 آراء

العراق بين مطرقة إيران وسندان الولايات المتحدة الأمريكية

جواد بشارةهل سبب ذلك هو غياب الدولة والسيادة أم ضعف السلطة والنظام في مواجهة واقع التدخلات؟

من البديهي القول، في مجال التحليل الجيوستراتيجي، أن هناك معادلة شرق أوسطية مرتبطة بتوازن قوى إقليمية ودولية ومحلية، وفي حال حصول أي خلل في طرفي المعادلة تنشأ الأزمات والتوترات، وربما تتطور إلى مواجهات مسلحة. هذا هو واقع العراق اليوم، فهو واقع بين فكي كماشة طرفيها يتنافسان على النفوذ والثروات . فمن جهة لم تيأس روسيا، وريثة الإتحاد السوفيتي السابق، في استعادة بعض نفوذها في العراق من خلال صفقات بيع الأسلحة والحصول على صفقات تجارية وصناعية عديدة في مجال الطاقة وغيرها، في حين تريد الولايات المتحدة الأمريكية الاستحواذ على كل شيء في العراق بذريعة أنها هي التي قدمت الخسائر والأموال والأرواح لقلب نظام الحكم السابق وبالتالي من حقها وحدها احتكار الغنائم المترتبة على غزوها واحتلالها للعراق منذ العام 2003 ولغاية اليوم. إلا أن الطرف الإقليمي داخل المعادلة ما يزال فاعل ومؤثر ويتمثل بإيران والعربية السعودية وتركيا وبعض دول الخليج الأخرى كقطر، وإلى حد ما سوريا، قبل أن تغرق في وحل الحرب والتدمير الداخلي، والأردن الذي يقطف ثمار ما يجري في العراق لترميم اقتصاده وتقويه بنيته التحتية وتحقيق التطور والتنمية . وفي أطراف المعادلة الجانب المحلي أيضاً والمتمثل بقوى سياسية موالية لهذا الطرف أو ذاك، إقليمياً ودولياً.

إقليمياً، نلمس تواجداً حقيقياً وتدخلاً مباشراً لأكبر ثلاث قوى إقليمية في المنطقة وهي إيران والسعودية وتركيا، على كافة الصعد العسكرية والأمنية والاقتصادية. إلا أن التنافس الأكثر وضوحاً هو بين العربية السعودية وإيران الذي يتخذ أشكالاً مختلفة، ليس أقلها دعم وتوجيه قوى سياسية وعسكرية محلية عراقية ميدانية عن طريق التمويل والتسليح والدعم المادي والمعنوي. شريطة أن ينفذوا ما يسهم في ترسيخ النفوذ الإقليمي لكل طرف معني بهذه المعادلة. العقبة الأساسية تتمثل في الصراع المباشر بين طرف إقليمي وهو إيران، وطرف دولي وهو الولايات المتحدة الأمريكية وهو الأمر الذي كان يحدث بالوكالة عادة وليس بالاشتباك المباشر كما يحدث الآن في العراق. حيث يأخذ الصراع طابع فرض الإرادات ولوي الذراع وعلاقات القوة في ساحة خارج البلدين هي الساحة العراقية التي يتواجدان فوقها أمنياً وسياسياً وعسكرياً واقتصادياً. لكل طرف أدواته المحلية العراقية وتحالفاته الإقليمية وخطابه الإعلامي والدعائي الذي يروج لسياسته وذلك في غياب تام للرأي العام العراقي وللإرادة العراقية الحرة المستقلة. تبدو إيران هي القوة المهيمنة على المشهد العراقي حيث توجد تشكيلات وعناصر مسلحة وتنظيمات سياسية وعسكرية موالية أو تابعة لها مباشرة وتتلقى أوامرها وإملاءاتها وتوجيهاته ومستعدة لخوض معارك ميدانية للدفاع عنها وعن مصالحها في العراق في حالة تعرضها لعقوبات دولية وأمريكية جائرة وحصار اقتصادي التي تريد الولايات المتحدة أن يلتزم بها " العراق الرسمي" أي الدولة العراقية، بغية عدم تعريض نفسها لتبعات وتداعيات تلك العقوبات التي سوف تنعكس عليها سلباً في حالة عدم الانصياع وتنفيذ الإملاءات الأمريكية. لذلك يجد العراق نفسه في موقف صعب جداً لهو غير قادر على رفض الأوامر الأمريكية ولا مواجهة إيران بموقف يهدد مصالحها الحيوية في العراق من خلال التزامه بالعقوبات المفروضة على إيران، بل و لا حتى بإمكانه إنتهاج مبدأ النأي بالنفس وعدم التورط في هذا الصراع الذي لا ناقة له فيه ولا جمل. تضغط إيران على قوى سياسية وبرلمانية في العراق باتجاه إصدار قانون يطالب رسمياً بإخراج القوات الأمريكية والأجنبية عموماً من العراق. ولكن هناك أجندات غير عراقية تقف وراء مثل هذا المخطط، فمصلحة العراق تتمثل بإنهاء كل أشكال النفوذ والتدخل المباشر في شؤونه، سواء أكانت إيرانية أو أمريكية أو سعودية أو تركية، لكنه اضعف من أن يقوم بذلك في الوقت الحاضر. فأي تصعيد في المواقف بين الأطراف المتصارعة على أرض العراق من شأنه أن يحدث استقطاباً بين القوى المؤيدة لإيران، وهي كثيرة، والقوى المؤيدة لبقاء القوات الأمريكية في العراق، وهي ليست قليلة، واقصد بهؤلاء جزء من السنة والأكراد وبعض القوى الشيعية الموالية لأمريكا على نحو خفي ومستتر، وقد يتطور هذا الاستقطاب إلى مواجهات مسلحة دموية على الساحة العراقية يدفع ثمنه والخسائر المترتبة عليه الشعب العراقي برمته، وأول الغيث هو حدوث انشقاق داخل ما يعرف بالحشد الشعبي عندما تجرأ أحد مكوناته في انتقاد إيران علنا وبالإسم الصريح واتهام بعض العناصر المسلحة الموالية لها باغتيال الروائي العراقي علاء مشذوب . وهو تنظيم كتائب أبي فضل العباس الذي يقوده أوس الخفاجي الذي تم اعتقاله وإهانته وتهديده وغلق مكاتبه على يد فصائل أخرى من الحشد الشعبي تابعة لأبو مهدي المهندس وعصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي، دون أن يعلنوا عن هوياتهم الصريحة بالطبع.

الخاسر الأكبر في الخلل الحاصل في هذه المعادلة هو الحكومة العراقية الجديدة والرئاسات الثلاث وخاصة رئاسة مجلس الوزراء إذ يبدون في نظر العراقيين والمراقبين بأنهم بلا حول ولا قوة مهما حاولوا ترقيه صورتهم وإطلاق تصريحات كلامية لا أساس لها من الصحة على أرض الواقع. فإنكار وجود قواعد أمريكية على أرض العراق يفقدهم مصداقيتهم لدى الرأي العام العراقي فالكل يعلم أن هناك قاعدة أمريكية كبيرة محصنة في عين الأسد ويتواجد فيها مايربو على العشرة آلاف مقاتل بكامل أسلحتهم ومعداتهم الحربية الثقيلة، وهي القاعدة التي زارها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فجأة وبدون سابق إنذار وبدون إعلام الحكومة العراقية وبلا حتى طلب إذنها أو موافقتها، ما يؤشر إلى غياب السيادة العراقية واحتقار الولايات الأمريكية لهذه السيادة الناقصة إن لم تكن الغائبة كلياً بنظر الأمريكيين، إلى جانب وجود عدة قواعد منتشرة في ريوع كردستان العراق وبعلم وموافقة إدارة الإقليم والحكومة العراقية المركزية. فالسيد رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي، الذي جاء لقيادة عملية إصلاح شاملة، قد لايرغب في السر بمغادرة القوات الأمريكية كلياً لأنها تشكل، على نحو ما، نقطة ارتكاز لقوة عسكرية مسلحة مساندة له قد يستفيد منها في المستقبل في حالة نشوب مواجهة بينه وبين قوات الحشد الشعبي الموالية لإيران إذا ما استفحلت هذه الأخيرة وتغولت وصارت تتحكم بحياة العراقيين في كل صغيرة وكبيرة وهو أمر غير مستبعد. إلى جانب ما يواجه السيد عبد المهدي من تحديات مجتمعية عاجلة خاصة الخدمات والماء الصالح للشرب والكهرباء والصحة والحصة التموينية والبطالة، لا سيما تلك المنتشرة بين الخريجين من الجامعات والذين لايجدون تعيينات أو فرص عمل، والأهم من كل ذلك فتح ملف الفساد الذي ينخر أحشاء العراق كالخلايا السرطانية وإيجاد السبل لمكافحة هذا الوباء المستشري في الجسد العراقي لكن واقع الأمر لا يسمح للسيد رئيس مجلس الوزراء أن يقوم بهذه المهمة رغم تأسيسه للمجلس الأعلى لمكافحة الفساد وعزمه الجدي على تحقيق هذا الهدف لكنه يعرف جيداً من هي رؤوس الفساد الكبيرة وماهي قوتها وحجمها وتأثيرها، ومنها ما هو موجود في حكومته ويتواجدون حوله وبالقرب منه، وكذلك داخل مجلس النواب والكتل السياسية المتحكمة بالعملية السياسية العراقية برمتها، وهم من يسميهم العراقيون بالحيتان الكبيرة وجيش من التابعين لهم والمستفيدين منهم في كافة مفاصل الدولة. يكمن خوف العراقيين من تذبذب المواقف الأمريكية وتغيرها باستمرار والغدر بهم في حالة اعتمادهم على ماتعلنه الولايات المتحدة الأمريكية من عزمها على إنهاء الوجود والنفوذ الإيراني تماماً في العراق، ولديها سابقة خطيرة في تسعينات القرن الماضي حيث غدرت بهم إبان الانتفاضة الشعبانية،، وهل الولايات المتحدة الأمريكية قادرة فعلاً على استئصال الوجود الإيراني بدون إرسال قوات عسكرية جرارة قد تكون أكبر من تلك التي أرسلتها لغزو العراق سنة 2003 وهو الأمر الذي لايريده الرئيس الأمريكي ترامب ولا الشعب الأمريكي ولا يؤيده الرأي العام الأمريكية لتكلفته العالية والخسائر البشرية المترتبة عليه؟. خاصة وإن هناك إشاعات عن وجود اتصالات سرية ومفاوضات غير معلنة لكنها مباشرة بين الأمريكيين والإيرانيين حول مسألة تقاسم النفوذ في العراق ودور إيران في المنطقة إذا ما ضمن الأمريكيون عدم تهديد إيران لإسرائيل، لأن هذه الأخير اعتبرت إيران الخطر الأكبر على حياتها ووجودها، وهو العامل الأهم في المعادلة الشرق أوسطية بنظر الأمريكيين، لذلك تحاول الولايات المتحدة تأسيس ناتو عربي إسلامي موالي لها لمواجهة تمدد وتوسع النفوذ الإيراني في المنطقة، لا سيما في العراق ولبنان وسوريا واليمن، وفي كافة المناطق التي تتواجد فيها أقليات شيعية. ولكن لو تعهدت إيران سراً أو عن طريق خطابها الإعلامي، بعدم إشهار عدائها لإسرائيل والكف عن التحرش بها في سوريا ولبنان، وبالمقابل تعهد الولايات المتحدة بعدم السعي لإسقاط النظام الإسلامي الشيعي في إيران وعدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية، ورفع العقوبات عن إيران فربما يمكن التوصل إلى تفاهمات واتفاقات بين الجانبين على حساب الحلفاء الإقليميين بالطبع، وهذا غير مستبعد.

هناك في الوقت الحاضر في الظاهر معسكرين: الأول ويسمونه معسكر الاعتدال الذي تقوده السعودية وبعض دول الخليج وتدعمه الولايات المتحدة الأمريكية، ومعسكر الرفض والمقاومة ونواته الشيعة وتقوده إيران ويضم القوى الشيعية العراقية المسلحة وحزب الله اللبناني وسوريا الأسد والحوثيين في اليمن وبعض القوى الشيعية الحركية في البحرين والكويت والقطيف .

الرئيس الأمريكي ترامب يعلم علم اليقين أنه ليس باستطاعته مهاجمة إيران من داخل الأراضي العراقية لوجود قوى عراقية شيعية مسلحة يمكنها أن تضربه من الخلف دفاعاً عن إيران، بل ولا حتى تشديد الحصار على إيران وخنقها من الجانب العراقي المرتبط بإيران تجارياً واقتصادياً وسياسياً ومذهبياً وحدودياً وعسكرياً، ما يجعل مثل هذا السيناريو مستحيلاً وكل مايقوم به ترامب يدخل في باب التهديد اللفظي والابتزاز الاقتصادي لدول المنطقة وبضمنها العراق. فالانتخابات العراقية الأخيرة لم تأتي بقوة كبيرة ومؤثرة وحاسمة مؤيدة لأمريكا ولا لإيران،فالكفة متعادلة لدى الطرفين في تشكيلة الحكومة العراقية الجديدة المزدوجة الولاء للخصمين اللدودين أمريكا وإيران. لقد تعمدت الولايات المتحدة الأمريكية حل الجيش العراقي النظامي السابق وأضعفت الجيش العراقي الجديد البديل ولم تدربه أو تجهزه كما ينبغي ما فتح المجال أما عناصر وميليشيات مسلحة كثيرة أن تمارس قوتها وسلطتها الخارجة عن القانون والشرعية قبل تأسيس الحشد الشعبي بفتوى المرجعية لمحاربة داعش الإرهابية، فانضمت كافة الفصائل المسلحة الميليشياوية لتشكيلة الحشد الشعبي واختلطت الأمور حيث باتت كلها تتمتع بالشرعية والقدسية وإستحالة المساس بها من جانب الحكومة إلى جانب وجود القوى المسلحة الكردية " البشمركة" التي تأتمر بأوامر الحكومة الكردية في الإقليم رغم كونها جزء لا يتجزأ من الجيش العراقي وتأخذ مرتباتها من وزارة الدفاع العراقية. فهل تجهل الولايات المتحدة الأمريكية هذا الواقع العراقي المعقد؟ كلا بالطبع لذلك لم تفاجأ أمريكا بانهيار الجيش العراقي النظامي في المناطق الشمالية والغربية عندما هجمت عصابات مسلحة منفلتة إرهابية وهي التابعة لتنظيم داعش الإرهابي، واحتلت ثلثي العراق، وقبل ذلك سيطرة ونفوذ التشكيلات الإرهابية المسلحة التابعة لتنظيم القاعدة الإرهابي والدولة الإسلامية في العراق بقيادة الإرهابي الأردني أبو مصعب الزرقاوي على أغلب مناطق العراقي الغربية بل وحتى في العاصمة بغداد نفسها. فلقد انهزم الجيش العراقي في الموصل والأنبار وغيرها من المناطق أمام حفنة من عصابات داعش المسلحة بأسلحة خفيفة وخلال ساعات قليلة ولم تفتح الحكومات العراقية المتعاقبة لحد الآن، من نوري المالكي ومرورا بحيدر العبادي وانتهاءاً بعادل عبد المهدي، ملفات تحقيق بهذا الخصوص لمعرفة أين يكمن الخلل ومن المسئول عن ذلك الانهيار وهل بالإمكان محاسبته قضائيا وقانونياً. واليوم يجد الجيش العراقي نفسه أضعف من أن يقوم لوحده بمهمة الدفاع عن الوطن لأنه ليس بالقوة اللازمة لمواجهة التهديدات الإرهابية ولا التنظيمات المسلحة غير الرسمية التي تسيطر على أغلب مناطق العراق، فضلاً عن التهديدات والتدخلات الإقليمية والانتهاكات التي تقوم بها بعض دول الجوار كتركيا. أمريكا تقول أنها موجودة وباقية في العراق، وإيران تعلن أنها موجودة وباقية إلى ألأبد في العراق وتتدخل في كل صغيرة وكبيرة فيه بما في ذلك اختيار الوزراء والمسؤولين . وأخيراً لا يجب أن ننسى دور وموقف المرجعية الشيعية العليا في العراق ونفوذها السياسي والمعنوي في كل مفاصل العملية السياسية والمجتمعية في العراق الجديد منذ سقوط نظام صدام حسين وإلى يوم الناس هذا.

 

د. جواد بشارة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4544 المصادف: 2019-02-13 03:31:30