 آراء

لماذا السكوت عن حقوق المدنيين العراقيين؟

كاظم المقداديثلاثة أعوام على نشر نتائج التحقيق بالحرب على العراق..

تمهيد: شاركت المملكة المتحدة مع الولايات المتحدة وتحت أمرتها مشاركة فعلية غير محدودة في حربين مدمرتين للعراق في عامي 1991 و2003). وقد إستخدمت قواتهما المسلحة أسلحة فتاكة حديثة..لحد اليوم لا توجد إحصائية رسمية دقيقة منشورة عن عدد ضحايا الحرب من الأبرياء العراقيين، لكن الشواهد الشاخصة الكثيرة تدلل على ان الحربين خلفتا أكثر من مليون قتيل وأضعاف هذا العدد من المصابين والجرحى والمقعدين، إضافة الى مئات اَلاف المرضى، وموت الآلاف جراء إستخدام تلك الأسلحة. وما يزال الشعب العراقي يعيش في ظل دمار البنى التحتية والخراب الأقتصادي- الأجتماعي والكوارث البيئية والصحية الرهيبة، التي أرجعت العراق نحو قرن للوراء.

وعدا هذا، نشأ برعاية سلطة الأحتلال نظام هزيل، فاسد ومتهرئ، مبنياً على المحاصصة الطائفية والأثنية وإسئثار أحزاب الإسلام السياسي بالسلطة، وهيمنتها على النفوذ والمال والقوة، وفتح المتنفذون الأبواب مشرعة أمام أتباعهم وأقرباءهم من غير المؤهلين والفاشلين والمزورين والمحتالين والجهلة وسراق المال العام. وإستكملوها بعملية إجتثاث الكفاءات الوطنية المخلصة، ضمن خطة مدروسة لمحاربة كل ما يمت للوطنية بصلة، وتحطيم الدولة وشل مؤسساتها التشريعية والقانونية. والحصيلة:إشاعة الفساد الأداري والمالي، والرشوة، ونهب ثروات العراق، وتدمير الصناعة والزراعة والتجارة، والحط من التربية والتعليم، وتردي الخدمات العامة، وفي مقدمتها الصحة والكهرباء والماء النقي، وتفاقمت معدلات البطالة والفقر والتخلف، بدلآ من إعمار البلد وتحسين الأحوال المعيشية للمواطنين وتأمين الحياة الحرة الكريمة والعدالة الإجتماعية. و بالمقابل إغتنت طبقة طفيلية جديدة من الفاسدين، ، وصارت عصابات السلب والنهب والخطف والإغتيال، المسنودة من مليشيات مسلحة، تصول وتجول وتعيث فساداً دون رادع ولا محاسبة، والقضاء يتفرج. وإستمر إنعدام الأمن والأستقرار، ومنذ 15 عاماً ولحد الآن، تهدر دماء العراقيين كل يوم وتتواصل الفواجع والماَسي والآلام..

وكل هذا دلل بان المستهدف من الغزو والأحتلال ليس النظام الدكتاتوري وأسلحة الدمار الشامل، المبرر الرئيس للحرب، وإنما العراق دولة وشعباً. والمفارقة:لم تجر معاقبة ولا حتى محاكمة دولية للغزاة والمحتلين

لجنة تحقيق بريطانية

يسجل للممملكة المتحدة، ان رئيس وزراءها الأسبق جوردون براون بادر وشكل في 15 حزيران 2009 لجنة للتحقيق بالحرب على العراق برئاسة السير جون تشيلكوت، وإختار أعضاءها بنفسه، وسميت: ,The Iraq war Inquiry أو Chilcot inquiry، وباشرت عملها رسميا في تموز 2009 كلجنة مستقلة مختصة بالتحقيق بشأن مشاركة المملكة المتحدة في الحرب على العراق عام 2003. وقد غطى تحقيقها قرارات الحكومة لفترة 8 سنوات:من صيف عام 2001 الى صيف عام 2009.وأنجزت عملآ كبيراً، راجعت خلاله نحو 150 ألف وثيقة حكومية وقامت بتحليلها، وعقدت أكثر من 200 اجتماع مع مسؤولين حكوميين، وقابلت أكثر من 150 من الشهود، من الشخصيات السياسية والعسكرية والاستخباراتية البريطانية.وكلف عملها خزينة الدولة نحو 9 ملايين جنيه إسترليني. وصدر تقريرها بـ 12 مجلداً، مجموع صفحاته 6 اَلاف صفحة، مؤلفة من 2,6 مليون كلمة.

المحصلة والإستنتاجات

نشرت اللجنة نتائج تحقيقها في 6/7/2016، ومحصلته- كما لخصتها صحيفة "الغارديان": "دولة دمرت (إشارة الى العراق) وثقة تهدمت (بريطانيا) وسمعة تحطمت (بلير) "[1]..

بإختصار، خرجت اللجنة بإستنتاجات مهمة بشأن مشاركة المملكة المتحدة في الغزو، معلنة بان الحرب لم تكن ضرورية، ومبرراتها ليست مقنعة، فلم يشكل العراق وقتها خطراً على المصالح البريطانية، ولم تثبت مزاعم إمتلاكه لأسلحة الدمار الشامل.وإعتبرت عملية الغزو متسرعة ومبنية على معلومات إستخباراتية مغلوطة وغير دقيقة. ولم تكن صحيحة إدعاءات إدارة بلير بأنها تحركت نيابة عن المجتمع الدولي، وإنما بالعكس، فالمحامي العام وقتها اللورد غولد سميث لم يتحدث عن وجود أي أساس شرعي للحرب ضد العراق. وفي هذا الإطار، أسهمت الحكومة في تقويض سلطة مجلس الأمن الدولي عبر المشاركة في تدخل عسكري غير مدعوم منه، وشكلت تجاوزا لبنود عمل الأمم المتحدة بخصوص الحفاظ على الأمن والسلام الدوليين

ومع ان التقرير لم يحسم إن كانت الحرب شرعية أو غير شرعية، وإعتبر رئيس اللجنة ان هذا الأمر يحسمه القضاء. بيد ان التقرير أوحى- بحسب قانونيين- بعدم شرعية الحرب، وان الأدارة البريطانية تجاوزت ما تنص عليه الأمم المتحدة للحفاظ على الأمن والسلام الدوليين.وإعتبرت صحيفة "التايمز" التقرير بمثابة " تقييم نهائي لتجربة عسكرية إنتهت الى خطأ كارثي لعدم وجود التخطيط الأساسي والإجتهاد الواجب"[2].

وتضمن انتقادات لكامل الفريق السياسي والعسكري الذي شارك بلير قرار الحرب، لا سيما وزير الخارجية آنذاك جاك سترو، ورئيس جهاز الاستخبارات (MI6) السير ريتشارد ديرلوف، ورئيس لجنة الاستخبارات المشتركة، السير جون سكارليت، ووزير الدفاع، جيف هون، ووزيرة التنمية الدولية، كلير شورت. وكان سترو قد إعترف بإن "العواقب التي نجمت عن قرار التدخل العسكري ضد العراق ستعيش معي لبقية حياتي".

وأوضح التقرير أن الخطط البريطانية لفترة ما بعد الحرب في العراق كانت غير مناسبة، ولها تداعيات كثيرة..

بيد ان تقرير اللجنة جوبه بأنتقادات موضوعية لكثرة المؤاخذات عليه، أبرزها تجاهل اللجنة لإستخدام القوات البريطانية والأمريكية أثناء غزو العراق لأسلحة مشعة فتاكة، للمرة الثانية، وإهمال حقوق الضحايا المدنيين العراقيين، بالأضافة الى المماطلة في إعلان النتائج، والضبابية، وعدم الحسم في قضايا هامة عديدة ذات علاقة ..

تجاهل إستخدام الأسلحة الفتاكة

تجاهلت لجنة التحقيق إستخدام القوات البريطانية والأمريكية مجدداً في غزو العراق وإحتلاله عام 2003 لأسلحة فتاكة، هي ذخائر اليورانيوم المشعة، المصنعة من نفايات نووية خطيرة، إستخدمتها وجربتها لأول مرة في ميادين القتال " الحية" في العراق في حرب عام 1991، والتي سببت للمدنيين الأبرياء كارثة صحية رهيبة لا مثيل لها في التأريخ الحديث .

علماً بان حكومة بلير أهملت كافة التحذيرات العلمية، بما فيها لمؤسسات علمية بريطانية، مثل هيئة الطاقة الذرية البريطانية (UKAEA). التي حذر تقرير سري لها في عام 1991 المسؤولين البريطانيين من عواقب استخدام ذخيرة اليورانيوم على السكان، وخاصة الاطفال، الذين هم اكثر واخطر تأثراً باضراره، وذلك لمعرفة الهيئة المختصة بان قذائف اليورانيوم عندما تصيب الدبابات والاهداف الاخرى تطلق غباراً ساماً يسبب لمن يتعرض له السرطان، وحتى الركام الذي تخلفه يشكل خطراً على من يقترب منه.

وكانت الهيئة قد قدرت في وقته بان غبار وأتربة اليورانيوم المنضب التى أطلقت في الهواء في منطقة الخليج أثناء حرب 1991 بحوالى 50 طناً مترياً مما سيترتب عليه ظهور 500 ألف حالة سرطان في المنطقة.وفيما بعد قدرت الهيئة وجود 2000 طناً مترياً من هذا الغبار حالياً في المنطقة جراء حربي 1991 و 2003، أى أن كمية الغبار والإشعاعات التى أطلقت في الخليج منذ 1991 تفوق نظيراتها التى أطلقت في الهواء جراء إلقاء قنابل هيروشيما ونجازكى أما خسائر الأرواح في الأخيرة فبلغت حوالى 250 ألف شخصاً، في حين أن أضعاف هذا الرقم قد توفي أو في طريقه للوفاة بسبب الأمراض الخطيرة التى ترتبت على إستخدام الذخائر المحرمة في منطقة الخليج [3][4][5][6].

وكان العالمان الكندي هاري شارما -أستاذ الكيمياء في جامعة ووترلو بأونتاريو في كندا، والأمريكي دوج روكي- أستاذ الهندسة البيئية والفيزياء النووية في جامعة جاكسونفيل في ولاية آلاباما الأمريكية، قد حذرا بإفادتهما أمام مجلس العموم البريطاني عام 1998 من مخاطر إستخدام هذا السلاح الفتاك[7].

ونشر العديد من العلماء المعروفين، مثل أساف دوراكوفيتش وتيد ويمان والكساندرا ميللر وسيغفرت –هورست غونتر ودوج روكي وروزالي برتل وكريس باسبي وروس ميركاريمي وباولا مندوكا وجواد العلي وكارمل موثرستيل وثوماس فاسي ولورين موريه وباريش لاندال وساندرا وايز وهانكه شرويدر وغيرهم كثيرون، في كبريات المجلات والدوريات العلمية المتخصصة، عشرات الأبحاث الرصينة المؤكدة لمخاطر هذه الأسلحة على صحة وحياة البشر.

وأمام المؤتمر الدولي الذي عقد في لندن في تموز 1999 وكرس لليورانيوم المنضب، تحدث العالم البريطاني روجرز كوجهيل ، المتخصص بالبايولوجيا التجريبية، عن العلاقة بين اليورانيوم المنضب وانواع السرطان في العراق، موضحاً بان جزيئاً واحداً من هذه المادة يستقر في العقدة اللمفاوية كفيل بتدمير جهاز المناعة بالكامل.وقال: نحن نعلم انه تم إطلاق نحو مليون قذيفة من اليورانيوم الناضب في حرب الخليج الثانية، ولايزال الكثير منها موجود في الصحراء، الامر الذي ينجم عنه انواع خطيرة من السرطان وتشوهات الاجنة.واكد ان العلاقة بين الاثنين قائمة ظاهرياً من الوجهة البايولوجية[8]

من جهته، أكد الجنرال الفرنسي بيير ماري غالوا ، أثناء شهادته أمام المجلس الوطني الفرنسي عام 2001، ان سلاح اليورانيوم المنضب سلاح فتاك مشابه للأسلحة الكيمياوية المحرمة دولياً وفق بروتوكول جنيف 1925 وميثاق باريس 1993 [9].

وأثبتت دراسة للعالم الفنلندي كيث بافرستوك وزميليه: س. موثرستيل و م. ثورن، ان استنشاق ذرات غبار اليورانيوم المنضب يولد آثارا سمية جينية على الـ DNA، وتنتشر من الرئة إلى أجزاء الجسم عن طريق الدم وتتسبب بأضرارا بالغة في نخاع العظم والنظام الليمفاوي والكلى [10][11].

بافرستوكك كان كبير خبراء الوقاية من الأشعاع لدى منظمة الصحة العالمية، وقد منعت الأخيرة نشر الدراسة، وأعتبر ذلك تواطئاً منها، فترك العمل فيها.

الضحايا.. عسكريون ومدنيون

أثبت العلماء بأن لأشعة (ألفا ) المنبعثة من اليورانيوم المنضب دور كبير في تدمير الحامض النووي (DNA) وفي حدوث الطفرات والسرطانات في الخلايا التي تتعرض لها. حيال هذا حذرت العالمة الأمريكية لورين موريه عقب حرب الخليج بان القليل من الكائنات الحية ستنجو من التسمم الأشعاعي البطيء الذي يشوه الـ DNA وينقل التشوه إلى جميع الأجيال اللاحقة [12].

وأكد العالم البريطاني مالكولم هوبر: بان" الأدلة تتراكم بشأن خطورة اليورانيوم المنضب، حيث يمثل إستنشاق حزيئات غباره خطراً صحياً تعرفه المؤسسة العسكرية منذ عام 1974" [13].

وكشف أحد كبار ضباط الجيش الأمريكي بان البنتاغون يعرف منذ منتصف الثمانينات بأنّ مشاكل جدية سيسببها إستخدام اليورانيوم المنضب [14].بيد ان وزارة الدفاع البريطانية، توافقاً مع البنتاغون وبضغط منه، رفضت الكشف عن اَثار اليورانيوم المنضب الذي إستخدمته القوات البريطانية والأمريكية مجدداً أبان غزو العراق، ولم تسمحا لفريق الأمم المتحدة بدخول العراق ودراسة التلوث ياليورانيوم المنضب [15][16][17].

وأكدت أبحاث علمية ان ما يزيد عن نصف الجنود الامريكيين الذين شاركوا في حرب الخليج عام 1991 , يعانون من اعراض صحية خطيرة وتشوهات خلقية في مواليدهم الى الان [18][19][20]. وبينت عدة دراسات على الجنود الذين تعرضوا الى آثار اليورانيوم في كوسوفو والعراق، أجريت لمعرفة مستويات التلوث باليورانيوم المنضب، ان أعلى تركيز لليورانيوم المنضب في البول للجنود من غير المصابين بشظايا اليورانيوم المنضب تساوي 266ng/ℓ جاءت نتيجة لأستنشاق الهواء الملوث بغبار اليورانيوم المنضب او دخولها عن طريق الجهاز الهضمي , اما المصابين بشظايا ذخائره فأن التركيز كان  24500ng/ℓ [21][22].

في دراسة له بعنوان "إنتشار وتلويث اليورانيوم المنضب لجنود حرب الخليج وأَخرين"، عبر العالم الفيزيائي الأمريكي ليونارد ديتز عن إعتقاده بان الجنود الأمريكيين الذين يعانون من أعراض حرب الخليج هم ضحايا تلك المادة التي نقل الجو إشعاعاتها لهم أثناء قصفهم للعراق، وتدميرهم لدباباته ومعداته العسكرية والإستراتيجية [23][24].

وفي العراق أكدت العديد من الدراسات العلمية الرصينة المستقلة إنتشار على نحو خطير أمراض السرطان والتشوهات الولادية والإسقاط (الإجهاض) المتكرر والعقم (حتى وسط من كانوا قد أنجبوا قبل الحرب) وعلل أخرى كثيرة غير قابلة للعلاج، وسط المدنيين، خاصة في المناطق التي إستخدمت فيها القذائف المصنعة من اليورانيوم المنضب وحواليها أثناء حربي 1991 و 2003. وان استخدام هذا السلاح الفتاك في المناطق الجنوبية من العراق يُعدُ أحد أهم الأسباب التي ادت الى تزايد نسبة الأصابة بالأمراض السرطانية, وخاصة سرطانات الدم والثدي والغدد اللمفاوية، حيث بينت الدراسات تزايد النسبة من 4 اصابة عام 1990 الى 8 اصابة عام 1995 و13 اصابة لكل 100 الف نسمةعام 2005 [25][26][27][28].

إهمال حقوق ضحايا الحرب العراقيين

من أبرز المؤاخذات الجدية ، التي إستحقت الأنتقادات الحادة والأحتجاجات الجماهيرية، عدم إيلاء لجنة التحقيق البريطانية ,The Iraq war Inquiry وتقريرها، الإهتمام المطلوب بالضحايا الأبرياء من المدنيين العراقيين..

المؤلم أن الإعلام العالمي أولى اهتماماً كبيراً بما يتعلّق بطوني بلير في تقرير اللجنة، متجاهلاً أن الضحية الأساسيّة للحرب هي الشعب العراقي وبيئته ومجتمعه وأجيال مستقبله.علماً بان تقرير اللجنة أقر ضمنياً بأن ضحية الحرب في المقام الأول هو العراق، الذي " يبقى مقبرة كبيرة لا يمكن معرفة حجمها"، ومع هذا لم تول اللجنة ولا تقريرها إهتماماً إسوة بما أولته للضحايا البريطانيين ذوي العلاقة. حيال هذا نظمت MedAct org [29] إحتجاجاً جماهيرياً على تقرير اللجنة، معتبرة ان التحقيق لم يكن جدياً، وقد أهملت اللجنة تقرير المنظمة المفعم بمعطيات موثقة عن محنة الضحايا المدنيين الناجمة عن الغزو[30].

الى هذا، كشفت تقارير بان الحكومة البريطانية كانت قد ظللت بشأن المصابين والمتوفين من المدنيين ضحايا أسلحتها، فلم تسجل أعدادهم بناء على رغبة بلير بتقليص العدد قدر الأمكان[31]، ضاربة عرض الحائط بتقارير الطواقم الطبية العاملة في العراق المنبهة لإرتفاع معدلات السرطان والتشوهات الخلقية، والرابطة لها باستخدام أسلحة اليورانيوم [32].

وقد إستغرب الكثيرون في بريطانيا وخارجها ان يعطي تقرير اللجنة الحق لعوائل الضحايا البريطانيين، من قتلى وجرحى ومعوقين، ممن شاركوا بالحرب، بالمطالبة بتعويضات، بينما أنكره على نظرائهم من العراقيين، مستهيناً بجسامة الكارثة الأنسانية والصحية التي سببتها الذخائر المشعة، والتي لخصتها العالمة الأمريكية لورين موريه :" أن المستقبل الجينى للعراقيين على وجه التحديد قد تم تدميره" [33][34]. واكتفى رئيس اللجنة تشيلكوت بالقول في مؤتمر صحفي عقده يوم نشر التقرير:" تسبب الغزو وحالة عدم الاستقرار التي أعقبته بمقتل ما لا يقل عن 150 ألف عراقي وربما أكثر بكثير, معظمهم من المدنيين، ونزح أكثر من مليون شخص عن العراق.وتكبد الشعب العراقي معاناة كبيرة ".. ولم يوص لا بتعويضات للشعب العراقي ولا حتى باعتذار يقدم له، وهو ما انتقده كارني روس- مؤسس منظمة «دبلوماسيون مستقلون» [35]. وأدانه الباحث في الفكر الإستراتيجي بجامعة باريس نبيل نايلي بقوله: ضاقت 2,6 مليون كلمة ولو بجملة يتيمة تعيد إلى ضحايا حرب همجية غير قانونية بعض الاعتبار [36].

لقد واجه المدنيون العراقيون- بتأكيد منظمة MedAct -أفضع الآثار الصحية السلبية للحرب على العراق، وما زالوا يعانون منها. وقد قتل مئات الآلاف من غير المحاربين، وتشرد حوالي 5 ملايين مدنياً، ومعظمهم يعانون بسبب الأضرار الكارثية التي طالت أنظمة الرعاية الصحية [35].

وتساءلت منظمة "ضحايا حرب العراق" (IBC)[37] في عام 2015: متى ستبدي المملكة المتحدة اهتماما جادا في ضحايا العنف في العراق؟[38]. وانضم أعضاء من "مجموعة الصحة عبر السلام"(the Health Through Peace community) الى الاحتجاج السلمي الذي نظمته منظمة MedAct ضد تقرير تشيلكوت، معبرين عن رفضهم له، معتبرين إياه غير جدياً بشأن الضحايا الأساسيين.

إثباتات طلبتها لجنة التحقيق وتجاهلتها

يحسب للجنة التحقيق من بين الأمور الإيجابية دعوتها لمن لديه إثباتات ومعلومات تفيد التحقيق تقديمها لها. فقدمت المنظمة البريطانية MedAct.org تقريراً خاصاً وافياً مكرساً لأضرار النزاع المسلح على المدنيين والبيئة العراقية.وقبل ذلك رفعت لرئيس اللجنة في اَب 2009 رسالة دعت فيها، بإسم "مشروع ضحايا حرب العراق (IBCP) الى ضرورة ان يشكل ضحايا العراق جزءاً من التحقيقات في حرب العراق، مطالبة لجنته ان تأخذ بعين الأعتبار الضحايا العراقيين نتيجة الحرب والأنهيار الذي أعقب الغزو في عام 2003. وطالبته بان يسمح للمنظمة بتقديم الأدلة اللازمة لهذا الموضوع تحديداً. وقالت أيضاً:"ان لجنة التحقيق في حرب العراق تشكل فرصة فريدة، حتى لو كانت متاخرة، للتحقيق في ضحايا العراق بشكل شامل و بتفاصيل دقيقة، وأيضا تقييم طبيعة ومدى الضرر الناتج عن اهمال الحكومة المستمر لهذه القضية..وقالت: ان المصادر الكثيرة توفر لكم- حسب رأينا- فرصة جيدة للتحقيق بشكل شامل وسليم في قضية ضحايا العراق: الحقائق الكثيرة تجبركم على فعل ذلك".

وأوضحت (ميداكت) بان جمع كل الحقائق المتوفرة عن ضحايا العراق كانت النشاط الرئيسي لمنظمة "ضحايا حرب العراق"(IBC) خلال الاعوام الماضية. وبغياب مصدر معتمد اخر للمعلومات عن طبيعة و توزيع الضحايا في العراق، فان البيانات التي تقدمها المنظمة لطاما اشير اليها في مختلف السياقات من قبل مؤسسات مستقلة، من بينها منظمات الاغاثة، منظمة الصحة العالمية، مفوضية الامم المتحدة العليا للاجئين، البنك الدولي، صندوق الدعم الدولي، الجامعات الرئيسية، مؤسسةBBC الاعلامية، صحيفة الايكومنست، وغيرها من المؤسسات الاعلامية في المملكة المتحدة والعالم.

وقدمت الشبكة البريطانية لأسلحة اليورانيوم (UKUWN) [39]، في 8 /7/ 2010 ، تقريراً علمياً وافياً مكرساً لاستخدام المملكة المتحدة لذخائر اليورانيوم المنضب في العراق، شرحت فيه طبيعتها وأصنافها وحجم ما استخدم منها على العراق. وتناولت بالأدلة العلمية القاطعة المخاطر الصحية لإستخدامها، مستندة الى نتائج دراسات وأبحاث علمية رصينة، أثبتت سميتها الكيميائية والإشعاعية على العسكريين والمدنيين، التي تجسدت بـأعراض أو متلازمة حرب الخليج " "Gulf War Syndrome، التي طاولت مئات اَلاف العسكريين، وتداعياتها على عوائلهم، وانتشار الأصابات السرطانية والتشوهات الخلقية وعلل مرضية أخرى غير قابلة للعلاج وسط العسكريين والمدنيين الأبرياء.

ولفتت الشبكة إنتباه لجنة التحقيق الى تكرار إستخدام وزارة الدفاع البريطانية لذخائر اليورانيوم في غزو العراق رغم علمها المسبق بمخاطر إستخدامها، بإعتبارها ذخائر مشعة مصنعة من نفايات نووية خطيرة. وهذا ما أكده البرفسور مالكولم هوبر- أستاذ الكيمياء الطبية بجامعة سندرلاند، والمستشار العلمي لـ "جمعية جنود حرب الخليج الثانية المتقاعدين في المملكة المتحدة"، متجاهلة كافة التحذيرات العلمية، بضمنها لمؤسسات علمية بريطانية معروفة، بشأن سميتها الكيميائية والإشعاعية وأضرارها البيولوجية على صحة وحياة العسكريين والمدنيين-أشرنا لبعضها [40]..

وقامت وزارة الدفاع وحليفاتها بإخفاء البيانات والمعلومات ذات العلاقة.فقد أكدت صحيفة " الإندبندنت" البريطانية في تقرير عنوانه:"الجيش البريطاني كان يعرف بمخاطر اليورانيوم المنضب " أن الوزارة كانت تعرف بان التعرض لأشعاع أسلحة اليورانيوم المنضب يسبب سرطانات الرئة والغدد اللمفاوية والدماغ، وأن التحذير من تلك الأمراض كانت قد أصدرته الطبابة العسكرية البريطانية (حصلت الصحيفة على نصه) وهو يحذر العسكريين من التعرض للغبار الناجم عن إنفجار أسلحة اليورانيوم المنضب. ودلل تقرير الأندبنتدنت على المغالطات الرسمية التي أتبعتها الحكومة البريطانية تجاه نتائج البحوث العلمية بشأن أضرار اليورانيوم المنضب، مستشهداً بالنتائج التي توصل إليها البرفسور مالكولم هوبر، التي أكدت ان اًلاف البريطانيين الذين يسكنون ضمن مدى إنفجارات أسلحة اليورانيوم المنضب، أو يعيشون بالقرب من معامل إنتاج تلك الأسلحة، سيتأثرون بخطر التلوث الإشعاعي.وقد تجاهلت وزارة الدفاع كافة التحذيرات العلمية الأكاديمية وأهملت الحقائق العلمية [41]..

من ردود الفعل على التقرير

كتب النائب العام البريطاني السابق في حكومة توني بلير اللورد موريس في عام 2014 منتقداً التأخير غير المقبول في نشر نتائج تحقيق لجنة تشيلكوت حول حرب العراق ، وإعتبر ذلك فضيحة وطنية. وانه من غير المقبول مواصلة تأخير نشر النتائج [42].

ويبدو ان المماطلة في تأخير نشر التقرير لعدة سنوات صبت في هذا المنحى.فكان من المفترض ان يكون تقرير نتائج التحقيق جاهزا للنشر بحلول نهاية عام 2010 [43]، لكن ذلك لم يحصل.وفي 16/11/2011 أعلن السير جون تشيلكوت أنه لايمكن نشر التقرير قبل صيف 2012 "إذا أردنا للتحقيق ان يكون عادلاً، نظراً للتعقيدات التي ينطوي عليها".وفي 16 /7/ 2012 أعلن مجدداً بانه لا يستطيع ان يقدم تقريراً قبل صيف 2013 [44].وفي كانون الثاني 2015أعلن إرجاء نشر نتائج التقرير إلى ما بعد اجراء الانتخابات العامة في بريطانيا [45].

وكل تلك التأجيلات لم تكن لصالح التحقيق، ولا لصالح ضحايا الحرب، ولم تكن مبرراتها مقبولة، ولا علاقة لها بـ "الأمن الوطني البريطاني"- كما زعموا، مع أن الأمن الوطني قام بتدقيق التقرير- بحسبBBC [46]. وأكد رئيس اللجنة بان التقرير أحيل إلى الأمن الوطني لفحصه لتضمنه كما ضخما من المواد الحساسة [47]..

أما نتائج التحقيق، فلم تكن غير متوقعة للعديد من السياسيين البريطانيين، وجاءت متوافقة واَراء العديد من الشخصيات البريطانية. فقد أعلنت ناتالي بينيت- زعيمة حزب الخضر: " كنا نعرفها، والان تأكدنا منها: الحرب على العراق كانت مبنية على الخداع والكذب.كانت غير قانونية، ولا يمكن تبرريها".وشدد جيرمي كوربين- زعيم حزب العمال: "نحن نعلم أن البرلمان تعرض للتضليل في مرحلة ما قبل الحرب، وعليه أن يقرر كيف يريد أن يتعامل مع هذا الأمر بعد مضي 13 عاما". وأضاف:"على الذين كشفهم تقرير تشيلكوت أن يواجهوا نتائج أعمالهم، أيا كانت" [48][49]..

وأعلنت منظمة "ضحايا حرب العراق" (IBC):" لم نكن نتوقع ان نجد بين نتائج عمل اللجنة العدد الكبير للضحايا، ولا حتى رؤية عوائل الضحايا العراقيين، او إحتياجاتهم ، او كيفية تخفيف معاناتهم [50].

والمفارقة ان تقرير لجنة التحقيق أشار الى عدم وجود نية لدى المملكة المتحدة لتنظيف العراق من تركتها المشعة القاتلة، وتخلت عن مسؤوليتها وواجبها في إزالة المخلفات السامة التي خلفتها هناك، ولا حتى وجوب رصد تأثيراتها على صحة ومستقبل السكان.وأكد دوغ وير- المنسق الدولي للتحالف الدولي لحظر أسلحة اليورانيوم(ICBUW) ان وزارة الدفاع قد أخفت عن لجنة التحقيق وثيقة عسكرية كانت قد أعلنت فيها عام 2003 عن نيتها تنفيذ هذه المهمة[51].وكان البرفسور مالكولم هوبر قد إعتبر مهمة التنظيف واجب قانوني على الملوثين في ظل إصابة الأطفال بالسرطان وحالات تشوه ولادي نراها في العراق منذ إستخدام اليورانيوم المنضب في حرب عام 1991"[52]..

وبموازاة صدور التقرير، تظاهر المئات من معارضي غزو العراق أمام منزل بلير، وأمام "مركز الملكة إليزابيث للمؤتمرات"، حيث عقد السير تشيلكوت مؤتمره الصحفي للإعلان عن خلاصات تقرير لجنة التحقيق، وطالب المتظاهرون بملاحقة بلير " لارتكابه جرائم حرب".

من جهتها، اعتبرت حركة "أوقفوا الحرب" التي عارضت غزو العراق أن " تقرير تشيلكوت اتهام صريح لتوني بلير والمحيطين به، في دفعنا إلى الحرب على العراق". وذكرت الحركة في بيان صدر بعد الإعلان عن نتائج لجنة التحقيق أن "الحركة المناهضة للحرب والملايين الذين تظاهروا ضد قرار الغزو، يطالبون الآن بالعدالة".

إنتهاك للقانون الدولي

تناول تقرير الشبكة البريطانية لأسلحة اليورانيوم (UKUWN) المقدم للجنة التحقيق بالتفصيل المسؤولية والمشروعية وانتهاكات القانون الإنساني الدولي من قبل مستخدمي أسلحة اليورانيوم. وأكد متخصصون ان استخدام تلك الأسلحة بكميات كبيرة جدا هدفَ عمداً مع سبق الاصرار للفتك بالعراقيين وتدمير بيئتهم ، ضاربين عرض الحائط بالقوانين الدولية التي حظرت في البروتوكول الاضافي الاول الملحق باتفاقيات جنيف ( المادة 35) (يحظر استخدام وسائل او اساليب القتال يقصد بها او قد يتوقع منها ان تلحق بالبيئة الطبيعية اضرارا بالغة واسعة الانتشار وطويلة الامد ).

ووفقا للمادة 4 من التعليمات الرسمية، والمادة 7 من قانون المحكمة الجنائية الدولية، فان ما سبق يُعدُ– برأي د. سعاد العزاوي- جريمة ضد الانسانية نتيجة لتأثيراته الصحية الضارة التي لا تميز بين المدنيين والعسكريين، والتي تستمر أضرارها لفترات طويلة بعد الانتهاء من العمليات العسكرية [53].

وإستكمالآ لمواقفها الصلفةحظرت الحكومة البريطانية على قادة الجيش الرد على نتائج التحقيق بشأن حرب العراق، ومنعتهم من إبداء وجهات نظرهم الخاصة للجنود والبحارة والطيارين. وبحسب أوامر الاتصالات التي اطلعت عليها "ديلي تلغراف" مُنعت المقابلات مع القادة، وقدمت إليهم الحكومة توجيهات متفق عليها لتمريرها إلى الجنود [54].

وقامت الحكومة البريطانية بسحب تمويلها لشركة المحاماة البريطانيّة Public Interest Lawyers التي ثبتت وقائع عن جرائم تعذيب وقتل خارج القانون جرت على يد جنود بريطانيين وطاولت مواطنين عراقيّين!

وأعلنت الحكومة البريطانية عن نيتها إلغاء ملف التحقيق في جرائم الجنود البريطانيين بحق آلاف المواطنين العراقيين، وفعلآ أوقفت التحقيق الذي يقوم به "فريق التحقيق في الإنتهاكات في العراق" (IHAT)، الذي شكّلته وزارة الدفاع في عام 2010 للتحقيق في دعاوى سوء معاملة مدنيين عراقيين على أيدي أفراد القوات المسلحة البريطانية خلال الفترة من نيسان 2003 إلى تموز 2009. وقد نظر الفريق بالفعل في ما لا يقل عن 1515 قضية لضحايا الإنتهاكات، منها 1235 اتهاماً بانتهاك حقوق مواطنين ومواطنات عراقيات، بينها اتهامات بالتعذيب والاغتصاب، ونحو 280 دعوى بالقتل خارج إطار القانون. وأعرب مسؤولها الشرطي السابق مارك وارويك لصحيفة "الإندبندنت" في كانون الثاني 2016 عن إعتقاده بأنه "ستكون هناك أدلة كافية لتبرير توجيه اتهامات جنائية.. هناك إدعاءات جادة يحقق فيها الفريق تتضمن القتل.. وأشعر أنه تم جمع أدلة كافية لتقديم قضية قوية أمام هيئة الادعاء لبدء المحاكمة وتوجيه الاتهامات". وأكد وارويك لصحيفة Business Insider البريطانية أنه "قد تتم مقاضاة القوات البريطانية التي قاتلت في العراق خلال الحرب بين 2003 و2011 بتهم ارتكاب جرائم حرب"، مضيفاً أن هناك "الكثير من القضايا المهمة التي تستوجب المناقشة حول ما إذا كانت تُصنّف ضمن إطار جرائم الحرب". وقد أجبرت الصور المنقولة عن الجنود أنفسهم أو شهاداتهم المباشرة وزارة الدفاع على الموافقة على التحقيق والتعاون معه، بعدما انتقدتها محكمة بريطانية لعدم كشفها عن وثائق تفيد بعلم الوزارة بالشكاوى التي تلقتها بهذا الصدد وقت حدوثها.

وكان من المقرر أن يختتم الفريق المكلّف تحقيقاته بنهاية عام 2019، أي بعد 10 أعوام من إنسحاب آخر القوات القتالية البريطانية من العراق. ولم يسفر عمله لليوم عن أية توصيات بمحاكمات، ويواجه انتقادات من حقوقيين جراء تحركه ببطء. غير أن الحكومة البريطانية إستغلت مخالفة قام بها أحد أعضاء الفريق لتعتبر عمل الفريق "ألحق الأذى بسمعة الجيش البريطاني". وبهذه الذريعة أعلن وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون في 11 شباط الماضي بأن بلاده "عازمة على وقف التحقيق في جرائم جنود بريطانيين بحق مواطنين عراقيين، خلال مشاركتهم بحرب العراق عام 2003، وستجري احالة 20 ملفاً فقط إلى شرطة البحرية البريطانية".,أما مئات القضايا، التي رفعها ضحايا من المدنيين العراقيين، والتي ستترك من دون حل، فهي ليست مهمة بالنسبة لحماة العسكريين من مرتكبي الجرائم.

إنتقدت منظمة العفو الدولية القرار على الفور، معتبرة، بحق، ان الانتهاكات المقترفة في العراق "ينبغي عدم نسيانها". كما انتقدت احالة 20 ملفاً فقط إلى شرطة البحرية البريطانية. وقالت المنظمة في بيان لها "ان سمعة الجيش البريطاني على المحك، وأي مزاعم ذات صدقية بشأن انتهاكات لحقوق الانسان من قبل القوات البريطانية في العراق وافغانستان يجب أن تخضع لتحقيق مستقل من جهاز مستقل عن الجيش". وأشارت المنظمة إلى أن "القوات البريطانية ارتكبت اموراً فظيعة في سجونها".

وفي تشرين الثاني 2016 أعلنت الحكومة البريطانية بكل وقاحة نيتها التنصل من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الانسان في مدة الحرب، لتمكين عسكرييها من تفادي "ملاحقات تعسفية"، الأمر الذي ندّدت به منظمات الدفاع عن حقوق الانسان. وعلّق الناشط المدني د. كاظم الموسوي: "مهما كانت العراقيل ومحاولات التأجيل، وهي حالة بريطانية بيروقراطية بامتياز، فلن تتقادم الجرائم وستظل تلاحق مرتكبيها ورؤسائهم الذين دفعوهم لارتكابها، كما وتظل سبابات الضحايا مرفوعة ودماؤهم ملطخة جباه قادة الاجرام ومجرمي الحرب الرئيسيين" [55].

مفارقة عراقية ليست مستغربة

مفارقة عراقية أخرى مؤلمة.ففي الوقت الذي هزت فيه نتائج التحقيق البريطاني عن حرب العراق حال نشرها الضمائر الحية للبريطانيين وغير البريطانيين في أرجاء العالم، وطالبوا بتحرك رسمي عراقي عاجل أمام المحكمة الجنائية الدولية، مبدين عزمهم دعمه إنصافاً للضحايا.. لم تهتز ضمائر المسؤولين المتنفذين في العراق، حتى اليوم، وكأن الموضوع لا يعنيهم، وليس من واجبهم المطالبة بحقوق الضحايا العراقيين.

فلماذا ولمصلحة مَن مواصلة السكوت طيلة ثلاثة أعوام كاملة ؟

نعيد ما كتبناه قبل عامين: مثل هذا الموقف ليس جديداً ولا مستغرباً وهو يؤكد مرة أخرى ان من ساهم في تدمير العراق وتحطيم شعبه لا تهمه حقوق الضحايا الأبرياء من أبناء وبنات الشعب العراقي ![56] ..

ان ما تضمنه تقرير اللجنة، الذي صدر قبل 3 أعوام، من معلومات وحقائق تدعو كل مسؤول شريف، وكل عراقي مخلص، وكافة منظمات المجتمع المدني الحريصة، للضغط على الحكومة العراقية، والسلطتين التشريعية والقضائية، والتحرك والعمل المشترك والفعال، بكل قوّة، أمام «المحكمة الجنائيّة الدوليّة»، بالإستناد الى معطيات تقرير «لجنة تشيلكوت» وغيرها، التي أبطلت مبررات الغزو والأحتلال، للمطالبة بكافة حقوق ضحايا غزو العراق، خصوصاً ما اتّصل منها بإستخدام ذخائر اليورانيوم وتداعيات إستخدامها للمرة الثانية في العراق..

 

د. كاظم المقدادي

ستوكهولم، 22/ 7/ 2019

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4703 المصادف: 2019-07-22 12:14:39