 آراء

من الثورة الى الفوضى

سليم الحسنيفي ستينات القرن الماضي، ظهرت موجة ثورات في أكثر الدول استقراراً وتقدماً، وقد بلغت ذروتها عام ١٩٦٨، حتى أطلق على ذلك العام بأنه عام ثورات الشباب، فقد غطت ثوراتهم الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها من دول أوروبا، كما وصلت الموجة الى اليابان.

كانت الثورات شبابية صرفة، وقد اختلفت دوافعها من دولة لأخرى، لكن تزامنها كان أمراً غريباً، بحيث اختلفت التفسيرات والأسباب وراء اندلاعها. لكن المختصون وبعد دراسات مطولة توصلوا الى أن جيل الشباب له نظرته الخاصة للمجتمع والحكم والسياسة تختلف عن الفئات الأكبر منها عمراً.

كانت التظاهرات بشكل عام ملتزمة بالسلمية، وهذا ما جعلها تستمر لفترة طويلة، وأن تتحول الى حدث مؤثر، فقد تعاملت معها الحكومات على أنها ممارسات هادفة توجه نقدها لحالات الخلل في مجتمعاتها. وقد أسفر الاتجاه الملتزم الى فرض ارادتها وبالتالي إجراء إصلاحات مهمة في تلك الدول.

نبهّت تلك التظاهرات بعض الدوائر الدولية ذات الصفة المخابراتية، الى أن التظاهرات لو بقيت على سلميتها، فانها ستتحول الى عنصر ضغط مؤثر على الحكومة، وسيجبرها على الاستجابة. وانها ـ في المقابل ـ يمكن أن تُستخدم كسلاح تخريبي فيما لو اندلعت في دولة مستهدفة، وذلك عن طريق تزريق العنف في جسدها، وبذلك ستقع المواجهة بين التظاهرات وبين السلطة، وتتحول من ثورة الى فوضى.

فرنسا كانت أكثر الدول التي أثرت تظاهرات الشباب على سياساتها، حيث اضطر رئيس الجمهورية شارل ديغول الى مغادرة فرنسا، ولم يعد حتى هدأت الأمور بعد عدة اشهر، حيث أعطى كامل الصلاحيات لرئيس الحكومة جورج بومبيدو، لإدارة الأزمة والتي انتهت بالاستجابة لمطاليب الشباب. وهذا ما جعل المفكرين الفرنسيين أكثر من غيرهم اهتماماً بدراسة تلك الظاهرة وتحليلها وتفكيك أجزائها. ولعل هذا ما يفسر القدرة التي تمتع بها الصهيوني الفرنسي (برنارد ليفي) ليكون حاضراً في أجواء الربيع العربي وتأثيره على مساراتها.

 كما ان الخبرة التي تمتع بها برنارد ليفي، كانت موجودة أيضاً عند دوائر التخطيط الغربي وخصوصاً الولايات المتحدة المعروفة باجهزتها المخابراتية العميقة. وقد تم تجربة الجانب المسلح في التظاهرات بشكله الواسع في ليبيا وسوريا.

في الحالة العراقية، اندلعت تظاهرات تشرين بمطالب مشروعة ومن الفئة الشبابية المستقلة عن تراكمات الأجيال السابقة، وكانت هذه الفئة تطالب بحقوقها في العيش بثروات وطنها، وهو مطلب يجلس في المستوى الحتمي للمجتمع. ولم تظهر على بدايتها مظاهر العنف، ولم تُسجّل على جموع الشباب دعوات الانفلات كمظهر عام. وكانت بذلك بداية ناجحة موفقة تشير الى أنها ستتحول الى قوة ضغط كبيرة تجبر الحكومة على الاستجابة.

لم تحسن الحكومة التعامل مع الشباب، واستخدمت القوة ضدها، وتقع المسؤولية كاملة على رئيس الحكومة، فمن خلال التمادي في العنف، فسح المجال أمام إمكانية تدخل جهات مغرضة لتحريف التظاهرات وزج بعض قطاعاتها في العمل العنيف.

ولأن التظاهرات في أي دولة، تكون مرصودة من قبل اعدائها، وهي فرصة مناسبة لكي يندسوا في صفوفها وينفذوا مشاريعهم المضادة، فان من الطبيعي أن تشهد تظاهرات الشباب العراقي مثل هذا التغلغل، وهذا ما حدث من خلال دخول عناصر حزب البعث الى صفوفها قادمين من الأردن والامارات وأوروبا. كما نشطت العناصر المرتبطة بامريكا والسعودية من أجل فتح خيارات العنف المسلح وزج التظاهرات فيها. فما يريده محور (أمريكا والسعودية وإسرائيل) نشر الموت في المدن الشيعية، وهذه الدول تعرف أن القتل سيكون فتاكاً فيما لو حدث بين الشيعة أنفسهم.

النقطة الأهم في تظاهرات شباب العراق، هي كيفية احتفاظهم بالوعي المطلبي، بحيث يجعلون تظاهراتهم تتحول الى ثورة، وتتحصن من التحول الى الفوضى.

صحيح ان هذا التحصين مسألة صعبة، خصوصاً وأن أجهزة أمريكا والسعودية وإسرائيل لها خبراتها في التصعيد، لكنه يبقى مسألة ضرورية مطلوبة، وهذه مسؤولية الشباب المخلص الذي يقف في التظاهرة فيرصد المندس والمغرض، ليمسك يده قبل أن يقذف شعلة النار على الممتلكات العامة، وليصرخ بوجه من يردد شعاراً استفزازياً يريده البعث أو أعداء العراق لتحويل المسار من الثورة الى الفوضى.

إن الحفاظ على وجه الثورة السلمي يمثل الطريق المضمون نحو تحقيق المطالب، وبخلاف ذلك تكون الفوضى. وعند ذاك يكون الشاب أول الخاسرين.

 

سليم الحسني

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

ليس هنالك مندسون والميليشيات هي من ينكل بالناس ثم ان الشعب ليس لديه ما
يخسره وقد سمع العالم كله صوت الشباب

العراق مثل جميع الشعوب يرفض الوصاية
الدينية فكيف اذا كانت الأحزاب الدينية
بقيادة إمعات ؟

لا بد ان يعود العراق دولة وهذا لن يحدث
بلملوم عفونات من الأحزاب الشيعية والسنية
والكردية المتصهينة

افترض ان بقايا البعث بمعونة الخليج وأمريكا
قد تعود الى السلطة. وهذا افتراض فقط
هل تعتقد ان العراق سيكون حاله أسوأ ؟

الجنوب الشيعي قبل غيره سيبارك تلك العودة
وستعود الدولة قوية وسيفعلون المستحيل من
أجل تحسين صورة البعث السابق

لكن. هل هناك بعثيون ؟
لا اعتقد لأن أصغر أجيال البعث الذي عرف البعث كتنظيم عمره الآن ستين أو أكثر

الجيل الجديد هو الذي سيفرز قيادة علمانية
غير ملوثة بعثياً وطائفياً وعرقيًا لأن هذا الجيل أو طليعة هذا الجيل تجاوزت الدين
كله

محسن شرهان الفرطوسي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4811 المصادف: 2019-11-07 01:07:51