 آراء

الخلافات بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان العراق

مصطفى محمد غريبالخلافات التي بدأت بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق أضاعت فرص التوجه نحو بناء علاقات وطنية وإعادة بناء ما خربته سنين (35) من هيمنة حزب البعث العراقي تحت قيادة صدام حسين، هذه الخلافات أصبحت حجر الزاوية للتخريب والإرهاب والمحاصصة والتدخل الخارجي، مما أدى إلى تفاقمها حتى باتت قنبلة موقوتة لإشعال حرب داخلية لا تختلف عن الحروب السابقة التي دمرت البلاد لولا حكمة القوى الوطنية والديمقراطية وعقلانية الأطراف التي يهمها الاستقرار ورفض الاقتتال الداخلي، وبمجرد رحيل نوري المالكي الذي كان عهده عبارة عن تأجيج الخلاف والأوضاع واستمرت نفس الأوضاع في عهد حيدر العبادي فقد تحركت الأوضاع أبان عهد رئيس الوزراء الحالي عادل عبد المهدي وجرى التفاهم بعد عدة مباحثات أوصلت الأطراف إلى قناعة الحوار والاتفاق بضرورة الحل السلمي عن طريق هذا الحوار الايجابي، وبمجرد تهدئة الخلافات والنية لإيجاد حلول نجد عودة الخلافات مجدداً إلى الواجهة بين الحكومة المركزية وحكومة الإقليم تحت طائلة اتهامات بعدم التزام حكومة الإقليم بدفع الواردات النفطية لنحو (250) ألف برميل نفط يومياً تُصدّر عبر " شركة النفط الوطنية «سومو»، والمتفق عليها في الموازنة المالية لعام 2019، إلى بغداد" وطالب البعض بعدم مستحقات إقليم كردستان وفي مقدمتهم عن دولة القانون النائب منصور البعيجي مؤكداً "باعتبارنا ممثلين عن أبناء الشعب العراقي نطالب رئيس الوزراء بان يوقف دفع الأموال إلى الإقليم إلى أن يسلموا ما بذمتهم إلى الحكومة الاتحادية وحسب الاتفاق النفطي في موازنة العام الحالي".

هذا الوضع الجديد أعاد حالة التشكك بين الطرفين مما طُيرت إشاعات وتصريحات تتناول قضية عدم دفع حصة الإقليم من الموازنة وبالتالي قطع رواتب الموظفين والبيشمركة وربطها بين قضية ( 250 ) برميل نفط لم ترسلها حكومة الإقليم كما اتفق عليه عام 2019، ليس قضية النفط إلا واحدة من مشاكل عديدة تحتاج إلى وقفة متأنية من اجل التوصل إلى حلول تخدم البلاد والشعب العراقي، ومنها قضية المناطق التي يدور حولها الخلاف وفي مقدمتها قضية كركوك ثم قضايا أخرى، ولهذا تحتاج الأمور إلى الدخول في مفاوضات على مستوى عالي للوصول إلى قواسم مشتركة للتخلص من الشكوك وإعادة الثقة لبناء الدولة والوقوف ضد المخاطر الداخلية والخارجية التي تهدف إلى التخريب، وأمامنا أمثلة عديدة منها مثلاً حرق أكثر من 1500 ألف دونم من الحنطة والشعير وما يُصدر من بعض الدول من بضائع وأدوية وأطعمة فاسدة ثم عملية تهريب أطنان من المخدرات والممنوعات إلى العراق، وتهريب الآثار وعمليات الفساد وسرقة المال العام وغيرها هذه الحالة لم تكن بمعزل عن تركة الماضي والحكم ألبعثي بقيادة صدام حسين وازلامه، فطوال عقود وأبان الحكم الملكي بقت القضية الكردية عبارة عن لغم يهدد السلم الاجتماعي بسبب الإهمال وعدم القدرة الوطنية على فهم إن لكل قومية حقوق متساوية مع القوميات الأخرى بما فيها القومية الكبيرة العربية، ووفق الظروف الموضوعية والذاتية ومن نافل القول التمسك فقط بمواقف القوى القومية العربية وتداعيات رؤيتها الضيقة والشوفينية أحياناً، لأن التعصب القومي والانغلاق على الذاتي وعدم القدرة على تفهم الواقع المفروض بحكم الظروف يشترك مع الشطر الذي لا يعترف بالحقوق ويحاول التجاوز عليها بشتى الطرق.

ولكي لا نسهب أكثر فيما يخص القضية القومية في العراق ومراحل النضال من اجل الحقوق القومية وبخاصة الكرد العراقيين فإن قضية الحكم الذاتي في (1970) لم يتحقق إلا بنضال القوى الوطنية والديمقراطية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي فضلاً عن نضال القوى والأحزاب الكردية وعند تحقيق هذا المطلب العادل "الحكم الذاتي" وعلى الرغم من تسويفه وإفراغه من محتواه والهيمنة على المجلس التشريعي من قبل النظام الديكتاتوري فهو في البداية اعتبر مكسباً وطنياً إضافة كونه مكسباً قومياً يبشر بالخير لصالح إيجاد حلول عادلة لباقي القوميات في البلاد والسير نحو تحقيق الديمقراطية للعراق والسلم في كردستان، لكن سرعان ما طغى الطوفان ألبعثي الأسود وأنهى صدام حسين بدوره أي أمل لإعادة الصفاء والتلاحم وأصبح الحكم الذاتي ومؤسساته عبارة عن مكاتب تابعة لحزب البعث لم تعد تمثل الشعب الكردي وطموحاته في الحرية والتقدم وسرعان ما عادت الحركة المسلحة المناوئة للحكم الدكتاتوري من أحزاب عدة ثم التحق الحزب الشيوعي العراقي بعد أن أجهضت الجبهة الوطنية وأصبحت حالتها بمثل حالة المجلس التشريعي في كردستان العراق بسبب سياسة النظام الدكتاتوري وتوجهاته الدكتاتورية وهيمنته المطلقة على البلاد .

بعد سقوط النظام بالاحتلال في 2003 عادت القضية الكردية كقضية مهمة (وللعلم أن منطقة الإقليم ومن 1991 أصبحت شبه مستقلة عن الحكم المركزي ثم أعقب ذلك إجراء انتخابات أيار 1991 في المناطق الخاضعة للحزبين الاتحاد الوطني الكردستاني و الديمقراطي الكردستاني وتقاسما الاثنين مقاعد البرلمان بالاتفاق.

لقد أسفر إزاحة النظام الدكتاتوري عن أوضاعا ايجابية بالتوجه لحل المشاكل المتعلقة منذ سنين والانتقال إلى نوع آخر من العلاقات التي تعزز اللحمة الوطنية وتسد الطريق أمام النظرة الشوفينية والاستعلائية من قبل البعض من الأحزاب والتنظيمات العربية وساهم الدستور بالرغم من ثغراته العديدة إلى طريق الدولة الاتحادية والتوجه لإنهاء الخلاف الأكبر حول كركوك ومناطق أخرى متنازع حولها حيث نصت المادة (140) على إيجاد الحلول الممكنة لحل النزاعات وتقارب المواقف والآراء والأفكار لدى كلا الجانبين واستبشرت القوى الوطنية والديمقراطية وأكثرية الشعب العراقي بذلك لإنهاء حقب من الصراع المسلح وغير المسلح والتوجه لبناء البلاد بعد (35) من سنين العجاف التي ذاق منها الشعب الأمرين وتحقيق دولة المواطنة الاتحادية الفيدرالية الديمقراطية ولقد عانت أكثرية الشعب العراقي الحكم الدكتاتوري وحكومته الظالمة

1ـ من الاضطهاد والتعسف وإلغاء الحريات والتفرد بالسلطة عن طريق تزييف أرادة المواطنين وإرهاب المؤسسات الأمنية المتعددة الإشكال والأساليب والاعتماد على الإعدام والقتل والتعذيب والاعتقال وخلق حالة من الرعب والخوف تكاد لا تختلف عن الأساليب النازية والفاشية في استخدام كل الوسائل والطرق لغلق الطريق إمام أي فتحة ضوء للحريات والديمقراطية

2ـ أدخلت البلاد في حروب داخلية واستعملت ضد الشعب الكردي والبعض من مناطق الجنوب الأسلحة الكيماوية وهذا ما أدى إلى استشهاد الآلاف من المواطنين وتشويههم وتهجيرهم إلى مناطق غير مناطقهم، فضلاً عن التهجير القسري الذي استخدم بشكل فض ولا إنساني ضد الكرد الفيليين، إضافة إلى مئات الالاف الذين فضلوا الهجرة واللجوء إلى دول أوربا والعالم

3 ـ الدخول في حروب ليس للبلاد ناقة فيها ولا جمل مما أدى إلى التضحية بمئات الآلاف من المواطنين بين قتيل ومعوق وهارب، ثم وضع البلاد تحت البند السابع وتدمير البنى التحتية وتقسيم البلاد إلى أقسام ومناطق ونفوذ مما جعل الحرب الأهلية تطرق الأبواب

4ـ ثم كانت حرب 2003 الذي تم فيها احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وحلفائها وزرع الحكم الطائفي بقيادة أحزاب الإسلام السياسي ومنذ أكثر من (16) عام ترزح البلاد تحت طائلة العشرات من المشاكل الاقتصادية والسياسية والأمنية والمعيشية ثم تنامي الإرهاب" داعش " والميليشيات الطائفية الشيعية وكذلك ميلشيات موالية لإيران وتعتبر نفسها وبعظمة لسانها أنها تابعة لولاية الفقيه وحكومة إيران  .

في الوقت الراهن بدأت خلافات من نوع آخر هذه المرة لكنها لا تختلف عن الجوهر، فمثلما كان التطرف القومي يعمل لخلق المشاكل أمام حل جذري للقضية القومية فان التطرف الطائفي والطائفية راحت تلعب اللعبة نفسها وهي كارثة حقيقية لخلق تداعيات قيام حرب ليس بين الحكومة المركزية وحكومة الإقليم فحسب بل ستمتد لتشمل المكونات جميعها وبالعربي الفصيح نعني الحرب الأهلية وتقسيم العراق،

لا بد من التوجه لحل المشاكل التي نشبت وازدادت في عهدي نوري المالكي وحيدر العبادي والذي وصل بعدم دفع حصة الإقليم من الميزانية وانسحب على مئات الآلاف من الموظفين والعاملين والبيشمركة حيث قطعت رواتبهم المرتبطة بمعيشة ملايين المواطنين في الإقليم وانجر على عموم البلاد، وخلق أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية لأن القرار الذي اتخذ بالضد من الدستور والاتفاقيات السابقة بين الحكومة المركزية وحكومة الإقليم، وفي حالة حتى وجود خلافات لا يمكن للحكومة المركزية أن تقوم بقطع رواتب موظفي إقليم كردستان " ويشار بأن المادة 10 من قانون الموازنة الاتحادية تمنع ذلك" وذكر هيبت الحلبوسي رئيس لجنة النفط والطاقة النيابية حول تهديد عادل عبد المهدي للإقليم " بقطع مستحقاته من الموازنة، تم نتيجة ضغوط لجنته "

نعود للتأكيد على ضرورة قيام الحكومة المركزية بإجراء الحوار مع حكومة إقليم كردستان والتوجه لحل المشاكل، النفط و المادة 140 أو أي قضايا أخرى بدلاً من المراوحة وإطلاق التصريحات والتهديدات غير المجدية.. الحل الصحيح هو تجنيب العراق والشعب العراقي الكثير من الكوارث والمآسي ــ فهل من المعقول الاستمرار في معاقبة الشعب من اجل المصالح الضيقة ؟ ــ وهل من المعقول إبقاء الخلافات وما تنتج من تعقيدات تهدد الاستقرار ووحدة البلاد ؟ ــ وأخيرا وليس آخراً لماذا الهروب من طاولة المفاوضات مع حكومة الإقليم والسؤال نفسه موجه لحكومة الإقليم لكي تناقش كل القضايا التي عرقلت وما زالت تعرق إيجاد الحلول المنطقية والتوجه نحو البناء المثمر والخادم مصالح الجميع؟ ـــ إلا توحد الأحزاب في الإقليم جهودها وتجاوز الخلافات والخروج بموقف موحد من اجل مصلحة الشعب الكردي ؟

 

مصطفى محمد غريب

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4650 المصادف: 2019-05-30 02:48:21