 آراء

هل ستحقق الحكومة العراقية الجديدة الوفاق مع المجتمع؟

فالح الحمرانيينبغي أن تقف مسألة الوفاق بين السلطة والمجتمع في أولويات الحكومة الجديدة، ومن دون العمل بالعثور على هذا الوفاق فإن المجتمع قد يسحب الثقة عنها، ويقلل من شرعيتها، وحتى المطالبة بتغيرها . إن بمقدور حكومة عادل عبد المهدي الجديدة تحقيق الوفاق بينها وبين المواطنين، من دون البحث عن الأعداء ولا  إثارة المخاوف من الجيران ولا اختلاق الخرافات عن الأهداف العليا ومسؤوليات الشعب الخاصة أمام التاريخ العالمي والقومي، ولكن في هذه الحالة ينبغي على الحكومة أن  تتحلى بالمهنية الحقة، وان تتجه تحركات الدولة نحو حماية حقوق ومصالح المجتمع. وهذا ممكن فقط حينما يكون الموطن حر في انتخاب حكامه، ويمتلك المعرفة والخبرة، الكافية  لأن يكون انتخابه عقلاني.

أن مهمة مؤسسات الحكم في أي بلد هو السعي إلى الحصول على الشرعية: موافقة المواطنين عليها، لتسهيل عملية إدارتهم، أو بكلمة أدق كيفية إدارتهم. ومن دون شك يمكن إخضاع المواطن عن طريق العنف والتهديد. بيد إن هذا الأسلوب فاعل لاغتصاب السلطة، ولكنه غير فعال للبقاء فيها لزمن طويل.

واذا ما اعتمدت السلطة فقط على الترويع والتهديد،  فينبغي عليها تشديد الرقابة بصورة دائمة: فرض الرقابة على سلوك وتصرف المواطنين، وعلى حركة البضائع...الخ. إن فرض مثل  هذه الرقابة ممكنة فقط على المنتوجات البسيطة أو على الهيئات الاجتماعية البسيطة. فقد كان بوسع رقيب يحمل عصا غليظة تأمين رقابة فعالة على عشرات العبيد الذين ساهموا في بناء الأهرامات. وبات بمقدور جندي يحمل رشاشة حراسة شريط حدودي طويل ومنع تهريب البضائع عبره. ولكن في حال تعقد عملية الإنتاج أو المنظمات الاجتماعية وغيرها من البنى الوطنية ستكون هذه الرقابة مهمة صعبة للسلطة وفي نهاية المطاف غير فعالة لذلك حتى أنظمة الاحتلال تسعى إلى تكوين أجهزة التسيير الذاتي، التي عليها إن تبدو للسكان بانها ولو لحد ما، شرعية. وكما قيل أن السيوف حسنة للجميع، ولكن من الصعوبة الجلوس عليها.

أن التجربة التاريخية برهنت على أن السلطة المستقرة والفعالة يمكن أن تكون فقط السلطة التي تتمتع بالشرعية. لماذا يوافق الناس على الخضوع؟  إن هذا يعود في المجتمعات المثالية إلى أن السلطة التي شكلها المواطنون تأخذ بأقصى حد مصالح كل فرد منهم ومصالح الجميع، ولأنها تحقق لحد مقبول  الأهداف الوطنية/ الاجتماعية.

إن أصحاب السلطة يسعون دائما إلى أن يدعم المواطنون  ويباركوا كل خطوة  يقومون بها. ولكن  الأكثر أهمية  لاستقرار السلطة هو الاتفاق بين السلطة والمجتمع على هذه أو تلك من الأهداف التي  من اجل تحقيقها يتم إنجاز هذا العمل أو ذاك، وربما حتى من دون مباركة المواطنين له. فمثلا اذا رأى المواطنون إن الحكومة تسعى إلى استعادة جزء من تراب الوطن الذي استولت دولة أخرى في زمن ما، وان هذا الهدف ضمن الأولويات وإنه مصيري، فان عدم  الموافقة الاجتماعية على أسلوب تحقيق هذا الهدف ( فرضا إن الحكومة تلجأ إلى الحرب لتحقيق هذا الهدف، وان المواطنين  يفضلون تحقيقه بالطرق السلمية)  يمكن أن لا يقوض شرعية السلطة، ولكن اذا اعتبر المواطنون المتحمسون لاستعادة الأراضي المفقودة، إن الحكومة لا ترغب ولا تروم استعادة جزء الوطن المفقود باي شكل من الأشكال، فبأكثر احتمالات انهم سيطالبون بانتخاب حكومة جديدة أو يكفون عن اعتبارها سلطة شرعية، وسينظرون لها كهيئة غريبة غير وطنية.

أن التوافق بشان الأهداف الذي تسعى السلطة تحقيقيها، يعني ولو جزئيا تطابق السلطة مع المجتمع. نظرا لأن الدولة معنية، بأن يتفق المواطنون معها ويرون، إنها تعبر عن مصالحهم، وانها تطمح إلى الإعلان عن أهداف مفهومة وتحظى بالشعبية.

قد تكون اسهل وسيلة لتحقيق وفاق الشعب مع السلطة، هي إثارة الشعور لدى المواطنين بان امنهم مهدد، وهذا ما شاهدناه حينما ابدى المجتمع العراقي تأييده الواسع لرئيس الوزراء السابق حيدر العبادي واتسعت شعبيته، حينما اجتاحت داعش جزء كبير من الأراضي العراقية، وباتت تهدد العاصمة بغداد. فالمجتمع شعر بان الخطر يهدد نظامه واقتصاد البلاد ونوعية الحياة،  وبالتالي الحياة نفسها. وتجسدت تلك المخاوف في كافة المناطق التي احتلتها داعش، وغدت مصدرا طبيعيا لتعميق الشعور بمصادر الخطر. وأحيانا تقوم الظروف الطبيعية  بهذا الدور، مثلا بالنسبة للعراق انخفاض أسعار النفط أو شحة مياه الرافدين، والهزات الأرضية وغرق المدن بالأمطار. بيد من الأسهل من الناحية النفسية، العثور على مصدر خارجي للخطر من دولة أخرى أو شعب آخر، من إيجاده في الداخل، لذلك  تروج بعض الجهات اليوم لتضخيم الخطر المحدقة بالعراق، مرة من هذه الدولة المجاورة أو تلك، أو من قوى دولية. وفي هذه الحالة  تيسر للسلطة الحديث لفظيا عن أهداف استدامة الحيوية المادية والثقافية والاقتصادية  للبلاد، وظهرت الكثير من المؤشرات على اتفاق المجتمع مع السلطة، على خلفية انتشار الشعور اكثر في المجتمع، بالخطر.

ونلاحظ أيضا إن السلطة تحاول التوصل إلى نيل الاتفاق مع المجتمع من خلال طرح أهداف عامة غير محددة، ذات سمات تبشيرية. وتحاول الإيحاء للشعب من خلال توظيف الماكنة الدعائية والوعظ للإيمان بها، والغريب في الأمر إن المواطن غالبا ما يؤمن بالدعاوى التي تعمق في الانقسام الطائفي، من خلال الإيحاء بوجود رسالة لدى هذا المكون أو ذاك في الدفاع وحماية مذهبه الديني وتوسيع نشره من أخطار الآخر، داخلي أو خارجي، إن الموافقة على هذه الأهداف الشاخصة للمستقبل تجعل من المحتم المقاربة غير البناءة من وقائع اليوم. لذلك نرى أن ليس من المهم للحكومات المتعاقبة أن تكون فاعلة في توفير مستوى كريم للحياة والتعليم والرعاية الصحية  بل مدى الاقتراب من تحقيق الأهداف الغامضة والموهومة.  وفي هذه الحالة فان الحكومات وحدها حددت مقاييس نجاحاتها التي تحققت وهذا ما طالعناه في تقارير كافة الحكومات العراقية المتعاقبة منذ الاحتلال الامريكي عام 2003  .

 

د. فالح الحمـراني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4512 المصادف: 2019-01-12 12:05:50