 آراء

فتنة الزعامات وإشكالية الإبادة من أجل القيادة

رائد عبيسيحدثنا التاريخ البشري عن صراعات محتدمة، ومعارك شرسة، وحروب طاحنة، خلفت ملايين البشر قتلاً، وسبياً، وحبساً، وتعذيباً، وإبادة، وذلك من أجل القيادة، وبما أن رمزية الدول من رمزية حاكمها وسيادتها من سلامته، تبقى الشعوب تنصاع الى هذه الفكرة السائدة في أوساطهم الاجتماعية، حتى أصبحت عقيدة عند كثير منهم وهم الأكثر استعداد معها لحمل السلاح للدفاع عن دولتهم، وحاكمهم، وفكرتهم، اي أن الأمر لم يعد بطاعة حاكم فقط، وان كانت طاعته مفروضة وواجبة إلا أن هناك التزامات ذاتية، هي من تدفع هذا المجتمع المؤمن بذلك الى تبني فكرة التصدي لأي دفاع وان غاب الحاكم. هذه الفكرة كانت موجودة في التراث الاسطوري، انتقلت إلى الفكر الشعبي الفلكلوري، وبعدها اقتربت من الفكر السياسي الثوري، وبعدها اصحبت جزء من عقيدة الدولة ودينها. حتى باتت الدولة وحكوماتها هي من تدافع عنها، وتقنع من ليس له قناعة بها، بل أصبحت جزء من سياساتها الإعلامية في التحشيد لأي معركة أو حرب.

فالزعامات لها عدة أشكال منها الزعامة الدينية، والزعامة العشائرية، والزعامة السياسية، والزعامة العسكرية. إذ أن ما هو غائب عن هذا التصنيف هو الزعامة الثقافية أو الزعامة العلمية، فالمجتمعات لا تعير اي اهتمام لهذه الزعامات في الغالب، وان كان تأثيرها محدود على المجتمعات وتوجيهاتهم، بمعنى أنها ليس محرك فاعل على الدوام كما في الزعامات التي ذكرنا.

تقدير قوة المجتمعات يأتي من تماسك هذه الزعامات مع بعضها للحافظ على الدولة وكيانها، إذ أن لا مجتمع يخلوا من هذا التصنيف للزعامات وان كانت تسيطر أحدهما على الأخريات وتغلب عليها الا أن أي صراع بينهما يهدد استقرار الدولة. ولكن لابد من اتفاق، وان كان اتفاقهم على مصلحة أو مفسدة وهو بالنتيجة يجب أن يكون كذلك.

كل الدول التي نالت استقرارها مدة من الزمن كان اما بسيطرة واحدة من الزعامات وسكوت الأخرى اختياراً أو اجباراً، أو كانت هناك مشاركة في السلطة بينهما، وعندما تضعف الدول، وتبدأ بالتلاشي، والانهيار، والانحلال، فإن هذا يعني أن هناك علاقة متخلخلة ومتقاطعة بين هذه الزعامات وجمهورها.

هذا الكلام ينصرف على كل الأنظمة الحاكمة ودولها، والاستشهاد بها يطيل المقال وكلنا نملك أدلة على ذلك، فيبقى أن نستشهد بالعراق كمثل حاضر في همنا اليومي ونحن نرى كل زعامة تريد أن تقود الدولة بطرف ما، ويبدأ هذا الأمر من التصريحات الإعلامية وحتى فكرة الانفصال بتأسيس أقاليم، إذ بات العراق بسبب ذلك دولة باهتة المواقف بسبب حرية التصريحات الشخصية من هذه الزعامات، وتطبيل اتباعها لها مشجعة على ذلك. فمرة تصريح رجل دين من على خطبة جمعة، أو منبر ما، ومرة شيخ عشيرة يهدد بغلق آبار النفط، ومرة بسياسي يختزل مكونة ليتحدث باسمه، ومرة مسؤول في الدولة و الحكومة يصرح خارج صلاحياته، محدثين بذلك أزمات داخلية وخارجية العراق في غنى عنها والسبب ؛ هو ضعف سلطة الدولة، وعدم اتفاق هذا الزعمات على إدارة موحدة بموقف موحد، لإدارة الدولة بطريقة تحفظ سيادة العراق واستقراره الداخلي والخارجي.

ونحن نشهد تتصارع هذه الزعامات على إدارة الدولة، وتنافس الحكومة في اتخاذ مواقفها إزاء الأحداث، حتى باتت كلمة الدولة الفصل غائبة عن المشهد وان كانت فلا احد يعترف بها،فأصوات الزعامات التي قوتها الدولة في يوم ما من أجل حماية الدولة والحكومة، لا تستطيع بعد أن تضعفها أو تخضعها لسيطرتها أو إسكاتها على أقل تقدير، وهذا هو الضعف بعينة.هذا الضعف ينتج عنه ما أسميناه "فتنة الزعامات المتحاربة والمتصارعة" ونرى أن الديمقراطية كنظام يوفر هذا الجو من الاختلاف الذي يطول السجال فيه، فتبقى البلدان في حالة من اللا استقرار الداخلي نتيجة ضعف سلطتها، ونحن نرى كيف اثرت الزعامات الجاهلة التي لا تكترث لمصلحة البلد وأهله على استقرار العراق منذ عقود مضت، حتى بات الأمر ببعض هذه الزعامات البحث عن اتفاقيات مع دول الجوار من أجل تقوية قراراتها ومواقفها الداخلية، او التفكير بالانفصال الجغرافي، كما في قضية كردستان، أو فكرة إقليم البصرة التي كثر الحديث بها والدعوة اليه، أو طرحة فكرة إقليم الفرات الأوسط، ومثل هذه الأفكار والمشاريع طرحت كثيراً بدفع وتشجيع من زعماء الأحزاب، أو العشائر، أو رجال دين، أو تأثير دول إقليمية.

ومن اجل تنفيذ هذا الطموح وتحويله إلى واقع لبعض الزعامات فلا تترد في اعلان رغبة الإقتتال و الحرب، بل واحداث كوارث وإبادة مع شرائح المجتمع المعارضة لهذه الفكرة،لا سيما إن كان بها طاعة لهذا الزعيم الذي يأمر بذلك. ففكرة الإبادة من أجل القيادة حاضرة عند أتابع هذه الزعامات، وهنا تكمن خطورة اختزال المجتمع بزعيم أو الزعيم بمجتمع بمعنى إحداث تأثير مغناطيسي بينهم وبين الزعيم اين ما يتجه أو يأمر أو يقود .فالمجتمع واستقراره مهدد متى ما تهدد وجود هذه الزعامات وكرامتها و رمزيتها.

 

الدكتور رائد عبيس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4619 المصادف: 2019-04-29 00:56:22