 آراء

مرآةُ أمريكا والعراق والهوية السياسية

ضياء الحكيمالقيم الحضارية الحياتية في تغيّر مستمر والصور المرئية منها تبقى للتدوين والتحليل والأختبار والمراقبة والمحاسبة. وإستعراض صورها يُذهل العقل .

يتعلم الأنسان بالصور المرئية أمامه التي هيجزء من هويته وتكشف له مايراه في هوية الأخرين ويتأثر بها . وينتزع حلاوتها ومرارتها نُضج التفكير الشخصي . والمثال عليها اليوم هي صورة الدول المانحة لمساعدة العراق مالياً وتخصيصاتها الوهمية لحكومته بعد إنعقاد مؤتمرها في الكويت يوم 14فبراير 2018 . وبعد سنة من ذلك الألتزام المالي تقف نخبة عدم الإختصاص العراقية الى جانب ممثلي هذه الدول يقدمون شكرهم وإمتنانهم للمنح والقروض الأستثمارية حتى وإن " لم تصل الى أغراضها" في إعادة إعمار المدن العراقية.شغلتني صورة الترحيب وسرعة تشكرات رئيس مجلس النواب دول المنحة المالية التي لايعرف أحدأ صحتها وسبب عدم إعلانها إن كانت حقيقية . كذلك لايعرف أحد المبادرات المتسرعة في إلقاء كلمات الترحيب لوقوف الأشقاء الى جانب العراق في الحرب على الأرهاب .هذه الصورة الحقيقية مرئية للأعين وحقيقتها تبرز في عدم توحيد الكلمة الحكومية ولايمكن أن تزال بشخطة قلم . صورة الدول التي نكلّت وأسهمت في دمار العراق إقتصادياً ومالياًوطالبته، ومازالتتطالب،بدفع تعويضات للكويت تقدر ب 52.5 بليون دولار، دفع العراق منها 41.2بليون دولار وفق ما صاغته الأيدي الدولية المعروفة بالتلوث ومص دماء الشعوب وزادت من إفقار العراق .إنها صور لايمكن إنكارها أو إخفاءها، حتى أن الأمين العام للأمم المتحدة السيد بان أمون طلبوترجى من الحكومة الكويتية تخفيف هذه الديون أو إزالة المطالبة بالمتبقي منها .

 ويبقى الأنسان يتعلم ويحلل بالصور المرئية أمامه بأنواعها، كالوثائق والملفات الورقية الرسمية، القراءة،الزخرفة،الرسم، الأفلام السينمائية،المسرحيات والأعلام السياسي المتلفز وقنواته. كلها صور رحلة سياحيةتنطبع في مخيلة الأنسان وتسير معه حياتياً.

وعندما تدور مخيلة الأنسان بالنظر الى صور أشخاص وتتجاذبنا شخصياتهم يصل تقييمنا لهم على ضوء الصور التي توضح ما إفتعلوه من أزمات وحروب بتحليل هوياتهم وميولهم وعقائدهم السياسية (هتلر وموسيليني وستالين والسادات ومبارك والقذافي وصدام والخميني ) وماإختمر في أذهاننا منها عنهم . لاخلاف على ذلك الخزين من الصور أو من ويبدأ بتقييمها سياسياً وفق الحركة المتحركة المرئية .

ومايهمني هو هوية الدولة العراقية الحالية التيلانرى مكانها بين الدول. وقادته لا يعلمون أن الزمن سبقهم . فالصورة المرئية عنها أنها دولة صراع وخلاف وحروب تتأجج لآتفه الأسباب . العراق ليس من الدول المتقدمة ولكن أقل ومانرجوه ان لا نكون في مؤخرة الدول شعباً وحضارةً وملجأ للتأخر ونشر التفرقة بسببالمتاجرة بالهوية المذهبية والقومية .

خذ الصورة المرئية في موجة التحضير للانتخابات الأمريكية القادمة لعام 2020 وسباق الزمن السياسي حيثيناقش الأمريكيون هوية أو جنسية المرشحين السياسيين وماروته عنهم الهوية السياسية Identity of politics. والمعنى المخفي منها أنها تشمل معرفة مكان وبيئة النشأة وأصل البلد للمرشح وكيف إنتهت بوصول الشخص الى أمريكا ومن يدعم خلفيته.

وعلى الأرجح سينقل الإعلام العربي أو سيهضم هذا المصطلح الأمريكي " الهوية السياسية" بشكل أو بأخر ويتوسع بعضهم في تعريفه بالرسوم الكلاميةوطرق تفسيره وبالأخص في العراق . فأمريكا للعرب هي الخصم والحكم، العدو والصديق في ثنائية غريبة، من حماة دول السيادة والأستقلال، وبنفس الوقت، المُدافع الحريص عن دول الأستبداد والأستغلال والتسلط .

هوية أمريكا السياسية في صورها لم تبدأ ولن تتوقف بالرئيس الأسود أوباما ونشأته وهويته. ولم تبدأ بالزعيم الأسود مارتن لوثر كينغوقبله منذ بدء نقل الرقيق من أفريقيا إليها ولن تتوقف عندها . فوفقاً لنظرية الهوية السياسية، فإن كل طائفة،سلالة، مكون مذهبي أو قومية، تسند نخبة مرشحيها لقيادتها نحو الحياة الأفضل. ويراها البعض بأنها عمل مناهض للقيم الأخلاقية ومنافي للتعاليم الدستورية الديمقراطية وحرية الأعتقاد المعطاة للفرد الأمريكي .  

هوية المرشحين للرئاسة الأمريكية لعام 2020، وبيئة نشأتهم تتغلغل الى العقل الأمريكي بشكل يتدارسه أساتذة الأدارة والعلوم السياسية بدهشة . فهناك أربع مرشحات للرئاسة الأمريكية من النساء ومن هويات أفريقية وهندية ولاتينية وربما ستدخل الحقل مرشحات أخريات ينادين بالأصلاح الديمقراطي وتعايش الأقليات بسبب سوء الأدارة الأمريكية الحالية للرئيس دونالد ترمب وتشويشها للجنسية والقومية والهوية المحمولة .

وفي العراق تتراكم وتتضاعف أزمة الجنسية والقومية والهوية وبيئة نشوء الفرد وأخطاء ما تنادي به أحزاب سياسية داخل قبة المجلس النيابي والحكومة من إختصاصينلم يعترف أحداً منهم مثلاً بأن قطع الطرق العامة مناطقية لأسباب إختلاف الهوية " كركوك وبغداد وديالى والأنبار" ولايكون بصب منصات كونكريتية اسمنتيةداخل شوارع العاصمة. ومع أنهم يمرون بها ويرونها يومياً، لم تعتذر أي شخصية سياسية بأن هذا عمل يعتبره الناس في غاية الغباء. 

وفي المرآة المتشضية اليوم، يناقش أعضاء مجلس النوابكيف سيتم إستعراض وإنتقاء شخصية لشغل وزارة الدفاع والداخلية والعدل بعد أشهر من المزايدات على خلفية هويةونسبوعشيرة وقومية المرشح . بكلمة واضحة إستعراض لعملية "توزيع المناصب"، تاركين الأطار الأهم في الخبرة والسيرة الذاتية وإمكانيات الطاقةالعلمية والأدارية للمرشحوكفاءته .

ثم يأتي إستعراض الدول الناصحة ودورها الأرشادي اللاواجب وللاضرورة له، والتي إنطبع بعضها في مخيلة حكوماتنا المتعاقبة . فالمطلوب من الحكومةضرورة تحويل النصح والأرشاد الى الأجيال الشابة وإدخالها مدارس التعليم، وإبعادها عن ساحة الصراع و التنصل عن معايير حقوق الإنسان. الدول الناصحة تُسيّر برلمان العراق والحكومة تستمع لهذه الدول وممثليها وفق مصالحها . وكذلك الأيدي العربية والأسلامية الخفية الملوثة بالجرائم أوقعت قادة العراق في فخ مخابراتها .

والصور التي ترافقني ويخجلني ذكرها هي تصور بلدي العراق مازال في دور الرضاعة. ويخجلني أيضاً تصور مدينتي بغدادفي دور النقاهة والسعي للتخلص من مرارة الهوية العنصرية والمحاصصة . ويغضب أصدقائي المقربين لإستعمالي بعض العبارات التي لا أقصد أنها تمثلهم وإنما الحالة المزرية التي ألت إليها الأمور بعد سنوات الحروب وماتركته في مخيلتنا جميعاً . والصورة التي نأمل في إبقاءها هي ان نفهم بعضنا بعضاًونهتم لبعضنا أخلاقياً وندرك موقعنا في عالم اليوم .

أخبرني ضابط عراقي مرة وبصحيح قوله " لانحتاج التدريب العسكري الأمريكي، فنحن جيش مدرّب". وها أنا أقول بطليق العبارة اننا " لانحتاج العنف والقتل والجريمة والأرهاب والسرقة والكذب وخلايا السرطان المنتشرة في جسد الدولة العراقية . ونعرف عن آثار الحرب على البيئة الحياتية .فنحن نعرف كل شيئ. فمادمنا نعرف فلنطبق الوجه الحقيقي للهوية كي نخلص من النواقص والثغرات والتعثر والاختناقات الاقتصادية والمالية" .

عقليتنا العراقية المتوارثة (بشكليها الحكومي والشعبي) يحملها أبناءنا في صور مرئية تكتسح مجتمعنا ونرى أمام أعيننا أناس يعيشون تحت خط الفقر والجهل وخيمت على عقول من يتلاقفهم من السياسيين وكأنه أمر طبيعي .خبرة لايمتلكها ممثليهم في تحقيق السلامة العامة للوطن والأخذ بالعامل والفلاح والجندي وصاحب المهنة الى السلام دون تلكؤ أو تغاضي أو تواطئ مع مذهب أو قومية حسب الهوية. فهل يتحقق حلم السلام بحرق الهوية العنصرية رغم عمق هذه الفجوات وتأصل الارهاب وإستمرار التقاتل اليوميومُسببيه ؟

تلتبس الأمور بعدما تكتشف أن خبرة الساسة والمراكز الأعلاميةتركّز على رائحة الهوية وجنسية العراقي لإبقائه في خانة الفشل " عربي كردي شيعي سنيمسيحي أشوري سرياني ألخ ......" . لاحظ المتخصصون وكيفبدأ العد التنازلي في قائمة الأسماء لإختيار وزير مناسب للدفاع والداخلية والعدل وفق الهوية الطائفية البيئية المخزية " المحاصصة " . والكلُ في مجلس النواب العراقي يبدو وكأنه درس علم الحديث وتخصص في علم الولاء لهويته المذهبية والقضاء والفقه وتفوق فيه . فهل سيكون في أستطاعتهم إختيار من يصلح بعد مرور أكثر من أربعة أشهر دون إتفاق ؟

وهنا تصح وقفة التأمل والتساؤل عن الطريق الى السلام وسلامة العراق وأهاليه بكافة مكوناتهم العرقية . لقد خالفوا ما تعلمناه من عطاء وتألق الهويةالوطنية الجامعة الأصيلةلكل المكونات . فالجميع يعرف مايعرفه الأفراد في "عدم الأشراك بالله وعدم إيذاء الناس " وأن الأنسان يعامل بمساواة في حالة التهمة ودون تفرقة في كل الأديان. وكما يقال :

People are of Two types. They are either brothers in faith or equal in humanity 

هذا الألتباس المخزي للهوية يعاود ويُدار للنقاش يومياً لإشغال الناس بعد أن إنفضحت فجوة الفساد المالي والأداري في العراق منذ 14 سنة،لم تعد مخيلة الحكومة والشعب والأعلام المموه تمييز الحقائق عن غيرها . والنتيجة المتوقعة هي سقوط أو صعود البعض سُلم السياسة حسب ما تقرره هوية المذهب . إنها أزمتي وأزمتك . معطياتي ومعطياتك. ثقافتي وثقافتك، كما انها شجاعتي وشجاعتك وأيهما المقبول منها،

 

ضياء الحكيم - باحث ومحلل سياسي 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4563 المصادف: 2019-03-04 04:30:40