 آراء

كيف تغلبت النسوية علي الذكورية في احتجاجات لبنان!

محمود محمد عليعلى الرغم من تحقيق النساء اللبنانيات تقدماً ملموساً في مجال التعليم والاقتصاد، إلا أن مشاركتهن السياسية بقيت محدودة، وذلك بسبب نظام الزعامة البطريركي والحكم الطائفي وسلطة المؤسسات الدينية؛ فالتاريخ يشهد بأنه لم ترحب الأحزاب اللبنانية بالمرأة، إلا أن دورها ظهر بشكل أوضح بعد استقلال لبنان، وبدأت تزداد مشاركتها في الحياة العامة نتيجة لزيادة نشاط الجمعيات النسوية، إلا أن المشاركة ظلت تتمحور حول الطائفة وسلطة الزعماء. فيما تغير هذا بدءا من حراك عام 2011 وصولاً لحراك "طلعت ريحتكم" عام 2015.

ومع انتهاء الحرب الأهلية في لبنان عام ١٩٩٠، قامت النساء بأدوار متنوعة سواء على مسـتوى النضـال الطلابي أو العمل ضمن مؤسسات سياسية، كما ظهرت في مجالات أخرى عززت دورها في الحراك الثوري أو المسلح.

والنظام الطائفي اللبناني يشكل عقبة أمام المرأة اللبنانية في وجه تحقيق تطلعاتها السياسية، إذ أنها تخضع لخمسة عشر قانوناً مذهبياً في لبنان تجعل من مشاركتها في الحياة السياسية أمرأ اكثر تعقيداً مما يعتقد. إلا أن الاحتجاجات الأخيرة قد تغير المعادلة؛ حيث لعبت اللبنانيات دورا رياديا في المظاهرات الشعبية، وأسهمت في إطلاق العديد من المبادرات، لدعم ومساندة المتظاهرين.

وشهدت ساحات التظاهر حضورا بارزا للنساء، في مقدمة الصفوف، وفي مواجهة الأجهزة الأمنية. وتصدت اللبنانيات اللواتي افترشن الأرض وتشابكن بالأيدي في ساحات التظاهرات، لقوة مكافحة الشغب التي أعطيت أوامر بفتح الطرقات ، لكن أصرار المرأة وعزيمتها غيرا المعادلة رغم ما نالته من عنف.

لقد أبدعت نساء لبنان في أساليب التظاهر، حيث تسلط الاحتجاجات الأخيرة في لبنان الضوء على دور المرأة في التغييرات السياسية الحاصلة حالياً، لتكون بذلك وجه الثورة اللبنانية وصوتها، من خلال مشاركتها الواسعة في المظاهرات التي انطلقت احتجاجاُ على الوضع الاقتصادي في البلاد.

وتنوعت المشاركة النسائية لتشمل جميع الفئات العمرية والطوائف ومختلف الأدوار جنباً إلى جنب. وهو ما صبغ الاحتجاجات بلون موحد، جاعلاً منها طريقاً لتجاوز الاختلافات الطائفية والتخلص منها في بلد يضم 18 طائفة.

لم تقتصر المشاركة على المواطنات من الطبقة المسحوقة، إذ شاركت الفنانات في الاحتجاجات سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي مثل نانسي عجرم وأليسا، أو في الشارع مع المواطنين، مثل نادين نجيم، وكانت الفنانة الأخيرة قد عبرت من خلال فيديو عن حقها في التظاهر، وذلك تعقيباً على بعض التصريحات التي أشارت إلى أن الفنانين لا يشاطرون المواطن المعاناة ذاتها.

وأثارت المرأة اللبنانية الجدل لدى رواد مواقع التواصل الاجتماعي، إذ خرج البعض بتعليقات قالوا أنها "مزاح خفيف". وقد وصفت هذه المشاركات بـ"الذكورية"، لأنها تستهدف الحديث عن أنوثة المرأة اللبنانية، وحصر دورها الثوري جسدياً فقط، مما أثار حنق العديد من النساء في لبنان والوطن العربي؛ حيث إمتلأ الفضاء الإلكتروني بتعليقات لنساء لبنانيات رداً على التحرش الإلكتروني الذي تعرضن له، إذ كتب بعضهنً: "نحن مش سلع، مش عم ننزل نعرض أزياء، وريحة المظاهرة مش بارافان، ريحتها قمع".

وقد أبرزت الاحتجاجات ناشطات لبنانيات معروفات، مثل الكاتبة والصحفية جمانة حداد، والتي صرحت لـ DW عربية أن كل ما يهم الآن هو الثورة، "والثورة فقط"، بعيداً عن أية تعليقات سلبية تتعرض لها المرأة اللبنانية. وكانت المظاهرات قد سلطت الضوء على القمع الذي تتعرض له الفئات المهمشة في المجتمعات اللبنانية.

وتستمر الاحتجاجات اللبنانية علي الأوضاع الاقتصادية السيئة ، لكن برز خلال الأيام الماضية دور المرأة اللبنانية في تلك التظاهرات في ساحات المظاهرات واحتلت اهتماما كبيرا من قبل المغردين العرب ، حيث أصبحت صورة المرأة تمثل رمزا لاحتجاجات لبنان بعد لانتشار فيديو لركل إمرأة للمتظاهرين لضابط أمننا في بيروت ، وذلك في اليوم الأول من الاحتجاجات ، كما انتشرت صور النساء علي مواقع التواصل الاجتماعي ، فالنساء شاركن في التظاهرات منذ اللحظة الأولي ، وانتشرت فيديوهات عدة للنساء اللبنانيات ، ومن بين تلك المقاطع الأكثر انتشاراً لسيدة لبنانية ، وهي تخاطب ضابطاً أثناء التظاهرات قائلة: "نربد أن ندخل، إذا كنتم لبنانيين أطلقوا النار علينا، لقد جوعوكم، لا يعطونكم المال، فمن أجل ماذا تسكتون؟".

وتابعت السيدة حديثها قائلة: "هل تعتقد أن نبيه بري سيعطيك أموالا أو سعد الحريري أو حسن نصرالله أو باسيل الحرامي، لن يقوموا بذلك، هم فقط ينهبونكم".

وأضافت السيدة قائلة: "لا يمكنكم أن تطلقوا رصاصة على إسرائيل لكنكم تقومون بذلك على الشعب في بعض الأوقات، أنتم ممنوعون من إطلاق طلقة على إسرائيل، لماذا؟ هي عدوتنا نحن لسنا أعداءكم.

وانتقدت السيدة الوضع الاقتصادي في البلد قائلة: "جميع أولادنا أصبحوا في الخارج، من أجل من؟  فجميعهم ينهبونا"، وشنت هجوما على جميع الطبقة السياسية الحاكمة ومن ضمنها الرئيس اللبناني ميشال عون، وأضافت قائلة: "أنتم من يجب أن يحكم البلد في هذا الوقت.

وتابعت السيدة قائلة: "كلنا معكم، تخافون من نصرالله؟ فليطلق النار علينا، لا بأس، نموت فداء لأرضنا على أقل تقدير"، وتابعت قائلة: "أنظر إلى الفلسطينيين يموتون من أجل شجرة، فكيف لا نموت نحن من أجل أرض ووطن، فإذا لم يكن لديك أرض لن يكون لك وطن".

وما أن أنهت السيدة حديثها حتى بدأ المحتجون بإطلاق هتاف "الشعب يريد إسقاط النظام"، قبل أن يقوم العسكري بتقبيل رأسها.

وفي ظلّ نظام سياسي لطالما اعتُبر التمثيل النسائي فيه دون المستوى، ترفع النساء أصواتهن في الشارع ، وتقول مستشارة العلاقات الإعلامية، ماريانا وهبي التي تشارك يومياً في التظاهرات "شكّلت النساء جزءاً جوهرياً من هذه الثورة. فنحن في الصفوف الأمامية ونمدّ بعضنا بالدعم والقوة ونحفظ السلام". ونظّمت وهبي مساء الأربعاء مسيرة نسائية لإضاءة الشموع في ساحة المدينة الرئيسية شارك فيها الآلاف. كانت لحظة بارزة لكن دور النساء في هذه الثورة لم يقتصر على الرمزية بل شكّل نقطة تحول جذرية لشخصياتهن وتوجّهاتهن.

كما التقطت إحدى الصور الراسخة والمعبّرة عن التظاهرات في ليلتها الأولى أثناء مشاجرة بين حرّاس أحد الوزراء والمتظاهرين. وبعد أن شهر أحد الحراس سلاحه، ركلته امرأة اسمها ملك علويّة أسفل بطنه، وأصبحت صورة المرأة التي تهاجم هذا الممثل عن الطبقة السياسية الفاسدة والذكورية في البلاد فوراً أيقونة تحولت إلى رسم متداول وإلى محرّك دفع بالمزيد من الناس نحو النزول إلى الشارع.

لكن الوقع الأكبر للنساء على التظاهرات هو دورهن في جعلها أكثر سلمية.

وسعدت جدا عندما تفاعلت المطربة السورية أصالة نصرى، مع حراك الشارع فى لبنان وعودة المظاهرات من الجديد بعد توجيه دعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، منذ الأيلم الماضية، لبدء "أسبوع الغضب"، والعودة إلى قطع الطرق فى مناطق العاصمة، وتمنت "أصالة" حفظ لبنان من أى أزمات جديدة تعصف بمستقبل أبنائه، وغردت على حسابها الرسمى بموقع "تويتر"، يوم الأربعاء الماضي الموافق 15/1/2020 ، قائلة "ياربّ لبنان جنّة الأوطان احفظها يا الله.. لبنان".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4885 المصادف: 2020-01-20 01:31:37