 آراء

الأبعاد الحقيقية للغزو الأمريكي لأفغانستان (1)

محمود محمد عليشكلت أحداث 11 سبتمبر 2001 م علامة فارقة في الوضع السياسي والجيوستراتيجي في العالم، بوصفها من أهم الحوادث في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، لدرجة أن هناك من وصف الهجوم الذي تعرضت له أمريكا بأنه "الحرب العالمية الثالثة الصغر والقصر"، لأنها لم تستغرق ساعة من الوقت، لكنها كانت الأكثر كثافة من جهة الخسائر والأكثر تأثيراً من جهة التداعيات؛ كما صدرت العديد من المواقف عن محللين ومثقفين من مختلف العالم تراوحت ما بين الإدانة للهجمات، ومواقف أخري تساءلت عن ماهية الأسباب الحقيقية لهذا الحدث العظيم الذي وقع في أمريكا ؟ منها ما قدمه البروفسور الأمريكي "نعوم تشومسكي" Noam Chomsky من تفسير واضح لتلك الأحداث بقوله :" إن هجمات 11 سبتمبر تنطوي بالتأكيد على قطاعات مروعة، لكن يجدر بالأمريكيين أن يدركوا أنها ليست سوي رد فعل على فظاعات لا تقل عنها حجماً ترتكبها السياسة الخارجية الأمريكية منذ نصف القرن الماضي، فقد قامت الولايات المتحدة باللجوء إلى القوة في جميع أنحاء العالم تقريباً... ولا ننسي تدخل الولايات المتحدة في تيمور الشرقية وأمريكا الوسطي وفيتنام، وكم يثير دعمها لإسرائيل موجة استياء في مجمل العالم الإسلامي.

وفي نفس الاتجاه يقول الكاتب الإسرائيلي " أوري أفنيري" Uri Avnery، الذي يكتب بهذا الصدد بصحيفة معاريف 16/9/2001 م بقوله ": لقد أثارت أمريكا غضباً شديداً في أنحاء واسعة من العالم وليس فقط بسبب قوتها، ولكن بسبب الطريقة التي تستخدم فيها القوة في قتل أحلامهم، ويكرهها أعداء العولمة ويتهمونها بالمسؤولية عن الفجوة المتسعة بين الأثرياء والفقر في العالم، ويكرهها ملايين العرب بسبب دعمها للاحتلال الإسرائيلي، وبسبب معاناة الشعب الفلسطيني وتكرهها جماهير المسلمين بسبب دعمها للسيطرة اليهودية على المقدسات الإسلامية في القدس. إن السياسة الأمريكية، هي المسؤولة عن خلق الأرضية الصالحة لتفريغ المتطوعين الممتلئين، بالعداء والحقد والمستعدين للتضحية بكل شئ وأثمن شئ، بما في ذلك النفس البشرية انتقاماً من الأمريكي حفار قبورهم، ومروع أطفالهم، وقاتل أحلامهم .

وفي تحد جرئ يري تشالمرز جونسون Chalmers Johnson بأنه ": سيكون من الخطأ أن  نعتقد في الولايات المتحدة، أننا لا نستحق أي لوم من جراء ما حدث في 11 سبتمبر ".، ويضيف تشالمز " المغتالين الانتحاريين .. لم يهاجموا أمريكا"، كما يصر قادتنا السياسيون ووسائل الإعلام، بل إنهم هاجموا السياسة الخارجية الأمريكية . كان 11 سبتمبر بالنسبة لــ تشالمز، ضربة مرتدة حصدت فيها الولايات المتحدة جوائز سياستها الإمبريالية تجاه العالم الثالث، بما في ذلك دعمها لإرهاب الدول .

وكيف ما كانت الآراء والمواقف والاتجاهات من أحداث 11 سبتمبر رسمية كانت أو شعبية، وحتى ثقافية، إلا أنها أدت إلى بعث نظرية (صراع الحضارات)، على اعتبار أن هذه الأحداث تمثل تجسيداً مادياً حياً، لصراع بين جماعات بشرية مختلفة في العقيدة، والحضارة، والدين، وعليه فقد أصبح النظام الدولي بعد الحادي عشر من سبتمبر، عبارة عن صورة لهم تتربع عليه الولايات المتحدة، لتصبح القطب الوحيد في العالم، حيث بدت السياسة الأمريكية، وكأنها تستهدف إعادة تشكيل العالم، وبدأ الآخرون وكأنهم في حالة استكانة واستسلام، ولكن – في الوقت نفسه – كانت هنالك بوادر مقاومة تنبئ، أن الشكل النهائي لما بعد سبتمبر لم يتحدد بعد .

وهنا يرى" هنري كيسينجر" Henry Kessinger وزير الخارجية الأمريكي الأسبق أن اتجاهات العلاقات الدولية بعد أحداث 11 سبتمبر2001م هي:

الاتجاه الأول: مثلت أحداث سبتمبر نقطة تحول في صياغة النظام العالمي للقرن الحادي والعشرين، حيث إنها أدت بصورة واضحة إلى تعزيز المكانة العالمية للولايات المتحدة، ودفعت القوى المنافسة، مثل أوربا الموحدة، واليابان، وروسيا الاتحادية، والصين، والهند، إلى التعاون بصورة وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهي مسألة لم تكن متوقعة قبل هذه الهجمات، مما أدى لبناء علاقات شراكة بين هذه الأطراف والولايات المتحدة، ويرى كيسنجر أن هذا الوضع أدى للمرة الأولى خلال نصف قرن أن تكون الولايات المتحدة لا تواجه خصماً استراتيجياً، أو أي بلد وحيد أو متحالف، يستطيع أن يصبح منافساً لها للولايات المتحدة، بل إن الدول الكبرى أصبحت ترى أن الخطر الذي يتعرضون له جميعاً لا يأتي عبر الحدود، وإنما من الخلايا الإرهابية المزروعة داخل بلدانهم، أو من النزاعات الإقليمية، مما يعني أن الجغرافيا السياسية قد شكلت اتجاهاً جديداً في العلاقات الدولية، حيث أصبحت محور ارتكاز في السياسات الدولية وسياسة الولايات المتحدة بشكل لم يسبق له مثيل في العلاقات الدولية منذ الحرب العالمية الثانية، وبينما كانت السياسة الأمريكية تميل إلى الانفرادية قبل هذه الهجمات، فإن الهجمات أقنعت الجميع بأن الإرهاب أصبح يمثل خطراً داهماً، وأن أياً من هذه القوى لا يملك بمفرده الوسائل الكفيلة بمواجهة هذا التهديد مهما كان الاختلاف كبيراً حول المدبرين الحقيقيين لأحداث 11 سبتمبر2001م، وقد اعتبر البعض هذه الأحداث أولى حروب القرن الجديد.

الاتجاه الثاني: إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت القشة التي قصمت ظهر البعير في العلاقات العربية مع الغرب؛ خاصة مع دول أعمدة النظام الإقليمي العربي، رغم أنها قد أيدت الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب وأدانت أحداث سبتمبر، ولكن سيطرة التيار المحافظ المتطرف أيديولوجياً، واللوبي الصهيوني على الإدارة الأمريكية، والتحكم في القضايا الاستراتيجية الأمريكية والسياسة الخارجية، من خلال وزارة الدفاع ومجلس سياسة الدفاع الذي تشكل في أغسطس 2001م، ليقدم تصوراته الاستراتيجية، وتولي التخطيط الاستراتيجي الأمريكي والدولي، وقضايا أسلحة الدمار الشامل، وكل هذه التحركات الأمريكية، أدت لإضعاف دور العرب في هذه الحرب ضد الإرهاب، وذلك لاتهام الولايات المتحدة للأنظمة العربية في سوريا، والعراق، والسودان بدعم الحركات الإرهابية، فقد أفرزت أحداث سبتمبر حالة من الاصطفاف خلف مواقف الولايات المتحدة، باعتبارها القطب الأوحد والأقوى، ومارست الدول الغربية، بالإضافة للولايات المتحدة ضغوطاً كبيرة على الأنظمة السياسية العربية لتفكيك الحركات الإرهابية وحصارها والقضاء عليها .

الاتجاه الثالث: وهذا المسار يعرف بمسار العزلة الأمريكية على الساحة الدولية، إثر انحسار موجة التعاطف العارم معها بعد الحدث، فالتحالف الدولي ضد الإرهاب، أصبح هشاً، ولم يعد بإمكانه تأمين الوقوف الآلي مع الوحش الأمريكي المنفلت من كل قيود وضوابط .

لقد أثرت تلك الأحداث علي جميع المجالات الاجتماعية، والسياسية، والعسـكرية، والاقتصـادية، سـواء داخل الولايات المتحدة، أو خارجها، ولعل أبرز التداعيات، كان حين حشدت الولايات المتحدة القوات العسكرية الكبيرة، لشن حملة عسكرية باستخدام الوسائل العسكرية الكافية، بهدف تدمير معاقل الإرهاب في أفغانستان، حيث تعتقد الولايات المتحدة أن حركة طالبان وتنظيم القاعدة يقفان وراء أحداث التفجير؛ خاصة بعد أن رفضت الحركة تسليم "أسامة بن لادن"، الذي اعتبرته الولايات المتحدة مسؤولاً عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، واعتبرته طالبان غير مسؤول لعدم تقديم الأدلة التي تثبت تورطه. وتطورت الأحداث بعد ذلك عندما سحبت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة اعترافهما بحكومة طالبان بتاريخ 22 سبتمبر 2001، لتبقي باكستان الدولة الوحيدة التي تعترف بحكومة طالبان، ثم لتبدأ الحملة العسكرية بتاريخ 8 أكتوبر عام 2001 من خلال ضربات جوية مركزة استمرت حتى تاريخ الثامن والعشرين من أكتوبر 2001، ومن ثم الحرب البرية، حيث حققت الحملة أهدافها المعلنة من خلال تدمير قواعد تنظيم القاعدة وعزل طالبان من الحكم، وفي 13 نوفمبر 2001 سقطت العاصمة كابل في يد قوات التحالف، ولم ينته هذا الشهر حتى سقطت مدن أفغانستان من يد حركة طالبان، بعد أن وقع الكثير من عناصرها في الأسر، لتنسحب بعدها إلى الجبال، معلنة أن الهدف من الانسحاب، هو تفادى تكبيد الشعب الأفغاني خسائر كبيرة في أرواح المدنيين، ولتنظيم صفوف قواتها، واستعدادها للمعارك الجديدة مع القوات المحتلة .

لذلك لم يكن غزو أفغانستان مجرد رد فعل تلقائي علي هجمات 11 سبتمبر 2001، لأن التحضيرات وخطط العمليات العسكرية كانت مجهزة من قبل. فالغزو كان سيحدث تحت أي مبرر لأهمية وضع أفغانستان في الجغرافيا السياسية للنفط والغاز الطبيعي لمجمل المنطقة الممتدة من الصين إلي ألمانيا، وهو الحوض الضخم المسمى أوراسيا؛ بمعنى آخر تكمن مقاصد التدخل الأمريكي في أفغانستان في هدف قصير المدى، وهو إسقاط نظام طالبان واستئصال شبكة القاعدة، وهدف آخر بعيد المدى وهو التموقع الاستراتيجي في قلب منطقة آسيا الوسطي .

وهنا ندرس في هذا المقال الأبعاد الحقيقية وراء الغزو الأمريكي لأفغانستان، وكيف استغلت الولايات المتحدة أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م، لتحقيق أهدافها في منطقة آسيا الوسطي، وهى تصر على تواجدها العسكري للقضاء على الإرهاب، والحركات المتطرفة، وتقوم كذلك بتوسيع حلف الأطلسي، ليشمل دول المنطقة، وإيجاد أجواء أمنية، وسياسية، وعسكرية، توفر بيئة مناسبة للسيطرة، ولقد قامت بدعم وجودها في منطقة آسيا الوسطى من خلال تواجدها العسكري بدعوى حماية أمن الطاقة والحفاظ على استثماراتها  ؛ ولن يتحقق هذا الأمر إلا من خلال رصد الأهداف الأمريكية في أفغانستان، في إطار الحملة الأمريكية لمواجهة الإرهاب منذ الغزو الأمريكي لأفغانستان واحتلاله عام 2001م، وذلك الكشف عن معرفة الأهداف الأمريكية خلال تلك الفترة .

ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن الغزو الأمريكي على أفغانستان، قد أخذ ثلاثة أبعاد، يمكن توضيحها بشئ من التفصيل على النحو التالي:

البعد الأول: البعد السياسي:

شكلت أفغانستان على مر تاريخها محطة فاصلة في عمليات الصراع بين قوي النفوذ والسيطرة والتسلط في العالم، وقلما عرف بلد من بلدان العالم تلازماً متداخلاً بين الجغرافيا والتاريخ، مثلما عرفته أفغانستان، وهذا ما دفع الرحالة الإيطالي "ماركو بولو" Marco Polo (1254-1324م)، إلى وصف أفغانستان بأنها "سقف العالم". كما وصفها الكاتب المصري الكبير "محمد حسنين هيكل"، قائلاً بأن "أفغانستان بلد معتقل في موقعه، ومعتقل في تاريخه" .

وأفغانستان بلد ذو طبيعة جبلية ويتمتع بموقع استراتيجي مهم وقد تعرض لهجمات العديد من القوي الكبرى على مدي قرون، بدءاً بقوات "الإسكندر المقدوني"، ومروراً بقوات "نادر شاه أفشار" (التركماني) (1698-1747م)،  ثم الإمبراطورية البريطانية العظمي وبعدها الاتحاد السوفيتي، ومنذ القرن التاسع عشر الميلادي فصاعداً، تحول هذا البلد إلى منطقة حائلة بين إمبراطورية بريطانيا العظمى، وإمبراطوريه روسيا القيصرية ومستعمراتهما في آسيا الوسطي وشبه القارة الهندية، وكانت القوي الكبرى تتصارع فيما بينها من أجل الاستيلاء على أفغانستان أو توسيع دائرة نفوذها فيها .

وخلال حرب الخليج الأولى أدركت الولايات المتحدة أهمية مكانة وموقع أفغانستان؛ حيث أدركت أنها تمثل بالنسبة لها معبراً نحو آسيا الوسطي معروفة ولا تخفي على أحد، فهي تربط المنطقة بطريقين بريين- أحدهما يمر من قندهار نحو الجنوب الغربي، والآخر يمر من كابول نحو الشمال، وكلا الطريقين يبدآن من باكستان، وينتهيان بآسيا الوسطي، بعدما يقطعان الأراضي الأفغانية. والولايات المتحدة كانت تريد فتح هذه الطرق وتفعيلها، لكنهم على ما يبدو لا يريدون، أن ينتفع الشعب الأفغاني بالأرباح المالية لعوائد هذه الطرق!، ولذلك كانوا يخططون لإقامة حكومة أفغانية ضعيفة غير قادرة على العمل بشكل مستقل بحيث لا يمكن الاستغناء عنهم .

لذلك عملت واشنطن بالاتفاق مع نظام شاه إيران (قبل الثورة الإسلامية الإيرانية) بالضغط على أفغانستان ورشوتها لإبعاد النفوذ السوفيتي عنها . ففي عهد "محمد داوود خان" (1909-1978م) في السبعينات، حاول شاه إيران بتكليف من واشنطن، إقناع نظام حكم داوود، باستبدال الدعم السوفيتي بمبلغ 2 مليار دولار تدفعها واشنطن لأفغانستان كمساعدات اقتصادية، وحث شاه إيران داوود على الانضمام إلى منظمة التعاون والتطور الإقليمي، التي شكلتها إيران وباكستان وتركيا التي نددت بها أفغانستان، واعتبرتها امتداداً لحلف المعاهدة المركزية (سينتو) Central Treaty Organization- Cento، الذي حاولت واشنطن تأسيسه في الخمسينات (حلف بغداد كان جزءاً منها) لمواجهة موسكو، وفي السبعينات كان "السافاك" The Savac جهاز مخابرات شاه إيران) من الناشطين داخل أفغانستان في رصد الضباط الشيوعيين داخل الجيش والحكم .  وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4730 المصادف: 2019-08-18 02:38:23