 آراء

مؤتمر وارسو بين استهداف المقاومة والتطبيع مع الاحتلال

زهير الخويلديمرة أخرى تنظم مؤتمرات في أماكن محددة من العالم من طرف قوى مهيمنة يكون موضوعها تدارس الصراع على فلسطين ويكون الهدف المعلن هو إيقاف الصراع والتقاتل وبلوغ حالة من السلام والتفاهم.

مؤتمر وارسو الذي وقع تنظيمه في بولندا والذي تم التسويق له بوصفه المؤتمر الأول الذي ضم عربا وإسرائيل وجها لوجه وجاء نتيجة قرار أمريكي وموجه بالأساس ضد إيران وليس ضد الفلسطينيين هو في الحقيقة يندرج في مسلسل طويل من المؤتمرات والقمم التي عقدت في الماضي القريب والبعيد والتي يتم الإعداد لها من طرف الدول الكبرى وتستهدف في الغالب تركيع غالبية الدول العربية وإجبارها على الاستسلام وإتاحة الفرصة لإسرائيل من أجل التوسع أكثر وأخذ الفرص الزمانية والمكانية لفرض هيمنتها.

لقد أثبت الدول الغربية في مناسبات عديد سواء في مسار مدريد أو أوسلو انحيازها الواضح والكبير للكيان المزروع وبالتالي عدم حياديتها في الصراع ووقوفها إلى جانب المعتدي وممارستها الابتزاز للضحايا.

أما الهدف من المؤتمر فهو يبدو في الظاهر استئناف مسار المفاوضات وتدارك الفشل المرير الذي انتهت إليه ما اصطلح على تسميته بصفقة القرن وتغذية الانقسام الفلسطيني بين الضفة الغربية وقطاع غزة الأبية وفي العمق هو التفاف جديد على الحقوق التاريخية للشعب العربي وتأجيل قيام الدولة الفلسطينية الموحدة.

إذا كانت المشاركة قد اقتصرت في هذا المؤتمر على محور الاعتدال العربي ويتم تغييب محور المناهضة فإن المطلوب رأسا من هذا المحور هو المزيد من التنازلات وتفعيل التطبيع مع الكيان الصهيوني والقبول بمشروع تهويد الأرض وإقامة علاقات رسمية مع إسرائيل على الصعيد السياسي والاقتصادي والثقافي.

النقطة الثانية التي يجري الإعداد لها بشكل دائم تتعلق بكيفية محاصرة محور المقاومة والبحث عن الطرق الممكنة لتقليم أظافره في المنطقة والحد من فعاليته والإجهاض على التجارب التحررية والقدرات النضالية التي يمتلكها واستهداف القوى الإقليمية التي تدعمها وخلق مشاكل داخلية فيها وتلهيها عن دورها الرئيسي.

ربما الدرس الكبير من انعقاد مؤتمر وارسو هو إعادة طاولة المفاوضات إلى شغل الدول العربية المطبعة وسحب البساط من الدول المقاومة وكأن الأمر يتعلق باستهداف فصائل المقاومة والتطبيع مع الاحتلال. غير أن مقاطعة الفلسطينيين لهذا المؤتمر وخاصة السلطة السياسية في رام الله وبالتحديد فتح والتيار الوطني إضافة إلى القوى الصامدة في غزة ومختلف الحساسيات السياسية الرافضة للحوار التنازلي يؤذن بفشل مثل هذه التحركات الدبلوماسية الدولية ويؤكد الحاجة الماسة إلى التفاوض الجدي مع القوى الفاعلة على الأرض والماسكة بزمام المبادرة في علاقة مع الشعب الفلسطيني واحترام التزاماتها المبدئية مع الدول الصديقة لها والتي لم تتدخر أي جهد في دعمها والوقوف معها في كل الوضعيات التي تمر بها. فهل يأتي مؤتمر وارسو بالسلام والأمن لمنطقة الشرق الأوسط أم أنه فرصة لكي تعلن إسرائيل غضبها من جيرانها وتتوعد بالحرب من أجل فرض خيار التعايش بالقوة بعد فشلت في فرضه بالطرق الدبلوماسية؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي  

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

ملاحظات عامة
لا خلاف حول مضمون المقال، بمعنى الاتفاق مع كل ما فيه. لكن من الضروري دوما تدقيق الكلمة والعبارة والاستنتاج لكي يسيروا ضمن سياق الفهم الدقيق والإيجابي.
من الضروري التخلي من عبارة "محور الاعتدال العربي" او وضعه بين اقواس، والاجدر القول محور الخيانة
ان موتمر وارشو هو مجرد حلقة تائهة لا تعطي ما نريد ومن ثم لابد لها من الانفراط شان عشرات غيرها
ان "موتمر وارسو" ضعيف وركيك وسيء الغاية ومن ثم ليس قادرًا على صنع اسس السلام.
ان السلام تصنعه الشعوب المقاومة وليس حسب "خارطة طريق" حسب العبارة البليدة الواسعة الانتشار
ان كيان الاحتلال ليس قادرًا الان على فرض اي من شروطه، وهو عاجز عن التهديد وخوض الحروب كما في السابق، ومع مرور الزمن سيجري كسر ارادته بالضرورة. انها مجرد قضية وقت.
تحياتي

This comment was minimized by the moderator on the site

الدكتور المحترم / زهير الخويلدي
السلام عليكم

جاء في مقالك هذا مايلي (( مؤتمر وارشو جاء نتيجة قرار أمريكي موجه ضد إيران وليس ضد الفلسطينيين )) .
هذه العبارة مصاغة بشكل غير دقيق لذلك تشوه معناها لأن الحقيقة هي أن المجتمعين في وارشو من صهاينة عنصرين وأمريكان مناصرين لعصابات الكيان الصهيوني وممثلين عن بعض الأنظمة العربية الخليجة التابعة والمحمية من قبل الإدارة الأمريكية هدفهم الأول من هذا المؤتمر هو لتجميع هؤلاء الخائبين ضد إيران ولتصفية القضية الفلسطينية يعني ضد القضية الفلسطينية ( يعني وضد الفلسطينيين ) .
يبدو أنك تقصد في عبارتك هذه أن أهداف مؤتمر وارشو ليس لها علاقة بحل القضية الفلسطينية حلا عادلا على أساس قرارات الشرعية الدولية ومجلس الأمن الدولي بل هدفه لخلق حلف صهيوني - أمريكي -رجعي عربي لضرب إيران وليس له علاقة بحل القضية الفلسطينية وهذا صحيح لأن المجتمعين في وارشو تحدثوا عن إيران وأعتبروها هي سبب مشاكل منطقة الشرق الأوسط وليس الكيان الصهيوني الغاصب للأرض الفلسطينية المحتلة والأراضي العربية الأخرى.
إن رفض ومقاطعة الشعب الفلسطيني البطل لمؤتمر وارشو وعدم حضور وفد عن منظمة التحرير الفلسطينية لهذا المؤتمر الذي ولد ميتا لدليل واضح وكاف على إدراك هذا الشعب المناضل وقيادته ومقاومته أن هذا المؤتمر لا علاقة له بحل القضية الفلسطينية حلا عادلا بل محاولة يائسة لحرف الأنظار عن العدو الحقيقي في منطقتنا ( الكيان الصهيوني العنصري ) وتوجيهها صوب إيران ومحور المقاومة وبالأخص بعد فشل مؤامرة صفقة القرن الترامبية!

لن يستطيع هذا الحلف الأمريكي - الصهيوني - الرجعي العربي من شن حربا ضد إيران ومحور المقاومة لأنه يدرك مدى التبعات الكارثية التدميرية لهذه المغامرة على الكيان الصهيوني وبعض بلدان الخليج وبالأخص السعودية ونفطها لذلك سيستمر المعتوه ( ترامب ) وإدارته الموالية للكيان الصهيوني بفرض المزيد من إجراءات الحصار الإقتصادية ضد إيران وأقصى ما يستطيع فعله هو حربا بالوكالة من خلال توريط بعض بلدان الخليج بمحاربة إيران كما ورطوا الدكتاتور - صدام حسين - بحربه العبثية الإستنزافيه من عام ( 1980 ولغاية عام 1988 ) ضد إيران وكذلك توريط السعودية والإمارات منذ سنوات بالحرب العبثية في اليمن .
وأرجو أن تتذكر أيها الدكتور المحترم أن إيران دولة كبيرة مساحة وإمكانيات وطاقات بشرية وعسكرية
، صناعية وعلمية وتملك ترسانة مخيفة من السلاح وليست منظمة صغيرة أو حزبا ( كأنصار الله ) في اليمن الذي صمد صمودا إسطوريا كل هذه السنوات في وجه ما يسمى بالتحالف العربي - الأمريكي .

لك مني كل الاحترام والتقدير.

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4547 المصادف: 2019-02-16 12:16:32