 آراء

بين ثوابت الدين / السياسة

ما هو مآل المتحرك (الجمهور) في العراق في بناء الدولة؟

لم تكن العلاقة بين الدين والسياسة منذ لحظاتها الأولى، علاقة طردية/ رفضيه: بمعنى أن كل طرف يحاول جاهداً أن يرفض الآخر في محاولته للسيطرة على زمام الأمور في قيادة الدولة والمجتمع، فمنذ لحظة النشوء، مرورًا بمراحل، النمو، التطور التاريخي لهذه الدولة وحتى لحظات انحسارها ونكوصها من ناحية الفكر، الأيديولوجية الحاكمة، ولكن كانت هذه العلاقة، علاقة طبيعية، علاقة تزاوج وتبادل للأدوار فيما بينهما من أجل إضفاء شرعية قدسية (إلهية/ دنيوية) على بعضهما البعض الأخر في عملية السعي للسيطرة واستعباد الإنسان، وتسخير كل عوامل ومقومات الدولة في تأكيد مرجعتيهم واستمرار سيطرتها، كل حسب الموقع المخصص له. 

أما الثابت في معادلة الدولة ذات الثلاثة أبعاد الديني/ السياسي/ الجمهور المتحرك، حسب ما يذهب إليه الكاتب خليل أحمد خليل في كتابه الموسوم: "سيسيولوجيا الجمهور السياسي الديني في الشرق" فهو الجمهور!

فهذا الأخير هو الطريق السالك لرجل الدين ورجل السياسة الذي يقود في المحصلة النهائية إلى مبتغاه في الهيمنة الفكرية/ الروحية/ الحياتية والتي تتيح لكليهما إمكانية البقاء ومزاولة الاستعباد وكل حسب طريقته التي يتبعها في ذلك.

ما نبغي الوصول إليه من خلال عرضنا المقتضب هذا لفكرة الكاتب خليل أحمد خليل، هو محاولة إعادة قراءة لفكرته أعلاه، من خلال طرح رؤية مغايرة في جوهرها من إعادة تعديل الثابت والمتحرك. بالتأكيد، الأمر يتطلب وقتاً وجهداً كبيرين لإتمام هذا العمل، لكن المريح لنا هو أننا لسنا بصدد كتابة مقالة مطولة بهذا الصدد، بقدر ما هي محاولة لتسليط الضوء على محور مهم نراه جدير بالإشارة إليه في مفهوم بناء الدولة (الدولة العراقية بشكل خاص) من حيث أركانها الثلاث التي يراها خليل في نظرته للدولة وما نراه نحن ايضاً بكل تواضع.

الدارس في القول، أن معادلة الدولة بمفهومها المتعارف عليه حديثًا وفي وقتنا المعاصر هو تلك البقعة الجغرافية التي تسمى بالدولة، والتي لها مقوماتها البشرية/ العمرانية/ الاقتصادية/ الأمنية/ والسياسية. وهي تختلف باختلاف الأنظمة الحاكمة فيها، فمنها الملكية المطلقة، ومنها الملكية المقيدة بدستور، ومنها الديكتاتورية المتسلطة، ومنها الديمقراطية.

وهذه الدول لها أبعاد- الدين/ السياسة/ المجتمع.

وتختلف أهمية العنصر الأول من دولة إلى أخرى، ومن منطقة جغرافية إلى أخرى. فبعد انحسار تأثير الدين في الكثير من جغرافيات العالم لا سيما في أوروبا والولايات المتحدة وكندا وغيرها من القوى الصاعدة بقوة في شرق وجنوب شرق أسيا، نتيجة محاولات جادة لفصل الدين عن الدولة/ السياسة، نجد أن الدين لازال فاعلاً إلى جانب السياسة في مناطق جغرافية أخرى من العالم، لاسيما في الشرق الأوسط، في عالمنا العربي بالتحديد، بل أن انغماس هذا الأخير بالسياسة والعكس صحيح، أصبح محكماً إلى درجة يصعب على العقل العربي النقدي التحليلي أن يجد أي تفسير لهذا الانغماس وهذا التزاوج غير الشرعي بين الديني الروحي التخييري وبين المادي السياسي الحياتي المشبع بكل أشكال التخلف والانحطاط الفكري الإنساني؟ 

أن المتحرك عندنا هو الجمهور (المجتمع)، والذي هو النقيض للثابت عند خليل الجمهور (المجتمع). وهذا المتحرك وان غيب تاريخياً من حيث الزمان والمكان، وأن غيب عقلياً من حيث الأفكار المرتبطة بوجوده وكيانه، لكنه لازال يمثل اللاعب الأساسي في معادلة الدولة يقف بالضد من وجود اللاعبين الآخرين الديني والسياسي، وان الأخيرين عملاً بدون هوادة على التقليل من أهمية المجتمع (المتحرك) من وحيٌ تلك النظرة الدونية التي أراد من خلالها الديني/ السياسي من تمرير ما يبغيان من أنماط فكرية أيديولوجية وحياتية.

لوجهة نظر غرامشي، فيما يتعلق بتاريخية الجمهور، وما يمتلكه هذا الجمهور من عملية اشتراك فاعلة تعود بالنفع من خلال أنتاج أي معنى لوجوده والمكتسب من خلال معاناته، أهمية لدينا كبيرة. فالفرد/ الجماعة سابقة في وجودها على كل الأبعاد الاخرى الدين والسياسة ثم الدولة.

فلا قيمة للدولة، كفكرة وتمثيل على أرض الواقع، ولا قيمة للدين، كوصايا وأحكام أخلاقية/ عبادية/ حياتية بدون المتحرك (الجمهور) أو المجتمع.. هذا الموقف يتبنى فكرة أن الجمهور هو المحرك للسلطات والمكون لها. كيف؟

أن فاعلية أي مجتمع تعتمد اعتمادا كلياً ومباشراً على مدى قدرة هذا المجتمع أو ذاك في نقد أفكاره حتى تلك التي يضفي عليها طابع مقدس ديني ليعمل بها رجل الدين أو حتى رجل السياسة المتزاوج مع رجل الدين لتوصلهما كما أشرنا سابقاً إلى حالة استعباد الإنسان وجعل هذا الأنسان خانعاً ذليلاً غير قادر على التفكير وتقرير ما هو مناسب له، وعندما تجد شخصاً أو مجتمعاً خانعاً، يصبح القبول بالاستعباد أمراً مفروغ منه حسب ما يذهب إليه أرسطو.

هذا المتحرك (الجمهور/ المجتمع) أنتج معادلة جديرة بالاحترام في تونس، لكنه فشل في الوصول إلى معادلة مشابهة جديرة بالاحترام في دول أخرى، في العراق بالتحديد؟

استطاع الجمهور التونسي، من ترويض معادلتي الديني/ السياسي الثابتين وجعلهما يتحركان بصورة أفقية تحتم عليهما التفاعل وإيجاد صيغ تتفاعل معها كل المعطيات المتصارعة بعد الإطاحة بنظام بن علي. الملفت هو التزام حركة النهضة الاسلامية بزعامة راشد الغنوشي بهذا التفاعل، وساعدت بذلك على أخراج تونس من سيناريوهات الفوضى والعنف والاقتتال الداخلي كما حدث في دول عربية أخرى مرت بتجربة الربيع العربي. فيما نكصت مصر، فعادت تحت حكم العسكر وأن كان مرقعاً بصيغة الديمقراطية المشبوهة، بينما ذهبت كل من ليبيا/ سوريا/ اليمن الى مصير مظلم قضى بالتمام على شكل الدولة التي كان قائماً وليس من المتوقع ان تعود هذه الدول الى مستوى وجود الدولة على اقل تقدير والذي كان موجودا قبل الربيع العربي، لدواعي أراها داخلية دينية/ مذهبية في كل من سورية واليمن، وتخبط إقليمي دولي في ليبيا.

أما في العراق، فالأمر معقداً نوعاً ما، وأن عملية تحليل لما يجري فيه قد لا تكون ميسورة وسهلة من ناحية الوصول إلى استنتاجات تساعد في رسم صورة مستقبلية لمالات الأحداث في هذا البلد، لكن الأمر جدير بالمجازفة فيه.

منذ نهاية حكم صدام حسين في العام ٢٠٠٣، بعد أن قادت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا حربا أسقطت فيها النظام والدولة وكل مؤسساتها لا سيما العسكرية والاقتصادية، برز ما أسماه الكاتب السعودي تركي الحمد في كتابه: السياسة بين الحلال والحرام مصطلح الإسلام الحزبي (أسلام لا حلال ولا حرام). ما كان يعنيه تركي الحمد اصطلاحه هذا، هو ذلك التداخل أو التزاوج المشبوه بين الديني المسيس وبين السياسي المتدين؟ كل شيء يصبح مباح في السياسة، حيث لا حلال ولا حرام في مسعى الحركات الإسلامية بشقيها الشيعي والسني، في تأكيد صلاحيتها وقويمتها على المشهد السياسي والحياتي بالوقت نفسه. وهي بهذا المسعى تتنازل عن كل قيمها ومبادئها الكونية المقدسة، وتستعيض عنها بقيم ومبادئ علمانية يكون الفاعل الأساس فيها قيم السياسة المتحولة والمبنية على القهر في أغلب الأحيان. الحال واضح جداً في العراق. ومنذ اللحظات الأولى لتسنم هذه الحركات الإسلامية، ظهر جلياً مسعاها في تهميش المتحرك (الجمهور/ المجتمع)، العراقي الذي اعتمدت عليه هذه الجماعات اعتمادا جوهرياً في وجودها، أي أنها مدينة للجمهور العراقي بكل ما تملك حتى وجودها. لكن هل كان لهذا المتحرك العراقي، نفس الدور الذي كان للمحرك في تونس؟ قطعاً الإجابة تكون بلا، لأسباب يعلمها المطلع على الشأن العراقي، لكن لابأس من بعض الايضاح هنا: لا زال الجمهور العراقي (المتحرك في معادلة الدولة بين الديني / والسياسي) خنوعاً! وهذا الاستنتاج، لا يأخذ بالحسبان، الحراك الجماهيري الأخير في العراق والذي تقوم به فئة الشباب لتغيير ملامح العملية السياسية الفاسدة التي تزاحم على ترسيخها كل من الديني والسياسي على حد سواء، لأن الغالبية الساحقة من الجمهور لازال أما مغيباً أو مسيساً أو مؤدلجاً. ويعزو الكاتب خليل أحمد خليل هذا الخنوع في العقل العربي بوجه عام وأنا هنا أريد منه الدلالة المخصصة في الحالة العراقية إلى عاملين هما:

١- التركيبة الاجتماعية القبلية للسلطة: فردية/ حزبية.

٢- التركيبة الفكرية الدينية للسلطة: هنا أيضاً الفردية/ الحزبية.

هذا الوصف فيه نوع من الدقة في الحالة العراقية بالتحديد. أن نظرة ثاقبة لما يحدث في يجري في العراق راهنا، يبرهن بما لا يقبل الشك على اختلاط مريب بين الاجتماعي/ القبلي الفرد-الجمهور، وبين السياسي المتحكم بأمور الدنيا/ الدولة، وبين السياسي ومؤسسة الدين التي تضفي شرعية للأحزاب وأفراد بصورة مطلقة مدعومة بمقومات بشرية فاقدة لأي قدرة على التفكير، في النظر، في التحليل، وفي الاستنتاج، وهذا الجمهور هو المسؤول بالدرجة الأساس عن الشكل الممسوخ للدولة، وفي المحصلة النهائية: أليس المواطنون (الجمهور) هم "المسؤولون عما إذا كانت دولتهم وثناً حداثياً مفروض عليهم، أم أنها جهاز ناجز لتحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية للجميع"، كما يذهب للقول المفكر السوداني عبد الله النعيم في مقالته الموسومة: علمانية الدولة فريضة إسلامية.

ترى هذه الجماعات الإسلامية في خنوع الأغلبية المنقادة لها طواعية وبدون وعي، وغياب للمثقف الأقلية الفاقدة للتأثير بفعل الترهيب والتغريب في حالات كثيرة، ترى أنها الوريثة الشرعية لعهد استبدادي استعبادي سابق لها، رفضته هي ذاتها في مرحلة معينة من تاريخها، لكنها سرعان ما انقلبت له وجعلت منه مثال يحتذى للحكم والسيطرة.

وفكرة الوراثة السياسية هذه والتي يرى فيها المفكر الألماني ماكس ڤيبر مدخلاً للاستبداد، أصبحت إحدى اهم ركائز أحزاب الإسلام السياسي في العراق، ومن خلالها يتم التعامل مع أطياف الشعب العراقي لا سيما الشيعي منه، بشقيه الأغلب/ الجاهل، والقليل/ الواعي، على كونهم ملكية خاصة لها، تسوقها أينما أرادت، تفكر لها، تخطط لها حتى طريقة عيشها المادية. المقصود هنا هو تثبيت المتحرك الفاعل (الجمهور) من جديد ومن خلال عملية التثبيت هذه تكون هذه الأحزاب الدينية السياسية وكل مراجعها الدينية الأيديولوجية، والسياسية في منا عن كل محاسبة.

 

عقيل هاشم العبودي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4973 المصادف: 2020-04-17 04:07:15