 آراء

قانون الجمعيات الأهلية في مصر إلى أين يمضى؟!

امل ابراهيم الملاحمن الملاحظ أن هناك تزايد في عدد الجمعيات الأهلية  في مصر في الفترة من منتصف التسعينيات وإلى الآن، وتعد هذه من أكثر الفترات زيادة في حجم تلك المنظمات، حيث تقدر نسبة الزيادة من الفترة من بداية الثمانينيات إلى منتصف التسعينيات بحوالي 5%، ولاشك في أن وجود التحرر السياسي والاقتصادي قد شجع الجماعات الاجتماعية المختلفة على تأسيس جمعيات خاصة بها، وإن كانت الدولة المصرية قد نظرت إلى هذا التوسع بصفته توسعاً محفوفاً بالمخاطر من الناحية السياسية، وبالتالي فقد لجأت إلى فرض القيود على المنظمات القائمة من جهة وتشديد إجراءات إشهار المنظمات الجديدة من جهة أخرى، بالإضافة إلى خضوع تلك المنظمات المستمر لوزارة الشئون الاجتماعية.

كما أدى قوة المكون الديني في نشاط المنظمات غير الحكومية إلى زيادة رغبة الدولة في فرض وصايتها وتقييد العمل الأهلي، حيث أن السمة الدينية ارتبطت بقطاع كبير من المنظمات؛ فالمنظمات والجمعيات الإسلامية والقبطية نشطت على المستويين – العلماني والديني- حيث أنها أصبحت لا تتحرك في مجال الدعوة الدينية فقط، ولكن أيضاً في مجالات الرعاية الاجتماعية والخدمات الصحية والتعليمية حيث أن عدد كبير من المساجد والتي أسسها الأهالي تحولت إلى مقار لمنظمات أهلية غير حكومية وهو ما آثار مخاوف النظام من تدخل التيارات   الدينية، وخاصة الإخوان والسلفيين في شئون الدولة الداخلية من خلال السيطرة على مجالس إدارات تلك المنظمات.

ولقد ترتب على ما سبق فرض الدولة للقانون رقم (153) لسنة (1999)، والذى تأثرت نصوصه بالمناخ السياسي والاجتماعي السائد في ذلك الوقت، والذى شهد تدخلاً كاملاً من الدولة في معظم أنشطة المجتمع المدني بمجالاته المختلفة، مما أدى إلى رفع العديد من الدعاوى القانونية من قبل القانونيين بضرورة إعادة النظر في هذا القانون، حيث أنه تضمن نصوصاً وصفها نشاط العمل الأهلي في ذلك الوقت بأنها ستسمح بإحكام قبضة الحكومة على العمل الأهلي، إلى أن أصدرت المحكمة الدستورية حكمها بعدم دستورية القانون رقم (153) لسنة (1999) لسبب شكلي وهو عدم عرضه على مجلس الشورى قبل إقراره، بالإضافة إلى العوار الشديد الذى طال نصوصه، ثم عاد مرة أخرى للعمل بالقانون رقم (32) لسنة (1964) لأكثر من عام ونصف إلى أن تم صدور قانون  رقم (84) لسنة (2002) لتبدأ مرحلة جديدة من عدم الرضا من جانب المؤسسات المدنية على هذا القانون لأنه لا يختلف كثيراً عن سابقه، وظل العمل بهذا القانون حتي عام 2017حيث صدر القانون 70 لسنة 2017 وتم العمل به بالرغم من عدم صدور لائحته التنفيذية حيث كان يطبق القانون 70 لسنة 2017 ولائحة قانون 84 لسنة 2002، وعلي غفلة فوجئ الجميع بإلغاء القانون 70 لسنة 2017 وصدور قانون جديد والموافقة عليه والعمل به وهو القانون 149 لسنة  2019 والذي لم تصدر لائحته التنفيذية أيضا، ولا نعلم ما الذي تخبئه الأيام للجمعيات الأهلية، والجهات الإدارية المنوطة بالإشراف عليها.

وقد جاء حوار رئيس الجمهورية في ملتقى شباب العالم الأخير ليكشف عن رغبته في إعادة  قانون الجمعيات رقم 70 لسنة 2017 للحوار المجتمعي، إيذانا منه بتعديله من قبل مجلس النواب، ولا شك في مدى إيجابية هذه الإشارة في حالة قبولها بتعديلات جدية تنال من السلبيات الموجودة في قانون الجمعيات الأهلية الأخير، والتي تنال من جدية العمل الأهلي بشكل عام والحقوقي بشكل خاص، والتي يغيب عنها بشكل أساسي الهدف من النص الدستوري على حماية الحقوق والحريات العامة في الدستور المصري الأخير، ويكفى لذلك مثلا ما جاء بنص المادة 75 من الدستور المصري بقولها «للمواطنين حق تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية على أساس ديمقراطي، وتكون لها الشخصية الاعتبارية بمجرد الإخطار»، كما أضافت بعدم جواز تدخل الجهة الإدارية في شئونها.

ومن الزاوية الحقوقية الدولية فإن الحق في حرية التجمع والانضمام إلى الجمعيات أو تكوينها هي الحق في الانضمام إلى مجموعة رسمية أو غير رسمية للانخراط في عمل جماعي. ويشمل هذا الحق، الحق في تشكيل مجموعة أو الانضمام إليها. وعلى النقيض من ذلك، فإنه يشمل أيضا الحق في عدم الإكراه على الانضمام للجمعيات، يشمل «التجمع» الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني والنوادي والجمعيات التعاونية والمنظمات غير الحكومية، والجمعيات الدينية، والأحزاب السياسية، والنقابات العمالية، والمؤسسات أو حتى تجمعات شبكة الإنترنت.

ويقر القانون الدولي لحقوق الإنسان أن تكون ممارسة الحق في حرية التجمع السلمى وتكوين الجمعيات خالية من القيود إلا من القيود التي يسمح بها القانون الدولي، ولا سيما القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذى لا غنى عنه للتمتع الكامل بهذه الحقوق، وبخاصة عندما يتبنى الأفراد معتقدات أقلية أو مخالفة أو دينية أو سياسية، ويجدد دوما مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة التزامه بتعزيز وحماية الحق في حرية التجمع السلمى وتكوين الجمعيات، من خلال تبنى القرار رقم 16 /21 (أكتوبر 2012)، والقرار رقم 5 /24 (أكتوبر 2013)، ويؤكد هذان القراران وغيرهما على أهمية حرية التجمع السلمى وتكوين الجمعيات، فضلا عن أهمية المجتمع المدني والحكم الرشيد، بما في ذلك من خلال الشفافية والمساءلة، والتي لا غنى عنها لبناء مجتمعات سلمية ومزدهرة وديمقراطية.

 

د. أمل إبراهيم الملاح

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4749 المصادف: 2019-09-06 04:51:01