 آراء

كيف كان المخطط الأمريكي لاحتلال العراق 2003؟! (5)

محمود محمد عليمرة أخري نعود ونكمل حديثنا في هذا المقال الخامس عن المخطط الأمريكي لاحتلال العراق 2003،وفي هذا يمكن القول: هناك العديد من الأسباب السياسية وراء التدخل الأمريكي فـي العـراق نـذكر منهـا:

1- جوهر الرؤية الاستراتيجية الأمريكية في العراق قائم على تغير الحكم فيه وإقامة نظام ديمقراطي يحتذي به، والذي سوف يكون بداية للتغييرفي العالم العربي، بتحقيق ذلك يمثل خطوة أولى لإعادة ترتيب الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط.

2- الحفـاظ علـى مكانـة الولايـات المتحـدة كقـوة عظمـي وحيـدة علـى السـاحة الدوليـة وبـلا منـافس حقيقي، يمكنها من تحقيق مشروعها الإمبراطوري في السيطرة على العالم.

3- فـرض العزلـة علـى إيـران وحصـارها، والتلاعـب بميـزان القـوى داخلهـا بمـا يفـرض عليهـا، إمـا الإذعان أو التعاون مع السـيناريو الأمريكـي فـي المنطقـة، مـا تعرضـها لضـغط عنيـف يـؤدي إلـى خلـل في الأوضاع الداخلية وتشجيع قوى سياسة بديلة للحكم الإسلامي فيها.

4- إعـادة صـياغة الأوضـاع فـي المنطقـة بمـا يلائـم المصـالح الأمريكيـة علـى أسـاس التطـورات الجديدة، وما يتناسب مع التصور الأمريكي للدور الإسرائيلي فيها، وتحديد ترتيب الدول العربية في سلم اهتمامـات الولايـات المتحـدة علـى أسـاس فاعليتهـا فـي خدمـة مصـالح الولايـات المتحـدة،وقـدرتها علـى الاستجابة لمتطلبـات السياسـة الأمريكيـة فـي المنطقـة، وإيجابية دورهـا فـي التـأثير علـى محيطهـا العربـي لتسويق هذه السياسة.

5- إطفــاء نزعــات الثــأر الأمريكيــة الداخليــة بإظهــار اســتمرار الحملــة ضــد الإرهــاب، ومحاولــة تجسـيدها فـي توجيـه ضـربة عسـكرية لدولـة عربيـة إسـلامية ذات توجهـات مثيـرة للخـلاف علـى الصـعيد الدولي، وذلك في ضوء صعوبة مواجهة العدو الحقيقي الذي لا يعرف له ملامح، أو كيان، أو عنوان .

6- محاولـة توظيـف الحـرب ضـد العـراق لـدعم شـعبية الـرئيس الأمريكـي فـي الانتخابـات الرئاسـية للمرة الثانية من جراء الاستمرار في إذكاء الشعور الوطني الأمريكي الذي تصاعد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وإعطاء الأولوية في سياسة الإدارة الأمريكية، لمكافحة الإرهاب، والحفاظ على الأمن القـومي، وذلك على الرغم مما تعانيه الأوضاع الداخلية الأمريكية من ركود اقتصـادي، وكسـاد مـالي، وتقييـد فـي بعض الحريات المدنية.

4- عدم احترام العراق لحقوق الإنسان

إن هذا الاتهام يعود إلى سنوات الحرب العراقية الإيرانية وما تخللها من استعمال العراق للأسلحة الكيماوية ضد مواطنيه الأكراد، ومن ثم سحل الأسري الكويتيين في العراق بعد غزو الكويت، إلى جانب فضيحة تعامل النظام العراقي مع الانتفاضة الشعبية في شمال العراق وجنوبه عام 1991م، وبمعنى آخر فإن الولايات المتحدة ذهبت إلى تبرير غزوها بحجة حماية حقوق الإنسان العراقي، وضمان احترامه من قبل النظام العراقي، وهو ما يعرف بالتدخل الإنساني، والسؤال الذي يطرح ذاته في هذا السياق يتعلق بشرعية تدخل الولايات المتحدة لضمان حقوق الإنسان في العراق، إن مفهوم التدخل لأغراض إنسانية هو مفهوم قديم وحديث في وقت واحد.

كما شهد هذا المفهوم تكريساً كبيراً خلال السنوات الماضية من عمر النظام العالمي بعد أن هيمنت الولايات المتحدة على الأمم المتحدة، واتخذته كأداة لتشريع تدخلاتها في دول العالم المختلفة، بحجة أن أي انتهاك لحقوق الإنسان في أي مكان وزمان يعد تهديدا للأمن والسلم الدوليين، ويجب الرد عليه وفق ما تمليه ضرورات نظام الأمن الجماعي، تحت مصطلح الأمن الجماعي الإنساني، أما مبدأ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول فلم تجد أي تبرير.

إن ذريعة حقوق الإنسان أصبحت إحدى الأدوات للدول الكبرى، لتبرير استخدامها للقوة العسكرية، بحجة ضمان الأمن الجماعي، وهو ما ينطبق حرفياً على تذرع الولايات المتحدة بحماية الإنسان العراقي من انتهاك حرياته، وحقوقه من قبل حكومته.

وعلى هذا يمكن أن نصل إلى أن المبرر الوحيد للتدخل الأمريكي في العراق، كان له بعد عسكري، وقد تجسد هذا البعد في الأهداف التالية:

أ- الاسـتفادة مـن الموقـع الاسـتراتيجي المميـز للعـراق. فـالعراق يحتـل ثـاني أهـم موقـع مـن الناحيـة الاستراتيجية فـي الشـرق الأوسـط بعـد مصـر مباشـرة، فهـو نقطـة التقـاء استراتيجية بـين منـاطق الخلـيج، وشـمال غــرب آســيا، وآســيا الوســطى والشــرق الأوسط، وأن الجــوار الجغرافــي للعــراق المتمثــل بكــل مــن إيــران وســوريا، يكتســب أهميــة خاصــة فــي الاستراتيجية الأمريكيــة فــي ضــوء مــا يحققــه ذلــك مــن تمكــين الوجــود العســكري الأمريكي في العراق من ممارسة تهديد مباشر على نظامي الحكم في الدولتين.

ب- تثبيــت القواعــد العســكرية الأمريكيـة فــي الخلــيج بصــورة دائمـة، وركيــزة أساســية لوجودهــا العسـكري لـيس فـي منطقـة الخلـيج فحسـب، وإنما فـي مجمـل منطقـة الشـرق الأوسـط وفـي منطقـة المربـع الاسـتراتيجي التـي يقـع العـراق فـي القلـب منهـا والتـي تضـم: الخلـيج، وشـمال غـرب آسـيا، وآسـيا الوسـطى، والشرق الأوسط.

ج- إن الوجـود العسـكري فـي العـراق يتـيح للولايـات المتحـدة امـتلاك قـدرة أكبـر علـى احتـواء الدول المعادية للولايات المتحدة ومواجهتها انطلاقاً من الموقع الاستراتيجي للعراق، وهي بالتحديد إيـران وسـورية، فالولايـات المتحـدة لا تنفـي إطلاقـاً نيتهـا اسـتهداف هـاتين الـدولتين، فـإيران وسـوريا تعتبـر مـن الدول التي تصنفها الولايات المتحدة ضمن "محور الشر".

د- إن الهدف الرئيسي من وراء ذلك، هو تعزيز أمن إسرائيل، وابقاؤها قويـة ومتفوقـة عسـكرياً علـى المحـيط العربـي، الـذي تعـوق تقدمـه، وتـزرع فيـه الفـتن، والقلاقـل، والاضـطرابات، والتفرقـة، والحـروب. فالكيـان هو بمثابة حاملة طائرات ثابتة في قلب الوطن العربي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وخـط الـدفاع الأول عـن مصــالحها فـي المنطقــة، هــذه المصـالح التــي لا نبــالغ إذا قلنــا بأنهــا تطـال تخريــب الإســلام ومحاربته، وها هي تهمة الإرهاب تلتصق به في الأدبيات الإعلامية والسياسـية الرسـمية الغربيـة، ولـدى الجهلة الكثيرين.

ثالثاً: الأسباب غير معلنة للعدوان الأمريكي على العراق:

على الرغم مما يثار بشأن دور الولايات المتحدة في نشر الديمقراطية والحرية في الشرق الأوسط عبر احتلال العراق، في إطار تطبيق مفهوم الحرب الوقائية في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، إلا أنه وبحكم الاستراتيجية للولايات المتحدة كقوة عالمية كبري في العلاقات الدولية بعد الحرب الباردة، تبين أنها تلجأ كما كان الأمر في مراحل سابقة للقوة العسكرية، لأجل الحفاظ على مصالحها ومكانتها المتفوقة ذات التأثير والنفوذ، وأيضاً استدامتها بشكل يجعل من غير الممكن التحدث عن منافس محتمل لها .

أصبحت الولايات المتحدة تنظر لنفسها بمثابة القوة العظمى الوحيدة في العالم، حيث عملت عبر تشكيل تحالف الراغبين Coalition of Willing من الدول المؤيدة لتغيير النظام العراقي على غزو العراق كخطة بعيدة المدي تستهدف تحقيق المصالح والأهداف الكبرى المسيطرة منذ سنوات، وأن ذلك يسري في سياق فكري وعملي يدعو لبسط الهيمنة الأمريكية على العالم علي كافة الأصعدة والميادين السياسية، والاقتصادية، والعسكرية .

انطلاقاً من هذا يمكن تحديد الأهداف غير معلنة للغزو الأمريكي على العراق من خلال العوامل التالية:

أ- العامل الاقتصادي:

تتفق كل النظريات الاقتصادية على تنوع اتجاهاتها على نقطة واحدة تعكسها أهمية العامل الاقتصادي واعتباره المحرك الاستراتيجي لحركة المجتمع الدولي عموما، لقد كان الاقتصاد في الماضي عاملاً أساسياً يوظف، لخدمة مجمل المعارك السياسية، والعسكرية، وحتى الغزو الثقافي، لكن وبعد انتهاء الحرب الــباردة تراجعت القوة العسكرية لتتغير المعادلة، ومن ثم أدوار فاعليــها، فقد تحولت المعارك والمواجهات الدولــية الساخنة إلى معــارك اقتصادية، وبعد أن كان الاقتصاد الخادم الفعال للسياسة، والمواجهات العسكرية، أصبحت كل النزاعات والفعاليات السياسية، والإيديولوجية من أجل الاقتصاد .

هذه الأهمية التي يوكلها عالم اليوم للاقتصاد غيرت العديد من المفاهيم والقيم، لتصب كلها في منحى المصلحة، فمهما كانت قوة العلاقات بين الفواعل، وأيا كان نوعها قومية، أو عرقية، أو جغرافية، أو دينية، لا مجال لأي ارتباط إلا ارتباط المصلحة، والتي ترتبط متغيراتها بالحاجة الاقتصادية، والتــبادل التجاري، وإمكانية بناء جسور التكامل الاقتصادي، ذلك أن الشعوب تبحث بأي شكل من الأشكال عن الرفه المعيشي.

ومن هنا يمكن أن نتبين أهمية الاقتصاد من خلال الأطماع الأمريكية في النفط العراقي؛ حيث يمثل الموقع الجغرافي العراقي الذي يقع شمال بترول الخليج العربي الذي تحتفظ الولايات المتحدة الأمريكية بأساطيلها في مياهه، وبعلاقات مميزة مع حكوماته، وجنوب نفط بحر قزوين الذي مازالت الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لتحصل منه على حصة الأسد، وقد تحقق لها ذلك إلى حد ما، فالنفط العراقي يقع في قلب مركز الاحتياط النفطي الرئيسي في العالم ؛ حيث تحتوي على مخزونات هائلة من النفط، كما تملك أكبر احتياطي في العالم، لذا كانت دائماً محط نزاع وأنظار الدول الكبرى، خاصة الولايات المتحدة التي تعتمد على النفط كمصدر أساسي للطاقة، فهي كانت دائماً محط اهتمام متزايد للولايات المتحدة . علاوة على كون العراق تمثل ثاني أكبر احتياط للنفط في العالم، أي حوالي 122 برميل على الأقل، بالإضافة إلى أن حقول النفط العراقية تعتبر من أغزر الحقول في العالم، والأكثر قرباً من سطح الأرض، هذا ما يوفر نفقات ضخمة في عمليات التنقيب والاستخراج .

وهنا يؤكد "نعوم تشومسكي" أن الهدف الأساسي من هذا الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، هو السيطرة على احتياطات الطاقة الهائلة الموجودة في العراق، وهذا أمر لا جدال فيه، ويعتبر مصدراً للقوة الاستراتيجية الأمريكية، وبحسب قول فريدمان توماس في مقالة له نشرها في منتصف يناير 2003، قال فيها :"إن النفط هو أحد أسباب الإعداد للحرب ضد العراق، وإذا حاول أي شخص أن يقنعنا بغير ذلك فإنه قطعا لا يحترم عقولنا" .

وهذا ما عبرعنه أيضا المحلل" أنتوني كوردسمان" Anthony Cordesman، في صحيفة واشنطن تايمز في عددها الأول من شهر أوت 2002، حيث قال :" إن أمريكا لن تشن حرباً على العراق بحجة وجود أسلحة دمار شامل أو لمشاركته بعمليات إرهابية، بل كون العراق يملك 60 % من فائض النفط "؛ حيث يعتبر التدخل في العراق ليس فقط من أجل السيطرة على النفط للاستهلاك المحلي الأمريكي، بل هي عناصر ومكونات لخطة أمريكية طويلة للسيطرة والهيمنة على إمدادات النفط والغازلأوربا، واليابان، وآسيا، ومن ثمة على مستقبل الاقتصاد العالمي، وهو المشروع الذي اطلق عليه "هانز مورجينسيو" Hans Morgenthau بـ " الامبريالية غير المحدودة"، في كتابه عليه politais anorongnations، ويرتبط بهذا هدف فرعي هو التأكيد على استمرار دفع ثمن البترول، بالدولار بدلاً من اليورو في السوق المفتوحة .

وفي كلمة ألقاها ديك تشيني– نائب الرئيس جـورج بـوش (الابـن) فـي العاشرمن نوفمبر في معهد النفط في لندن قال فيها: "إنه في العام 2010م سنحتاج إلـى 50 مليـون برميل يومياً، ثم أضاف: "من أين سنأتي بالنفط، النفط ضروري لنا"، وأشار إلى أن عراقاً متعاوناً سيكون حجر الأساس لأمن الطاقة للغرب". وعندما سئل وولفوتيز– نائب وزير الدفاع الأمريكي–بعد غزو العراق مباشرة عن السبب في اجتياح العراق بدلاً من كوريا الشمالية التي اعترفت علنا أن لديها أسلحة دمار شامل قال: "إن العراق يطفو على بحيرة من النفط"، لقد أشار"جيمس بول" المدير التنفيذي لمنتدى السياسات العالمية، قائلاً: "إن السيطرة الفورية على النفط العراقي سـتؤدي إلى زيادة الإنتاج، وبالتالي خفض أسعار النفط،مما يؤدي إلى ربح يصل إلى 29 دولار للبرميـل الواحد، وهذا سيسبب الاستحواذ على تريليونات الدولارات في النفط، وهذا شيء كبيـر يـستحق الحرب .

أما "ريتشارد بيرل" Richard Perle مستشار البنتاجون فقد كتب مذكرة قبل اندلاع الحرب بأيام، حيـث عكست النية الأمريكية الرسمية في البقاء في العراق فترة من الزمن، بحيث يتولد منـاخ، وإدارة عراقية محلية ملائمة لها علاقات جديدة مع الشركات النفطية الغربية، وتؤدي في النهايـة إلـى خصخصة النفط العراقي، وأن تقّتصر علاقة العراق بنفطه من خلال حصوله على نسبة مئويـة يتم الاتفاق عليها بين العراق، ممثلاً بالحكومة الجديدة، ومجموعة الشركات الكبرى المدعومة مـن الولايات المتحدة .

إن الدليل على أهمية النفط العراقي في المخطط الاستراتيجي الأمريكي، تبين بعد سقوط نظام الحكم في عام 2003م، حيث استعانت سلطة "بول بريمر " Paul bremer الحاكم المدني في العراق، بعدد من رجال النفط الأجانب، وتم تعيين "فيليب كارول" Philip Carroll من شركة شل، و"كاري فوكليبر" من شركة إيكسون موبيل ليقودا عملية رسم مستقبل الصناعة النفطية العراقية، فـضلا علـى أن عملية إعادة الأعمار في العراق تذهب حصتها الأكبر للشركات الأمريكيـة النفطيـة .

إضافة لما سبق، فان بعض الأوساط الاقتصادية، ترى بأن سيطرة الولايات المتحدة على نفط العراق، سيؤثر على التفاعلات المستقبلية لمنظمة الأوبك، لأن الولايات المتحدة تعتمد عليهـا في تغطية 46 % من وارداتها، بل سيعطي للولايات المتحدة الفرصة، للسيطرة على سوق الطاقـة العالمي، لسنين طويلة قادمة، ولذلك شكل سيطرتها على النفط، أحـد أهـم ثمـار هـذه الحـرب الاستراتيجية.. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4755 المصادف: 2019-09-12 02:52:33