 آراء

حسابات الربح والخسارة فى تغيير قواعد الاشتباك بين حزب الله واسرائيل

منذ ان وضعت الحرب بين اسرائيل وحزب الله فى 2006م أوزارها تواطأ الطرفان معا على قواعد اشتباك أرساها القرار الصادر من مجلس الأمن الدولى تحت الرقم 1701م. حيثيات ذلك القرار كانت تعول على التزام الأطراف بتلك القواعد، كما وكانت تهدف وتأمل الى إرساء سلام مستدام على الحدود اللبنانية مع اسرائيل، لان الذين قاموا بصياغة تلك الحيثيات كانوا يعلمون ان حزب الله هو زراع المقاومة الإسلامية للاحتلال الاسرائيلى لدولة فلسطين، كما كانوا يعلمون ان اليمين الصهيونى لن يترك تلك السكين على خاصرته، ويعلمون تبعا لذلك ان المقاومة الإسلامية واليمين الصهيونى خطان متوازيان لا يلتقيان الا فى اللانهاية، فشددت عبارات القرار على ضرورة التزام كلا الطرفين بمحددات التهدئة وناشدت فى اكثر من موقع على احترام السيادة اللبنانية على اراضيه، كم كررت عبارات التأكيد ايضا على ضرورة احترام الخط ازرق الفاصل بين قوات كلا من الطرفين

لم يكن لرئيس الوزراء الاسرائيلى بنيامين ناتنياهو ليدع حزب الله فى شأنه ابدا، لانه يمثل تهديدا مستمرا ودائما على دولة إسرائيل لرفعه شعار المقاومة المسلحة لتحرير فلسطين من قبضة الاحتلال، ولانه يمثل زراع إيران الطولى فى الشرق الأوسط وإيران فى رأى نتناياهو هى شيطان رجيم لجهة عقيدتها الراسخة بان اسرائيل مكانها البحر وليس على ارض فلسطين الاسلامية، ولأنه الكيان الوحيد الذى يقارع اسرائيل المعارك فهو لا يتورع من شن اى هجوم فى اى وقت وفى مكان من دولة اسرائيل، لهذا فهو مصدر رعب حقيقى على نتنياهو بعد ان قام هذا الاخير بتدجين المقومة العربية وتحييدها من متطلبات الصراع العربى الفلسطينى .

تنص الفقرة الرابعة من قرار مجلس الامن الدولى رقم 1701 على الاتى (يعيد تأكيده وتأيده (اى القرار) الشديد حسب ما أشار اليه فى جميع قراراته السابقة ذات الصلة لسلامة اراضى لبنان وسيادته واستقلاله السياسى داخل حدوده المعترف بها دوليا حسب ما هو وارد فى اتفاق الهدنة العامة بين اسرائيل ولبنان المؤرخ فى 23\مارس\ 1949م ) .

بموجب هذا النص الواضح فانه لا يجوز لإسرائيل انتهاك السيادة اللبنانية وضرب أهداف داخل دولة لبنان وان فعل ذلك يكون قد اخل بالتزامه بموجب تلك الفقرة ويستحق المساءلة والمحاسبة ومن بين نتائج تلك المحاسبة صدور إدانة من مجلس الامن لذلك الفعل وتوقيع العقوبات التي يراها مجس الأمن وفق سلطاته تحت البد السابع .

هذا هو المسار الطبيعي للإحداث المترتبة على هجوم اسرائيل بطائرتين مسيرتين على الضاحية الجنوبية لبيروت ولكن لان إسرائيل وحزب الله على السواء على علم بان شيئا من ذلك لن يحدث سارع كل طرف لتوجيه الامور نحو الوجهة التى تتفق مع سوء نية الطرف الاخر .

سارعت اسرائيل الى القول بان ذلك الهجوم هو دفاع عن النفس لانه كان على مواقع تقوم بانتاج صواريخ دقيقة فى معقل حزب الله فى الضاحية الجنوبية، كما سارع حزب الله من خلال امينه العام حسن نصرالله الى القول بانه سيقوم بالرد على ذلك الهجوم لان إسرائيل ارادت تغيير قواعد الاشتبك التى ارساها القر ار 1701م

وضع ميثاق الامم المتحدة فى المادة 2/4 قاعدة عامة تقضى بعدم استخدام القوة المسلحة او التهديد باستخدامها فى العلاقات الدولية الا انه استثنى من ذلك استعمال القوة فى إطار نظام الامن الجماعى و ممارسة حق الدفاع الشرعى وفق ما جاء فى المادة 51 من الميثاق، وبما ان دولة اتسرائيل تدعى انها هاجمت لبنان فى اطار حقها فى الدفاع الشرعى فاننا سنقوم بتحليل نص المادة (51) من الميثاق والتى جاءت على النحو التالى

(ليس فى هذا الميثاق ما يضعف او ينقص الحق الطبيعى للدول فرادى او جماعات فى الدفاع عن انفسهم اذا اعتدت قوة مسلحة على احد أعضاء الأمم المتحدة وذلك الى ان يتخذ مجلس الامن التدابير اللازمة لحفظ السلم والامن الدوليين)

أوضحت تلك المادة ان الشرط الوحيد لاستعمال حق الدفاع الشرعى هو اعتداء قوة مسلحة على احد اعضاء الامم المتحدة، وبتجاوز ان ليس هنالك قوة مسلحة اعتدت على اسرائيل وان اسرائيل قد مارست حق الدفاع الشرعى بموجب نظرية الحرب الاستباقية التى ارساها الرئيس الامريكى الاسبق جورج بوش بالرغم من انتقادها من معظم فقهاء القانون الدولى الا ان اسرائيل لم تؤكد للمجتمع الدولى بان هنالك مصنعا لتصنيع الصواريخ الدقيقة داخل الضاحية الجنوبية لبيروت وان ما قالته فى هذا الخصوص لا يعدو ان يمون مجرد ادعاءات نفاها حزب الله فى حينها .

بغض النظر عن ما اذا كانت ادعاءات اسرائيل صادقة ام كاذبة فان حزب الله قد تجاوز النتائج القانونية المترتبة على هذا الاعتداء وذهب مباشرة الى الرد العسكري علىه ليغير قواعد الاشتباك الموجودة فى القرار رقم 1701م وبهذا فان الفعل ورد الفعل قد اكتملا تماما ويبقى السؤال الكبير، هل سيكتفى الطرفان بتلك العملية وتتغير بذلك قواعد الاشتباك ويفقد القرار 1701م وجوده؟ ام انها مجرد عملية خاطفة منفردة سيعود الطرفان بعدها اى الالتزام بمحددات القرار 1701م ؟

يرى بعض المراقبين ان قيام نتنياهو بهذا الهجوم فى هذا الوقت اراد ان يرسل من خلالها عدة رسائل الى عدة جهات، اولى تلك الرسائل أراد توجيهها الى ايران ويقول لها نحن قادرون على ضرب زراعكم فى لبنان فى اى وقت وفى اية جهة لاعتقادها بان ايران هى المحرك الرئيسي لكل ما يقوم به حزب الله من ادوار، والرسالة الثانية ارادت توجيهها الى الداخل الاسرائيلى وهو يتوجه بعد ايام الى صناديق الاقتراع ويقول له انا الشخص الوخيد القادر على حمايتكم من صواريخ حزب الله وبالتالى فانا الاقدر على نشر الامن فى داخل لااسرائيل. ويرى – ايضا - بعض المحليين ان الاعتداء على لبنان جاء بايحاء من ترامب الى نتنياهو للقيام بدور ما فى تضييق الخناق على ايران ومنعها من نشر الارهاب الدولى فى العالم كما يعتقد ترامب

على كل فان حسابات الربح الخسارة فى ذلك الهجوم يحددها مدى التوازى الذى يحققه حزب الله اللبنانى مع دولة اسرائيل من حيث القوة السياسية والقوة العسكرية

ليس سرا ان لاسرائيل قوة هائلة لا تقاس بحجم الدولة فمن الناحية السياسية فهى ترتكز على دعم لا محدود من الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاروبى وهما قوتان عظيمتان من النواحى السياسية والعالم كله يرى ويسمع عن تصرفات اسرائيل فى مجال السياسة الدولية وعلاقات القانون الدولى فهى تتصرف فى هذا المجال بما يوحى انها فوق القانون ويؤكد هذا تعدياتها المستمرة على الفلسطينيين سواء فى نواحى التمدد الاستيطانى او القتل خارج دائرة القانون وكلها افعال ممنوعة فى القانون الدولى . اما من الناحية العسكرية فان اسرائيل تمتلك اكبر واحدث ترسانة قتالية هذا من اجل حفظ توازن القوى فى منطقة الشرق الاوسط وهذا التوازن يضع على عاتق الولايات المتحدة التزام تفوق اسرائيل من النواحى العسكرية على الدوام هذ كله فضلا عن الترسانة النووية التى تنكرها اسرائيل بالرغم من علم كل العالم بها .

بعقد مقارنة بسيطة بين اسرائيل وحزب الله نجد التفوق الاسرائيلى الكبير على حزب الله من الناحيتين السياسية والعسكرية ومع ذلك فان نتنياهو يكاد ان يطير فرحا لان حزب الله شن هجوما داخل اسرائيل ولكنه لم يصب احد بسوء. فحزب الله بالرغم من صغر حجمه وضعف امكانياته بالنسبة لاسائيل الا انه يمثل بعبعا يرتعد منه نتانياهو ويجعله يتبسم وهو يعلن ان حزب الله لم يحدث إصابات فى الأرواح وهو لا يعلم ان مجرد تنفيذ الحزب ضربة داخل اسرائيل فيه نصر كبير ليس لانه

استطاع احداث الهجوم فقط ولكنه استطاع ان يكسر حاجز الرهاب الذى تعيش فيه الامة العربية تماما كما كسر ذلك الحاجز الرئيس انور السادات فى حرب 1973م وازاح اسطورة الجيش الذى لا يقهر.

لعل بنيامين ناتنياهو فى حالة سرور لانه تجاوز تغيير قواعد الاشتباك مع خزب الله بقتله عنصرين من عناصر الحزب وتدمير موقع لتصنيع الصواريخ الدقيقة كما يزعم، مقابل تدمير ألية اسرائيلية واحدة ولكن حزب الله استطاع ان يزيح وهم التفوق الاسرائيلى الذى يفترض عدم الاقتراب من الحدود كما انه اوضح للاسرائليين ان صواريخه يمكن ان تصل الى عمق العمق الاسرائلى وهو اكثر ما يخشاه الشعب الاسرائيلى الذى وضعه نتنياهو تحت دائرة الخوف من فقدان الامن ليجلس هو على كرسى الحكم

لعله من المناسب ان نشير هنا ما يعتقده بعض المحللين من نتنياهو ربما يكون قد سعى لهذا الهجوم لتعزيز موقفه الانتخابى لانه يعلم ان الشعب الاسرائلى يبحث عن من يحقق له الأمن فى مواجهة التنظيمات التى يسميها ارهابية وان هذه التظيمات تسبب رعبا دائما لذلك الشعب بالرغم من صغر ححمها وضعف امكانياتها خاصة وان مثل اصطناع تلك المواجهات قد تكرر اكثر من مرة خاصة عندما تقبل اسرائيل على استحقاق انتخابى ما، فالي متى يظل الاسرائليين يعيشون مرمى صواريخ حزب الله والماقومة الفلسطينية المسلحة ؟ والى متى سيظل نتانياهو منهمكا فى صنع امجاده على اشلاء شعبه ولا نقول اشلاء الشعب العربى لان للعرب فى فلسطين ولبنان والعراق غيرها ثمن لا بد ان يدفعوه حتى تتحر ارض فلسطين كلها من دنس الاحتلال.

 

ناجى احمد الصديق - السودان

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4748 المصادف: 2019-09-05 03:45:43