 آراء

قانون منع الزعزعة الإيرانية لاستقرار العراق.. مخلب امريكي آخر في عنق البلاد

صائب خليللا بد ان أعبر أولا عن اعجابي بالعبقرية الامريكية في صياغة اسم القانون، فأنا متأكد انهم يستطيعون ان يضعوا أي نص تحت هذا الإسم دون ان يثير أي احتجاج لدى نسبة عالية من الشعب العراقي، والذي تم إقناعه بأن الكارثة التي يمر بها بلده هي ايران وليست إسرائيل او اميركا، ولا آمل في هذه المقالة ان اقنع فرداً واحداً في هذه المجموعة بشيء، فهي منطقة لعب أمريكي حر فيما يتعلق بإيران. وتشمل هذه المجموعة كل الصدريين ومعظم جماعتنا السنة. اما الباقين الذين قد يريدون معرفة حقيقة هذا القانون الغريب الإسم، فهذا ما لدي عنه:

يعد ما سمي بقانون "منع الزعزعة الإيرانية لاستقرار العراق"(1)، اكثر اجراء امريكي في صلافته في التدخل بشؤون البلد وإلغاء سيادة حكومته منذ الاحتلال، ويمثل قمة المهانة التي بلغها العراق بحكومة عبد المهدي التي نصبها التحالف الصدري مع الحشد وبدعم المرجعية – عميلة مخجلة يحاول كل من الأطراف الثلاثة التنصل منها.

يمثل هذا القانون تهديداً مباشراً لأي عراقي يفكر في انتهاج موقف لا يناسب اميركا، وسكوت حكومة عبد المهدي- الصدر – الحشد – المرجعية، كان منتظراً رغم انها فضيحة كبيرة، لكنها بالتأكيد ليست الفضيحة الأولى، ومما لا شك فيه ان المزيد من الفضائح قادم.

يهدد القانون كل جهة "اجنبية" ارتكبت اعمال عنف تهدد استقرار العراق او تقويض عملية إعادة بناء اقتصاده أو "الإصلاحات السياسية"، او "يمثل وجودها احتمال" ارتكاب مثل تلك الأعمال، بعقوبات مالية أمريكية لحجز أموالها (وغيرها). وكذلك كل من ساعد مثل هذه الجهات مالياً او تقنياً، او كان تابعاً لجهة اجنبية تقوم بمثل ذلك.

ونلاحظ إضافة الى صلافة التدخل في سيادة البلد على مواطنيه، أن غموض وعمومية التعابير تتيح للحكومة الامريكية صلاحيات "قانونية" لا يملكها إلا الخارجين عن القانون! فالقانون من الناحية العملية يهدد كل من يختلف مع سياسة اية حكومة ترعاها اميركا (مثل حكومة عبد المهدي) بالعقوبات، إن تم اعتبار ما يعترض عليه هذا المختلف، "إصلاحات سياسية" أو "إعادة بناء اقتصاد" تقوم به الحكومة!

ولنلاحظ أن القانون موجه لـ "الجهات الأجنبية"، أي غير الأمريكية، وهذا ما يشمل المواطنين العراقيين. وتعبير "كل من ساعد مثل هذه الجهات" .. "او كان تابعا لجهة اجنبية"، ينطبق على العراقيين ايضاً، ويمكن لأية إدارة أمريكية ان تعتبر من تشاء من العراقيين "تابعا لجهة اجنبية" (أي ايران) حسب الحاجة! أي يمكن لأية إدارة أمريكية ان تعاقب أي عراقي يعترض على أية حكومة عميلة تضعها على العراق. وهكذا تنتفي الديمقراطية عملياً وتحجب قدرة الشعب على محاسبة الحكومة إن كانت تلك الحكومة تابعة لأميركا!! وطبيعي ان القانون مهين للعراق بشكل لم يسبق له مثيل إذ يجعله بكل معنى الكلمة "محمية" أمريكية، عدا انه يمثل تهديداً لجميع المواطنين العراقيين.

وكما أوضح النائب السابق عبد الرحمن اللويزي حول اصل هذا القانون (انقلها موجزة بتصرف) أن أوباما وقع ما يسمى بقانون "ماغنسكي" في نهاية 2012، يتيح لأميركا (التدخل بالشؤون الروسية بحجة) معاقبة الساسة الروس المسؤولين عن وفاة سيرغي ماغنيتسكي. وفي 2016؛ أصدرَ الكونغرس القانون بعدما وسّع بنوده ليسمح لحكومة الولايات المتحدة بمعاقبة المسؤولين الحكوميين الأجانب المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان في أي مكان في العالم. .

وأوضح اللويزي في لقاء تلفزيوني أن القانون انتهاك صريح لسيادة الدول الأخرى. فلكل دولة سيادة على مواطنيها في داخلها وخارجها وهي المسؤولة عنهم ولا يحق لأية دولة أخرى معاقبتهم (خاصة ان لم يكونوا على أراضيها).

ان امتلاك اميركا لمفاصل الأنظمة المالية العالمية يجعل من مقاطعتها خنقاً دولياً بحق. إضافة الى ذلك فأن بعض البنوك خارج اميركا قد تم فرض بنوك أمريكية مراسلة لها، ومنها البنك التجاري العراقي، والذي فرض عليه الاحتلال الأمريكي اشتراط اقتصار التحويل الخارجي لأي مبلغ اكثر من حد اقصى معين، ان يكون من خلال بنك جي بي موركان الأمريكي. وقد كان هذا الترتيب هو ما استخدم من اجل منع العراق من دفع ثمن الغاز الى ايران.

كذلك فقد يكون هذا القانون مجرد مقدمة لما هو اشد، وان كلماته اختيرت بهذا الشكل لكي لا تثير الكثير من الضوضاء، وقد يتبعه تعديلات لاحقة بشكل اضافات تجيز عقوبات أخرى كتوجيه الضربات العسكرية، او ربما الاعتقال الخ.

ومن المؤكد ان القانون سوف يستخدم كوسيلة لتثبيت الفساد ووضعه في خدمة أميركا. حيث سيشعر كل من ارتكب عملاً فاسداً بأن عليه ان يرضي الأمريكان في كل ما يريدون، حتى بخيانة وطنهم خيانات عظمى مثل دعم داعش أو غيرها من المنظمات الأمريكية الإسرائيلية، ان تطلب الأمر. كذلك سيتوجب على جميع الأثرياء وأصحاب السلطة او من يطمح اليها ان يبدي عداءه لأي مشروع تحرري من السيادة الامريكية على العراق، مثل مشروع قانون لسحب القوات الأمريكية من العراق، او التعاون مع أية دولة أخرى من اجل دفع اميركا لتفعل ذلك. وبالطبع لا يوجد ما يمنع ان يسخر القانون لتقديم خدمات مماثلة لعملاء اميركا سواء في الداخل أو الخارج (مثل الأردن او تركيا) بالضغط على الحكومات العراقية القادمة وعلى أصحاب المال والسلطة في البلد لتمرير مصالح هؤلاء، وبالطبع، على حساب مصالح الشعب العراقي وسيادته.

وبالفعل لقد استخدم القانون لدعم مشروع أمريكي خطير في التدخل في العراق هو مشروع صهينة سهل نينوى الذي سنكتب عنه غداً. حيث يسعى المشروع بالتعاون مع هذا القانون الى الهجوم على الحشد، من خلال التطبيق الأول لذلك القانون، فقد استهدف اثنين من الحشديين المسيحيين الرافضين لتلك الصهينة، من بينهم آمر «اللواء 30» في «الحشد الشعبي» (لواء الشبك)، المنتشر في منطقة سهل نينوى، وعد قدّو، وقائد «كتائب بابليون» (قوة من المسيحيين الكلدان تعمل ضمن صفوف «الحشد»)، ريان الكلداني.

من الناحية العملية، القانون تهديد مباشر لكل من سيعترض مستقبلا على الخصخصة مثلاً باعتبارها "إصلاحات" اقتصادية. وإن شعرت حكومة عبد المهدي بالاطمئنان الكافي للبدء بعلاقات مع إسرائيل اسوة ببقية عملاء المنطقة، فيكفي ان يعتبر ذلك "إصلاحات سياسية" لكي يتم حمايتها من أي اعتراض واعتبار أي معترض تابع لجهة يمثل "وجودها" تهديدا لاستقرار الحكومة العراقية. كذلك فأن أي اعتراض على مشاريع السوق الحرة مع الأردن أو حتى مع إسرائيل مباشرة او إيصال النفط اليها من خلال أنبوب العقبة، يمكن ان يعتبر عملا يستوجب العقوبة. وبشكل عام سيكون اصعب على الشعب العراقي ان يمارس سلطته الديمقراطية على حكومته، أو حتى ان يدافع عن مصالحه داخل بلده.

 

صائب خليل

..............................

(1) Preventing Iranian Destabilization of Iraq Act of 2017

https://www.congress.gov/bill/115th-congress/house-bill/4591?q=%7B%22search%22%3A%5B%22h+con+res+107%22%5D%7D

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4715 المصادف: 2019-08-03 02:14:30