 آراء

عاصفة الحزم ونبع السلام

روبط، الأسباب، التكتيك والاهداف

لم يكن الدخول الى ارضي دولة مستقلة ذات سيادة بالأمر السهل . ولم تكن مواضعات القانون الدولى فى إرساء مبادئ احترام سيادة الدول قريبة من ايدى الحكومات بحيث تطالها رياح التأويل والتبديل، و يصبح فى متناول اليد العدوان على دولة مستقلة على رؤوس الإشهاد  حتى جاءت الولايات المتحدة –منبع الأدواء – بفرية الحرب الاستباقية وحتى أصبحنا اليوم فى عالم لا يدين الا بمنطق القوة ولا يستكين الى للأقوياء.

عمليتان فى عهدنا الحاضر تجلت فيهما ملامح الحرب الاستباقية على سوائها وجلائها وهها عملية عاصفة الحزم التى قادها التحالف العربى بقيادة المملكة العربية السعودية على تنظيم أنصار الله الحوثى فى اليمن وعملية نبع السلام التى قادتها تركيا على تنظيم قوات سوريا الديمقراطية داخل حدود  الدولة السورية .

ما من شك ان لكل من العمليتين خصوصيتها من ناحية وأسبابها وأهدافها من ناحية اخرى، ولا شك – ايضا- ان قياسنا هنا لكليتيهما قياسا مع الفارق لان عملية عاصفة الحزم كانت بمقتضى قرار صادر من مجلس الأمن الدولى وكانت وفق تحالف عربى مكون من عدة دول اما عملية نبع السلام فقد كانت دون غطاء دولى او قرار من مجلس الامن كما انها كانت من دولة واحدة هى تركيا وفق تقيراتها الأمنية والسياسية .

نبادر ونقول ان جوهر عمليتى عاصفة الحزم ونبع السلام هو الحرب الاستباقية لحماية الأمن القومى  لكل من المملكة العربية السعودية ودولة تركيا . فبالنظر الى الاسباب المعلنة من جانب التحالف العربى والتى ادت الى شن الحرب فى اليمن على الحوثيين تتمثل فى جوهرها فى الاتى

1\اعادة الشرعية الى اليمن وتتمثل تلك الشرعية فى الرئيس عبد ربه منصور هادى

2\منع الحوثيين للسيطرة على مفاصل الدولة وابعد خطرهم عن المملكة العربية السعودية

كما تتمثل الاهداف الرئيسية لعملية اعادة الامل فى

1\سرعة اسئناف العملية السياسية

2\ استمرار حماية المدنيين ومكافحة الارهاب وتكثيف المساعدة الاغاثية

3\ التصدى للتحركات والعمليات العسكرية

منع وصول الأسلحة برا او جوا للحوثيين

وبقراءة مقابلة نجد ان الأهداف الرئيسية لعملية نبع السلام هى الهجمات التى تقوم بشنها عناصر حزب العمال الكردستانى على المدن الحدودية التركية، وعليه فان كل من التحالف العربى بقيادة السعودية وتركيا تقومان بعمليات عسكرية داخل اراضى دولة ذات سيادة لمنع عناصر اعتبرها ارهابية من شن هجمات داخل ارضيهما وهو ما يجعل المراقبين ينظرون الى العمليتان بعين الحذر ويعقدون بينهما المقاربات باعتبار انهما تؤديا الى نشوء نزاع مسلح سيكون له لا محالة اثارا كارثية على حياة المدنيين العزل سواء اكان ذلك على الصعيد الانسانى من نزوح ولجوء او على صعيد جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ضد اولائك المدنيين

فى مارس 2015م أطلق تحالف عسكري من تسع دول شكلته المملكة العربية السعودية وأسمته بالتحالف العربى لدعم الشرعية فى اليمن عملية جوية واسعة ضد اهداف متعددة للحوثيين فى العاصمة صنعاء وجاء تدخل الحلف بناءا على طلب الرئيس هادى بهدف استعادة الشرعية فى اليمن  وبالتالى منع الحوثيين من السيطرة على العاصمة صنعاء درءا لمخاطر التهديد المباشر من قبل الحوثيين على المملكة العربية السعودية.

كان من المؤمل ان تكون الحرب على الحوثيين سريعة وخاطفة وحاسمة ولكن الوقائع على الارض تقول انها عملية طويلة الأمد ومتعددة المحاور والحسم العسكرى فيها بحسب الكثير من المراقبين يبدو اقرب الى الاستحالة ومع ذلك فان نتائجها أصبحت كارثية على الشعب اليمنى فهو قد تعرض لأكبر مجاعة فى التاريخ كما تدهور الوضع الاقتصادي والصحى الى مراحل غير مسبوقة، وقد ادانت كثير من المنظمات الدولية كلا الطرفين فى التسبب فى تلك المآسي وما تزال الحرب مستمرة وما تزال انتهاكات حقوق الانسان والقانون الدولى الانسانى مستمرة وما يزال الوضع الاقتصادي والاجتماعي والصحى فى أسوأ أحواله

عملية نبع السلام التى أطلقتها تركيا فى مواجهة ما تسميه إرهاب فصائل قوات سوريا الديمقراطية فى شرق سوريا كانت ايضا حربا استباقية داخل حدود دولة سوريا لحماية الأمن القومى التركى  حيث ارادت تركيا طرد الأكراد الذين يمثلون تهديدا ارهابيا على جنوب تركيا من منطقة شمال سوريا .

اللافت للنظر فى هذه العملية هو اتحاد العالم كله – على وجه التقريب- فى وجه تركيا فى دخولها للاراضى السورية لطرد قوات  سوريا الديمقراطية حيث نجد ان لكل اجندته الخاصة فى الوقوف ضد تلك العملية ولكن القاسم المشترك فى كل تلك الإدانات هو التكلفة الانسانية على صعيد حقوق الانسان من جهة وانتهاك القانون الدولى الانسانى من جهة اخرى .

بالرجوع الى عملية عاصفة الحزم ومن بعدها إعادة الأمل نجد ان دول التحالف قد افتقدت الى الرؤيا الإستراتيجية فى إدارتها لتلك المعملية وفى الأهداف التى ترتجيها منها، كما انها أخطأت فى تقدير قوة الخصم وإمكانية صموده امام تلك العملية .

لابد من الإشارة أولا الى ان المملكة العربية السعودية قد نجحت الى حد كبير فى كسب تأييد الرأي العام الدولى لتلك العملية وهو الأمر الذى مكنها من الحصول على الغطاء السياسي والقانوني من مجلس الأمن الدولي وذلك بموجب  القرار رقم 2216 الذى أصدره مجلس الأمن يوم 14 أبريل/نيسان 2015 بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، يفرض حظرا للسلاح على الحوثيين وأنصار الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح، ويدعو الحوثيين إلى الخروج من المدن والمناطق التي استولوا عليها بما فيها العاصمة صنعاء. صوتت 13 دولة لصالح القرار، ولم تعارض أي دولة، بينما امتنعت عن التصويت دولة واحده فقط هي روسيا. كما نجحت الى كما تمكنت من انشاء تحالف عربي للاشتراك فى هذه العملية بالرغم مما أثير حول ضغوطها على دول التحالف للاشتراك فيه

بالنظر الى إستراتيجية التحالف فى تلك العملية بشن حرب خاطفة وحاسمة لشل قدرات الحوثيين ومنعهم من السيطرة على مفاصل الدولة فى اليمن وتجنبا للآثار الخطيرة لتلك الحرب على حياة المدنيين نجد ان هنالك فشلا زريعا لازم تلك العملية مما جعلها تقف على اعتاب عامها الخامس دون ان تحقق اى من الأهداف التى أعلنها التحالف عند بداية العملية

فعلى مستوى التكتيك الحربي لم تضع تلك العملية قوة الخصم فى اعتبارها وذلك ان الحوثيون تمكنوا من الصمود إمام ضربات الحلفاء طوال هذه الفترة دون ان تستبين اى من علامات الضعف او التفكك فى صفوفهم بل اننا رأينا كيف يرد الحوثى على عمليات التحالف فى اليمن بضربات داخل عمق المملكة العربية السعودية اما على مستوى الوضع الانسانى فى اليمن فقد تسبب التحالف بشهادة منظمات حقوقية عديدة فى ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وبالرغم من الجهود الكبيرة التى قامت بها المملكة فى تخفيف آثار ذلك النزاع بالمساعدات الانسانية من مأكل وملبس وادوية الا ان الوضع الانسانى فى اليمن قد تدهور بشكل كبير حتى أصبحت اليمن على اعتاب اكبر مجاعة فى التاريخ، اما على مستوى الاهداف فان الحرب فى اليمن قد أصبحت خارج دائرة التحكم من قبل التحالف، وأصبحت الاهداف غير معلومة وغير منظورة وأصبحت احداث على الأرض هى التى تحدد ما الذى يجب ان يتم فعله فى اليوم التالى.

عملية نبع السلام وجدت معارضة دولية كبير للغاية بل تكاد ان تكون كل دول العالم قد وقفت فى وجه تلك العملية على وجه من الوجوه، وانها افتقدت للغطاء السياسى والقانونى الدوليين ومع كل ذلك أصرت تركيا على إتمام العملية واضعة نصب عينيها هدفا واحدا هو ابعاد عناصر قوات سوريا الديمقرطية بما فيهم الاكراد مسافة لا تقل عن 32 كيلو متر من الحدود السورية ومع هذا الاصرار تدخلت الولايات المتحدة - التى تركت الاكراد لمصيرهم - بدافع عقدة الذنب وأوقفت الحرب بابرام اتفاق بينها وبين تركيا نزولا على شروط الاخيرة.

كانت المحصلة النهائية لعملية عاصفة الحزم دخول اليمن فى مشكل اقتصادي وانسانى غير مسبوق ولم تستطع دول العالم كله من وقف نزيف الحرب او معالجة التدهور الكبير على الصعيد الانسانى، لهذا فانه لا فائدة من تغطية العملية بواسطة مجلس الامن الدولى طالما ان المجلس لم يتمكن من معالجة الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولى الانسانى او مساعدة اليمنيين فى تجاوز الجوع والمرض والفقر . كما كانت المحصلة النهائية لعملية نبع السلام ابرام بين كل من تركيا والولايات المتحدة لوقف الحرب وانسحاب الاكراد وبين تركيا وروسيا لتسيير دوريات فى المدن الحدودية وعدد غير قليل من الضحايا المدنيين ونزوح ولجوء الاكراد من المناطق التى انسحبت منها فوات سوريا الديمقراطية كنتيجة حتمية للعمليات العسكرية فى تلك المنطقة

اردنا القول بان دول العلم باجمعه والتى ايدت عملية عاصفة الحزم لم تستطع انقاذ اليمن من وهدة الجوع والفقر والمرض كما لم تستطع دول العالم كله والتى اعترضت على عملية نبع السلام من الوقوف فى وجه امريكا وروسيا فى ابرامهما لاتفاقيات حققت جميع شروط تركيا لوقف القتال لهذا فان وضوح الرؤيا وتحديد الاهداف والوصول اليها باقصر الطرق هو وحده ما يجعل الحرب اقل تكلفة واكثر انسانية  

واخيرا فان للعمليتين قواسم مشتركة من ناحية الاسباب والهدف ولكن الاختلاف جاء فى النظرة الكلية للاهداف والرؤيا الواضحة فى التكتيك والسير قدما فى الطريق المرسوم دون الالتفات الى المعارضين  او المؤيدين فكلاهما لن تطاله آثار الحرب ولن يجنى ثمار النصر ولن يكتوى بنيران الهزيمة

 

ناجى احمد الصديق الهادى - السودان

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4816 المصادف: 2019-11-12 02:26:26