغلب الرؤساء الأمريكيين مؤمنين بها مثل " رونالد ريجان "، الذي قال :إن جميع النبوءات التي يجب أن تتحقق قبل (هرمجدون) قد تحققت .

هذا بالإضافة إلى أن احتلال العراق له مكانة خاصة عند المسيحيين في كتب الميثوديت التي تتركب على أن المسيح عند خروجه من جديد لابد من أن يحيط به الذهب النقي الخالص  الذي يكون في دولة قريبة من أورشليم (القدس حالياً)، وقد اكتشفوا أن هذه الخصائص تنطبق  على العراق باعتقادهم أن جبل الذهب موجود فعلاً في العراق بالرغم من أنهم لم يكتشفوه بعد، وأن الملك الذي سيدمر إسرائيل مرة أخرى هو بابلي .

والخلفية الدينية للرئيس جورج بوش (الابن) فهو تلميذ مخلص للقسيس المتجدد "بيلي غراهام "، وعضو في طائفة الميثوديت التي تمثل التحالف الصهيو مسيحي الذي يؤمن بضرورة وجود مقدمات تسبق العودة الثانية للمسيح وهي :

1- إقامة دولة إسرائيل المنصوص عليها في التوراة من النيل إلى الفرات وتجميع يهود العالم فيها.

2- هدم وتدمير المسجد الأقصى لبناء الهيكل اليهودي مكانه.

3- وقوع معركة كبرى بين قوى الخير (البروتستانت واليهود)، وقوى الشر (المسلمون وأصدقائهم)، وهي معركة هرمجدون .

مما سبق يتضح لنا أن الدين هو أحد المقومات الأساسية في الولايات الأمريكية المتحدة الأمريكية عند الإنجيلين الصهاينة، والذين لهم تأثير قوي في صناعة القرار الأمريكي، وأن الحرب مبنية على فكر إيديولوجي ديني/عسكري أساسه القوة وأنه المحرك الأساسي الذي يجمع المصالح الأمريكية الإسرائيلية، وما ترجمته أفكار المحافظين الجدد والحركة الصهيونية المسيحية التي تحمل العداء والكره الشديد للإسلام، لذا يجب تبني استراتيجية وقائية استباقية  لمكافحة الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

ابراهيم أبراشما يجري اليوم في ومع قطاع غزة وفي السلطة الفلسطينية يدفعنا لاستحضار ما جرى قُبَيل خروج جيش الاحتلال الإسرائيلي من وسط قطاع غزة خريف 2005 وانقلاب حركة حماس 2007 .مسلسل مُحكم الاتقان لتدمير المشروع الوطني وفصل غزة عن الضفة بل وإفشال حل الدولتين، مخطط تزعم الطبقة السياسية أنها تجهله أو لم تعرف به إلا مؤخرا أو بريئة منه. فإن كانت صادقة في عدم معرفتها بمخطط الانقسام والفصل بين غزة والضفة فهذا يُوسِمها بالجهل، وإن كانت تعرف وتسكت فهذا يُوسِمها بالتواطؤ .

خرج جيش الاحتلال من داخل القطاع تنفيذا لخطة الفصل الأحادي في وقت كانت المواجهات المسلحة مع الاحتلال في قطاع غزة متواصلة مصحوبة مع حالة فوضى وصدامات داخلية شبه يومية بين السلطة وحركة فتح من جانب وحركة حماس من جانب آخر لم يستطع الوفد الأمني المصري المتواجد آنذاك من فعل شيء حيالها، أيضا كانت السلطة في مرحلة تراجع في شعبيتها و تعاني من الحصار : حصار الرئيس أبو عمار ثم اغتياله وحصار مالي وتخفيض رواتب الموظفين بما فيها رواتب الأجهزة الأمنية الخ .

عندما خرج جيش الاحتلال آنذاك هللت فصائل المقاومة معتبرة أن إسرائيل هربت من غزة وانهزمت أمام المقاومة، نفس المشهد تكرر عندما قامت حماس بانقلابها 2007 حيث كانت السلطة الوطنية و أجهزتها الأمنية في حالة ضعف وتفكُك أدت لسرعة انهيارها وهزيمتها أمام مسلحي حركة حماس ، وهو ما أثار آنذاك وإلى اليوم شكوكا حول تواطؤ بعض مكونات السلطة بل حتى من داخل حركة فتح في واقعة الانقلاب وفصل غزة عن الضفة، آنذاك أيضا أنكشف دور قطر عرابة الانقسام والمكَلفة منذ 2004 بتدجين حماس وجرها لمخطط فصل غزة وصيرورتها دويلة في القطاع .

ما أشبه اليوم بالبارحة حيث يتم تمرير مرحلة جديدة من مخطط الفصل تحت عنوان الهدنة وكأنها انجازات للمقاومة ولـ(مسيرات العودة) التي أجبرت إسرائيل وواشنطن ودول أخرى أن تخفف الحصار والمعاناة وتُوقِف عدوانها على قطاع غزة ! وكأن حركة حماس وفصائل المقاومة الموالية لها وجِدت فقط لتأسيس كيان سياسي في القطاع وحماية السلطة القائمة فيه وتوفير الحد الأدنى من المتطلبات المعيشية من رواتب تأتي عبر إسرائيل وبموافقتها ووعود لم تُحقق بشان تحسين الكهرباء ومساحة الصيد البحري وتحسين العمل على المعابر !!!، وكما جرى في المرحلة الاولى تكفلت دولة قطر بكل التبعات المالية لضمان الهدنة وضمان استمرارية حماس في السلطة وإنهاء المقاومة، كما تكفلت مصر بالشق السياسي والأمني .

صحيح، في المرحلة الأولى من المخطط وعندما خرج جيش الاحتلال من قطاع غزة كانت مواجهات مسلحة مع جيش الاحتلال داخل القطاع وعبر الحدود، أيضا في مرحلته الحالية حيث تم توقيع اتفاقية هدنة – يسمونها تفاهمات لإبعاد الحرج وشبهة التواطؤ -وسط عنف مبرمج مصاحب لما تسمى مسيرات العودة التي تتأرجح قوة وضعفا مع مرور الأيام حسب الأموال التي يتم ادخالها عن طريق قطر .

والحقيقة أن جيش الاحتلال لم يخرج من القطاع عام 2005 ولم يوقع على اتفاقية الهدنة 2019 لأنه انهزم أمام المقاومة، بل لأهداف استراتيجية بعيدة المدى لم يتم الإفصاح عنها في حينه حتى للرأي العام الإسرائيلي، أهداف تتحقق اليوم حيث أنكشف المستور على لسان الإسرائيليين أنفسهم باعترافهم أن خطة شارون للانسحاب أحادي الجانب من داخل غزة كانت من أهم الانجازات الاستراتيجية لإسرائيل وقد اعترف نتنياهو أنه يسمح بدخول الأموال لقطاع غزة سواء القطرية أو غيرها لأنها تعزز الانقسام الفلسطيني، كما أن القيادات العليا في حركة حماس وجماعة الأخوان المسلمين والبعض في السلطة الفلسطينية وقطر ومصر والأردن ودول أخرى يعرفون حقيقة ما يجري ومشاركون في مهزلة حوارات المصالحة .

نعم، إنه مخطط متواصل شاركت فيه عدة أطراف، ومؤشرات نجاح هذا المخطط في تعزيز الانقسام وضرب المشروع الوطني كثيرة ومنها :

1- توقف حوارات المصالحة بل وزيادة حدة الشقاق والاتهامات المتبادلة.

2- سحب حرس الرئاسة من معبر رفح وعودة أجهزة حماس لإدارة المعبر مباشرة بتنسيق مع المصريين، وطرد موظفي السلطة من معبر كرم أبو سالم وعودة مرابطة أجهزة حماس على معبر بيت حانون –ايرز- لتمارس مهامها الأمنية والإدارية .

3- الإجراءات المتدرجة التي اتخذتها السلطة تجاه قطاع غزة بالنسبة للرواتب وأشكال التمويل الأخرى وهي إجراءات أدت لتعزيز الانقسام والفصل .

4- تضييق مالي من إسرائيل وأمريكا ودول عربية على السلطة نفسها ليصبح حالها حال سلطة حماس في القطاع لينشغل الجميع بهموم الحياة اليومية فقط .

5-  تشكيل حكومة جديدة في الضفة برئاسة محمد أشتيه لا تعترف بها حركة حماس ورفضت فصائل من منظمة التحرير نفسها المشاركة فيها .

6- تشكيل حركة حماس حكومة في غزة تمارس كل الصلاحيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية للحكومات .

7- توظيف الانقسام ووجود سلطة حماس لخلق أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة في قطاع غزة جعلت أهالي القطاع يفقدون الثقة بكل شيء، ويستميتون من أجل الهجرة خارج الوطن .

8- تجاوز بروتوكول باريس الاقتصادي حيث بات جزء كبير من تجارة غزة تجري مع مصر مباشرة .

9- تباعد الشقة، اجتماعيا وثقافيا ونفسيا، ما بين الفلسطينيين في مختلف أمكان تواجدهم وخصوصا ما بين الضفة وغزة .

10- تعامل عديد من الدول مع حركة حماس باعتبارها تمثل الشعب الفلسطيني في غزة .

11- تراجع وضعف أية مقاومات وطنية رسمية أو شعبية لسلطة حماس في غزة، سواء كانت من تنظيم حركة فتح أو من الفصائل الأخرى المنتمية لمنظمة التحرير أو غير المنتمية .

12- ضعف المقاومة حتى الشعبية في الضفة وغزة ضد الاحتلال، باستثناء عمليات فردية متباعدة، ومسيرات على حدود غزة مبرمجة وموجهة .

13- تآكل الأحزاب والحركات وتراجع شعبيتها سواء على مستوى نهجها النضالي المقاوم أو على مستوى ايديولوجيتها ومنطلقاتها الأولى بحيث يمكن القول إن عدد منتسبيها اليوم لا يزيد كثيرا على عدد المستفيدين من رواتبها ومعوناتها المالية والعينية .

14- تواصل الدور القطري والمصري في الإشراف، كل حسب المهمة المكلف بها، على تخريج مخطط الفصل وضمان استمراره، وهو دور وظيفي يبدو أنه انتهى بالنسبة لقطر .

وإذا وضعنا كل ذلك في سياق ما يتسرب من معلومات عن ما تسمى صفقة القرن تنتابنا شكوك بوجود تواطؤ بنسب مختلفة من كل الأطراف، سواء كان تواطؤ العاجز والفاشل أو تواطؤ المشارك والمتآمر .

 

إبراهيم ابراش

 

محمود محمد عليمرة أخري نعود ونكمل حديثنا في هذا المقال الخامس عن المخطط الأمريكي لاحتلال العراق 2003،وفي هذا يمكن القول: هناك العديد من الأسباب السياسية وراء التدخل الأمريكي فـي العـراق نـذكر منهـا:

1- جوهر الرؤية الاستراتيجية الأمريكية في العراق قائم على تغير الحكم فيه وإقامة نظام ديمقراطي يحتذي به، والذي سوف يكون بداية للتغييرفي العالم العربي، بتحقيق ذلك يمثل خطوة أولى لإعادة ترتيب الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط.

2- الحفـاظ علـى مكانـة الولايـات المتحـدة كقـوة عظمـي وحيـدة علـى السـاحة الدوليـة وبـلا منـافس حقيقي، يمكنها من تحقيق مشروعها الإمبراطوري في السيطرة على العالم.

3- فـرض العزلـة علـى إيـران وحصـارها، والتلاعـب بميـزان القـوى داخلهـا بمـا يفـرض عليهـا، إمـا الإذعان أو التعاون مع السـيناريو الأمريكـي فـي المنطقـة، مـا تعرضـها لضـغط عنيـف يـؤدي إلـى خلـل في الأوضاع الداخلية وتشجيع قوى سياسة بديلة للحكم الإسلامي فيها.

4- إعـادة صـياغة الأوضـاع فـي المنطقـة بمـا يلائـم المصـالح الأمريكيـة علـى أسـاس التطـورات الجديدة، وما يتناسب مع التصور الأمريكي للدور الإسرائيلي فيها، وتحديد ترتيب الدول العربية في سلم اهتمامـات الولايـات المتحـدة علـى أسـاس فاعليتهـا فـي خدمـة مصـالح الولايـات المتحـدة،وقـدرتها علـى الاستجابة لمتطلبـات السياسـة الأمريكيـة فـي المنطقـة، وإيجابية دورهـا فـي التـأثير علـى محيطهـا العربـي لتسويق هذه السياسة.

5- إطفــاء نزعــات الثــأر الأمريكيــة الداخليــة بإظهــار اســتمرار الحملــة ضــد الإرهــاب، ومحاولــة تجسـيدها فـي توجيـه ضـربة عسـكرية لدولـة عربيـة إسـلامية ذات توجهـات مثيـرة للخـلاف علـى الصـعيد الدولي، وذلك في ضوء صعوبة مواجهة العدو الحقيقي الذي لا يعرف له ملامح، أو كيان، أو عنوان .

6- محاولـة توظيـف الحـرب ضـد العـراق لـدعم شـعبية الـرئيس الأمريكـي فـي الانتخابـات الرئاسـية للمرة الثانية من جراء الاستمرار في إذكاء الشعور الوطني الأمريكي الذي تصاعد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وإعطاء الأولوية في سياسة الإدارة الأمريكية، لمكافحة الإرهاب، والحفاظ على الأمن القـومي، وذلك على الرغم مما تعانيه الأوضاع الداخلية الأمريكية من ركود اقتصـادي، وكسـاد مـالي، وتقييـد فـي بعض الحريات المدنية.

4- عدم احترام العراق لحقوق الإنسان

إن هذا الاتهام يعود إلى سنوات الحرب العراقية الإيرانية وما تخللها من استعمال العراق للأسلحة الكيماوية ضد مواطنيه الأكراد، ومن ثم سحل الأسري الكويتيين في العراق بعد غزو الكويت، إلى جانب فضيحة تعامل النظام العراقي مع الانتفاضة الشعبية في شمال العراق وجنوبه عام 1991م، وبمعنى آخر فإن الولايات المتحدة ذهبت إلى تبرير غزوها بحجة حماية حقوق الإنسان العراقي، وضمان احترامه من قبل النظام العراقي، وهو ما يعرف بالتدخل الإنساني، والسؤال الذي يطرح ذاته في هذا السياق يتعلق بشرعية تدخل الولايات المتحدة لضمان حقوق الإنسان في العراق، إن مفهوم التدخل لأغراض إنسانية هو مفهوم قديم وحديث في وقت واحد.

كما شهد هذا المفهوم تكريساً كبيراً خلال السنوات الماضية من عمر النظام العالمي بعد أن هيمنت الولايات المتحدة على الأمم المتحدة، واتخذته كأداة لتشريع تدخلاتها في دول العالم المختلفة، بحجة أن أي انتهاك لحقوق الإنسان في أي مكان وزمان يعد تهديدا للأمن والسلم الدوليين، ويجب الرد عليه وفق ما تمليه ضرورات نظام الأمن الجماعي، تحت مصطلح الأمن الجماعي الإنساني، أما مبدأ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول فلم تجد أي تبرير.

إن ذريعة حقوق الإنسان أصبحت إحدى الأدوات للدول الكبرى، لتبرير استخدامها للقوة العسكرية، بحجة ضمان الأمن الجماعي، وهو ما ينطبق حرفياً على تذرع الولايات المتحدة بحماية الإنسان العراقي من انتهاك حرياته، وحقوقه من قبل حكومته.

وعلى هذا يمكن أن نصل إلى أن المبرر الوحيد للتدخل الأمريكي في العراق، كان له بعد عسكري، وقد تجسد هذا البعد في الأهداف التالية:

أ- الاسـتفادة مـن الموقـع الاسـتراتيجي المميـز للعـراق. فـالعراق يحتـل ثـاني أهـم موقـع مـن الناحيـة الاستراتيجية فـي الشـرق الأوسـط بعـد مصـر مباشـرة، فهـو نقطـة التقـاء استراتيجية بـين منـاطق الخلـيج، وشـمال غــرب آســيا، وآســيا الوســطى والشــرق الأوسط، وأن الجــوار الجغرافــي للعــراق المتمثــل بكــل مــن إيــران وســوريا، يكتســب أهميــة خاصــة فــي الاستراتيجية الأمريكيــة فــي ضــوء مــا يحققــه ذلــك مــن تمكــين الوجــود العســكري الأمريكي في العراق من ممارسة تهديد مباشر على نظامي الحكم في الدولتين.

ب- تثبيــت القواعــد العســكرية الأمريكيـة فــي الخلــيج بصــورة دائمـة، وركيــزة أساســية لوجودهــا العسـكري لـيس فـي منطقـة الخلـيج فحسـب، وإنما فـي مجمـل منطقـة الشـرق الأوسـط وفـي منطقـة المربـع الاسـتراتيجي التـي يقـع العـراق فـي القلـب منهـا والتـي تضـم: الخلـيج، وشـمال غـرب آسـيا، وآسـيا الوسـطى، والشرق الأوسط.

ج- إن الوجـود العسـكري فـي العـراق يتـيح للولايـات المتحـدة امـتلاك قـدرة أكبـر علـى احتـواء الدول المعادية للولايات المتحدة ومواجهتها انطلاقاً من الموقع الاستراتيجي للعراق، وهي بالتحديد إيـران وسـورية، فالولايـات المتحـدة لا تنفـي إطلاقـاً نيتهـا اسـتهداف هـاتين الـدولتين، فـإيران وسـوريا تعتبـر مـن الدول التي تصنفها الولايات المتحدة ضمن "محور الشر".

د- إن الهدف الرئيسي من وراء ذلك، هو تعزيز أمن إسرائيل، وابقاؤها قويـة ومتفوقـة عسـكرياً علـى المحـيط العربـي، الـذي تعـوق تقدمـه، وتـزرع فيـه الفـتن، والقلاقـل، والاضـطرابات، والتفرقـة، والحـروب. فالكيـان هو بمثابة حاملة طائرات ثابتة في قلب الوطن العربي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وخـط الـدفاع الأول عـن مصــالحها فـي المنطقــة، هــذه المصـالح التــي لا نبــالغ إذا قلنــا بأنهــا تطـال تخريــب الإســلام ومحاربته، وها هي تهمة الإرهاب تلتصق به في الأدبيات الإعلامية والسياسـية الرسـمية الغربيـة، ولـدى الجهلة الكثيرين.

ثالثاً: الأسباب غير معلنة للعدوان الأمريكي على العراق:

على الرغم مما يثار بشأن دور الولايات المتحدة في نشر الديمقراطية والحرية في الشرق الأوسط عبر احتلال العراق، في إطار تطبيق مفهوم الحرب الوقائية في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، إلا أنه وبحكم الاستراتيجية للولايات المتحدة كقوة عالمية كبري في العلاقات الدولية بعد الحرب الباردة، تبين أنها تلجأ كما كان الأمر في مراحل سابقة للقوة العسكرية، لأجل الحفاظ على مصالحها ومكانتها المتفوقة ذات التأثير والنفوذ، وأيضاً استدامتها بشكل يجعل من غير الممكن التحدث عن منافس محتمل لها .

أصبحت الولايات المتحدة تنظر لنفسها بمثابة القوة العظمى الوحيدة في العالم، حيث عملت عبر تشكيل تحالف الراغبين Coalition of Willing من الدول المؤيدة لتغيير النظام العراقي على غزو العراق كخطة بعيدة المدي تستهدف تحقيق المصالح والأهداف الكبرى المسيطرة منذ سنوات، وأن ذلك يسري في سياق فكري وعملي يدعو لبسط الهيمنة الأمريكية على العالم علي كافة الأصعدة والميادين السياسية، والاقتصادية، والعسكرية .

انطلاقاً من هذا يمكن تحديد الأهداف غير معلنة للغزو الأمريكي على العراق من خلال العوامل التالية:

أ- العامل الاقتصادي:

تتفق كل النظريات الاقتصادية على تنوع اتجاهاتها على نقطة واحدة تعكسها أهمية العامل الاقتصادي واعتباره المحرك الاستراتيجي لحركة المجتمع الدولي عموما، لقد كان الاقتصاد في الماضي عاملاً أساسياً يوظف، لخدمة مجمل المعارك السياسية، والعسكرية، وحتى الغزو الثقافي، لكن وبعد انتهاء الحرب الــباردة تراجعت القوة العسكرية لتتغير المعادلة، ومن ثم أدوار فاعليــها، فقد تحولت المعارك والمواجهات الدولــية الساخنة إلى معــارك اقتصادية، وبعد أن كان الاقتصاد الخادم الفعال للسياسة، والمواجهات العسكرية، أصبحت كل النزاعات والفعاليات السياسية، والإيديولوجية من أجل الاقتصاد .

هذه الأهمية التي يوكلها عالم اليوم للاقتصاد غيرت العديد من المفاهيم والقيم، لتصب كلها في منحى المصلحة، فمهما كانت قوة العلاقات بين الفواعل، وأيا كان نوعها قومية، أو عرقية، أو جغرافية، أو دينية، لا مجال لأي ارتباط إلا ارتباط المصلحة، والتي ترتبط متغيراتها بالحاجة الاقتصادية، والتــبادل التجاري، وإمكانية بناء جسور التكامل الاقتصادي، ذلك أن الشعوب تبحث بأي شكل من الأشكال عن الرفه المعيشي.

ومن هنا يمكن أن نتبين أهمية الاقتصاد من خلال الأطماع الأمريكية في النفط العراقي؛ حيث يمثل الموقع الجغرافي العراقي الذي يقع شمال بترول الخليج العربي الذي تحتفظ الولايات المتحدة الأمريكية بأساطيلها في مياهه، وبعلاقات مميزة مع حكوماته، وجنوب نفط بحر قزوين الذي مازالت الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لتحصل منه على حصة الأسد، وقد تحقق لها ذلك إلى حد ما، فالنفط العراقي يقع في قلب مركز الاحتياط النفطي الرئيسي في العالم ؛ حيث تحتوي على مخزونات هائلة من النفط، كما تملك أكبر احتياطي في العالم، لذا كانت دائماً محط نزاع وأنظار الدول الكبرى، خاصة الولايات المتحدة التي تعتمد على النفط كمصدر أساسي للطاقة، فهي كانت دائماً محط اهتمام متزايد للولايات المتحدة . علاوة على كون العراق تمثل ثاني أكبر احتياط للنفط في العالم، أي حوالي 122 برميل على الأقل، بالإضافة إلى أن حقول النفط العراقية تعتبر من أغزر الحقول في العالم، والأكثر قرباً من سطح الأرض، هذا ما يوفر نفقات ضخمة في عمليات التنقيب والاستخراج .

وهنا يؤكد "نعوم تشومسكي" أن الهدف الأساسي من هذا الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، هو السيطرة على احتياطات الطاقة الهائلة الموجودة في العراق، وهذا أمر لا جدال فيه، ويعتبر مصدراً للقوة الاستراتيجية الأمريكية، وبحسب قول فريدمان توماس في مقالة له نشرها في منتصف يناير 2003، قال فيها :"إن النفط هو أحد أسباب الإعداد للحرب ضد العراق، وإذا حاول أي شخص أن يقنعنا بغير ذلك فإنه قطعا لا يحترم عقولنا" .

وهذا ما عبرعنه أيضا المحلل" أنتوني كوردسمان" Anthony Cordesman، في صحيفة واشنطن تايمز في عددها الأول من شهر أوت 2002، حيث قال :" إن أمريكا لن تشن حرباً على العراق بحجة وجود أسلحة دمار شامل أو لمشاركته بعمليات إرهابية، بل كون العراق يملك 60 % من فائض النفط "؛ حيث يعتبر التدخل في العراق ليس فقط من أجل السيطرة على النفط للاستهلاك المحلي الأمريكي، بل هي عناصر ومكونات لخطة أمريكية طويلة للسيطرة والهيمنة على إمدادات النفط والغازلأوربا، واليابان، وآسيا، ومن ثمة على مستقبل الاقتصاد العالمي، وهو المشروع الذي اطلق عليه "هانز مورجينسيو" Hans Morgenthau بـ " الامبريالية غير المحدودة"، في كتابه عليه politais anorongnations، ويرتبط بهذا هدف فرعي هو التأكيد على استمرار دفع ثمن البترول، بالدولار بدلاً من اليورو في السوق المفتوحة .

وفي كلمة ألقاها ديك تشيني– نائب الرئيس جـورج بـوش (الابـن) فـي العاشرمن نوفمبر في معهد النفط في لندن قال فيها: "إنه في العام 2010م سنحتاج إلـى 50 مليـون برميل يومياً، ثم أضاف: "من أين سنأتي بالنفط، النفط ضروري لنا"، وأشار إلى أن عراقاً متعاوناً سيكون حجر الأساس لأمن الطاقة للغرب". وعندما سئل وولفوتيز– نائب وزير الدفاع الأمريكي–بعد غزو العراق مباشرة عن السبب في اجتياح العراق بدلاً من كوريا الشمالية التي اعترفت علنا أن لديها أسلحة دمار شامل قال: "إن العراق يطفو على بحيرة من النفط"، لقد أشار"جيمس بول" المدير التنفيذي لمنتدى السياسات العالمية، قائلاً: "إن السيطرة الفورية على النفط العراقي سـتؤدي إلى زيادة الإنتاج، وبالتالي خفض أسعار النفط،مما يؤدي إلى ربح يصل إلى 29 دولار للبرميـل الواحد، وهذا سيسبب الاستحواذ على تريليونات الدولارات في النفط، وهذا شيء كبيـر يـستحق الحرب .

أما "ريتشارد بيرل" Richard Perle مستشار البنتاجون فقد كتب مذكرة قبل اندلاع الحرب بأيام، حيـث عكست النية الأمريكية الرسمية في البقاء في العراق فترة من الزمن، بحيث يتولد منـاخ، وإدارة عراقية محلية ملائمة لها علاقات جديدة مع الشركات النفطية الغربية، وتؤدي في النهايـة إلـى خصخصة النفط العراقي، وأن تقّتصر علاقة العراق بنفطه من خلال حصوله على نسبة مئويـة يتم الاتفاق عليها بين العراق، ممثلاً بالحكومة الجديدة، ومجموعة الشركات الكبرى المدعومة مـن الولايات المتحدة .

إن الدليل على أهمية النفط العراقي في المخطط الاستراتيجي الأمريكي، تبين بعد سقوط نظام الحكم في عام 2003م، حيث استعانت سلطة "بول بريمر " Paul bremer الحاكم المدني في العراق، بعدد من رجال النفط الأجانب، وتم تعيين "فيليب كارول" Philip Carroll من شركة شل، و"كاري فوكليبر" من شركة إيكسون موبيل ليقودا عملية رسم مستقبل الصناعة النفطية العراقية، فـضلا علـى أن عملية إعادة الأعمار في العراق تذهب حصتها الأكبر للشركات الأمريكيـة النفطيـة .

إضافة لما سبق، فان بعض الأوساط الاقتصادية، ترى بأن سيطرة الولايات المتحدة على نفط العراق، سيؤثر على التفاعلات المستقبلية لمنظمة الأوبك، لأن الولايات المتحدة تعتمد عليهـا في تغطية 46 % من وارداتها، بل سيعطي للولايات المتحدة الفرصة، للسيطرة على سوق الطاقـة العالمي، لسنين طويلة قادمة، ولذلك شكل سيطرتها على النفط، أحـد أهـم ثمـار هـذه الحـرب الاستراتيجية.. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

عبد الحسين شعبانقبل سنوات خلت أصدرت السلطات «الإسرائيلية» قراراً عسكرياً بمنع البناء على جانبي الجدار العازل الذي أقدمت على إنشائه في المنطقة التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية بمسافة 250 متراً، وقد أصدرت «المحكمة الإسرائيلية العليا» قراراً في شهر يوليو / تموز 2019 يقضي بهدم مبانٍ سكنية تضم أكثر من 100 شقة في وادي الحمص (بلدة صور باهر). وتوجهت الجرافات إلى المنطقة، وهدمت المنازل بعد إنذار السكان بمغادرتها وسط حماس وهتافات من جانب الجنود الذين نفذوا القرار العسكري بفرح غامر، وهكذا تشرّد أكثر من 500 مواطن فلسطيني، كما تعرّض بعضهم إلى الاعتداء، لأنهم رفضوا مغادرة منازلهم.

وتأتي هذه الخطوة وسط تجاهل دولي، ولا سيّما بعد منح واشنطن المحتل «الإسرائيلي» ورقة بيضاء للتصرّف كما يشاء من خلال الاعتراف بسيادته على القدس ونقل سفارتها من تل أبيب إليها كجزء من «صفقة القرن»، إضافة إلى الضغوط التي مورست على السلطة الوطنية الفلسطينية اقتصادياً ودبلوماسياً وإنسانياً وأمنياً.

وإذا كان لمسألة هدم البيوت وإجبار سكانها على مغادرتها جانب إنساني يتعلق بالحق في السكن في أرض آبائهم وأجدادهم وهم أهل البلاد الأصليين، طبقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة حول «حقوق الشعوب الأصلية» الصادر في عام 2007، فإن له أبعاداً قانونية دولية تتعلق بقواعد القانون الدولي المعاصر والقانون الدولي الإنساني والشرعية الدولية لحقوق الإنسان، إضافة إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لما تشكّله من انتهاكات سافرة من جانب المحكمة العليا «الإسرائيلية»، وهو ما ينبغي متابعته دولياً من جانب الفلسطينيين والعرب، على الصعيد الرسمي أو على صعيد المجتمع المدني ومؤسساته الدولية والإقليمية والعربية.

فالأمم المتحدة تقرّ بأن الأراضي التي احتلتها «إسرائيل» إثر عدوان ال 5 من يونيو / حزيران عام 1967 هي أراضٍ محتلة، بما فيها الضفة الغربية، ومن ضمنها القدس الشرقية، إضافة إلى قطاع غزة، وهذا يعني أن اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها بروتوكولي جنيف لعام 1979 تنطبق عليها، ولا سيّما الاتفاقية الرابعة، وحسب القانون الدولي لا يجوز الاستيلاء على الأراضي طبقاً للاحتلال أو القوة المسلحة، وقد ورد ذلك في مضمون القرار 242 الصادر بعد عدوان الخامس من يونيو / حزيران عام 1967، وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في ال 9 من يوليو / تموز عام 2004.

وتحمي اتفاقية جنيف الرابعة الأشخاص الذين يجدون أنفسهم في لحظة ما وبأي شكل كان في حالة قيام نزاع أو احتلال تحت سلطة طرف في النزاع ليسوا من رعاياه أو دولة احتلال، وهكذا تصبح حماية المواطنين الفلسطينيين «تحت الاحتلال الإسرائيلي» واجباً قانونياً على دولة الاحتلال، ويحظر عليها تدمير الممتلكات الخاصة التابعة أو المنقولة التي تتعلق بالأفراد أو الجماعات أو غيرها، علماً بأنه ليس للمحكمة «الإسرائيلية» العليا التي اتخذت قراراً بالسماح بهدم المنازل سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

كما أنه ليس من حق سلطة الاحتلال بناء جدار عازل على أراضٍ لا تعود لها أصلاً، فما بالك إذا كانت محتلة بالقوة العسكرية. وقد زعمت «إسرائيل» أنها تبني هذا الجدار ليكون سياجاً دفاعياً في عام 2000، وكانت الأمم المتحدة قد طلبت في عام 2003 رأياً استشارياً (فتوى قانونية) من محكمة العدل الدولية في لاهاي بشأن بناء الجدار الواقع في الأراضي الفلسطينية، وصدر القرار كما ورد ذكره بعدم شرعية ذلك، ودعت المحكمة «إسرائيل» إلى التوقف فوراً عن أعمال البناء وتفكيكه وتقديم تعويضات عن الأضرار الناجمة عنه.

ووفقاً لنظام محكمة روما الأساسي، فإن هدم البيوت يعتبر من الجرائم ضد الإنسانية، وكل ما يتعلق بإبعاد السكان قسراً أو نقلهم بالقوة والإكراه من مناطق سكنهم هو جريمة حرب، حيث تنص اتفاقيات جنيف على أن «إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والاستيلاء عليها من دون أن تكون هناك ضرورة عسكرية تبرر ذلك وبالمخالفة للقانون وبطريقة عابثة» يُعد جريمة حرب.

وهكذا فإن مثل هذه العقوبات الجماعية ضد السكان المدنيين العزّل يعتبر جريمة حرب مثلما هو جريمة ضد الإنسانية، وهي انتهاك سافر لقواعد القانون الدولي، بما فيها حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره وعلى أرض وطنه وبناء دولته المستقلة، وعاصمتها القدس الشريف.

وإذا كان هذا الوجه القانوني لعدم هدم المنازل، فإن الوجه السياسي والإعلامي المباشر وغير المباشر لعملية هدم المنازل له علاقة بالانتخابات «الإسرائيلية» التي ستجرى في شهر سبتمبر / أيلول الجاري، وعلى خلفية دعم رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو المتهم بالفساد والمتشبث بالسلطة بوصفه أطول رئيس وزراء حكم «إسرائيل» منذ تأسيسها.

 

عبد الحسين شعبان

 

كاظم الموسويتحاول الأمم المتحدة في ما تصدره من تقارير أن تبريء ذمتها من مواقفها ومواقف مسؤوليها ومنظماتها عما لحق بالشعب اليمني منذ بداية العدوان عليه وتدمير دولته وتفتيت قواه السياسية والتآمر على حاضره ومستقبله. وقد تصب تقاريرها الأخيرة في هذا المسعى أو المحاولة وتكون بكل ما لها وعليها وسيلة رسمية، ارضية لتثبيت نتائج ودليلا لكشف وقائع وكوارث لا تنتهي بنهاية كل تقرير والإعلان عنه في وسائل الإعلام المختلفة، وما فيه من الطرح الخجول بخلط الأوراق فيه لتضييع البوصلة وعدم تحديد وتحميل المسؤولية القانونية والتاريخية. أن شعب اليمن تعرض لمأساة حقيقية تفرجت عليها الأمم المتحدة واسهمت قواها المؤثرة في صب الزيت على نيرانها. وليس عنوان تقريرها الاخير الا شاهد صارخ وإدانة لها اولا ولما حدث وحصل ثانيا. فإن يحمل التقرير عنوان: اليمن: فشل جماعي، مسؤولية جماعية، محاولة أخرى للتهرب من تحمل المسؤولية اساسا ومن ثم توزيعها بهذا الشكل الجماعي ويقدم حالة هروب إضافية من الواقع والوقائع والأحداث. التقرير الاخير نشر إعلاميا في مطلع الشهر، 3 ايلول/ سبتمبر 2019 والذي يكشف وقائع حدثت على الأرض ويحاول التهوين من قدرة المنظمة الدولية على وضع النقاط على الحروف، والابتعاد عن مسؤوليتها القانونية والأخلاقية، واعادة ما حصل سابقا من تغيير اعتباراتها وبياناتها ولائحتها السوداء. ورغم ذلك فإن ما نشر علنا يعري الصورة واطارها ويتطلب من الأمم المتحدة الوقوف أمامه ومحاكمة أسباب ونتائج ما حدث والعمل على وقف الحرب فورا وإعادة بناء الدولة واحترام حقوق الشعب العربي في اليمن كاملة. فما أشير له من أن التقرير "بشأن اليمن يفصّل مجموعة من جرائم الحرب المحتملة التي ارتكبها أطراف النزاع المختلفون خلال السنوات الخمس الماضية، من خلال الغارات الجوية، والقصف العشوائي، والقناصة، والألغام الأرضية، فضلاً عن القتل والاحتجاز التعسفيين، والتعذيب، والعنف الجنسي والجنساني، وإعاقة الوصول إلى المساعدات الإنسانية في خضم أسوأ أزمة إنسانية في العالم" ماذا يعني كل هذا، وماذا أرادت المنظمة الدولية ومنظماتها من نشر هذا التقرير؟!.

 وكأنه أمر جديد أو مستغرب أن يخلص فريق الخبراء البارزين الدوليين والإقليميين المستقلين بشأن اليمن الذي شكّله مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، (في 4 كانون الأول/ ديسمبر 2017، وعيّن السيد كمال الجندوبي (تونس) رئيسا، والسيد تشارلز غارواي (المملكة المتحدة) خبيرا، والسيدة ميليسا بارك (أستراليا) خبيرة. وفي أعقاب تقديم التقرير الأول للفريق إلى الدورة التاسعة والثلاثين لمجلس حقوق الإنسان (A / HRC / 39/43) في أيلول/ سبتمبر 2018، جدد القرار 39/16 ولاية الفريق لمدة سنة أخرى، وطلب تقديم تقرير ثان في الدورة الثانية والأربعين لمجلس حقوق الانسان في أيلول/ سبتمبر 2019). إلى أن الذين تسببوا في الكارثة قد استفادوا من "غياب المساءلة"حول انتهاكات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وبعد كل ما حصل يدعو التقرير إلى وقف فوري لجميع أعمال العنف التي ارتُكبت ضد المدنيين، وشكّلت انتهاكا للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدول، ويطالب الأطراف باتخاذ الإجراءات لحماية المدنيين وضمان العدالة لجميع الضحايا. وهذه أمور مطلوبة ومعلومة ولكن السؤال عنها أو حولها من يقرر ذلك ومن يفترض أن يحسم الأمر وينهي المأساة.

قد يكون من المهم الإشارة  إلى أن التقرير شخّص الأطراف التي تشحن الحرب وتمد القوى المعتدية بانواع الأسلحة وحثّها على الامتناع عن توفير الأسلحة التي يمكن استخدامها في النزاع، ويذكّرها بالتزامها باتخاذ جميع التدابير المعقولة لضمان احترام جميع أطراف النزاع للقانون الإنساني الدولي.

في نقل خبر عن التقرير وضعت وكالة أنباء عالمية عنوانها للخبر: أمريكا وفرنسا وبريطانيا ربما شاركت في جرائم حرب باليمن، مؤكدة ذلك من خلال تقديم العتاد والمعلومات والدعم اللوجيستي للتحالف الذي يلجأ لتجويع المدنيين كأسلوب حرب. وأوصى محققو الأمم المتحدة بأن تفرض كل الدول حظرا على تسليم أسلحة للأطراف المتحاربة للحيلولة دون استخدامها في ارتكاب انتهاكات جسيمة.

قالت ميليسا بارك، خلال مؤتمر صحفي ”من الواضح أن استمرار إمداد أطراف الصراع بالسلاح يطيل أمد الصراع ومعاناة الشعب اليمني“. وأضافت ”ولهذا ندعو الدول الأعضاء لعدم تقديم أسلحة إلى أطراف الصراع بعد الآن“.

من جهته صرّح رئيس فريق الخبراء، السيد كمال الجندوبي، قائلاً: "بعد مرور خمس سنوات على النزاع، لا تزال الانتهاكات ضد المدنيين اليمنيين مستمرة بلا هوادة، مع ضرب عرض الحائط بمحنة الشعب وغياب أي إجراءات دولية لمحاسبة أطراف النزاع". و"يجب على المجتمع الدولي أن يضاعف جهوده لتحرير الشعب اليمني من الظلم المستمر الذي يعاني منه".

وجد الخبراء أسبابا معقولة للاعتقاد بأن الأعمال العدائية التي تقودها أطراف النزاع، من خلال الغارات الجوية والقصف، ما زالت تؤثّر بشكل خطير على المدنيين، وأن جزءاً كبيراً من هذه الهجمات قد يرقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي. كذلك، والى جانب الانتهاكات ذات الصلة بسير الأعمال العدائية، اعتقد فريق الخبراء بأن أطراف النزاع المسلح في اليمن مسؤولون عن الحرمان التعسفي من الحق في الحياة، والاحتجاز التعسفي، والاختفاء القسري، والعنف الجنسي، والتعذيب، وسوء المعاملة، وتجنيد الأطفال، وانتهاك الحريات الأساسية، وانتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهي ترقى إلى انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، حسب الاقتضاء. وقد يؤدي العديد من هذه الانتهاكات إلى تحميل الأفراد المعنيين المسؤولية عن جرائم الحرب فيما لو أحيلت الى محكمة مستقلة ومختصة.

حدّد فريق الخبراء، حيثما أمكن، الأفراد المسؤولين على الأرجح عن الجرائم الدولية، وقُدمت قائمة سرية محدثة بأسماء الأفراد إلى مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان. وأضاف السيد الجندوبي قائلاً: "لا يمكن التسامح بعد الآن بشأن الإفلات من العقاب المستشري – عن الانتهاكات والتجاوزات التي ارتكبها جميع أطراف النزاع. يجب تمكين التحقيقات الحيادية والمستقلة لمحاسبة أولئك الذين لا يحترمون حقوق الشعب اليمني. كما يجب على المجتمع الدولي التوقف عن غض الطرف عن هذه الانتهاكات وعن الوضع الإنساني الذي لم يعد محمولاً" (!).

يعترف فريق الخبراء بتفاقم الأزمة الإنسانية الكارثية بسبب أثر الهجمات الشديد والمستمر على البنية التحتية المدنية، مثل المستشفيات، والمرافق المائية، ونقل الغذاء، والمزارع والأسواق، وكذلك حالات الحظر والحرب الشبيهة بالحصار التي تعوّق وصول المساعدات الإنسانية، وغيرها من التدابير المماثلة.

ولعل في قول الجندوبي صرخة لصحوة ضمير: "إن حرمان السكان اليمنيين اللاإنساني من حقوقهم في الأدوية، والماء، والغذاء، يجب أن يتوقف فوراً. ويجب إعطاء الأولوية لبقاء 24 مليون شخص معوزين على قيد الحياة".

في الخلاصة أن شعبا عربيا يتعرض منذ سنوات إلى جرائم ترقى إلى جرائم حرب، ومنها الابادة، كما يبين تقرير الأمم المتحدة، ومازال وضعه المأساوي مستمرا.. ولا أسئلة تكفي للتعبير عنه أو تغطي المحنة..

 

كاظم الموسوي

 

باسم عثمانعودة وتجديد الروح الوطنية والكفاحية للشباب الفلسطيني ومقارعته للمحتل الإسرائيلي الغاصب، كانت ولا تزال تقابلها،حالة التردي والانغلاق في بنية النظام السياسي الفلسطيني الرسمي وديناميكية البنية التنظيمية والبرنامجية للفصائل الفلسطينية على كافة مشاربها الأيديولوجية والسياسية.

ان مقدار التحولات الداخلية السلبية التي حدثت في بنية السلطة الوطنية الفلسطينية يشير إلى ذلك، فالصراع على المناصب جعل السلطة مغيبة للكفاءات الوطنية والشبابية خصوصا، تقويض أسس العمل الجماعي التوافقي والوطني، ضعف الأداء السياسي والمجتمعي، وفشل كل برامج التنمية، الاجتماعية والاقتصادية منها، خيب آمال الفلسطينيين وافقدهم الثقة بقيادتهم الرسمية والفصائلية، حيث ان التدمير الذاتي للمشروع الوطني الفلسطيني وصل ذروته، من خلال استبدال مركزية الصراع مع الاحتلال ومشاريعه التهويدية الى الصراع مع الذات الفلسطينية على" كعكة السلطة" تحت الاحتلال.

ان حالة الانقسام " السلطوية"وضعف بنية الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية وانحسار فعاليتها الجماهيرية، و" تسييس" مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية القائمة، والغموض في المواقف السياسية الانتظارية والتسويفية الاستعراضية، أدى ذلك، الى الاغتراب السياسي والاجتماعي للجمهور الفلسطيني عن قضيته وحالته الوطنية، في ظل غياب الرؤية الوطنية الجامعة، وأدوات استنهاضه.

ان آليات التغيير وادواتها وقواها في المجتمعات متغيرة ومختلفة تبعا لظروفها الموضوعية والذاتية، لهذا، لا يمكن التعاطي معها وتعميمها كجملة واحدة، "وصفة سحرية جاهزة"ففي الحالة الفلسطينية،هناك ضرورة لقراءة الواقع والذات قراءة عميقة لاستنباطها وتفعيلها، حيث يتداخل فيها الوطني والحياتي الخدماتي والتوزع الديمغرافي والجغرافي للفلسطينيين، في ظل تجمعات فلسطينية مختلفة الظروف والاحتياجات، ويجمعها فقط، الهم الوطني العام، الى جانب، تداخل التأثيرات الإقليمية والدولية على الواقع الفلسطيني.

اضف الى ذلك، المحدد لمصدر الشرعيات الوطنية والاجتماعية الفلسطينية، تاريخيا، شكل البعد الكفاحي والنضالي التحرري اهم مصادر الشرعية الفلسطينية، مع الاخذ بعين الاعتبار مؤخرا، ارتفاع وتيرة تأثير البعد الحياتي والمعيشي الاقتصادي للتجمعات الفلسطينية على حساب البعد والهم الوطني العام، وهذا ما جعل التجمعات الفلسطينية تتطلع الى ما يؤثر في مسار ظروفها المعيشية، مما اضعف الى حد كبير، من تأثير النخب القيادية الوطنية والتي استمدت شرعيتها من البعد النضالي، لصالح شرعيات محلية اخرى تؤثر في البعد المعيشي والحياتي والاقتصادي للناس.

في ظل هذا الوضع، تآكلت الى حد كبير شرعيات الفصائل الفلسطينية القائمة على البعد النضالي، وبدا ذلك واضحا وجليا، في انحسار الهالة القدسية لقوى اليسار الفلسطيني ومفاعيلها داخل المجتمع الفلسطيني ،اما بالنسبة لطرفي السلطة الفلسطينية الجغرافية (فتح وحماس) الوضع مختلف كليا، (فتح) هي تنظيم السلطة الحاكمة او سلطة التنظيم الحاكم، الذي ارتبط به جمهور واسع من الشعب الفلسطيني مصلحيا ومعيشيا وامنيا، من خلال الوظائف السلطوية والخدمات وتهديد الحريات وما الى ذلك،على غرار ما تمثله السلطة الحمساوية في قطاع غزة، لذلك، فان شرعية هذين الفصيلين (فتح وحماس) "كسلطة وطنية" لم تعد تستمد من الشرعية النضالية او البعد الوطني، وانما شرعيات مصلحة ونظم أمنية واستخدام مسوغات وشعارات وطنية استعراضية.

اليات التغيير:

ما من شك بان الرؤية الوطنية الجامعة والبعد الكفاحي ،لا يزال وسيبقى ما بقيت قضية التحرر الوطني، وكمعطى اساسي لأي عملية تغيير في الحالة الفلسطينية، ولا يمكن لأي قوة سياسية او اجتماعية ان تتجاوز هذا المعطى، وان تحقق تقدما في التغيير والشرعية في الحالة الفلسطينية، اذا اسقطت من اجندتها ورؤيتها السياسية شعار: وحدة الحقوق الفلسطينية كترجمة عملية ووطنية واخلاقية على وحدة القضية الوطنية الفلسطينية جملة وتفصيلا، وهذا المعطى، أي البعد الوطني، قد يكون اهم عامل محبط للتغيير في ذات الوقت؟!!، لان بعض القوى الفلسطينية السائدة قد تتمسك بهذا المعطى فقط استعراضيا واعلاميا، لترمي قوى التغيير المفترضة (فلسطينيا) بتهم تمس تمسكهم بالبعد الوطني الجامع ، والذي لا يتوافق – برأيهم – مع "واقع المتغيرات الإقليمية والدولية"، بهدف الإبقاء على قيادتها وشرعيتها وسلطتها للحالة الفلسطينية.

بالمحصلة نقول: رؤيا وطنية جامعة تتجاوز خصوصية الجغرافيا الفلسطينية    برنامجيا واليات عمل خاصة،و توحدها على اختلاف خصوصيتها وطنيا،من خلال وحدة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ،تكريسا وتجسيدا لوحدة القضية الوطنية الفلسطينية، وبدون ذلك، فان الشعب الفلسطيني لن يستجيب لاستراتيجيات التغيير المطروحة، والتي تتجاوز حجر الأساس لكل تغيير شرعي فلسطيني قادم (وحدة القضية من خلال وحدة حقوقها).

في الحالة الفلسطينية تاريخيا،جاء الواقع الموضوعي (بالشرارة):

- نكبة عام ١٩٤٨ شكلت الشرارة فاشتغلت ماكينة التغييرالتي أطاحت بالأحزاب والقوى القديمة التقليدية لتحل محلها قوى وطنية جديدة، وكذلك الامر،حصل بعد حرب حزيران عام ١٩٦٧وفي الوقت الراهن، أوسلو واستحقاقاته المدمرة على الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، هي الشرارة التي ستحدث التغيير داخل الحالة الفلسطينية ومشروعها الوطني.

ان الشعب الفلسطيني لم تعد تنطلي عليه الأفكار والبرامج الشعبوية، كذلك القوالب الأيدلوجية، فقد سادت منظومة قيم قائمة على المكاسب الفردية والاستئثار والهيمنة وصولا للفساد الاداري والمالي، وأصبحت هذه القيم تحكم سلوكيات الاغلبية من النخب القيادية الفلسطينية، واكثر من ذلك، ادراكالاحتلال لذلك جيدا، فاستخدم هذا الوضع ووظفه بطريقة او بأخرى للتأثير على التوجهات السياسية و"ردة الفعل" لتلك النخب في مركز القرار الفلسطيني و" مطبخه السياسي".

ان امتلاك الوعي الكافي لأحداث التغيير لا يحقق التغيير، رغم اهمية هذا الوعي، ودون ان يقترن هذا الوعي بالإرادة والاستعداد لدفع الثمن الذي يستلزمه هذا العمل ،سيبقى الوعي بالتغيير ترف فكري لا اكثر ولا اقل، وهو حال كل الفصائل الفلسطينية. "إسرائيل" هي المتضرر الاول من اي تغيير في البنية والفكر السياسي الفلسطيني، حيث وصلت الحالة الفلسطينية (سياسيا وتنظيميا) الى مستوى من الانغلاق والتأزم، بما يحقق المصالح الإسرائيلية، وما تسارع وتيرة التهويد والاستيطان الغير مسبوقة، دون ردات فعل من الرسمية الفلسطينية، سياسية كانت ام ميدانية، اكبر دليل على ذلك، ولهذا سيكون العامل الإسرائيلي والامريكي حاضرا في كبح جماح اي تغيير مرتقب في الحالة الفلسطينية الراهنة.

ان التغيير السياسي يصبح حتمية عندما يصبح ضرورة اجتماعية اختمرت الظروف لتحقيقها، اما الأدوات فان القوى المستفيدة من التغيير حتما ستبدعها،

لذلك، لا بد لنا، نحن الفلسطينيون ،من الانتقال وبإرادة سياسية ووطنية عالية، الى مرحلة جديدة ونوعية، مرحلة ما بعد أوسلو، بعد طيه واستحقاقاته، وان نحتكم الى قوة الجمهور الفلسطيني وارادته السياسية، أولا وأخيرا، وألا نقلد ما تمارسه الانتظارية السلطوية الفلسطينية من سياسات ومواقف، شاء من شاء وابى من ابى .

نحن احوج للقيام بمراجعة نقدية وطنية شاملة لكل سياساتنا وبرامجنا وتحالفاتنا الداخلية والخارجية ، والضغط على "طرفي نكبة فلسطين الثانية"، من الانقساميين والانتهازيين، للعودة الى رشدهم الوطني وتغليب مصلحة القضية الوطنية وحقوقها على اجنداتهم الليبرالية والسلطوية الفئوية، ونحو تغيير جذري في وظيفة السلطة وبنيتها وادائها، واعادت الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية ودمقرطة مؤسساتها، وإبراز حالتها الجديدة في تعاملها مع متطلبات وترتيبات الوضع الجديد وروافع الاستنهاض الجماهيري والمجتمعي والمدني، تمهيدا للانتقال الى دولة فلسطين تحت الاحتلال، وبما يضمن الحفاظ على مكتسباتنا السياسية والوطنية الناجزة، والتجديد في طبيعة الخطاب السياسي وادواته، والاقلاع عن "سيمفونية" التوصيفات السياسية الجاهزة والمتكررة وسياسة " اللطم والعويل" على مرارة الوضع الراهن وما الت اليه القضية والحالة الفلسطينية، وابراز الهوية الوطنية الفلسطينية في مرحلتها الراهنة كحركة تحرر وطني ووحدة قضيتها من خلال وحدة الحقوق الفلسطينية.

ان المراجعة النقدية الشاملة للحالة الفلسطينية وادواتها، هو تجديد واغناء لها، وبغض النظر، أكان هذا التغييرُ نتاجًا لمراجعةٍ فكريّة، أمْ نتاجًا لهزيمةٍ سياسية أو انهيار معنويّ، وما هو حقيقته واسبابه، الأهم :هو نتائجه، خصوصا اذا طال هذا التغيير، وحالتنا الفلسطينية بالذات، الموقف من المستعمر وسياساته، ومن ابجديات المشروع الوطني الفلسطيني واولوياته في الكفاح المشروع ضد الاحتلال ومستعمريه.

ان الحدّ الفاصل بين المراجعة النقدية الموضوعية والذاتية البناءة والضرورية لمسيرة العمل والتجربة النضالية من جهة، والاستسلام المطلق للانتكاسات السياسية والانبطاح امامها، هو: القراءة الجيدة للواقع ومفرزاته، وبالتوافق مع الإمكانات والطاقات الذاتية الحاضرة، يعني التجديد البرنامجي وبما يحافظ على الثوابت الأساسية وليس التفريط بها.

لا حلّ وسطيًّا، على المستوى الثقافيّ والنظريّ والايديولوجي، بين المبدئية زمنَ الانتكاسات، وبين الانبطاحية زمنَ الهزيمة،الثبات والاستسلام لا يلتقيان، وبالاتفاق مع رأي (لينين): فإنّ المثقفين "هم أكثرُ الناس قدرةً على الخيانة لأنّهم أكثرُهم قدرةً على تبريرها." لأنهم يهرولون نحو الامتيازات والألقاب على حساب مواقفهم المبدئيّة.

 

د.باسم عثمان - كاتب وباحث سياسي

...............................

تنويه: ولأهمية التغيير والمراجعة النقدية...سنردفه بمقالات أخرى.

 

 

محمود محمد عليمرة أخري نعود ونكمل حديثنا في هذا المقال الرابع عن المخطط الأمريكي لاحتلال العراق 2003،وفي هذا يمكن القول: استغل الرئيس بوش (الابن) فرصة رفض الرئيس العراقي، السماح لمفتشي الأمم المتحدة المنسحبين بالعودة إلى البلد عام 1998م، ليبرز تصعيداً واسعاً على العراق، وحتى في ظل السماح للمفتشين بالعودة، فإن بوش كان مصمماً على تغيير النظام العراقي عاجلا ًأم آجلاً، خصوصاً وأنه اتضح في الفترة الممتدة من عام 1998 م إلى 2002 م، أن الضغط الأمريكي لفحص مواقع الأسلحة العراقية، إنما كان يتخذ كذريعة للحرب .

وفي 5 مايو 2002م قال وزير الخارجية آنذاك "كولن باول"، أن الولايات المتحدة يمكن أن تحاول إزاحة الرئيس العراقي من السلطة، وهذا حتى في حالة إذا تم الاتفاق على عمليات التفتيش على الأسلحة :" إن سياسة الولايات المتحدة بغض النظرعما يفعله المفتشون، هي أن شعب العراق وشعوب المنطقة، ستكون في حال أفضل بقيام نظام حكم مختلف في بغداد، لهذا تحتفظ الولايات المتحدة بخيار أن تقوم بما تعتقد أنه قد يكون ملائماً للتحقق من إمكانية تغيير النظام " .

كما أضاف أمام مجلس الأمن في 5 فبراير 2003 م، محدداً نية الولايات المتحدة في إسقاط النظام العراقي: " نحن نعلم أن صدام حسين مصمم على إبقاء أسلحة الدمار الشامل التي بحوزته، وهو مصمم على صنع المزيد، فإن الولايات المتحدة لا يمكنها المجازفة والمخاطرة بالشعب الأمريكي، لأن صدام يمتلك أسلحة الدمار الشامل لأكثر من شهور أو سنوات ليس بخيار، ليس بذلك في أعقاب هجمات 11 سبتمبر" .

غير أنه من المفارقة أن امتلاك العراق لهذه الأسلحة، لم يثبت مع إعلان مسئولين عراقيين أن حرب الخليج الثانية، والسنوات التالية من الحصار والعقوبات، أجبرت "صدام حسين" على التنازل عن مخططاته العسكرية؛ خاصة مع صدور تقرير رئيس فرقة التفتيش الأمريكي عن أسلحة الدمار الشامل العراقية "دافيد كاى"، الذي أكد فيه صراحة على عدم العثورعلى أية وثيقة تثبت علاقة العراق بتنظيم القاعدة في مجال أسلحة الدمار الشامل .

2- ارتباط النظام العراقي بالإرهاب :

تعد الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 م، بمثابة التطبيق الرئيسي والأكثر بروزاً، للمفهوم الاستراتيجي الجديد المتمثل في الحرب الوقائية، والتي تمثل النواة الصلبة لحروب الجيل الثالث؛ حيث بنت إدارة المحافظين الجدد للرئيس بوش الابن موقفها على فكرة أساسية، مفادها أن ضرب العراق عسكرياً، والإحاطة بنظام صدام حسين ترتبط ارتباطاً مباشراً بالخشية من امتلاكه لأسلحة دمار شامل، وبالتحديد أسلحة كيماوية وبيولوجية .

في هذا السياق زعمت إدارة بوش (الابن) أن وجود مثل هذه الأسلحة لدي نظم حكم معادية ودول مارقة، ينطوي على خطورة متزايدة على الأمن القومي الأمريكي، وارتكزت سياستها على اعتبار العراق واحداً من الدول المهددة لها، والتي يناسبها شن حرب وقائية، باعتبار أن الخيار العسكري، يمثل الخيار الفعال والوحيد، بتدمير وإزالة المخاطر التي يطرحها النظام العراقي من قدرات التسلح ودعم الإرهاب، لاسيما وأن الوسائل الأخرى من عقوبات وعمليات تفتيش أثبتت – حسب رأى الإدارة – فشلها وعدم جدواها من الناحية العملية، ليتم بعد ذلك التفكير في وسيلة أفضل تجمع بين القدرة على إزالة التهديد من جهة، وتحقيق الأمن والمصالح الأمريكية من جهة أخري .

وبهذا يمكن القول بأن إدارة بوش (الابن)  أقامت قضيتها للحرب على العراق وفقاً لمفهوم الحرب الوقائية، على عدة مبررات تذرعت بها وهى :

أ- العراق امتلك أسلحة دمار شامل، وكان في طريقه إلى بناء المزيد.

ب- العراق ارتبط بالقاعدة وبالمنظمات الإرهابية الأخرى .

هذان المبرران قدما سبباً وجيها من منظور النخبة الحاكمة في البيت الأبيض من المحافظين الجدد لتغيير النظام العراقي، ومن ثم القضاء على مصدر التهديد، ليبدو المبرر الثالث متمثلاً في أن العراق كان ديكتاتورية مستبدة مطلقة تتطلب التحرر منها .

هذه المبررات كانت متأثرة تأثراً واضحاً بهجمات 11 سبتمبر 2001، فعن طريق الإيحاء بأن أسلحة الدمار الشامل العراقية، قد تنتهى إلى الوصول إلى أيدي الإرهابيين، سعت الإدارة إلى بناء الدعم للعمل العسكري من منطلق الخوف من أن العراق قد يهدد الولايات المتحدة تهديداً مباشراً.

ومن هنا استندت الإدارة الأمريكية بعدة وقائع للربط بين النظام العراقي وتنظيم القاعدة، ومنها وجود علاقة بينهما منذ منتصف السبعينات، وقد عملا معاً سوياً علي تقديم الدعم للجماعات الإسلامية في الجزائر ودول أخري ووجود دليل علي أن النظام العراقي، كان يمول الجماعات الاسلامية عبر شبكات "أسامة بن لادن" والاستخبارات العراقية قدمت مساعدات لوجستية لتنظيم القاعدة/ وكذلك عرض العراق علي "أسامة بن لادن" في عام 1998م استضافته في العراق بعد طرده من السودان .

ومنذ تولى الرئيس بوش (الابن) السلطة، وهو في اتهام مستمر لصدام حسين بارتباطه بتنظيم القاعدة، حيث إنه تبعاً لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، أعلن بوش (الابن)  اشتراك الرئيس العراقي فيها، وبدا واضحاً وبصورة متزايدة أن الشخصيات الرئيسية في الإدارة معنية باستغلال الفرصة كذريعة للسعى في النهاية للإطاحة بالنظام البعثي، وقد عبر بوش عن هذه الفكرة في قوله :" نحن نعلم أن العراق والقاعدة لهما اتصالات ذات مستوى ذات مستوى عال تعود إلى عقد سابق من الزمن، فبعض قادة القاعدة البارزين الفارين من أفغانستان، قد ذهبوا للعراق، ومن بينهم زعيم للقاعدة على مستوى من الأهمية الذي تلقي علاجا طبيا ببغداد، والذي خطط للهجمات .. لقد علمنا أن العراق عمل على تكوين أعضاء القاعدة لأجل صنع قنابل الغاز السامة والفتاكة .. العراق يمكن أن يقرر في أي لحظة توفير سلاح بيولوجي أو كيماوي لجماعة إرهابية" .

قام الرئيس الأمريكي بإعلان الحرب على هذا التحدي الأمني الخطير مع حصوله مباشرة على موافقة الكونجرس في 14 سبتمبر 2001م، داعياً بشكل صريح إلى ضرورة استخدام القوة الضرورية والمناسبة ضد الأمم، والمنظمات، أو الأشخاص الذين خططوا وارتكبوا الهجمات  الإرهابية .

وبدأ النظر للعراق على أساس أنه الهدف القادم لهذه الحرب تطبيقا لعقيدة بوش، حيث توالت تصريحات كبار المسئولين في الإدارة حول ضرورة تغيير نظامه، ضمن رؤية استراتيجية عميقة في المنطقة الشرق أوسطية، كما دعا " بول ولفويتز" نائب وزيرالدفاع آنذاك إلى فكرة إنهاء الدول التي ترعى الإرهاب، وكان العراق على رأس قائمة النظم الحاكمة التي تستحق الإنهاء .

كما ظل نائب الرئيس ديك تشينى ووزير الدفاع رامسفيلد يحثان على انتهاج سياسة أكثر تشدداً ضد العراق، إضافة إلى أن رئيس المكتب الاستشاري الدفاعي ريتشارد بيرل، قد أعلن أنه من واجب واشنطن انتهاز فرصة هجمات 11 سبتمبر لإبعاد صدام من السلطة، حتى إذا لم يكن قد لعب دوراً في الهجمات الإرهابية.

3- ديكتاتورية النظام العراقي وضرورة إسقاطه:

إن النظر إلى مسألة تغيير النظام العراقي بقيادة صدام حسين، شكل هاجسا أكبر لدي الإدارة الأمريكية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتتويج الولايات المتحدة للنظام الدولي، خصوصاً بسبب الممارسات القمعية والعدوانية التي قام بها صدام، المتمثلة بالأساس في شن حربين إقليميتين كبيرتين الأولى ضد إيران والثانية ضد الكويت، لذلك رأت الإدارة الأمريكية أن نظام صدام حسين، استبد بالسلطة في العراق، وقام بتهديد جيرانه بغزو الكويت، وقبله إيران وقام باستخدام الدمار الشامل ضد شعبه  .

وهنا بدأ الكثيرمن مسئولي البيت الأبيض في فترة حكم بوش (الأب)، ينظرون للنظام العراقي على أنه نظام غير مرغوب فيه، حتى من قبل بلدان الخليج نفسها، فبالإضافة لاستخدامه الأسلحة الكيماوية في الحرب العراقية – الإيرانية، قام بتوظيف أسلحة محظورة ضد أفراد شعبه من المعارضين في مارس 1988م، إلى جانب توظيف القنابل الانشطارية، وكذا غازات سامة من بينها غاز الخردل ووسيط الأعصاب، بما في ذلك ملح الحمض الأزرق المعروف بالسيانيد، التي تسببت في مقتل خمسة آلاف مواطن كردي.

في 26 فبراير 2003م في خطاب ألقاه بوش  في معهد أميركان انتربراي، قال فيه أن هدف الولايات المتحدة في العراق ليس فقط من أجل نزع سلاح صدام حسين، وإنما أيضاً من أجل تغيير النظام العراقي إلى دولة مزدهرة ديمقراطية حقيقية ومستقرة، ومثال في التحول السياسي في الشرق الأوسط والعراق، يمكن أن تكون مثالاً مثيراً حرية الدول الاخرى في المنطقة، ثم توجه إلى الإشارة إلى التجربة التاريخية الأمريكية في تحويل ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية  الثانية .

وقد ورد في مقال لبرهام فولر B.Fuller نائب رئيس مجلس الاستخبارات القومي في وكالة المخابرات المركزية السابق ثلاث مسائل تتعلق بنظام صدام حسين:

أ- هل يريد الشعب العراقي رئيسه فعلاً ؟ ويؤكد أن صدام يضطهد شعبه بأسوأ طريقة أكثر من أي نظام عربي في التاريخ الحديث، من حيث عدد المسجونين، والذين أعدموا وقتلوا، وهذه الحقيقة يعرفها معظم العرب، ولذلك فإن الشعب العراقي في أحسن حال بوجوده خارج نظام حكم رئيسه وحزبه الشمولي.

ب- أن الرئيس جر بلده إلى حربين كبيرتين وغير مبررتين ضد جيرانه، مما أدي إلى مقتل مليون عراقي، فالشعب العراقي ليس بحاجة إلى هذا النوع من المغامرة.

ج- أن الرئيس منع العراق من القيام بدور رئيسي في العالم العربي، بحيث إن توفرت الظروف المخالفة من الحرية والانفتاح للشعب العراقي سوف تصبح دولتهم لاعباً مهماً في العلاقات الدولية عسكرياً، وأيضاً سياسياً واقتصادياً.

بخصوص الملف العراقي يلاحظ أن إدارة بوش قد وضعت تغيير النظام في المقدمة، وفي المركز في سياستها الخارجية وتواصلت مع القوة العسكرية لتحقيق ذلك، وهذا الميل أو النزوع الشديد لإزالة أنظمة معينة بالقوة المسلحة، إنما ينبع من تعاليم المحافظين الجدد، والجزء الصحيح لمضمون العمل الوقائي في نظرهم، هو أن هناك مشكلات سياسية معينة، لا يمكن حلها، إلا من خلال تغيير نظام الحكم، وبالتالي فإن الجهود المبذولة من طرفهم لتغيير سلوك نظام الحكم البعثي في العراق ذو الطبيعة الاستبدادية من خلال المكافآت والعقوبات الخارجية، سوف يكون أقل فاعلية من تغيير الطبيعة الساندة لنظام الحكم.

لقد بدأت الولايات المتحدة بالحديث عن أسلحة الدمار الشامل، وعلاقة العراق بالقاعدة، وذهبت لاحتلاله انطلاقاً من هذين المبررين، غير أنه بعدما ثبت عدم صحة هذا الأمرتحولت إلى موضوع الديمقراطية، وزعمت أنها تريد أن تدخل الديمقراطية للعراق، فطبقاً لنظرية ليدن حول الفوضى الخلاقة،لكى تنتصر الديمقراطية، يجب أن يحصل التغيير فعلاً، في كل من العراق، وإيران، وسوريا.

ولذلك فإن استبدال نظام صدام حسين بالقوة من أجل " تحرير" الشعب العراقي ومنحه" الديمقراطيـة " فهو تكريس لعقيدة بوش الجديدة المتمثلة بـ (الحرب الاستباقية) ؛ أي أن بإمكـان الولايـات المتحـدة استخدام القوة ضد أي دولة تتصور الإدارة الأمريكية أنها معادية، وهذا المبدأ انتهاك لمبدأ حظر اللجوء إلى القوة في العلاقات الدولية، والمادة ٤٢ من ميثاق الأمم المتحدة، تقول بأنه لا يسمح باستخدام القوة وتلك الحرب– الحرب الاستباقية – هـي نظريـاً دفاع عن النفس أو بتخويل من مجلس الأمن حرب اخترعتها إسرائيل وتتعارض مع قواعد الشرعية الدولية، ومع المصلحة الدولية المشتركة المتمثلة أساساً في حفظ السلم والأمن وضمانهما لجميع الدول، ومن المهم هنا تأكيد مبدأ " نية العدوان " بوصفه شرطاً لقيام الحرب الاستباقية لا يمكن تبريـره، ولعل أوضح مثال على ذلك هو إدانة مجلس الأمن وبشدة لهجوم إسرائيل على المفاعل النووي العراقي أوسيراك  عام ١٩٨١، وانطلاقاً مما سبق تعد الحرب الاستباقية على العراق عملاً غير شـرعي،ٍ خاصـة لأنهـا دون تفويض صريح من مجلس الأمن. إن المبررات التي ساقتها الولايات المتحدة لغزو العراق كلها واهيـة وتخفي داخل ثناياها خلفيات وأهدافاً أخرى.. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في هذا المقال الثالث عن المخطط الأمريكي لاحتلال العراق 2003،وفي هذا يمكن القول: اتخذ الخطاب الأمريكي الطابع العدائي ضد العراق، وأطلق الرئيس بوش (الابن) علي العراق، وإيران، وكوريا الشمالية، دول محور الشر، وأكد بوش علي الطبيعة العدوانية للعراق، وأنه لابد من إزالة النظام العراقي وكان خطاب الرئيس الأمريكي إبان افتتاح دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2002 من العلامات الفارقة في تطور الخطاب الأمريكي بشأن العراق، وكانت أهم البنود التي وردت في هذا الخطاب :

1- التأكيد علي ضرورة نزع أسلحة العراق غير التقليدية، وإلا فإن عملاً عسكرياً سيكون حتمياً .

2- التأكيد علي أن العراق سوف يكون قادراً علي امتلاك قنبلة نووية خلال عام واحد إذا نجح في الحصول علي مواد انشطارية .

3- اتهام النظام العراقي بالتهرب من التزاماته من الكشف علي مخزونه وبرامجه من أسلحه الدمار الشامل.

4- التأكيد علي أن رفض العراق الانصياع لقرارات مجلس الأمن، يمثل تهديداً لسلطة الأمم المتحدة، وأن واشنطن ستعمل مع غيرها من أعضاء مجلس الأمن علي استصدار قرار جديد بشأن العراق، يهدف الي نزع أسلحة الدمار الشامل .

5- إذا تم اتخاذ تدابير يمكن للأمم المتحدة المساعدة في تشكيل حكومة، تمثل جميع الأطراف في العراق وتنبثق من انتخابات تشرف عليها المجموعة الدولية.

وقد استطاعت الإدارة الأمريكية انتزاع موافقة الكونجرس علي قانون يخول حرية التعاطي مع العراق بما في ذلك استخدام القوة وقد مارست الإدارة الأمريكية، إما بالتهديد، أو بالمهادنة طوال العام 2002 م، فقد أعلن ممثلو الإدارة الأمريكية في أكثر من مناسبة أن الحكومة ليست في حاجة إلي موافقة الكونجرس لشن الحرب علي العراق مستندة في ذلك أن الدستور الأمريكي، يعطي رئيس الولايات المتحدة سلطة القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأن القرار الصادر عام 1991 باستخدام القوة العسكرية ضد العراق مازال سارياً، وكذلك القرار الذي تبناه الكونجرس 14 سبتمبر 2001م في أعقاب أحداث سبتمبر، والذي منح الحكومة الأمريكية حق استخدام القوة العسكرية ضد المنظمات الإرهابية،وهذا الوضع ينطبق علي الحالة العراقية بالنظرإلي صلاته بالتنظيمات الإرهابية، ولكن رغم هذه الدعائم كانت الإدارة الأمريكية حريصة علي أن يكون استخدام القوة العسكرية ضد العراق مدعوماً بقرار من الكونجرس، حتي يلقي التأييد الداخلي والخارجي .

وبعد أن فشلت الولايات المتحدة وبريطانيا في الحصول علي قرار دولي يؤيد الحرب علي العراق، اجتمع الرئيس بوش (الابن) ورئيسا الوزراء البريطاني والإسباني في "جزر الأزور" في 17 مارس 2003م، ووجهوا إنذاراً للأمم المتحدة باستصدار قرار للحرب علي العراق، وإلا وسوف يضطروا إلي الذهاب للحرب علي العراق بدون تفويض وكانت الدول الثلاث الأخرى فرنسا، وألمانيا، وروسيا الرافضة لفكرة الحرب، قد أكدت من خلال إعلان مشترك في اليوم السابق، بأن استخدام القوة يجب أن يكون الخيار الأخير، وفي مساء 17 مارس وجه الرئيس بوش إلي صدام حسين إنذاراً نهائياً بمغادرة العراق مع أبنائه خلال 48 ساعة وطالب رجال المخابرات والأمن بأن لا يحاربوا في سبيل نظام في طريقه إلي الموت، وفي المقابل أعلن العراق أنه مستعد للهجوم الأمريكي، وفي 20 مارس 2003 م، شنت الولايات المتحدة وبريطانيا الحرب علي العراق، وفي 9 ابريل 2003م سقطت العاصمة العراقية بغداد في أيدي قوات الاحتلال الأمريكية .

ثانياً: الدوافع المباشرة للتدخل الامريكي في العراق كما أعلنتها الادارة الامريكية:

يمثل موقع العراق الجغرافي حلقة وصل بين أوربا والشرق الأوسط، ويتمتع بأهمية كبيرة لأنه يقع في شمال الخليج العربي، ويكون مع بقية دول الخليج العربي أكبر مصدر للنفط في العالم كله، لـذا كان محط أنظار القوى الاستعمارية التقليدية، منها كبريطانيا، وألمانيا، بشكل خاص وقـوى الاسـتعمار الحديث الممثلة بالولايات المتحدة وبريطانيا .

وقد سعت ألمانيا في القرن التاسع عشر لربط العراق بخط قطار الشرق السريع (برلين– بغداد) في محاولة لمد سيطرتها الاستعمارية على أكبر مخزون للطاقة في العالم، لكن جهودها باءت بالفشـل بعد خسارتها للحرب العالمية الأولى، وجاءت القوات البريطانية فاحتلت البصرة فـي نوفمبر1914م، وأكملت احتلالها للعراق في مايو1917م. ورفض الشعب العراقي قوات الاحتلال واندلعت ثورة عام 1920م، وأرغمت بريطانيا تحت الضغط الشعبي أن تنصب الأمير"فيصل بن الحسين الهاشمي"(1883-1933م) ملكـاً علـى العراق، وبقيت تسيطر على قدرات العراق الاقتصادية والسياسية مـن خـلال مستشـارين سياسـيين وعسكريين، وكانت الكلمة الأخيرة لسفير بريطانيا في بغداد واستمر هذا حتى قيام ثورة يوليو 1958م .

ولم تتوقف محاولات ألمانيا للوصول إلى منابع النفط في العراق، وخاصة أيـام الحكـم النـازي، عندما تسلم السلطة في ألمانيا" أدولف هتلر" Adolf Hitler، الذي أقام علاقات ودية مع الملك " غازي بن فيصل الأول بن حسين بن علي "، وعندما قامت حركة العراق التحررية في أيار 1942م بقيادة "رشيد عالي الكيلاني"، وقف هتلر إلى جانب "الكيلاني"، وأرسل له أسراباً من الطائرات الحربية، ولكنه لم يستطع أن يقدم له الدعم الكافي، لأن الحرب العالمية الثانية، كانت في أوجها، وقد شعرت بريطانيا بخطر وصول ألمانيا إلى منطقة الخليج والسيطرة علـى منـابع الـنفط، فسارعت إلى إسقاط حكومة الكيلاني، واحتلال بغداد من جديد،وأحكمت سـيطرتها عليهـا،وفشـلت محاولات ألمانيا .

أما أطماع أمريكا في التنافس على نفط العراق، فقد بدأت مبكراً، ففي عام 1920م طلبت الولايات المتحدة من بريطانيا في مؤتمر "سان ريمو" San Remo في إيطاليا، ضرورة مشاركتها بنفط العراق والخليج، لكـن بريطانيا رفضت هذا ولم يستطع رئيس وزراء بريطانيا "ونستون تشرشل" Winston Churchil، أن يقاوم الضغط الشديد من رئـيس الولايات المتحدة "فرانكلين روزفلت" Franklin Roosevelt من أجل الحصول على نصيب كبير في نفط الخليج. وحصلت أمريكا على النفط السعودي بموجب الاتفاق بين الملك عبد العزيز وشركة (آرامكو)، وحصلت أيضاَ على الـنفط الإيراني، بعد أن أطاحت بحكومة " محمد مصدق (1880-1967م) "، وإزاحة بريطانيا من الهيمنة على نفط الخلـيج، وقـد سـعت الولايات المتحدة لإيجاد نوع من الأمن الإقليمي في منطقة الخليج منذ إعلان بريطانيا الانسحاب مـن المنطقة، لسد الفراغ الاستعماري البريطاني الأمريكي، فبدأت بمشروع " سيسكو وروجرز " لعـام 1972م. وكان هذا المخطط قد صرح به روستر Rosterوكيل وزارة الخارجية الأمريكية عام ١٩٦٨،عندما أعلن عن إقامة مثل هذا الحلف بين دول الخليج العربي بما فيها العراق؛ وتهدف هذه المخططات إلى :

أ- فصل الأمن الإقليمي الخليجي عن باقي الدول العربية القوية غير المنتجة للنفط، حتى يظل اعتمادها الرئيسي على الولايات المتحدة الأمريكية.

ب-عدم السماح باستخدام سلاح النفط في كل محاولات تسوية القضية الفلسطينية.

جـ - ربط اقتصاديات دول الخليج بالاقتصاد الغربي، وجعلها أسواقاً استهلاكية للبضائع الغربية.

د- تثبيت الطابع الغربي في الثقافة، والإعلام، والمناهج التربوية.

وتبدلت هذه المخططات الاستراتيجية بعد حرب أكتوبر 1973م، فأصبحت الاستراتيجية الأمريكية، تركزعلى أن منطقة الخليج العربي شريان حياة للغرب، خاصة بعد إعلان الحظر الجزئي للنفط، الأمر الذي جعل "هنري كيسنجر" يصرح بـ "أن أي محاولة لفرض حظر نفطي لفترة طويلة، هو عمل من أعمال الحرب ". وقد طورت هذه الفكـرة حتـى أصبحت لا تقتصرعلى ضمان إمدادات النفط فقط بل تأمينه بسعر رخيص .

وبعد انتهاء الحرب العراقية– الإيرانية وخروج العراق عام 1988م منتصراً منهـا، ومـديوناً وجيشه ما زال نسبياً على قدر من القوة، يهدد مصالح الولايات المتحدة في الخليج وأمن إسرائيل، وهنا ارتأت واشنطن أن تجد مبرراً جديداً لقيام حرب جديدة تهدف إلى الخلاص من ترسـانة العـراق العسـكرية، ومحاولة العودة إلى منابع النفط بشكل فعال، فكانت حرب الخليج الثانية 1991م، ولم يكن جورج بوش (الابن) بعيداً عن قرار خوض واشنطن الحرب، فقد كشفت وثائق رسمية أمريكية علاقته بفضائح ماليـة تمس أجهزة المخابرات وأبيه وأخيه، وفضائح شركات النفط أسكتتها حرب الخليج الثانية وحولتها إلى الاتجاه المعاكس .

وما من شك في أن للحرب العدوانية الأمريكية على العراق واحتلاله في ربيع عام 2003م عدة أهداف متشابكة ومتداخلة بعضها ببعض على الصعيد السياسي، والاقتصادي، والعسكري، ومعظـم هـذه الأهداف تلتقي مع الأهداف الإسرائيلية في السيطرة على مقدرات الشرق الأوسط. ويمكـن تلخـيص أهداف الحرب الأمريكية المعلنة على العراق بما يلي:

1- امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل:

تعد ذريعة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، حجة قديمة متجددة في سياق الغزو الأمريكي للعرق، وتعود خلفيات هذه القضية إلى سنوات حرب الخليج الثانية، بحجة تجريد العراق من أسلحته الهجومية التي تمكنه من القيام بعدوان جديد على جيرانه بعد امتلاكه الكويت عام 1990م .

فقد بدأت قصة أسلحة الدمار الشامل في العراق تطفو علي سطح الأحداث في شتاء عام‏1990م، عندما أعلن الرئيس العراقي صدام حسين في إحدى خطبه أنه يملك سلاحاً سماه الكيماوي المزدوج‏،‏ وأكد أن هذا السلاح قادر علي قتل نصف سكان تل أبيب‏،‏ كما تحدث أيضاً عن امتلاكه للمدفع العملاق الذي يزيد طول ماسورته علي المائة متر، وتستطيع قذائفه أن تصل إلي أهداف تبعد مئات الكيلومترات‏..‏ وبعد شهور قليلة من هذا التصريح، الذي أدلي به صدام بشكل مفاجئ دون أي مناسبة، غزت جيوش صدام دولة الكويت‏، واتضح لمن يربطون بين الأحداث أن الهدف من هذا التصريح، كان حشد الرأي العام العربي وكسب تأييد الشارع العربي عندما يغزو الكويت،‏ وتخويف الدول الأخرى من قوته العسكرية حتي لا تعترض سبيله عندما يقدم علي مغامرته الطائشة في الكويت‏ .

من المعروف أن نظام صدام حسين كان يمتلك أسلحة كيماوية وبيولوجية، قامت الولايات المتحدة والدول الغربية بمده بتلك الأسلحة أثناء الثورة الإيرانية، وقام باستخدام تلك الأسلحة مرتين، الأولي ضد الأكراد مما أدي إلي مقتل خمسة الاف كردي، والمرة الثانية استخدمها في حربه مع إيران، وقد قامت فرق البحث بالتخلص من مخزون المواد الكيماوية والبيولوجية، حيث أعلن "هانز بليكيس" Hans Blix رئيس فريق الأمم المتحدة للتفتيش عن الأسلحة العراقية والدكتور "محمد البرادعي" المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في ذلك الوقت بأن العراق أصبح خالياً من أسلحة الدمار الشامل، ورغم هذا الإعلان الرسمي إن الإدارة الأمريكية تلاعبت بالأوراق الرسمية وقامت بتوجيه الاتهامات للنظام العراقي بشراء اليورانيوم من دولة النيجر.

أصدرت الحكومة البريطانية وثيقة تتهم فيها الحكومة العراقية بامتلاك أسلحة دمار شامل، وكانت الوثيقة فيها دلالات علي أن نظام صدام حسين مازال مصراً علي امتلاك أسلحة الدمار الشامل، ويعطيها الأولوية الكبرى والعراق مازال مستمراً في تطوير الأسلحة النووية، وادعي أن العراق قام بشراء اليورانيوم من النيجر وزيف الوثائق الخاصة بذلك، وأن العراق تمتلك صواريخ قادرة علي الوصول إلي إسرائيل وتركيا .

ورغم أن العراق لم يستخدم أسلحته المفترضة في حرب تحرير الكويت، ورغم إعلانه عن تدمير مخزونه من الأسلحة المحظورة، إلا أن الجدل حيال هذه القضية لم ينته على مر السنوات التالية، فالولايات المتحدة أرادت اتخاذ قضية الأسلحة كورقة بيدها كي تستغلها وقتما تشاء في قصف العراق وتهديده والخرق المتكرر لأجوائه الوطنية، أما على الجانب العراقي فإن نظام صدام حسين لم يكن يتعاون مع لجان التفتيش ذاتها، وكان هذا استفزازياً في معظم الأحيان ...... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

عامر صالحالحديث عن المشاركة السياسية في الحكم حق مشروع لجميع القوى السياسية المؤمنة بالديمقراطية بعيدا عن الأقصاء والتهميش ومصادرة أرادة الغير في صنع القرار، وخاصة بعد عقود من الحكم الدكتاتوري القمعي الذي أنفرد في السلطة، سواء في العراق الذي عانى شعبه الكثير من مصادرة الحريات والتسلط والحروب العبثية، او معظم الدول العربية، وبالتالي اصبح هاجس المشاركة من قبل الشعب في اختيار الحاكم وتقرير طبيعة الحكم بمثابة عطش مزمن وحاجة لا يمكن النتنازل عن اشباعها مهما بلغت شدة الحرمان.

لم تكن مشاركة الشعب في صنع القرار سهلة كما تصورها الكثير بعد سقوط الدكتاتورية في العراق عام 2003 عبر الأحتلال الامريكي، وكذلك لم تكن سهلة هي الأخرى في تجارب ما يسمى "الربيع  العربي" في 2011، وكلا التجربتين العراقية والعربية والتي كان مخطط لها في اذهان شعوبها ان تكون ديمقراطية وبديل عن أنظمة القمع والتفرد، تحولت الى بلدان مستباحة من الفوضى والميليشيات المسلحة، الى جانب الدخول في مشاريع التشرذم الطائفي والديني والأثني والمناطقي والارتهان الى مرجعيات من خارج البلدان تقرر اتجاهات التغير في الداخل وتتحكم في المعادلات السياسية وصنع القرار، رغم ان السائد الشكلي هو ديمقراطية تعددية عبر صناديق الأقتراع.

كانت حمولة الأسلام السياسي من اكثر الحمولات شحنة للتفريغ بعد سقوط الانظمة القمعية الدكتاتورية، وممكن القول انها انفردت تقريبا في رسم ملامح المشهد السياسي على ارض الواقع مستغلة غياب البدائل السياسية الاخرى وضعفها في الساحة السياسية جراء القمع والتهميش طويل الأمد الذي عانت منه من النظم التسلطية، الى جانب ان حركات الأسلام السياسي بعد التغير لجأت الى استخدام السلاح والتكفير لفرض اجندتها السياسية واضطهاد الآخر المغاير لها في التفكير والتضييق عليه. 

وتشهد اليوم الساحة العربية والعراقية صراع يتخذ طابعا دمويا تصفويا بدرجات مختلفة للأستحواذ على السلطة وتوزيع مغانمها والواجهة الاساسية لذلك هو صناديق الأقتراع وادعاء التداول السلمي للسلطة، فمن يحكم منهم يحكم ومن يختلف يدعي المعارضة السياسية، والواجهة لذلك ايضا الديمقراطية التي تسمح بحضور لمفهوم " المعارضة والموالاة ". فهل يؤمن الأسلام السياسي بالديمقراطية الغربية حقا وبالتداول السلمي للسلطة والأيمان فعلا بنتائج انتخابات نزيهة والركون الى آراء الشعوب في تقرير مصيرها. 

أكدت تجربة العراق منذ اكثر من عقد ونصف وتجارب عربية اخرى أن صناديق الأقتراع لا تتجاوز كونها تقنية شكلية للأستحواذ على السلطة واعادة انتاجها، سواء في تجييش الناس صوب صناديق الاقتراع او تزوير نتائج الانتخابات او حرق صنادق الانتخابات وتأسيس مفوضية انتخابات قائمة على أسس من المحاصصة الطائفية السياسية والاثنية لضمان سقف مقبول من النتائج يضمن بقاء الاوضاع كما هي. 

مفهوم الديمقراطية الحقه والتي تبني مجتمع المواطنة ودولة العدل كما ترد: "هي حالة الترابط العضوي بين جملة قضايا ومسائل ومفاهيم ومقولات تشكل نسيجا” ضاما فيما بينها، ويمثل غياب أو سقوط أي منها ثلما و”شرخا” في هذا النسق مما يؤدي إلى إصابتها أي الديمقراطية بتشوه خلقي وعيب وجودي وصولا إلى خواء المضمون على المستوى الواقعي. ليس بخاف أن لا ديمقراطية حقيقية بدون العلمانية ولا ديمقراطية بدون الأنسية أو الإنسانوية والمرجعية الدنيوية التي تجعل البشر وحدهم مصدر المشروعية ومناط الحقوق والواجبات وإذا “مصدر القانون ومناط الحرية المرتبط بجملة تعينات وتجليات وأشكال مثل حرية التفكير والاعتقاد والإيمان  والتعبير والتمثيل وربما حرية وحق أن يكون الشخص ملحدا”، بوضوح إن الحرية لكذلك على وجه اليقين والتأكيد".

" كما تعني حق الإنسان على عقله وذهنه ونفسه وجسده وحريته التي تترتب على هذا الحق دون أن يعني ذلك إيذاء “نفسيا” أو ماديا للغير. وحين نقول الإنسان فلا فرق بين الرجل والمرأة التي يشكل حقها وحريتها وطريقة تفكيرها وأسلوب وجودها وعلاقتها بالشريك وسائر أنماط عيشها المرتبطة بكيانها جزءا لا يتجزّأ ولا يقل من حيث المبدأ عن حق الرجل وحريته ومشروعية وجوده التي تبيح له أن يحيا كما يشاء، لا بل  ويقال أكثر من ذلك، أن لا مشروعية ولا حق ولا حرية للرجل بدون حق وحرية وسعادة المرأة، فكيف هو الحال إذا كان مجتمع الرجال سيبني الحق والحرية والسعادة على أنقاض ودونية وابتذال المرأة".                                          

أن معضلة مجتمعنا الكبرى هي ليست مع أشخاص، بل مع الأسلام السياسي الغير مؤمن بالديمقراطية أصلا، والتي يراها لعبة غربية لا تصلح لمجتعاتنا، وأن الاسلام السياسي مكره على ممارستها في ظل الظروف العالمية الضاغطة والتي لا تقبل إلا بالتدوال السلمي للسلطة وفي ظروف طبيعية وصحية. في عودة سريعة لضبط مصطلح الديمقراطية وماهيته والذي يخدمنا كثيرا في هذا المقال، وهو أن الديمقراطية تعني حكم الشعب، أو الحكم للشعب، وإذا كان للديمقراطية مصطلحات عديدة إلا إن لها مدلولا سياسيا والذي شاع استخدامه في كل الأدبيات والفلسفات القديمة والحديثة وأنها مذهب سياسي محض تقوم على أساس تمكين الشعب من ممارسة السلطة السياسية في الدولة، فالكلمة العليا والمرجعية النهائية إنما هي للشعب ولا شيء يعلو فوقه، فهي تعني أن يضع الشعب قوانينه بنفسه، وأن يحكم نفسه بنفسه، ولنفسه، والحكومة التي تقبلها النظرية الديمقراطية هي الحكومة التي تقر سيادة الشعب وتكفل الحرية والمساواة السياسية بين الناس تخضع فيها السلطة صاحبة السلطان لرقابة رأي عام حر له من الوسائل القانونية ما يكفل خضوعها لنفوذه، وقد تبلورت هذه الفكرة فيما بعد تحت مصطلح السيادة، وقد عرفت السيادة بأنها سلطة عليا مطلقة لا شريك لها و لا ند متفردة بالتشريع الملزم، فيما يتعلق بتنظيم شئون الدولة أو المجتمع، فلها حق الأمر والنهي والتشريع والإلزام بذلك، لا يحد من إرادتها شيء خارج عنها، ولا تعلوها أو تدانيها سلطة أخرى، والسيادة في الفكر الديمقراطي إنما هي الشعب. وتتمثل ممارسة الشعب للسيادة في ثلاث جوانب رئيسية على الأقل هي:

ـ إصدار التشريعات العامة الملزمة للجماعة التي يجب على الجميع الالتزام بها وعدم الخروج عليها، وهذه تمارسه السلطة التشريعية..

ـ المحافظة على النظام العام في ظل تلك التشريعات، وهذه تمارسها السلطة التنفيذية..

ـ حل المنازعات سلميا بين المواطنين انطلاقا من هذه التشريعات، وهذه المهمة تمارسها السلطة القضائية، ويتبين من ذلك أن السلطة التشريعية هي أم السلطات الثلاث. 

وعلى خلفية هذه الرؤى فأن الديمقراطية كفلت الكثير من الحقوق والحريات التي تتحقق بها إنسانية الإنسان كحرية التنقل، والاستقلال في الرأي والتفكير، والمشاركة في القرار السياسي وفي اختيار الحكومة، وفي القدرة على رفض الحكومات وتغييرهم في حالة عدم صلاحيتهم، وفي حق التملك وحق الأمن والأمان، كما يحقق المساواة للجميع أمام القانون، والدعوة إلى الآراء وحرية تكوين الأحزاب، وحق المعارضة للسلطة القائمة، وحق الاقتراع العام، وتنظيم الانتخابات للوصول إلى الحكم، وتداول السلطة بين أفراد الشعب، واعتماد مبدأ الأغلبية في اتخاذ القرارات وسن القوانين.

وفي زحمة هذه الصلاحيات الواسعة للشعب في ظل الديمقراطية الحقيقية يقع الإسلام السياسي في دوامة الصراع النفسي والسلوكي مع القوى الديمقراطية ومع الشعب، كون هذه الأخيرة مصدر كل السلطات وبالتالي تشكل بديلا عن الشريعة الإسلامية ذات الطابع الإلهي، أي كما يفهمه الإسلام السياسي بأن جعل التشريع بيد الشعب هو إلغاء لشريعة الله تعالى، وهذه الخاصية التي تميزت بها الديمقراطية على تعاقب التجارب والأزمان، تعد من الاختلافات الحقيقية بينها وبين الإسلام، انطلاقا من قاعدة الإسلام التي جوهرها هي توحيد الله تعالى، والتي تعني أن يكون المسلم عابدا لله وحده، وذلك بالاحتكام إلى ما شرعه الله تعالى في كلها من صلاة وصيام وحج، معاملات بين الناس وخصومات، وفي شئونه كلها، وبالتالي أن تحل سلطة الشعب مكان سلطة الإلهة أمر غير مقبول جملة وتفصيلا لدى الإسلام السياسي.

في ظل تلك التعقيدات على مستوى قبول الديمقراطية كطريقة في الحكم وكنظام سياسي شامل وليست انتقائي مصلحي يجري صراع شرس بين مكونات قوى الأسلام السياسي من جهة، وبين الاسلام السياسي والقوى المدنية الفتية من جهة اخرى، ويجرى التشبث في البقاء عبر ترقيع ذات الأسلام السياسي وقوى اخرى متحالفة معه لأيجاد مخرج لأزمة البلاد المستعصية، فنجدهم تارة في الحكم وتارة في "المعارضة " عندما يجري الخلاف على توزيع غنائم السلطة، ويتبادلون المواقع عند حاجتهم لذلك، ولا يستغرب المرء من انتشار الفساد الأداري والمالي والميليشيات المسلحة الاجرامية وانعدام االخدمات الاساسية الحياتية حيث انعدام استقرار النظام السياسي.

 

د. عامر صالح  

 

علاء اللاميمع اقتراب ميناء "مبارك" الكويتي العملاق من الاكتمال وقرب تدشينه، ليقطع بذلك الممر المائي العراقي في خور عبد الله أو ليُضَيِّق عليه بشكل خطير، ومع إنشاء الكويت لمنصة بحرية جديدة في منطقة "فيشت العيج" وسط ذلك الخور، وبعد تأخر إنجاز ميناء "الفاو الكبير" في الجانب العراقي بسبب الفساد الإداري والتواطؤ من قبل الإدارات العراقية المتتالية، بعد هذه التطورات، ووصول حالة الحصار البحري الشامل على العراق نقطة اللاعودة، تحركت الحكومة العراقية فقامت بحركة استعراضية متأخرة كثيرا لرفع العتب، وقدمت شكوى رسمية إلى مجلس الأمن.

وقد كشف وزير النقل العراقي الأسبق عامر عبد الجبار عن أن "فيشت العيج" ليست منصة تفريغ كما قيل، بل جزيرة اصطناعية أقيمت بعد طمر مياه وسط الخور تريد الكويت اعتبارها النقطة النهائية لحدودها مع العراق، حتى تقطع الممر المائي عن العراق وتعزله عن ساحله البحري الإقليمي.

الشكوى العراقية قُدِمت بشكل شبه سري، وسكتت الأوساط السياسية والإعلامية العراقية عن هذه التطورات لأسباب لا تخرج أيضا عن دائرة الفساد والتواطؤ. وقد عَلِمَ العراقيون بهذا التطور من صحف الكويت التي بادرت إلى شن حملة إعلامية بعد الشكوى العراقية.

إنَّ الشكوى التي رفعتها الحكومة العراقية، لا تتمتع بأي قدر من الجدوى والمردودية، ولا أفق لها عمليا لحل المشاكل المتوارثة بين البلدين؛ فمجلس الأمن ذاته هو الذي أباح للكويت بقرارته المجحفة خنق العراق بحريا، ومنحها نصف قناة "خور عبد الله"، وهو النصف العميق إذ أن القرار الأممي رقم 833 لسنة 1993 والخاص بترسيم الحدود  لم يقسِّم الخور - الذي لم تستعمله الكويت طوال تاريخها لعدم حاجتها إليه وكان المنفذ الأهم للعراق فقط - بين البلدين حسب خط العمق "التالوك" كما هو معهود عالميا، بل حسب النصف المساحي (العرض المتري)؛ فأعطى للكويت النصف الغربي العميق وترك النصف الشرقي الضحل وغير القابل للإبحار للعراق. كما أن مجلس الأمن هو الذي أعطى الكويت نصف منطقة "أم قصر" العراقية ومنطقة أخرى تحتوي على عدة آبار نفطية من الجانب العراقي، فكيف يمكن لمجلس أمنٍ تسيطر عليه الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا أن ينصف العراق ويرد على شكواه بعدالة ونزاهة؟

إن المشكلة الحقيقية لم تبدأ مع منصة "فيشت العيج" الكويتية الجديدة، بل هي تعود أساسا إلى مجموعة القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة وهي قرارات مجحفة بحق العراق. وقد استقال رئيس اللجنة الأممية الخاصة بهذا الملف كوسوما اتماجا، في العشرين من تشرين الثاني من عام 1992 احتجاجا على انحياز اللجنة (وكانت تضم ممثلي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والكويت والعراق)، إلى الجانب الكويتي، ولأن اللجنة تجاوزت صلاحياتها بالترسيم الحدودي الذي هو من صلاحيات البلدان ذات السيادة وليس من صلاحيات الأمم المتحدة.

إن الحل الجذري والعادل لهذه المشكلة لا يتم بتقدم شكوى منفردة كالتي قدمتها حكومة عبد المهدي، بل في اجتراح حل حقيقي ومتوازن يعيد الأمور إلى نصابها والحقوق العراقية لأصحابها، ويضمن الأمن والاستقرار للكويت، وهذا لا يتم إلا ببناء جدار عازل على الحدود بين البلدين دون إبطاء وعلى غرار الجدار الأمني العازل الذي بادرت السعودية الى بناء أجزاء منه على حدودها مع العراق.

إن فكرة بناء جدار عازل بين العراق والكويت هي أصلا فكرة ذات منشأ كويتي فقد طالب بها الساسة الكويتيون المعادون لما يسمونه "الشمال الأسود" أي العراق، وقد كرر هذا المطلب قبل أيام السياسي والإعلامي الكويتي د. عايد المناع رداً على الشكوى العراقية!

والحقيقة فإن بناء جدار عازل على امتداد الحدود العراقية الكويتية هو لمصلحة العراق أولا، ومنقذ له من الحصار البحري. كيف ذلك؟  لقد أنفقت الكويت على ميناء مبارك الكبير مبالغ طائلة تصل الى ثلاثة مليارات ومائتين وخمسين مليون دولار حتى الآن. وتبلغ طاقة الأرصفة فيه 1.8 مليون حاوية مجهزة بشبكة سكك حديدية ولا تحتاج إليه الكويت إطلاقا فلديها موانئها العديدة. وإذا ما علمنا أن هذا الميناء الكويتي لا مستقبل له إلا بربطه سككيا بالقطارات مع القناة الجافة السككية العراقية، وإذا ما علمنا أن العراق رفع التحفظ العراقي الرسمي الربط السككي مع الكويت في زمن وزير النقل الأسبق هادي العامري، وإذا ما علمنا أن هذا الميناء الكويتي سيقطع الممر البحري على العراق، وإذا ما علمنا أن ميناء الفاو العراقي الكبير معرقل من قبل إدارات ووزارات الفساد العراقية، فإن الحل الوحيد والمؤقت أمام العراق هو بناء جدار عازل ضخم على طول الحدود العراقية الكويتية وبعرض أربعة أمتار وارتفاع سبعة أمتار ينهي وإلى الأبد التأثير الضار لميناء مبارك الكبير على العراق.

إن هذا أمر يدركه الكويتيون وقد عبر عنه النائب الكويتي السابق الطباطبائي الذي صرح بأن ميناء "مبارك" لا مستقبل له، ويجب نقله إلى مكان آخر، وربما يكون الدافع لزيارة أمير الكويت الأخيرة هو تفادي قرار عراقي برفض نهائي للربط السككي مع الميناء الكويتي. إن حل الجدار الحدودي يفتح الباب واسعا أمام استكمال بناء ميناء الفاو الكبير وربطه بالقناة السككية العراقية الجافة. بمعنى أن الحل ما يزال قائما أمام العراق وهو يكمن في بناء هذا الجدار وفي تسريع إنجاز ميناء الفاو وتوسيعه وتنفيذ مخطط الجزيرة الصخرية في الفاو والتي ستضاعف نطاق الطلة البحرية العراقية الى الضعفين وأكثر وبهذا يخرج العراق من الارتهان والحصار البحري الحالي.

إن بناء الجدار العازل مع الكويت يجب أن يبدأ فورا للضغط على الكويت لوقف تجاوزاتها وحصارها البحري ومن ثم لمراجعة جميع القرارات المجحفة الصادرة بحق العراق بعد اجتياح الإمارة سنة 1990، فهذه القرارات تنص على أنها ممكنة التعديل بطلب من البلدين وباتفاقهما، وهذا هو الحل الوحيد الذي يضمن وصول البلدين الى حلول متوازنة وعادلة تضمن حقوق العراق على أراضيه ومياهه وتضمن أيضا استقرارا وأمنا دائما للكويت. وعلى هذا فنحن اليوم أمام سيناريوهَين اثنين بعد تقديم هذه الشكوى العراقية:

-السيناريو الأول: ستتحرك واشنطن للضغط على الكويت لتتنازل قليلا بخصوص خور عبد الله وربما تطلب منها رفع جزيرة "فيشت العويج" مقابل منحها الربط السككي الدائم مع العراق فتتراجع الحكومة العراقية عن الشكوى، وهذا ليس حلا لأن الكويت ماضية في حصارها البحري، ولهذا فسيكون نصرا للكويت وأميركا بكل معنى الكلمة لأنَّ ربط ميناء مبارك الكويتي بالقناة الجافة السككية العراقية يعني دفنا نهائيا وتدميرا لميناء الفاو العراقي الذي سيحل محله تلقائيا ميناء مبارك الكويتي وستتلاشى الطلة البحرية العراقية!

-السيناريو الثاني هو الذي اقترحناه أعلاه ويتلخص في البدء فورا ببناء الجدار العازل مع الكويت وإنهاء أي أفق لميناء مبارك وتسريع إنجاز الفاو الكبير والبدء بمشروع الجزيرة الصخرية لتوسعته ومضاعفة طاقاته الاستيعابية.

إن بناء الجدار العازل مع الكويت يجب أن يبدأ فورا كوسيلة للضغط على الكويت لمراجعة جميع القرارات المجحفة الصادرة بحق العراق بعد حرب 1990، فهذه القرارات تنص على أنَّ من الممكن تعديلها بطلب من البلدين وباتفاقهما وهذا هو الحل الوحيد الذي يضمن وصول البلدين الى حلول متوازنة وعادلة تضمن حقوق العراق على أراضيه ومياهه.

 أما بخصوص مشروع الميناء العراقي الكبير على الجزيرة الصخرية فهو يقوم على فكرة تشييد جزيرة صخرية في الجزء العراقي من مياه الخليج العربي، ستحتوي على مدينة مساحتها 350 كيلومتراً مربعاً، تمتد داخل البحر بنحو 250 كيلومتراً مربعاً. ويتم تشيَّد تلك الجزيرة من خلال طمر مليار متر مكعب داخل البحر بـ 25 مليون طنٍّ من الحجر.

إن تكاليف الجزيرة الصخرية والميناء والمدينة التجارية والسياحية قربه تصل إلى ثمانية مليارات دولار كحد أعلى، وسيكون الميناء قادرا على تسديدها كلها خلال ستة أعوام تقريبا وبواقع ملياري دولار في العام تقريبا. فلماذا فكر البعض بطرح هذا المشروع على الاستثمار الأجنبي والدولة العراقية بمواردها الهائلة قادرة على تنفيذه، ولماذا الإصرار على رفض وعدم التفكير بميناء الجزيرة الصخرية؟

لماذا لا يجري تطوير المشروع القائم والمهدد بميناء مبارك الكويتي ودمجه بمشروع الجزيرة الصخرية للوصول الى التحرر الكامل للعراق من الحصار البحري والخنق الذي تمارسه دول الجوار عليه؟ ولماذا لا يبحث العراق عن دعم دول الجوار ذات المصلحة بالقناة الجافة العراقية كسوريا والأردن وتركيا؟

إن مشروع الجزيرة الصخرية لن يتأثّر بميناء مبارك الكويتي وهو الحل العملي الوحيد بما أنّ الكويت وإيران غير قادرتين على خنقه، وبتنفيذه يمارس العراق سيادته على أراضيه ومياهه الإقليمية.

يبدو لي أن هناك ثلاثة أسباب مهمة - بين أسباب أخرى - لرفض مشروع ميناء الفاو الكبير على الجزيرة الصخرية أو إهماله وهي :

1- رفض المشروع من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا والكويت وإيران ودول الخليج. لأن هذه الدول لا تريد أن ينهض عراق قوي ومزدهر، بل هي تريد الإبقاء عليه ضعيفا مضطربا مهددا بالتمزق الطائفي والقومي وحركات التمرد الانفصالية والأقلمة!

2- فساد النظام في العراق وتورط كبار المسؤولين فيه بالرشى الكويتية لخنق الميناء العراقي والتنازل عن خور عبد الله، وقد حدثت فضائح عديدة في هذا الميدان تورط فيها وزراء ونوقشت علنا في مجلس النواب العراقي.

3- التنافس الضاري بين الأحزاب والكتل والعوائل السياسية الدينية المهيمنة على الحكومة ورغبة كل منها بالحصول على الحصة الأدسم فيه.

إن البديل الذي نقترحه في السيناريو الثاني أعلاه، كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها، وهو حق سيادي ومشروع للعراق وليس فيه أدنى تجاوز على الكويت أو غيرها، لأنه يقام داخل الأراضي والمياه العراقية، فإذا انصاعت قيادة إمارة الكويت إلى منطق الحق والعدل ونقلت ميناءها الى مكان آخر كما اقترح النائب الكويتي وليد الطباطبائي، وأعادت ما تم استقطاعه من أراضٍ ومياه عراقية وفق ترسيم جديد للحدود فخيرا تفعل،  وإلا فليس أمام صاحب الحق، الشعب العراقي، سوى الدفاع عن نفسه وعن مستقبل أجياله، ولكننا ندرك أن دفاعا كهذا لا يمكن ان يُدار وينجز بنجاح من قبل حكام طائفيين فاسدين وتابعين للأجنبي ولهذا فالأمر يبقى رهنا بالمستقبل العراقي القريب!

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

امجد الدهاماتإنسحاب النواب من احزابهم هو موضوع جدلي تنقسم الآراء حوله، فهناك مَن يرفضه ويعتبره مخادعة وخيانة للمبادئ وعدم وفاء للحزب الذي كان السبب الأساسي بفوز النائب بمقعده البرلماني.

بينما آخرون يعتبرنه تصرفاً صحيحاً ومن حقوق النائب، خاصة في حالة الخلاف حول طريقة إدارة الحزب أو انحراف عن مبادئه أو عدم الرضا عن سياساته، ويستدلون على ذلك بحالات كثيرة حصلت في الدول الديمقراطية ولأسباب متعددة وتم التعامل معها بشكل طبيعي جداً، وآخرها انسحاب النائب (فيليب لي) من حزب المحافظين الحاكم وانضمامه لحزب الديمقراطيين الأحرار المعارض لرفضه سياسة رئيس الوزراء (بوريس جونسون) الخاصة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي رغم أنه عضو بالحزب منذ (27) سنة، وفي أمريكا ترك النائب (جاستن أماش) حزبه الجمهوري احتجاجاً على سياسات الرئيس (دونالد ترامب)، بل المفارقة أن النائب الأسترالي (فرازير انينج) إستقال من حزبه بعد دقائق فقط من إدائه اليمين الدستورية في البرلمان لخلافه مع رئيسة الحزب.

بل الأخطر عندما يؤدي إنسحاب النواب إلى فقدان حزبهم أغلبيته البرلمانية وبالتالي سقوط حكومتهم، كما حصل في تركيا عندما انسحب (6) نواب من حزب اليسار الديمقراطي الحاكم مما أجبر رئيس الوزراء (بولند أجاويد) على الإستقالة عام (2002)، وكذلك في اليونان عام (2011) حيث إستقال رئيس الوزراء (جورج باباندريو) عندما لم تصوت نائبتان من حزبه على منحه الثقة لرفضهما فكرة إجراء استفتاء على الخطة الاوروبية لمساعدة اليونان.

لكن (نظرية الإختيار العام) لها وجهة نظر أخرى:

بالأصل أن نظرية الإختيار العام (Public Choice Theory) هي نظرية اقتصادية لكن يتم استخدام آلياتها في تحليل سلوكيات السياسيين.

إذ من خلالها يتم تحليل دوافع الناس المتواجدين في الأسواق سواء كانوا تجاراً أو عمالاً أو مستهلكينَ، فالعلماء الدارسون لسلوك هؤلاء الناس يفترضون أن الدافع الأساسي لهم هو تحقيق مصالحهم الشخصية البحتة حتى لو كانوا يدّعون أن أفعالهم في الأسواق هي من أجل مصلحة الآخرين وخدمتهم.

وبتطبيقها على العمل السياسي نجد أن تصرفات السياسيين هي لمنفعتهم الشخصية، بل حتى المصوتين ينتخبون أشخاصاً بعينهم ليقدموا لهم الخدمات، رغم أن الجميع (سياسيين ومصوتين) يعلنون أن عملهم للصالح العام، لكنهم بالحقيقة يواصلون الاهتمام بمصالحهم ويحاولون زيادة منفعتهم الذاتية لا غير، وهذا ليس ذماً لأحد بقدر ما هو توصيف وتحليل لواقع حال، أنها براغماتية صرفة، وهذا هو واقع العمل السياسي بعيداً عن المثاليات والشعارات.

فقد أثبتت التجارب أن السياسيين يتصرفون بنفس طريقة الفاعلين الاقتصاديين (منتجين وعاملين ومستهلكين) في الأسواق، أنهم يعملون على تعظيم فوائدهم الذاتية المحضة بغض النظر عن الشعارات البراقة التي يرفعونها حول خدمة الناس ورعاية مصالحهم.

إذن، وفق هذا النظرية، أن النائب عندما يشعر أن مصلحته الشخصية لا تتطابق مع مصلحة حزبه فأنه ينسحب منه، رغم أنه يحاول تبرير وتجميل هذه الإستقالة وتعليلها بالمصلحة العامة.

بالحقيقة أنه يحاول تجربة طريق آخر للفوز في الانتخابات القادمة!

 

أمجد الدهامات - العراق

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في هذا المقال الثاني عن الأبعاد الحقيقية للغزو الأمريكي على العراق، وفي هذا يمكن القول: بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، اختارت الولايات المتحدة العراق، ليكون منطقة عازلة Buffer Zone بين الخطر القادم من إيران، واحتياطات النفط في دول الخليج، وهذا ما جعل له أهمية استراتيجية لكل من الولايات المتحدة ودول الخليج علي حد سواء، غير أن غياب سياسة واضحة تجاه نظام صدام حسين في هذه الفترة، أدي الي اتخاذ مواقف متضاربة وغير مؤثرة ساهمت في تشجيع صدام حسين علي ممارسة العدوانية .

إن أول ما قامت به الولايات المتحدة هو استنزاف قدرات العراق المادية والعسكرية، بالعمل على خلق الحرب الإيرانية العراقية عام 1980م،والتي يدعوها المؤزخون بــ "الحرب على العراق الاستثنائية"، وعملت على إطالة أمدها حتى عام 1988م،مما أدى إلى دفع طرفي النزاع،لتقديم التضحيات الجسام المادية والبشرية، خلال الحرب الثماني سنوات، والتي لم يكن الهدف منها العراق فقط، بل وحتى إيران. هذه الحرب التي قدم فيها الطرفان خيرة شبابه ورجاله، إضافة إلى المليارات التي صرفت وحرقت لإدامة هذه الحرب، والتي قدرت بمئات المليارات، وملايين الشهداء، والجرحى، والمفقودين، والمعوقين في الطرفين ، والتي كان من المقدر لها أن تصرف لإعمار البلدين .

كانت أمريكا وحلفاؤها يقدمون العون لكلا الطرفين مادياً، وعسكرياً، وسياسياً ، لغرض إدامة أمد هذه الحرب، وإنهاء الطرفين واستنزاف قدراتهما، حتى خرجا من الحرب، منهوكي القوي، مثقلين بالديون، إضافة إلى عرقلة كل خطط التنمية التي كانت قد توقفت تماماً.

وقبل غزو العراق للكويت اشترى العراق حبوباً وسلعاً أخرى من الولايـات المتحـدة بملايـين الدولارات وبشروط تمويلية مناسبة، وفي ربيع 1990م زار بغداد وفد من كبار أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي واجتمعوا مع "صدام حسين" وهدؤوا من روعه إزاء انتقاد الإعلام الأمريكي لنظامه. وفي شهر يوليو 1990م أعطت السفيرة الأمريكية في بغداد (ابريل جيلسبي) في أثناء اجتماعها مع صدام، انطباعاً بأن الولايات المتحدة، سوف تتعامى عن غزو عراقي للكويت، ورغم تبرير هـذا بأنـه سـوء تفـاهم دبلوماسي، فإنه قد شجع صدام حسين بالاعتداء على الكويت .

وفي الثاني من أبريل عام 1990م اجتاحت القوات العراقية الكويت، وسوغ النظام العراقي غزوه لأسباب تاريخية، ثم اقتصادية، واجتماعية احتاجت إلى كثير من الأدلة وتعرضت للنقض، وأن الكويـت تاريخياً جزءاً من العراق، على الرغم أن بعضهم يرى الكويت جغرافياً جزءاً من شبه الجزيرة العربية، وأن الكويت كانت مستقلة عن الباب العالي "مقر الحكومة العثمانية في الأستانة" منذ عام 1913م ناسين خطورة الأخذ بمبدأ الحق التاريخي ، ومن الأسباب الواهية التي أعلنها النظام العراقي، أن ثورة وطنيـة ضد الأسرة الحاكمة في الكويت (آل الصباح)، كانت قد اشتعلت، وأن "الثوار" قـد اسـتنجدوا بالنظـام "القومي- التقدمي" في العراق من أجل المساعدة، فما كان من الجار، إلا أن لبى النداء فهب للمساعدة، وأن الكويت تاريخياً "جزء" من العراق، وهذا غير صحيح من الناحية التاريخية، لأن الكويت لها صفة مستقلة عن "الباب العالي" في الأستانة منذ عام 1913 م، عندما وقع الإنجليز معاهدة تمنح الحكم الذاتي للكويت والاعتراف بحدودها واستقلالها عن الدولة العثمانية، ومن المبررات أيضاً فقد طرح العـراق شـعار "إعادة توزيع الثروة القومية"، وهذا الشعار ببساطة يعني هيمنة النظام العراقي على مصادر الطاقة فـي الخليج من أجل الخروج من مأزقه الاقتصادي الذي وضع نفسه فيه بعـد انتهـاء الحـرب الإيرانيـة العراقية، ووجه صدام حسين منذ بداية الأزمة نداء إلى العرب والمسلمين، طالباً منهم بلغـة دينيـة لا تنسجم مع منطلقاته القومية أن يهبوا لإنقاذ الأماكن المقدسة في مكة والمدينة من الاحتلال .

بعد غزو القوات العراقية الكويت طالب جورج بوش الأب في كلمتـه فـي الخامس من أبريل عـام 1990م العراق بالانسحاب الكامل وغير المشروط من الكويت، واعتقد صدام أنها خدعة من جانب الرئيس بوش، وأنه يسعى إلى كسب الوقت من خلال الدبلوماسية والمناورات السياسية الأخرى، وعندما أدرك صدام حسين أن الولايات المتحدة جادة في استخدام القوة لطرده من الكويت طبقـاً لقـرار مجلـس الأمـن عام 1990م، حاول التفاوض على الانسحاب في ديسمبر 1991م، وكاد ينجح في آخر لحظة بمسـاعدة روسيا، ولكن حساباته الخاطئة، أدت به إلى الجدال والمماطلة، فبدأت الحملة العسكرية فـي 17 يناير 1991م ، ونجحت الولايات المتحدة في تكوين تحالف عسكري دولي لأكثر من 30 دولة ، واستطاعت طرد القوات العراقية من الكويت وتحريرها، وفضلَّت السياسة الأمريكية إبقاء العراق موحداً، والحيلولة دون تقسيمه إلى دولة كردية في الشمال، مراعاة لتركيا أحد الحلفاء في الناتو، وخوفاً من قيـام دولـة شيعية في الجنوب تساندها إيران وكانت إدارة "بوش الأب"، ترى أن الوقت لم يحن بعد لتغييـر النظـام، وتأمل أن يكون حدوث انقلاب عسكري في العراق بمرتبة أفضل حل تتمخض عنه الأحداث .

جرت حرب الخليج الثانية (1990-1991م) الكوارث على الشعبين الكويتي والعراقي، وجلبـت الدمار للشعب العراقي، على أثر الحصار الدولي على العراق بقيادة الولايات المتحدة، وبتسويغ من الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وشاركت فيه معظم دول العالم، والذي دام من عام 1990م ، حتى عـام 2003م.

وهذا الأمر سوغ لقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، استخدام اليورانيوم المخصب، والذي كانت له آثـاره الرهيبـة علـى السكان في العراق، فضلاً عن الكارثة البيئية من جراء حرق آبار النفط الكويتية، والتي قدرت كميتها بما يقرب من أربعة إلى خمسة ملايين برميل في اليوم .

كما أدت الحرب إلى موت الآلاف من الشعب العراقي جراء الحرب والمرض في ظـل ظـروف مأساوية في المستشفيات التي شهدت نقصاً في الأدوية، والأجهزة الطبية، وطعام الأطفال، والحليب، حتـى ماء الشرب. وظهرت أمراض السل، والدفتريا، والبلهارسيا، والكوليرا من جراء سوء التغذية.

ودمرت قوات التحالف التي وصل عددها إلى 430 ألف جندي (معظمهم أمريكيون)، معظم البنـى التحتية للعراق، وقصفت الطائرات الأمريكية الملاجئ المدنية "، مثل ملجأ العامرية في بغداد، إذ قتل فيـه 1500 مدنياً من نساء، وأطفال، ومسنين، وأُحكم الحصار على العراق منذ العام 1991م . ومن جراء الحصار أصبح الدخل الشهري للمواطن العراقي عام 1997م مـا بـين 3000 إلـى 6000 دينار عراقي ، ووصل سعر صرف الدولار إلى 1600 دينار مقابل كل دولار أمريكي، وارتفعت الأسعار للمواد الغذائية ارتفاعاً جنونياً في عام 1998م ، فوصل سعر كيلو اللحـم إلـى 1800 دينـار، وعلبة الحليب المجفف للأطفال وصل سعرها إلى 3000 دينار .

استخدمت القوات الأمريكية لأول مرة في حرب الخليج الثانية ذخائر اليورانيوم المخصـب فـي العراق قدرت بـ 40 طناً، وبعض الخبراء العسكريين قدروها بـ 300 طن، أحدثت مواد سامة، أثرت في نصف مليون إنسان أصيب بعضهم بسرطان الدم ، وبشكل خاص الأطفال .

ومع وصول الرئيس "بيل كلينون" للبيت الأبيض عام 1992م، تغيرت النظرة عموماً للملف العراقي ، بحيث لم يكن للديمقراطيين في ظل إدارته سياسة واضحة إزاء ما قد يشكله النظام العراقي من تهديدات في المنطقة ، خصوصاً ما تعلق بالمصالح الأمريكية في مجال النفط، فقد اكتفت واشنطن بسلسلة من الغارات الجوية باستخدام القنابل والصواريخ، مع الملاحظ أن الرئيس كلينتون قد ركز جهوده أكثر على الوضع الداخلي لدولته، وبسعيه للتفوق في الفترة الجديدة التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفيتي، تركيزاً على العولمة، كوسيلة أيديولوجية، تستطيع احتواء كل خطر، يتهدد أمن العالم، وأمريكا بدرجة أولى.

واستمر الإيحاء إلى ضرورة إسقاط النظام العراقي خلال سنوات حكم الرئيس كلينتون، فقد كتب المحافظين الجدد عام 1996م ورقة بعنوان Clean Break مخصصة لإسرائيل ، يقترحون فيها أن تعمل إسرائيل على إزالة جميع أعدائها من السلطة في المنطقة بداية بصدام حسين.

هذا وقد كتب نفس الفريق وهم قادة مشروع القرن الأمريكي الجديد مذكرة إلى الرئيس كلينتون، تطالب بشن الحرب على العراق، والإطاحة بنظام صدام حسين، جاء فيها : الولايات المتحدة لم تعد تستطع الاعتماد على شركائنا في تحالف حرب الخليج، لمواصلة فرض العقوبات، أو معاقبة الرئيس العراقي، حينما يمنع مفتشي الأمم المتحدة، أو يتملص منهم، وأن مقدرة الولايات المتحدة على ضمان، ألا ينتج الرئيس العراقي أسلحة دمار شامل قد تقلص كثيراً، فإذا ما أكسب الرئيس العراقي قدرة إطلاق مثل هذه الأسلحة، فإن سلامة القوات الأمريكية في المنطقة، وسلامة أصدقائنا وحلفائنا ، مثل إسرائيل والدول العربية المعتدلة وقسم كبير من إمدادات النفط العالمية ستصبح كلها في خطر ".

وعلى الرغم من رفض الرئيس كلينتون لهذه المذكرة ، إلا أنها كانت ذات مغزي أكبر، حيث أثبتت الإصرار المتواصل على الرئيس كلينتون لبرهنته الاستعداد للقيام بعمل عسكري ضد الرئيس العراقي، وهذا دليل أكبر على تشكل النزعة الحربية للإدارة الأمريكية تجاه ملف العراق، والتي سرعان ما ظهرت جلية في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر تحت اسم ضرورة تغيير النظام .

وعندما تقلد الرئيس بوش (الابن) الحكم في الولايات المتحدة عام 2000م، استمر في الإيحاء بالرغبة في النظام البعثي بقيادة صدام حسين، وهذا ضمن العديد من المبررات التي أوضحها في سنوات كلينتون فريق المحافظين الجدد، الذين أصبحوا بدورهم أعضاء بارزين في إدارته، حيث تصب كلها في إطار فشل الاحتواء السياسي للنظام العراقي منذ احتلال الكويت عام 1990م، والانتقال بذلك إلى مرحلة الاحتواء العسكري مجسدة في شن حرب مسلحة تقضي على الخطر قبل وقوعه، كما في نظر الإدارة الأمريكية.

وبحدوث هجمات الحادي عشر من سبتمبر على أهم مراكز السيادة الأمريكية العسكرية والاقتصادية ، أبدى الرئيس موقفه ممثلاً في إعلان حرب عالمية على الإرهاب ، قائلاً إنها القضية التي ستحدد سياسته الخارجية وعلاقاته مع العالم الخارجي، وفقا لمبدأ " من ليس معنا فهو ضدنا".

ففي اليوم التالي للهجمات، حصل الرئيس بوش (الابن) على موافقة الكونجرس، كقرار مشترك يجيز له استخدام القوة العسكرية ضد من ساهم أو نفذ الهجمات، واستغلها في قوله بوجود ارتباط بينها وبين النظام العراقي، حيث نجح في خلق ارتباط لا شعوري بين هذه الأحداث وبين النظام العراقي، وفي الحادي عشر من ديسمبر من نفس السنة، حذر الرئيس بوش من أن الدول المارقة التي تملك أسلحة الدمار الشامل، ستكون أولويته التالية في الحرب على الإرهاب، مشيراً بحزم إلى نية استهدافه للعراق؛ حيث قال: " إن الأولوية التالية لأمريكا في الحرب على الإرهاب، هي الحماية ضد انتشار أسلحة الدمار الشامل ووسائل إطلاقها، وتعرف كل دولة الآن، أننا لا نستطيع أن نقبل ولن نقبل دولاً تأوي، أو تمول، أو تدرب، أو تجهز عملاء الإرهاب، سوف نعتبر تلك الدول التي تنتهك هذا المبدأ نظم حكم معادية، ولقد حذرناها، ولسوف نراقبها وتعد مسئولة" .

وقد بدأت تتحدد "عقيدة بوش" حول الهجوم الوقائي بشكل أكبر، خصوصاً في كلمته المشهورة عن حالة الاتحاد في 29 يناير 2002م، عندما أعلن أن العراق ضمن دول محور الشر سيكون الخطوة الثانية للحرب بعد أفغانستان من ناحية مكافحة الإرهاب وانتشار الأسلحة الخطيرة؛ حيث قال:" مثل هذه الدول وحلفائها تشكل محور الشر، فهي تتزود بالأسلحة لأجل تهديد السلم العالمي، بالبحث للحصول على أسلحة الدمار الشامل، هذه الأنظمة تشكل خطراً جسيماً ومتزايداً، حيث إنه بإمكانها تزويد هذه الأسلحة للإرهابيين بإعطائهم وسائل في مستوي كراهيتهم، إمكانهم مهاجمة حلفائنا أو محاولة ممارسة ابتزاز بالتهديد على الولايات المتحدة، وفي كل من هذه الاحتمالات، فإن ثمن اللامبالاة سيكون كارثياً...".

ويشير العديد من المختصين في الأزمة العراقية، إلى أن "العراق أصبح بمثابة الهدف الأول والأقرب في مثلث محور الشر لأسباب عديدة ، فهو يقع في دائرة الحصار السياسي والعسكري بالفعل، ودولته مشلولة ومنكشفة عسكرياً أمام التهديدات الخارجية، وعلاقاته متوترة ببعض دول الجوار" ، وقد صار التهديد العسكري الأمريكي واضحاً ومعلناً بذرائع عديدة، وهو التهديد الأكثر جدية وخطورة منذ حرب 1991م، على الرغم من غياب أي دليل على تورط العراق في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وفي حين تقوم السياسة الأمريكية، نحو إيران وكوريا الشمالية على أساس الاحتواء السياسي والردع ، فإن العمل العسكري المباشر لتغيير النظام، يعتبر من أبرز عناصر السياسة الأمريكية تجاه العراق .

وقد أشار "كولن باول" إلى هذه الاستراتيجية في حديثه أمام لجنة الموازنة في مجلس النواب في 8 مارس 2002 م، عندما أكد أن الولايات المتحدة لا تخطط في الوقت الراهن لأى هجوم على دول محور الشر باستثناء العراق، الذي أكد الرئيس بوش (الابن) أنه لن يسمح له بتهديد مستقبل أمريكا .

وعلى الرغم من عدم وجود صلة بين العراق وهجمات سبتمبر، فقد سعت بعض العناصر في الإدارة الأمريكية إلى عقد صلة بين صدام حسين وشبكة القاعدة ، واستطاعت إيهام الشعب الأمريكي من خلال كلمة الرئيس بوش (الابن) في موقع مركز التجارة العالمية في الحادي عشر من سبتمبر، وأمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في اليوم التالي، بأن الهجوم العسكري على العراق يعد أمراً مبرراً لتلك الهجمات .

كما أدي فشل الجهود الأممية في إعادة إيفاد مفتشي الأسلحة إلى العراق عام 2001م، ومطلع عام 2002م، إلى تشجيع نزعة صدام حسين على التصدي، لخطط واشنطن التي سعت منذ البداية لاحتواء العراق، عبر العقوبات الذكية ونظام التفتيش الدولي، وأصبح نظام العقوبات يلقي معارضة متزايدة في أنحاء العالم المختلفة، وأخذت دول عديدة تتعامل مع العراق على أثر ذلك تجارياً خارج هذا الإطار .... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد عليكانت الحرب على أفغانستان عام 2001م، والذي بلورته الإدارة الأمريكية بحرب الخليج الثانية عام 1991م، تنفيذاً لمشروع الهيمنة الأمريكية على نفط العالم؛ حيث كانت أولى خطوات تنفيذ هذا المشروع تنفيذاً البدء بأفغانستان، فهي تشكل أهمية كبيرة للخطط الأمريكية الخاصة بالسيطرة على نفط وغاز بحر قزوين، والتي تشكل المرحلة التالية في استراتيجية الإمبراطورية الأمريكية العالمية، والتي كانت تهدف من ورائها لشيئين :

أ- ضمان السيطرة على أهم وآخر الحقول النفطية.

ب- بغرض عملية عسكرية أمريكية تم من خلالها تطويق عدو سابق ومحتمل في المستقبل هو روسيا .

وبالتالي فقد جاءت أهمية أفغانستان كموقع استراتيجي لشركات النفط الأمريكية في سبيل بناء خط أنابيب عبر أراضيها لنقل النفط والغاز من بحر قزوين، مروراً إلي موانئ المحيط الهندي جنوباً، على أن نفط منطقة قزوين له سوقان رئيسيان: غرباً الأسواق الأوربية، وجنوباً الأسواق الأسيوية، أما الخيار الأول فكان يتطلب نقل النفط عبر أنابيب من الشيشان عبر البحر الأسود، مروراً بمضيق البوسفور إلى البحر المتوسط، إلا أن مضيق البوسفور كان مزدحماً بالناقلات المحملة بنفط البحر الأسود، أضف إلى ذلك أن الأوضاع في الشيشان كانت ملتهبة بالمعارك بين الروس والانفصاليين الشيشان، وهذا أدى إلى تعديل في وجهة النظر، فاختارت الشركات الأمريكية الحل الثاني ببناء خطوط عبر الأراضي الباكستانية والأفغانية.

ففي عام 2001م أي قبل ستة أشهر من هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وقع "ديك تشينى " الذي كان يرأس شركة "هالبيرتون" آنذاك عقداً مع شركة نفط أذربيجان في سبيل تطوير قاعدة بحرية لدعم عمليات التنقيب عن النفط في مياه بحر قزوين، فكان هذا هو السبب الحقيقي والمباشر لحرب بوش في أفغانستان، وكانت حلبة لكل من يتابع تقارير الـ "CNN "، والواشنطن بوست، فقد اجتمع السفير الأمريكي مع وزير النفط "عثمان أمين" في نوفمبر 2002م في سبيل استكمال مناقشة الخطط الخاصة بإنشاء خط النفط والغاز عبر أفغانستان وباكستان، وتشجيع باكستان على السعي لبناء محطة تحميل النفط عبر بحر العرب، وبالتالي مثلت السيطرة على أفغانستان جزءاً مهماً من لعبة الإمبريالية وسط آسيا.

بيد أن الرياح أتت بما لا يشتهى السفن، فقد فاجأت الخطط السياسية والحسابات الأمريكية، لاسيما بنفط بحر قزوين، حيث تلاشت الأحلام الأمريكية بالعثور على احتياطات نفطية هائلة يعوضها عن نفط الشرق الأوسط ولو مؤقتاً، فبحلول عام 2003م بدا واضحاً أن التوقعات الخاصة بحجم الاحتياطات النفطية في حوض قزوين، والتي وضعتها وكالة الإعلام والطاقة في واشنطن بحدود 200 مليار برميل كانت توقعات عبثية.

فقد أعلن مدير مكتب السياسات النفطية بوزارة الخارجية الأمريكية "ستيفن ماك" Stephen Mack، أن حجم الاحتياطات المذكورة لا يتعدى 50 مليار برميل، في الحقيقة إن توقعات "ستيفن مان " steven mann مبالغ فيها : فبعد حفر ثلاثة آبار استكشافية مع نهاية الحرب الأفغانية، جاءت التقارير مؤكدة وموضحة، أن منطقة بحر قزوين تضم ما بين 15-20 مليار برميل فقط، وإن كانت غنية بالغاز الطبيعي.

بعدها بدأت الشركات النفطية الكبيرة – وبشكل هادئ– تلغى خططها الخاصة بمشروع خط الأنابيب عبر أفغانستان، بعد أن تبين لها عدم جدوى هذا المشروع الضخم اقتصادياً. هذا الأمر جعل الرئيس بوش الابن ينظر للعراق فجأة، فالعراق يملك أكبر احتياطي نفطي في العالم بعد المملكة العربية السعودية، حيث تبلغ احتياطات العراق النفطية بين 112- 120مليار برميل، أى نحو 11% إلى 12 % من مجمل الاحتياطات العالمية، أضف إلى ذلك أن النفط العراقي يتمتع بميزات ربحية هائلة في الاستثمار في هذا القطاع بخاصة .

فالحقول النفطية الموجودة تعد من أغزر الحقول في العالم وأكثرها قرباً من سطح الأرض، وهذا يوفر نفقات كثيرة في عمليات التنقيب والاستخراج، كما تفيد الدراسات أن معدل إنتاج البئر في العراق يتراوح بين 10 إلى 11 ألف برميل يومياً، بينما متوسط إنتاج آبار النفط في غيرها من الدول لا يزيد عن 4-8 آلاف برميل يومياً. أضف إلى ذلك أن تكاليف إنتاج البرميل للنفط العراقي حوالى 50 سنتاً فقط مقارنة بنحو5,3 دولار في كل من السعودية، والكويت،وإيران .

ومن ثم بدأت إدارة الرئيس بوش الابن تخطط من خلال ما سمي بالاستراتيجية الجديدة، للسيطرة بصورة كاملة على النفط العراقي وأنظمته، بطريقة تسمح لها باستخدامه لاحقاً في صراعها السياسي الاقتصادي مع القوة الرأسمالية المنافسة الأخرى، وهذا إن دل على شئ، فإنما يدل على أن السياسة الأمريكية الخارجية تحرك وتدير القوة العسكرية الهائلة، بسبب اندفاعها وراء المصالح الاقتصادية بالدرجة الأولى، متخفية وراء قضايا ايديولوجية عقائدية متلونة، وبالتالي فقد كانت السياسة الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحروب التي شنتها بحجة الإرهاب، لم تكن الغاية منها سوي تحقيق مشروع اقتصادي ضخم يهدف إلى فتح أسواق جديدة، أما الشركات الأمريكية الاحتكارية استكمالاً للهيمنة الأحادية على العالم والسيطرة على مقدراته .

وهنا أكد معظم الباحثين أن العراق لم يكن مستبعداً منذ اللحظة الأولى؛ حيث جري حصارها وإضعافها لمدة تزيد على عشر سنوات، فوفقاً لمداولات مجلس الأمن القومي في جلساته الأولى التي بحثت الرد على أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، طرح وزير الدفاع الأمريكي "رامسفيلد" اقتراحاً بالهجوم على العراق في نفس توقيت الهجوم على أفغانستان، وهو الخيار الذي كانت وزارة الدفاع قد درسته وأعدت له قبل ذلك، وكان اقتراح رامسفيلد امتداداً لحديث "ديك تشينى" نائب الرئيس بوش الابن، والذي يري أن التركيز على "أسامة بن لادن"، أو تنظيم القاعدة لا يكفي، وإنما الأهم هي " الدول والنظم والمؤسسات التي ترعى الإرهاب .

وحينذاك حسم الرئيس بوش الابن القضية:" أفغانستان أولاً، فإذا نجحنا في ذلك ننتقل للمرحلة الثانية، وهكذا جاءت المرحلة الثانية: العراق كمقدمة لدول سبع عدتها تقارير وزارة الخارجية الامريكية، إضافة لدول غير عربية هي: كوبا، وإيران، وكوريا الشمالية.

وهنا أخذت الإدارة الأمريكية تسوق مجموعة من الاتهامات التي شكلت بحسب رؤيتها مبررات قوية، لعملية عسكرية استهدفت الإطاحة بالرئيس العراقي "صدام حسين" الذي أصبح يمثل– بحسب الادعاءات الأمريكية– تهديداً إقليمياً ودولياً، وذلك لامتلاكه برامج تسليحية للدمار الشامل. كما أنه رفض الانصياع لنظام التفتيش المفروض عليه منذ غزوه الكويت عام 1990م، كما حاولت الإدارة الأمريكية إثبات صلة بين النظام العراقي وتنظيم القاعدة الأصولي.

 

ويمكـن تلخـيص أهداف الحرب الأمريكية المعلنة على العراق بما يلي :

1- الادعاء بامتلاك العراق لأسلحة دمار شامل وسعيه، لتطوير أسلحة بيولوجية، وبناء برنـامج لمثل هذه الحرب، وبأن العراق على وشك أن يصنع أول قنبلة نووية.

2- اتهام العراق برعاية الإرهاب، وبأنه يخطط لتزويد المنظمات الإرهابيـة، وخاصـة تنظـيم "القاعدة" بأسلحة دمار شامل، يمكن أن تستخدم في تهديد الأمن العالمي بشكل عام، وأمن الولايات المتحدة بشكل خاص.

3- تهديد العراق لجيرانه، كالكويت، وإيران، وسوريا، وتركيا.

4- إسقاط "صدام حسين" بالقوة العسكرية، من أجل منح "الحرية" للشعب العراقي، وإقامـة نظـام "ديمقراطي" على الطريقة الغربية، يكون نموذجاً يجب أن يحتذى به لدى العديد من دول الشرق الأوسط، إذ سيصبح العراق "واحة للديمقراطية" في المنطقة.

ورغم هشاشة التبريرات المساقة، إلا أن عزم " صقور" البنتاجون استهداف العراق والإطاحة بنظام صدام حسين، أضحي أمراً مؤكداً. جاء في تصريح لمستشارة الأمن القومي "كونداليزا رايس" :" إن الرئيس بوش أعلن بوضوح أن صدام حسين، كان يطرح مشكلة قبل 11 سبتمبر وما زال، إنه نظام سيئ، وسيكون العالم أفضل حالاً وأكثر أماناً، حين لن يعود موجوداً" .

وبالفعل غزت الولايات المتحدة العراق، وأطاحت بنظام صدام حسين في 20 مارس 2003م في عملية أطلقت عليها "تحرير العراق" Iraqi Freedom، لكن الواقع أثبت أن غزو العراق لم يكن يهدف إلى الإطاحة بنظام استبدادي، واستخلافه بنظام ديمقراطي، بقدر ما هدف إلى هدم وإنهاء كيان الوطن العربي؛ حيث كان الهدف الأساسي الذي وضعته الولايات المتحدة في استراتيجيتها في المنطقة، والذي كانت قد خططت له وأعدته منذ سنة 1970م، هو إعادة هيكلة دول المنطقة العربية إلى كيانات صغيرة هزيلة متناثرة القوي، أكثر مما هي عليه الآن قائمة على أسس طائفية، وعرقية، ومذهبية، ودينية، وعنصرية، وعشائرية .

ومن هذا المنطلق ندرس في هذه المقالات كيف تجلت حروب الجيل الثالث في أسمي معانيها من خلال الغزو الأمريكي للعراق؛ حيث نبرز دوافع هذه الحرب؛ وكيف بدأت الاستراتيجية الأمريكية بالتمهيد لضرب القوة العسكرية العراقية، منذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، وذلك لتحقيق أهداف متعددة، وكيف استطاعت الولايات المتحدة جر العراق إلى حرب ثانية في منطقة الخليج العربي، بعد أن أعطت لنظام "صدام حسين" الضوء الأخضر لغزو دولة الكويت، وكيف استعانت ببعض الدول العربية، من خلال الضغوط الاقتصادية، كذريعة لضرب القوات العسكرية العراقية .

كما نبرز في هذه المقالات أيضاً، كيف تمكنت الولايات المتحدة من حشد غالبية دول العالم، والتأثير في قرارات الهيئة الدولية، لشن الحرب على الكويت، تحت ذريعة تحرير الكويت، وقد شنت الحرب على العراق ودمرت القوات العسكرية العراقية، وبذلك تكون قد حققت أهم أهداف تلك الحرب خدمة لشريكتها الاستراتيجية إسرائيل، وخلال المرحلة التي أعقبت حرب الخليج الثانية، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وزوال المعسكر الشرقي، أصبحت الولايات المتحدة القوي الأولى في العالم، وخلال التسعينيات من القرن العشرين، اختلقت الولايات المتحدة الحجج بعدم التزام العراق بالقرارات الدولية المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل، وكان هدفها من وراء ذلك إلى إقناع الرأي العالم بحجم الخطر الذي يشكله النظام العراقي على الأمن والسلام الدوليين، تمهيداً للحصول على تفويض قانوني من الهيئة الدولية لغزو العراق. كذلك نكشف في هذه المقالات بأن الحرب الأمريكية على العراق لا تستند إلي أية شرعية قانونية، وخصوصاً بعد أن تأكد خلو العراق من اسلحة الدمار الشامل، وثبت أن لا علاقة له بالإرهاب أو بتنظيم القاعدة... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

باسم عثمانوزير الخارجية الإسرائيلي في لقائه الاخير مع نظيره السويسري طرح خطة مشتركة "لإسرائيل" وسويسرا للتعاون بهدف إيجاد بديل مناسب لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، يمكن من خلالها إزالة مكانة اللجوء وتبديد حق العودة للاجئين الفلسطينيين، في الوقت الذي أصدر تعليماته ببلورة وثيقة تعرض بديلا لنشاط الأونروا وبالتعاون مع دول أخرى، وادعى أيضا، أن الأونروا تديم مكانة اللجوء الفلسطينية، وتديم الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، كما تديم المطلب الفلسطيني بحق العودة.

 وفي وقت سابق ،هاجم وكالة الأونروا، وزعم أنها "هي المشكلة وليست الحل"، كما ادعى "أن عناصر الأونروا في قطاع غزة تعاونوا ضد إسرائيل مع فصائل المقاومة والتي وصفها بـ"المنظمات الإرهابية".

و(القناة 12 الإسرائيلية) قالت: أنه نظرا للمكانة الخاصة لسويسرا، فإن "الاتفاق على التعاون بهذا الشأن قد يساعد في إحداث تغيير في هذا المجال المصيري"، خاصة وأن سويسرا تعتبر إحدى الدول الداعمة ماليا للأونروا، وقامت مؤخرا بتجميد تحويل الأموال في أعقاب تقارير تحدثت عن فساد داخل الوكالة بإدارة مديرها السويسري.

واتفقا الوزيران – الإسرائيلي والسويسري -على التعاون لفحص البدائل الممكنة لنشاط الأونروا، من خلال إشراك محتمل للولايات المتحدة ودول أخرىوطلب الوزير الإسرائيلي من ادارته في الخارجية الإسرائيلية إعداد وثيقة تعرض البدائل لنشاط الأونروا، حيث عقد الطاقم المكلف عدة جلسات، ويتوقع أن يقدم وثيقة بهذا الشأن في وقت قريب،ضمن اطارزعمه :"أن إقامة وكالة الأونروا هوحالة خاصة في قضية اللاجئين العالمية، وتهدف إلى إدامة قضية اللجوء الفلسطينية، ومطلب حق العودة للاجئين وأنسالهم" الذين يقدر عددهم بنحو 5.3 مليون لاجئ،كما ادعى أنه نشأت فرصة "لتغيير الرواية التي تحكى"، ووضع خطط ملائمة والدفع بها بحيث "تشدد على الجانب الإنساني وتحسين أوضاع اللاجئين في أماكن لجوئهم، بما يتيح إلغاء التفويض الممنوح للأونروا"،هذا جوهرالحراك الدبلوماسي الإسرائيلي دوليا.

في ذات السياق، وعلى الأرض، يؤكد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ضمن فعاليات"همروجته الجماهيرية"، العمل بالقانون الإسرائيلي وضم كل المستوطنات في الضفة الغربية والقدس ،ما يمثل إعلان سياسي رسمي بضم الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث تعهد نتنياهو وخلال حملته الانتخابية بضمّ كافة المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة عبر فرض السيادة اليهودية عليها، وقال خلال افتتاح العام الدراسي في مستوطنة ألكانا الجاثمة على أراضي المواطنين غرب محافظة سلفيت" تذكروا وأنتم في هذا المكان، أن هذه أرض إسرائيل، أرضنا لن نقتلع من هنا من أي أحد، سنفرض السيادة اليهوديّة على كافة المستوطنات كجزء من دولة إسرائيل".

 هذه التصريحات والمواقف للحكومة اليمينية المتطرفة الإسرائيلية، هي بمثابة اعلان حرب على الشعب الفلسطيني واستمرار النهج العدواني العنصري والتوسعي بتشجيع ودعم من ادارة الرئيس ترامب في محاولة منهم لتصفية القضية الفلسطينية. 

هذا السيناريو "المبرمج والمدروس"، يؤكد ان الشعب الفلسطيني بحاجة إلى خطوات عملية وثورية على الأرض ،وان تبتعد قيادته الرسمية عن السفسطائية الكلامية والإعلامية، وان تتخذ قرارات سياسية وطنية من شانها تعزيز صموده على ارضه وحماية ممتلكاته، وان ترسم له طريق الخلاص الوطني من خلال روافع وطنية وجماهيرية تطلق إمكاناته وقدراته لمواجهة المشروع التصفوي لقضيته وحقوقه المشروعة، لان الخطر الحقيقي القادم، لا يمكن مواجهته بالمواقف الكلامية السفسطائية والخطب الرنانة والشعارات المستهلكة الاستعراضية، كما حصل في البيان "الاستعراضي" لحكومة السلطة، بإلغائها التصنيفات الخاصة بتقسيم أراضي الضفة الغربية الى(ا ب ج)، حيث اعتبرت من تاريخه كل الأراضي تابعة لها، وستبدأ في البناء والاستثمار وفقا للمصلحة الفلسطينية؟؟!!. 

خطوة "استعراضية" إعلامية سلطوية ولكن بدون مقومات وركائز، فقط للاستهلاك الإعلامي، والدليل على ذلك، ان سلطة نتنياهو لم تكلف نفسها مشقة الرد على "مسرحية سياسية" هدفها" الشعبية الوهمية". لان الرد العملي جاء على لسان نتنياهو حين أعلن اول سبتمبر2019 ان مستوطنات الضفة الغربية والقدس هي جزء من " السيادة الإسرائيلية".

هذه القرارات الفلسطينية "الإعلامية" لا تأتي أحادية ومنسلخة عن جملة الموقف والبرنامج الوطني والجماهيري الشامل والمتكامل والمستند الى الاجماع الوطني التوافقي و قرارات هيئاته التشريعية، لأنه حينها لا تكون اكثر من" زوبعة في فنجان"،

خصوصا، ان إعلان نتنياهو بات يمثل بداية جديدة لمرحلة جديدة، سياسة تهويدية ميدانية للأراضي الفلسطينية، خاصة بعد ان تم فرض قوانين جديدة من قبل "الإدارة المدنية" في أساليب التعامل مع السكان الاصليين، وهو ما تتجاهله "القيادة الرسمية"، وبدلا من الذهاب لاتخاذ قرارات فعل عملية و سياسية،خرجت لتشرح أن القرار يمثل خرقا للقانون والاتفاقات، في الوقت الذي بدأ فيه نتنياهو بتنفيذ الخطة الأمريكية "مسبقة الصنع" بطريقته الإسرائيلية الخالصة، محددا "واقع سياسي وميداني" جديد، وما على السلطة الفلسطينية الا التكيف معه ؟!!.

ان موقف السلطة الرسمية الفلسطينية بات واضحا، لا لخطوة تصعيدية في وجه نتنياهو وسياساته، وانما الاستسلام للأمرالواقع، ربما كانت الامتيازات الشخصية و الفئوية البيروقراطية – "امتيازات بطاقات الشخصيات المهمة" – والنفوذ السلطوي لشريحة السلطة، اهم من امتيازات الشعب الفلسطيني وحقوقه!!!!.

أمام هذا المشهد من الحالة الفلسطينية الراهنة، حيث الانقسام الداخلي، وتآكل الشرعيات، وتغييب دور منظمة التحرير، وتعطيل مشاريع إصلاحها وتفعيلها، وغياب البرامج الوطنية التوافقية، ووحدة الحقوق المشروعة ووحدة التمثيل للكيانية الوطنية الفلسطينية كمعادل سياسي ومعنوي في ظل الشتات الجغرافي وتعقيدات القضية الفلسطينية وتشابكها مع بعدها الاقليمي، وانحسارالدورالشعبي والجماهيري وسببه ضعف أداء القيادة السياسي والمجتمعي، تبرز الحاجة الملحة لتبني استراتيجية فلسطينية شاملة، تعمل على استنهاض كل عناصر القوة داخل المجتمع الفلسطيني، وإعادة الاعتبار لقضيته الوطنية.

ان أي استراتيجية وطنية لا بد لها أن ترتكز على فكرة مواصلة النضال والمقاومة الوطنية بكافة اشكالها، بحيث إذا أخفق مسار كفاحي معين، يتوجب تبني مسار بديل، وأن يتأسس برنامج النضال الوطني على فكرة تعزيز صمود الشعب الفلسطيني فوق أرضه، وممارسة كافة أشكال المقاومة، والنضال ضد كل تجليات سياسات الاحتلال الاستيطانية والعنصرية، وأن تتواكب المقاومة الوطنية الفلسطينية في مساراتها الموازية والمتصلة على امتداد جغرافية التواجد الفلسطيني في الداخل والشتات،  

فإذا كان الهدف المعلن لفلسطينيي الأرض المحتلة هو إقامة دولة مستقلة، وكانت مطالب فلسطينيي 48هي المساواة والعدالة وضد سياسة التمييز العنصري، ومطالب فلسطينيي الشتات هي العودة؛ فإن الاستراتيجية الفلسطينية الشاملة، يجب أن تتضمن هذه الأهداف العادلة، وتصوغ برامجها الكفاحية على أساسها، بحيث تحافظ على وحدة الشعب من خلال وحدة حقوقه،لأن تهميش أي فئة من فئات الشعب الفلسطيني داخل الوطن أو خارجه ستؤدي إلى تقويض الهوية الوطنية الجامعة.  

ان قضية اللاجئين، عمومًا، هي جوهرالقضية الفلسطينية، وهم، أي اللاجئين، وبالتحديد طلائعهم في الخارج، الذين أسسوا حركة التحرر الوطني الفلسطيني بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية. وكان شعارها "العودة والتحرير والاستقلال" ، الشعار الطاغي في برامج جميع فصائل العمل الوطني، هذا الحق الاستراتيجي والذي لا يتحقق إلّا في إطار تحرير فلسطين كلها، وإقامة الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة في كل فلسطين التاريخية، ليس ورقة سياسية مطروحة للتنازل اوالمساومة، لا في اطار "حل الدولتين" الميت سريرياً،بسبب تعنت "إسرائيل" والمواقف الامريكية المنحازة واستحقاقات أوسلو، ولا في ترتيبات حل "الوضع النهائي" للمشروع الوطني الفلسطيني. 

لأنه وبعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، بدأ تهميش حق العودة في الخطاب السياسي الرسمي الذي بدأ يتشكّل، كون الإطار الأمريكي-الإسرائيلي الذي ارتكزت إليه هذه الاتفاقات لم يكن قائما على القانون الدولي فضلا عن أنه تجاهل قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.الامرالذي يستوجب العمل المنهجي والمكثف على تأصيل هذا الحق في الوعي الشعبي وفِي ثقافتنا الوطنية الجامعة لما يمثله من جوهر اساس للقضية الفلسطينية ، وهو الحق الذي يجمعنا، بخلاف الحلول السياسية المتباينة.

 ان برنامج "سلام اوسلو" كشف بأن الأونروا ليست في منأى عن الوسط السياسي، وإنما متورطة في الترتيبات السياسية المحلية والدولية المتغيرة ، فالتأييد العلني الذي أبدته الأونروا لمفاوضات أوسلو السياسية، وخططها آنذاك والهادفة إلى "حل" نفسها، والخطوات التي اتخذتها لمساعدة السلطة الفلسطينية في بناء مؤسسات "الدولة" قبل حل مشكلة اللاجئين، كشف عن الصلات المعقدة بين المجالين الإنساني والسياسي.

لقد عطلت (أوسلو) منظمة التحرير الفلسطينية وأفرغتها من سلطتها وفعالياتها السياسية، والتركيز السياسي على السلطة واجهزتها على حساب اللاجئين،- رغم الولاء الذي تظهره السلطة الفلسطينية بشعاراتها لحق العودة، فإنها دفنت هذا الحق تحت عناوين سياسية متعددة - ما اسهم في نشوء مزاج سياسي تشاؤمي ولا سيما في أوساط اللاجئين في المنفى، في الوقت، الذي استمرت فيه الاونروا كمؤسسة ترمز إلى المصير السياسي المعلق للاجئي عام 1948 وحقهم في العودة المُهمَل والساقط فعليا بحكم المبادئ الناظمة لاتفاقات أوسلو، ولوجودها كمؤسسة دولية أهمية بالغة في ظل المناخ السياسي الراهن لأن: الاونروا طرف موقع على كافة قرارات الأمم المتحدة بما فيها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم194 ، وبرزت الأونروا- في ظل غياب جبهة وطنية تحتل فيها قضية اللاجئين مكانة مركزية- كمؤسسة تحافظ على إبراز قضية اللاجئين على الساحة الدولية، وتشير إلى أن ولايتها لا تزال قائمة، والأونروا وفي ظل غياب مؤسسات الدولة، تمثل الخازن الأوحد والأهم للذاكرة الفلسطينية التاريخية لأكثر من سبعة عقود، فقد احتفظت بسجلات اللاجئين منذ مطلع الخمسينيات وجمعت ذاكرة مؤسسية تشهد على هذا التاريخ الجمعي.

ومع ذلك، فهذه الأسباب وغيرها لا تبرئ الأونروا من التلاعب بها سياسيا من قبل القوى الدولية الكبرى ومشاريعها ، وهوما يتطلب موقفا متيقظا من الفلسطينيين حيال توجهات الوكالة وسياساتها وبرامجها الحالية والمستقبلية.

لذلك ، فان الإعلان من قبل السلطة الفلسطينية بانتهاء العمل بالمرحلة الانتقالية واستحقاقاتها، "وليس وقفها" او "تجميدها"، هو الخيار الوطني الصحيح في مواجهة تداعيات المرحلة و مشاريعها المطروحة وجملة تطبيقاتها العملية وهو البديل السياسي الوطني لصفقة القرن الامريكية. 

 ان مواجهة صفقة القرن الامريكية وتطبيقاتها على الطريقة "البنيامينية"، يتطلب التوافق على استراتيجية وطنية شاملة وليست أحادية - (رزمة متكاملة)- تستند إلى حالة وطنية فلسطينية متماسكة وآليات ميدانية فعالة، لتصويب العلاقات الائتلافية داخل منظمة التحرير ومؤسساتها، وإعادة بناء هذه العلاقات على قاعدة الديمقراطية التوافقية والشراكة السياسية ويتطلب من القيادة الرسمية الفلسطينية مغادرة السياسة الانتظارية، وسياسة المماطلة والتسويف والشروع من دون تردد بخطوات فك الارتباط مع سلطات الاحتلال، والتحرّر من قيود أوسلو من البوابة السياسية أولا!! ومن ثم رديفتها البوابة الاقتصادية، رداً فلسطينياً متناسباً مع جرائم الاحتلال الاستيطانية و التهويدية للأراضي الفلسطينية  والصفقات الأميركية المشبوهة، وتحديد العلاقة مع "إسرائيل" باعتبارها دولة معادية تحتل أراضي دولة فلسطين بالقوة، إلى جانب استنهاض المقاومة الشعبية والجماهيرية بكافة اشكالها، وتطويرها إلى انتفاضة شاملة على كل الأرض الفلسطينية، وعلى طريق التحول إلى عصيان وطني شامل، يدفع المجتمع الدولي إلى التدخل لإلزام دولة الاحتلال باحترام قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.

نحن أحوج ما نكون إلى استراتيجية وطنية كاملة و متكاملة كجزء من سياسة الاشتباك مع صفقة القرن، والدخول في حوار وطني شامل لطي النتائج المرحلية لاستحقاقات أوسلو فلسطينيا، ومتطلبات تدويل الحقوق والقضية الوطنية الفلسطينية وخوض معاركها في المحافل الدولية.

 

د. باسم عثمان

 

سلام كاظم فرجسأتناول بالبحث والتحليل ثيمة صغيرة وردت في مقالة للسيد صائب خليل الراوي ضمن مقالته ذات العنوان اللطيف والمثير (كلمات مصممة لتعمل بلوك لذهنك..).. ولكن قبل ذلك لابد من توكيد وجهة نظري المسبقة في مقالة الاستاذ صائب.. وهي ان المقالة تستحق الاحترام والتقدير وتصلح كنظرية (وليس كفرضية) في مفهوم علم الاجتماع السياسي.. لكنها وياللمفارقة تنطبق عليه هو نفسه  أكثرمن كل الكتاب الذين أعرفهم وأتابع كتاباتهم وأحترمهم !! نظريته باختصار تتعلق  بتعصب المرء لوجهة نظر معينة في السياسة والاجتماع ويقفل عليها  إلى درجة رفض ما عداها مهما امتلكت وجهات النظر الأخرى من موضوعية (وكل ذلك بسبب الضخ الإعلامي كمصدر من مصادر التأثير.) .

وأرد على السيد صائب بالقول: من الطبيعي وليس من المخجل ان يستمريء المرء متبنياته حتى يظن انها مقدسة.. ومن الواقعي رفضه لكل محاولات إقناعه بوجود خلل او خطل فيما يعتقد... ومن يقرأ كتابات عالم الاجتماع علي الوردي يعرف مقدار الشلل الفكري الذي صاحب التطورات الاجتماعية الهائلة التي حدثت في العراق خلال قرنين اوثلاثة قرون من عمر المجتمع العراقي.بسبب ذلك الإقفال الذهني (البلوك). وهناك إصطلاحات شعبوية معروفة.. مثل (جماعة علي وجماعة عمر..) والتي طالت جمهرة واسعة حتى من مثقفي العراق.. ورغم الجهود المبذولة من اليساريين العراقيين والعلمانيين فهذه الثنائية مازالت موجودة وفاعلة. وجرى تأجيجها بفضل الدول التي احتلت العراق على مرا لسنين ومنها الولايات المتحدة.. وثمة  ثنائية عملاء موسكو وعملاء الانجلو أميركا.. وقد سادت في الأربعينات. ثم عملاء موسكو وعملاء عبد الناصر او عفلق السوري في الخمسينيات والستينيات.... وسالت من جراء ذلك دماء.. هذه الثنائيات ونظرية الأستاذ صائب وجد لها مصطلح شعبي هو سائد اليوم وأرجو وان يضيفه السيد صائب لفكرته السديدة.. فكرته التي هو أول ضحاياها دون ان يعلم ربما.. المصطلح الشعبي يتلخص بكلمة واحدة ( قافل..).. وعليه ان هناك جمهرة من الناس قافلة على الشيوعية مثلا.. ولا ينفع معها اي جدال.. وهناك جماعة قافلة على ايران.. وجماعة قافلة على اميركا والغرب الاوربي والحضارة الاوربية.... وجماعة قافلة على السعودية ومتبنياتها وتصوم وتفطر وفق توقيتاتها حتى.. بالنسبة لي أستطيع ان اقول إني قافل على متبنيات  المجتمع السويدي او الدانماركي مثلا الذي يتيح لي ان احترم أعتى خصومي ولا أفكر بهدر دمه كما تفعل اسرائيل مثلا.. بل ربما اكون اول المدافعين عن حقه في قول قولته عندما يشاكسه الفيسبوك ويحجب مقالاته..

انا قافل على افكار ومتبنيات فولتيرمثلا. ولكن على ماذا يقفل السيد صائب ذهنه؟؟.. بإختصار على اشياء جميلة ونبيلة.. لكنها غير واقعية.. وهو في قفلته هذه يغض الطرف عن سلبيات كثيرة لدى من يحبهم.. سيما  سياسات الجمهورية الاسلامية الصديقة.. فيبدو أحيانا وليس دائما مثيرا للشفقة.. سيما في حديثه عن ضغط السكر وضغط الدم  الصاعد في دم مخالفيه.. وفي قولته انه طالما انتقد ايران في اكثر من ست مقالات يكون في غاية الشطط والمحنة وانا متابع جيد لكل تلكم المقالات.. فهو محب بل عاشق جدا لكل سياسات الجمهورية الاسلامية. ولو كنت املك نفوذا لدى الاصدقاء الايرانيين لنصحتهم بمنحه اعلى وسام في حب شعب وحكومة ايران.. السيد صائب خليل في نقده لبعض سياسات ايران وتكتيكاتها ينطلق من نقد المحب الحريص . لا نقد الخصم الكاره و لانقد الاكاديمي الموضوعي. .. بل نقد الثوري الغاضب ..والمذهل انه يقف على يمين سماحة الخامنئي لا على يساره..  هو يطلب منه ومن كل قادة ايران الاسراع في صنع القنبلة النووية .. ولم يمر بذهنه القافل قط.. ان ايران لم ولن تفكر لا في عهد السيد نجاد ولا في عهد السيد روحاني او خاتمي بصنع قنبلة او اسلحة دمار شامل لاسباب دينية وعقائدية معروفة... ما تريده ايران استعمال مالديها من وقود نووي للأغراض السلمية البحتة مثل انتاج الكهرباء وتشغيل المصانع.. الخوف من ايران سببه تقدمها الباهر في صنع الصواريخ البالستية.. ومبالغات اسرائيل واميركا في مخاطر المشروع الايراني. مثل الهلال الشيعي وتمدد نفوذها  بما يهدد دولا مثل السعودية وكل دول الخليج واسرائيل من خلال العقيدة الاسلامية وليس من خلال صنع قنبلة نووية تمتلك اميركا عشرات الاضعاف منها لا تنفعها بشيء مع دول صغيرة وبسيطة مثل كوبا وفنزويلا وتلجأ دائما الى التآمر في مجال الاقتصاد وشراء الخونة من عسكريي دول اميركا اللاتينية . حتى الرئيس الزاهد نجاد..في سعيه لانتاج حدا معينا من الوقود النووي لم يكن لأغراض الحرب. ولم يتجاوز ربع المرحلة الخطيرة والمخيفة لخصوم ايران... لكن السيد خليل في مقالاته المنتقدة والتي طالت حتى سماحة الخامنئي ويحسبها جرأة وخلاف مع سياسة الجمهورية الاسلامية.. هي في حقيقتها طلب الملهوف المحب والقافل على حب ايران.. وانا هنا لا انتقده بل أصف ما هو عليه بالفعل لمحبتي له ولتضييع اوقاتا ثمينة في متابعته.. وباعتباره ممثلا لجمهرة احبها من المثقفين العرب ولكني لا اتفق معها . احبها لأن افكارها نبيلة. ولا اتفق معها لأن افكارها غير واقعية وقد تكون ضارة مضرة احيانا..

والان لنعد الى السؤال الذي ورد عرضا في مقالة الاستاذ صائب (هل حقا ان ايران متفقة مع اميركا حول ما يجري؟؟) الاستاذ صائب تعامل مع هذا السؤال باستهانة وسخرية ساذجة لا تقل عن الطرح الساذج لعامة الناس التي تشك بوجود مثل هذه العلاقة.. وفي استهانته نفي قاطع وقافل ولا يقل (قفالة !!.. ولنبتسم..) عما يقوله أولئك الناس السذج الطيبين او الخبثاء في عرف الأستاذ صائب.. من هنا نحتاج لكي نفهم ونفكك هذه الإشكالية علينا العودة الى مفاهيم سادت في القرن العشرين ولم تستنفذ قوتها وصحتها بعد.. من قبيل.. التخادم بين الخصوم.. و اتفاقات الجنتلمان الملزمة ولكن غير المكتوبة.. ومفاهيم ما يسمى بلعبة الامم.. ومفهوم الخصم الضار في حالة معينة والمفيد في حالات كثيرة..كما ان ثمة حراكات وتغيرات تحتاج إلى تأجيل المبدئية لصالح البراغماتية مؤقتا ولدوافع استراتيجية بعيدة لا يستوعبها المتابع البسيط... هذا ما يقصده البعض في مفهوم الاتفاق .. أما مثل ما صوره الاستاذ صائب بشكل ساذج ورد عليه بشكل اكثر سذاجة مع احترامي له في سؤاله..وقوله(  ان كانت ايران متفقة لماذا تضع صورايخها..في العراق وفي سوريا؟؟ ولماذا تتآمر اميركا فتضربها؟؟)..

من ضمن الاتفاقات التخادمية في التاريخ. اتفاق لينين والمانيا على التنازل عن مقاطعتين مهمتين من دولة روسيا.. وقد وصل الامر بالمناشفة وانصار القياصرة الى اتهام لينين بالعمالة للالمان.. لكن لينين في احد كتبه برر هذا الاتفاق المهين مع دولة امبريالية بحالة فرد يتعرض له اللصوص فبدلا من قتله يتنازل لهم عن بعض ما يملك على امل استرداده يوم ما بعد امتلاك ما يكفي من قوة  بدلا من خنقه وقتله وفقدانه حتى امكانية الثأر..وقد حقق ستالين نبوءته واستعاد مائة ضعف مما فقده جراء ذلك الاتفاق ليس بالقنبلة الذرية التي كانت تمتلكها اميركا وحدها في الحرب الثانية.. بل بتضحيات الشعب والجيش الاحمر السوفيتيان الجسيمة.. كما كرر ستالين ذات عملية التخادم مع المانيا الهتلرية فبالرغم من كل المذابح التي تعرض لها الشيوعيون الالمان والبلدان التي احتلتها المانيا النازية.. كان ثمة اتفاق جنتلمان التزم به ستالين بعدم الدخول في حرب مع هتلر.. وسد اذنيه عن نصائح تشرشل وروزفلت في دخول الحرب معهما...وحين عاتبه تشرشل يما بعد عندما التقيا كحلفاء ... اجابه كانت رسائلك تصلني وهي صحيحة وكنت اصدقها.. لكني كنت في مرحلة  اعداد جيشنا لمثل هكذا حرب مدمرة.. وكذلك فعل ستالين في جمهورية مهاباد الاشتراكية الكردية حين ترك الشيوعيين يذبحون على يد عملاء اميركا جلاوزة الشاه ضمن اتفاق جنتلمان مع اميركا..مقابل حصوله على عشرات الدول التي شكلت فيما بعد المعسكر الشيوعي.. وكان يفكر في نهوض الصين اكثر مما يفكر في دويلة صغيرة مثل مهاباد.. اتفاقات ستالين لم تكن لأن ستالين عميل اميركي !! او امبريالي,, بل لأن علم السياسة.. وليس علم الاخلاق يقول ذلك.. وقد وضعت مقولة ماركس على الرف ( شرف الغاية من شرف الوسيلة..)..

بالنسبة للجارة العزيزة الجمهورية الاسلامية يظن السيد صائب انها يمكنها وبضربة معلم ان تطيح بالتيار الاصلاحي (جماعة روحاني وظريف ).. لصالح  التيارالثوري الذي يمثله بشكل تام الحرس الثوري بكل مقاتليه والمفكرين ورجال الدين المؤثرين وينتهي الامر ولا اعلم الوسائل التي يفكر بها او يقترحها السيد صائب..(ولا أدري هل هو يدري ان المؤثر الحقيقي والفاعل في السياسة الايرانية ووفق الدستور والواقع العملي هو المرشد الأعلى ومجلس حماية وصيانة الدستور وليس رئيس الجمهورية او وزير الخارجية ..)

يعتقد السيد صائب ان احمدي نجاد قد ابعد قسرا.. ويلوم سماحة المرشد على الموافقة على إبعاده.. الدكتور نجاد حكم لمرحلتين وأعطي فرصة كافية.. والسياسة لا تتعلق باشخاص عزيزنا الاستاذ صائب فجناح الدكتورنجاد دخل الانتخابات مدعوما من سماحة المرشد الذي هو القائد الأعلى للجمهورية.. لكن التيار الإصلاحي فاز بفارق ضئيل واستحق ان يأخذ فرصته.. وفوز روحاني جاء على خلفية حصار خانق مفروض على إيران أضر باقتصاده وبشرائح كثيرة وكبيرة ومنها شريحة البازار.( والبازار كان له الدور الأكبر في الثورة الايرانيةعلى الشاه.) كيف تصدق انه يجب غض النظر عن دورهم؟؟ في معرض مقالات السيد صائب يعتقد وببساطة ان سقوط الاتحاد السوفيتي سببه اخطاء غورباتشوف.. وفي هذا يكون الكاتب ابعد ما يكون عن الموضوعية سقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه وتفكك كل المعسكر الاشتراكي تقريبا سببه تراكمات اقتصادية ومجتمعية منذ بدايات المؤتمر العشرين للحزب والبراءة من ستالين وتبديد الثروات على أبحاث الفضاء والصناعات العسكرية الثقيلة في سباق محموم مع الاميركان  وتكميم الافواه الناقدة في كل من عهود ستالين وخروشوف وبرجنيف.والخلاف المدمر مع الصين الماوية.. من جراء بيانات المؤتمر العشرين وغيرها.. كل ذلك جعل من الاتحاد السوفيتي عملاقا ضخما بأرجل من عجين.. والمقارنة بين روحاني وغورباتشوف قد تكون صحيحة إذا أخذت إيران بنصائح السيد صائب وليس العكس.. فياللمفارقة!!! روحاني وقبله خاتمي هما حماة المشروع الثوري الحقيقي.. والتفريط بهما لصالح الفكر المتطرف قد يبدو مفيدا لبعض الوقت  ولكن فيما بعد سيكون هناك اكثر من يلتسين وبوتين وسيكون الخاسر الحقيقي الثورة الايرانية الاصلية والاصيلة نفسها والحرس الثوري نفسه وبالتالي الشعوب الإيرانية كلها...

وسيكون جوابي ولست بمتبنيه ولكني أفكك هنا وجهة نظر الناس البسطاء الذين يقولون نعم هناك ثمة اتفاق وأرجو من الأستاذ صائب ان يتعمق فيه في مقالاته المقبلة

الاسباب والمبررات:

اولا المعروف ان يوسف بن علوي وزير الشؤون الخارجية العماني المخضرم هو عراب الزيارة العجيبة لنتانياهو لعمان والتقائه بالسلطان قابوس بشكل واضح وفاضح وكانت ثمة خريطة يشرح فيها لقابوس اشياء واشياء.. السؤال: ما مقدار المبدأية في قبول زيارة هكذا شخص موبوء في كل الاعراف التي يؤمن بها السيد صائب قبل غيره؟؟  بل هو قام بأكثر من ثلاث زيارات لإيران واستقبل فيها بشكل رسمي ؟؟هل هي الواقعية السياسية التي انتهجها كل من لينين وستالين وتشرشل في كل الاتفاقات التاريخية التي نعرف؟؟ ام ماذا.. في الاجابة على هذا السؤال نحتاج الى رجل ( غير قافل) لا ايرانيا ولا امبرياليا.. لكي نفهم..

المبرر الثاني:.. قطر من أكثر الدول التي ساهمت بخلق داعش نكاية بإيران وبالشيعة وبدفع امبريالي معروف.. وآذت السنة والشيعة وكل العراقيين بهذا الابتكار القذر (داعش..).. ومساهمة قطر وفق مصادراميركية قديمة  تفوق مساهمات السعودية وغيرها من الدول.. ما هو سر التقارب القطري الايراني والذي انعكس ايجابيا في تقارب جماعات عراقية سنية وشيعية كانت تتقاتل يما بينها؟؟ هل هو تهيئة لصفقة قادمة كبيرة تكون فيها قطر الممر لصلح خليجي ايراني لينتهي بصلح مع اميركا..

ثالثا: هل في السياسة ما يسمى بأوراق البوكر او الكونكان  يمكن الاطاحة بها من اجل مغانم مستقبلية كثيرة. تشبه مغانم ستالين في تخليه عن شيوعيي ايران ومهاباد.. وتخلي خروشوف عن شيوعيي مصر لصالح اتفاق ظنه مفيدا مع عبد الناصر؟؟

هل استطيع انا او السيد صائب أن نراهن على شيء في السياسة الدولية الحالية بشكل مطمئن.. لكي نجزم إن من يقول بوجود اتفاقات تخادمية ساذج أو غبي أو عميل وان من يقول العكس فاهم وذكي ومخلص ووطني؟؟

ما هو معيار الوطنية في جو ملغوم وقد ثبت فيه خيانات أعظم قادة في تاريخ الشعوب خيانات رأوا فيها مصلحة لشعوبهم دون غيرها وضربوا بعرض الحائط بكل قيم المباديء وشرف الكلمة.؟؟

من اجل ذلك يكون الجواب.. ان الاتفاق بين ايران واميركا ليس بالسذاجة التي يطرحها الاستاذ صائب من خلال ناس بسطاء ويجيب عليها بشكل اكثر سذاجة.. بل ان الاتفاق يشبه تماما ما سماه السيد حسن نصر الله قواعد الاشتباك... لقد قتلت اسرائيل قادة من أكفأ القيادات خلال السنين المنصرمة من كل من حماس وحزب الله.. لكن قواعد الاشتباك بقيت كما هي.. وكلما  انتهكت إسرائيل قواعد الاشتباك. (وهذا ديدنها) يذكرها كل من حزب الله وحماس بقواعد الاشتباك.. وحين قرر السيد حسن نصر الله ان يضرب وحدد الموعد وبدقة.. وكان بإمكانه ان لا يحدد لضمان عنصر المفاجأة لكن شرف الكلمة جعله يلتزم.. وبالرغم من ذلك فقد نوه السيد نعيم قاسم وهو القيادي المهم.. ان الضربة ستكون محدودة ولن تؤدي الى حرب في توضيح لنوعيتها وحجمها ضمانا لعدم حصول دمار هائل في المنطقة وفي الجانين اللبناني والاسرائيلي.. هذا هو معنى الاتفاق عزيزي الاستاذ صائب. لا ما ذكرته وطرحته بشكل بسيط ومستهينا بمن يطرحه... وفي الختام أقدم اعتذاري للسادة القراء والسيدات وللسيد صائب خليل الذي احترم وأحب.. ولكن اختلف معه كثيرا واتفق قليلا.. وكم كنت شامتا به عندما استمعت الى السيدة حنان الفتلاوي والتي طالما دافع عنها وباركها وبرر مقولاتها المعروفة .. اقول كم كنت شامتا بصائب وانا استمع اليها وهي تشيد بانجازات دولة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي.( والذي يكرهه السيد صائب بشكل رهيب..). راحت عليك صائب.. كل من وضعت ثقتك فيه يخذلك.. فمتى تتقاعد فتريح وتستريح؟؟؟؟ ابتسم..

 

سلام كاظم فرج

......................

رابط مقالة الأستاذ صائب المنشورة في صحيفة المثقف ..

http://www.almothaqaf.com/a/aqlam2019/939576