 آراء

نصفُ المُخصصات ام نصفُ الحياة؟

حسن خليل حسن(ندرك تماماً صعوبة الوضع المالي للدول في ظل جائحة كوفيد-19 وبالأخص الدول احادية المورد ومنها العراق لكن هذه المقالة لإمكانية تعديل المسار وليس لنفي اصل القرار)

كانت الوظائف قديماً من اهم مكاسب الحياة حتى قال عنها الروائي اليوناني سوفوكليس (العمل النبيل هو في حد ذاته مكافأة)، والى عهدٍ قريب كان هذا الامر واقعياً لان العامل في الوظيفة له مكتسبات كبيرة ورعاية اجتماعية كبيرة ناهيك عن المكانة الاجتماعية،  اما في عصرنا الحالي فقد  اختلف الامر  في كثير من دول العالم، وفقدت الوظيفة بريقها المعنوي المعهود واصبحت العوائد  المادية للوظيفة هي اكبر مطامح الموظفين لتعدد ابواب الانفاق على الاحتياجات العصرية التي لم تكن موجودة سابقاً، وربما كان هذا الدافع من رفض الموظفين العراقيين للقرار الحكومي الأخير (الذي ينتظر التصويت في البرلمان) باستقطاع 50% من المخصصات الممنوحة له والتي تشكّل العمود الفقري لمواجهة متطلبات الحياة المتزايدة أفقيا وعموديا (عددا وقيمة).. كما ان الموظف يشعر بما لا يقبل شك أنه أهون الفئات المستهدفة في القرار الحكومي الخاص بالتعامل مع ملف الانفاق في ظل ازمة تدني اسعار النفط التي رافقت جائحة كورونا، ولا اغالي ان قلت ان السواد الاعظم من موظفي الدولة  يعمل كالأجير مقابل قوت عائلته ومسكنها ويشببه البعض  بالعبد المملوك الذي لا يُعتق إلا في سن اليأس من الحياة..! وبينما ينتظر الموظف العراقي ما يُحسّن وضعه المعاشي من ترقية أو علاوة أو ترفيع يُفاجئ برفع نصف مخصصاته التي يعتمد عليها في ترميم أحواله المتهالكة في بلد لا تخضع فئات شعبه الى أي ضمانات اجتماعية تحميه من مارد الغلاء في جميع الخدمات الضرورية من سكن او صحة او تعليم او نقل أو كهرباء او ماء صالح للشرب، وقبل أن يقر تنصيف تلك المخصصات بفترة ذرّت صاحبة القرار الرماد في عينيه عندما تنازلت عن جزء من مخصصاتها الملكية، ولمن يظن ان وظائف الرئاسات والوزارات والمناصب السياسية التي جرى تخفيض مخصصاتها تحاكي وضع الموظف البسيط فهو مخطئ، فتلك الوظائف الرئاسية الشرفية ليس لها تاريخ وظيفي كما أن مخصصاتها مؤقتة لا تتأثر برفع جزء منها ، وغالبا ما توفر هذه المناصب أبواب شرعية أو غير شرعية للدخل الاضافي المسؤولين مقابل وظائف معظمها لا تسمح بمُزاولة وظيفة أخرى أو دخل آخر لدواعي القوانين الصارمة أو الوقت الكامل والجهد الكبير للعمل وبعيدا عن الجرح المادي والمعنوي لقرار قطع نصف المخصصات المبيّت منذ سنوات لطبقة الموظفين  يلاحظ أن الدولة حين أصدرت هذا القرار المؤذي لم تفكر بوضع السوق المحلية التي لا تتوافق مع مقدار التغير في قيمة الرواتب مقارنة بقيمة المعروض من السلع والخدمات التي تخضع فقط لمزاج التجار والمستثمرين وأصحاب المهن الخدمية..

ومن اهم النقاط المسجلة على هذا القرار:

1- لم تضع القرارات في حساباتها اسعار النفط  المتوقعة، علماً ان فترة انخفاض اسعار النفط (تحت 30 دولار لم تستمر لاكثر من 3 اشهر) بينما يحصل الانتعاش (الى ما فوق 40 دولار) مع نهاية شهر آيار وهو مستمر بالصعود التدريجي ومن المتوقع  بحسب خبراء ان ينتعش خلال صيف 2020 الي ما بين        50 – 55 دولار او اكثر، مع الاخذ بنظر الاعتبار ازدياد صادرات النفط العراقي الى اكثر من 4 مليون برميل، وهذا يقلل الفجوة بين العام الحالي وحجم موازنة العام 2019 التي استندت على احتساب سعر البرميل 52 دولار ولم ترافقها اي استقطاعات او ضغط للنفقات كما يحصل في ظل القرارات  الحالية.

2- كان سعر برميل النفط المعتمد في موازنة العام 2016    45 دولار  بالمقارنة مع العام 2017 التي كان فيها حساب الموازنة  كان على اساس سعر البرميل 42 دولار ، وكان سعر صرف الدولار 1182وهو ما يشبه السعر الحالي، والعام 2018 الذي حُسبت الموازنة على اساس سعر البرميل 48 دولار، ولا ننسى  ان في تلك الاعوام كان هنالك انفاق اضافي يتمثل بالتمويل الحربي الكبير لمواجهة ودحر فلول داعش الارهابي في العراق.

3- الحكومة لم توضح ما تمتلكه من مبالغ احتياطية للموازنات السابقة ولا فروق اسعار صرف الدولار من تلك الموازنات الذي احتسب على اساس (1182 دينار ) بينما قيمته الحقيقية تتجاوز عتبة (1200 دينار) حالياً.

4- ان المخصصات الممنوحة للموظف لا يمكن اعتبارها جزء كمالي في دخل الموظف  وانما هو اساس الانفاق الشهري للعوائل العراقية، واكثر من ذلك فان كفاية الراتب (ان وجدت) فهي اساس خدمات او تجارة سلعية لعمال اخرين في القطاع الخاص الغائب في حسابات الاستراتيجيات الحكومية السابقة واللاحقة، وهنا نسأل أصحاب قرار الاستقطاع الأخير.. هل ستتغير القيمة السلعية للمواد والخدمات في حال تخفيض الرواتب!! طبعا الجواب لا..

اذ ليس هنالك ما يشير الى إجراءات داعمة للموظف من قبل القطاعات الخاصة بل وحتى الحكومية في المرحلة القادمة..

فهل هنالك خطوة لخفض اجور الوقود والكهرباء وتوفير مياه اسالة صالحة للشرب..؟ الجواب لا.

بل على العكس فمن المحتمل ان تكون الوقود والكهرباء أسلحة ضريبية مرشحة للتصويب باتجاه جيوب الموظفين المغلوب على امرهم.. في ظل الحجج بخسارة في قيمة العوائد النفطية ... التي بدأت بالتعافي مؤخرا بشكل تدريجي...

فهل هنالك خطوة لتعديل تكاليف السلع الاستهلاكية؟ طبعا لا... هل هنالك دعم حكومي للقطاع الصحي ام تبقى العباد تهج إلى دول الجوار لتلقي العلاج أو تحصيل مهرب للأمراض الناتجة عن وضع العراقي البيئي والسياسي..

هل هنالك خطوة لتقييد المغالاة  في اجور الخدمات التعليمية والاستثمارات العقارية من ايجار وغيرها ؟طبعا لا.. بل على العكس يبدو ان الاجراءات الحكومية ستكون نحو رفع الدعم او تشديد اجراءات جباية الضرائب للقطاعات الخدمية  الاساسية كالماء والكهرباء وفرض جباية على الشركات الحكومية والخاصة بحسب القرار الحكومي.

5-  في ظل الازمة الحالية في العراق لا تزال هنالك زيادة لرواتب السياسيين  مقارنة براتب اقرانهم في العالم واكثر بكثير من متوسط رواتب موظفي الدولة العراقية، وهي لا تشير الى خطوة ايجابية تواسي الموظفين الذين جرى استقطاع نصف مخصصاتهم، وبالمقارنة مع رواتب السياسيين العراقيين مع ما يتقاضاه السياسيون في دول العالم فأن رواتب البرلمانيين في العالم سنويا تبلغ (19.210 دولار كأقل راتب في تونس) وفي سويسرا ( 67.918 دولار) سنوياً بينما يبلغ مجموع ما يتقاضاه الوزير وعضو البرلمان  العراقي كرواتب اسمي (73.115 دولار) سنوياً ، يظهر زيادة غير مبررة في رواتبهم برغم الازمة المالية الاخيرة، علماً ان راتب الوزير والبرلماني العراقي بعد التعديل يمثل ستة عشر ضعفاً من ادنى راتب في الدولة العراقية.

6- ان قرارات مجلس الوزراء الاخيرة التي تحجب جزء كبير من المخصصات لم تعالج اهم عاملين لسد العجز المحتمل في الميزانية وهما اعادة المبالغ المنهوبة من العراق في الخارج ومعالجة الاخطاء السابقة في منح جولة التراخيص النفطية التي تستنزف نسبة عالية من عائدات النفط العراقي.

7- عند احتساب الايرادات النفطية بمعدل 42 دولار للبرميل(وهو السعر الحالي) فان مجموع العوائد النفطية ستكون 49.301.280.000 الف دينار عراقي (بعد طرح نسبة 33% كلفة الاستخراج الحالية) وهذه العوائد تمثل نسبة 64% من الإيرادات النفطية للعام 2018 والبالغة 77.160.392.640 الف دينار عراقي(باستثناء ما يقارب من 14.5 تريليون دينار تأتي من الايرادات غير النفطية بحسب موازنة نفس السنة).

8- اختارت الحكومة اصعب الحلول في مقترحاتها لحجب نصف المخصصات فهي لم تعتبرها مؤقتة اجراءات بل تصدر قوانين نافذة كان من الممكن ان يشار الى اعادة النظر فيها او انها تستحصل كمدخرات اجبارية تعاد الى اصحابها بعد تحسن اسعار النفط كما كان من الممكن طرح كابونات بيع جزء من النفط بالسعر الحالي لأصحاب الرواتب العالية واصحاب الاموال الاستثمارية  واعتماد الاستقطاع من المخصصات كجزء من هذه الخطة.

والخلاصة ان الموظفين هم اكبر المتضررين من فقرات القانون الحكومي الجديد سواء من حجب نسب عالية جدا من المخصصات او من وقف الترفيعات والعلاوات، ناهيك على التشدد الضريبي للخدمات الاساسية المقدّمة لهم، فاذا كان الموظف يدفع ثمن سياسة التقشف السابق الذي تأثر فيه الاقتصاد العراقي في العام 2015 بالرغم من قراراته الاقل حدة فيما يخص الاستقطاع فكيف سيكون الحال في القرارات الصادرة مؤخرا وهي ترفع معظم مخصصاته التي يتعكز عليها في زمن الغلاء وتعدد ابواب الانفاق العصري في كافة المجالات.

كما ان عدم وضوح العجز المالي للسنة الجارية لا يبرر نسبة  50% المستقطعة من المخصصات  وبالرغم من ادراكنا ان الاعتماد على الريع النفطي لم يعد مؤومناً لوجود اتجاه عالمي نحو  عدم الاعتماد على الوقود الأحفوري في المستقبل المنظور، الا ان الا التركيز على تحميل الموظف تبعات كل عجز اقتصادي دون اعتماد استراتيجية اخرى سوف يتسبب بأضعاف الوظيفة وهي اساس حرف ومهن تجارية وصناعية اخرى يجب التفكير فيها، ولمن يبحث عن منافذ الخروج من ازمة الكساد النفطي فيجب ان اخضاع ذلك الى دراسات استشارية في الاقتصاد المحلي من اجل رسم سياسة اقتصادية استشرافية تتوخى العدالة وتوازن المستوى المعاشي لموظفي الدولة وتفتح ابواب جديدة للدخل القومي وتعوض الخسارة في سوق النفط خلال الازمات المتوقعة مستقبلاً، ولمن اراد البحث عن الموارد في العراق فهنالك الكثير  من المقالات العلمية اشارت لذلك ومنها مقالتنا السابقة قبل اشهر بعنوان (كنوز العراق... في زمن الكساد النفطي).

 

د.حسن خليل حسن

جامعة البصرة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5023 المصادف: 2020-06-06 14:36:49