 آراء

تقييم الثورة ما بين البواعث والغايات!

منى زيتوناختلف المصريون حول ثورة 25 يناير، منهم من يراها نكسة؛ ليس فقط لأنهم يُخوِّنون من شارك فيها، ومنهم من لم يعتبرها نكسة أول الأمر، وكانوا يؤكدون أن مبارك كان ينبغي الثورة عليه، وهؤلاء أصبحوا ينقسمون بعد مرور سنوات عجاف على قيام الثورة إلى قسمين؛ قسم لا زال يراها ثورة وضرورة في ضوء البواعث التي فرضتها من انتشار فساد وغيره، وقسم لأنهم يركزون على تقييمها في ضوء الغاية التي كانت لأجلها، يرون أنها ما كان ينبغي أن تكون.

واختلاف البشر حول الأساس والمعيار الصحيح لتقييم حوادث التاريخ؛ بين من يرى أن يكون أساس التقييم هو البواعث التي أوجبتها، ومن يرى أن التقييم الصحيح ينبغي أن ينظر إلى الغايات التي تحققت والأوضاع التي نتجت عنها، هو اختلاف ليس بجديد، يعرفه المؤرخون والسياسيون، وما كانت ثورة يناير فلتة تاريخية حتى تُستثنى منه.

أما الأنكى فليس فقط وجود خلاف حول أساسي/معياري التقييم، بل في اختزال العوامل التي ينبغي مراعاتها عند التقييم في ضوء أي من الأساسين.

اختزالية تقييم بواعث الثورة على نظام مبارك

تحدثت في مقالات سابقة عن انتشار التفكير العاطفي لدى الشعب المصري؛ فالمصريون عاطفيون، وتقييمهم للأمور غالبًا لا علاقة له بالمنطق.

من ذلك إننا وبعد سنوات من قيام ثورة 25 يناير 2011، والتي أطاحت بنظام مبارك، كثر بيننا الكلام عن حسني مبارك؛ عن إنجازات عهده، وعن إخلاصه لمصر، بعدما رأيناه من سنوات جدباء بعده.

وهؤلاء لم يبحثوا فقط في النواتج التي حلت بمصر بعد الثورة، بل حاولوا تصوير الأمر على أنه لا بواعث كافية لقيام الثورة؛ ذلك أنه كالعادة لم تكن رؤية من يقوم بالتقييم شاملة في ضوء جميع العوامل التي ينبغي فحصها، بل كانت رؤية ناقصة مختزلة تجاهلت الكثير مما كان ينبغي وضعه في الاعتبار.

فعند النظر لإنجازات عهد مبارك أرى أن الأغلبية تسطح نظرتها؛ فتقتصر على تمتعنا بالأمن في عهده، وعلى حرصه على تراب مصر وعدم تفريطه فيه، وعلى أن المواطن البسيط كان يمكن أن يتوفر على مقومات حياته الأساسية دون معاناة. وهي حقائق لا ينكرها سوى كذوب.

لكنها أيضًا نظرة قاصرة لا ترى من هرم ماسلو للحاجات إلا قاعدته المتمثلة في الطعام والأمن، فما الذي يميز الإنسان عن الحيوان إن كان هذا كل همه؟! وهل يمكن أن تنهض أمة تكون هاتان الحاجتان هما فقط ما يُقدم للشعب.

لنأخذ التعليم كعامل أساسي لم يوضع في الحسبان كمثال. أي أمة كي ترتقي لا بد لها من الاهتمام بترقية العنصر البشري فيها، وأهم ما يرقى به البشر هو التعليم؛ فالتعليم هو البداية، ‏هو البذرة التي تطرح ثمرة التقدم، بينما بناء المشافي والمدارس والكباري ونحوها مما يسمى بالبنية التحتية تصنع حياة ‏رغدة لهؤلاء البشر الذين يحيون في المجتمع.

مبارك لم يفهم هذا. كان جل تركيزه طوال ثلاثة عقود على البنيان وليس الإنسان. عمد إلى أن يؤسس بنية تحتية في مصر، كانت مصر تفتقدها حقًا، ‏مع ما صاحب مشاريع إنشائها من نهب وسرقة في أحايين كثيرة، وليس هذا موضوعنا الآن، وإن كان ‏انتشار خراب الذمم كانت له تأثيرات سلبية على المجتمع أكبر بكثير مما يهتم به سطحيو ‏الفكر.‏ لكن الأهم، أين الاهتمام بالإنسان في عهده؟

صحيح أن مجانية التعليم أُقرت قبل عهده بعقود، والتعليم بالفعل كان قد تدهور منذ بدأنا نهتم ‏بالكم ونهمل الكيف، لكن لم تحدث له انتكاسة كتلك التي حدثت في عهد مبارك. وكانت النتيجة شباب متعلم اسمًا فقط، وحقيقته أنه شبه أمي، وضحل الثقافة، ولأنهم لم ‏يتعلموا جيدًا في الصغر لم تنم قدراتهم على التفكير المركب، بل وأحيانًا البسيط؛ فيفشلون في الوصول لاستنتاجات منطقية من خلال مقدمات واضحة. ولو حاولوا أن يقرأوا فمنهم من يقرأ كتبًا وآراءً فلسفية عميقة أكبر من مستواه العقلي قد ‏تؤدي به إلى الإلحاد، ومنهم من يقرأ كتبًا دينية والمتاح في السوق والرائج هي كتب ‏المتمسلفة الجدد، وتكون هذه أول مرة يقرأ الشاب فيها شيئًا عن العقائد والتوحيد ‏فيؤمن بما في كتبهم ويعتقد أن هذا هو الإسلام. ولم ينج من تلك المذبحة العقلية إلا أقل القليل.

نعم، لم يكن حسني مبارك خائنًا، ونعمنا بالأمن في عهده، وكانت الأوضاع الاقتصادية أفضل ألف مرة مما هي عليه الآن، لكن لو أخذنا التعليم وحده كعامل في الاعتبار سنخلص إلى أنه قد تسبب لمصر في مصيبة كبرى ليس من السهل ‏إصلاحها.‏ فماذا عند مراعاة كافة العوامل التي يلزم أن تدخل في التقييم في أبواب الحريات والمساواة والخدمات؟

دروس وعبر من التاريخ

ورد في مصنف ابن أبي شيبة (37916). حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن عمرو ‏بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن رجل من بني نضر بن معاوية، قال: كنا عند عليّ، فذكروا ‏أهل النهر، فسبَّهم رجل، فقال عليّ: لا تسبوهم، ولكن إن خرجوا على إمام عادل فقاتلوهم، وإن ‏خرجوا على إمام جائر فلا تقاتلوهم، فإن لهم بذلك مقالًا.‏

وهذا رأي سيدنا الإمام عليّ بن أبي طالب، وهو أول من ابتُلي في أمة الإسلام بالخارجين عليه؛ فأحكام الخوارج لا تجري على من خرج على أئمة الجور.

ولعل أشهر الثائرين في تاريخ الإسلام هو الإمام الحسين بن علي، سيد شباب أهل ‏الجنة، والذي يختلف المسلمون حول ثورته، إلى يومنا هذا، فالأحرار يرون أن ثورته كانت ‏ضرورة؛ ضرورة لأصحاب النفوس الحرة ليتخذوه مثلًا أعلى عندما تظلم الدنيا ويستبد الفراعين، ‏أما المذعنون للاستبداد فدائمًا وأبدًا، وفي كل عصر ومصر، ستظل أقصى أمانيهم أن يحافظوا ‏على رءوسهم فوق أجسادهم مهما لقوا من مذلة.‏

فهل سألت نفسك يا من تقيس نجاح الثورات وفقًا لتحقق الغايات القريبة المرجوة، ما الذي كان يمكن أن يكون حالنا لو لم يثر الحسين على يزيد؟

كم نسمع ونسمع من علماء السلاطين أن اسمع وأطع للوالي ولو ظلمك ولو جلد ظهرك، فإن كانوا يقولون هذا وقد ثار الحسين وثار الإمام زيد وغيرهم من أئمة آل البيت على الحكام الظلمة من بني أمية وبني العباس، فماذا كانوا قائلين لو لم يثر هؤلاء؟ وماذا كان سيكون حال الأحرار لو عدموا القدوة؟

وهل الحسين خرج على يزيد في ضوء تصوره إمكانية تحقق مسعاه وغايته أم خرج لأن هناك بواعث ألزمته أن يخرج؟

يقول الإمام الحسين –شارحًا الأسباب التي دفعته للخروج على اللعين يزيد-: "إني لم أخرج أشرًا، ولا بطرًا، ولا مفسدًا، ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي. أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين".

والحقيقة أن أي عامي بسيط العقل كان يدرك استحالة نجاح الحسين –مع قلة من معه وتخاذل أغلبهم- في الإطاحة بحكم يزيد، بعد مرور أكثر من عشرين سنة من حكم بني أمية، نشبوا أظافرهم فيها في جسد الأمة حتى لم يكن من السهل أن تنخلع، لكن أخذه بالأسباب لم يكن إلا عملًا بسنن الكون، والبواعث كانت السبب الحقيقي لخروجه.

ودائمًا وأبدًا لا يعبأ أصحاب المبادئ بإمكانية تحقق غاياتهم، بل يثبتون على ما يرونه حقًا لأجل أنه حق. ولعله يتحقق من جراء ثباتهم هدفًا وغاية أسمى من الهدف القصير المدى –إن جازت تسميته- الذي يركز عليه من يقيسون الحوادث بالنواتج البسيطة التي تنشأ عنها. أي أنهم قد يصلون إلى غاية غير تلك التي كانت غايتهم أو ظن الناس أنها غايتهم.

أما لدى المنافقين فالغاية تبرر الوسيلة. الغاية هي الأهم، وغاياتهم القذرة لا يتورعون عن أي فعل للوصول إليها.

لقد ثار الحسين ليحررنا، ليعطينا المثل والقدوة، وما قيمة غاية طويلة الأمد كهذه بإزاء تحقق غاية بسيطة مؤقتة تتمثل في وصوله إلى سُدة الحكم، والتي يُصر البعض على تقييم ثورته بالفشل لعدم تحققها؟

ولمن لا يرى أهمية لأي شيء عدا الطعام والأمن أسأل: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام على خطأ حين ‏واجهوا المشركين؟

إن أي مسلم سيرد بتلقائية: لا. فلماذا يتهم البعض من ثاروا على نظام مبارك بأنهم مخطئون؟ هل لأن مطالبهم المشروعة كانت دنيوية وليست دينية؟!

علمّنا التاريخ أن أي دعوة حق وخير في هذا العالم لا بد أن يتصدى لها دعاة الباطل ‏والشر؛ لأن انتشارها بين الناس يطيح بمصالحهم؛ فأهل الباطل يريدون ‏استمراره حتى لا تضيع مصالحهم تلك التي قامت على ظلم الناس. ولا يكون أمام دعاة ‏الحق إلا أحد طريقين: إما أن يهربوا من مواجهة أهل الباطل، وإما أن يتصدوا لهم ‏ويصروا على التغيير للأفضل، مهما حدث ومهما كانت التضحيات، وهذا هو ‏الصواب الذي يستقيم به الكون ويعلو به الحق.

لولا شهداء بدر وأحد والخندق ‏وغيرها من المعارك ما كان هناك اليوم أكثر من مليار مسلم على ظهر الأرض يشهدون أن ‏لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. ولولا جميع الشهداء الذين دفعوا دماءهم الغالية ‏لتحريرنا من الاستعمار على مر العصور ما تحرر تراب مصر وأرضها الغالية.

إن ‏هؤلاء الذين ثاروا في يناير قد دفعوا دماءهم ولم يبالوا بحياتهم من أجل تحريرنا من الفساد والتمييز الطبقي الذي عشنا تحت وطأته ثلاثين عامًا، وكانا آخذين في التزايد.‏ لقد أعادوا الكرامة إلى مصر.‏ أشعرونا أنها لم تمت ولا زالت حية تنبض، ولا ذنب لهم أنها عادت فمرضت!

 

د. منى زيتون

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4890 المصادف: 2020-01-25 00:04:14