 آراء

مكافحة الفساد في عهد عادل عبد المهدي

موسى فرجيوجد إتفاق في العراق على أن عهد المالكي هو العهد الذي شهد استشراء للفساد وممالئته وتعطيل جهود مكافحته، وأيضاً يوجد إتفاق بأن عهد العبادي قد خذل الجميع عندما لم يف بوعوده بمحاربة الفساد وذهبت صيحاته المشهورة في هذا المجال أدراج الرياح ولم يضرب بيد من حديد مواخير الفساد والافساد كما وعد تكراراً ...فهل تسفر وعود السيد عادل عبد المهدي بتحقيق نتائج في هذا المجال ...؟ لاستشراف ذلك لابد من الوقوف على الحقائق التالية :

1- قلناها تكراراً أن الفساد في العراق يختلف جذرياً عما هو سائد في بقية دول العالم فالفساد الشائع في دول العالم هو الفساد الصغير وهي تلك الأفعال التي يمارسها صغار الموظفين في حافات الجهاز الحكومي في حين أن الفساد في العراق يتصدره الفساد السياسي وهو ذلك النوع من الفساد الذي تمارسه الطبقة الحاكمة من حكوميين كبار ورؤساء أحزاب وساسة متنفذين....

2- وفي حين لا تتعدى كلفة الفساد في دول أخرى بضعة آلاف أو ملايين من الدولارات سنوياً فإن كلفة الفساد في العراق قد أتت على مئات المليارات من الدولارات من المال العام ...

3- وفي الوقت الذي يتمحور فيه الفساد الصغير على الرشاوي والكومشنات التي يحصل عليها صغار الموظفين في مجال تمشيتهم للمعاملات اليومية للمواطنين في حافات الجهاز الحكومي فإن ميدان الفساد السياسي في العراق هي أجهزة الحكومة العليا وتحديداً الدائرة المحيطة برئيس الحكومة ومراكز الوزارات والمحافظات والمصارف الحكومية ...

4- وملفات الفساد الرئيسية في العراق تقف في مقدمتها: ملف البنك المركزي " يقدر بأكثر من 100 مليار دولار" وملف المشاريع الوهمية والفاشلة " ويقدر بأكثر من 200 مليار دولار " وملف عقارات الدولة المستولى عليها من قبل الأحزاب والشخصيات الرسمية النافذة وقيمته تفوق قيمة الملفين السابقين الى جانب عشرات الملفات الأخرى الخطيرة مثل ملف سرقة وتهريب النفط وملف التسليح وملف الرواتب لعشرات الآلاف إن لم يكن مئات الألاف من الموظفين الفضائيين في القطاعين العسكري والمدني ...

هذا يعني أن الفساد في العراق هو فساد الكبار وليس الصغار وبديهي أن مواجهة هذا النوع من الفساد تتطلب قدرة مكافئة لقدرة مرتكبيه إن لم تزد عن ذلك والقدرة في هذا المجال تأتي من واحد أو أكثر من ثلاثة مصادر: إما دولة المؤسسات وسيادة القانون، أو توفر العزيمة الصادقة في رأس السلطة لمواجهه حقيقية للفساد أو وجود جهاز مستقل وقوي وفاعل لمكافحة الفساد...

1- عندما تكون الدولة دولة مؤسسات وسيادة القانون فإن الموظف المكلف بمواجهة الفساد يتصدى للمهمة متسلحاً بقدرة الدولة بكاملها وليس بقدرة تلك المساحة التي يتيحها له مركزه الوظيفي فقط فالشرطي ومراقب البلدية في دولة المؤسسات وسيادة القانون يعصف بأكبر شارب وفقاً للتشبيه الدراج في العراق فهل هذا موجود في العراق...؟ طبعاً لا...في العراق ورغم مرور 15 سنه على التغيير فإن الأطراف السياسية التي انتقلت اليها السلطة في أعقاب سقوط نظام صدام حسين ما زالت حبيسة دائرة الصراع على السلطة ولم تنتقل للبناء بعد ولم تتعدَّ دائرة اهتمامها موضوع التزاحم على المناصب وممارسة الازاحة والازاحة المضادة لبعضها وصولاً لمنابع الفساد كما ان غياب القانون هو السمة السائدة في العراق والفوضى السياسية والإدارية ضاربة أطنابها طولاً وعرضاً حتى أن ثلاثة محافظين لبغداد يتزاحمون اليوم بالمناكب وفوهات البنادق كل يدعي أنه المحافظ الرسمي لبغداد وغيره باطل وعندما أصدر رئيس الجمهورية برهم صالح الذي يوصف عهده بعهد الشباب الذي خلف عهد العواجيز أمراً رسمياً وخطياً بوجوب التريث وانتظار قرار القضاء بحسم من هو منهم المحافظ كي تكون ليلى زوجته الشرعية من بين من يدعون الوصل بها لم يجد قرار الرئيس أذنا صاغيه ولم يعرف سبيلاً للتنفيذ...وأمس بالذات فوجئنا بخبر تصدر أشرطة الأخبار السريعة على الفضائيات العراقية يشير الى احتدام النزاع بين قطبي القضاء في العراق مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية بشأن أيهما صاحب العلوية على الآخر مجلس القضاء الأعلى أم المحكمة الاتحادية وقد ينذر ذلك بصراع تستخدم فيه المناكب والبنادق أيضاً اما عن رئيس الحكومة فإنه لليوم لم يكمل تشكيلته الوزارية التي تتقاذفها الأمواج بين وزير ربيب لداعش وآخر تنز أذياله بالفساد ...هذه أمثلة فقط ...

2- أما عن الرأس التنفيذي الأعلى المواجه للفساد فإنه في حقبة المالكي يوصف بانه العائق الأول في مكافحة الفساد وفي عهد العبادي خذل الجميع بتنصله عن وعوده بضرب الفساد وعهد عبد المهدي يوصف بأنه أضعف العهود وأوهنها ...

3- يبقى الشرط الثالث أعني وجود جهاز مستقل وقوي لمكافحة الفساد... هيئة النزاهة هيئة مستقلة تخضع لرقابة مجلس النواب بموجب احكام المادة 102 من الدستور العراقي الا انه وخلافاً للدستور تمت السيطرة عليها من قبل رئاسة الحكومة في عهد المالكي من خلال تأسيسه مجلس مكافحة الفساد الذي انيطت رئاسته بأمين عام مجلس الوزراء التابع لرئيس الحكومة واعتبرت هيئة النزاهة جزء منه الأمر الذي جعلها مغلولة اليد في مواجهة ملفات الفساد التي تريد الدائرة المحيطة برئيس الحكومة تجنبها وأيضا لاستخدام الهيئة لتصفية خصوم المالكي ...في عهد العبادي تحولت رئاسة مجلس مكافحة الفساد من أمين عام مجلس الوزراء الى رئيس الوزراء نفسه لكن المجلس لم يحرك ساكناً...

ورغم أن سيطرة الحكومة او رئيسها على أجهزة مكافحة الفساد مخالف للدستور لأن المجلس مكون من هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية والقضاء في حين أن هيئة النزاهة مستقلة بموجب الدستور وديوان الرقابة المالية يرتبط إداريا بمجلس النواب بموجب الدستور ايضاً في حين أن القضاء مستقل ويحتكم الى مبدأ الفصل بين السلطات وأيضاً يصطدم الأمر بمنطق الأشياء فاذا كان ميدان الفساد في العراق هو الحكومة والدوائر المحيطة برئاسة الحكومة بالذات فكيف تناط رئاسة مكافحته بنفس الفاعل أعني الحكومة...؟.

مع ذلك اذا كانت مهمة مجلس مكافحة الفساد التنسيق بين أطرافه دون خضوعه لرئاسة الحكومة وبقصد أن يكون فاعلاً في مواجهة الفساد فإنه لا ضرر من ذلك ولكن يتطلب توفر الشرط الثاني أعني " توفر العزيمة الصادقة في رأس السلطة لمواجهه حقيقية للفساد " فهل تتوفر مثل هذه العزيمة في شخص السيد عادل عبد المهدي الذي تتقاذفه الكتل السياسية ولم يستكمل كابينته الوزارية رغم مرور أكثر من شهرين...؟

هذا هو الأمر ....

 

موسى فرج

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

من يرعى القطيع أذا كان الرقيب فاسدا ؟

شاكر عبد موسى
This comment was minimized by the moderator on the site

على القطيع أن لا يستمر قطيعاً...

موسى فرج
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ موسى
نعم يوجد اتفاق على توصيف جميع حكومات مابعد2003 وخاصة حكومة المالكي بالفساد السياسي والاقتصادي والاخلاقي وتشخيصكم دقيق لاشكال وظواهر الفساد وماذكرته من ملفات وارقام صحيح وهناك امثلة اخرى خاصة ملف الموصل وسبايكر وضعف هيبة الدولة وانتشار الميليشيات والعشائرية واطلاق سراح المجرمين والفاسدين واضعاف التعليم وتردي خدمات الصحه والبنية التحتية وفساد مشاريع الكهرباء ...المشكله توخي الحلول من نفس مؤسسات الفساد الخاوية والمسيطر عليها من قبل احزاب السلطه والدولة العميقة وهذا رهان غير دقيق وميؤس منه هناك راي استاذ موسى يتلخص ببديل يمتاز بوضوح الهدف والرؤية في التخلص من منظومة الفساد المتجذرة وهو الخلاص النهائي من رموز الفساد الكبيرة و يتضمن حلين جذريين :
الاول
فوز انتخابي ساحق لقوى مدنية موثوقه بعدتغيير نظام الانتخابات ومفوضية الانتخابات .
والثاني
عن طريق ثورة شعبية
طبعا لايوجد تغيير جذري دون وجود بديل واضح المعالم له خطاب غير مهادن لايختلط مع الاخرين واليات يشارك فيها جميع النشطاء وعلاقات وطيدة مع جماهير الشباب والفقراء والمثقفين ...
مع الود .

ناجي العلي النشمي
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي لك استاذ ناجي ..نعم اتفق معك في ذلك ولكن كي يكون اتفاقي تاما ومنتجاً يلزمني توفر واحد من امرين : وعي جمعي مضبوط يحقق لي الفوز الساحق للقوى المدنية او تحول ذلك الوعي من حالته الكمية الى النوعية ليصنع لي ثورة شعبيه ، وبانتظار تحقق ذلك فاني سأتعامل مع الموضوع بحالته الجزئية وليس الكلية فأقول للسيد رئيس الوزراء ان رئاستك لمجلس مكافحة الفساد سيف ذو حدين ممكن أن توفر له الدعم فينهض ويمكن أن تكبله بوزنك فيغوص في التراب ...دعت بعض الفضائيات السيد عادل عبد المهدي لاشراكي وآخرين ضمن مجلس مكافحة الفساد والفرق الذي يمكن أن أحدثه في هذا هو اني لا امسك بقلم ودفتر ملاحظات لتدوين توجيهات السيد عادل عبد المهدي بل اقول له : كي تتحقق نتائج اريد منك كذا وكذا ...تقبل محبتي وتقديري

موسى فرج
This comment was minimized by the moderator on the site

الكتلة تطلب من الوزير والوزير يضغط على المدير العام والمدير العام يهدد الموظف وفي النتيجة لو يتورط من اجل تلبية مطامعهم لو يطلب الاستقالة او التقاعد

سعدية العبود
This comment was minimized by the moderator on the site

صحيح جداً..ولكن من هو الخرده فيهم...؟ الوزير...ويليه المدير العام الا ان كانوا فاسدين أيضاً,,,تحياتي لك

موسى فرج
This comment was minimized by the moderator on the site

مقالة تستحق الدراسة بأمعان وتروي وكياسة ... كونها صيغت بأنامل كاتب من اهل البيت كما يقول المثل العراقي اضافة الى الحس والحرص الوطني الذي يمتلكه الكاتب الكريم ... ولكن سنصطدم بمقولة الرجل المناسب في المكان المناسب التي نعاني منها في حياتنا السياسية والأقتصادية والتنموية ... ولك الله والمخلصين يا شعب العراق المظلوم .

أبو اثير
This comment was minimized by the moderator on the site

احترامي وتقديري لك ابو أثير العزيز ...عندما يكون الأمر متعلقاً بالعراق فكلنا أهل للبيت وما عاش الذي ينكر علينا ذلك

موسى فرج
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4512 المصادف: 2019-01-12 01:43:44