 آراء

الفبركة الاعلامية في معركة الرئاسة الامريكية

جاسم الصفارفي 26 يونيو 2020 ، نشرت الصحيفة الأمريكية الشهيرة The New York Times مقالًا يتهم روسيا بانها تقدم سرا مكافآت مالية للمسلحين الأفغان لقاء قتلهم افراد من القوات الامريكية المتواجدة على الاراضي الافغانية، ويستند مؤلفو المقال في اتهامهم لروسيا، بالتآمر مع مقاتلي حركة طالبان، الى معلومات يدعون انها استخبارية.

وتم تسمية الوسيط الرئيسي في "التآمر" بين طالبان وروسيا، وهو، حسب ما جاء في المقال، مهرب المخدرات الأفغاني رحمة الله عزيزي. في الوقت نفسه، يشير مؤلفو المقالة إلى بعض المصادر، لم تسميها، في وكالة المخابرات الأمريكية، والتي تلقت بدورها معلومات نتيجة لاستجوابات مسلحي طالبان الذين اسرتهم قوات الحكومة الافغانية وقوات التحالف الدولي.

ووفقاً لمؤلفي المقال، فان الغرض من منح الروس لمكافئات مالية للإرهابيين مقابل قتلهم جنود التحالف الدولي، بما في ذلك القوات الأمريكية والبريطانية، هو تعطيل المفاوضات التي تجريها أمريكا وطالبان منذ فبراير من هذا العام بهدف إبرام الطرفان اتفاقية سلام، يُزعم أن موسكو مهتمة بعرقلة الجهود المبذولة للوصول الى تلك النتيجة.

ولم يفت مؤلفو المقال التذكير ان في العام الماضي، كان قد قتل 20 جنديًا أمريكيًا في أفغانستان. ولكنهم لم يبينوا كم من هؤلاء الجنود القتلى لقوا حتفهم مقابل مكافأة مالية روسية. ولترسيخ قناعة عند القارئ بحقيقة "المؤامرة الروسية الخبيثة"، أعرب مؤلفو المقال عن ثقتهم بأن واشنطن كانت تدرك وجود مؤامرة بين موسكو والارهابيين، وأنها، حسب ادعائهم، كانت تدرس منذ عدة أشهر خيارات متنوعة للرد على موسكو، تبدأ بالشكوى الدبلوماسية وتصل الى فرض عقوبات جديدة عليها.

لم يوضح مؤلفو المقال السبب وراء تردد واشنطن في اتخاذ اجراءات عقابية على موسكو، مع انهم القوا بظلال شك على سياسة الرئيس ترامب. ولكن بعد ظهور المقال فان أي تأخير باتخاذ موقف رسمي امريكي من روسيا ردا على تلك "المؤامرة" يصبح غير مبرر ومحرج للرئيس ترامب.

لذا جاء الرد سريعا من الرئيس الامريكي دونالد ترامب الذي انتقد صحيفة النيويورك تايمز متهما اياها بترويج الخرافات للإضرار بالحزب الجمهوري وتشويه مواقفه شخصيا كرئيس للدولة. وطالب ترامب الصحيفة بأن تكشف عن مصادرها لكي ترفع عن نفسها التهمة بتزييف الاخبار.

بعد الرئيس الأمريكي، تحدث نائب الرئيس مايك بنس قائلا إنه لم يتم تزويده بأي معلومات حول مثل هذه "المؤامرة".  واخيرا، قال رئيس القيادة المركزية للقوات المسلحة الأمريكية، الجنرال كينيث ماكنزي، إن نسخة المفاوضات التي اجريت في روسيا مع وفد من طالبان لا تحتوي على أدلة تشير الى "مؤامرة". مضيفا، إنه لم يتلق معلومات حول تأثير روسيا على الوضع في أفغانستان. وبالمناسبة، فان وكالة انباء نوفوستي الروسية نقلت، وقتها، عن موقف روسيا في المفاوضات المذكورة معلنةَ أن "الجانب الروسي أكد على ضرورة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وطالبان". مما يدل على نوايا حسنة تجاه امريكا من قبل المفاوض الروسي.

اما بالنسب لرد الجانب الرسمي الروسي على المقال بعد نشره، فقد كان صارما. حيث وصف السكرتير الصحفي لرئيس الاتحاد الروسي ديمتري بيسكوف مقالة نيويورك تايمز بالكذبة وأنها ليست سوى مكيدة. ووصفت وزارة الخارجية الروسية المقال بأنه كاذب عن عمد، وقالت المتحدثة الرسمية باسم الوزارة ماريا زاخاروفا، إن روسيا لم تقدم أي أسلحة لمسلحي طالبان، وأنها قدمتها فقط للحكومة الشرعية في أفغانستان، وبمعرفة الولايات المتحدة.

كما تحدث أمين مجلس الأمن الروسي ومدير FSB السابق نيكولاي باتروشيف بتفصيل أكبر حول هذا الموضوع. مؤكدا إن روسيا لم تتعاون أبدًا مع المسلحين، واتهم مؤلفو المقال اما بجهلهم للواقع الافغاني أو انهم ببساطة يسيئون عن عمد قراءة الوقائع ليتمكنوا من اثارة شائعات عن "التآمر". مضيفا، أن روسيا لم توافق أبدًا على التعاون مع المسلحين، وفي عام 2003 اعتبرت روسيا رسميًا حركة طالبان منظمة إرهابية.

وتجدر الاشارة هنا الى أنه حتى الممثلين الرسميين لحركة طالبان نفوا المعلومات عن "المؤامرة"، معلنين إنهم لم يتلقوا أي أموال من روسيا لقتل افراد في الجيش الأمريكي. مؤكدين أن حركتهم لا تخدم أغراضًا أجنبية.

فمن يقف إذا وراء هذه الاخبار المفبركة، ومن المستفيد من نشرها في واحدة من أكبر الصحف الامريكية؟ وفقًا للخبراء الأمريكيين، فان البحث عن الطرف الذي يقف وراء هذه "الفضيحة" في قائمة أسماء وعناوين الاطراف التي لا تعجبها سياسة روسيا، غير مجدي تماما. وان النظرة الواقعية لطبيعة الحدث تفترض توجيه اصابع الاتهام الى جهة من اثنين، او ربما الاثنين معا، وهما حكومة افغانستان القائمة حاليا، والمعارضين للرئيس الامريكي دونالد ترامب في الحزب الديمقراطي.

أما فيما يتعلق بالجهة الأولى، فإن الحكومة الأفغانية مهتمة ببقاء القوات الأمريكية على أراضيها، ويقلقها قرار الولايات المتحدة في أوائل مارس / آذار عن بداية انسحاب تدريجي لقواتها من افغانستان. وفبركة دليل على "تواطؤ" بين روسيا والإرهابيين لقتل الأمريكيين قادر تماما على إيقاف كل من عملية التفاوض بين الولايات المتحدة وطالبان، وكذلك انسحاب القوات الامريكية. ونظرا لكون المقال يستند الى اعترافات ادلى بها أسري من مسلحي طالبان عند استجوابهم من قبل قوات الحكومة الافغانية والامريكان. وهي اعترافات لا يعتد بها بسبب سهولة فبركتها.

ومع ذلك، يتفق كل من الخبراء الأمريكيين والروس على أن هذه المعلومات المفبركة مفيدة، بالدرجة الاولى، لمعارضي ترامب داخل أمريكا نفسها.

فبعد نشر المقال المذكور في صحيفة نيويورك تايمز، اقترحت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي فرض عقوبات جديدة على روسيا على الفور. وبيلوسي هي ممثلة الديموقراطيين، الذين لديهم حاليا أغلبية في مجلس النواب بالبرلمان الأمريكي، وهي خصم ترامب اللدود منذ فترة طويلة وواحدة من المبادرين الرئيسيين للمحاولة الفاشلة لعزل الرئيس. وهي الآن تطالب بالشروع فورا "بمعاقبة" روسيا، حتى دون انتظار دليل رسمي على تورط روسيا في "المؤامرة" التي زعمت الصحيفة ضلوعها فيها. وبالنظر إلى انه بمجرد اضفاء شبهة "الحقيقة" على الاتهامات المزعومة يمكن ان يعرض الرئيس ترامب للمساءلة، فان ذلك سيدفع الديمقراطيين الى استخدام هذا الوضع برمته لصالحهم.

وفقًا للخبراء الروس، فإن لهذه الفضيحة المصطنعة هدفان واضحان: رغبة الديمقراطيين في هزيمة ترامب بأي ثمن، ومحاولة إخفاء الفشل الكامل لسياسة أمريكية عمرها 20 عامًا تقريبًا في أفغانستان. أما الثاني، فالمفاوضات الأمريكية الجارية مع ممثلي حركة طالبان ربما وصلت الى طريق مسدود. ولحفظ ماء الوجه، تقرر إلقاء اللوم على "نفوذ روسيا"، الذي لم يسمح لأمريكا بخروج امن من افغانستان.

ونتيجة لذلك، رسم المبادرون بالفضيحة صورة مقنعة تدفع فيها "روسيا الشريرة" الأموال إلى المسلحين لقتل الجنود الأمريكيين، ومع معرفة رئيس الولايات المتحدة بذلك فانه لم يرد. ويتم التوصل إلى نتيجة منطقية، وهي ان ترامب رئيس سيئ، لذلك يتعين على الناخب الامريكي التصويت في الانتخابات القادمة، في نوفمبر/تشرين الثاني، لصالح ممثل الديمقراطيين جو بايدن.

كما أن بايدن نفسه مهتم مباشرة بإسقاط خصمه وإخفاء فشل السياسة الخارجية الأمريكية في أفغانستان. خاصة وان امريكا في الفترة التي كان فيها بايدن نائب رئيس إدارة باراك أوباما في 2009-2017 ، فشلت في هزيمة الارهابيين والسيطرة على افغانستان، كما انها فشلت في جعل حكومة هذا البلد أكثر استقرارًا واستقلالية.

يحاول الديمقراطيون بذل اقصى الجهود لاستثمار "الفضيحة" المفبركة التي كشف عنها مقال النيويورك تايمز من اجل ترسيخ تصور عند الناخب الامريكي عن دونالد ترامب باعتباره رئيسًا غير فعال للدولة وانه لا مناص من انتخاب مرشحًا ديمقراطيًا لرئاسة امريكا، يمكنه مواجهة "التهديد الروسي"، وسيصبح هذا الحدث، على الأرجح، أحد الموضوعات المهمة في حملة الانتخابات الرئاسية القادمة. وحتى بافتراض ان الديمقراطيين لم يقفوا وراء نشر المقال المذكور في النيويورك تايمز، فإنهم لن يضيعوا الفرصة بتحقيق أقصى استفادة من هذا الحدث.

أما بالنسبة للعقوبات الجديدة المحتملة ضد روسيا، فمن السابق لأوانه الحديث عنها، لأن الديمقراطيين في الكونجرس لم يتقدموا بعد في هذه القضية بما يتجاوز التصريحات الصاخبة. ومع ذلك، فوفقا للخبراء، إذا قدمت وكالات المخابرات الأمريكية على الأقل بعض الأدلة على أن روسيا كانت ضالعة في "مؤامرة" مع المسلحين الأفغان ضد القوات الامريكية، فانه يمكن، عندئذ، تمرير مشروع قانون الاعتراف بروسيا كراع للإرهاب. وفي هذه الحالة، يمكن فرض عقوبات خاصة على موسكو، بما في ذلك حظر بيع السلع ذات الاستخدام المزدوج لها.

وسيتمكن أقارب الجنود الأمريكيين الذين قتلوا في أفغانستان من مقاضاة روسيا والاستيلاء على ممتلكاتها وممتلكات الروس الموجودة في الولايات التي تمتد اليها السلطة القضائية للمحاكم الأمريكية. هذا هو الخيار الأكثر سلبية، ومع ذلك، نظرًا لحقيقة أن إدارة ترامب رفضت حتى الآن بشكل كامل المعلومات حول "المؤامرة" المزعومة، فليس من المحتمل ان تتخذ الولايات المتحدة الامريكية اية اجراءات عقابية ضد روسيا قبل الانتخابات الرئاسية. وفي جميع الاحوال، يعتمد مصير "الفضيحة" على من سيصبح صاحب البيت الأبيض في نوفمبر 2020.

 

د. جاسم الصفار

11/07/2020

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5059 المصادف: 2020-07-12 02:55:14