 آراء

ثلاثي طريق الحرير الجديد.. الفرعون والتنين.. والقارة السمراء

عبد السلام فاروقتعميق التعاون مع الصين مخاطرة أم استثمار آمن؟

منذ نحو عِقدين من الآن كانت كل المؤشرات تؤكد أن أمريكا ستظل قوة عظمى منفردة تقود العالم طبقاً لرؤيتها، وأن صعود أى قوى أخرى لن يؤثر فى الدور الأمريكى الكونى . بينما اليوم يتحدث العالم أننا بالفعل قد تحولنا إلى عالم متعدد الأقطاب نتيجة لوجود القوى سريعة الصعود، ونشأة التحالفات الدولية المقاومة للجغرافيا . وبدأ الحديث يتردد من جانب الصين وروسيا ودول أخرى أننا فى حاجة إلى إعادة هيكلة المجتمع الدولى بسبب التراجع المستمر فى الدور الذى تلعبه منظمة الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية فى إيجاد حلول جذرية للصراعات الدولية.

معنى هذا أننا إذا تتبعنا الخط البيانى للسياسة الدولية على امتداده، فسنكتشف أن بوصلة الاقتصاد ربما تحيد قليلاً فى المستقبل القريب عن الاتجاه الأمريكى الغربي، وربما نشهد انعكاساً للأقطاب الاقتصادية من الغرب، لتتجه بكل قوتها نحو الشرق الأدنى .

تاريخ العلاقات المصرية الصينية

العلاقات التجارية بين مصر والصين بدأت منذ عهد (كليوباترا)، حيث أتتها وفود تجارية من الصين ببضائعها التى اشتهرت فى تلك الآونة وأهمها الحرير والخزف والحُلِىّ المطعمة بالأحجار الكريمة . وفى عهد الملك فؤاد عادت أواصر العلاقات بين البلدين تنعقد من جديد وحدث بينهما تبادل ثقافى تمثَّل فى وفود من الأزهر إلى الصين للتعليم والتدريب، ووفود من شباب الصين لدراسة اللغة العربية فى الأزهر الشريف . ثم بدأت العلاقات تتخذ منعطفاً جديداً بعد ثورة 52 والتى تزامنت مع بدايات عهد الجمهورية الصينية الشعبية الجديدة فى 1949م، ومع تسلم (ماو تسي تونج) مقاليد الأمور . إذ كانت مصر من أوائل الدول الإفريقية التى اعترفت بالجمهورية الصينية فى مجلس الأمن، ما أدى إلى اعترافات متتالية من عدة دول بعد الدعم الذى أبداه الرئيس (عبد الناصر) للصين . ومنذ ذلك الحين توطدت العلاقات وتنامت بشكل ملحوظ، ولعل من أهم المواقف والأحداث فى تاريخ تلك العلاقة:

1953م: الصين تستورد 45 ألف طن من القطن المصري .

1954م: تعيين ممثل تجاري مصري مقيم في الصين.

30 مايو 1956م: إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

1956م: الحكومة الصينية تدين العدوان الثلاثي على مصر.

1965م: وفد من وزارة الصناعة المصرية يزور الصين .

1973م: (شو إن لاي) رئيس وزراء الصين يعلن تأييد بلاده لموقف مصر فى حرب أكتوبر.

2 أبريل 1983م: الرئيس مبارك يزور الصين كأول رئيس مصري يزورها.

8 أكتوبر 1991م: الخطوط الجوية الصينية تبدأ تسيير رحلات جوية بين بكين والقاهرة.

يوليو 2000م: وضع مصر على قائمة المقاصد السياحية للصينيين.

يناير 2001: توقيع مذكرة تفاهم لتسيير رحلات طيران مباشرة بين البلدين.

2004م: وزير الدفاع المصري المشير محمد حسين طنطاوي يزور الصين.

2014: وفد من رجال الأعمال الصينيين يزور مصر.

5 يونيو 2014: الرئيس الصيني (شي جين بينج) يهنئ الرئيس (عبدالفتاح السيسي) بمناسبة انتخابه رئيسا لمصر، معبرا عن رغبته في تطوير العلاقات بين الدولتين في مختلف المجالات.

17 سبتمبر 2014: تشكيل لجنة وزارية تسمى "وحدة الصين" لتعزيز العلاقات بين البلدين.

22 نوفمبر 2014: مصر والصين تعلنان رفع العلاقات لمستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة.

22-25 ديسمبر 2014: الرئيس عبدالفتاح السيسي يقوم بأول زيارة له للصين .

مارس 2015: الصين تشارك في مؤتمر دعم الاقتصاد المصري بشرم الشيخ .

سبتمبر 2015: الرئيس السيسي يزور الصين للمشاركة في احتفال الصين بعيد النصر الوطني.

22-20يناير 2016: الرئيس الصيني (شي جين بينج) يزور مصرفي أول زيارة لرئيس صيني للقاهرة منذ 12 سنة.

2016م: الرئيس السيسي يزور الصين للمرة الثالثة للمشاركة في قمة مجموعة العشرين.

14-15 مايو 2017: مصر تشارك في منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي في بكين.

ويجدر الذكر أنه خلال الفترة من (2001: 2011) رغم كثرة الاتفاقيات المبرمة بين البلدين، وتنامِى الزيارات بينهما، لم يتم تفعيل تلك الاتفاقيات التى زادت وتيرتها خلال عام 2008م .. وكان السبب الوحيد لهذا التباطؤ هو الضغط الأمريكي لمنع تنفيذ تلك الاتفاقيات، كخطوة احترازية ضد التغلغل الصينى الاقتصادى فى أفريقيا . لكن الأمر تغير الآن، والظرف السياسي مختلف عما كان وقتذاك .

العلاقات الصينية الإفريقية

منذ نشأة منتدى التعاون الصيني الإفريقي عام 2000م، ومنذ أن صارت الصين عضواً غير إقليمى فى بنك التنمية الإفريقي، ومشاركتها فى البعثات الأممية لعدد من الدول الإفريقية كدارفور بالسودان وكوت ديفوار وجنوب السودان، بدأت العلاقات بين الصين وإفريقيا تتنامَى باطراد في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية، ومنذ عام 2004م بعثت الصين أكثر من 500 خبير إلى الدول الإفريقية لمساعدتها على تدريب المتخصصين في مجالات الزراعة والعلوم والتعليم المهني والطب والصحة. وفي عام 2005 استقبلت أفريقيا سبع بعثات فنية صينية مكونة من عدد من المدربين المتميزين إلى مصر ونيجيريا وغانا. وقد كوَّنت الصين مع دول إفريقيا شراكات اقتصادية وأحلاف سياسية، فدولة (جنوب إفريقيا) عضو فى مجموعة البريكس، وكلاً من (السودان) و(زيمبابوى) هما من حلفاء الصين . وقد طوَّرت (مصر) علاقتها بالصين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة منذ عام 2014م، ما يعنى أن الصين تتجه بقوة نحو تعميق علاقاتها بدول إفريقيا .

منذ عام 2000م حتى اليوم تمكنت الصين من السيطرة على نصف الأسواق الإفريقية، فباتت فى موقع يلى أمريكا ويسبق فرنسا ذات الوجود الاستعمارى التاريخي فى القارة السوداء !

وفى عام 2013م وصل حجم التبادل التجارى بين الصين وإفريقيا ما يقارب 199 مليار دولار . 60% من تلك المبادلات تمت فى 6 دول أفريقية فقط هى: مصر، جنوب أفريقيا، المغرب، الجزائر، نيجيريا، بنين . هذا عن الصادرات . أما أغلب واردات الصين من أفريقيا فقد جاءت من 4 دول هى: السودان، أنجولا، الكونغو، جنوب أفريقيا . لدرجة أن أنجولا حلَّت محل السعودية كأكبر مورِّد للنفط ! والسودان باتت تصدِّر نصف إنتاجها النفطى للصين (5% من حاجة الصين الكلية للنفط) . وفى عام 2016م نجحت الصين فى عقد صفقة لشراء حقل بترول أمريكى فى مصر فى منطقة الصحراء الغربية بصفقة بلغت 3 مليار دولار .

إن التنامِى الاقتصادى لدى الصين فى العقود الثلاثة الأخيرة وتحوُّلها إلى بلد صناعى منافس لأمريكا واليابان زاد من حاجتها للموارد الطبيعية ومصادر الطاقة . وخلال العِقد الأخير تزايدت واردات الصين من إفريقيا من جميع أنواع المواد الخام باستثناء الحديد، وقد سعت الصين لإبرام عقود احتكار لاستخراج واستغلال عدد من الخامات أهمها: الكوبالت، والذهب، واليورانيوم، والألماس، والمنجنيز، والفحم، والتنتاليوم، والزنك، مع عدد من الدول هى: الكونغو، مصر، تشاد، أثيوبيا، السنغال، زامبيا، نيجيريا، كينيا، الجزائر . بعقود بلغت قيمتها نحو 30 مليار دولار بتمويل من بنك التنمية الصينى .

لقد ارتفعت الاستثمارات الصينية فى إفريقيا منذ عام 2011م بقيمة إجمالية بلغت 16 مليار دولار، ثم قفزت فى عام 2013م، أى خلال عامين فقط، إلى 26 مليار دولار . بحيث استحوذت الصين على ما يقارب نصف سوق المقاولات فى إفريقيا من خلال استثمارات البنية التحتية . وهناك أكثر من 2000 شركة صينية فى إفريقيا تعمل بقطاعات الزراعة والطاقة والاتصالات والمطاعم والصناعات التحويلية ، ما أدى إلى زيادة تعداد الجالية الصينية فى إفريقيا إلى حوالى مليون نسمة ممن يعملون فى المشاريع الصينية بمختلف الدول الأفريقية .

معجزة الأعوام الثلاثين

عقب وفاة الزعيم الصينى الذى لُقِّب بالأب الأول للصين (ماو تسي تونج) فى عام 1976م، حدث اضطراب سياسي دام أياماً قبل أن يتمكن (دينغ شاو بينغ)،الأب الثانى للصين، من السيطرة على الأوضاع وتحقيق النهوض بالاقتصاد الصينى على أساس دستورى حقيقي، بالدستور الذى تم التوافق عليه فى عام 1981م ضماناً لتداول السلطة، ومحدِّداً للأسس القانونية للسياسات الداخلية والخارجية للصين . فبات بإمكان الصين أن تنشئ علاقات استراتيجية خارجية راسخة بعد حدوث حالة من الاستقرار السياسي والتوافق الداخلى على كافة القضايا العالقة، وبعد أن تحركت الصين من منطقة (الاقتصاد المغلق) إلى (الاقتصاد المختلط)، حيث تم المزج بين الأسس الاشتراكية والرأسمالية فى إدارة الاقتصاد .

والسؤال هو: كيف حدثت المعجزة الاقتصادية للصين فى ثلاثة عقود فقط ؟

لقد اتخذت الصين عدداً من الخطوات المهمة التى مكَّنتها من النهوض السريع والقفز من خانة دول الصف الثانى إلى موضع باتت تتنافس فيه مع أمريكا اقتصادياً، من أهم تلك الخطوات:

1- الإصلاحات الاقتصادية المتوازية: باعتماد فلسفة اقتصادية جديدة تسمح بدخول الاقتصاد الحر والخاص، مع السماح بالانفتاح الاقتصادى ذو الاتجاه الواحد حيث التصدير متاح والاستيراد فى أضيق الحدود . حدث هذا تزامناً مع تطبيق اللامركزية لتيسير دوران عجلة الاقتصاد، بالإضافة لإقامة أسواق المال والتكنولوجيا . إلى جانب الإصلاح الهيكلى للشركات والمصانع المملوكة للدولة، وتشجيع إقامة المصانع والاستثمارات الخاصة الكبري والمتوسطة، ومكافحة الفساد الإدارى .

2- الإصلاحات السياسية والدبلوماسية: حيث تبنَّت الصين لأول مرة سياسة انفتاحية بعد فترة طويلة من الانغلاق . وقد ساعدها تاريخها العريق العازف عن أى مطامع استعمارية، وسياستها الرافضة للتدخلات الخارجية فى شئون الدول، بالإضافة لدورها الذى لعبته فى مجلس الأمن كأهم دولة مناصرة لحقوق الدول النامية من بين الدول الخمس دائمة العضوية.

3- الاستغلال الأمثل لمقوماتها الطبيعية: مساحتها الضخمة التى تبلغ قدر مساحة مصر تسع مرات ونصف، وعدد سكانها الذى يزيد عن تعداد سكان قارة أفريقيا مرة ونصف، ويزيد عن تعداد سكان أمريكا بنحو خمس مرات .. وموقعها الاستراتيجى الذى جعلها تشرف على 14 دولة، وتمتلك نحو 5000 جزيرة فى بحر الصين الجنوبى ذى الأهمية الاستراتيجية كممر ملاحى مهم فى طريق السفن القادمة من الأمريكتين واليابان والكوريتين من جهة وبين آسيا الوسطى وشرق أفريقيا من جهة أخرى . وبرغم استيرادها للمواد الخام من الخارج إلا أنها تتمتع بكونها تحتل المركز الثالث من حيث احتياطيات 45 معدناً رئيسياً فى العالم . فالصين تتمتع بطبيعة جغرافية فريدة ملأى بالثروات الطبيعية، إذ تشكل الجبال والهضاب 59% من مساحتها، بالإضافة لغناها بالأنهار والبحيرات والقنوات الطبيعية والصناعية .

4- القوة الدفاعية الرادعة: الصين اليوم هى الدولة رقم واحد من حيث تعداد الجنود الذى يبلغ 2.3 مليون جندى، والدولة رقم 2 من حيث الإنفاق العسكرى بعد أمريكا، والدولة رقم 3 بعد أمريكا وروسيا فى حجم قوتها النووية . وبرغم استمرارها فى بناء جيشها لاسيما مع تقدمها الاقتصادى وتوافر التمويل المالى اللازم لتطوير قدراتها الدفاعية، إلا أن سياستها الخارجية بعيدة عن التوسع الاستعمارى أو الاعتداء على الدول الآمنة أو التدخل فى شئون الدول الأخرى، ماجعلها تحتفظ بميزة تجعلها تتقدم على أمريكا بخطوة فى مجال الثقة الدولية، وهو ما أدى لسحب البساط من تحت أقدام أمريكا فى عدة مجالات خارجية أهمها الاقتصاد .

5- تحييد العداوات وتصفير المشكلات: خلال العقود الثلاثة الأخيرة لجأت الصين لتقليل المشكلات الناجمة عن الصراعات التاريخية فى محيطها الجغرافى، مثل قضية تايوان، أو الصراعات الحدودية التاريخية مع دول الجوار . بالإضافة للمشكلات الداخلية خاصة مشكلة الريف الصينى التى تصاعدت بسبب الزحف الصناعى والهجرة من الريف للحضر مع اعتبار سكان الحضر من الريفيين مواطنين من الدرجة الثانية، ما أدى لمتاعب داخلية تبرز للسطح بين حين وآخر . لكن الملاحَظ أن القيادة الصينية تهدف باستمرار لتقليل الآثار الناجمة عن تلك المشكلات إلى أقصى حد، بتحييدها وإيجاد حلول جذرية لها، و بإتباع سياسة جديدة تهدف للتركيز على المسار الأساسي للبلاد وهو المسار الاقتصادى .

الأطر الإستراتيجية للعلاقات المصرية الصينية

كلا الجانبين المصرى والصينى أبدَيا خلال السنوات الماضية استعداداً للتعاون وحماساً نحو العمل المشترك، حدث هذا منذ عام 2014م الذى تحولت فيه العلاقة بينهما إلى شَراكة استراتيجية، وتم طرح عدد من التفاهمات لعدة مشاريع استثمارية طَموحة . لكن التبادل التجارى القائم بين الدولتين ما زال ثابتاً لم يطرأ عليه تغيير ملحوظ، بل ربما قلَّ طبقاً لآخر الأرقام بمقارنتها مع مطلع عام 2011م، ربما بسبب ارتفاع قيمة الدولار أمام الجنيه . والمشروعات الاستثمارية التى تنفذها الصين فى مصر تعدّ استكمالاً لما تم إبرامه سابقاً . ما يعنى أننا لم نقم بتفعيل اتفاقية الشراكة بعد، فما السبب وراء ثبات العلاقات وإن بدَت فى الظاهر تتطوَّر ؟!

حدث مثل هذا الموقف خلال الفترة بين 2008: 2010 م، حيث تم توقيع عدد كبير من الاتفاقيات لم يتم تنفيذها، وكان التأخير سببه الجانب المصرى الذى فضّل التأجيل حفاظاً على علاقاته الراسخة مع الولايات المتحدة، والتى ترى فى تعاون مصر مع الصين تهديداً لمصالحها الاقتصادية فى أفريقيا .

غير أن العلاقات المصرية الأمريكية ليست هى العامل الوحيد الذى يؤثر على توجه مصر نحو الشرق الآسيوى أو نحو العمق الأفريقي، وإنما هناك عدد آخر من المؤثرات والمحدِّدات والأطر التى تحيط مصر بسياج وهمى يقلل من قدرتها على الانطلاق فى توطيد أواصر هذه العلاقات . أهمها:

- أولويات الدبلوماسية، وأولويات الاقتصاد العاجلة: مصر أمامها عدد كبير من التحديات الداخلية والخارجية خاصةً فى المجال الاقتصادى .الأمر الذى يمنعها من التخلى عن تحالفاتها القديمة من أجل الدخول فى تحالفات اقتصادية لن تستطيع الوفاء بمتطلباتها ولا انتظار نتائجها بعيدة المدى . هكذا يبقَى تعاون مصر مع الصين أو مع إفريقيا فى مجالات الاستثمار أو رفع معدلات التبادل التجارى متراجعاً إلى ذيل أولوياتها .

- وجود بدائل أخرى: رغم الحرص على توطيد العلاقات بين البلدين، فإن الواقع يؤكد أن العلاقة ذات وتيرة ثابتة، وربما لا توجد نية كبيرة لتعميقها . فالصين أمامها أكثر من بديل تجارى فى إفريقيا وغيرها، ومصر أمامها أكثر من شريك تجارى أقرب لها من الصين .

ما يعنى افتقار العلاقات بين البلدين لصفة الحتمية . ما من ضرورة تجعل أحد البلدين يبذل جهداً أكبر لتقوية العلاقة التى يرَيان أنها وصلت إلى سقف طموحهما فى حدود الممكن .

- تشابك الملفات: بسبب الدور السياسي التاريخى الذى تلعبه مصر فى المنطقة، باتت محفظتها الخارجية مكتظة بالقضايا المتشابكة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية إلى جانب مشكلة ليبيا وسوريا واليمن والعراق . هذا الانشغال الدائم بقضاياها حالَ دون الاهتمام الكافى بهذا المارد الصاعد الباحث عن موضع لقدميه فى القارة السوداء .

- حسابات المصالح: وجود أمريكا فى المعادلة المصرية، ووجود عراقيل فى المعادلة الصينية قد يؤدى لتعقد الحسابات، وخروج نتائج مخالفة لما هو متوقع .

- انخفاض سقف الطموحات: مصر والصين بينهما بالفعل علاقات تجارية واستثمارية جيدة، وكأنهما وصلا إلى حالة من الاكتفاء بما هو كائن، ولا يوجد مجال آخر لتوثيق التعاون، كما يبدو، اللهم إلا ما يخص مشروع طريق الحرير، وهو مشروع ما زال فى بدايته، وهناك 64 دولة أخرى تزاحم مصر فى الاستفادة منه . ما يعنى أننا وصلنا بالفعل إلى ذروة الاستفادة من علاقتنا بالصين !

أما عن محدِّدات العلاقة من الجانب الصينى فلا مجال لذكرها هنا، لأن السياسة الصينية الخارجية الحالية تختلف كثيراً عن سياساتها القديمة، والفرصة الآن متاحة للتعاون مع الصين أكثر مما مضى . علينا فقط الالتفات لموقفنا نحن من هذا التعاون . وهو ما يبدو أنه موقف معقد يحتاج إلى تحليل ودراسة أكثر .

مخاطرة أم استثمار آمن؟

هل هناك مخاطرة قد تنشأ نتيجة تعميق التعاون مع الصين ؟ وأين تكمن المخاطرة ؟ هل هى مخاطرة سياسية أم مالية أم أمنية أم ثقافية؟

من خلال ملاحظة ما آلت إليه الأمور فى الدول التى سبقتنا إلى التعاون مع الصين، ومن خلال معرفتنا التاريخية بالحضارة الصينية التى زامنت حضارتنا الفرعونية، فإن المنطق يؤكد انعدام المخاطرة . ثم أن التعاون الاقتصادى مع الصين لا يعنى التخلى عن التعاون مع أمريكا . إنه ليس اختيار واحد من متعدد، بل هو تعامل تجارى متعدد الأطراف، وكل طرف يبحث عن مصالحه الخاصة، فأين التعارض ؟

هناك أسباب وبواعث كثيرة جداً تدفعنا للمسارعة بتوطيد العلاقة الاقتصادية مع الصين اليوم قبل الغد، ولعل أهم تلك الأسباب:

1- تغير خارطة التوازنات الاقتصادية الدولية:

 

العالم يشهد عدداً من التغيرات الحادة فى المشهد السياسي والاقتصادى، من بروز قوى وتحالفات دولية، وتفكك روابط تحالفات قديمة، بينما أنظار العالم متجهة فقط للصعود الصينى السريع فى عالم الاقتصاد . فالأرقام تتصاعد بمتوالية عددية تشير إلى قدرتها على تجاوز الرقم الأمريكي الصعب خلال سنوات قليلة، إذ أن معدلات النمو للاقتصاد الصينى تتعدى النمو الأمريكى بمراحل . ويوشك حجم تجارتها العالمية المتنامى أن يدفع بالقاطرة الصينية لتتصدر المشهد العالمى لاسيما وقد أوشك مشروع طريق الحرير على الاكتمال، والبساط قد بدأ ينسحب بالفعل من تحت أقدام التجارة الأوروبية والأمريكية، ولن يطول الزمن حتى يشهد العالم عمليات إحلال وتجديد كبرى فى المشهد الاقتصادى العالمى .

2- البصيرة المستقبلية:

دعنا نتخيل المشهد بعد نحو عِقد من الآن أو أقل ..

حجم التجارة الخارجية الصينية اتسع بمقدار اتساع طريق الحرير بحيث تمت إزاحة رقعة ضخمة من الأسواق الأوروبية والأمريكية لصالح الصين وحلفائها التجاريين . بينما أمريكا ما زالت تلوِّح بقوتها العسكرية فى عالم لم يعد يحتمل المزيد من الصراعات التى تعِد الجميع بالخراب . هكذا تسعى جميع الدول للدخول فى تكتلات وتحالفات اقتصادية مع القوى الصاعدة لإحداث نوع من التوازن، ولنيل جزء من الكعكة التى تقتسمها الدول الصناعية .

بعض الشركات العابرة للحدود ربما ستفضل نقل أنشطتها الرئيسية من أمريكا لدول أخرى أكثر ربحية بعيداً عن تقلبات البورصة فى أمريكا صاحبة أكبر قدر من المديونية الداخلية، ما يؤثر سلبياً على الاقتصاد الأمريكي ويتسبب فى مزيد من الضغوط عليها، ومزيد من التفكك فى حدود الخارطة الاقتصادية الدولية .

عند هذه النقطة سيكون مشهد التحالفات قد اكتمل، والفائز هو من استغل الفرصة مبكراً وراهن على الجواد الأصيل . وسيكون الخاسر هو من راهن على الجواد الأضعف الذى كان قد اعتاد الفوز بالسباق باستمرار فى مراحل تاريخية سابقة .

3- أوراق الصين:

إذا لم يكن أمامنا طريقة لتحديد بوصلتنا الاقتصادية سوى قراءة أوراق اعتماد التنين الصينى، دعنا إذن نقرأها معاً:

- الصين عضو دائم فى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وهى عضو فى 38 منظمة دولية أخرى، وهى عضو فى منظمة العشرين، وفى مجموعة البريكس، وفى بنك التنمية الإفريقي، وعضو مؤسس لمنظمة شنغهاى للتعاون، ولمنتدى التعاون الاقتصادى لدول آسيا "أبيك"، بالإضافة إلى 15 مجموعة ومنظمة إقليمية ومحدودة الأطراف .

- اقتصاد الصين يحتل المرتبة الثانية دولياً من حيث الناتج المحلى الذى يتجاوز 5 تريليون دولار، وهى الدولة التى تستحوذ على أكبر نسبة من الدَّين الأمريكى "سندات الخزينة" . وهى البلد الثالث عالمياً فى حجم الاستثمار المباشر، والرابعة من حيث عدد السياح (50 مليون سائح سنوياً)، والخامسة من حيث تعاملات سوق الأسهم (3 تريليون دولار أمريكى) . وهناك حوالى40 شركة صينية دخلت فى قائمة جلوبال فورتشَن 500، و4 شركات صينية تُعَدّ من أكبر 10 شركات فى العالم .

- هناك قفزة اقتصادية ملموسة استشعرها فقراء الصين، فمنذ 1978م كانت نسبة من هم تحت خط الفقر 64% طبقاً للتقديرات العالمية .. وصلت النسبة إلى 10% فقط أو أقل، وانخفضت البطالة لتصل إلى 4% فقط .

- الصين اليوم هى ثالث قوة نووية، وقد وصلت للفضاء منذ 2003م كثالث دولة بعد أمريكا وروسيا، وهى تملك ثانى أكبر ميزانية فى العالم للبحوث والتنمية .

- (البنك الآسيوي لمشاريع البنية التحتية): والذى أنشأته الصين بمشاركة عشرين دولة منها مصر ودول خليجية أخرى يمثل فرصة جيدة لاستثمارات البنية التحتية المشتركة .

الاختيار السهل

إذا كان علينا أن نختار بين ( إفريقيا وأوروبا)، أو بين (الصين وروسيا) فكيف يكون الاختيار؟ الدبلوماسية المصرية تتميز بالعراقة وأنها على تواصل مع الجميع، فلا داعى للمفاضلة . لكن السؤال هو عن تعميق العلاقات .. أوروبا وروسيا هما الخيار التقليدى فى حالة رغبة أى بلد فى الفكاك من التبعية الأمريكية . لكن اليوم برز على السطح خياران جديدان يتميزان بكثافة الفرص والاستعداد التام للتعاون بكافة أشكاله . فلِمَ الانتظار؟

هناك عدد كبير من أشكال التعاون الاقتصادى التى تنتظر مصر فى إفريقيا والصين وبإمكانها البدء فيها ولو ببضع خطوات قلائل .

فى إفريقيا تستطيع مصر تقديم الكثير من خدماتها للدول الإفريقية خاصةً دول حوض النيل، ومن أهم المجالات التى تستطيع مصر المساهمة فيها:

1- مشروعات البنية التحتية .

2- التدريب والتعليم والتبادل الثقافى .

3- مجالات الرى والزراعة .

4- الوساطة التجارية .

5- توريد العمالة الفنية المدربة، وتدريب كوادر فنية من العمالة الإفريقية .

6- إقامة أسواق تجارية مشتركة (دائمة ومؤقتة) .

أما الصين فهى فى حاجة لأشكال أخرى من التعاون منها:

1- توريد النفط والمواد الخام .

2- الخدمات اللوجستية فى الطرق الملاحية .

3- تبادل الثقافات .

4- المساهمة فى استيعاب القوى الصينية، بإقامة مشاريع تستوعبهم .

5- توفير رقعة زراعية تجتذب مزارعين صينيين وإقامة مشروعات زراعية مشتركة .

6- تيسير التبادل التجارى .

الجسر ثلاثى الأبعاد

المفترَض فى مشروع "طريق وحزام الحرير"، فيما يخص مصر، أنه سيربط حركة التجارة الملاحية الصينية بجنوب أوروبا وشمال إفريقيا . لكن بإمكان مصر تعظيم الاستفادة منه ليكون بمثابة جسر برى-بحرى، يربط الصين بالعمق الإفريقي من خلالنا نحن.

هناك منطقة صناعية صينية تم إنشاؤها بالفعل فى منطقة قناة السويس، ويمكن تعظيم الاستفادة منها بإقامة جسر جوى تجارى يربط بين التجارة الصينية وبين الدول الإفريقية بطائرات نقل بضائع مصرية . هكذا يصير الجسر ثلاثياً من حيث الأطراف: (الصين، مصر، أفريقيا)، ومن حيث الوسائل الملاحية: (بحرى، برى، جوى).

مدى استفادة مصر من العلاقات الثلاثية

الصين ربما لا تفكر إلا فى خدمة طريق الحرير الذى لن يمتد ليخدم العمق الإفريقي . وتستطيع مصر أن تبادر لتعظيم استفادتها من طريق الحرير عن طريق تضخيم حجمه وسعته التجارية، بحيث تكون هى البؤرة المركزية لهذا الامتداد الإضافى . ومن خلال مثل تلك المبادرة تستطيع مصر الاستفادة بعدد ضخم من العوائد والامتيازات:

1- تعظيم دورها كوسيط تجارى بين دول كبري، ما سيخدم تدفق العملة الصعبة .

2- توثيق عُرَى الصداقة والصلات الدبلوماسية بعدد من الدول الإفريقية .

3- تقديم نفسها كطرف فاعل فى علاقتها بالصين، وأمام المجتمع الدولى .

4- ربما تكون تكلفة مثل هذا المشروع قليلة إذا تم بالتعاون بين مصر وبين بنك التمويل الإفريقي أو الآسيوى، أو بتمويل مشترك مع الطرف الصينى . لكن عوائده ضخمة .

5- تنمية قطاع الصادرات المصرية تجاه دول غرب ووسط وجنوب إفريقيا .

6- قد يتحول هذا المشروع التجارى إلى بوابة لجذب عدد من المشروعات الاستثمارية الأخرى، كمشاريع السياحة والبنية التحتية والمشروعات الزراعية والصناعية .

آفاق تنمية العلاقات الثلاثية

قارة إفريقيا تمثل كنزاً اقتصادياً حقيقياً بما تملكه من مقومات، ولا شك أن الاتجاه نحو القارة السمراء التى ننتمى إليها هو توجه طبيعي وضرورى لعدة اعتبارات:

1- قارة إفريقيا غنية بالموارد المعدنية حيث تستحوذ على 30% من الاحتياطات العالمية للثروة المعدنية .

2- يتجاوز تعداد السكان فى القارة مليار نسمة، وهكذا الأمر فى الصين، ما يعنى أن التبادل التجارى بين هاتين الكتلتين يمثل مصلحة كبرى لكليهما ولمصر باعتبارها مركز الالتقاء.

3- إفريقيا فى حاجة لإقامة مشروعات عملاقة تتمثل فى إقامة شبكات المواصلات ومشاريع التشييد والبناء وتوصيلات الطاقة والمياه والكهرباء، ومصر بإمكانها المساهمة بقوة فى تلك المجالات، سواءً برؤوس الأموال الخاصة أو الحكومية، والتمويل فى مثل تلك الحالات لن يمثل مشكلة .

أما عن العلاقات الثلاثية المشتركة بين الكتلة الآسيوية والإفريقية وبينهما مصر، فهى أكثر من أن تُحصَى، ولو أنها بدأت بالفعل فلن تنتهى عند حد، بل سوف تزداد باستمرار طبقاً للحاجة والضرورة واتساع أفق التعاون الحقيقي على الأرض .

خطوات نحو بناء الجسر

لاشك أن هناك عراقيل وتحديات قد تنشأ .. والأمر بلا ريب فى حاجة لدراسته من كافة جوانبه . لكن مصر فى حاجة لاتخاذ مثل تلك الخطوة التى قد تمثل فرصة حقيقية للخروج من أزماته الاقتصادية التى تتفاقم مع زيادة حجم المديونية السنوية وعدم وجود استثمارات حالية أو حركة سياحية نشطة تفد إلى مصر . لا بد من اكتشاف سبل جديدة تمثل إضافة حقيقية للاقتصاد المصرى . ومثل هذا التعاون الثلاثى بين مصر من ناحية وبين إفريقيا والصين من ناحية أخرى قد يمثل طوق النجاة لاقتصادنا النامي .

علينا أن نخطو خطوات فى هذا الاتجاه ولو بدراسته ومواجهة التحديات التى قد تقابله .

مصر والصين والسبع السمان

المصريون بصفة عامة متفائلون من الصعود الصينى، وهم يضمرون احتراماً شديداً للحضارة الصينية التى زامنت حضارة مصر الفرعونية . وإذا كانت مصر تمر بفترة صعبة من فترات التباطؤ الاقتصادى، فقد مرَّت الصين بفترة مماثلة وتجاوزتها . وبإمكاننا الاستفادة من التجربة الصينية، ومن حماستهم تجاه بناء جسر من التعاون الدولى تلعب فيه مصر دوراً أساسياً ومحورياً . ولا شك أن هذا سيعود بالنفع على الاقتصاد المصرى .

نحن متفائلون بأن التعاون المثمر البَنّاء مع الصين ربما يمثل لنا بشيراً بأننا على أعتاب سبع سمان يأكلن السبعين العجاف الماضية، ويقفزن بالاقتصاد المصرى قفزة شبيهة بما حدث فى الصين خلال العقد الأخير .

 

د. عبد السلام فاروق

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4658 المصادف: 2019-06-07 04:15:08