 آراء

سوسيولوجيا المتغيرات في العراق واليابان

جاسم الصفارالمرحلة التي أعقبت سقوط حقبة الدكتاتورية الصدامية في العراق القت الضوء على مظاهر اجتماعية ربما كانت قد تبلورت ملامحها في المجتمع العراقي في فترة حكم الدكتاتور المقبور صدام حسين منذ ثمانينات القرن الماضي وترسخت بعد هزائمه المتوالية في حروبه العبثية، وسأحاول في هذه المقالة المتواضعة ان ألقي حزمة ضوء على بعضها دون التعمق في دراسة أسبابها، مكتفيا بدل عن ذلك بمقارنات، على هدي الحكمة الروسية "كل شيء يعرف بالمقارنة".

بعد انهيار حكم الطاغية واحتلال بغداد من قبل القوات الامريكية، خرج العراقيون الى الشوارع، بعضهم يعبر عن فرحته بنهاية حكم صدام والبعض الاخر خرج ليحرر غرائزه بمخالفة النظام العام، كتعبير عن التحرر من عقدة الخوف التي زرعتها الدكتاتورية في نفوس المواطنين، تمثلت بأعمال عبثية كالإساءة لمن تواجد في الشوارع صدفة من رجال الشرطة، أو بالمخالفة المتعمدة لنظام مرور العجلات وما الى ذلك من اعمال وضعت خطأ تحت يافطة الحرية.

أما الجزء الاكبر من الذين نزلوا الى الشوارع في تلك الايام، وهم غالبا من المتأقلمين مع نظام البعث والذاعنين له ظاهريا، فقد انشغلوا باقتحام مؤسسات الدولة ونهب محتوياتها من اثاث وتحفيات ووسائل نقل وانتاج وكل ثمين وقع بين ايديهم ولم يردعهم شيء عن سرقة اثار العراق وشواهد تاريخه العريق لبيعها والاستفادة من ثمنها.

 اما الاحزاب المعارضة للنظام السابق، او التي ادعت فيما بعد معارضتها، سواء الدينية منها أو الطائفية او السياسية المساندة للمحتل، فقد انشغلت بوضع يدها على مصادر ثروات العراق الطبيعية والعقارات المملوكة من قبل النظام السابق او رموزه التي لاذت بالفرار. هكذا استبيح العراق وكسرت "أرجله واذرعه" لكيلا يتعافى ولا يسعى ثانية نحو التطور كما حصل في دول اخرى مرت بفواجع كارثية في القرن الماضي كألمانيا واليابان وغيرها.

اصبح العراق في ظل نظام المحاصصة الاثنية والطائفية والحزبية الذي صمم المحتل قواعد عمله، عاجزا عن بناء اقتصاد قائم على الانتاج الصناعي والزراعي وبالتالي عاجز عن مواجهة أي ازمة مالية قد يمر بها العالم وتنعكس على اقتصاده اضافة الى كونه لم يعد يملك مقومات لمواجهة الكوارث الطبيعية والوبائية، لذا ذعر العراق من احتمال نقص موارده المائية بسبب السدود التي اقامها جيرانه على منابع نهري دجلة والفرات كما تملكه الرعب في مواجهة التهديد بانهيار سد الموصل على نهر دجلة سواء لأسباب تكوينية تخص القاعدة التي شيد عليها او بعد تهديد عصابات داعش الارهابية بتدميره.

 أما بالنسبة لمواجهته للأوبئة فقد كشف العراق عن عجز شبه مطلق وجهالة وفوضى في ادارة الازمة الصحية الناتجة عن انتشار وباء فيروس الكورونا. هذا بينما اليابانيون، على سبيل المقارنة، في حالة استعداد تام لمواجهة أي كارثة محتملة، وهم يتوقعون دائمًا حدوث شيء سيئ. لذلك لم تلاحظ في ردود فعلهم على الأزمة الحالية المتمثلة بانتشار وباء فيروس الكورونا، ذعر وهستيريا، ولكن هناك رغبة في حل المشكلة. لذا يفكر اليابانيون الآن وهم يواجهون تهديد فيروس الكورونا، على سبيل المثال، "هل سنكون قادرين على عقد الألعاب الأولمبية العام المقبل؟"، أي انهم واثقون من نتيجة المواجهة ولكنهم قلقون من ان تطول فترة هذه المواجه بحيث تعطل جدول استعداداتهم للتهيؤ للألعاب الاولمبية.

إن ما حدث أثناء مأساة فوكوشيما -1 عندما تعرضت اليابان لكارثة بيئية (تطورت بعد زلزال اليابان الكبير في 11 مارس 2011 وعطلت مفاعل فوكوشيما 1 النووي) يعبر بجلاء عن التركيبة النفسية لسكان اليابان. واجه المجتمع الياباني موحدا تلك الكارثة المصيرية بصبر وعمل دؤوب لتجاوز الازمة بأقل خسائر ممكنة مع الحفاظ على ملكية الافراد والمجتمع، لذا لم تحصل عمليات هجرة غير منظمة ولا اعمال نهب وفوضى وتدمير كما تعودنا على ملاحظتها في مثل تلك الظروف في دول اخرى.

وتجدر الاشارة الى حدث كارثي اخر مرت به اليابان في عام 1995 بمواجهتها لعملية تخريبية قامت بها جماعة أوم شنريكيو التي نفذت عملية هجوم الغاز السام في مترو طوكيو والتي ما كان من الممكن تفكيك هذه العصابة الدولية واعتقال افرادها دون التضامن الكبير بين المجتمع الياباني واجهزة الدولة الامنية. مثل ذلك ما كان ليحصل في العراق بسلطته الدكتاتورية وشعبه المغلوب على امره، ولنا في حادثة "أبو طبر" مثالا.

هناك عدة أسباب. بادئ ذي بدء، تعيش اليابان في مجتمع غير ديني يتبنى معظم سكانه الشنتوية، وهي ليست ديانة بالمعنى المعروف عن الديانات، وما نشر عنها بعد القرن السادس عشر يشير الى انها مجموعة تعليمات وتقاليد. هذا مهم، لأنه في الشنتوية، كما في الكونفوشيوسية، ليس الاله هو الرقيب على تصرفات الانسان، ولكن المجتمع والناس. فإن لم يتعلم الانسان الفرد كيف يجعل من المجتمع هدفا أسمى، فلن ينجح في شيء.

في ألعراق، منذ انتشار الديانات، واخرها الاسلام، أصبح الرقيب على تصرفات الناس هو الله القدير والمبصر. وليس في ذلك من ضير، لولا ان كهنة الديانات والقيمين عليها وهبوا أنفسهم صفة المتحدث باسم الله وقرروا أن المعيار الوحيد للحساب في الاخرة هو مدى الالتزام بنصوص دينية انتقوها وفسروها كل على هواه، فاختلفوا وخالفوا اصول الدين ومغزى الرسالة الربانية.

لذا، فبينما نعيش اليوم في مجتمع ينظم شؤون افراده فيه قانون "وضعي" ليس من صنع الله، وان لم يتعارض مع ارادته، نجد من بين القيمين على الديانات، من يدعو لخرق تلك القوانين والتحايل على اليات تنفيذها. فالله بالتالي، حسب تفسيرهم لا يحاسب المخلوق على خرق قانون لم ينزله عليهم. لذا فبما أن أجهزة الدولة هي التي قامت بتشريع تلك القوانين، تقع عليها وحدها مسؤولة تطبيقها، وهي التي ستحاسب المواطنين على خرقهم لها. وبالنتيجة فان تمكن "المؤمن" من خداع او كسب رضى رجل الشرطة، أو أن تمكن من خرق القانون بعيدا عن انظار رجل الشرطة فانه في حل عن العقاب و"لا ذنب عليه ولا هم يحزنون"، أو كما يقول الروس "ليس لصا من لم يقع في قبضة القانون".

 في سياق مواجهة وباء فيروس الكورونا في اليابان يعتبر تجاوز التعليمات الصحية لحماية المجتمع بأسره والخروج بدون قناع واق ودون قفازات، عمل متهور وحماقة لا يمارسها الا نفر قليل من اليابانيين. فبالالتزام بالتعليمات يدرك الفرد ان المساهمة في اجراءات تحمي المجتمع ستمنحه اضافة الى الحماية الاجتماعية وعدم الازدراء من الاخرين فإنها ستمنحه شعورا بالنضج والمسؤولية.

نحن نستنكر اساليب الرقابة والترصد للمخالفين للقانون، لأننا لا نثق بالسلطات. لكن هذا أمر طبيعي في اليابان. حيث لا تعتبر قوى الامن عدوا مسلطا على المجتمع، بل وسيلة دعم للنظام الاجتماعي. فالشرطة في اليابان دليل المواطن ومعينه على تجاوز أي ضائقة يمر بها. فتعزيز الثقة بين المواطن واجهزة الدولة يلعب في اليابان دورا اساسيا في حفظ النظام العام، وبالطبع لا يمكن بناء هذه الثقة مع اجهزة سلطة استبدادية، فلا امان في ظل الاستبداد، كما ان الاستبداد يقوض تماما الرابط بين المجتمع والفرد الذي تقوم عليه تعاليم الشنتوية والكونفوشيوسية.

مشكلتنا هنا في العراق هي في اننا مختلفون مع أنفسنا، لدرجة اننا لم نعد مجتمع واحد بل مجتمعات متناقضة الارادات والرغبات، يشعل نار فرقتها "ممثلو ورموز" الديانات والطوائف والقوميات والاحزاب المتناسلة منها. بينما في اليابان، الفكرة مختلفة: "الكل يابانيون"، لا تفرقهم في ذلك أي انتماءات فرعية. والكل جزء من امة يابانية واحدة، أقيمت على عجل. البعض في اليابان يضحك من فكرة أن الناس من هوكايدو لا يفهمون الناس من أوكيناوا. انهم جميعا شيدوا دولتهم بكل مثلها واعرافها الاخلاقية والسلوكية الموحدة التي يدافع عنها الجميع ولا يختلفون في ادانة من يخرج عنها او يسيء اليها.

ذهبت الى غير رجعة تلك الحقبة من الزمن، والتي استمرت حتى بداية القرن الماضي، حين كان اليابانيون يعتبرون أنفسهم الافضل من بين الشعوب الاخرى وكانوا مستعدين للموت من أجل الإمبراطور والوطن، لتقضي الحرب الكونية على عقدة التفوق وأصبح اليابانيون يجدون متعة في حقيقة أنهم وسط شعوب اخرى مختلفون بلون بشرتهم وطول قامتهم او بطريقة تفكيرهم ولا يضعون لتلك الاختلافات صفات التفضيل بأي شكل من الاشكال. وفق هذه الثقافة الاجتماعية يعيش اليابانيون اليوم بدون تفوق وعدوان.

اليابان تتجنب أي تصعيد سواء مع جيرانها او مع الدول البعيدة عن حدودها، هذا رغم انها تشعر بالهلع عندما يتعلق الامر بكوريا الشمالية بسبب التهديدات التي لم تتوانى كوريا الشمالية عن التصريح بها، كما انها تشعر بالحذر الشديد من الصين رغم ان الصين لا تظهر أي نوايا عدوانية تجاه اليابان، والسبب، على ما يبدو، يكمن فيما تمثله الصين من قوة عظمى تربطها بأمريكا، الحليف الرسمي لليابان، علاقات معقدة ومتشنجة في الفترة الاخيرة. ولكن على العموم فإن اليابان ليست مستعدة حاليًا لوضع يفرض عليها شد الاحزمة وتقديم التضحيات. وبالمناسبة، فان اليابان لم تكن قط بلدًا غنيًا، وتجربتها في الرفاهية قصيرة جدًا، تبدأ من ستينات القرن الماضي. وقد يمنح هذا اليابان قدرة أكبر على تحمل الازمات المالية التي تجتاح العالم دوريا.

 

د. جاسم الصفار

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5055 المصادف: 2020-07-08 13:38:37