 آراء

الثالوث، الترکي، الروسي، الإیراني والکعکة السوریة

محمد سعد عبداللطيفالإرث العثماني

من عملیة " غُصن الزیتون الی عملیة درع الفرات، ونبع السلام " ماذا ترید ترکیا من سوریا ؟

لقد أحیت قوافل المدرعات العسكرية التركية المتقاطرة نحو الشمال السوري،، ذكريات وأطماع تاریخیة فی سوریا منذ إنتهاء الحرب العالمیة الأولي، کانت ترکیا لدیها أطماع فی مدینة حلب وریفها، وقد اعترضت فرنسا علی ضم حلب، بعد ضمها للواء الإسکندرونة، رغم أنة خلیط من العلویین والکرد والعرب، وبعد حصول سوریا علی الإستقلال وإعلان الوحدة مع مصر فی أواخر الخمسینیات من القرن المنصرم حاولت ترکیا فتح ملف حلب وتصدی لها الزعیم / جمال عبد الناصر، فی ظل حکومات النظام العلمانی الاتاتورکی، وبعد صعود حزب العدالة والتنمیة، ظهر مع النظام العثمانی الجدید فی تصریحات من أعلی سلطة فی ترکیا وظهر مع ثورات الربیع العربي وصعود الإسلام السیاسي فی مصر عام 2012 م ومحاولة ترکیا سقوط حکم " أل الأسد "، وتکوین حلف سني ترکي وإنشاء نظام جدید فی الشرق الأوسط وقطع الطریق عن الحلف الإیراني الشیعي فی الشام، بعد الاهانة التی تلاقها النظام الترکی فی عام 2010 من إسراٸیل ب" إحتجاز الباخره "مرمر" ومع تصاعد الأحداث الأولي من الحراك السوري، وإعلان بعض الجنود وضباط سوریین عن ترك الخدمة وتکوین میلشیات رحبت ترکیا بهم ودعمتهم لوجستیًا وعسکریًا، وجد الأتراك فی الربیع العربي، فُـرصة للصعود من أن تكون تركيا مجرّد شريك للاَعبِـين إقليميين آخرين، مثل إيران في تزعم المنطقة، وتنتقل لتسعى أن تكون اللاّعب الإقليمي الأوحد، وهذا كان يتطلّب إضعاف اللاّعب الإيراني تحديدا ومَـن معه.،، ومع سقوط  حکام وزعماء تونس ومصر وليبيا، وشراكة تركيا، وإن كانت مرتبِكة أحيانا في هذه العملية، ووصول حركة الإخوان المسلمين إلى السلطة في معظمها، ولاسيما في مصر، شجَّـع تركيا على أن تذهب بعيدا في الرِّهان على إسقاط النظام السوري، لأنه "واسطة العقد" في مِـحور المُـمانعة، الذي تتزعَّـمه إيران، فی فتح الطريق إلى كسر ما أطلِـق عليه "الهلال الشيعي"، ليس فقط مذهبيا، بل سياسيا لصالح إسلام سياسي وغربي، يشكِّـل حزب العدالة والتنمية نموذجه ومحرّكه في استسقاء للإرث السّلجوقي والعثماني، الذي يحتلّ مكانا بارزا في الأدبِيات السياسية لحزب العدالة والتنمية.

وفي هذا الصدد يمكن القول بقدر لا بأس به من الثقة أن مصطلح النَّـزعة العثمانية أو العثمانية الجديدة، لم يعُـد مجرّد شِـعار يفتري به البعض على سياسات حزب العدالة والتنمية، بل بات يعكِـس واقعا فِـعليا. وفي خطابٍ شهير أمام البرلمان التركي فی 27 من إبریل 2012م قال السید / داوود أغلو لم يجِـد الصّدى الذي يستحِـقه في الإعلام العربي، ولا الاهتِـمام الضروري من جانب الأنظمة العربية، سواء منها المتحالفة مع تركيا أو المعارضة لسياساتها.

صال داوود اوغلو وجال في جميع قضايا المنطقة، حاملا على كتِـفيْـه إنقاذ المنطقة والبشرية أيضا، معتبِـرا أن تركيا خُـلِـقت لهذه "المهمّـة"، التي وصفها قبل ذلك رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان بأنها "دولة عالمية". كما استكمل داوود أوغلو في خطبته، ما كان بدأه قبل سنوات في تطلّعه إلى تركيا "عظيمة"، وفي أن يكون الشرق الأوسط الجديد، الذي يولد على شاكلة تركيا. كيف لا وهي التي ستُـحدد فكره وملامحه ومستقبله، وهي (تركيا) التي ستكون طليعته، وهي التي ستقوده إلى نظام سلام إقليمي جدي

وبدأت نبرة جدیدة فی تصریحات القادة الترك من "نبش التاریخ" وظهر مع کلمات قاتل السفیر الروسي فی أنقرة، نحن " أحفاد السلاجقة " نحن جیش المحمدیي " ولم تکن الا ترجمة من أحادیث سابقة للرٸیس "طیب اوردغان وداوود اغلو وزیر الخارجیة ووزیر الداخلیة " ففی 13 من یولیو عام 2012 م

كشف رئيس الحكومة التركية بوضوح في خطاب في " قوجالي "، أن ما يحرِّك سياسته في سوريا والمنطقة، هو النَّـزعة العثمانية. قال أردوغان: "يسألوننا عن أسباب انشِغالنا بسوريا؟ الجواب بسيط للغاية، لأننا بلد تأسّس على بقية الدولة العلية العثمانية. نحن أحفاد السَّلاجِقة. نحن أحفاد العثمانيين. نحن على امتداد التاريخ، أحفاد أجدادِنا الذين ناضلوا من أجل الحقّ والسلام والسعادة والأخُـوّة". وأضاف: أن "تركيا الصمّاء والخرْساء، انتهت. واليوم، لن ندير الظهر لأحد ولجيراننا". وقال إن سياسة أتاتورك الخارجية: "سلام في الوطن سلام في العالم"، لا تعني الانكفاء، بل أن تركيا معنِـية بكل ما يجري حولها. وقال فی خطاب أخر من نفس العام: "إن حزب العدالة والتنمية يحمِل في جُـذوره العميقة، إرث روح السَّلاجِـقة والعثمانيين".

إن خطورة اشتِداد النّزعة من التعالی بالترحیب بالاجٸین السوریین نحن بلاد الانصار وشبة السوریین بالمهاجریی،، وکانت ترکیا تراهن علی عدم سقوط حلب وحماة، ومع سقوط" حلب " والتدخل الروسي بقوة وفرض سیطرتة وإسقاط مقاتلة ترکیة من الدفاعات السوریة ، بدأت تفاهُمات روسیة وترکیة بعد رفض حلف الناتو وامریکا فی طلبات ترکیة بتزویدها "بصواریخ باتروویت " ووقوف الولایات المتحدة موقف شبة الحیاد فی شمال سوریا، ومساعدتها فقط فی حمایة الأکراد وتخلیها مرة أخري عن دورها فی حمایة الأقلیة الترکیة ۔، کان التدخل التركي العسكري استمراراً لتدخلات سابقة، فی "عفرین وابو کمال " بحجة حمایة الترکمان فی الشمال،، ومنها عمليات عسكرية “درع الفرات" والتي بدأت في أغسطس 2016م، ثم انتهت بعد مرور عام . وكذلك عملية "هجوم عفرين" الذي أسمته الدولة التركية بـ "غصن الزيتون"، وبدأ منذ مارس 2017م، الآن. العملية الأخيرة، والمستمرة حتي الأن "نبع السلام"، ومع الأنسحاب الأمریکي المفاجٸ من مناطق شمال سوریا وفتح الباب أمام القوات الترکیة وفرض سیطرتها بحجة عودة المهاجریین من بلاد الأنصار وفرض منطقة عازلة، کانت الأخبار تتسارع علی سقوط مناطق وقري تحت ید الجیش السوري ودخول فی مواجهات وسقوط قتلي من الجنود الاتراك،

تركيا تريد أن تكون لها "اليد العليا" في منطقة سوريا لا سيما بعد خروج اللاعب الأكبر، وهي القوات الأمريكية، لحماية حدودها وتسرب أي ميليشيات كردية او حتى عربية قد يكون كان لهم عدا او ثأر مع الجيش التركي"

في نهاية المطاف على الرغم مما يمكن أن يقال عن المخاوف المنطقية لأنقرة "لا يوجد شك" بالنسبة للمهتم والمتعمق في الشأن التركي بأن لدى "أسطنبول طموحات توسعية في الشرق الأوسط وخصوصاً المنطقة العربية فی شمال العراق فی "الموصل وأربیل " ثم يليها الأفريقية وتبین فی ملف الأزمة اللیبیة . لكن، ينبغي فهم ذلك ضمن الإطار المصلحي للنظام التركي، ولا يجب فهم ذلك كطموح استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، وجحافل حوافر الخیل الترکي فی المدن العربیة فتلك أيام قد ولت وخلت، ولا يمكن حتى تصور ذلك في العصر الحديث". مع أزاز الطاٸرات وقوافل المدرعات، ومع وصول الحُلم الروسي الی المیاه الدافٸة وبناء قاعدتیین فی " حمیمیم وطرطوس " والازرع الإیرانیة الطویلة فی سوریا ولبنان، قُتل حلم الإمبراطوریة العثمانیة الجدیدة فی اطماعها فی سوریا، أن هتافات الرئيس التركي وحزبه فإنه لا يتجاوز الاستهلاك السياسي الخطابي، لا يمكن إهمال التاريخ القريب، والسلوك المزدوج لفهم التّصارع التركي الروسي، في الحالة السوريّة، ورغبة كل منهما في تفكيك الصورة، لتنتهي لصالح نفوذه، ولا يمكن إهمال دور ملفات الغاز والسِّلاح الروسي والنفوذ الاستراتيجي لمنفذها "الافتراضي" الوحيد على البحر الأبيض المتوسّط. فمهما كانت الصفقات البينية فإنّ، حسابات حساسة تجبر تركيا على مراعاة إيران، وسوريا، سياسيًا، حتى تضمن مقعدها في صراع الكبار حول الطاقة.إن النظام الإيراني له استراتيجيات مختلفة وخططا متنوعة، بهدف إنجاح مشروعه التوسعي في المنطقة ووجد في سوريا أراضا خصبة، فی مشروعه الجدید وطموحاتة الجیوبولتکیا خارج حدوده الجغرافیة۔، لتصبح جغرافیا ایران اکبر من مساحتها، وصنعت لنفسها

ممراً برياً من (طهران إلى بيروت) حتى البحر المتوسط، عبر "بغداد ودمشق"، ففي العراق هيمنت القوى الشيعية التابعة لطهران كمليشيا الحشد الشعبي منذ الاحتلال الأمريكي للبلاد عام 2003م على بعض الأمور، وفي لبنان زرعت مليشيا " حزب الله، كما ساعدت نظام الأسد في دمشق. علی البقاء امام الحراك السوري،، مع اطماع إقامة قواعد عسكرية دائمة-(براً وجواً وبحراً) في سوريا، تديرها مليشياتهم المسلحة كحزب الله الذي يتمتع بدعم مسلحي الحرس الثوري الإيراني. فی حالة نشوب حرب بالوکالة، ومع وجود الثالوث علی الأراضي السوریة الاراني والروسي والترکي، يرتبِـط مصير سلطة العدالة والتنمية في تركيا، ببقاء أو رحيل النظام في سوريا. لكن الدور التركي، ولو سقط النظام في سوريا، فلن يعود إلى ما كان عليه من علاقات جيِّـدة مع جيرانه، ولاسيما مع العراق ولبنان وإيران ومصر،، ومكوِّنات اجتماعية أخرى في المنطقة. وأن تركيا ستكون بحاجة ماسّة إلى استراتيجية جديدة، بعيدا عن "العمق الإستراتيجي"، الذي بات موضع تهكُّـم وتندر داخل تركيا قبل خارجها.، من إرسال قوات الی لیبیا.

 

محمد سعد عبد اللطیف

کاتب مصري وباحث فی الجغرافیا السیاسیة

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتب المحترم
اتفق مع اغلب ما جاء في المقال، ولكن حبذا لم يجري استعمال بعض المصطلحات في محلها وضمن واقعها الفعلي وحقيقتها، واقصد بذلك مصطلح الميليشيات بوصفها السياسي. هنا حزب الله وقوته العسكرية، والحشد الشعبي في العراق بمختلف تياراته. وكل منهما نشا بقواه الخاصة وظروفه الذاتية. والاندماج في كل واحد له مقدماته وأسبابه وغاياته. بمعنى الوحدة الطبيعية والضرورية في فرز القوى المتصارعة في المشرق العربي. فهي القوى الوحيدة الى جانب ايران، والصعود اليمني، من تحمل ويحتمل ويقود الصراع ضد حالة انهيار ما يسمى بالنظام العربي الخائر بالمعنى السياسي والاخلاقي والمعنوي

احمد محمد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4915 المصادف: 2020-02-19 02:04:20