 آراء

ترامب ونتانياهو.. فقه الساسة فى نقض العهود

لم يشهد التاريخ استخفافا بالقانون الدولى كما نشهده اليوم فالكل يعمل حسب مصالحه لا يأبه ان تعارضت تلك المصالح مع تعهداته الدولية ام توافقت معها، وقارب العالم اليوم الى الارتكان الى قانون القوة، والعلامات الدالة على هذا لا تحتاج الى بيان او برهان، فالعالم يذخر بالدماء نتيجة انتهاكات القانون الدولى الانسانى ويذخر بالدموع نتيجة انتهاكات القانون الدولى لحقوق الانسان حتى جاءنا الرئيس ترامب بفرية خرق المواثيق والتعهدات الدولية وركل كل الاتفاقيات التى يرى هو وليس غيره انها لا تخدم مصلحة الشعب الامريكى وتبعه فى ذلك صنوه ناتنياهو ثم صار قادة العالم فى كل حدب وصوب يبحثون عن الخروج من مأزق التعهدات الدولية والمحلية على السواء انصياعا لاهوائهم تارة، وتحقيقا لرغباتهم تارة، وانتقاما من خصومهم ترات اخرى.

فالى اى مدى يوجب القانون التزام الحكام بموجبات القانون ومقتضيات العهود ؟ والى اى مدى يستطيع اولائك الحكام اللهث وراء رغباتهم حتى لو كان ذلك ضد الالتزام بتلك العهود

القاعدة العامة فى المعاهدات الدولية انها لا تسرى الا بين اطرافها ولا ترتب آثارا قانونية الا فى مواجهتهم - الا من بعض احكام استثنائية محدودة – سواء اكانت تلك الاثار حقوقا ام التزامات (م 40) من اتفاقية فينا للمعاهدات لسنة 1969م، ولهذا فان تلك الاتفاقية قد لزمت اطراف المعاهدة الدولية احترام بنودها وعدم التصرف تحت اى ظرف بما يخالف احكام المعاهدة ولهذا فانه من غير المقبول فى فقه القانون الدولى ان يقوم احد اطراف المعاهدة الدولية بالتصرف او اتيان اى عمل يخالف تعهداته التى التزم بها بموجب معاهدة دولية مكتملة الشروط، كم انه من غير المقبول ايضا الالتفاف على احكام المعاهدة والتلاعب بالالفاظ او المواقف فى سبيل القيام بعمل يخلف بنود المعاهدة، حيث نصت اتفاقية فينا للمعاهدات على ان تقوم اطراف المعاهدة الدولية بتنفيذ التزاماتها بما يتوافق وحسن النية فى المادة 26 منها(كل معاهدة نافذة تكون ملزمة لاطرافها وعليهم تنفيذها بحسن نية) وفى هذا الخصوص يقول الدكتور على صادق اوهيف فى كتابه القانون الدولى العام (ان مبدأ احترام الدول للمعاهدات التى تكون طرفا فيها وتقيده بها الزم فى محيط القانون الدولى العام من مبدأ احترام التعهدات فى محيط القانون الخاص لانه فى حالة القانون الدولى الراهنة لا يوجد – كما هو الحال داخل الدولة – سلطة عليا لديها من الوسائل ما يمكنها من ان تتولى تنفيذ المعاهدات جبرا اذا ما حصل اخلال بها) وعليه فانه فى حالة عدم احترم الدول لألتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية فانه ستسود الفوضى مما يعنى انهيار القانون الدولى ( نتيجة ما يؤدى اليه هذا الاخلال من تصادم مستمر بين الدول للدفاع عن مصالحها المتضاربة) .

لم يترك القانون الدولى امر تعديل المعاهدات او الانسحاب منها لاهواء المسؤليين فى الدولة لان استقرار الاوضاع التى تقررها المعاهدات الدولية امر مهم للسلم والامن والرفاه الاقتصادى والاجتماعى هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فان الاطمئنان الدولى لا يتأتى الا حين يشعر المجتمع الدولى انه غير معرض لتغيير الاوضاع بتغيير الحكام وان ما نظمته معاهدة دولية مكان احترام كامل من ساسة الدول وان النظام الدولى يسير وفقا للقانون وليس وفقا رغبات الساسة، ففى تعديل المعاهدات – مثلا – نصت المادة 40 من اتفاقية فينا على جملة شروط يجب على الدول الالتزام بها وتصب جميعها فى اعلان رغبة تعديل المعاهدة واتفاق الدول الاعضاء على التعديل وان تتخذ جميع الاجراءت التى تم النص عليها فى متن المعاهدة . اما المواد من 42 الى 45 فقد نصت على المبادىء العامة التى يتعين على الدول مراعاتها عند اقدام اى منها على التحلل من التزاماتها فى معاهدة مرتبطة بها سواء عن طريق ابطال المعاهدة او انهائها او ايقاف العمل بها وفى هذا الخصوص فقد نصت الفقرة 2 من المادة 42 من اتفاقية فينا على انه (لا يجوز انهاء معاهدة او الغاءها او الانسحاب منها من جانب احد الاطراف الا تطبيقا لنصوصها او نصوص هذه الاتفاقية فقط وتنطبق هذه الفقرة على وقف العمل بالمعاهدة) كما تنص المادة 43 على (بطلان المعاهدة او انهاءها او الغءها او الانسحاب منها او وقف العمل بها تطبيقا لهذه الاتفاقية او لاخكام المعاهدة لا يؤثر فى واجب اى دولة فى اداء التزاماتها المقررة فى المعاهدة التى تكون ملتزمة بها وفقا للقانون الدولى بغض النظر عن المعاهدة).

هذه النصوص تؤكد ان الالتزامات الواردة فى المعاهدات الدولية موضع احترام من جانب القانون الدولى وانه ليس من السهولة ولا اليسر ان تقوم الدول بالتحلل من تلك الالتزامات دون وجود مبررات جدية وان السياج المنيع التى احاط به القانون الدولى التزامات الدول بموجب العاهدات الدولية تشير الى مدى حرص القانون الدولى على استقرار الاوصاع الدولية دون النظر الى اعتقادات الساسة او رؤاهم او حتى رغباتهم فى تغيير تلك الاوضاع دون مبرر جدى يتعلق ببنية العمل داخل نظام الدول وليس برغبات الساسة .

بين ايدينا وامام اعيننا امثلة صارخة على فقه الساسة فى نقض الالتزامات الدولية بموجب معاهدات بذلت الدول فيها جهدا كبيرا حتى تتوافق مع مصالح الدول المتعاهدة فيها .

دونالد ترامب .. الرئيس الامريكى الذى جاء الى سدة الحكم محمولا على اكتاف اليمين الصهيونى المتطرف لانه اطلق من الوعود ما يجعل كل بنى صهيون يقفون خلفه حتى وان كان فى تلك الوعود ما يتعارض مع التزامات الولايات المتحدة من حيث القانون الدولى ومن حيث مكانة امريكا كدولة عظمى يجب ان تكون نموذجا فى قيادة العالم، وهاهو اليوم يجد نفسه مرغما للايفاء بوعوده فسحب امريكا من معاهداتها الدولية واعترف بالقدس عاصمة لاسرائيل وغض الطرف عن ممارساتها القمعية تجاه الشعب الفلسطينى فى اراضيه المحتلة وحارب الصين بالتجارة وخاض مع بنى جلدته سجالا ضروسا ومازال يتلمظ.

منذ تولى الرئيس دونالد ترامب الرئاسة انسحبت الولايات المتحدة من عدة معاهدات دولية تحت تأثيره الذى يحمل شعار امريكا اولا حيث اعنت امريكا انساحابها من اتفاقية باريس للمناخ ومن المعاهدة الايرانية الاوربية النووية ومن اتفاقية اليونسكو وها هى اخيرا تنسحب من معاهدة حظر الاسلحة النووية .

 لم يكن لدونالد ترامب سببا فى هذا الخروج الكبير الا انه يريد ان يحقق به شعارا اتخذه لنفسه يوما ما فجعل مصلحة العالم كله دبر اذنيه وسعى حثيثا نحو مصلحة من اوصلوه الى الحكم وفعل كل ما فعله وليس فى سمعه الا النداء الغلاب حيث يدعوه اليهود الى ان يكون الرئيس الاعظم فى تاريخ امريكا .

ليس من الاسرار ان وطأة قرارات الرئيس دونالد ترامب على القضية الفلسطينة كانت هى الاشد منذ فجر الاحتلال الصهيونى وحتى الان، فهو الذى تجرأ على نقل سفارته الى القدس وهو الذى ساند اسرائيل على القتل العزل فى مسيرات العودة على تخوم غزة وهو الذى ما زال يروج الى صفقة القرن الكبرى لتصفية القضية الفلسطينية لهذا فلا عجب ان تبغه فى نقض العهود صنوه ناتنياهو لانهما يعتقدان انه لا عهد الا ما ليتماشى مع رغباتهم ولا ذمة الا لمن يتماهى مع طموحاتهم، وانه قد ولى زمان القانون واقبل نظام القوة فحق لرئيس اسرائيل ان يطرد مراقبى مدينة الخليل الذين جاءو بموجب اتفاقات اوسلو مع السلطة الفلسطينية التى تشفع لها تمسكها المميت ببنود نبذها ناتنياهو وجعلها وراء ظهره

علينا التيقن ان فقه الساسة فى نقض العهود هو تمام المصلحة الذاتية وليس متطلبات القانون الدولى، وعلينا التمعن والتفكر فى مسيرنا خلف الرئيس ترامب فى نبذه لتقاليد النظم القانونية الدولية الراسخة واجتراحه لقانونه الخاص الذى يؤمن فقط بقوة بلاده، وحقها الابدى فى تلبية متطلباتها دون اعتراض من احد وليس لنا هنا ان نقف فى وجه متطلبات التغيير الحتمى للتعهدات الدولية ولكننا ندق جرس الانذار لنبذ تلك التعهدات لمجرد رؤية عابرة او اعتقاد مغاير او حتى ظرف طارىء قليل التأثير وندعو بعد هذا الى الانصياع التام لمواضعات القانون الدولى التقيييد الصارم لالتزمات المعاهدات الدولية تماما كما فعلت اروبا مع الايرانيين فى الاتفاق النووى الايرانى

 

بقلم: الاستاذ ناجى احمد الصديق المحامى - السودان

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4545 المصادف: 2019-02-14 01:42:16