ابراهيم أبراشلتدهور العلاقات الرسمية الفلسطينية مع بعض الدول العربية وبرودها مع أخرى تداعيات خطيرة تتجاوز وقف تمويل السلطة والاتهامات المتبادلة والاعتراف بإسرائيل، وأخطر هذه التداعيات احتمال فقدان الحاضنة الشعبية العربية من خلال كي وعي الشعوب العربية تجاه فلسطين بل وتشويه ذاكرتها وخصوصا الجيل الجديد الذي يتأثر بالموقف الرسمي لدولته وتعتمد ثقافته وذاكرته السياسية على وسائل الإعلام وخصوصاً الفضائيات وقنوات التواصل الاجتماعي، والدول العربية المطبعة مع إسرائيل وذات العلاقة المتوترة مع السلطة ومنظمة التحرير – السعودية ومصر والإمارات-حوالي نصف القنوات الفضائية العربية. 

هذه الفضائيات لم تعد تتناول أو تتحدث عن الشعب الفلسطيني وعدالة قضيته لا في نشرات الأخبار ولا البرامج الثقافية ولا تستضيف محللين ومثقفين ومسؤولين فلسطينيين أو عرب مساندين لعدالة القضية، كما تراجعت بل واختفت فعاليات المجتمع المدني المساندة لفلسطين ليس فقط على مستوى المسيرات والمظاهرات والندوات التي كانت شبه يومية في المدن العربية بل أيضا من مناهج التعليم والبحث العلمي حيث كان يتم مناقشة عديد رسائل الماجستير والدكتوراه عن القضية الفلسطينية.

والأمر لا يتوقف على الغياب بل تمارس بعض الفضائيات سياسة التلفيق والكذب وتشويه التاريخ الفلسطيني من خلال الاستعانة بشخصيات إسرائيلية أو غربية موالية لإسرائيل وشخصيات عربية من الأكاديميين والمحللين السياسيين الذي يتحدثون وكأن بينهم وبين الفلسطينيين ثأر، وما يشجعهم على انتقاد الفلسطينيين بقسوة الإغراءات المالية التي تقدمها الفضائيات وفي سبيلها مستعدون لقول أي شيء يُرضي سياسة دولة الفضائية.

إذا أضفنا إلى ما سبق حالة الخوف والهلع عند الجاليات الفلسطينية المقيمة في الدول العربية وخصوصا الخليجية وهي حالة تدفعها للحد من أنشطتها المجتمعية والثقافية والتعبوية المساندة لفلسطين، وبطبيعة الحال لا تُلام الجاليات على هذا التصرف سواء كان للحفاظ على وظائفهم وأعمالهم ومحل إقامتهم أو لقناعة بصوابية موقف الدولة المضيفة لهم ورفضهم لموقف القيادة الفلسطينية.

أيضا الأمر ينطبق على السفارات الفلسطينية ودورها في التواصل مع أبناء الجالية والمؤسسات المدنية والرسمية في تلك البلدان، وبالأصل فإن نهج بعض هذه السفارات، حتى قبل توتر العلاقات مع الدول العربية كان سيئاً حيث كانت تتصرف مع أبناء الجالية وحتى مع أهالي البلاد باستعلاء وكأنها سفارة دولة عظمى وليس سفارة أو ممثلية لشعب يناضل من أجل الحرية والاستقلال.

كل ما سبق سيكون له تأثيرات استراتيجية خطيرة على مستقبل القضية الفلسطينية، الأمر الذي يتطلب سرعة تصويب العلاقات العربية الفلسطينية شعبيا ورسميا ولا داع للمكابرة والمعاندة لأن التطبيع ليس مجرد تصرف انفعالي أو مجرد مراضاة للرئيس ترامب وبالتالي سيتم التراجع عنه في حالة فشل ترامب في الانتخابات أو خوفاً من الرفض والغضب الفلسطيني، بل تحولات قد تستمر طويلا ويتزايد عدد المطبعين.

 الطبقة السياسية في الدول المطبعة أخيرا متهيئة للتطبيع ثقافيا واجتماعيا ونفسيا نتيجة تربيتها وثقافتها وشبكة مصالحها ونظرتها المستقبلية البراغماتية، كما أن هناك تحولات عميقة تجري في المنطقة العربية وفي العالم يجب لحظها والتوقف عندها بتمعن، أيضاً دور الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي يتعاظم يوماً بعد يوم ويجب عدم تجاهله بل يجب خوض معركته بخطاب نضالي عقلاني وواقعي وعدم الاكتفاء بالخطاب الإعلامي الرسمي البئيس كما يتمظهر في الفضائيات الفلسطينية وخطابات قادة الفصائل ومسؤولي السلطة.

قد يقول قائل إن الأنظمة العربية قصَّرت في حق الشعب الفلسطيني وتواطأت مع العدو الإسرائيلي وخضعت لابتزاز الرئيس ترامب وهي التي ناصبت كل الشعب الفلسطيني العداء وليس فقط القيادة من خلال التطبيع ووقف تمويل السلطة ومحاولتها صناعة قيادة جديدة تابعة لها ومتساوقة مع صفقة ترامب والسياسة الإسرائيلية الخ، ومع اتفاقنا في غالبية ما سبق ومع حرصنا على كرامة الشعب وقيادته ورفض أية وصاية عربية جديدة على الشعب الفلسطيني، إلا أن العقلانية والواقعية السياسية ترفض منطق معاداة كل نظام له رؤية وسياسة مختلفة وحتى معادية لنهج السلطة حتى لا يؤدي معاداة النظام إلى قطع التواصل مع الشعوب العربية، ولنا في نهج تعامل منظمة التحرير مع دولة الكيان الصهيوني والمجتمع الإسرائيلي أسوة، بالرغم من البون الشاسع ما بين الدول العربية والكيان الصهيوني وما بين الشعوب العربية الشقيقة والمجتمع الصهيوني اللقيط .

فبالرغم من كل ممارسات إسرائيل العدوانية والإرهابية ويمينية وفاشية المجتمع الإسرائيل فقد دعت منظمة التحرير منذ بداية السبعينيات إلى التواصل مع القوى والشخصيات اليهودية غير الصهيونية، وفي السنوات الأخيرة وفي خضم الإرهاب الصهيوني وتنكره لعملية التسوية السياسية فقد شكلت القيادة في ديسمبر 2012 لجنة للتواصل مع المجتمع الإسرائيل عسى ولعل أن يؤدي ذلك لاختراق في هذه المجتمع اليميني المعادي، انطلاقا من ذلك  فالأولى والاجدر أن يبادر الرئيس أبو مازن  لتشكيل لجان للتواصل مع الأنظمة والشعوب العربية التي ليست عدوة للشعب الفلسطيني وكانت وستبقى عمقنا وسندنا الاستراتيجي حتى وإن شابت شائبة العلاقة بين الطرفين.

عندما نطالب بتصويب العلاقة مع الشعوب العربية لا نقصد بذلك استقطاب شخص هنا أو هناك من السياسيين القدامى أو الصحفيين ليكتب منوها بالرئيس أبو مازن أو بالقيادة الفلسطينية بشكل عام، بل التواصل مع القوى المجتمعية الفاعلة والمؤثرة في مجتمعاتها، أولئك الذين لا يرومون مكسب مالي أو شهرة بل يعبرون عن عمق الانتماء والولاء لعدالة القضية، وهؤلاء نجدهم في القطاع العريض من الكًتاب والصحفيين والفنانين والمحامين والمعلمين وأساتذة الجامعات والنقابات العمالية الخ، هؤلاء الذين وقفوا وساندوا الثورة الفلسطينية لعقود وقدموا الشهداء وتعرضوا لمضايقات واعتقالات بسبب ولائهم ومساندتهم لعدالة القضية الفلسطينية.

هؤلاء لا يمكن للدبلوماسية الرسمية الفلسطينية بنهجها وشخوصها التواصل معهم أو اقناعهم بل يحتاجون لشخصيات وطنية ذات مصداقية ويُستحسن أن يكونوا من خارج ذوي المناصب الرسمية. مع أن رئيس الوزراء محمد اشتيه دعا مباشرة بعد توتر العلاقة مع دولة الإمارات لتصويب المسار مع الدول العربية إلا أننا لم نسمع عن أي تحرك في هذا السياق.

 

إبراهيم أبراش

 

 

قاسم حسين صالحانشغلت الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي بحادثة الأحد 18 تشرين الجاري، واصفة اياها بأنها هزت الرأي العام العراقي!.. بل ان اكاديمي يحمل شهادة دكتوراه بعلم النفس وصف الحادث (بأنه لم تشهده الأنسانية من قبل!).. وكأن هذا الحدث يقع للمرة الأولى في العراق، مع ان امرأتين قبلها رمت كلاهما اطفالهما في دجلة ومن نفس الجسر(الأئمة)، وان احد الآباء في كربلاء قتل اولاده الأربعة دفعة واحدة.

نتفق على انها جريمة بشعة لكن ما جرى يثبت حقيقة ان الاعلام يفعل فعله اذا وظّف الحدث بطريقة تثير انفعالات المشاهدين.. ويعرف كيف يشغلهم بالاسباب والتفسيرات.

ان الأم اعترفت بأن الحادث كان نتيجة خلاف مع طليقها، ولأنه سبب غير مبرر فان الأمر يقتضي تشكيل لجنة من طبيبن نفسيين وسيكولوجي متخصص بعلم نفس الجريمة ليحددوا دوافع الجريمة ما اذا كانت ناجمة عن اضطهاد اوعنف (جسدي، جنسي، نفسي.. اهمال، تحقير، هجر، اكتئاب حاد.. ).

بهذا المنطق يكون التفسير.. لا بمثل ما جرى.

وللعلم ان الطلاق في العراق تضاعف بعد 2010 ليصل الى ان كل مليوني حالة زواج تقابلها مليون حالة طلاق!.. وهناك اكثر من عشرة آلاف مطلقة من مواليد 1995 فقط!

ليس هذا فقط، بل ان جرائم (الشرف) تضاعفت ايضا، ففي البصرة وحدها تم قتل 47 فتاة وأمراة في سنة واحدة تحت بند جرائم الشرف التي غض عنها الطرف قانون مناهضة العنف الأسري.. ولا ضج الأعلام كضجته هذه.. التي سنخصص لها مقالة عن الأعلام والهوس العراقي.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

امان السيد أعْجبُ لمدن لا تحمل من أسمائها شيئا. وأعجبُ لمدن تعمى نفوس أصحابها حقدا!

 الزرقاء، مدينة، أو منطقة، سيّان، اسمها يُهدي إلى من يسمعه الحبّ في سلة زرقاء، زهورها وارفة التسامح، وأفقها أوسع من مظلة الحكماء، أما على أرض الواقع، فإن الصدمة تلو الأخرى تغتالك أمواجا من الآهات والألم، والرعب حين تسمع، أو تقرأ عن فواجعها، وما يجري فيها من المذابح، والإجرام، حتى لتحسّ بأن ألف باب أغلق، وألف حارس شهر سيفه يأمرك أن تتوقف لو أنك فكرت يوما بزيارتها!

 لكني زرتها فعلا، وبكل الهدوء سرحت في شوارعها الضيقة وجالست فسحاتها، وشرفة من شرفاتها، ولم أشعر بما تدفعني إليه الأبواب المغلقة، ولا سيوف الحراس المشهرة من حذر، واحتراس، قد يكون لأني وصلتني رائحة الأريج من سلتها الزرقاء، وقد تكون نفسي التي تحمل مركبي الذي يسري بي إلى حيث الحبّ، ويحجب عني الدم، ولكن ماذا وفي كل يوم يَندب نادب في مآذنها، وتَكنس الدماء شوارعها، وقلوب أهلها؟!

 ذبيح الزرقاء، ذاك الشاب، آخر شهداء تلك المدينة الأردنية الصغيرة التي لا يمكن تصديق أن وداعتها تحمل تلك الشراسة، وذاك العنف الوحشي، وذاك الاشرئباب للثأر في كل حين، فالمشهد بتفاصيله المقيتة محفّز على البغض، والقتل، وحين تثير تلك المشاهد في نفس إنسان مسالم المشاعر غير المألوفة لها، يغدو الأمر برمته خطيرا!

 كيف يمكن أن يصبح الثأر اعتيادا يوميا، وكيف يمكن للذبح، والتفنن به أن يغدو متقنا إلى درجة أن يستثير تصفيق المجرمين في العالم، وحين لا جفن يغمض للقاتل، وهو يرتكب جريمته في مستضعف، بل يتلذذ، ويجد من يتلذذ بذلك معه، وتستبد به شهوة القتل، ففي الأمر خلل فظيع، وفي النفوس هشاشة تنبئ بسقوط مدن كبيرة، ودول، وأقاليم، وممالك!

 الكواكبي قال" لو كان الاستبداد رجلا، وأراد أن يحتسب بنسبه، لقال: أنا الشّر، وأبي الظلم، وأمي الإساءة، وأخي الغدر، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب. المستبدّ فرد عاجز، لا حول له ولا قوة إلا بأعوانه، أعداء العدل، وأنصار الجور". و إنهالا شيء ينبيك حقا عن استبداد الشّر بالنفوس سوى ما يصدر عنها من أفعال!

 ذبيح الزرقاء، ليس مهما أن يكون له اسم، إذ يكفي أن يكون عنوانا للإنسانية المُستهتر بها، ويكفي أن يكون سقوطا للرجولة، وقيمها، وأخلاقها، ويكفي أن يكون علما للجهل قبل كل شيء، الجهل الذي، للأسف، تُرضعه الأمهات في حليبهن أبا عن جدّ، في ردّة إلى العصبية القبلية، والجاهلية المقيتة، ذاك الجهل الذي يسري غيوما سودا مكفهرّة لا ينبثق فيها فجر، جَهل يُتوارث، أفق يضيق عن علاقة الإنسان بالإنسان في مجتمع موتور في كل شيء، غياب السلطة التي باستمراء مهزلتها، وخوارها يُتبادل القتل، والفتك تداولا، فلا يُنصر الضعيف بسهولة، ولا تُبتر يد القاتل، بل يصبح البتر حصّة المظلوم حين يُكتفى بالثأر شفيعا ضمن شريعة الغاب المرعبة، حيث لا رادع من العقل، والعقاب يصبح سلاحا للمغيّب الجاهل يفهمه، ويطبّقه كيفما يريد، بعد أن يصمّ، ويَتعامى عن الغاية الكبرى في قوله تعالى " ولكم في الحياة قصاص يا أولي الألباب لعلكم تتقون"، وفي قوله تعالى " وكتبنا عليهم فيها أنّ النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسّنّ بالسّنّ والجروح قصاص فمن تصدّق به فهو كفّارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون"، ويغدو التّصدّق بالتّسامح كفّارة لا تدرك قيمتها، وأثرها هنا في ميزان اختلّ به الاستواء، إلا حين تُهبَط أثقاله على رؤوس المستضعفين، لترتوي جيوب المتخمين بالبغض، والتّسلّط، ولتموت نفوس المضطهدين وذويهم قهرا، حين يهيؤون نعاجا تُسنّ لرقابها، وقلوبها النّصال، والخناجر!

 أيّ العصور ذاك الذي نعيشه، ضمن دوائر في إجرام لا تنتهي به الحلقات، والكبار فيه إما مساهمون، أو متفرّجون، أو مُسهّلون له، أو خُرس. ليست عقول الشباب في بالهم، ولا هزائمهم النفسية تحرك ساكنا!

  إني لأتخيّل ذبيح الزرقاء هيكلا لجسد مفقوء العينين، مبتور اليدين، ثم أستغرق في استلابه، وضعفه، وعجزه أمام ثلّة من مجرمين قتلة استعلوا على الله، والحق، وسلطة القانون، ووثقوا أن لهم الحق بانتقام يعبث بمستقبل شاب، وحياته كلها، شابّ جرمه أنه جُعل أداة للثأر، والنيل منه شفاء للغلّ في نفوس مرضت بالحقد والضغينة.

  أسمع أنين الأم المنكسرة، الأمهات المثكولات، والزوجات الأرامل، ويهزني زلزال يكاد يدمر ما حولي. صدقا، لا يمكنني أن أتابع تفاصيل مثل تلك الجرائم التي تتلوّن ما بين انتقام، وادّعاء بالشرف، واعتداء على ممتلكات البشر، فأراني أغلِق على الخبر، لأكمّم ما يجيش في صدري من الثورة، والصّراخ!

 ستتوالى الجرائم، كما اعتادت، وسيُغلق التحقيق، على ثأر جديد، ولن ينتهي الثأر، ما دام الجهل معشّشا، وما دامت النّمور تَعيثُ به تباهيا، وكم من قَبر في رحلة الانتقام سيفتحُ خلفه قبورا، إن لم تُشد للعقول مدارسُ، ودورٌ تعيد صياغة عقول أبنائها!

 

أمان السيد/ كاتبة سورية أسترالية

 

 

عبد الجبار نوريإن النظام السابق تنازل عن منطقة الحياد للسعودية وتنازل عن نصف شط العرب وأراضي برية حدودية لأيران حسب معاهدة 1975 الجزائر، وتنازل للأردن عن أراضي برية في (طريبيل)، وتنازل للكويت في مزارع سفوان والقاعدة البحرية في أم قصر وقسم كبير من خور عبدالله لغاية الدعامة 162وفقاً للقرار الأممي المشؤوم 833 حيث تؤكد التقارير الدولية عائدية الخور للسيادة العراقية منذُ الأحتلال البريطاني، أما النظام الجديد بعد 2003 أستأنف مسلسل التنازلات وسط جيرانٍ لم يخلق الله من هم أكثر خبثاً وطمعاً في ظل من سلطهم القدر المشؤوم على مقدراتنا حيث طابت لهم دولارات السحت الحرام مقابل بيع الأوطان بأبخس ثمن مذل، حيث تنازلوا عن حق العراق في قانون البحار المادة (70) بخصوص موقع ميناء مبارك الكبير الكويتي لكونه ضرراً فادحاً للعراق .

وكان الخطأ الفادح في دفع ثمن الترسيم 600 ألف دولار والذي يعني أعتراف العراق بالوضع الراهن للحدود العراقية، وهذا كلهُ جرى في زمن حكومة المالكي للخروج من البند السابع، وبأعتقادي الشخصي :كان أرحم للعراق البقاء تحت طائلة البند السابع لكونه أفضل من خنق العراق وفقدهِ لسيادتهِ.

أتفاقية خور عبدالله أو أتفاقية تنظيم الملاحة البحرية وهي بالحقيقة أصبحت بحكم القوي على الضعيف أتفاقية دولية حدودية بين العراق والكويت تنفيذاً للقرار الأممي رقم 833 والذي أصدرهُ مجلس الأمن الدولي عام 1993في ترسيم الحدود لذا تمت المصادقة عليها في بعداد "25 تشرين الثاني 2013 " الموقعون من الجانب العراقي (الحكوة المركزية) 

فكانت من مخرجاتها السيئة الصيت: تقسيم الخور بين البلدين الواقع في أقصى شمال الخليج العربي بين شبه جزيرة الفاو العراقية وكلٌ من جزيرتي بوبيان ووربه الكويتيتين، أي تمّ تقسيم الممر المائي الملاحي المثبت في نقطة ألتقاء الخور بالحدود الدولية ما بين النقطة البحرية الحدودية رقم 156 ورقم 157 بأتجاه الجنوب إلى نقطة 162 ومن ثم إلى مدخل القناة الملاحية عند مدخل قناة خور عبدالله .

إن الحكومة السابقة والبرلمان العراقي صادقا وتنازلا عن جزء من خور عبدالله وهو الممر الملاحي الوحيد المؤدي إلى معظم الموانئ العراقية، وكان التقسيم (بالتنصيف) وليس بناءً على خط التالوك (أي أعمق نقطة ممر يسمح للملاحة البحرية فيه)، وأن المشكلات الحدودية زادت تعقيداً بين الدولتين الجارتين، ومع الأسف الشديد أن الجارة الكويت أستغلت أسقاطات الظروف العسكرية في العهد الصدامي في الأجتياح الخاطئ لدولة جارة والشروط الدولية المذلّة لخيمة سفوان والبند السابع الدولي جعلت حكومة الكويت تتمادى في الأبتزاز وأستغلال الأمر الواقع، إلى جانب الظروف السياسية التعسة بعد سني الأحتلال الأمريكي البغيض وهشاشة حكومتي المالكي والعبادي دفعت الجانب الكويتي أعتبار الأتفاقية أستكمالاً لترسيم الحدود بناءً لقرار دولي . 

تفرغت الحكومة الكويتية حينها لبناء ميناء المبارك الكبير على الشاطئ الغربي لخور عبدالله في جزيرة بوبيان الكويتية، والذي من المفترض أن يربط بسكة حديد مع العراق مستقبلاً، حيث أنهُ سيكون أكبر الموانئ في الخليج بقدرته الأستيعابية، والذي سوف يضيف على الطين بلّة هناك اليوم تسريبات شبه أكيدة لم يعمق الجانب العراقي التحقيق فيها التي هي :سيطرة الجانب الكويتي على جزيرة وسط شط العرب ضمن المياه الأقليمية العراقية، لذا تأهبت لجنة الأمن النيابية بأستضافة القيادات البحرية العراقية بشأن صحة المعلومات الواردة تواً، ولا نعلم بنتيجة التحقيق .

لماذا "أتفاقية خور عبدالله" مذلّة؟!

- تنازل الحكومة العراقية عن جزء كبير من الخور سيؤدي إلى خسارتهِ الممر الوحيد المؤدي إلى معظم الموانئ العراقية سوف يضيّق بالعراق السبل مع أنهُ يعاني أصلاً من ضيق الجبهة البحرية الصالحة للرسو وأستقبال السفن .

- تنازلاً عن أراضي ومياه عراقية وساحلهِ البحري الوحيد لصالح الكويت .

- تقسيم الخور جاء بالتنصيف وليس حسب خط التالوك (أعمق ممر يسمح للملاحة البحرية فيه) .

- أفتقد العراق أي منفذ بحري وهي سابقة خطيرة ستضيق على الأقتصاد العراقي .

- أن الأتفاقية لم تكتفِ بتنظيم الملاحة بل تعدتْ ألى رسم حدود جديدة بين البلدين وهذا مخالف للقرار الأممي 833 .

- أطلاع الكويت على كل التحركات الأمنية لخفر السواحل العراقية، يكون العراق فقد الرقابة الوطنية على السفن الحربية .

- الأضرار التي لحقت بالصيد البحري العراقي، ومنعت الجانب العراقي في الصيد في القناة التي تحوي ثروة بحرية زاخرة والمعلوم أن العراق أصلا يعاني من ضحالة سواحله البحرية .

- حرمان العراق من المياه الأقليمية وعدم السماح لبواخره ضمن سيادته البحرية والحصة الظالمة بقى للعراق 46 كم طول ساحل بحري بينما للكويت 600 كم، أضافة أن الأتفاق يعطي الكويت الأولوية في التحكم بالقناة الملاحية .

- الأتفاقية تهدد بأعادة شبح التوتر في العلاقات بين العراق والكويت الجارين .

- وتعد بناء الجزيرة الصناعية في خور عبدالله مخالفاً لبنود الأتفاقية .

- حسب الأتفاقية يعتبر الكويت شريكاً في الممر الملاحي الوحيد الذي يؤدي إلى أغلب المونئ العراقية، وتعد تفريطاً للسيادة العراقية ومنح الكويت قناة تعود ملكيتها للعراق منذ عشرينات القرن الماضي مما يؤدي إلى ألحاق الضرر الفادح بلأقتصاد العراقي .

- تفعيل الأتفاقية يجعل الكويت تشارك العراق في قيادة السفن القادمة إلى موانئه مالياً وأدارياً مع فرض تنزيل العلم العراقي من السفن الداخلة للعراق، كما أنها ستستخدم القناة ملاحياً بعد أكمال ميناء مبارك الكبير .

-أما حكاية مشروع بناء ميناء "الفاو الكبير " يظهر أنهُ واقع بين كماشة بعض أجندات عراقية مرتبطة ببعض دول الخليج وخصوصاً الجارة الكويت التي أستثمرت عمالة بعض الخونة من الجانب العراقي بأثارة أزمة التقاطعات السياسية والأقتصادية أخرت الأنجاز منذُ 2004 ونحن اليوم في 15 أكتوبر 2020، وجاءنا هذا (العاجل): مدير الشركة الكورية ينتحر مشنوقاً مشوباً بشكوك الحدث إذ لا مبرر لأنتحار مسؤول مشروع خاج بلده، وتبين خلال هذه الفترة لعقدٍ ونيّفْ إن الشركة الكورية تتعرض لضغوطات ودكات عشائرية ورشا وأتاوات وبالتأكيد مصدرها الجارة الكويت !!!؟

الحل /لقد آن لنا أن نعيد النظرفي أتفاقية خور عبدالله "المذلّة" ونستعيد سيادتنا المنقوصة في حدودنا الدولية ومياهنا الأقليمية حيث مبادئ حسن الجوار السلمية وبدبلوماسية شفافة وعقلانية بالحوار الجاد بين الطرفين في النظر في القرار833، وأن أستعصى الحل نلجأ إلى قول الوزير الأسبق عامر عبالجبار: {مجرد تحفظ العراق على موضوع الربط السككي مع الكويت الذي يتعلق أقتصادياً بميناء مبارك الكبير، وهو حق العراق في القانون الدولي} وحين ترفض نلجأ إلى قطع العلاقات الدبلوماسية وتعليق الموضوع لحين أسقاط العراق من العقوبات، أقامة دعوى قضائية في المحكمة الأتحادية للطعن بالأتفاقية، وأقامة دعوى قضائية أمام المحكمة الدولية تجاه موقع ميناء مبارك الكويتي الذي وصل أنشاؤه لخطوات متقدمة في خور عبدالله كونه جاء مخالفاً للمادة (70) من قانون البحار، وعلى الحكومة العراقية عدم تفعيل أتفاقية الربط السككي بين العراق والكويت ما لم يتم ألغاء أتفاقية خور عبدالله، أن حقوق العراق ضاعت بسبب المجاملة، فعلى الحكومات العراقية أيقاف العمل باللجان المشتركة وعدم تفعيل الأتفاقية لحين تنفيذ توصيات اللجنة البرلمانية التحقيقية للدورة الحالية والسابقة .

وحتى لا نضيّع الخيط والعصفور بأعتقادي من مواطن عراقي ثمانيني أن نسرع في تنفيذ ميناءالفاو الكبير بعمق 19 ولا غير ورفض ملحق المعاهدة الذي يتعلق بربط ميناء مبارك الكبير بالمد السككي مع أيران عبر العراق .

 

عبدالجبارنوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

 

 

رزكار عقراويلماذا إلغاء عقوبة الإعدام؟

1- الحق في الحياة حق أصيل وأساسي وهو حق تحميه القوانين والمواثيق الدولية، عقوبة الإعدام عقوبة ثأرية عنيفة لا إنسانية تستند إلى عقلية الانتقام وليس البناء والإصلاح، وتتسبب في المزيد من الموت والقتل وهذا لا يعني إفلات المجرمين من العقاب و يجب ان يحاكموا بشكل عادل على جرائمهم، ليس هناك أي دليل او إحصائيات علمية على أن عقوبة الإعدام أشد ردعا وفعالية في الحد من الجريمة والعنف مقارنة بالسجن المؤبد مدى الحياة، حيث مازالت مستويات العنف مرتفعة جدا في الدول التي مازالت تطبق الإعدام مقارنة بالدول التي ألغت أو أوقفت تنفيذها. وحسب الإحصائيات الدول التي تمارس الإعدام فيها نسبة الجريمة والعنف أعلى بكثير من الدول التي ألغت العقوبة، فمثلا في كندا حسب منظمة العفو الدولية كان معدل جرائم القتل في عام 2008 أقل من نصف معدل عام 1976 الذي ألغت فيه عقوبة الإعدام بسبب تغيير آلية تطبيق القانون والعدالة والعقاب من مفهوم انتقامي إلى إصلاحي وإعادة تأهيل.

2- لا أحد يولد مجرما او إرهابيا والكل عند الولادة أطفال في قمة البراءة! وهناك ظروف وأسباب معينة تحول الإنسان الى مجرم-ة ، لذلك عقوبة الإعدام تعطي الذريعة للدول والحكومات للتهرب من مسؤوليتها الفعلية والحقيقة في علاج المسببات الأصلية المؤدية للجرائم والعنف والإرهاب، مثل الجهل، الفقر، البطالة وغياب الضمان الاجتماعي، الاستبداد بكافة أشكاله، غياب العدالة والفساد، شيوع ثقافة العنف والأفكار الاستبدادية والدينية المتطرفة، التميز القومي والديني و الجنسي والطبقي، الخلل في النظام التربوي، الضعف الكبير في الخدمات الطبية والعلاج النفسي حيث هناك ألوف من المرضى النفسين بأمس الحاجة إلى العلاج والبعض منهم حالات صعبة يشكلون خطرا كبيرا على المجتمع وعلى أنفسهم أيضا... الخ.

3- عقوبة الإعدام تطبق في دول معظمها استبدادية وفاسدة وتفتقد إلى الحكم الديمقراطي الرشيد وذو أنظمة قضائية ضعيفة وغير مستقلة وتفتقد للنزاهة والمهنية والشفافية، ومعظم الاعترافات تؤخذ تحت الاستخدام المفرط للقوة والتعذيب وأشكال أخرى مختلفة من الضغط النفسي والجسدي.

4- عقوبة طبقية وتمييزية والإحصائيات تشير ان معظم المعدومين هم من الطبقات الكادحة أو الفئات المهمشة أو من الأقليات الدينية والقومية، ولا يمكن لمعظمهم توكيل محامين أو – الوساطة – واستخدام المحسوبية لدى جهات النفوذ والسلطات القضائية من اجل تخفيف الحكم أو إطلاق سراحهم، ونادرا ما نسمع عن إعدام شخص غني أو من مراكز السلطة والنفوذ لسبب جنائي ماعدا في حالة الصراعات السياسية على السلطة.

5- عقوبة لا رجعة فيها وقد تقع أخطاء في الأحكام ومهما كان القاضي نزيها ودقيقا فهو كبشر معرض للخطأ، الذي هنا سيعني حياة إنسان حيث الإعدام عقوبة نهائية ولا يمكن التراجع عنها بعد التنفيذ، ولذلك لا يمكن استبعاد خطر إعدام أشخاص أبرياء، وحسب منظمة العفو الدولية وعلى سبيل المثال منذ عام 1973 كان هناك أكثر من 160 سجينا في انتظار تنفيذ حكم الإعدام في الولايات المتحدة، وفي وقت لاحق تمت تبرئتهم وأفرج عنهم بعد ظهور ادلة جديدة تثبت براءتهم، وأعدم آخرون على الرغم من وجود شكوك حول إدانتهم وأثبتت براءة البعض منهم بعد سنوات من إعدامهم.

6- بشكل عام يتم استخدام الإعدام كأداة لفرض أجندات سياسية ودينية وفكرية مستبدة حيث في بعض البلدان يعتبر نقد نظام الحكم او نقد أفكار سياسية او دين معين من الجرائم الكبرى ويحاكم بها بالإعدام، ويستخدم لفرض هيبة الدولة من خلال تنفيذها عمليات الإعدام والقتل، ولإرعاب الجماهير وتخويف المعارضين السياسيين، وكذلك يستخدم كوسيلة ضعيفة من قبل أشخاص وأحزاب ذوو دوافع سياسية للتظاهر أمام جماهيرهم الخائفين بسبب غياب الأمان وكثرة الجرائم في أنهم يقومون بذلك لمكافحة الجريمة! وتوفير الأمان لهم.

الإعدام التعسفي خارج نطاق القانون والاختفاء القسري والإعدامات الجماعية

بشكل عام يتم التركيز على الإعدامات التي تصدر وتنفذ بحكم قضائي، ولكن هناك عدد كبير جدا من جرائم الإعدام المختلفة تنفذها الدول والجهات المسلحة خارج نطاق القضاء والقانون ودون محاكمات عادلة وبإجراءات سريعة تنفذ من قبل الأجهزة الأمنية والعسكرية في انتهاك صارخ للقوانين والمواثيق الدولية، مثل تصفية بعض الدول لمعارضيها السياسيين في الخارج ومنها دول كثيرة ألغت او أوقفت عقوبة الإعدام محليا! مثلا أمريكا وإسرائيل والدول المتحالفة معها، أو التصفية الجسدية أو الاختفاء ألقسري للمعارضين السياسيين كما يجري في العراق والكثير من بلدان العالم العربي، وكذلك الإعدامات الجماعية خارج نطاق القانون والإعدام الجماعي البطيء من خلال فرض عقوبات وحصار اقتصادي يشمل الغذاء والدواء على شعوب بأكملها بحيث تصل إلى حد جرائم الإبادة الجماعية، وكذلك تجويعها من خلال سياسات النهب والاستغلال.

وفق مواثيق حقوق الإنسان الدولية والقانون الدولي لا يحق لأي دولة الاستعمال غير الشرعي للقوة والعنف والاغتيالات و الإعدام التعسفي خارج نطاق القانون لتحقيق أهداف سياسية معينة وتصفية الخصوم السياسيين وترهيب معارضيها خارج وداخل البلد، وخلق مناخ عام من أجواء الحرب والعنف والعنف المتبادل و الخوف والقلق وتعريض سلامة السكان للخطر، ولابد من إدانة كافة الإعدامات خارج القضاء و إرهاب الدولة أيضا مهما كانت ذرائعه التي يستند إليها ومن أي دولة كانت.

تاريخ إلغاء عقوبة الإعدام

1- تم منع عقوبة الإعدام في الصين بين عامي 747 و759

2- بدا الكثير من المفكرين طرح إلغاء عقوبة الإعدام منذ بداية القرن الرابع عشر ومن بينهم جون ويكلف، توماس مور|، سيزار بيكاري، فكتور هوجو...الخ وآخرين

3- دوقية توسكانا الكبرى - كانت مملكة في وسط إيطاليا - كانت أول سلطة رسمية في العالم تلغي عقوبة الإعدام في 30 أيلول/سبتمبر 1876.

4- ...............

 إحصائيات عقوبة الإعدام حسب تقارير منظمة العفو الدولية 2018

106 دول ألغت عقوبة الإعدام لجميع الجرائم

8 دول ألغت عقوبة الإعدام للجرائم العادية فقط

28 دولة ألغت في الممارسة تنفيذ عقوبة الإعدام

56 دولة لا تزال تحتفظ بعقوبة الإعدام والنصف فقط ينفذ العقوبة.

الدول العربية التي أوقفت العمل بتلك العقوبة هي: المغرب، موريتانيا، تونس، وأريتيريا، والجزائر.

فيما ألغت جيبوتي عقوبة الإعدام تماما، والسلطة الفلسطينية وقعت على البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي يهدف إلى إلغاء عقوبة الإعدام وبدأت بخطوات عملية لإلغائها بشكل كامل.

170 دولة أبطلت عقوبة الإعدام أو أوقفت تنفيذها ولم تنفذ حكم الإعدام في السنوات الأخيرة والعدد في تزايد متواصل، ونظرا لوجود 193 دولة في الأمم المتحدة الآن، فإن ذلك يعني أن 23 دولة فقط تنفذ أحكام الإعدام إلى الآن، ويظهر ذلك ان التوجه الإنساني العالمي نحو إلغاء عقوبة الإعدام كبير جدا وهو في تطور متواصل بغض النظر عن أنظمة الحكم وتوجهها السياسي.

في عام 2019، الدول الخمس الأكثر تنفيذا للإعدامات كانت الصين وإيران والمملكة العربية السعودية والعراق ومصر.

 

أبرز المواثيق الدولية المتعلقة بإلغاء عقوبة الإعدام

1- البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي يهدف إلى إلغاء عقوبة الإعدام - 11 يوليو/تموز 1991.

2- البروتوكول رقم 6 الملحق بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان 1983، والمتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام.

3- البروتوكول رقم 13 الملحق بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، فيما يتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام في جميع الظروف 2003.

4- بروتوكول الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان لإلغاء عقوبة الإعدام 1990

 لماذا التأييد الجماهيري لعقوبة الإعدام؟ كما يحصل حاليا في بعض بلدان المغرب العربي أنموذجا

على أثر بعض الجرائم الوحشية البشعة التي ترتكب او الأعمال الإرهابية القذرة تتصاعد الأصوات من وقت لآخر بضرورة تفعيل أو تطبيق عقوبة الإعدام بشكل أكبر، وفي معظم الحالات تحركها جهات حكومية وحزبية بأجندات سياسية مستغلة حالة الألم والانفعال والقلق والصدمة في المجتمع، وألم واسى عوائل الضحايا التي أتفهمها كثيرا واحترمها بعد تلك الجرائم القذرة، وتقوم تلك الجهات بالترويج بان الإعدام سيقلل من الجريمة والعنف والإرهاب ويضع حدا لها وهو الحل السحري الامثل!.

برأيي ان الأغلبية الساحقة في بلداننا تريد مجتمع آمن بدون عنف وقتل وإعدامات، و- تود وضع حد للجرائم و معاقبة المجرمين بشكل صارم وضمان عدم تكرار تلك الجرائم واتفق معها وهو حق طبيعي وأساسي ومشروع، وبدلا من مطالبة حكوماتها بتحمل مسؤولياتها في معالجة أسباب الجرائم والعنف والفلتان الأمني، للأسف مازال عدد كبير جدا يطالب بعقوبة الإعدام إلى الآن واعتقد ان ذلك يعود إلى:

a. حالة الخوف والقلق من تزايد الجرائم والإرهاب وتردي الأمان وضعف دور الدولة في توفيره.

b. مفاهيم الاستبداد والثأر والانتقام الخاطئة المستندة الى الموروث الديني والعشائري، وان الإعدام يقدم تعويضا عادلا للضحايا وذويهم.

c. بسبب الاستخدام التاريخي المفرط والعنيف للإعدام في بلداننا أصبحت – أمرا طبيعيا! وترسخ في الوعي المجتمعي – وصار من الصعب للكثير تصور دولة بدون عقوبة الإعدام.

d. ضعف فهم دقيق لمسببات الجريمة والعنف والسبل والوسائل الضرورية لمكافحتها.

e. نقص المعلومات حول عقوبة الإعدام ودورها السلبي في تعزيز العنف والجرائم بدلا من تقليلها او الحد منها.

f. ضعف ثقافة حقوق الإنسان نتيجة غيابها أو ضعفها الكبير في التثقيف والتربية والإعلام الرسمي، وبشكل عام يتم التعتيم على التأثيرات الايجابية وانخفاض مستويات العنف في الدول التي ألغت او عطلت عقوبة الإعدام.

g. وكذلك الدور الكبير للسلطات والمؤسسات ذو التوجهات الدينية والاستبدادية في الترويج لهذا العقوبة كما حصل في تونس حيث دعا الرئيس التونسي إلى إعادة العمل بعقوبة الإعدام وفق نصوص دينية وليس قوانين مدنية في القانون التونسي! للتهرب من مسؤولية الدولة في الحد من الجرائم وعلاج مسبباتها وحماية المواطنين، حيث الحكم وتنفيذ الإعدام لا يكلف الكثير للحكومات، ولكن علاج مسببات الجرائم والعنف هو المكلف ويحتاج الى عمل جدي كبير جدا لذلك تتهرب بعض الدول من ذلك نحو الحل الأسهل عقوبة الإعدام!

محاكمة البشر بسبب الجرائم يجب ان لا يخضع إلى ضغوطات – الجمهور المنفعل – بعد الصدمات وإنما إلى مؤسسات قضائية نزيهة وشفافية ومستقلة وفق القانون الإنساني الدولي.

أكثر المدافعين عن عقوبة الإعدام في بلداننا هم ذو توجهات دينية متعصبة أو ضعيفة ديمقراطيا ومعظمهم يستندون إلى نصوص دينية ومنها - عقوبة القصاص- التي تتناقض بشكل صارخ مع التطور المعرفي والحقوقي للبشرية، وبل ان الكثير من المصلحين الدينين يطالبون بعدم تطبيق عقوبة الإعدام باعتبار ان الأديان تدعوا للرحمة والتسامح، وان الروح من الله ولا أحد له الحق في إزهاقها بما فيها الدولة، وان الله سيعاقبه في الآخرة.

هناك الكثير من الأحكام العقابية الموجودة في الكتب والشرائع الاسلامية أوقف تطبقيها الآن، مثلا قطع الأيدي والأرجل كعقوبة للسرقة - حد السرقة - وإذا أعيد العمل بها لتطلب الأمر فتح وتشييد العشرات من المعامل لصنع الأطراف الصناعية! في كل دولة، او الجريمة البشعة – الرجم –... الخ من العقوبات البدنية الشنيعة، التي لم تعد أي دولة عربية وإسلامية تطبقها الآن مهما كان درجة استبدادها و تعصبها الديني لهمجيتها ووحشيتها.

 نحو - إعدام! - عقوبة الإعدام

هناك وعي عالمي متزايد لمعارضة عقوبة الإعدام بغض النظر عن الجريمة وهوية المجرم، أو طرق الإعدام، حيث ان عقوبة الإعدام هي عقوبة قاسية جدا تنفذها الدولة وهي إنكار لحق الإنسان في الحياة، هذه العقوبة المقيتة وما تزال تطبق باسم الله أو باسم الحكام أو باسم الشعب! ووفق الشرعية الدينية وحتى الثورية! الانتقام والثأر والمزيد من الدماء وجرائم القتل ليس هو الحل ولابد من العمل من اجل تقليل العنف من خلال علاج أسباب والظروف المؤدية للجرائم.

الجريمة ترتكب من قبل شخص واحد او أحيانا مجموعة صغيرة كحد أقصى ومعظمها في حالات وظروف معينة، ولكن عقوبة الإعدام جريمة قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد تخطط وترتكب من قبل الدولة بمؤسساتها الرسمية التي من واجبها ضمان وحماية حياة الإنسان، وتكون الدولة بممارساتها الإعدام – مثل أعلى – سلبي تقنون من خلالها القتل ويكون للدولة دور – القاتل – وبالتالي تعزيز وعكس هذه ثقافة اللاإنسانية على المجتمع وتعميمها التي ستؤدي إلى تعزيز روح الكراهية والعنف و العنف المتبادل والانتقام والثأر، وهذا سيعني فشل العدالة وليس تحقيقها.

لا يجوز لأحد بما فيها الدول إنهاء حياة أي إنسان ارتكب جريمة مهما كانت بشعة، و يمكن تبديلها بعقوبة رادعة كالسجن المؤبد أو أي عقوبة أخرى مناسبة غير الإعدام، بل من الممكن ان يحتاج المتهم-ة إلى معالجة طبية-نفسية وإعادة تربية وتأهيل، وبالتالي معاقبته وإصلاحه في نفس الوقت بالشكل الذي يضمن عدم تكرار جرائمه، ويسمح باستمرار بقائه على قيد الحياة، والتعلم من الجريمة القذرة التي ارتكبها.

أرى إن إلغاء عقوبة الإعدام في بلداننا من الممكن أن يكون تدريجيا حسب تطور مجتمعاتنا بدأ من:

1- الإيقاف العملي لتنفيذ إحكام الإعدام وتبديلها بالسجن المؤبد.

2- العمل الجدي من اجل معالجة المسببات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتربوية والفكرية للجرائم والعنف.

3- البد بحملة تثقيفية تربوية إعلامية بحق الإنسان في الحياة أي كان، وبخطورة هذه العقوبة الهمجية وتأثيرها السلبي الكبير على تعزيز العنف وثقافة القتل والثأر في المجتمع.

4- بالتزامن مع إصلاح تربوي-تشريعي- قضائي، وإعادة النظر في الأحكام وقوانين العقوبات، وأوضاع السجون بحيث تكون أكثر إنسانية.

5- المصادقة على اتفاقيات إلغاء عقوبة الإعدام الدولية، وإلغاء عقوبة الإعدام لكافة الجرائم، ولنقم – بإعدام! – عقوبة الإعدام ولتكون العقوبة نفسها آخر ضحية لها.

 

رزكار عقراوي

سياسي واعلامي يساري

 

حيدر عبدالرضالعل من أخطر الوسائل الأعلامية المتاحة حاليا في نظرية ووظيفة الاتصال والإيصال والابلاغ والأخبار هي (الثقافة الصحافية) وقد تجاوزت هذه الخاصية المهنية حدود شبكة الأعلام أو وسائل النقولات الأخبارية وإلى درجة وصولها أحيانا منطقة ومنزلة أنشاء وتحديد سمات ومهام المشهد الثقافي الراهن والماضي والمستقبلي أيضا، وعلى هذا فأننا نجد بأن للمسألة بعدا آخر وجانبا آخر غير أنه يبدو أحيانا معتما نوعا ما وذلك ما تتمثل به وتتشكل به زاوية الصحافة الثقافية وصلتها الموصولة بالبيان المعرفي والإصدارات والحوارات والآراء المضادة في أوجه النظر بين الأدباء والنقاد، وقد يبدو ألأمر في الوهلة الأولى إلى جانب عملية نشر المقالات والقصص والقصائد هو ما يتخذ له الواجهة الرئيسية من الانتشار في هذه الصحافة ولدرجة أضحى هذا الأمر عملا نمطيا بائدا، أما في ما يتعلق وجانب نشر الآراء المتعارضة فهو ما لم يجد له أي اهتمام ملحوظ في صدر هذه الصحف والصفحات الثقافية في مؤسسة الصحافة العراقية بشكل عام . فأنا شخصيا؟ لربما أتذكر جيدا ما صادفته من أعمال كبيرة من الحذوف والتهميش والشطب والتقطيع والتي قد خضعت اليها بسهولة ساذجة أكبر مقالاتي سجالا وبحثا عن ما هو أكثر موضوعية وأمانة . وعلى هذا فأنا لا أدري؟ كما ولا أجد ثمة من مبرر أو تعليل حتى لكل هذا الحذف والتغييب في رصد أكبر الحقائق والمهام والفرائض الثقافية؟ لعل صحافة الشطب والحذف والتقطيع سوف تتقادم يوما الى ذات الصحيفة نفسها فتقوم بشطب كوادرها الصحفية بما في ذلك رأس وبدلة رئيس التحرير ثم تقوم بعد ذلك بقضم فستان وأنوثة زوجته وحقائب أولاده المدرسية،قد يكون من البديهي هنا ان عملية التشبيه قد تبدو غير دقيقة لا سيما وان عناصر ألاستعارة من خلالها قد بدت خارج أداة المشبه به، ولكني أتبعت هذا لعلمي باقتباس البديل الكنائي، كذلك الى جانب علمي بأن من يحاول ان يتستر على الباطل هو بالجوهر أشد من الباطل نفسه، والى جانب علمي أيضا بأن هذه الصحيفة الثقافية أو الصفحة الثقافية التي تعزز مثل أفعال الحذوف والشطب والتقطيع،ما هي الأ أدامة قاصرة لروح الأستجابة الناقصة لديها في عمق المواجهة ثم وغياب الفعل الموضوعي لديها . بالمناسبة أنا لا أقصد بهذا المقال سوى بعض من صحافتنا العراقية التي في الداخل، هذه الصحافة المتفرقة والتي لم تقدم شيئا سوى بث وبعناية كبيرة وبألوان زاهية صورة رئيس الوزراء وهي تعتصر على ملامح وجهه غبطة الدهشة والخوف من عدم النجاح في جولة الانتخابات القادمة، والى جانب أخر هناك صور لعناصر الدواعش وهم في هيأتهم وسحناتهم البدوية المجرمة وبعض من مشاهد زوار كربلاء وحروف حقل أخر يختص بأخبار المتقاعدين وأخبار أخرى عن مشاكل التجارة والبطاقة التموينية وأخبار أخرى مخيفة عن أسطورة أنقطاع وتأخير الرواتب، أما صفحة الأخبار والنصوص الثقافية فتبقى دائما لصيقة أسلوب تقليدي سائد منذ الأزل وهو وجود قصة قصيرة في زاوية ما تقربها قصيدة باردة أو عامود صحفي يتحدث فيه محرر الصفحة عن شخصية أدبية أو عن حدث ثقافي مجتر لدرجة الموت، لربما ان علامات مثل هذه الثقافة الصحافية لا توحي بأكثر من موت الثقافة وبرود النصوص وتحجر الأدباء وذلك لأن ما هو موجود في هذه الصفحة الثقافية هو ما كان موجودا بها يوم أمس أو قبل أسبوع أو قبل سنة، ومن جهة غاية في الأهمية والخطورة نلاحظ ثمة ظاهرة تتردد على مهام صحافتنا الثقافية وهي (صحافة الحذف والتقطيع )وتتراءى هذه الآفة على نحو يجعل من حيثيات المقال المنشور بالرأي المعارض لجهة ما يتسم داخل طابعية حركية من أضمارات غريبة المسببات والسبب، في وقت تتجاهل فيها هذه الصفحة الثقافية قيمة ومهام وموضوعية ما قد جاء به ذلك المقال من رأي أو مبدأ أو حقيقة، ويبقى الأهم لديها عادة هو كيفية تسويق الصفحة بموجب الصحيفة وبطريقة تجارية حزينة وأستهلاكية مهنية يومية تساق أفكارنا ونصوصنا وثاراتنا وثقافتنا داخل زوبعة قيم مالية ودراهم بخسة، والمصيبة الأكبر تتحقق عند قراءة هذا المقال وهو منشورا على تلك الصفحة الثقافية، ويمكن تمييزه فقط والتعرف على ملكيته الوحيدة سوى من جانب صورة الكاتب أو أسمه، وبعد التبصر طويلا قد تبدو عملية الفراسة لمحتويات ذلك المقال متغيرة لدرجة الدهشة والخراب الموضوعي والى درجة قول الكاتب لنفسه إلى من يعود هذا المقال؟ وهل هذا هو فعلا مقالي؟ لا أتذكر يا للخيبة؟ أم أنه من جهة أولى ملك تلك الصحيفة ونهب سياسة الشطب والحذوف والخراب الصحفي؟ وختاما أقول الى صحافتنا العراقية التي هي في الداخل حصرا (الأ يكفي؟ كل هذا الشطب والتقطيع والحذف وألا يكفي كل سنين الخوف والمخاوف اللا مجدية .. أعتقد ان كلمة الحق أكبر من هذه النقائص والحذوف المعلنة والتقاطيع المنصرمة؟ إذن نحن اليوم وبجانب حذوف صحافتنا الغراء لعلنا مجرد رهائن نواجه أنكسارات ثقافتنا وأفكارنا بل لعلنا في القادم الأتي سوف نواجه حذوف أكبر ومنها على وجه التحديد حذوف الوطن والحكومات وهي تزهق حرياتنا وكراماتنا وحقوقنا وأقدامنا وهي تتسلق أخر رصيف العمر والكلمات .(يا الهي؟) لعلنا كأدباء ونقاد وكتاب في فوهة حذوف هذا الوطن وهذه الصحافة أصبحنا أشبه بأشباح في مدينة منسية .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

كاظم الموسويلا يدهش المراقب او الباحث السياسي اليوم من ملاحظة وجود اعداد كبيرة من التنظيمات التي تحسب أو تعلن نفسها من اليسار باطاره العام او المتعارف عليه اعلاميا في كل بلد عربي من ارجاء الوطن العربي الكبير من المحيط إلى الخليج. ولا يستغرب الباحث السياسي من هذه الحالة اذا ما عرف ان الاغلبية فيها جاءت نتيجة انشطارات وانقسامات من الجسم الرئيس او الاول تاريخيا في ذلك البلد، الحزب الشيوعي، ومنه تناسلت الاسماء الاخرى، التي احتفظت بالاسم واضافت له ما يميزه عنه، وهنا لابد من الاشارة الى ان الاغلب الاعم هذا انطلق من اسباب او حجج تبرر له ما قام به ولكن هناك في الوقت نفسه عوامل اخرى، لاسيما عند من تخطى الاسم او كشف عن طلاق واضح حتى مع الاسم. وهناك غيرها من القوى التي تحولت وتبنت الماركسية منهجا علميا في برامجها، وقسم منها عملت على التنافس مع القوى والاحزاب القائمة والتي هي يسارية تاريخيا، ولا يعني هنا صحة احتكارها للمصطلح والمفهوم عموما، ولكن صفحات التاريخ سجل شاهد ولا يمكن إنكاره أو تغطيته بغربال، رغم التعدد والتنوع في أشكال التنظيم وحتى التركيب الطبقي والاجتماعي لاغلبها.

اذا نظرنا الى اي بلد فنرى اكثر من تنظيم او جماعة تحمل اسم؛ الحزب الشبوعي وتضيف له مثلا اللجنة المركزية، القيادة المركزية، المكتب السياسي، القاعدة، الكادر المتقدم، التصحيح، الماركسي اللينيني، الثوري، العمالي وامثالها، او تغير الاسم كاملا وتحمل اسما اخر، كحزب الشعب،  الحزب الاشتراكي، الديمقراطي، الوطني، او التقدمي، وغيرها الكثير. وتعلن تبنيها للفكر الاشتراكي العلمي، الماركسي اللينيني، أو الماوي أو التروتسكي أو الالباني وغيرها.

في كل الاحوال  هذه هي ملامح عامة للصورة التي تعكس واقع حال اليسار عموما. وهذه ليست حالة جديدة او مبتدعة ولكنها تعبر عن وضع ثقافي وسياسي وعن صراع فردي تحت غطاء أيديولوجي وعن وعي او مستوى وعي لدى عناصر القيادات والادارات المتنفذة في كل حزب وتجمع وتنظيم سياسي. مع الانتباه إلى طبيعة التركيب الطبقي لكل منها، ودور القوى الاجتماعية المهيمنة فيها وتاثيرها على الانعطفات الأيديولوجية والصراعات السياسية، وحتى على عدد المنتسبين والاعضاء والارتباط والرهانات الأخرى.

وبالتأكيد يطرح سؤال عن ما هو اليسار؟ وكيف يتميز عن غيره او كيف يعتبر بصفته وعنوانه ولا يختلط في اطار المفهوم والمصطلح؟. ولا باس من التحديد والتوصيف، لسعة التنظيمات وتعددها ورفع مصطلح اليسار عليها او بمعناه. و تبدأ من تسمية او احتكار المصطلح للأحزاب الشيوعية، بعنوانها واسمها او ببرامجها ومواقفها..ولكن ينبغي التوقف عند الانشقاقات وتغير عناوينها ووضع مصطلح اليسار او اتخاذه  اسما لها، كما حصل في اكثر من بلد عربي. ولم تتميز هذه المسميات عمليا وواقعيا عن مصادرها او امهاتها او اختلفت كليا عنها وباتجاه مخالفتها وارتهانها باعدائها نكاية او تعارضا ايديولوجيا له دوافعه وعوامله التي تتطلب هي الاخرى دراستها وتحليلها ووضعها في صفحات تاريخ الحركات السياسية ومفهوم اليسار فيها.

يضاف إلى ذلك، او لابد من الاشارة من التجربة والدروس التاريخية في عمليات انشطار وانشقاق داخل الاحزاب، الى تدخل قوى خارجية كالسلطات الحاكمة، (البرجوازية المنشأ والتركيب الطبقي والاجتماعي والاغلب منها متحالف مع الرأسمالية العالمية والإمبريالية بأشكال متعددة) واجهزة الامن لديها (التي قد تكون مزدوجة، أو متعددة الولاءات والانتماء السياسي والامني)، في تلك العمليات لاضعاف تلك الاحزاب وابعادها عن المنافسة حتى ولو شكلية او لفظية، ومنعها من الانتشار والتمدد  والتثقيف الأيديولوجي المعادي للامبريالية والاستعمار والرجعية. ما حصل مع اقدم الاحزاب الشيوعية في اكثر البلدان العربية التي تاسست فيها وناضلت من اجل تقدمها وتطورها، شاهد واثبات، وحتى في منظمات عسكرية تقاوم وتناضل من أجل هدف التحرر الوطني والحرية والاستقلال.

عمليا أضعفت الانشقاقات والانشطارات، لاي سبب، داخل الاحزاب الشيوعية خصوصا من فعاليتها ودورها وتنفيذها لبرنامجها الطبقي والاجتماعي والفكري ايضا، واشغلتها أو دفعتها للتحارب فيما بينها اكثر من تفرغها وعملها شعبيا واجتماعيا، كما ابعدتها عن تطوير الصيرورة الثورية في بلدانها واضطرارها لتبرير تحالفاتها وقبولها بموقع أو دور  لا يمكن أن يكون عليه وضعها أو مكانها فيه، وبالتالي خضوعها للتنازلات الميدانية والسياسية وحتى الفكرية التي تتطلب منها أن تكون فيها القائد والموجه للحركة والعملية السياسية وقيادة التغيير الثوري.

تاريخيا الاحزاب الشيوعية من أقدم التيارات السياسية والفكرية في تاريخ الحركة السياسية في الوطن العربي، وبرامجها والتوجهات التي كانت تحركها تدور كلها في نهضة شعوبها واوطانها وتقدمها وعمرانها ولكنها لم تتمكن من تنفيذها بسبب تاثرها بالانقسامات والتدخلات والاختراقات الكبيرة من أعدائها داخليا، وتوزّع اهتماماتها وتضييّع فرص كبيرة لها، ولكن قدمت رغم الماسي دروسا في التضحية والاستشهاد في سبيل الشعب والوطن. حتى سميت بعضها أحزاب الشهداء الذين سقطوا في السجون والتعذيب والقمع السياسي ومن الصراعات الداخلية البينية، خلال مسيرة الكفاح الوطني والطبقي.

تركت هذه المعطيات والاحداث أثارها سلبا وتعمقت في النفوس وظلت تتردد في العلاقات السياسية، حتى في ظروف تحالفات ومشاركات مختلفة، في الموالاة أو المعارضة، ورغمها لم تجر أغلبها مراجعات نقدية وتحمل مسؤولية ما في مسيرتها ومصير شعبها ووطنها، الى الآن، تتعنت بعض القيادات في محاكمة تاريخها أو مصالحته مع غيرها، القريب أو البعيد، المشترك أو الجاني، الضحية أو الحلاد، وتقاسم الأدوار أحيانا دون عقبى ضمير. وهي في النهاية قوى وطنية يشهد لها ولكنها غير قادرة على فرض برامجها الثورية وقيادة العملية الثورية في بلدها لوحدها وحتى بتحالفاتها مع القوى الأخرى الاقرب لها سياسيا وفكريا. وللأسف شوهت بعض الانشقاقات منها تاريخها وتعاونت مع أعداء الفكر اليساري أو تعاملت مع الإمبريالية وأدواتها في أكثر من بلد عربي، مما أعطى لبعضها الاخر العذر من تجنب العمل الجبهوي أو المشترك فيما بينها. وتلك مسألة تلح الان بعد ما حصل ويجري في الوطن العربي عموما وفي كل بلد منه خصوصاً، سواء من هجمة إمبريالية عدوانية لفرض الهيمنة الاستعمارية وانهاك البلدان والشعوب في صراعات داخلية وخارجية وأبعادها عن تطوير نفسها وبناء عمرانها، ومن صفقات تصفية للقضايا الرئيسية، كالقضية الفلسطينية، أو الحريات والديمقراطية وحكم القانون في البلدان التي جرت فيها حراكات شعبية واسعة، اشتركت فيها قطاعات شبابية من الطبقات والفئات العمالية والفلاحية والصغيرة والمتوسطة، أو الفقيرة والمحرومة في أغلبها. مما يعني ضرورة البحث عن سبل أو طرق أو حلول تؤدي إلى التفكير الجاد والمخلص لبناء كتل سياسية واضحة، معبرة عن هذه الطبقات والفئات، وضرورة طبقية واجتماعية لها. وهنا اركز على اليسار الوطني الديمقراطي، تاسيسا على تجسيد كل مصطلح ومفهوم لكل من اليسار الحقيقي، والوطني المخلص، والديمقراطي العملي بقناعة، لا لفظيا أو على المودة. ليكون منطلق العمل سليما في التغيير والاصلاح والبناء والسير في صيرورة ثورية جديدة، تغلب على الانانيات الذاتية وعلى تعنت القيادات المزمنة وعلى الإصرار على احتكار التيار والاستفراد بالقرار والمصير والخضوع في الوقت نفسه عمليا لإرادات الاعداء في إضعاف هذه الكتلة أو التيار اليساري في كل بلد وفي المجموع، الوطن العربي.

 

كاظم الموسوي

 

 

حسين سرمك حسنمنظمة التجارة العالمية تضع العالم الثالث على المسار الكارثي

ترجمة وإعداد: حسين سرمك حسن

* لا يوجد أي ربح من التجارة الحرّة للبلدان النامية، خسائر فقط، ولكنهم مخطئون في العديد من هذه المجالات.

أولا، إن فوائد التجارة الحرة مبالغ فيها، وخاصة في العالم النامي. في جميع البلدان النامية التي أخذت على عاتقها تحرير التجارة بشكل سريع، زاد عدم المساواة في الأجور، في معظم الأحيان في سياق انخفاض العمالة الصناعية من العمال غير المهرة وتسبب في هبوط كبير في الأجور الحقيقية، من 20 إلى 30٪ في دول أمريكا اللاتينية، وفقا لتقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية. الانهيار في الاقتصادات الآسيوية، ناجم جزئيا عن الاستثمارات الهائلة في العقارات والتحرر من القيود في قطاع الخدمات المالية التي سرّعتها قواعد منظمة التجارة العالمية وتسببت في خسائر فادحة. في كوريا الجنوبية، على سبيل المثال، تضاعفت أزمة البطالة  أربع مرات وارتفعت نسبة القر المدقع 200 في المئة .

ثانيا، العديد من الدول يمكنها أن تخدم شعوبها بشكل أفضل من خلال حماية بعض الصناعات الأساسية، ودعم المواد الأساسية التي يحتاجها مواطنوها: الغذاء والمأوى والوقود. لكن دول العالم الثالث فقدت حقها في السيادة الاقتصادية منذ أخذ صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وعلى نحو فعال السيطرة على اقتصاداتها، وحولوها إلى منصات موجهة نحو التصدير، وفرضوا النظرية العتيقة عن "الميزة النسبية" التي تقول أنه إذا كانت قوة العمل الخاصة بك أرخص من جيرانك، يجب أن تبقي الأجور منخفضة كي تجذب الشركات لاستغلال العاملين لديك.

وثالثا، فإن مخاطر الحرب التجارية مبالغ فيها. والمسألة ليست العولمة مقابل الانعزالية. فما لدينا اليوم ليس العولمة، ولكنها عولمة الشركات. قواعد الاقتصاد العالمي تخدم مصالح الشركات المتعددة الجنسيات؛ أنها لا تخدم مصالح الغالبية العظمى من الناس على هذا الكوكب.

الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية تشتغل في كثير من الأحيان كمحامين غير مدفوعي الأتعاب لأكبر الشركات في أراضيها. على سبيل المثال، فإن شركة تشيكيتا Chiquita لا توافق على شراء الاتحاد الأوروبي الموز من المستعمرات الأوروبية السابقة، لذلك قدمت إدارة كلينتون شكوى في منظمة التجارة العالمية ضد الاتحاد الاوروبي. عمل أميركا ليس أعمال شركة تشيكيتا، ولكن في منظمة التجارة العالمية، يصبح الأمر كذلك بصورة مؤكدة. وبالمناسبة، تقدمت إدارة الرئيس كلينتون بشكوى إلى منظمة التجارة العالمية عن الموز- وهو محصول لا تنتجه الولايات المتحدة للتصدير- بعد يوم واحد من تبرع شركة تشيكيتا متعددة الجنسيات بـ 500000 دولار للحزب الديمقراطي.

لدينا، وباختصار، نظام عالمي من الشركات متعددة الجنسيات، وبواسطة الشركات متعددة الجنسيات، ولصالح الشركات متعددة الجنسيات.

* مؤسسة معيبة

كل حكم تصدره منظمة التجارة العالمية يثبت أن هذه المؤسسة معيبة بشكل أساسي، وتهدف كما هو واضح إلى وضع أرباح الشركات فوق الحاجة إلى حماية بيئتنا، وصحتنا وديمقراطيتنا.

يجب على السياسيين أن يقبلوا هذه الحقيقة من أجل أن يحكموا للصالح العام للحد من الأنشطة المدمرة للشركات الكبرى وحقها في تحقيق الأرباح بأي ثمن. وإلى أن يفعلوا ذلك، فإن قائمة القوانين الأساسية التي تصك باسم التجارة الحرة سوف تطول وتطول.

1907 التجارة العالمية

* منظمة التجارة العالمية تضع العالم الثالث على المسار الكارثي

يقول المحلّل الاقتصادي "مارتن خور" وهو يستعرض المشكلات الكارثية التي خلقتها منظمة التجارة العالمية لبلدان العالم الثالث:

"المجموعة الأولى من المشاكل هو أن البلدان النامية - على الأقل حكوماتها  كانت تتوقع بعض الفوائد. أكبر خيبة لأملهم هي أن الفوائد لم تحصل.

على سبيل المثال، في مجال المنسوجات. كان هناك اتفاق على التخلص التدريجي من نظام الحصص على المنسوجات والملابس والأحذية، ولكن تم القيام بذلك بطريقة لم تنفع المصدرين.

ثانيا، على الرغم من أن الدول الغنية قد قالت انها قد خفضت التعريفات الجمركية، فهي تستخدم الآن الحواجز غير الجمركية ضد البلدان النامية، وعلى رأسها سوء استخدام تدابير مكافحة الإغراق المنتجات المدعومة) ضد المنتجات القادمة من البلدان النامية، بما في ذلك المنسوجات.

ثالثا، لقد كانت هناك عودة لـ "قيود التصدير الطوعية". عقدت الولايات المتحدة اتفاقا مع البرازيل، على سبيل المثال، تقوم وفقه البرازيل – طوعيا - بكبح جماح تصدير الصلب إلى الولايات المتحدة. هذه هي العودة إلى الحواجز أمام صادرات البلدان النامية.

أما الفئة الثانية من المشاكل فتشمل الصعوبات التي واجهتها البلدان النامية في سياق تنفيذ الاتفاقات. العديد من الاتفاقيات لديها فترة انتقالية مدتها خمس سنوات قبل التنفيذ. حتى أسوأ الجوانب لم تأت بعد. ولكن الدول النامية بدأت تشعر بوطأة هذه الاتفاقات. إنهم يقومون الآن بصياغة قوانين وطنية جديدة تأخذ في الاعتبار اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، هذه الاتفاقات تحتوي على العديد من الاختلالات التي تضر البلدان النامية.

الفئة الثالثة من المشاكل هي زيادة الضغوط التي تواجهها الدول النامية لمواصلة تحرير التجارة. ويأتي هذا الضغط من خلال جدول الأعمال المدمج في منظمة التجارة العالمية التي هي بالفعل جزء من الاتفاقات، من خلال تدابير حمائية جديدة مثل تدابير مكافحة الإغراق، ومن خلال ضغوط جديدة. وفي المؤتمر الوزاري في سياتل، الدول الغنية تريد اتفاقات جديدة أو توسيع الاستثمارات والمشتريات الحكومية وغيرها من المجالات. وتخشى البلدان النامية أيضا أن معايير التجارة والبيئة والعمل يمكن استخدامها من قبل الدول الغنية لتحقيق نكسة أخرى في البلدان النامية.

وقد أدى ذلك إلى قيامها بطرح قائمة طويلة من الطلبات لإصلاح اتفاقات منظمة التجارة العالمية. لقد وضعت قائمة طويلة من الاقتراحات والمقترحات لمؤتمر سياتل، ولكنها رفضت جميعها من قبل الولايات المتحدة".

* هل هناك أضرار زراعية واضحة على الدول النامية؟

مارتن خور: "سيكون على البلدان النامية الحد من رسوم الاستيراد الخاصة بهم بعد أن انتهت فترة السماح. ستكون الحكومات مطالبة أكثر وأكثر بحظر إعطاء الدعم المحلي للتصدير وللمزارعين.

في كثير من البلدان، أعربت المنظمات غير الحكومية والمزارعون عن القلق الشديد من أنه في حالة رفع رسوم الاستيراد تدريجيا، وفي الوقت نفسه تواصل أوروبا والولايات المتحدة دعم صادراتها بشدة، فإن المزارعين في البلدان النامية سيواجهون منافسة كبيرة من الواردات وسيتم تهديد مصادر رزقهم. تظهر الدراسات في الفلبين بالفعل كيف أن الواردات الأرخص بسبب تحرير التجارة تسبب مشاكل خطيرة للمزارعين الفلبينيين. والوضع سوف يزداد سوءا في الخمسة أو العشرة أعوام المقبلة. (لمزيد من المعلومات عن تدمير اقتصاد الفلبين من قبل منظمة التجارة وصندول النقد والبنك الدولي راجع فصل الفلبين في الجزء الأول وإسقاط ماركوس في الجزء الثاني من هذا الكتاب)

من أجل توقع هذه المشاكل ومواجهتها قبل أن تحصل كارثة اجتماعية، فقد اقترحت المنظمات غير الحكومية إيلاء معاملة خاصة وتفضيلية للدول النامية لأسباب تتعلق بالأمن الغذائي وحماية سبل العيش لجزء كبير من السكان، أي المزارعين. في هذه المعاملة الخاصة والتفضيلية، جميع المواد الغذائية المنتجة في البلدان النامية من أجل الاستهلاك المحلي يجب أن تُعفى من أحكام الاتفاق الزراعي فيما يتعلق بتحرير الواردات وفيما يتعلق باستمرار الدعم المحلي.

* مسخرة علاقة حقوق الملكية الفكرية بالتجارة !

عن الربط العجيب لحقوق الملكية الفكرية بالتجارة يقول الباحث مارتن خور: "هناك اعتراض آخر هو الجوانب المتصلة بحقوق الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة. الآن حتى الاقتصاديين التقليديين يقولون بأن هذا الاتفاق لا ينتمي إلى منظمة التجارة العالمية، وأن أفضل إصلاح أن يتم إخراج هذا الاتفاق بصورة كاملة من منظمة التجارة العالمية. هذا هو اتفاق على حقوق الملكية الفكرية. لا علاقة مباشرة له بالتجارة، كما أنه ليس جزءا من عملية تحرير التجارة. وهو جهاز حمائي لمنع نقل التكنولوجيا من الشركات العابرة للقومية إلى الشركات المحلية في البلدان النامية. إنه يمنع الشركات المحلية في البلدان النامية من أن تكون قادرة على استيعاب التكنولوجيا الجديدة والحديثة. وهو يديم التفوق التكنولوجي للشركات الكبرى حتى تتمكن من السيطرة على السوق والحفاظ على أسعار التجزئة الاستهلاكية بدرجة أعلى بكثير مما يمكن أن يكون الأمر إذا كانت هناك منافسة حقيقية.

إذا لم نتمكن من إخراج هذا الاتفاق من منظمة التجارة العالمية، فهناك العديد من الأشياء الخطيرة التي لن يمكن تغييرها. تنظر، على سبيل المثال، المادة 27 (3) (ب) وتتعلق بالتعامل مع براءات الاختراع المتعلقة بأشكال الحياة. انها مربكة للغاية.

المادة 27 (3) (ب) يجب أن تتغير لمنع الشركات في أي بلد من تسجيل براءات الاختراع للموارد البيولوجية أو المعرفة التي هي قيد الاستخدام في أجزاء أخرى من العالم لأجيال عديدة مثل أدوية الأعشاب والبذور وغيرها. كما ينبغي تغييره لمنع أي بلد من تسجيل براءات الاختراع حول أي نوع من أشكال الحياة أو العمليات الطبيعية، بما في ذلك الكائنات الحية الدقيقة والممارسات الميكروبيولوجية. وهذا من شأنه استباق أشكال حماية الملكية الفكرية التي من شأنها أن تحد من حقوق المزارعين من أجل إنقاذ بذورهم. كان هناك اقتراح تقدمت به الدول الأفريقية في منظمة التجارة العالمية في هذا الشأن.

(ببساطة المواطن البرازيلي مثلا الذي كان يستعمل عشبة معينة معروفة لعلاج صداع رأسه منذ آلاف السنين سوف يُحرّم عليه ذلك إذا استخلصت منها شركة أدوية أمريكية المادة المفيدة وبدأت ببيعها كدواء، وببساطة ايضا نذكّر بقرار "بول بريمر" بمنع الفلاحين العراقيين من استخدام البذور التي تعوّدوا ولمئات السنين حفظها من كل موسم واستخدامها في زراعة الموسم التالي لأن شركة مونسانتو امتلكت حق امتياز البذور كما سنطرح ذلك في حلقات مقبلة). 

* لعبة مساعدة الدول الغنية للدول الفقيرة

وأخيرا، لإصلاح اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، هناك مبدأ المعاملة الخاصة والتفضيلية للدول النامية. ولكن حيثما وردت هذه المعاملة في اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، فهي ليست ملزمة للدول الغنية لمنح المعاملة الخاصة والتفضيلية. كانت مطلوبة في معظم الحالات على أساس بذل قصارى جهدهم، ما يسمى أفضل المسعى. وقد وضعت البلدان النامية مقترحات واضحة جدا في أن المعاملة الخاصة والتفضيلية لا ينبغي أن تكون على أساس أفضل المسعى، ولكن ينبغي أن تكون ملزمة من الناحية القانونية. وينبغي تطبيق هذا المبدأ على العديد من الاتفاقات القائمة في مجال تريبس، وتدابير الاستثمار المتصلة بالتجارة والزراعة وهلم جرا.

وتفسير الدول الغنية في منظمة التجارة العالمية لمساعدة البلدان النامية هو في الحقيقة شيء ليس أبعد من تقديم المساعدة التقنية للبلدان النامية، التي من خلالها يتم توفير التدريب للبلدان النامية حتى تتمكن من تنفيذ كامل التزاماتها في إطار اتفاقيات منظمة التجارة العالمية. هذا النوع من المساعدة التقنية لن يساعد البلدان في تطوير الواقع، بل من شأنه أن يجعل الأمور أسوأ بالنسبة للبلدان النامية".

 

 

محمد كريم ابراهيمسُميت بالورقة البيضاء لكونها وثيقة تُقدم معلومات عن أفكار معينة لمحاولة إقناع المقابل لدعم تلك المشاريع والحلول التي يتبناها ويطرحها المقدم. فهي ليست ذات نفوذية، بل مجرد إقتراح لمنهج ما، حتى يقر المقابل على تطبيقها أو الإستثمار فيها.

حكومة الكاظمي ،التي لم تنقضي خمسة أشهر على تشكيلها، قدمتْ يوم الثلاثاء من شهر أكتوبر ورقة بيضاء تحمل في طياتها خطط إصلاحية اقتصادية إلى مجلس النواب لإقرارها. هذه الإصلاحات تبدوا وكأنها تركز على أهداف طويلة المدى بدلاً من أن تحل مشاكل الاقتصاد العراقي قصيرة المدى كمعالجة العجز في الموازنة الحالية المتسبب من قبل جائحة كورونا. تتوقع الحكومة نفسها إنجاز جميع المشاريع المقترحة في خمس سنوات على الأقل، مما دفع البعض أن يتهموا الكاظمي بتخليق دعاية إنتخابية له من أجل جذب الإنتباه لنفسه في الإنتخابات القادمة.

لكنها حتى لو كانت دعاية إنتخابية، فهي دعاية جيدة إن أُلتزم بها لمضي اقتصاد الدولة إلى الأمام عن طريق تنويع السلع والخدمات المنتجة والابتعاد قليلاً عن الإعتماد على النفط في الموازنة. الحلول المطروحة في الورقة تغطي جميع مجالات الاقتصاد، من تطوير البنى التحتية إلى الاقتصاد الإلكتروني إلى التأمين والضمان الصحي، وتضع الحكومة إلى مسار الإستفادة من إيرادات الضرائب لتوفير خدماتها بصورة أفضل وأوسع.

بالرغم من ذلك، تحتوي الورقة على بعض من التناقضات والأخطاء التي يجب أن تُلفت النظر إليها قبل أن تلتقطها الرياح وتتسبب بأضرار حقيقية على اقتصاد البلد.

تناقض بين زيادة الضرائب ودعم القطاع الخاص

جاء في المحور الأول من الورقة خطة للزيادة من الضرائب بكافة أنواعها لكي تتحول الحكومة من إنتظار إيرادات النفط إلى جمع الضرائب ووضع موازنات على أساسها، كما تفعلها جميع الدول الغربية المتقدمة. تشمل الورقة ضرائب جمركية وزيادة من الفواتير على خدمات العامة من الكهرباء والماء.

تتناقض أهداف هذا المحور مع المحور الثاني الذي يُراد فيه دعم القطاع الخاص وتوفير فرص العمل من خلالها بدلاً من التعيين المركزي. لن يستطيع أحد على فتح شركات ومعامل سلعية ناجحة إذا أزدادت الضرائب عليها، لأن المواد الخامة المستوردة سوف تزداد سعرها وتصبح عبئاً على أرباح المعامل، والتي بدورها سوف تضع ذلك العبء على المشترين بزيادة أسعار السلع المنتجة. ومع زيادة من فواتير الكهرباء والماء، تصبح إدارة الشركات الناجحة أمراً غير ممكناً، وسوف تفشل حتماً وتعلن إفلاسها في غضون أشهر من تأسيسها.

هناك أنخفاض كبير في الطلب بشكل عام على جميع أنواع السلع والخدمات في العراق، هذه المشكلة سوف تكون من الصعب اجتيازها إذا لم تكن السلع في البداية رخيصة. من الصعب جداً توفير سلعة أو خدمة (مهما كانت جودتها جيدة) بسعر باهظ على المواطنين. فمن الأفضل للحكومة أن تقلص من الضرائب بقدر الإمكان عن الشركات الصغيرة والحديثة وترفع حاجز الجمارك عن موادها الخامة حتى تنمو وترسخ قدمها في السوق العراقي، عندها فقط يمكن تقديم الضرائب تدريجياً عليها.

" نعم هناك تناقض واضح بين زيادة الضرائب ودعم القطاع الخاص" يقول دكتور نبيل المرسومي، أستاذ اقتصادي في جامعة البصرة.  لا يمكن للحكومة أن تدعم القطاع الخاص وتزيد من إيراداتها الضرائبية في نفس الوقت.

تحاول حكومة الكاظمي أيضاً تقليل من ما يسمى بالطلب الإجمالي عن طريق تخفيض 25% من رواتب موظفي الحكومة والتي ستؤدي حتماً إلى سحب القوى الشرائية من السوق وبالتالي تضر المعامل والشركات المنتجة (سواءً كانت تنتج سلع أم خدمات). بإختصار، لن يستطيع الزبائن شراء سلع معينة ومتنوعة إن لم يكن هناك المال الكافي في جيوبهم، أي إن المعامل والشركات سوف تخسر سوقها وتنكمش. وها هنا نرى تناقض آخر بين دعم القطاع الخاص وفرض الضرائب على الدُخل.

 من المستحيل محاربة الإنكماش الاقتصادي بزيادة الضرائب وتخفيض الطلب الإجمالي

يمر اقتصاد العراق بفترة أليمة بسبب جائحة كورونا التي خفضت من سعر النفط الثمين والتي هي 94% من صادرات الدولة. بل يمرالعالم بأكمله بأزمة اقتصادية فضلاً عن الازمة الصحية، هناك انكماش اقتصادي جلي في الاقتصاد العالمي. محاربة الانكماش عن طريق زيادة الضرائب والتقليل من الطلب الإجمالي التي تريد حكومة الكاظمي تبنيها هي خطوة خاطئة تماماً، وهي العكس ما تقوله كُتب الاقتصاد. ما نعرفه في علم الاقتصاد هو: على الدولة أن تخفض من ضرائبها ويجب أن تحاول رفع الطلب الإجمالي بأي عملية ممكنة حتى تتخلص من انكماشها الاقتصادي.

من الضروري للحكومة أن تنفق ما في خزينتها حتى لا تنهار الاقتصاد، وتشمل ذلك التوظيف الحكومي والإستهلاك الحكومي وبناء المدارس والمستشفيات والمكتبات الحكومية، وحتى بناء التماثيل سوف تفي بالغرض. بما أن الطلب والاستهلاك منخفض للغاية في الاقتصاد المنكمش، تشير معادلة الطلب الكلي في علم الاقتصاد إلى زيادة من الإنفاق الحكومي وليس التقليص والركود.

زيادة من الضرائب الجمركية على الواردات سوف ترفع من سعر السلع الايرانية والتركية والصينية المستوردة من الأغذية والملابس والالكترونيات مما يزيد من الانكماش الاقتصادي وتشجع المواطن على الادخار الخاص بدلاً من الشراء والاستهلاك.

يلجأ حكومات الدول العظمى عند انكماش اقتصادها إلى ما يسمى بالسياسة التوسعية من أجل تحفيز الاقتصاد للنمو، تقوم فيها الحكومة بزيادة الإستهلاك على حسابها الخاص وحتى لو كانت عن طريق الديون، وزيادة الإقراض للشركات والمواطنين، ومن ثم قطع الضرائب عنهم. يمكن أن تتحقق تلك الأهداف أما عن طريق السياسة المالية أو السياسة النقدية أو كليهما معاً، وهو ما يحتاجه العراق بالضبط في هذه اللحظة، والعكس ما تم طرحه من قبل حكومة الكاظمي في الورقة البيضاء.

المُغازلة مع تخفيض قيمة العملة

لم تُصرح الورقة أي قرار عن تخفيض قيمة عملة الدينار العراقي مقابل الدولار الامريكي، لكنها مرت عليه مرور الكرام لتنقل لنا محاسنه ومساوئه ربما من أجل الإستعداد لتنفيذه في المستقبل. فمن شأن تخفيض العملة كما تقول الورقة أن يجعل الحكومة قادرة على دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين، ويقلل من الديون الداخلية والخارجية للدولة التي تراكمت مع السنين وما زالت تتراكم، وكذلك في نفس الوقت يرفع الاقتصاد العراقي إلى مستوى مطلوب لمنافسة السلع الأجنبية في السوق.

إلى أي مدى يمكننا تخفيض قيمة العملة؟ هذا هو السؤال المفروض دراسته. تريد حكومة مصطفى الكاظمي أن تسترجع "تنافسية الاقتصاد العراقي" إلى سابقتها، إلا إنها لا تعلم الدرجة المطلوبة التي يجب أن تنخفض إليها قيمة الدينار العراقي لتحقيق ذلك. عملات الدول التي تستورد منها العراق قيمتها دنيئة مقارنة بالدولار الأمريكي، وبعضهم حتى عندما تقارنها بالدينار العراقي؛ مائة تومان إيراني على سبيل المثال تعادل دينارين عراقيين فقط. فكيف يمكن للمعامل العراقية منافسة سلع الإيرانية الرخيصة في السوق؟ يبدو أن الحل الوحيد هو فرض ضرائب على المستوردات الإيرانية لرفع من قيمتها حتى تتساوى مع سعر السلعة العراقية، ولكن حتى هذا في مثل هكذا ظروف اقتصادية سوف يضر بالسوق أكثر مما ينفعه، وبالتأكيد سوف ينكمش الاقتصاد أكثر بعد غلاء سعر السلع الايرانية الطاغية في السوق مثل المواد الغذائية.

تخفيض قيمة العملة سيؤثر أيضاً على الإستثمار بنوعيها الداخلي والخارجي: فالمستثمرين العراقيين لن يكونوا مستعدين لتلقي أرباح الإستثمار بالدينار العراقي الرخيص، وبالتأكيد سوف يتجهون للاستثمار في الدول الأخرى الأكثر استقراراً وذات عملة ثمينة، وهُم ما يفعلونه الآن بالإستثمار في مشاريع الولايات المتحدة والأردن والسعودية بدلاً من بناء وتطوير المشاريع في العراق. وكذلك لن يكون هناك دافع للمستثمرين الاجانب أن يستثمروا في العراق بسبب العملة الرخيصة. مما يخلق تناقض آخر في الورقة بين هدفها في جذب المستثمرين ومساعدة القطاع الخاص في الحفاظ على سلعهم.

الفكرة العامة من الورقة

الورقة بأكملها عبارة عن عملية لإستئصال يد الحكومة من الناتج المحلي الإجمالي وتوسعة القطاع الخاص بدلها، لا أكثر ولا أقل. فهي عملية تحويل النظام الاقتصاد العراقي الذي كان اشتراكياً في السابق وما زال يعاني من نوع من الاشتراكية حتى اليوم إلى نظام رأسمالي منضبط وخصخصة غربية. لو تجاوزنا بعض تلك التناقضات والمغالطات، فهي بالفعل تمتلك بعض القدرات التطويرية للاقتصاد العراقي، أهداف مثل تحصيل ايرادات فعلية من فواتير الكهرباء والماء والخدمات العامة، وبرنامج جديد لإطلاق أصول حكومية جديدة، وإنعاش الإستثمار العام، سوف تجعل الحكومة أكثر متانة ومرونة لتقلبات في أسعار النفط،، وسوف تجعلها ذات ميزانية ضخمة، وتطمئن الحكومة عندها على إنجاز مشاريعها الخدمية حتى بغياب إيرادات النفط.

 

محمد كريم إبراهيم – محلل وكاتب عراقي

 

عبد الخالق الفلاحالعراق ذاهب الى الانتخابات العامة التي تمثل صعوبة بالغة لإجرائها ونجاح إتمامها تنظيمياً ولا تستطيع مؤسسات الدولة أن تراقب شفافية الانتخابات، وحاجتها لإنفاق يصل إلى مليار دولار، في وقت تعجز فيه الحكومة العراقية عن دفع رواتب موظفيها ومثل موعدها صاعقاً لرموز العملية السياسية في العراق، ممن يصرّول للتمتع الأقصى بمنافعها السياسية والمادية الضخمة. أو إعلان التحفظ عن تحققها من دون ضمان نزاهتها وأمنها تحت ظل قانون انتخابي غير منجز ولا متفق عليه وغير كامل الاوجه و ستكون محطة فاصلة في تاريخه الحديث وفي ظل اقتصاد على شفيرالانهيارونظام سياسي يستشري فيه الفساد وكثيراً ما يأخذ الانسان العراقي الوهم في فائدة شأن الحكومات وحدود هذا الشأن غير ابهين من أن الحكومات قلَّما تأتي بالخير وكثراً ما تأتي بالشر، وليس عليهم إلأ أن يدافعوا عن انفسهم إزاء مقتضيات المصالح العامة وحدها وإزاء إلفساد المنتشر ومن اهمال القوانين المهمة للمجتمع التي تنهض بالامة من غير أن تؤدي إلى إثراء المسؤولين مما يحتاج الى التفكير جديًا بتداعياته وقد توقع العديد من الخبراء في العلاقات الدولية بأن العراق بعد سقوط نظام حزب البعث المجرم بقيادة صدام حسين في عام 2003 سيمثل مرحلة جديدة في لتاريخه السياسي والاقتصادي المعاصر، فمن الناحية السياسية سيبنى النظام على أساس الديمقراطية النيابية، والتعددية، ومبدأ تداول السلطة، وبالتخلي عن المبادئ القومية كمرتكز فكري، والتحول نحو الوطنية التي تعطي الأولوية للعراق ولكن زادت الهموم والمشاكل والفقر والحرمان والفساد ونهب الخزينة بالمشاريع الوهمية وهي بالاف وتدهور المستشفيات وتدني حالة التعليم والصحة، وفقدان الأمن والارتفاع الجامح في الأسعار ولم تعد هناك دولة عراقية بالمعنى الحقيقي والذي نجم عنه فراغ دستوري، وفلتان أمني، وعمليات ونهب وتجاوز على ممتلكات الدولة والمواطنين على حد سواء، وعلى مشهد ومرأى من القوات الغازية والمحتلة وبرزت نزعات دينية وطائفية متطرفة ومتعصبة دفعت بها هذه القوات، أدت إلى نشوب حربًا طائفية. الذي خلّف مجازر في حق الآلاف ودفع الملايين إلى النزوح نحو المجهول هربًا من الوضع الكارثي في البلاد من المذاهب المختلفة، كل ذلك جرى في ظل عجز تام أو قصد من القيادات في ظل الصراعات التي ذهب فيها المواطن الى ما ذهب اليه اليوم ومن الواضح أن المجتمع لا يقف متفرجاً، بل إنه ينظم نفسه من القاعدة إلى القمة. والعراقيون متمرسون في هذا و طوَّر العراقيون قدرة مثيرة للإعجاب على التكيف مع الصعوبات ومفاهيم المساواة ومكافحة الظلم والوقوف بوجه السلطة والدفاع عن المقهورين كلها مفاهيم مشتركة. وتعلم الجيل الشاب من تجربة أهلتهكي يكون و يحتاج إلى رجال السياسة ورجال الأحزاب ورجال المجتمع المدني ودعم رجال الدين في الفترة القادمة حتى موعد الانتخابات وهي فرصة لهذه القوى لكي تثبت وجودها على الساحة وتساهم في مليء الفراغ السياسي الذي لعبت عليه قوى خذلت اكثر من ان تقدم شيئ مع الاسف وهناك العديد من رجال الحكم يوجهون الاتهامات الى نظائرهم بالفساد يريدون بذلك تبرئة انفسهم مما يحدث في البلاد من الفساد محاولين ان يقدموا انفسهم كافضل من باقي المسؤولين ولم يكونوا مؤهلين لقيادة البلد ولم يكونوا رجل دولة يؤمن بالوطن والشعب كي يسخركل الشعب، قدراته وإمكانياته لحماية مصالح دولته، والحفاظ على أمنها وتقدمها وازدهاره، ان رجل الدولة هو رجل السياسة مضافاً إليه كل القيم العليا للدولة، وكل المثل العظمى للسياسة، وكل المعايير المعتبرة للقانون، ويسلك طريقاً جماهيرياً، بعيداً عن مؤسسات الدولة، يبدأ بالطلبة والعمال والطبقات الوسطى صاحبة الحق، وينخرط في الجماعات الاخرى ثم الأحزاب، بدل ان يظل هكذا خارج مؤسسات الدولة حتى يصل إلى السلطة، فيمارسها لمصلحة حزبية أو طائفية أو شخصية، ويفتقد الكثير منهم المهارات اللازمة وقدرات رجل الدولة ويتوقع انهزام أو غياب دور رجال السياسة الحاليين وقوى الاحزاب المختلفة في الانتخابات القادمة لانعدام الثقة الذي تراكمت لديهم على مدى سنوات 17 الماضية من رجال السياسة وهناك مخاطره الكبيرة على مستقبل العملية السياسية ووحدة وتماسك المجتمع العراقي، ولهذا فان مطلوب منهم بأن يعيدوا هذه الثقة من خلال جهد حقيقي لا يكون الوصول الى السلطة أو المشاركة فيها هو الغرض الاساسي فيه. انما العمل الدئوب من اجل تحقيق المكاسب عملاً .

للحقيقة نود ان نقول بأن ساسة العراق وسياسيوه والذين أمسكوا بالسلطة والحكم فيه طوال السنوات التي تلت الغزو أوصلوا العراقيين بمواقفهم إلى الفوضى وعدم الاستقرار، فبدل أن يوحدوا العراقيين فرقوهم، وبدل أن يكونوا عونًا لهم كانوا غير مبالين بهم ولا بأمورهم، فأُهدرت الأموال، وأُريقت الدماء واُنتهكت الأعراض ونًهبت الثروات وهم في كل هذه الأزمات تراهم صامتون لا يتخذون قرارات مناسبة للحل، وإن اُتخذت القرارات فإنها ستكون مغايرة للمشهد وغير معالجة له، مما حدى بالكثير من العراقيين القول أن من يحكم البلد اليوم ومن يمثل الشعب في أروقة الحكم هو مجرد دمى متحركة بخيوط يمسك أطرافها صناع القرار، لدرجة أن الكثير منهم فقد الثقة في الدوائر السياسية والعسكرية المحيطة بصانع القرار العراقي في وقتنا هذا،، وفقدوا القدرة لإيجاد حلول حقيقية يمكنهم الاعتماد عليها في بسط الأمن وتوفير الحياة الكريمة للعراقيين، ولم يفلحوا في ذلك إلى يومنا هذا كون أساسهم الذي بنوا عليه حكمهم كان ضعيفًا أوصل البلاد والعباد إلى دمار شامل في كل مرفقاتهم.

 

عبد الخالق الفلاح باحث واعلامي

 

 

ابراهيم أبراشكل ما تعرضت له القضية من ضربات وتحديات خطيرة من الاستيطان وسياسة الضم وصفقة القرن وضياع القدس والانقسام لم يستثير الطبقة السياسية أو يحركها لمواجهة هذه التحديات. لم تتحرك الطبقة السياسية في غزة والضفة إلا بعد التطبيع الإماراتي البحريني مع إسرائيل وما صاحبه من تسريبات عن التهيئة لقيادة جديدة تتجاوز السلطتين في غزة والضفة وربما تحل محلهما.

تفاءلت شريحة من الشعب بعد الاجتماع الأول لقادة الفصائل في بيروت ورام الله في الثالث من سبتمبر الماضي ثم لقاء استنبول والدوحة، ونتمنى ألا تكون اللقاءات الأخير، إلا أن ها التفاؤل أخذ بالتراجع سريعا مع حالة الالتباس والغموض وأحيانا التناقض فيما يتعلق بالموعد التالي لاجتماع الأمناء العامين وبموعد الانتخابات وبالتوافق على القضايا الخلافية، وفي نفس الوقت فإن التصريحات الصادرة عن قيادات حمساوية والتي تُظهر تقربها من حركة فتح وكأنه تنازل من حماس لإنقاذ الرئيس أبو مازن والسلطة من مأزقهم، وتصريحات من قيادات فتحاوية تتحفظ بل وتشكك بالتحركات الأخيرة التي تصدَّرَها جبريل الرجوب وأهدفه من ذلك. كما أن غالبية الشعب إما أنها غير مهتمة ولا تأخذ مأخذ الجد هذا الحراك أو تتخوف من أن تؤدي الانتخابات القادمة، إن جرت في المواعيد المحددة، لإعادة إنتاج الفشل وكسب الوقت.

ما نخشاه أن يتم توظيف الخلافات المبالغ فيها مع الدول العربية وتنطع البعض من الطبقة السياسية الفلسطينية للظهور بمظهر الوطنية ليخفي عجزه وفشله وحسابات شخصية وحزبية ضيقة عند متصدري ملف المصالحة والانتخابات والمطالبة الشعبية لإجراء انتخابات عامة، لتمرير انتخابات شكلية تكرس وتُعيد إنتاج نفس النخب وتشرعن وجودها وتُطيل من عمرها الوظيفي، مع استمرار الانقسام وتداعياته الاجتماعية والاقتصادية المدمرة، واستمرار حالة العجز عن مواجهة الكيان الصهيوني.

 نتمنى ألا يتم خذلان الشعب مرة أخرى كما نتمنى أن يتم تصويب العملية الانتخابية ليصبح هدفها استنهاض الحالة الوطنية كلها وليس التوافق على توزيع مناصب ومنافع السلطة. وتسلسل العملية الانتخابية كما تم التوافق عليه-تشريعية ثم رئاسية ثم مجلس وطني-لا تخلو من مكر سياسي ولا تخرج عن سياق استراتيجية الإلهاء وهذه المرة بتخطيط بعض النافذين في الطبقة السياسية.

 من أجل تحصين العملية الانتخابية وحتى لا يكون التقارب الأخير مجرد ردة فعل انفعالية لتسكين حالة الغضب الشعبي، وهوجة لكسب الوقت في انتظار مخرجات الانتخابات الأمريكية بالنسبة لحركة فتح والسلطة، ومخرج لحركة حماس من مأزق وضعها في غزة ووصول خيار المقاومة لطريق مسدود، فإننا نطرح الملاحظات والتساؤلات التالية:

1- إن كان هناك خلل استراتيجي بنيوي و وظيفي في النظام السياسي، وإن كانت توجد إرادة حقيقية في التغيير، فإن المجلس التشريعي ليس هو العنوان الصحيح للتغيير، فموئل ومركز القرار السياسي ليس في المجلس التشريعي بل في المؤسسات التي تشكل الدولة العميقة وهي: اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واللجنة المركزية لحركة فتح وديوان الرئاسة) في هذه المؤسسات يجب التغيير.

2- يجب تبديد انطباع يتعاظم عند قطاع متزايد من الشعب بأن كل ما جرى من شبهة مصالحة منذ لقاء بيروت-رام الله للأمناء العامين لا يعكس يقظة ضمير أو صحوة وطنية عند الأحزاب بل الخوف من فقدان السلطة والمكانة السياسية.

3- هل بالفعل حدثت مصالحة جديدة وبالتالي تم تجاوز اتفاقات المصالحة السابقة: القاهرة 2011، الدوحة 2012، القاهرة 2017، وما هي بنود اتفاق المصالحة الجديد؟.

4- الذهاب إلى الانتخابات تحت تأثير الخوف المُشار إليه دون الحد الأدنى من التوافق قد يكرر وبشكل أكثر مأساوية وخطورة ما جرى بعد انتخابات يناير 2006.

5- إن كان هناك جدية في تشكيل حكومة توافقية أو حكومة وحدة وطنية بعد الانتخابات وهذا ما يجب أن يكون، فمن الأولى أن يتم التوافق على القضايا الخلافية العالقة أو غالبيتها قبل الانتخابات حتى لا تكون هذه القضايا سبباً في فشل التوصل لحكومة وحدة وطنية-تكرار تجربة مصالحة مكة وانتخابات 2006-.

6- الحديث عن قائمة مشتركة أو تحالف انتخابي بين فتح وحماس أمر مثير للتساؤل، في مواجهة مَن سيكون هذا التحالف؟ يمكن فهم هذا التحالف لمواجهة منافس قادم مدعوم خارجيا، إلا أنه في نفس الوقت سيقطع الطريق على أي قوى جديدة ويكرس هيمنة نفس الطبقة السياسية سواء في الضفة أو قطاع غزة. مما يُفقد الانتخابات روحها ومغزاها الديمقراطي كآلية لتجديد الطبقة السياسية.

7- أن يتم الاتفاق على تسبيق الانتخابات التشريعية دون تحديد إن كانت لمجلس تشريعي لسلطة الحكم الذاتي أو للدولة الفلسطينية معناه استمرار الالتزام بواقع سلطة الحكم الذاتي وهو ما يتناقض مع تصريحات سابقة للقيادة بالتحرر من نهج وسلطة أوسلو والانتقال إلى مرحلة الدولة وأن الانتخابات ستكون لمجلس تشريعي للدولة الفلسطينية.

8- موافقة حركة حماس وبقية (فصائل المقاومة) على التراتبية المُشار إليها للانتخابات وإن كان تبدو ظاهرياً بأنها خطوة لتجسير الفجوة والتوصل لحلول وسط إلا أنه لا توجد ضمانات لاستمرار المسلسل الانتخابي ما دام لم يتم الحسم بالقضايا الخلافية وما دامت حركة حماس خارج منظمة التحرير، كما أن هذا التوافق يشي بأن كل الأطراف تلتزم وتتمسك بالسلطة الوطنية.

9- إن كان بالفعل هناك خطر وجودي يهدد كل القضية والشعب الفلسطيني في الداخل والخارج فالأجدر لمواجهة هذا الخطر توحيد كل الشعب من خلال إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية وأن تبدأ الانتخابات بالمجلس الوطني، ومجلس وطني توحيدي يضم الجميع هو الذي سيشكل الحماية ومصدر قوة للسلطة الوطنية، إن كان هناك ضرورة وطنية لوجودها.

10- ما يثير القلق أيضاً عدم بروز أي تيار أو قوى جديدة مستعدة للانتخابات، وبالتالي فإن جرت الانتخابات بإشراف وتوجيه الطبقة السياسية القائمة فمن المؤكد أنها ستجدد شرعية هذه الطبقة دون حدوث أي تغيير في النظام السياسي وتوجهاته وستعود هذه الطبقة وهي أكثر قوة وبطشاً، وهنا تقع المسؤولية على القوى الوطنية خصوصا الشابة للاستعداد للانتخابات وكأنها ستحدث غداً.

لا نروم من كل ما سبق إثارة الشكوك وتبديد الأمل، ولكن، حتى لا تتحول الانتخابات التي يريدها الشعب كسفينة إنقاذ لإخراجه من حالة التيه والإحباط ومواجهة استراتيجية الإلهاء إلى ملهاة جديدة فإن المطلوب ليس مصالحة شكلية بين فتح وحماس (طرفي الانقسام) كما يحلو للبعض تسميتهم بل وحدة وطنية حقيقية وانتخابات تغير الوجوه والبرامج، فانتخابات لا تغير الطبقة السياسية لن يكون لها قيمة وستكون مجرد ملهاة جديدة للشعب كما هو الأمر مع تشكيل (القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة الشعبية) التي ولِدت ميتة ولا يسمع بها أحد.

 

إبراهيم أبراش

 

عدنان ابوزيديعتقد البعض انّ محاربة العادات والأعراف الاجتماعية النقلية، والإرث القيمي، هو تحرّر ثقافي واجتماعي، فيهاجم الأفراد الفطريين في معتقداتهم، وإيمانهم.

النقيض من ذلك، انّ الأصوليين الاجتماعيين والعقائديين، يسفّهون اية محاولة للانفتاح الثقافي، ويقفون ضد تجريب معرفات جديدة، ويعتبرون التلاقح معها، تحلّلا.

وفي حين لا يعني الانعتاق، تسفيه الواقع، واتّهام المحافظين الاجتماعيين والعقائديين بالرجعية، فان الاصرار على الثقافات الداخلية، لا يعني اعتبار كل استيراد ثقافي او اجتماعي، مؤامرة.

ولانّ نشر الرأي، أصبح من دون رقابة صارمة عبر الاعلام والتواصل الاجتماعي، ومجموعات التراسل الفوري، فقد أصبح تسفيه عقائد الناس، وأيديولوجياتهم، شائعا، واستفحلت التهجمية والسلوكيات الاستعلائية الموجّهة من قبل الثقافة القوية الى الواهنة.

الأكثر اثارة، انّ مبادئ احترام معتقد وثقافة الآخر، كنظريات ومفاهيم، تعج بها كل أنواع العقائد الدينية والسياسية، لكنها من دون تطبيق، حيث الكراهية هي المسيطرة، واحتقار ثقافة الآخر، هي الحافلة، بل أصبح احترام معتقدات الآخرين ودعوات التعايش، يصنّف على انه قصور، وتراجع. 

أكثر من ذلك، فان المنفتحين الذين يسفّهون العادات والتقاليد الفطرية، التي يمارسها أبناء المجتمع، يتهمونها بانها هي السبب في التخلف، وعدم اللحاق بموكب الحضارة، فيما المحافظون المتزمتون يتهمون التفاعليين مع الثقافات الأخرى، لاسيما الغربية منها، بانهم اصل البلاء، وذهاب النعمة، وافساد الناس، وفقدان الهوية.

دول متقدمة غزت الفضاء، وبنت المصانع، ووظّفت تطبيقات العلم في بناء المجتمعات، ومنها الهند، لا زال الجزء الأكبر من شعبها يقدّس البقرة، وهي التي نجحت في خلال عقود قليلة، من التحول من مستعمرة فقيرة الى دولة متقدمة.

روسيا تعتبر التراث التاريخي بعاداته وتقاليده الاجتماعية ومهرجاناته الدينية، وتنوعه العقائدي بحسب القانون الصادر العام 1997، كنزا معرفيا وتاريخيا يجب عدم التفريط او الاستهانة به. في الوقت ذاته، فان التيارات الداعية الى الاندماج في العولمة والحضارة الغربية، لا تُتّهم بانها تسعى الى مسخ الهوية الثقافية الروسية.

في أمريكا لم يسفّه احد رالف درولينجر وهو وزير متدين أمريكي، اعتبر أزمة فيروس كورونا غضبا الهيا وهو عقاب الى الأمريكيين الشاذين أخلاقيا، فيما قسّ فلوريدا المحافظ ريك وايلز اعتبره عقابا من الله لمعارضي المسيح.

شعب يوهنانين في جزيرة تانا في المحيط الهادئ يعبد دوق أدنبرة، الأمير فيليب زوج الملكة إليزابيث الثانية، ونال هذا الاعتقاد، احترام الحكومة البريطانية، لانه يعبّر عن ثقافة القبائل في هذه المستعمرة البريطانية.

لازالت استراليا، متفتحة على العبادة الوثنية لسكان البلاد الأصليين، الذين يظنون أنهم ينحدرون من مخلوقات أتت من عوالم أخرى.

وعلى الرغم من اعتقاد الفيلسوف الهولندي بول كليتور ان "الثقافة الغربية" هي الأفضل في العالم بدليل قوتها على

جذب الثقافات الأخرى للعيش تحت ضلالها، فضلا عن إنجازاتها في العلم والمجتمع، فان التسامح يبقى مصدر قوتها.

ولا يهم فيما إذا جميع "الثقافات" متساوية النفوذ ام لا، لكن المهم انها تتحاور فيما بينها في البيئة الصحية التي تضمن الفوز والبقاء للأقوى، وهذا يفسر عدم خوف الكثير من المفكرين الغربيين، من اضمحلال الثقافة الغربية.

رئيس الوزراء اليميني الإيطالي سيلفيو برلسكوني، الذي قال: "يجب أن نكون على دراية بتفوق حضارتنا، نظام قائم على الرفاه، واحترام حقوق، وهو أمر ليس لديك في الدول الإسلامية"، الا ان ذلك لم ينعكس على سياسة الدولة الإيطالية تجاه المهاجرين والغرباء الذين ينالون، من الحقوق والامتيازات، أكثر مما كانوا يحفلون به، في البلدان الأم.

إحلال الثقافة المتعددة، بدلا من الأحادية يؤدي بالضرورة الى خطاب عقلاني يتعامل بإنصاف مع الحقوق الاجتماعية الأساسية لكل فرد مهما كان معتقده غريبا.

 

عدنان ابوزيد

 

 

محمد بغدادي(لست أظنكم تتوقعون مني أن أقف أمامكم لكي نتفاخر معاً ونتباهي بما حققناه في أحد عشر يوماً من أهم وأخطر بل واعظم وأمجد أيام التاريخ وربما جاء يوم نجلس فيه معاً لا لكي نتفاخر ونتباهي ولكن لكي نتذكر وندرس ونعلم أولادنا وأحفادنا جيلاً بعد جيل، قصة الكفاح ومشاقه ومرارة الهزيمة والآمها وحلاوة النصر وآماله). بهذه الكلمات استهل الرئيس الراحل أنور السادات خطابه أمام مجلس الأمة، وعادت الروح مرة أخرى للجسد العربي، وباتت أصداء أكتوبر تتوج عناوين الصحف ووكالات الأنباء العالمية، واخترقت أصوات الطيران المصري قارات العالم السبعة، وزٌلزلت تل ابيب وفقدت واشنطن الوعي مع الضربات الموجعة لابنتها الوحيدة، وتحول عيد الغفران لعزاء يتلقاه نيكسون وجولدمائير بدرس عربي مؤلم، وكأن موقعة بدر بٌعثت من جديد. فلا شك أن القاصي والداني يدرك ماهية أكتوبر بالنسبة للمنطقة العربية بصفة عامة ومصر بصفة خاصة، وماذا يٌدرك الجندي ما يحتوية شهر الانتصار من إقلاع الليل الحالك الظلمة وبزوغ فجر جديد به نسمات الحرية والعزيمة حيث تحولت سنوات اليأس إلى الرجاء، وعادت الأرض لتحافظ على كرامتنا، وانطفأت نيران قلوب المصريين واستٌبدلت بطمأنينة وعزة. وبات شهر الانتصار علامة فارقة في تاريخ الأمم، ومادة تُدرس في كبرى الجامعات العالمية ومنها جامعة تل ابيب.

قاد الزعيم الراحل أنور السادات بلاده إلى عصر جديد وانتصار عسكري على أقصى مقياس دولي حين أدركت القيادة السياسية أنه لا ملجأ إلا إعادة الأرض المغتصبة وتشكيل الخريطة المصرية كما كانت قبل انكسار عام 1967، وأخذ الثأر وبالقوة بعد دراسات متأنية وتخطيط استراتيجي عسكري مع مراعاة الأبعاد الاجتماعية وطبيعة الوعي لدى المصريين وبحث الواقع المصري والعربي. فلقد علمتنا أكتوبر الكثير من الدروس والعظات منها : كيف نبني أجيالاً بالعلم والإيمان والقوة والقدرة والعزيمة والإرادة والحب، كيف نيعد تأهيل الجنود والمصريين نفسياً لاستقبال الحرب بكل إقدام وفرح، كيف نربي أولادنا على حب هذا الوطن العريق، كيف أن الجندي المصري هو كلمة السر في تحقيق انتصار ساحق رغم قوة واشنطن وتل ابيب حينها، كيف صدقت الرؤيا لسحق ما سُمي بالجيش الذي لا يقهر، تعلمنا كيف أن الحرب فن وخدعه وجولة وقفزة وقبل كل هذا تخطيط وتنسيق وتنظيم وتدريب.

لقد تحققت فنون الإدارة عندما بدأ الاستعداد لحرب يوم الغفران، وتحققت الخدعه لاشغال العدو بأمور كثيرة قبيل البدء في العمليات العسكرية، فلقد انهى انتصار أكتوبر سنوات الهزيمة المضنية وسحقها تماماً وعادت الابتسامة من جديد للبيت المصري والعربي.فلقد اعطتنا حرب 73 دروساً لم نتعلمها في كبرى الجامعات الدولية حين اثلجت صدور المصريون، وجعلت الأمة العربية صفاً واحداً أمام التحديات الدولية والاقليمية، واصطف الجنود العرب لمقاتلة عدواً واحداً أرهقته الظلمات وتملكه الغرور حين أعلن أنه جيش لا يٌقهر. ولقد استطاع الجندي المصري بتر خط بارليف المنيع وكسره تماماً بفضل المياه التي جعلته كالرميم بعدما أنشأته تل ابيب في سنوات ليست بالقصيرة، فمن ذاق ويلات الهزيمة عرف معنى الانتصار ومفهوم الحرية وماهية السلام فشتان بين سلام الظلم وسلام العدل، فنحن نحتاج للآلاف المجلدات وملايين الكتب ومليارات الأوراق لكي نكتب ساعات ودقائق وأيام أكتوبر عام 1973، فحينما صدقت النوايا وأصبح الشعار الله أكبر واستعددنا جيداً للمعركة تحولت الحياة بأكملها وتبدلت للأفضل وأصبح المصريون أحاديث وكالات الأنباء العالمية ومقالات ذوي الكلمة من كٌتاب الغرب، وأصبحت العسكرية المصرية مادة يتم تدريسها بكبرى الجامعات العالمية بلندن وواشنطن وباريس وروما وحتى في البيت الاسرائيلي ذاته.

لقد وقف التاريخ طويلاً بالفحص والدرس ليعلمنا كيف حول المصريون حياتهم من اليأس للرجاء، وكيف قاد الأبطال مشاعل النور، واستطعنا بالحسابات السياسية والعسكرية أن نحصد مجداً ومكانه دولية رائعة وأصبح الغرب الأوروبي وواشنطن يضعوا لنا القبعات ويحترموننا في الأوساط العالمية والإقليمية، وباتت القاهرة عاصمة الانتصار العسكري ومدينة الكفاح الباسلة. فلم يأتي الانتصار يا سادة إلا من خلال العمل والإنتاج والجهد والتعب، بعدما مضت ست سنوات عجاف منذ نكسة 1967 وحتى تحقيق الانتصار في 1973. فاستطاع جيل أكتوبر أن يبني ويٌعمر ويُنشأ ويٌقيم ويٌغير الخريطة السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية بما يٌعيد لهذا الشعب حقوقة ومتطلباته.

لم تنتهي روح أكتوبر بعد ولم تبعٌد عن القيادة السياسية الحالية حيث أصبح العمل والإنتاج هو الشغل الشاغل لديها وباتت تفكر وتفكر كيف نصنع دولة مصرية من جديد وكيف نبني ونقيم أجهزة داخل الرحم المصري، وكيف نجعل من مصر دولة رائدة ليس فقط في الشرق الأوسط بل في العالم أجمع، فمثلما كانت القاهرة هي أحاديث الصحف بعد انتصار عام 73 أصبحت هي الآن أحاديث القنوات الإعلامية بعد سلسلة الانشاءات المختلفة وشبكات الطرق والكباري وإنشاء العاصمة الإدارية الجديدة بعيداً عن رحم القاهرة المزدحمة. فتحية تقدير واعزاز واجلال للعسكرية المصرية صاحبة الفضل الأول لمصر والعالم العربي، وصاحبة الرؤية والرسالة والأهداف  في كل وقت وحين منذ نشأتها وإلى الآن لم تبعد عن هذا الشعب ولم تبخل وأعطت الكثير والكثير ولا زالت حتى استولت على قلوب المصريين وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من أفئدتهم وعقولهم. فالجيش المصري لديه خطة استراتيجية لتطوير الدولة في كافة القطاعات ولديه أحلام تريد أن ترى النور حامله على كتفها هموم هذا الشعب القوي الشجاع.

 

محمد بغدادي - باحث دكتوراة

كلية الاقتصاد والعلوم السياسية (جامعة القاهرة)

 

 

عبد الجبار نوريأنها أزمة أمنية تفاقمت في ظل حكم الدين السياسي الراديكالي أو قلْ في ظل دولة الفشل أو في ظل"دولة التفاهة" التي وردت مقارباتها في كتاب "نظام التفاهة" تأليف الدكتور ألان دونوأستاذ الفلسفة  في الجامعات الكندية، ترجمة د/ مشاعل الهاجري، الكتاب لا يخص نظاماً معيناً بل يقصد بطروحاته جميع النظم الشمولية والدكتاتورية، لقد وجدتُ في هذا الكتاب الحداثوي التأليف: أن نظام التفاهة يتطابق بمقاربات عجيبة مع تتابع حكومات بعد الأحتلال البغيض في 2003، وحرفيا على جراحات شعبنا بعد التي وسعت جغرافية وطني المباع في مزاد العهر السياسي . 

يبدو أننا نعيش مرحلة تأريخية غير مسبوقة تتعلق بسيادة نظام أدى على نحوٍ تدريجي إلى سيطرة (بعض) التافهين على مفاصل نموذج الدولة الحديثة، بصعود شلة طفيلية من التافهين سماتهم الرداءة همشت منظومات القيم والجودة العالمية، ويتحدث الكتاب عن عملية مغناطيسية في غسل العقول والسيطرة على أرادات الطبقة الوسطى بالذات من مثقفيها وأعلامها بمحاصرة تدريجية لمختلف جوانب الحياة ومن ثمّ الأنقضاض على مؤسسات الدولة يفرض على المواطن تقبل مظاهر الرثاثة الفكرية في أدانة الرافض، والصمت بدلا عن التفكير، وتحويل وسائل الأعلام إلى بوق للسلطة، والصمت والأمتناع عن محاربة الخيار، ويصبح الخيار مقياساً للعقاب والثواب، وتفريغ الحياة من السعي والبحث والتعليم والتطور، الأغفاء والنأي عن متابعة ومجاهرة وتحدي نظام التفاهة، فهي تحدي للنظم والقوانين الوضعية، تقديس الأفراد، الأنصياع الفكري الأعمى في ترميز التافهين وتحويلهم إلى رموز..؟!، وهكذا نصل إلى أدنى مخرجاتها فرض "الأختفاء القسري" للأفراد

نحنُ الجيل المخضرم الذي عايش جميع الحكومات العراقية من النظام الملكي وثورة تموز التغيرية وعصر الأنقلابات المعرّفة بالبيان المرقم .1. تعرض لنا بأن التأريخ يكرر نفسهُ مرتين: مرّة كمأساة ومرّة كمهزلة كما قالها العم كارل ماركس، وحقاً أن التأريخ كشف لنا وجهي العملة الرديئة (المأساة) المؤطرة ب(المهزلة) بعد عام الأحتلال الأمريكي البغيض أو الأصح العهد الأمريكي في 2003الذي سلمنا وطناً ممزّق الخيمة، منكسر الراية، مغيّب السيادة، مكبل اليدين، مكمم الأفواه، أسير عدة قوى متنفذة، قد تكون محلية أوأقليمية أو دولية، ربانها سياسيون متأزمون، يفتقدون المشروع المستقبلي، لكونهم منفصلين عن الواقع، مسلوبي القدرة للخروج من مستنقع التطرف والكراهية البنيوية، فهي حكومات طلاب (حكم) لا طلاب (دولة) وقدموا لنا أسوأ نموذج للحكم، لم يشهدهُ التأريخ منذُ حكم أول رجل قانون (أورنمو) وحتى اللص بريمر، حكومتان متداخلتان الأولى بيدها تلك المؤسسات الآيلة للسقوط، والثانية المتمثلة بالدولة العميقة بتشكيلاتها العشائرية والكتلوية الفئوية الميليشياوية المسلحة بالطبع فهي التي تقود العراق (ميدانياً) ذات تأثير مباشر على مصادر القرار السياسي، وكان لبعضهم مهمة تأجيج النعرات الطائفية فقط، لذا سقطتْ عنها ورقة التوت، وأنكشفت تجليات تداعياتها السيئة بتدوير نفاياتها التي تزكم الأنوف، حيث وجد العراقي نفسهُ بعد 2003 في شبكة عنكبوتية من الفوضى الأمنية، وفوبيا المجهول، من الصعوبة تعداد أخطاء ومطبات وسلبيات حكومات المقبولية وتداعياتها على النسيج النفسي والروحي والتربوي ولم تثمر خلال سنيها السبعة عشر العجاف غير الغثة والمتردية والنطيحة تجلت بوضوح في مطر السوء الساخن والتي  تمثّلتْ بجرائم سياسية وأجتماعية وأخلاقية سادية متطرفة  ك (جريمة خطف الأشخاص).

التكييف القانوني لمفهوم "الأختفاء القسري "

هووضع خارج نطاق حماية القانون، وفقاً لنظام المحكمة الجنائية الدولية،الذي دخل حيّز التنفيذ في 1حزيران 2002: عندما يُرتكبْ جزء أو شكل واسع النطاق موجة عنف قسري ضد الفرد أو السكان المدنيين، عند هذا يعتبر " الأختفاء القسري " جريمة ضد الأنسانية، وحتى أنهُ لا يخضع لقانون التقادم، وفي 20 ديسمبر 2006 أعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة " الأتفاقية الدولية " لحماية جميع الأشخاص من الأختفاء القسري، أذاً من حقنا أن نسأل: ما هو رأي قانون حقوق الأنسان ؟!

في القانون الدولي لحقوق الأنسان تمّ تدوين حالات الأختفاء القسري على أيدي الدولة على أنّها " قسرية " وعلى سبيل المثال: يُعرفْ نظام روما الذي هو الأساس المنشئ للمحكمة الدولية الجنائية، أنّ الأختفاء القسري بأنهُ {جريمة ضد الأنسانية} وحتى تعتبر جرائم حرب من خلال النزاعات والأحتدامات العقائدية الداخلية والأقليمية (عن موسوعة يوكيبيديا بتصرف شديد) .أنتهى ...

مع الأسف الشديد أن هذه العمليات المعيبة ظهرتْ بشكلٍ جلي وواضح أثناء " أنتفاضة تشرين 2019، حيث (وثقت) مفوضية الأمم المتحدة 79 حالة خطف وتغييب قسري في 24مارس 2020 بينهم أربع فتيات، وتزايدت  العمليات الأمر الذي هدد سلامة العشرات من الناشطين في تلك األأحتجاجات الشعبية، حيث وصلت تداعياتها دولياً في كشف مصير المغيبين والمختطفين وشكلت قائمة بأسماء بعضهم {الكاتبين توفيق التميمي ومازن لطيف، الناشط الدكتور ميثم الحلوطبيب لا يزال مصيره مجهولا، مصطفى منذر عمره 20 عاما، وصبا فرحان حميد 36 عام، وكاظم كاطع لا يعرف مصيره لحد اليوم، وأم خليل،  وسجاد العراقي ..... ووو} .

والصدمة المرعبة أن يتحول الأختفاء القسري إلى أغتيال في سلب حق الحياة على أيدي مجهولين، وهذه (بعض) الأمثلة:

هاشم الهاشمي في 7.7.2020، الشاعر علي نجم اللامي، تحسين الشحماني في البصرة 22.8.2020، سعاد العلي طبيبة في 20.8.2020، أمجد الدهامات، حسين عادل، الطبيبة رهام يعقوب، والناشط أسامه الخفاجي في 14.8.2020 البصرة ووووو.

 ثمة أخبار مرعبة في وطننا المبتلى – وما أكثرها – عن أرتفاع حالات الخطف والسرقة والنشل والسطو المسلح، وهي موجودة ولكنها أعلنت عن نفسها جهاراً في وضح النهار، خاصة بعد 2003 وأنتشار الفوضى وثم إلى ذروة العنف الطائفي في 2006و2007 كثرتْ ظاهرة الأختطاف والتي تسمى بلغة القانون الدولي في الأمم المتحدة (بالأختفاء القسري)، وأزدياد أعداد العصابات والمافيات في مركز العاصمة بغداد خصوصاً وباقي عموم المحافظات حيث سجلت ملفات محاكم الجنايات في بغداد 31 حالة منذ بداية هذا العام الجديد، والعجيب أن المجرمين يساومون ذوي المخطوف بمبالغ خيالية ربما لا توجد في مقاييس غيتس وبلغة عصرنة السرقة 30 أو60 شدة أو دفتر، والشدة تساوي عشرة آلاف دورار، وتدفع الأسرة المنكوبة ما تيسر لها من ذلك المبلغ المرعب بأنتظار مخطوفهم يخرج سالما بيد أنهم يجدوه مقتولاً ومرميا على قارعة الطريق أو ربما على مكب النفايات . 

تعد ظاهرة خطف الأشخاص من أخطر الجرائم التي يشهدها المجتمع المعاصر لكونها تتعلق بسلب الحرية الشخصية وما لها من تداعيات أجتماعية ونفسية على الفرد وعموم المجتمع، ويتضح من خلال فلترة شخصية الخاطف السايكولوجية بأنهُ سادي السلوك، وهو الجيل الذي خرج من رحم الحروب العبثية بهويات منسلخة من موجات الفوضى الناتجة من الخواء الفكري للسلطات الدينية الراديكالية وفشلها التام في أدارة الدولة المدنية، والذي أضاف لها العهر الأمريكي من مخزون مخلفاته الفكرية الأستعمارية صنيعتها داعش الخلافوية المزعومة المكلفة بأدارة ناعور الدم العراقي بأبشع طرق جهاده المزعوم . 

الأسباب

- مادية لا للعوز بل لربما لسد الغرائز المحرمة الدنيئة لنزوات المجرمين.

- قانون العفوالذي أقره البرلمان في آب 2016 جاء بتسهيلات في فك وحلحلة حيثيات الجريمة .

- السيارات الرباعية وبعضها مظللة وهي مخصصة للأمن الداخلي فيستعملها المجرمون في جريمتهم الشنعاء في تظليل وأيهام الناس لكونها لا تفتش .

- أنهيار الوضع الأمني وعدم قدرة الحكومة على محاسبة المجرمين، وخاصة الأختيار الخاطيء لوزير الداخية من خلال المحاصصة الطائفية فليس بالضرورة لدى الحكومة أن يمتلك حساً أستخبارياً أو قانونياً !!! وهنا قد تسكب العبرات حين يكون أغلب حالات أختطاف الأشخاص تقف وراءها جهات سياسية أو ميليشياوية تمتلك في الدولة العراقية مراكز متنفذة محاولة منها تمويل نفسها من خلال المبالغ المستحصلة من ذوي المختطفين .  

- أنتشار السلاح لمن هب ودب وتدار من قبل مافيات منتشرة في جميع المحافظات وأي سلاح تطلب حتى كاتم الصوت !!! .

- أنتشار تعاطي أقراص الهلوسة والمخدرات بأنواعها وحتى باودر التخدير وبنسبة 85% .

- أتضح أن مرتكبي جريمة خطف الأشخاص من ذوي التعليم المنخفض أبتداءاً من أمي أو يقرأ ويكتب فقط أو لم يكمل المرحلة الأبتدائية .

- وتبين أن هذه النخبة الشاذة من جيش العاطلين عن العمل حيث يشكلون نسبة 75% من البطالة في العراق بنسب عالية قد تجاوزت 38% وأزدياد مطرد للحاجة للمال .

- وتبين أن نسبة 100% من عمليات الخطف في المدن وخاصة في بغداد ولم تظهر في الأرياف، وذلك لتعدد حاجات الأنسان الضرورؤية والكمالية وتعدد أماكن اللهو والعبث الغرائزي .

- أنتشار الفقر بنسبٍ عالية قد تكون 40%، ولم لا أذكّرْ القراء الكرام في زمن الحصار الجائر الذي فُرض على الشعب العراقي في العهد الصدامي أدت إلى ظهور ضعاف النفوس وأرتكابها مثل هذه الجرائم .

- الحالة الأجتماعية أكثر الخاطفين غير متزوجين بنسبة 90% وعلاقاتهم بأسرهم غير جيدة .

أهم المعطيات

- التأثير المباشر على المجال الأستثماري بأمتناع الشركات الأستثمارية في العمل ضمن هذا المناخ الموبوء.

- أتساع ظاهرة الهجرة الداخلية والخارجية، بأستهداف خيرة الأكاديميين والأدمغة من الكفاءات العراقية لمغادرة البلاد بعد الكشف عن خطف الكثير من الأطباء وقتلهم ورميهم في مكبات النفايات لأسباب شتى قد تكون مادية أو أنتقاماً فئوياً بيد العصابات الطائفية التي أصبحت خصماً للعلم .

- أنهيار أخلاقيات المجتمع بالأتجار بالبشر أو أخضاعه للعبودية والعمالة القسرية والتحرش الجنسي .

- وقتل المختطف بدم بارد من قبل هذه العصابات الغير سوية والسادية شاركت حمامات الدم للنظام السابق والسيف الداعشي الدموي في ناعور الدم المستمر لحد اليوم .

وأخيرا / أن عمليات الأختطاف لا يمكن أن تنتهي ألا بتفعيل القانون وسد ثغراته التي يستثمرها المختطف والضرب بيد من حديد

كما نصحت المرجعية وأن يكون أختيار وزير الداخلية مستقلا مهنيا حرفيا غير خاضعاً للمحاصصة البغيضة ومن ذوي الخبرة في العمل الأستخباري والحس الوطني، وأملنا كبيرا في أستمرار التظاهرات السلمية في حراكها الأحتجاجي الذي يتصاعد بوتيرة عالية ونحن ها قد أقتربنا من ذكرى السنوية الأولى للأنتفاضة 2019 في أيصال الأحتجاجات إلى مسامع السلطة المركزية في بغداد وإلى مسامع أحرار العالم ومنظمات حقوق الأنسان والمحافل الدولية في الأمم المتحدة .

 

عبدالجبارنوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

 

 

محمد سعد عبداللطيفإن العلاقة الشائكة والمعقدة لن تحسم أبداً في عالمنا العربي بين جدلية المثقف والآنظمة العربية حيث يعاني منها المثقف علي مدي عقود من تهميش دور المثقف في المجتمع ، فضاعت الأدوار، وارتفعت يد السياسة في وجه الثقافة، لتصفعها بين الحينٍ والآخر، في محاولةٍ لتأكيد سلطتها وقبضتها.. المُحكَمة. لماذا الخوف من بعض الأنظمة من المثقفين؟ تطاردهم هنا وهناك، وتسلبهم حرياتهم، وتمنع الكثيرين من حقهم في العيش بسلام، إضافةً إلى تهميش أدوارهم في المجتمع. في عام 2005م وفي معرض القاهرة الدولي للكتاب في حوار شهير مع المثقفين والكتاب الصراعُ محتدم،بين الرئيس مبارك والدكتور محمد السيد السعيد حيث طالب الدكتور محمد. الرئيس مبارك بدستور جديد لا يجعل السلطة مطلقة في يد الرئيس. كان رد مبارك هذا ليس صحيح .أنا ليس عندي سلطات مطلقة.. الحكومة هي التي تعمل معظم الحاجات..». وقال الدكتور محمد السيد سعيد: «علي فكرة ياريس هذا ليس صحيحاً بالمطلق أيضاً.. إذا رجعنا إلي دستور 1971 لا يوجد شيء اسمه الحكومة. يوجد رئيس دولة يساعده نظام وزاري. مجلس الوزراء ليس له كيان دستوري. هناك تعبير أوسع هو السلطة التنفيذية. ويتحدث الدكتور محمد السيد سعيد أن هذه النقطة مرت وأكمل كلامه: «نحن لا نريد حكماً مطلقاً.. نريد برلماناً قوياً ونقابات قوية والحرية يكون لها حماية دستورية. وحضرتك تشكو من «أنك مش لاقي وزراء» وهذه ظاهرة تسمي في المجال السياسي «انكماش النخبة السياسية». وتحدث لأن قنوات المشاركة علي جميع المستويات مغلقة. نحن ليس عندنا أحزاب حقيقية ولا نقابات حقيقية ولا جمعيات أهلية حقيقية. وبالتالي لابد من دستور يفتح القنوات المغلقة. ويكون الحماية الحقيقية لمصر. وسيكون لدينا نخبة خرجت من باطن المجتمع تعرفه جيداً تتبني طموحاته وآماله. كان هذا جوهر كلام المثقف (محمد السيد سعيد) الذي شعر أن لقاء الرئيس لا يعني رفع مطالب، ولكن إعلان موقف واضح لا ينقصه شجاعة ولا شعور بالندية الحقيقية مع الرئيس. الرئيس وصف الدكتور محمد السيد سعيد بالتطرف عندما قال قبل خروجه: «..ما تضيعوش البلد من إيديكم.. الذين يطالبون بالإصلاح يريدون العودة إلي ما قبل 1952 عندما كانت تشكل حكومة كل 6 أشهر.. هل تريدون هذا الوضع».. ود محمد السيد سعيد :«..يا ريس المشكلة قبل 1952 لم تكن في الدستور الديمقراطي.. لكن في الانقلاب علي الدستور الديمقراطي. إحنا شفنا 7 انقلابات دستورية في مصر وهذا هو السر في مشكلة عدم الاستقرار قبل 1952». لم يعتبر محمد السيد سعيد أن لقاء الرئيس منحة أو نيشان أو فرصة للابتسام والتصوير بجوار صاحب السلطة، ولكنه رأي فيه مناسبة لإعلان وجهة نظر كاملة لا يسمعها الرئيس في العادة، لأن القريبين من أذن الرئيس في العادة لا يقولون إلا ما يعجبه، أو يستطيعون به الوشاية وقف ببراءة وتحدث بشجاعة في حضرة الذات الرئاسية المهيبة وطالبه بدستور جديد وحدثه عن انحرافات نظامه، ومنها امتهان كرامة المواطن وأراد إعطاءه ورقة تحمل تصورات لدستور جديد فما كان من الحاكم إلا أن قل أنت متطرف وأنا بفهم أحسن منك والورقة دى حطها في جيبك ولم يفهم الرئيس مبارك أن الدكتور محمد (يسارى ليبرالى وليس متطرفا) وكان يوصف دائما الدكتور محمد السيد عادة بأنه يساري الفكر، إلا أنه يصف نفسه بأنه "ليبرالي بين اليساريين، ويساري بين الليبراليين"..

دافع المثقف الواعي خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية . بضراوة عن الآلاف من أبناء سيناء حين اعتقلوا وتعرضوا للتعذيب بعد تفجيرات طابا. لقد عاش بعيدا عن مظاهر وحب السلطة مفكرا مع ضميره الوطنى بعيدا عن الخطب المنبرية كما أنه لم يفعل ذلك لمجرد المتاجرة الوطنية بهذا الموقف وغيره، إنما إيمانا منه بدور المثقف الفاعل رغم تعرضه قبل ذلك للتعذيب الوحشى عام ١٩٨٩ إثر تضامنه مع إضراب عمال الحديد والصلب. تاريخ نضالي منذ كان طالبا في المرحلة الثانوية عام 1968 حيث شارك في مظاهرات الطلبة .واعتقل . وعن عمر يناهز 59 عاما بعد صراع مع المرض وافتة المنية في شهر اكتوبر عام 2009 م . إن إشكالية الصراع الدائر بين الطرفين، والعمل على تحقيق هدنة ولو مؤقتة، ننصت من خلالها لرأي هذا وذاك، لنطمئن على حال المستقبل بين أياديهم غير المتصافحة.

ورغم ما يعكسه الواقع من سيطرة السياسة والسياسيين على الثقافة وأهلها في الكثير من دول المنطقة، إلا أن الحقيقة التي يعيها أصحاب الشأنين السابقين، تكمن في خوف بعض الأنظمة من المثقفين،أصبحت كل الأمور فوق الطاولة، ولم يعد أحد يخاف من أحد، ولكن الخوف يكمن في الديمومة، فبعض الأنظمة تخاف من المثقف بسبب الديمومة، لأن المثقف يوثق نوعاً من التاريخ والمتخيل التاريخي للأجيال والمستقبل، وبعض السياسيين واعون لهذه الفكرة ولكنهم لا يدركون خطورتها، لأنهم لا يقرؤون».

 

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجغرافيا السياسية

 

علاء اللاميحين يتساءل البعض (كيف نستخدم ورقة المرجعية في الانتفاضة؟) قاصدا مرجعية معينة لطائفة أو مكون محدد، فهو - أولا - سيكون قد اختار سلفا موقعه إلى جانب المنادين بوجوب أن يكون لتلك المرجعية الدينية دور في الحدث السياسي العراقي حتى إذا كانت هي لا تريد دورا كهذا وتنأى عنه. وهو ثانيا، واشتقاقا مما سبق، يريد أن يجعل المرجعية الدينية لمكون واحد أو لجزء من مكون طائفي واحد، جزءا من الحل وهي كانت وما تزال - عمليا وتاريخيا- جزءا وطرفا مؤسساً من مؤسسي نظام الحكم - المشكلة، وهي السند المعنوي لهذا النظام القائم، والطرف المؤيِّد لدستوره المكوناتي منذ البداية. وهو - ثالثا- يقف عمليا على طرف نقيض ضد المنادين باستقلالية الانتفاضة الشعبية عن كافة القوى والأطراف الأخرى ذات العلاقة بالنظام، ويفتح الباب واسعا أمام الزعامات السياسية للطوائف والإثنيات الأخرى لأن يتخذوا لأنفسهم مرجعياتهم الدينية والمذهبية والإثنية الخاصة بهم.

* لقد انحازت المرجعية إلى خيار "الانتخابات المبكرة بإشراف دولي"، مثلما انحازت سنة 2005 إلى خيار التصويت بـ "نعم" على الدستور المكوناتي خلال عهد الحاكم المدني الأميركي بول بريمر، وتبنت وأيدت خيار الانتخابات المبكرة بقوة ونسقت جهودها مع بلاسخارت ومنظمتها الدولية لتكون المشرف واللاعب الأول فيها، فهل تتحمل المرجعية الدينية مسؤولية تبعات هذا الرهان والمآل المتوقع منه وهو إعادة انتاج نظام المحاصصة الطائفية التابع للأجنبي مجددا واستمرار الفساد والتبعية والتناحر والاستقطاب الطائفي في العراق وربما بشكل أسوأ لدرجة اندلاع الاقتتال البيني بين أحزاب ومليشيات الطائفة الأكبر؟ ثم كيف ستقوم وتترسخ دولة المؤسسات والمواطنة إذا كانت السلطات فيها تستمد إرشاداتها وتوجيهاتها من جهة دينية خارجها، حتى أصبح التلطي خلف رضاها والتقرب منها، والإعلان عن الأخذ بتوجيهاتها أشبه بالدعاء أو البيان الرسمي لرؤساء الحكومات سواء كانوا من حلفاء واشنطن أو طهران أو كلتيهما، ومعهم مختلف السلطات والمؤسسات الحكومية والتشريعية بل وكل زعماء ومليشيات وأحزاب الفساد والمسؤولين الحكوميين الفاسدين!

* ترى، ألا يعطي اتخاذ مرجع ديني لطائفة معينة في مجتمع متعدد الطوائف والمكونات الحق للطوائف والمكونات الأخرى، في أن تتخذ هي الأخرى مراجعها الدينية الطائفية أو القبلية العشائرية وتسترشد بتوجيهاتها وتعليماتها غير الدستورية؟ إنَّ رفض منح هذا الحق للطوائف والإثنيات الأخرى سيعتبر تحيزا وقمعا لها، واحتكارا لحق غير دستوري يتعلق بالشأن العام من قبل ساسة الطائفة الأكبر - يحاول بعض المتعصبين لمرجعيتهم جعله مرجعا حتى للطوائف الأخرى رغم إرادتها - أما إذا سُمِحَ لتلك الطوائف والإثنيات بأن تكون لها مرجعياتها الخاصة بها فنكون قد دخلنا مرحلة دولة المرجعيات الطائفية والاثنية المتعددة، لا دولة المواطنة والمؤسسات الدستورية، وإذا ما وصلنا إلى هذه المرحلة الممكنة جدا، فسنكون أمام السؤال الآتي حتما: ما الحاجة إذن إلى الدستور ودولة المؤسسات ومؤسسات الدولة؟ وما الفرق بين هذه الدولة التي تسير وفق مرجعيات مرحلة ما قبل الدولة وبين دول دينية أو سلطانية صريحة كدولة ولاية الفقيه أو الخلافة الراشدة أو إمارة أربيل أو المشيخة الفلانية؟

* أليس الأجدر بالحريصين على مقام المرجعية الروحي المحترم واختصاصها الديني الفقهي والصادقين في طموحهم لبناء دولة المؤسسات والقانون والدستور أن يعملوا من أجل النأي بالمرجعية النجفية وبكل مرجعية أخرى خارج نطاق الدولة والدستور النافذ عن موضوع وحيثيات الاشتباك الاجتماعي السياسي والثقافي بين الشعب والنظام الحاكم وتداعياته المعقدة والعنيفة المحتملة مستقبلا جملة وتفصيلا؟

* هذا الكلام لا علاقة له بالمقولات العلمانية القشرية المترجَمة حول فصل الدين عن الدولة أو المجتمع، فلا المرجع أياً كان هو الدين نفسه ولا الدولة وبناؤها وإدارتها شأن خاص بهم حصرا في مجتمع تعددي متنوع دينيا وطائفيا وقوميا، بل هو يقارب تحديدا موضوعة بناء دولة المؤسسات والقائمة على أساس المواطنة والمساواة والأجدر بجمهور مقلدي أي مرجع كان أن يكونوا حريصين على مرجعهم الروحي ويبعدونه عن كل ما من شأنه أن يورطه بشؤون لا علاقة لها بصفته الدينية فلا يثقلون عليه بالاستفتاءات السياسية في كل شاردة وواردة ويحترمون موقعه الروحي بالنسبة إليهم.

* وأخيرا، فإن تأجيل أو منع التطرق لموضوع علاقة المرجعيات الدينية أو الإثنية القبلية في الشأن السياسي العام للدولة، والسكوت عن حيثياته خوفا أو طمعا انتهازيا لا يعني سوى مراكمة مسببات انفجار المشكلة الحتمي مستقبلا والرضوخ لمنطق دولة المكونات الطائفية حاليا، والمسؤولية الكبرى في كل هذا ستكون على الساكتين وعلى الداعين والمروجين لها حتى لو جاؤوا من داخل الحراك الشعبي الساعي للتغيير الديموقراطي والإصلاح المزعوم سواء بسواء.

الخلاصة هي أن دولة المواطنة والمؤسسات الدستورية شيء، والمرجعيات الدينية أو الإثنية لجزء من مواطنيها، شيء آخر مختلف تماما من حيث الطبيعة والدور والسياق التاريخي، وكل من يريد أن يخلطهما ببعض يسيء إليهما وإلى مجتمعه وإلى نفسه كمواطن حر بين مواطنين مساوين له في كل شيء ومرجعيتهم المشتركة الوحيدة هي الوطن بوصفه هوية رئيسة لهم جميعا في مواجهة الهويات الفرعية الطائفية والقومية والعشائرية والجهوية.

 

علاء اللامي

 

اكرم جلالبيانٌ مِنْ جَلالة السُلطان: كُلُّ مَنْ يُفكّر أو يَدعو إلى الفِكْر والتَّفَكّر هوَ خائن مُرتَد وعليه يُقامُ الحَدْ، أنْ يُطرد من حظيرة السلطان ويحرم من كل حق أو إحسان؛ وكلّ من يدعو إلى العقل والتعقل فهو شخص أبله معتوه، وخطر على الحرية والإنسان في بلدٍ الإخاء والوئام بين الذئاب والخرفان.

وَهكذا عَلى مَنهجِ قانونِ الغابْ، أصبحت تتحكّم فينا يا أخوتي الذئاب، فَلا قانون يُشَرّع ولا لجان تَشفع ولا دين يَردع؛ إنّها أسطورة أفلاطون يا أخوتي، حيثُ الطاغية ينقلب إلى ذئب لا محال إذا ما ذاقَ قطعةً مِنْ لًحمِ إنسان، قرابينَ مُقدّسة إلى وليّ السلطان، ذئبٌ ولكن بلباس إنسان؛ في بلدي يَحلّ أكل لحوم الأيتام وتدمير الأحلام ولا تسمع في أزقتها سوى أنين أوجاع وآلام؛ في بلدي تُسحق الأصوات وتُسرَق الخيرات ولسان حالهم يقول سنفترسكم أحياءا كنتم أم أموات، ونجعل بعضكم يقتل بعضاً، وَمَن يَقتل يَصرخ أنا الذي اعتديت فاشهدوا لأميري أنّي أوّل مَنْ رَمَيت.

نَعَم تلك الذئابُ تَذَوَّقَت لحومنا وَسَكَنَت ديارنا وَسَرَقَت خيراتنا؛ قَدّمونا الواحِدَ تلو الآخر قرابين بقوانين في مطابخ كهنة الطاغوت وشيوخ الشيطان، ذئاب كاسرة بلباس إنسان؛ والرعيةُ ما زالت نائمة على أنغام مقطوعة موسيقية في مشهد مسرحية تُمنّيها بيوم جديد وعيشٍ رَغيد، يا لسذاجتنا...

مُبكية مُضحكة أحوالنا، فالأحداث اليومية والصور الدامية والمآس المبكية ، هي مشاهدٌ قانونها الغاب، تتسارع فيها الدقائق والأيام في زمن بلدي المنهوب جهاراً نهارا، وعلى المَجانين، أصحابَ العقول، أنْ يصمتوا ولا يكثروا الحديث عَن سياسةَ الدين، بل لابد لهم أنْ يَدينوا بدين السياسة، دينٌ يُشَرْعِن لِقَتل الأبرياء وَسفك الدماء وإبعاد النجباء وتقريب الغرباء ؛ دينٌ يدعو لِمَسخ الإنسان وعبادة الأوثان وتأليه السلطان. الدينُ في بلدي يا أخوتي أُصُولُهُ التّجويع والتّركيع والتّطويع، وفروعه الأصنام والآثام والأوهام ، وبلدتي يا أخوتي يقودها الأقزام، صنيعة الفارس الهمام، واليوم عادت تقتل بصمت وتدريج دون صَخب أو ضَجيج.

أصبحت أرضنا مرتعاً للذئاب، دَيدَنهم واحد ومبدأهم واحد وهويتهم واحدة وهدفهم واحد؛ أرضنا اليومَ يصولُ فيها أصحاب الملايين من مرتزقة العمولات وتُجّار العقود النفطية الفاسدة؛ مدينتي اليوم يَتَسيّدها الخنازير والحمير، عرّابوا عقود الهواتف الخليوية والإتصالات السلكية واللاسلكية، أعانَهم على أهدافهم خونة الأقلام أعداء العقول والأفهام، يحسبون أنهم كتاب وشعراء وهم في الحقيقة كالحرباء تتلون فوق كل غصن وحينما تُكشف تلوذ بالخباء.

ولا شيء يَقضّ مَضجعي ويسيل له مَدمَعي أكثر مما أراه مِنْ رَقصِ الذئاب ومرح الوحوش وهي توغل في غيّهــا وإجرامها ولا تبالي في أكلِ أجسادٍ طريّة وَنَهمِ أحلامٍ وردية، وَسَحق عقول ناعمة وبمستقبل فيه الخلاص حالمة.

 يا لوقاحتهم، يتسابقون لقتل الحياة وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعا، يجادلون ويظنّون أنّهم من أهل الفكر والبنّاء، تَعساً لوجوههم السوداء، فما أسوء حالهم وهم يجادلون في آياتِ السماء، وَيلوون أعناق الحقائق دون خَجَلٍ أو حياء.

وحوشٌ آدميّة شنيعة، سايكولوجيّة سايكوباتيّة مَروعة، إلتَحَفَت بلباسِ السياسة والخديعة؛ أسودٌ على المستصعفين، نسوة مع الحاكمين، يتباكون بدموع الخديعة أمام المُتعبين، ويضحكون مُستهزئين، وخلف خمار أسود مُتخفّين. مجرمون بكلِّ زهوٍ وجنون، وعلى الذقون يضحكون، تتسع شدقات أفواههم لأحزان الثكالى فيلهوون ويسخرون؛ يمرحون ويفرحون يحنما يرون الرعية منشغلون وخلف أرزاقهم يهرولون.

ونحن ما زلنا نَهزّ الرؤوس، ونشرب الآلام والأوجاع كؤوس وكؤوس، ونلطم الخدود والصدور وننتظر حقوقنا كأنّها منّة شهورا وشهور، لعلّ عَينَيْ أميرنا المُفدّى نحو أوجاعنا تدور.

 

بقلم: د. أكرم جلال

 

 

حسين سرمك حسنأمثلة على تدمير (م ت ع) للبيئة وسلامة الأغذية والأدوية وحقوق الإنسان والعمال والقوانين الوطنية وإلغاء السيادة الوطنية

ترجمة وإعداد: حسين سرمك حسن


 

* أهم عشرة أسباب رئيسية لإلغاء منظمة التجارة العالمية؟

وقد استعرضت دراسة في موقع Global Exchange أهم عشرة أسباب للدعوة المتنامية لإلغاء منظمة التجارة العالمية ، وهي :

1- أولويات منظمة التجارة العالمية هي التجارة والاعتبارات التجارية التي تضعها فوق كل القيم الأخرى. تتطلب قواعد منظمة التجارة العالمية بصفة عامة أن القوانين المحلية والقواعد واللوائح التي تهدف إلى دعم العمال والمستهلكين والبيئة والصحة والضمان الاجتماعي، وحقوق الإنسان، وحماية الحيوان، أو غيرها من المصالح أن لا تمارس اي تقييد للتجارة، وأن لا تخضع التجارة لهذه المخاوف غير التجارية.

2- تقوض منظمة التجارة العالمية الديمقراطية من خلال تقليص الخيارات المتاحة للحكومات التي تُنتخب ديمقراطيا، مع مواجهة المخالفات المحتملة بعقوبات قاسية.

3- تشجع منظمة التجارة العالمية بنشاط التجارة العالمية حتى على حساب الجهود الرامية إلى تعزيز التنمية الاقتصادية المحلية وتحبط السياسات التي تحرك المجتمعات والبلدان والمناطق في اتجاه مزيد من الاعتماد على الذات.

4- تفرض منظمة التجارة العالمية على دول العالم الثالث فتح أسواقها أمام الشركات متعددة الجنسيات الغنية والتخلي عن الجهود المبذولة لحماية الصناعات المحلية الناشئة. في الزراعة، يحفّز الانفتاح على الواردات الأجنبية التفكك الاجتماعي الهائل ويدفع عدة ملايين من سكان الريف بالنزوح على نطاق يقارب ما يحصل في الحرب فقط.

5.منظمة التجارة العالمية تمنع حكومات الدول المنتمية لها من التحرك لمواجهة المخاطر على صحة الإنسان أو البيئة التي تسببها مشاريع الشركات.

6- تنشئ منظمة التجارة العالمية معايير دولية صحية، وبيئية، وغيرها من المعايير على مستوى منخفض من خلال عملية تسمى "تنسيق". يمكن للبلدان أو حتى الدول والمدن تجاوز هذه المعايير المنخفضة فقط من خلال الحصول على إذن خاص، نادرا ما يمنح لها. منظمة التجارة العالمية تعزز السباق نحو القاع، وتفرض قيودا قوية لإبقاء الناس هناك.

7- محاكم منظمة التجارة العالمية تحكم على "شرعية" قوانين الدول، ولكنها تقوم بعملها وراء الأبواب المغلقة. وبالتالي فإنها تؤثر على مواقف الحياة الكثيرة، دون حتى التظاهر بالمشاركة والتعاون، والديمقراطية.

8- منظمة التجارة العالمية تحد من قدرة الحكومات على استخدام دولاراتها للصرف على حقوق الإنسان، وحقوق البيئة، والعمال، وغيرها من الأغراض غير التجارية. تطلب منظمة التجارة العالمية أن تجعل الحكومات مشترياتها تستند فقط إلى اعتبارات الجودة والتكلفة. وليست الشركات فقط هي التي تعمل مع عين مفتوحة على الأرباح وتغض الطرف عن كل شيء آخر، بل يجب على الحكومات والشعوب أن تقوم بذلك ايضا.

9- قواعد منظمة التجارة العالمية لا تسمح للدول بمعاملة المنتجات بشكل مختلف على أساس كيف تم إنتاجها؛ أي بغض النظر عما إذا كانت مصنوعة مع عمالة الأطفال الوحشية، أو مع تعرّض العمال للسموم أو مع أي اعتبار للحماية من أي نوع.

10- قواعد منظمة التجارة العالمية تطلب، وفي بعض الحالات، تفرض براءات اختراع أو حماية حصرية مشابهة على كل أشكال الحياة. وبعبارة أخرى، منظمة التجارة العالمية تعمل كل ما في وسعها لتعزيز مصالح الشركات متعددة الجنسيات، ولا توجد مبادئ في عملها، إلا القوة والجشع.

1891 التجارة العالمية 1

* المعركة ضد منظمة التجارة العالمية هي معركة حاسمة، أمثلة عن تدمير (م ت ع) للبيئة وسلامة الأغذية والأدوية وحقوق الإنسان والعمال والقوانين الوطنية وإلغاء السيادة الوطنية

"المعركة ضد منظمة التجارة العالمية هي معركة حاسمة. هذه الوكالة لديها سلطة هائلة، وهي تستخدم هذه السلطة لمعاقبة الدول التي تفعل أي شيء يمكن أن يفسر حتى عن بعد بأنه يقف في طريق التجارة الحرة.

"منذ إنشائها في عام 1995، قضت منظمة التجارة العالمية بأن كل السياسات الصحية، أو البيئية والاجتماعية هي حواجز تجارية غير قانونية"، كما لاحظ موقع المواطن العام في تقرير صدر مؤخرا بعنوان "لمن منظمة التجارة؟ عولمة الشركات وتآكل الديمقراطية".

السياسة الأساسية لمنظمة التجارة العالمية هي التي تفرض أن قوانين وأنظمة الدول الأعضاء يجب أن تكون أقل تقييدا للتجارة. القوانين أو اللوائح التي تحمي البيئة، وحقوق العمال، ومعايير الأغذية، أو حقوق الإنسان يمكن اعتبارها قيود غير لائقة على التجارة.

لجنة غير منتخبة، مكوّنة من ثلاثة أشخاص في منظمة التجارة العالمية هي التي تحكم على هذه الخلافات وتحديد هل هذه القواعد قيود غير لائقة أم لا ، وهي التي تضع البلد "المخالف" أمام خيارين: إما تغيير قانونه، أو مواجهة العقوبات المُكلِفة على صادراته الخاصة.

وأدناه ما يعنيه هذا من الناحية العملية.

(1) على سلامة البيئة:

تعمل منظمة التجارة العالمية بعيدا من الحماية البيئية، بل هي أداة لتدمير البيئة. على سبيل المثال، الولايات المتحدة تحاول استخدام منظمة التجارة العالمية كأداة لإلغاء التعريفات الجمركية على الخشب المقطوع وغيره من المنتجات الخشبية" وفقا لتقرير في صحيفة وول ستريت جورنال. يخشى أنصار البيئة أن التخلص من هذه التعريفات الجمركية سيحفز الكثير من الطلب على الخشب المقطوع ويهدّد الغابات القديمة المتبقية في العالم، والتي تعتبر بمثابة موطن للنظم الإيكولوجية المعقدة . وسوف تسجل تجارة الخشب المقطوع قفزة كبيرة في بلدان مثل اندونيسيا وماليزيا، حيث الغابات العذراء هي الآن تحت الحصار فعليا".

ومن بين القضايا البيئية الأكثر إلحاحا والتي يجب حلها من قبل منظمة التجارة العالمية هو الوضع القانوني لثلاث اتفاقات بيئية متعددة الأطراف قائمة من قبل: بروتوكول مونتريال بشأن استنفاد الأوزون، واتفاقية التجارة الدولية في الأنواع المهددة بالانقراض (CITES) واتفاقية بازل بشأن النفايات الخطرة. هذه الاتفاقات المتعددة الأطراف تتعارض مع السياسة الرسمية لمنظمة التجارة العالمية لأنها تسمح باستخدام العقوبات الدولية لتحقيق الأهداف البيئية. ولكن بدلا من إصدار حكم ثابت بشأن هذه المسألة، فإن منظمة التجارة العالمية تتعامل مع كل المنازعات البيئية في كل حالة على حدة. وهذه الأحكام سوف تكون قواعد للتعامل مع الحالات المستقبلية.

وتصارع منظمة التجارة العالمية أيضا ضد الوضع القانوني لـ "وضع العلامات البيئية"، التي هي ممارسة توفير المعلومات على المنتج حول الأثر البيئي لدورة الحياة الإجمالية لهذا المنتج. الاستخدام الأكثر إثارة للجدل سياسيا هو وضع العلامات الايكولوجية على الخشب والمنتجات الورقية في أوروبا. يشهد الاتحاد الاوروبي حاليا وضع علامات على المنتجات الورقية التي تأتي من الأشجار التي تم حصادها بيئيا وتم تصنيعها بعمليات سليمة بيئيا. الولايات المتحدة وكندا والبرازيل تعارض هذه الممارسة لأن صناعات الأخشاب والورق لديها سوف يصبح عليها أن تتعرض لقيود أكثر صرامة في مجال التلوث في أوروبا خصوصا في مجال السموم مثل الديوكسين التي تستحق التسمية ووضع العلامات.

صناعة الولايات المتحدة لا تريد أن تضطر إلى تحسين أدائها البيئي لتلبية المعايير الأوروبية التي تحافظ على علامات التبويب في منظمة التجارة العالمية. الشركات الأمريكية تفضل سلب حق المستهلكين في معرفة الأثر البيئي للمنتجات. الشركات العابرة للقوميات تحاول أن تحقق من خلال القانون التجاري الدولي ما لم تكن قادرة على تحقيق محليا.

وطريقة المنظمة في إصدار أحكامها يجعلها منظمة خطيرة جدا. في هذه الحالة، فإنه يسمح لثلاثة محامين تجاريين بالجلوس في غرفة وتخمين أفضل حكم حول "حماية" البيئة بأكملها.

بعد رفض الاستئناف على حكم منظمة التجارة العالمية (بموجب لوائح منظمة التجارة العالمية، تذهب جميع الطعون أمام نفس القضاة الثلاثة الذين أصدروا الحكم الأصلي).

تأثير هائل، وممول بصورة جيدة من قبل الشركات في جميع أنحاء العالم، يقابله الصمت الذي يصبح تواطؤا من جانب الصحافة سمح بخراب غير مألوف في البيئة. إذا مضت منظمة التجارة العالمية في تنفيذ أجندتها البيئية بشكل كامل ووفقا لشروطها، فإن آثارها على البيئة وصحة الإنسان، ناهيك عن تأثيرها على مستوى معيشتنا، من شأنه أن يكون مدمرا للغاية.

(2) على الأغذية وسلامتها

حكمت منظمة التجارة العالمية في عام 1997 لصالح صناعات التكنولوجيا الحيوية ومنتجي لحوم البقر الأمريكان ضد الدول الاوروبية التي تريد فرض حظر على لحوم البقر المعاملة بالهرمونات الاصطناعية. ونتيجة لذلك، تم تغريم الاتحاد الأوروبي بـ 116 مليون دولار في الرسوم الجمركية على بضائعه.

قالت منظمة التجارة العالمية لليابان أن عليها أن تواجه عقوبات اذا لم ترفع حظر الاستيراد على بعض الفواكه التي يمكن أن تحمل الحشرات الخطرة، على الرغم من أن التخلص من تلك الحشرات سيفرض على اليابان استخدام جرعات كبيرة من المبيدات الحشرية الضارة.

وهددت الولايات المتحدة بتقديم الدنمارك إلى منظمة التجارة العالمية لاقتراحها فرض حظر محلي على مركبات الرصاص في الأصباغ والعمليات الكيميائية للحد من الخطر على صحة الأطفال.

في بعض الأحيان، التهديد فقط يكفي لإرغام دولة أخرى على خفض معاييرها. هددت الولايات المتحدة بتقديم كوريا الجنوبية إلى منظمة التجارة العالمية في عام 1995، قائلة ان لديها قواعد صارمة جدا على عمليات تفتيش الفواكه وفترة صلاحية قصيرة جدا لمنتجات اللحوم. وبدلا من انفاق الاموال لمواجهة هذا التحدي، استسلمت كوريا الجنوبية، وقللت وقت التفتيش من خمسة وعشرين يوما إلى خمسة أيام وزادت العمر الافتراضي لمنتجات اللحوم من 30 إلى 90 يوما.

أخذت كندا فرنسا إلى منظمة التجارة العالمية في العام الماضي للاحتجاج على حظر فرنسا على المنتجات التي تحتوي على الأسبستوس. كندا هي ثاني أكبر منتج لمادة الأسبستوس في العالم. مازال على منظمة التجارة العالمية أن تحكم في هذه القضية، ولكن ما هي قيمة الأسبستوس بين الأصدقاء؟

الآن تضغط الولايات المتحدة على منظمة التجارة العالمية للحكم ضد الدول التي تفرض قيودا على أطعمة الهندسة البيولوجية أو حتى ترغب في وضع العلامات على مثل هذه الأطعمة بحيث يمكن للمستهلكين معرفة ما الذي يأكلونه. اعتبرت الإدارة الأمريكية (هيلاري كلنتون خصوصا) مثل هذه الأمور تقييدا للتجارة الحرة..

يتساءل الباحث الاقتصادي "جويل بليفس" :

"هل للبلدان الحق في تحديد معايير الصحة والسلامة للطعام الذي يأكله مواطنوها؟ هل يُسمح باستبعاد الأغذية المنتجة الأجنبية التي لا تستوفي المعايير الصحية الوطنية؟ أو ينبغي أن تتقرر هذه الأمور من قبل منظمة التجارة العالمية  (WTO)؟

شئنا أم أبينا، لن تعد الدول هي التي تقرر هذه القضايا في الوقت الحالي. في أحدث نزاع تجاري بين أكبر شريكين تجاريين في العالم، وضعت الولايات المتحدة عقوبات تصل قيمتها إلى حوالي 117 مليون دولار على السلع الأوروبية. والهدف هو إجبار الأوروبيين على استيراد لحوم البقر التي تُعامل بهرمونات النمو في الولايات المتحدة.

عادة، فإن قرار وضع تعريفة 100 في المئة على الكمأة الفرنسية، وكبد الاوز، وغيرها من الأطباق التي لم يذقها معظمنا من شأنه أن ينتهك الاتفاقات التجارية الدولية. ولكن، في هذه القضية، فإن الولايات المتحدة لديها دعم من منظمة التجارة العالمية، وهي هيئة الـ 134 دولة التي تم إنشاؤها للتفاوض والحكم على التجارة العالمية. حكمت المنظمة بأن حظر أوروبا على لحوم الأبقار المعالجة بالهرمونات غير قانوني، وأذنت للولايات المتحدة بفرض عقوبات تجارية انتقامية ضد الاتحاد الأوروبي.

النظر في الحجج: إن الأوروبيين لا يسمحون ببيع لحوم البقر التي تُعامل بهرمونات النمو في أسواقهم، بغض النظر عن المكان الذي أنتجت فيه. انهم فقط يعتقدون انه لحم غير صالح للأكل. ولكن معظم لحوم الابقار الامريكية هي، في الواقع، تُعامل مع هذه الهرمونات. حتى الحكومة، بناء على طلب من صناعة لحوم البقر الأمريكية، قدمت شكوى في منظمة التجارة العالمية، بحجة أن الحظر يمثل قيودا غير عادلة على التجارة.

تقول قواعد منظمة التجارة العالمية أن أي معايير صحية أو بيئية تؤثر على التجارة يجب أن تكون مدعمة بأدلة علمية. وهكذا، فإنها عيّنت لجنة من ثلاثة قضاة، قرّروا أنه لا يوجد دليل علمي كاف لتبرير حظر أوروبا على لحوم الأبقار المعالجة بالهرمونات.

لجنة مستقلة من العلماء، بتكليف من المفوضية الأوروبية للنظر في هذه المسائل، وصلت إلى استنتاج مختلف. وجد الباحثون أن واحدا من الهرمونات الستة التي توجد عادة في لحم البقر هو "عامل مسرطن كامل". بالنسبة للخمسة الأخرى، خلصوا إلى أنه ستكون هناك حاجة، لإجراء مزيد من الدراسة، على الرغم من أن  أي شخص يقرأ التقرير المكون من 142 صفحة سوف يتساءل بلا شك لماذا تسمح الولايات المتحدة بإضافة مثل هذه الأدوية ليتم ضخها في ماشيتها.

حسنا، إذا كان معظم الناس يعرفون فعلا ما الذي يأكلونه، فربما لن يتناولوا هذه اللحوم وخاصة تلك الفئات الأكثر عرضة لتأثيرات الهرمونات، مثل الأطفال والنساء الحوامل. ولكن لا توجد اشتراطات لوسم هذه المكونات الإضافية في اللحوم في الولايات المتحدة.

بغض النظر عن الكيفية التي يحكم بها الواحد منا على الأدلة العلمية، ألا ينبغي أن يُسمح للأوروبيين أن يسيروا على جانب الحذر إذا اختاروا ذلك؟ أن معظم الناس يقولون نعم. هذه الحالة أمر شائن ولا سيما أن الجميع متفقون على أن القانون الذي يحظر لحوم البقر المعالجة بالهرمونات صُمّم لحماية المستهلكين في أوروبا، وليس صناعة الماشية المحلية. ويُطبق القانون دون تمييز على كل من المنتجين المحليين والأجانب. ومع ذلك، تصر منظمة التجارة العالمية أن القضية غير خاضعة للمساءلة؛ ثلاثة قضاة يجتمعون بصورة سرية، يمكن أن يلغوا قرار الاتحاد الأوروبي ببساطة لأنه له تأثيرا سلبيا على التجارة. وهذا هو بالضبط ما حذرت جماعات البيئية وجماعات المستهلكين، والعمل من أنه سيحدث عندما تم إنشاء منظمة التجارة العالمية. ومراجعة سجلها الضخم يثبت هذه التحذيرات".

1891 التجارة العالمية 2

 (3) على الأدوية والمستحضرات الصيدلانية

هددت الولايات المتحدة بتقديم جنوب أفريقيا إلى منظمة التجارة العالمية لسماح نيلسون مانديلا بتمرير قانون مكّن الشركات في جنوب أفريقيا من إنتاج أدوية رخيصة لعلاج الإيدز إلا إذا دفعوا حقوق ملكية لصانعي الأدوية. إدارة كلينتون، ممثلة في شخص آل غور آنذاك، انبرت للدفاع عن شركات الأدوية الأمريكية، والتي لم يعجبها قانون مانديلا.

(4) على حقوق الإنسان وحقوق العمال

في عام 1996، أصدرت ولاية ماساتشوستس قانونا يحظر على الدولة إجراء عقود مع الشركات التي تستثمر في أو تقيم علاقات تجارية مع بورما بسبب سجلها السيء في مجال حقوق الإنسان في هذا البلد. تحدت اليابان والاتحاد الأوروبي هذا القانون أمام منظمة التجارة العالمية، مدعين أنه يمثل تقييدا غير مسموح به على التجارة. (محكمة أمريكية ألغت القانون، قائلة انه تدخل في السياسة الخارجية للحكومة الامريكية).

وفي عام 1998، نظرت ولاية ماريلاند في مشروع قانون مماثل لمنع عقود الدولة مع الشركات التي تعمل في نيجيريا. إدارة كلينتون المسيطرة على المجلس التشريعي للولاية أسقطت القانون لأن الولايات المتحدة قلقة من أن يكون تحديا للقواعد في منظمة التجارة العالمية.

الصين أصبحت عضوا في منظمة التجارة العالمية، على الرغم من سجلها الرهيب في مجال حقوق الإنسان وقمع  العمال. هذه هي أمور "خارجية" لا تهم منظمة التجارة العالمية.

وهكذا، أيضا، الحال مع عمالة الأطفال. أي بلد يمكنه استغلال عمالة الأطفال، ويكون لا يزال عضوا في منظمة التجارة العالمية ومنافسة الدول الأخرى التي تطالب منذ فترة طويلة بإلغاء عمالة الأطفال. في الواقع، في ظل القواعد الحالية، إذا كانت أي دولة تعمل على سن مشروع قانون يحظر استيراد السلع التي تنتج عن عمالة الأطفال، فإنها ستكون عرضة للطعن أمام منظمة التجارة العالمية.

تصور، حتى مراسيم الأجور التي تقرها البلديات أو الدول يمكن أن تفسّر بأنها قيود على التجارة ويطعن بها أمام منظمة التجارة العالمية.

(5) على اللوائح المحلية وقوانين الدولة

الأنظمة المحلية التي تقتضي أن تكون المنتجات المستوردة مطابقة للمعايير المحلية على مسائل مثل إعادة التدوير، والمواد السامة، ووضع العلامات وتفتيش اللحوم يمكن أن تخضع كلها للطعن من قبل منظمة التجارة العالمية. يمكن استبعاد تدابير الحفظ التي تحد من تصدير الموارد الخاصة للبلد، مثل منتجات الغابات والمعادن والمنتجات السمكية، باعتبارها ممارسات تجارية غير عادلة، كما يمكن استبعاد التنظيمات التي  تجعل قطع الأخشاب أو غيرها من الموارد مسألة محلية لتوفير العمالة المحلية.

المصالح المحلية لم تعد أساسا صالحا للقوانين المحلية في ظل نظام منظمة التجارة العالمية. مصالح التجارة الدولية، والتي هي في المقام الأول مصالح الشركات العابرة للقوميات، هي التي لها الأسبقية.

(6) على الاستقلال والسيادة الوطنية

يحق لمنظمة التجارة العالمية تطبيق قواعد التجارة العالمية من خلال فرض العقوبات الاقتصادية. وتغطي قواعد منظمة التجارة العالمية المواد الغذائية والمعايير البيئية، وتنظيم الخدمات مثل التأمين والنقل، وكيف يمكن للحكومة استخدام أموال دافعي الضرائب وحقوق المؤلف وقانون براءة الاختراع، والسياسة الزراعية، وغيرها الكثير الكثير.

توسّع منظمة التجارة العالمية الجوانب الرئيسية من اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا)، لتشمل العالم كله. ومثل النافتا، أصدرت منظمة التجارة العالمية لوائح يعمل بها بيروقراطيو التجارة مع السلطة اللازمة لفرض قواعدها الملزمة. ومثل النافتا ، فإن من حق قواعد منظمة التجارة العالمية أن تطعن بقوانين دولة ما إذا كانت تشكل حواجز أمام التجارة والاستثمار.

محاكم منظمة التجارة العالمية تبت في القضايا المرفوعة إلى منظمة التجارة العالمية في السر. لا تقبل أي شكوى من الراي العام إلا إذا قُدّمت إليها من قبل حكومة. وعلاوة على ذلك، يسمح للحكومات الوطنية فقط بالمشاركة، ولذلك فإن المدعي العام للدولة يمكن أن يساعد فقط إذا تمت دعوته إلى ذلك من قبل المنظمة. إن الحكومة التي تخسر قضية أمام منظمة التجارة العالمية ليس لديها بديل للطعن خارج منظمة التجارة العالمية على الإطلاق. بمجرد صدور حكم نهائي في منظمة التجارة العالمية، فإن البلد الخاسر تبقى أمامه ثلاثة خيارات فقط: تغيير قوانينه لتتوافق مع متطلبات منظمة التجارة العالمية، أو دفع تعويض دائم للبلد الفائز، أو مواجهة فرض عقوبات تجارية عليه.

أنصار التجارة الحرة، يقولون انه من "التفكير الساذج" للضغط على منظمة التجارة العالمية لفرض عقوبات على العمل، والبيئة، أو القضايا غير الاقتصادية الأخرى. حجتهم هي أن هذه المعايير ستعرقل التجارة الدولية، وتحد من مستويات المعيشة في جميع أنحاء العالم، وربما تؤدي إلى حروب تجارية.

 

 

عامر صالحنتائج الأمتحانات العامة للسادس الأعدادي بين ضغوطات كورونا وأزمة التعليم العامة في العراق

أعلنت نتائج الأمتحانات للصفوف السادس الأعدادي في العراق للعام 2019 ـ 2020 وقد أثارت الكثير من الجدل التربوي والعلمي حول مصداقيتها والظروف القسرية التي انتجتها هذا من جهة وكذلك مدى أنسجامها ومطابقتها للمعايير العالمية للحفاظ على جودة الشهادة، ومن جهة أخرى فوزير التربية غير مكترثا بذلك فهو يسعى للأنجاز حتى وأن كان شكليا او محفوفا بالمخاطر على مستقبل العملية التربوية والتعليمية في العراق، فقد بارك الوزير بحسب بيان للوزارة "للطلبة ولذويهم الجهود العالية والواضحة من خلال نسب النجاح التي تحققت في نتائج الطلبة مقارنة بالاعوام السابقة بكافة فروعه، مشيداً وبفخر بطلبتنا الذين قهروا الظروف الاستثنائية من اجل عراقنا الحبيب". وقالت الوزارة في بينها أن "وزير التربية تقدم في كلمة خاصة بهذه المناسبة، الشكر والعرفان لدولة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي على مساندته للعملية الامتحانية منذ انطلاقها إلى انتهائها، وكذلك الوزارات الساندة كلًا من الصحة والتعليم العالي، والداخلية، والدفاع، والأمن الوطني، وهيئة الحشد، والاتصالات، كما تقدم الدليمي بالشكر والعرفان لكافة الملاكات التربوية التي أوصلت الامتحانات إلى مبتغاها المطلوب".

واكدت الوزارة ان نسب النجاح كانت كالآتي:

الفرع العلمي التطبيقي ‎%‎81‎

الفرع العلمي الاحيائي ‎%‎74

الفرع الادبي   %77

ورافق إعلان نتائج امتحانات طلبة السادس الإعدادي، جدلاً واسعاً، بسبب ارتفاع نسبة الطلبة الحاصلين على معدل 90 فأعلى. فقد بلغ عدد الطلبة الذين تراوحت معدلاتهم بين 97 ـ 99  15 ألف و470 طالب وطالبة، وعند مقارنتها بالعام 2018 فقد لبغت النتائج لنفس المعدلات المذكورة 5718 طالبا وطالبة، وفي العام 2019 بلغ العدد 4969 طالبا وطالبة، فما هو السر في تضاعف الأعداد بشكل يثير الشبهات حول طبيعة الأداء الأمتحاني ونزاهته، في ظل التدني المستمر لظروف البلد بصورة عامة وظروف المؤسسات التربوية والعملية التعليمية بشكل خاص.

و هناك شبه اجماع شعبي بعيدا عن حالات الفرح الفردي بالنجاح وشبه اجماع رسمي قد يلخصه الخبير التربوي فالح القريشي أن "وباء كورونا كان له تأثیر كبیر في ارتفاع معدلات النجاح للعام الدراسي الماضي، حيث وبسبب ظروف الجائحة حذفت حوالي 35 %من جمیع المواد المنھجیة".  "كما ان الوزارة امتحنت طلبة السادس الاعدادي وفق أسئلة سھلة ومرنة، الامر الذي ساعد على تحقیق نسب النجاح العالیة وكذلك تحقیق معدلات نھائیة غیر مسبوقة.  وأردف "الا ان ھذا الامر لا يعني ان التعلیم في العراق يتعافى، بل على العكس التعلیم في العراق فاشل وبحاجة الى إعادة ھیكلة"، مشیرا الى انه "ومنذ 2003 كلما جاءت سنة دراسیة جديدة ينحدر التعلیم بشكل اقسى مما كان علیه في العام الماضي". وأكد أن  المحاصصة الحزبیة، وعدم اللجوء للكفاءات في إدارة وزارة التربیة، ھو من أدى بالتعلیم الى الوصول نحو ھذا الفشل والانحدار في مستويات الطلبة العلمیة.

وقد أغفل الكثير من المسؤولين والتربويين الأشارة الى ظواهر خطيرة اخرى متفشية في الوسط التربوي العراقي، كبيع وشراء الأسئلة، والدروس الخصوصية المشبوهة التي تفضي الى البوح في الأسئلة الأمتحانية، ودور المليشيات المسلحة في التهديد الخفي للجهات التربوية للحصول على الأسئلة الامتحانية، والرشاوى المختلفة التي تفسد الأجواء التربوية السليمة، وعدم التفتيش عند الدخول الى القاعات الامتحانية وخاصة عندما تجرى الامتحانات في نفس المناطق والمدارس التي تم تدريس الطالب فيها حيث علاقات التواصل والقربى الفاسدة، واستخدام الأجهزة الألكترونية لتسريب الأجابات والتواصل مع خارج القاعة الامتحانية.

الأمر الآخر الذي يثير الأستغراب هو تصريح وزارة التعليم العالي حيث اكد حيدر العبودي المتحدث بأسم وزارة التعليم العالي:

ان “وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مستعدة لاستيعاب مخرجات الدراسة الاعدادي ونظام القبول المركزي والتعليم المدمج أيضاً سيضيف لحالة الطاقة الاستيعابية للكليات والاقسام العلمية ونعمل بهذا الاتجاه". وأضاف العبودي “توقعاتنا بأن الأعداد ومخرجات الدراسة الاعدادية في زيادة واضحة ولكن خطة العام الدراسي المقبل وخطة الجامعات تم تكييفها لتغطية هذه الزيادة” مشيراً الى “استحداث 7 كليات و20 قسما في 15 جامعة عراقية لتغطية هذه الزيادة والاحتياجات". ونوه العبودي الى ان هذه الخطة وضعت “بغض النظر عن ارتفاع المعدلات وعددها بالنسبة لنتائج السادس الاعدادي” مؤكدا ان التنافس في حجز المقاعد الدراسية يمثل معيارا حاكما فصعود سقوف المعدلات لا يلغي حالة التنافس وحجز المقاعد في مختلف التخصصات".

هذا التناغم بين وزارتي التربية والتعليم العالي وإن بدى من الناحية الشكلية ضروري للتنسيق واستيعاب الخريجيين إلا أنه يعكس جهلا مفتعل ينمي بل ويعكس حجم الفساد المغطى بالتنسيق المشترك بين الوزارتين، وكلا الطرفين يعلم  أن ما يتم استيعابهم من الطلبة في الجامعة هم من حملة المعدلات العالية، وترك البقية الباقية من خريجي الاعدادية تتصارع الجامعات والكليات الأهلية لأبتلاعهم في ظل استغلال واضح وصريح للظروف الأقتصادية والمالية المحدودة للطلبة المتقدمين لها، وبالتالي يتحول الطلبة الى مشاريع ربحية لملاكي الجامعات الأهلية الذين يشكلون جزء من منظومة الفساد المستشري في الدولة والمجتمع.

الجميع يعلم أن تداعيات كورونا كان لها أثر سلبيا كبير على التحصيل الدراسي وتدهوره في العراق في كل مراحله، وخاصة الأعدادي منه، فألى جانب البنية التحتية التقنية والمعلوماتية الضعيفة في العراق والتفاوت المريع لخدمات الأنترنت في العراق والناتج من سوء الخدمة الى جانب التفاوت في دخول الأسرة وقدراتها في الحصول على خدمات النت فأنه لأمر منطق ان يسهم في تدني مستويات التحصيل، ولكن في المقابل لا تتم المعالجة عبر التنازل والأخلال في شروط وجودة الحصول على الشهادة الأعدادية عبر التنازل غير التربوي واعفاء الطلبة من العديد من المواد الدراسية واللجوء الى الأسئلة السهلة، فأن ذلك بالتأكيد سيسهم في ضعف خريجي المرحلة وبالتالي في ضعف قدراتهم في التخصص اللاحق في الجامعات وخاصة ممن حاز على معدلات عالية، فالفشل في الطب والهندسة يعني الفشل في تأمين حياة الناس والعمران. لا توجد أي نقلة ايجابية في قطاع التربية والتعليم ما بعد 2003 لكي تنبؤنا عن نقلة نوعية في النتائج، فالفساد في القطاع وسرقة المال العام فيه والتدهور المستمر للبنية التحتية وعناصر العملية التربوية الأساسية وانتشار الأمية، جميعها ليست مؤشرات لتعافي التعليم من محنته والأرتقاء به الى آداء افضل بما ينعكس على التحصيل في كل المراحل، ومن ضمنها بشكل خاص التعليم الأعدادي، بأعتباره المحطة الأخيرة صوب التعليم العالي.

أما على مستوى كفاءة مؤسسات التعليم العالي بأعتبارها الحاضنة المرتقبة لخريجي الأعداديات في العراق فأنها هي الأخرى مبتلاة بأزمة مركبة ومتشعبة الأبعاد ويطال الشك فيها لأنتاج خريجين ذو كفاءة بمواصفات عالمية، ولعل المؤشر في ذلك هو تذيل الجامعات العراقية سلم الجودة والكفاءة ووقوعها أسيرة الأجتهاد والمحاصصة والفساد، ولعل ابرز مشكلاتها هي:

- التدهور الأمني المستمر لمؤسسات التعليم العالي وتدخل رجالات الأحزاب والمليشيات الطائفية في شؤون التعليم العالي مما يضع طرفي العملية التعليمية : الطالب ـ الأستاذ والعملية التعليمية برمتها في دوامة عدم الاستقرار والخوف من المستقبل¸مما يترك أثره الواضح في تسرب الطلاب وهجرهم لمقاعد الدراسة وهجرة الكادر التدريسي.

- الإجراءات التعسفية في إقالة أو إحالة الكادر التدريسي الجامعي ومن درجات علمية متقدمة " أستاذ وأستاذ مساعد " على التقاعد بذرائع ومبررات واهية، منها كبر السن أو بتهمة عدم الكفاءة، وهي إجراءات تنفذ في الخفاء بواجهات سياسية أو انتماءات طائفية، وتحرم هذه المؤسسات من خيرة كادرها المتمرس في التدريس والبحث العلمي.

- تدهور البنية التحتية اللازمة لتطوير التعليم العالي من مكتبات علمية ومختبرات وشبكة انترنيت ومصادر المعلومات المختلفة، وقد تعرض الكثير منها إلى الحرق والإتلاف الكامل والى التخريب والسرقات المقصودة لإفراغ الجامعات من محتواها المتمثل بالمراجع والكتب والأبحاث والمقررات الدراسية بمختلف التخصصات، وغلق أقساما للدراسات العليا بكاملها تحت ذريعة عدم توفر الكادر التدريسي اللازم لها.

- تدهور المستوى العلمي والتحصيلي للطلاب جراء تدهور الوضع الأمني والانقطاع عن الدراسة، أو النجاح بأي ثمن تحت وطأة تهديد الأستاذ الجامعي من قبل مليشيات الأحزاب السياسية ـ الطائفية وفرض معايير مشوه للتفوق الدراسي لا تعبر عن إمكانيات الطلاب الفعلية، بل تعبر عن أولويات الانتماء السياسي أو المذهبي أو الطائفي، وهي تذكرنا بممارسات التبعيث لفرض النتائج الدراسية وانتقاء الطلبة على أساس الولاء للحزب الحاكم.

- تغييب الكليات الإنسانية والتضييق على دورها المهم في الحياة الثقافية العامة عبر الحد وعرقلة أنشطتها المختلفة التي يفترض لها أن تسهم بإشاعة ونشر قيم التسامح والعدل والحق ومكافحة الإرهاب، وقد شهدت هذه الكليات حرق العديد من مكتباتها بالكامل، وعرقلة إصدار دورياتها الثقافية الشهرية أو الفصلية أو السنوية، وانعدام الأجهزة اللازمة لاستمرار عملها كأجهزة الاستنساخ والطباعة وغيرها، إضافة إلى محاصرة العديد من مبدعي وكتاب هذه الكليات ومنعهم من الظهور العلني للحديث عن نشاطاتهم ونتاجاتهم الثقافية والأدبية المختلفة.

- استشراء الفساد بمختلف مظاهرة الإدارية والمالية، من محسوبية ومنسوبيه وسرقة الأموال المخصصة لهذا القطاع وتزوير للشهادات والتلاعب بسجلات الدرجات من خلال ممارسة الضغط والابتزاز على إدارات الأقسام الدراسية و عمادة الكليات لمنح ضعاف التحصيل ما لا يستحقوه أو إضعاف المتفوقين دراسيا والعبث بدرجاتهم بدوافع الانتقام والثأر بواجهات مختلفة، سياسية ومذهبية وطائفية وغيرها.

- عدم السماح وعرقلة جهود المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وأجهزتها المعنية بشؤون التعليم العالي على الإشراف والتأكد من ظروف عمل هذه المؤسسات بما يستجيب لشروط الجودة العالمية لهذه المؤسسات وحماية خريجها من عدم الاعتراف بالشهادة، وكذلك عرقلة جهود اللجنة الدولية للتضامن مع أساتذة الجامعات.

- في ظروف العراق الحالية والذي توقفت فيه التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الشاملة، تضعف فيه كنتيجة منطقية قدرة ودور الجامعات والمؤسسات البحثية في المجتمع وبالتالي تضعف روابط التعليم العالي ودوره الأساسي في التخطيط والاستجابة لظروف التنمية البشرية الشاملة وحاجتها الفعلية لمختلف القيادات والكوادر في مختلف التخصصات العلمية والأدبية والمهنية والتقنية وغيرها.

- ضعف الإنفاق على التعليم العالي والبحث العلمي باعتباره دعامة أساسية لإعادة بناء بنيته التحتية وإقامة المشاريع البحثية والتعليمية المتقدمة، وبالتالي فأن أي نوايا للإصلاح دون توفير الأموال اللازمة هي نوايا باطلة وقد تعكس بنفس الوقت رؤى متخلفة للقيادات التربوية والتي ترى أن ما يصرف على التعليم هو من باب الاستهلاك الغير ضروري وليست الاستثمار طويل الأمد.

- ضعف وتدهور البحث العلمي وأصالته ومكانته في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وضعف استقلالية الأستاذ الباحث الذي يتعرض إلى ضغوطات مختلفة لتوجيهه الوجهة التي يرغب فيها هذا الكيان السياسي أو ذاك، وأن اغلب ما يجري من أبحاث يعتمد على نظريات ومفاهيم مهجورة أو أنها تقادمت في ظل عصر تتغير فيه المعلومة يوميا، أو أنها هجنت بطريقة عجيبة نتيجة للقيود والضغوطات الرقابية والحزبية والطائفية.

- غياب إستراتيجية واضحة للبحث العلمي في ضوء احتياجات المجتمع المحلي لها، حيث أن المبادرة الفردية للباحث والأستاذ تلعب دورا كبيرا في تقرير ذلك، ومعظمها يجري لأغراض الترقية العلمية أو لأغراض المتعة العقلية الخالصة للبحث، ويجري ذلك في ظل انعدام صناديق متخصصة لدعم وتمويل البحوث، وضعف القاعدة المعلوماتية، وعدم وجود مراكز أو هيئات للتنسيق بين المؤسسات البحثية، وضعف الحرية الأكاديمية كتلك التي يتمتع بها الباحث في بلدان العالم الديمقراطي، وعدم تفهم أو انعدام دور القطاع الخاص ومشاركته في الأنشطة العلمية حيث لا يزال قطاعا متخلفا يركز على الربحية السريعة والسهلة ولا يعي حقيقة وأهمية البحث العلمي في تطويره.

في الختام نقول أن التحصيل الدراسي وجودته مرتبط بعوامل جودة المؤسسات التربوية  وكفائتها في الأداء، وكذلك الظروف البيئية المحيطة بعملية التحصيل وبسلامة أفق احتواء خريجي المراحل بما ينسجم مع الحاجة الفعلية للسوق، وبالتالي الى جانب الأجتهاد الفردي من عدمه والظروف المحيطة به، فهناك فهم يجب ان يسود ان الطموحات لا تتحقق إلا على اساس الحاجة الفعلية لها، وبالتالي سنفاجئ في اجيال من العاطلين المتعلمين في ظل عراق كسيح تفسد فيه الطائفية والمحاصصة كيفما تشاء، وبالتالي فأن الحل السياسي هو المدخل لحل كل الأزمات وفي مقدمتها الأزمة التربوية والتعليمية.

 

د. عامر صالح

 

 

ابراهيم أبراشالفلسطينيون ليسوا ملائكة ولكنهم أيضاً ليسوا شياطين كما يحاول البعض من العرب تصويرهم أسوة بالصهاينة، إنهم كبقية شعوب الأرض لهم أخطاؤهم وزلاتهم، وشعب يواصل النضال والمعاناة لمدة مائة عام في مواجهة عدو كالحركة الصهيونية وكيانها المدعوم تاريخياً من دول الغرب الاستعماري وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، شعب خسر أرضه بسبب حروب خاضتها جيوش عربية وانهزمت فيها، هذا الشعب وقياداته المتوالية لا بد أن يواجه في بعض المراحل التاريخية أحداثاً تدفعه لاتخاذ مواقف لا ترضي جميع الدول والتنظيمات العربية المتصارعة أصلاً مع بعضها البعض، بما فيها دول عربية شقيقة لم يكن الفلسطينيون يتوقعون أو يتمنون أن يختلفون معها كما هو حاصل اليوم.

ما كان الفلسطينيون يرغبون في وصول العلاقات الفلسطينية الخليجية وخصوصاً مع العربية السعودية ودولة الإمارات لهذا الحد، لأن الفلسطينيين كانوا وما زالوا يؤمنون بأن قضيتهم لن تحل حلاً عادلاً إلا بدعم ومساندة الأشقاء العرب، وأن أي تحالفات فلسطينية عربية أو إقليمية لن تكون ذات جدوى دون المملكة العربية السعودية ومصر أو كانت معادية لهما.

إلا أن ما آلت إليه الأمور من تدهور في العلاقات الفلسطينية مع بعض الدول العربية وسماح إعلام هذه الدول وخصوصاً العربية السعودية والإمارات لشخصيات بالتطاول على الشعب الفلسطيني، كما فعل الأمير بندر بن سلطان عبر قناة العربية، تستحضر التساؤلات التالية: لماذا هذا التحامل الآن من بعض الأشقاء الخليجيين على الشعب الفلسطيني؟ وهل أن التطبيع مع إسرائيل يحتاج بالضرورة لتشويه الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة التي تعترف 140 دولة بعدالتها وبحق الشعب الفلسطيني بأن يكون له دولة مستقلة على أرضه؟ وهل أن الفلسطينيين قصروا بالفعل في مواجهة الكيان الصهيوني وضيعوا فرصاً للسلام كما يزعم المتحاملون على الفلسطينيين؟.

كتبنا منذ فترة مقالاً بعنوان (طبعوا إن شئتم ولكن ليس على حساب الشعب الفلسطيني) ومقالات أخرى عديدة سابقة ولاحقة حول نفس الموضوع ،ونكرر مرة أخرى ما تمنيناه على الأشقاء العرب حيث قلنا إن أردتم أن تعترفوا بالكيان الصهيوني وتطبعوا معه فهذا من حقكم ولن نحاججكم بمفاهيم الانتماء القومي والمصير العربي المشترك ومسؤولية العرب عن ضياع فلسطين ولا حتى بالمبادرة العربية للسلام التي صدرت عن قمة عربية الخ، ولكن نرجو ألا يكون سقف مواقفكم أدنى من موقف الدول الأجنبية والغربية غير العربية وغير الإسلامية التي لها علاقات مع دولة الاحتلال ولكنها لا تسئ للشعب الفلسطيني بل تحترم تاريخه النضالي وكفاءته ولا تشكك بالرواية الفلسطينية كما تتمسك بالحل العادل الذي يقوم على فكرة حل الدولتين.

الخطورة في نهج بعض الدول الخليجية تجاه الصراع الفلسطيني/العربي مع الكيان الصهيوني أنه لا ينطلق من حكم الضرورة السياسية أو المصلحة الوطنية لبلدانهم كما هو الحال مع مصر والأردن حيث طبَّع النظامان مع إسرائيل من موقف الاقتدار وبحكم الضرورة دون الإساءة للشعب الفلسطيني أو التشكيك بعدالة قضيته ودون ممارسة كي الوعي على الشعب لتغيير قناعاته تجاه الصراع مع الكيان الصهيوني، بل جاء التطبيع الخليجي خضوعاً لإملاءات أمريكية وانطلاقاً من وهم عند بعض النخب بأن هذا الكيان الصهيوني قد يشكل شبكة حماية من الخطر الإيراني ومن أية قلاقل داخلية.

أما مقولة إن الفلسطينيين فرطوا بأرضهم وحقهم وقصروا في واجبهم تجاه قضيتهم، فنحن لا ننكر وجود أخطاء وتجاوزات تم ممارستها خلال مائة عام من النضال الفلسطيني، ولا ننكر سوء الوضع الفلسطيني الداخلي بسبب الانقسام... ولكن ما آلت إليه القضية الفلسطينية ليس لخلل في النظام والأداء الفلسطيني. فمنذ منتصف الستينيات وحتى السبعينيات والثمانينات مارس الفلسطينيون العمل الفدائي باقتدار وحظوا بدعم وتأييد غالبية دول العالم واعترفت الأمم المتحدة بمنظمة التحرير واستقبلت رئيسها أبو عمار عام 1974 وما كان الرئيس الأمريكي كارتر يطرح على الأمير فهد الاعتراف الأمريكي بمنظمة التحرير مقابل اعتراف المنظمة بقراري مجلس الأمن 242 و338 كما يقول الأمير بندر بن سلطان لولا هذه المقاومة الفلسطينية،  وخلال مسيرتهم الكفاحية أستشهد وجرح وتم أسر مئات الآلاف كما قاموا بانتفاضتين داخل الأراضي المحتلة، وعندما طرح العرب بداية فكرة التسوية السياسية ساندها الفلسطينيون، وكانت بداية الفكرة سعودية مع مبادرة الأمير فهد في قمة فاس في المغرب 1981/1982 كما شاركوا في مؤتمر مدريد للسلام 1991 ووقعوا اتفاقية أوسلو مع إسرائيل والتقى الرئيس أبو عمار ومن بعده أبو مازن الرؤساء الأمريكيين والإسرائيليين من أجل السلام وما زال الرئيس أبو مازن متمسك بالحل السلمي ويرفض العنف والإرهاب، والفلسطينيون لا يطالبون إلا بتطبيق قرارات الشرعية الدولية حتى وإن اقتصرت على قراري 242 و338 اللذين يزعم الأمير بندر بأن الفلسطينيين يرفضونها.

إذن المشكلة ليس في الفلسطينيين بل عند الإسرائيليين الذين لا يريدون الموافقة على قيام دولة فلسطينية، لا عن طريق المقاومة والجهاد ولا عن طريق التسوية السياسية، ولا يريدون الاعتراف بقرارات الشرعية الدولية الصادرة عن غالبية دول العالم.

فإين قَصَّر الفلسطينيون؟ ولماذا يتم تحميل الفلسطينيين المسؤولية وتبرئة الكيان الصهيوني؟ .

إن تفسير هذا التشهير بالشعب الفلسطيني والتجني عليه ظلماً وعدواناً ليس لأن الشعب الفلسطيني وقيادته ناكرون للجميل ومعادون لدول الخليج كما يزعم الأمير بندر وبعض الإماراتيين بل لأسباب سعودية وخليجية داخلية. فالشعب العربي المسلم في الخليج عموماً مساند في غالبيته للشعب الفلسطيني و مؤمن بعدالة قضيته من منطلق قومي وإسلامي ولأن القضية الفلسطينية عادلة حتى دون تحميلها أي مضامين أيديولوجية، وتعرف الشعوب العربية وخصوصاً الخليجية جيداً الدور الإيجابي للفلسطينيين في بلدانهم في كافة المجالات، وقد اعترف خليجيون كثيرون وخصوصاً كويتيون بأخلاق وكفاءة الفلسطينيين واحترامهم للمجتمعات التي يعملون بها ولقوانينها، كما أن الشعب في الخليج يمقت الصهاينة ودولتهم ولا يريد التطبيع معهم بالرغم مما تعرض له الجيل الجديد من كي للوعي وتشويه لانتمائه العروبي، ولأن الأنظمة تعرف ذلك وتعرف أن تطبيعها مع الكيان الصهيوني لا يعَبِر عن إرادة شعبية فإنهم مهدوا للتطبيع بمحاولة كي وعي شعوبهم والإساءة للشعب الفلسطيني والتشكيك بروايته وإظهار أن الفلسطينيين ناكرون للجميل ولا يستحقون الوقوف إلى جانبهم، بل استمعنا لبعض الأصوات الشاذة من الخليجيين، وهم بالتأكيد حالات منفردة ولا يمثلون إلا أنفسهم، يُعيدون تفسير بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بما يدعم حق اليهود في فلسطين وشرعية ما يقومون به ضد الفلسطينيين... كل ذلك حتى يبرروا التطبيع مع إسرائيل.

وأخيرا، الفلسطينيون لن يتخلوا عن أمتهم العربية وإن كان عليهم الاعتماد على ذاتهم بشكل أكبر، وليس من مصلحتهم معاداة أية دولة عربية، كما أننا نرفض محاولة بعض المسؤولين الفلسطينيين الظهور بمظهر البطولة والتغطية على فشلهم بل وفسادهم من خلال التهجم على العرب والظهور بمظهر الحريص على المصلحة الوطنية الفلسطينية، ولكن نتمنى على الإخوة في الخليج الحذر من الإسرائيليين، فهؤلاء لا يريدون سلاماً وغير معنيين بأمن واستقرار دول الخليج، وأية دولة عربية يعتبرها الصهاينة أخطر عليهم استراتيجياً من أية دولة من دول الجوار حتى إيران أو تركيا، وستثبت الأيام أن الخطر الحقيقي على الأمة العربية وعلى الخليجيين تحديداً هم الإسرائيليون وحليفتهم واشنطن.

 

إبراهيم أبراش