 آراء

الأزمة القطرية وآفاق الحل!

بذلت السعودية ومنذ إعلانها فرض الحصار على قطر في شهر يونيو من العام 2017، بذلت جهودا محمومة لحمل الدوحة على رفع راية الإستسلام والرضوخ لمطالب دول الحصار بعد أن قررت معاقبة قطر لدورها الكبير في وقوع ماعرف بثورات الربيع العربي. وبعد مرور قرابة العامين فإن آفاق حل هذه الأزمة تبدو قاتمة اليوم أكثر من أي وقت مضى بعد أن حققت السعودية مكاسب في الأونة الأخيره وعلى حساب قطر . ويعود هذا التشاؤم الى ان السعودية والإمارات ألقت بكامل ثقلهما لحسم هذا الملف لصالحهما مستخدمة كافة الأوراق ومنها ورقة تحجيم الدور القطري في منطقة الشمال الأفريقي بعد أن  فشلت فشلا ذريعا على هذا الصعيد  وحتى الأمس القريب، نظرا لأن دول الشمال الأفريقي إختارت الوقوف على الحياد في الأزمة التي اندلعت بين كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة وقطر من جهة أخرى على خلفية إتهام السعودية لقطر بدعم الإرهاب وزعزعة استقرار المنطقة والعالم العربي!

فشل سعودي

ففي ذلك العام  أكدت الحكومة التونسية  على حيادية البلاد في الأزمة الخليجية،  رافضة عرضا استثماريا سعوديا يقدر بـ 800 مليون دولار بالرغم من الظروف الإقتصادية الصعبة التي تمر بها تونس. وفي ليبيا بقيت الهيمنة لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا والتي تحتفظ بعلاقات وثيقة مع قطر وتركيا، فيما تنامت العلاقة بين الجزائر وقطر بعد أن استثمرت الدوحة أكثر من ملياري دولار في مشروع للحديد في الجزائر. وفيما يتعلق بالسودان فقد سعت قطر الى توثيق علاقاتها من خلال ضخ استثمارات ضخمة فيها وإقامة  مشاريع كبيرة في ميناء بورتسودان.

نجاح سعودي

لكن هذا الصورة إنقلبت مؤخرا وبشكل متسارع  بعد أن بذلت  السعودية والإمارات جهودا ضنية لتغيير المعادلات السياسية والعسكرية في تلك البلدن بعد ان نجحتا في قلب المعادلة على حكومة الأخوان في مصر والذي شكل ضربة موجعة لقطر منذ الإطاحة بحكم الرئيس محمد مرسي وتولي عبدالفتاح السيسي مقاليد الحكم ليصبح ركنا أساسيا في التحالف السعودي الإماراتي، وليلعب دورا في دول الجوار وخاصة ليبيا والسودان وبما يصب في مصلحة هذين البلدين وبما يحجم الدور القطري.

فقد نجح  التحالف السعودي الإماراتي في قلب المعادلة السياسية في تونس التي تراجع فيها دور حركة النهضة، فيما ثبتت السعودية أقدامها فيها مستغلة المتاعب الإقتصادية التي تعاني منها تونس التي تعرض إقتصادها الذي يعتمد على القطاع السياحي الى ضربة موجعة من الجماعات الإرهابية في العام 2013 ولم يتماثل الى الشفاء حتى اليوم.  وجاءت زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الى تونس عقب وقوع جريمة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في اسطنبول، وتبعتها زيارة الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز، لتعزز من النفوذ السعودي في البلاد وعلى حساب النفوذ القطري المتمثل بحركة النهضة.

وأما في ليبيا فإن خليفة حفتر الذي يقود قطعات من الجيش في الشرق الليبي نجح وبفضل الدعم الإماراتي والمصري من توسيع رقعة سيطرته على ليبيا لتمتد الى سبها جنوبا ولترنو عيونه نحو الغرب وخاصة العاصمة طرابلس ليصبح حاكم ليبيا الأوحد في حال نجاح عملياته العسكرية للسيطرة على العاصمة. ولم يكن لحفتر أن ينجح في السيطرة على بنغازي وسبها والهلال النفطي والتقدم نحو العاصمة لولا الدعم الإماراتي والسعودي.

وفي السودان فإن تطورات الأوضاع فيها استثمرتها دول الحصار   خير استثمار إذ وقفت الى جانب المجلس العسكري الذي أطاح بالرئيس السابق عمر البشير راكبا موجة التظاهرات الشعبية، فقد  تبرعت له الإمارات ب 250 مليون دولار مما يوحي بان السودان هي الأخرى سقطت في قبضة التحالف الإماراتي السعودي. ومع إندلاع التظاهرات الشعبية في الجزائر واستقالة بوتفليقه، فيبدو أن الأمور تتجه فيها لصالح السعودية خاصة وان المال السعودي هو أمضى سلاح بيد المملكة التي تكسب بها رضا الكبار وتشتري به الحلفاء.

 ويبدو اليوم أن غبرة الصراع مع قطر قد اوشكت على الإنجلاء ولم يعد لقطر من حليف سوى تركيا، التي تراجع فيها الحزب الحاكم امام المعارضة خلال الإنتخابات البلدية الأخيرة وهو تطور مثير لقلق الدوحه، ولايستبعد ان المال السعودي لعب دورا في ذلك لأن التحالف السعودي الإماراتي لايرغب برؤية أردوغان وحزبه القريب من جماعة الأخوان المسلمين  على سدة الحكم في بلد مهم ومؤثر في المنطقة كتركيا، القادره على قلب معادلة الصراع لصالح قطر او على الأقل عدم استسلام الأخيره.

الدوافع

وهنا لابد من الإشارة الى الدوافع الكامنة وراء هذا التحرك السعودي في منطقة الشمال الأفريقي واولها ان السعودية بصدد تعويض خسائرها في منطقة شرق السويس، فقد منيت سياساتها بهزائم ذريعة في كل من سوريا ولبنان والعراق، بعد ان فشلت في قلب المعادلة لصالحها في تلك البلدان، كما وان الحرب في اليمن هي الأخرى منيت بفشل كبير ولم تحقق أهدافها المعلنة بالرغم من انها كلفت السعودية عشرات المليارات من الدولارات لكنها ظلت عاجزة عن حسم المعركة لصالحها بالرغم من تفوقها العسكري على اليمن.

وأما الدافع الثاني فهو هاجس جماعة الأخوان المسلمين الذي يشكل أكبر مصدر قلق لحكام الإمارات الذي وضعوا استراتيجية لإستئصال هذه الجماعة من المنطقة، وعدم ترك مساحة لعملها سوى في السجون وإلا فإن المقابر نصيب أعضائها. ويلاحظ بان معظم دول الشمال الأفريقي التي استهدفتها السعودية والإمارات كانت ولازال بعضها يخضع لحكم جماعات قريبة من الإخوان المسلمين . وفي حال بسط تحالف الحصار هيمنته على تلك البلدان وبانتظار حسم الصراع في الجزائر، فإن الأوضاع في المنطقة تتجه نحو القضاء على جماعة الأخوان التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الدوحة.

 وأما الدافع الثالث فهو محاصرة قطر وتحجيمها ولربما ابتلاعها بعد القضاء على عناصر قوتها الخارجية.  وتبدو العقبة الوحيدة اليوم امام التحالف السعودي الإماراتي هي تركيا، الحليف الكبر للسعودية، التي أصبحت هدفا للسعودية بسبب تحالفها مع قطر ولهيمنة حزب العدالة والتنمية  المرتبط بجماعة الأخوان على حكومتها، ولكونها أضرت بسمعة السعودية كثيرة خلال ازمة خاشقجي. ولا شك بان السعودية تراهن على الإنتخابات التركية المقبلة  لإحداث تغيير في البلاد، لكن هذا الهدف يبدو بعيد المدى، فالأنتخابات المقبلة ستجرى في العام 2023  ولايعتقد بان السعودية ستنتظر حتى ذلك العام، بل ستبذل مافي وسعها لضرب الإقتصاد التركي الذي بدا بالترنح إثر العقوبات الإقتصادية التي فرضتها إدارة الرئيس ترامب.

الخيارات القطرية

إن مما لا شك فيه ان  هذه التطورات  تثير قلق قطر بشكل كبير، التي لن تقف مكتوفة الأيدي وهي تخسر قلاعها في المنطقة واحدة تلو الأخرى، فيما تتمدد السعودية في المنطقة وعلى حساب النفوذ القطري في الوقت الذي تسعى فيه  أيضا لترميم علاقاتها مع الجارة الشمالية العراق.  ولاتبدو الخيارات أمام قطر واعدة، فهي لايمكن أن تعول على تركيا التي قد تتدهور فيها الأوضاع في أي لحظة كما وان الحليف الأمريكي لايبدو انه موثوق به في ظل هذه الإدارة التي لا يهمها سوى المال السعودي!

واما ايران المحاصرة بالعقوبات الإقتصادية وتواجه شبح الحرب فلن تربط قطر مصيرها بها.

وهكذا تبدو الصورة واضحة وهي أن التحالف السعودي الإماراتي يسعى الى تركيع قطر للقبول بشروطه التي وضعها لرفع الحصار وإنهاء الأزمة، ويتسلح هذا التحالف بدعم الإدارة الامريكية وبالعلاقة الوثيقة مع اسرائيل والتي قد تصل الى مستوى التحالف غير المعلن. ولذا فإن قطر تقف أمام خيارات صعبة تبدو فيها قاتمة أكثر من أي وقت مضى، فالإستسلام للسعودية يعني تحول قطر الى تابع لها وكما هو عليه الحال مع البحرين بل وأسوأ بكثير. واما استمرار صمودها ومع الأخذ بعين الإعتبار هذه التطورات فلايبدو أنه سيكون لصالح قطر، التي قد تغري هذه الإنتصارات السعودية  باجتياح قطر وبضوء أخضر امريكي مماثل لتحرك حفتر في ليبيا او بإحداث انقلاب فيها.

أوراق خاسره

وفي هذا الخضم فإن أبواب المجتمع الدولي  اغلقت بوجه قطر للتوصل الى حل دبلوماسي للأزمة نظرا لأن هذا المجتمع وخاصة الولايات المتحدة اتخذت قرارا بالوقوف الى جانب السعودية، التي قدمت لترامب 460 مليار دولار طالما افتخر ترامب بأخذها باعتبارها حقا امريكيا مقابل الحماية الأمريكية للسعودية!  وحتى لو قدمت قطر للأدارة الأمريكية مبلغا أكبر منه فإن امريكا لن تتخلى عن أكبر بلد منتج للنفط في العالم. واما الخيار العسكري فيبدو بعيدا جدا وخاصة فيما يتعلق بالورقة الروسية، إذ لايمكن لقطر ان تستعين بروسيا كما فعلت سوريا، مع وجود قاعدة العيديد الأمريكية في البلاد. وأما الورقة الإسرائيلية فلم تعد مؤثرة بعد أن وصلت العلاقات بين دول الحصار والدولة العبرية الى حد التحالف غير المعلن تحت ذريعة مواجهة الخطر الإيراني المزعوم.

أوراق قطرية رابحة

إلا انه وبرغم كل ذلك فإن هناك اوراقا رابحة مازالت بيد قطر واولها  ورقة إنسحابها من مجلس التعاون الخليجي وهي ورقة ذهبية ستثير حفيظة السعودية والإمارات اللتان تقودان المجلس وقد تفضي الى إنفراط عقد هذه المنظومة، خاصة وان هناك دولا مستاءة من الهيمنة السعودية الإماراتية على المجلس مثل الكويت وعمان إضافة الى ان هذه المنظومة ابتعدت عن الهدف الذي أسست من اجله وتحولت الى منظمة للعدوان وحصار احد أعضائها وليس للتعاون. وأما  الورقة الأخرى الرابحة بيد قطر فهي الورقة العراقية. فهذه الجارة الشمالية   سارعت  السعودية الى تغيير  سياساتها إتجاهها بعد أن بدا وبشكل جلي أن الأوضاع داخل العراق قد تغيرت  وبما يبشر بان بلاد الرافدين بدات تستعيد عافيتها وموقعها الطبيعي في المنطقة.

إن الإنسحاب القطري من مجلس التعاون وتقوية العلاقات مع العراق سيسهم في ولادة منظومة خليجية جديدة يقودها العراق وقطر ولاشك بان مجرد التلويح بهذه الورقة سيثير قلق السعودية والإمارات ويدفعهما الى إعادة النظر في حساباتهما فيما يتعلق باستمرار محاصرة قطر الذي قد يقوض الهيمنة السعودية على دول الخليج العربية فضلا عن أنه مكلف إقتصاديا للسعودية، إذ ان ديمومة النفوذ السعودي في منطقة الشمال الأفريقي وتحجيم الدور القطري مرهون بتدفق المال السعودي الى تلك المنطقة وبغير ذلك فستنقلب دول تلك المنطقة على السعودية بين ليلة وضحاها وتذهب جهود السعودية وحلفاؤها ادراج الرياح!

 

ساهر عريبي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4621 المصادف: 2019-05-01 01:20:54