 آراء

حول آيا صوفيا الكنيسة فالمسجد فالمتحف فالمسجد!

علاء اللامييحتج البعض لتأكيد صحة قرار أردوغان بتحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد بكونه كان كنيسة اشتراها السلطان العثماني محمد الفاتح بعد فتح القسطنطينية التي أصبح اسمها "إسطنبول" وبكون القرار شأن تركي داخلي، فيرد عليهم الرافضون للقرار بأن دور العبادة لا تباع ولا تشترى من حيث المبدأ وأن قرار أردوغان قرار سياسي ذو دوافع سياسية وانتخابية!

أعتقد أن النقاش هنا يتعلق بجزئية صغيرة من الموضوع وليس بجوهره، فسواء صح أم لم يصح مبدأ شراء دور العبادة - وبالمناسبة هو مبدأ معمول به في عصرنا، وهناك كنائس عديدة معروضة للبيع وقد اشترت بعضها جمعيات وجماعات مسلمة في أوروبا، وقد شاهدت إحدى الكنائس المعروضة للبيع بعيني في مدينة سانت إتيان الفرنسية، وأظنها ما تزال معروضة للبيع حتى الآن - أقول سواء صح أم لم يصح دينيا وأخلاقيا وقانونيا، فهذا لا يغير شيئا من التاريخ الحقيقي لآيا صوفيا شيئا، فهي نشأت ككنسية كبرى للمسيحيين الأرثوذوكس البيزنطيين، وبعد سقوط الدولة البيزنطية ودخول العثمانيين عاصمتهم منتصرين في حرب، اشتراها السلطان وحولها الى مسجد، والشراء يبقى أفضل من الناحية الأخلاقية والمعنوية من اعتبارها غنيمة حرب ومصادرتها وتحويلها إلى مسجد دون تعويض. وبعد أن تحولت آيا صوفيا إلى مسجد للمسلمين لعدة قرون، وبسبب انهيار السلطنة العثمانية وقيام جمهورية أتاتورك، تقرر تحويلها الى متحف. ولا يمكن استبعاد أن يكون مصطفى كمال آتاتورك قد قرر ذلك بناء على شروط غربية فرضت عليه لبناء دولته التركية الجديدة وبما يتسق مع نهجه العلماني الذي يعتبر من النوع العلماني المتطرف على النمط الفرنسي.

واليوم، يأتي قرار أردوغان ليعيد المتحف الى طبيعته السابقة كمسجد. إن هذا القرار لا يخلو من الدوافع السياسية والانتخابية، وبما يرسخ النزعة الإسلامية السلطانية لديه ولدى قيادة حزبه، ولكن النزوع أو الدافع السياسي للقرار يفسره ولكنه لا يحكم عليه بالرفض والقبول. ولكن لو وضعنا القرار في سياقه التاريخي الحقيقي اليوم، لتوصلنا إلى فهم أعمق للموضوع ولخرجنا باستنتاجات أكثر معقولية وفائدة: حيث يعيش العالم حالة من التوتر والاستقطاب الديني والطائفي التي سعرتها مأساة الشعب الفلسطيني وقيام دولة دينية يهودية في فلسطين المحتلة وانتشار الحركات السلفية الانتحارية التي انطلقت بمساع أميركية في أفغانستان الثمانينات من القرن الماضي وبلغت ذروتها في مجازر داعش في العراق وغيره، والاستقطاب الطائفي الشيعي السني الذي تحول إلى اقتتال بعد الغزو الأميركي في العراق وإقامة نظام محاصصة بين الطوائف؛ إن كل هذه الظروف تجعل قرار أردوغان سلبيا في التقييم العام، وليس لمصلحة شعوب المنطقة الطامحة للسلام والخلاص من الهيمنة الغربية الإمبريالية، وسيصب القرار زيتا على نيران الاستقطاب والتوتر الديني والطائفي دون أدنى مبرر سوى الربح الانتخابي والأطماع البونابرتية لأردوغان نفسه.

إن أردوغان بتجربته القيادية الداخلية الناجحة تركياً، يريد أن يدخل التاريخ بحروب الوكالة والتدخلات المسلحة في عدة بلدان والترويج لأحلام العصافير السلطانية البائدة واستعادة ولايات عثمانية سابقة كالموصل وكركوك العراقيتين وحلب السورية وغيرها من مدن ومناطق في دول أخرى، مستغلا مناسبة مرور قرن على اتفاقية لوزان الموقعة سنة 1923 أي بعد أقل من ثلاث سنوات في سنة 2023، وهو ما قد يسمح لتركيا برفض التوقيع عليها مجددا بهدف تمديدها لقرن آخر، وربما بتجديد مطالبها في ضم وإلحاق مدن وولايات عثمانية سابقة هي جزء وطيد من أوطان أخرى وهذا ما ينبغي أن ينتبه إليه الوطنيون في بلدان المنطقة ليشكلوا جدار صد أمام أطماع وخطط أردوغان وتحويلها الى رماد وتفادي الحريق الأردوغاني القادم، وهي أطماع وأحلام عصافير ستتحول يقينا الى رماد وستموت بموت صاحبها كما ماتت أطماع سلطانية واستعمارية كثير بموت سلاطينها وأباطرتها! فإتفاقية لوزان 1923 التي يسميها البعض اتفاقية لوزان الثانية وهي ألغت اتفاقية سيفر 1920 وعلى أساسها تم الاعتراف الدولي بالجمهورية التركية. وهي لا تذكر أسماء المدن والمناطق بالاسماء كالموصل وكركوك ... أما اتفاقية سيفر فكانت قبلها أي سنة 1921 وبين تركيا وفرنسا المحتلة لسوريا آنذاك وهي تتعلق فقط بالمناطق السورية ... ولا أعلم إن كانت هناك اتفاقية أخرى تحمل اسم سيفر غيرها أم لا ...أما بخصوص الموصل فقد (عيّن مجلس عصبة الأمم لجنة تحقيق بخصوص مشكلة الموصل بين تركيا وبريطانيا فأوصت اللجنة بأن تعود ملكية الموصل إلى العراق، فأُجبرت تركيا على قبول القرار على مضض من خلال التوقيع على معاهدة الحدود مع الحكومة العراقية في عام 1926. قام العراق بمنح إتاوة 10 في المئة من الودائع النفطية في الموصل إلى تركيا لمدة 25 عاماً) و(قبل قرار عصبة الأمم، قدّم فيصل الأول عدة التماسات للحكومة البريطانية لإعطاءه ملكية الموصل ليتمكن من النجاح في هدفه في التوحيد. وأخيرا، بعد إصدار عصبة الأمم لقرارها، وافقت الحكومة البريطانية على السماح لفيصل بالسيطرة على الموصل مقابل تنازلات على موارد هامة. البريطانيون أسّسوا شركة البترول التركية التي أصبحت تعرف لاحقاً بشركة نفط العراق) وبانتهاء فترة منح الأتاوات لتركيا بموجب اتفاقية أنقرة بين بريطانيا وتركيا والعراق الذي مثله نوري السعيد انتهت قانونيا مشكلة الموصل ولكن تركيا الحالية تريد بانتهاء معاهدة لوزان أن تفتح الملف كله ولا اعتقد أن أردوغان سيحصل على شيء من هذا الحمق والجنون إلا على المزيد من الكراهية بين الشعوب وقد يتسبب بحريق جديد بين تركيا والعراق وسورية.

 

علاء اللامي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتب القدير
ارجو ان تسمح ان اصحح المعلومات الخاطئة التي اعتمدت عليها المقالة ( يحتج البعض لتأكيد صحة قرار أردوغان بتحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد بكونه كان كنيسة اشتراها السلطان العثماني محمد الفاتح بعد فتح القسطنطينية ) اقدم هذه المعلومات التاريخية باختصار , وانا متابع مقالاتك السياسية الرصينة , عزيزي القدير أن آيا صوفيا بنيت عام 537 م , على عهد الملك والاسقف الكبير قسنطنطين ( قديماً الملك يجمع السلطة المدنية والدينية ) . وفي عام 1453 , سقطت القسطنطينة التي كان اسم استنبول القديم , على اسم قسطنطين , سقطت في عهد السلطان العثماني محمد الفاتح , فحول كنيسة آيا صوفيا الى جامع , وحول اسم مدينة قسطنطينية الى اسم استنبول ( طرف المدينة ) . وفي عام 1934 في عهد كمال اتوتورك فحول آيا صوفيا الى متحف في قرار رئاسي , الى اليوم في زمن اردوغان حولها من جديد الى مسجد
تحياتي ودمت بخير وعافية

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك على هذا التعليق أستاذ جمعة عبد الله... ما نشرته هنا هو فقرات مختصرة من مقالة طويلة ولكي تتضح لك الصورة سأنسخ لك الفقرة كاملة من المقالة : بُنيت كاتدرائية آيا صوفيا سنة 573 م، كدار عبادة كبرى ورمز مهم للمسيحيين الأرثوذوكس البيزنطيين، ولكنها تعرضت للعبث من قبل الصليبيين الكاثوليك خلال حملتهم الصليبية الرابعة سنة 1204 بقيادة دوق البندقية أنريكو داندولو، وحولوها إلى كنيسة كاثوليكية، وتعرضت المدينة آنذاك للحرق والسلب والتدمير وتعرض أهلوها للقتل ونساؤها للاغتصاب، وعندما توفي داندولو دفنه أصحابه في الكاتدرائية، وبعد نصف قرن تقريبا، وتحديدا في سنة 1261 استرد البيزنطيون الأرثوذوكس عاصمتهم القسطنطينية من الصليبيين وطردوهم من مدينتهم ونبشوا قبر داندولو رموا عظامه للكلاب!
وبعد سقوط الدولة البيزنطية ودخول العثمانيين عاصمتهم منتصرين سنة 1453م، اشتراها السلطان من رهبانها وقساوستها وحولها الى مسجد، والشراء يبقى أفضل من الناحية الأخلاقية والمعنوية من اعتبارها غنيمة حرب ومصادرتها وتحويلها إلى مسجد دون تعويض. ويمكن اعتبار ما فعله الفاتح بشراء كاتدرائية "آيا صوفيا"، بعد فتحه لمدينة القسطنطينية واستباحتها وارتكاب المجازر فيها، هو مجرد فعل رمزي لتخفيف وطأة هذا الفعل المتكرر في تاريخ الحروب، وذلك بسبب انتفاء العدالة والحرية من شروط عقد البيع والشراء بين الغازي المنتصر والمغزويين المهزومين. ففي جميع الأحوال لم يكن للبائعين وهم رهبان وقساوسة الكاتدرائية حق رفض عرض السلطان المنتصر بالشراء، وهذا بحد ذاته مُبطِلٌ لشروط البيع والشراء الحر والعادل، ولكن هذه التفاصيل تتعلق بالماضي وليس لنا منها إلا العِبر ومحاولة فهم التاريخ بطريقة صحيحة وأقرب إلى الحقيقة.
وبعد أن تحولت آيا صوفيا إلى مسجد، وبقيت بهذه الصفة لعدة قرون - وأستدرك هنا فأقول، إن هذا بحد ذاته يدحض قول القائلين (إن أردوغان قرر تحويل الكنيسة الى مسجد) وهذا خطأ تاريخي ومغالطة للوقائع، فالفاعل الحقيقي لذلك ليس أردوغان بل السلطان محمد الفاتح - وبسبب انهيار السلطنة العثمانية وقيام جمهورية أتاتورك، تقرر إغلاق المسجد الذي ظل مسجدا لأكثر من أربعة قرون ونصف، وذلك سنة 1931م، ثم افتتح ولكن كمتحف بعد أربع سنوات. ولا يمكن استبعاد احتمال أن يكون مصطفى كمال آتاتورك قد قرر تحويل المسجد إلى متحف، ولا يستعبد أن ذلك تم بناء على شروط أو ضغوط غربية فُرضت عليه خلال بناء دولته التركية الجديدة وبما يتسق مع نهجه العلماني الذي يعتبر من النوع العلماني المتطرف على النمط الفرنسي.

علاء اللامي
This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتب القدير
صحيح معلوماتك ما عدا مسألة الشراء والبيع , لان آيا صوفيا تعتبر مركز مرجعية الطائفية المسيحية الاورثوذكس , والان اسقف الاورثوذكس هو موجود في استنبول لكل طائفة الاورثوذكس , مثل النجف مرجعية الشيعة , والفاتيكان للطائفة المسيحية الكاثوليك , ولكن في الفترة الاخيرة الكنيسة الاورثوذكسية الروسية انهت علاقتها مع الاسقف الكبير في استنبول . لذلك موقف روسيا ضعيف من ناحية تحويل كنيسة آيا صوفيا الى جامع , ولكن قبل يومين اصدرت الكنيسة الروسية بيان شديد اللهجة ضد اردوغان , وهذا الموقف يلزم بوتين الذي يرتبط بعلاقة قوية مع الكنيسة وهي تدعمه بقوة , ان يعمل في عدم تحويل آيا صوفيا الى جامع , وكذك موقف الفاتيكان ضد اردوغان . اتصور ان اردوغان خسر الرهان سيتراجع عن قراره او الى تأجيل التنفيذ , لا يمكن ان يقف امام العالم المسيحي بأجمعه , وبالمناسبة اليونانيين مازالوا متمسكين بأسم استنبول القديم بأسم القسطنطينية , حتى في تعاملهم الرسمي . وغداً في اجتماع الاتحاد الاوربي , سيطرح اليونان عقوبات صارمة بما فيها المقاطعة الاقتصادية مع تركيا , اذا عرفنا ان التعامل الاقتصادي مع الاحاد الاوربي اكثر من 100 مليار دولار , وخاصة الاتحاد الاوربي بنمح تركيا كمرشح الى الاتحاد الاوربي مساعدة سنوية تصل الى 5 مليار دولار , يطالبون بحذف تركيا من الترشيح . رغم ان اليونان دولة علمانية , لكنها برزت في العالم الغربي تدافع عن الدين المسيحي . اما بالنسبة الى معاهدة لوزان هي لصالح اليونان بحيث كل الجزر في بحر ايجة اعطوها الى اليونان ولا جزيرة اعطوها , وايطاليا بعد الحرب العالمية الثانية اعطت ايطاليا 12 جزيرة الى اليونان وهي شمرة عصا عن السواحل التركيا وتبتعد عن اثينا حوالي 570 كليلو متر , في معاهدة لوزان قبلت تركيا باخذ اليونان كل الجزر لانها ضعيفة , على امل ان تعطى لها ولاية الموصل كان الاتفاق بهذا الشأن , ولكن الملك فيصل الاول الله يرحمه رفض هذا التقسيم واقنع بريطانيا وفرنسا في اتفاقية سايكوس بيكو , فاعطوا تركيا مدينة الاسكندرونة السورية عوضاً عن الموصل
تحياتي

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك على الرد أستاذ جمعة ...ربما لاحظت انني ركزت على الجانب التاريخي للموضوع أكثر من غيره ، ولم أدخل في ردود الأفعال المسيحية
او غير المسيحية على قرار أردوغان .. وقد وضحت موقفي من قضية البيع والشراء كونها حدثت في ظروف حرب ولا يعتبر البيع والشراء بين الغازي والمغزو قانونيا وطبيعيان ولكن وبفعل التقادم ومرور عدة قرون على كون الكنسية قد أصبحت مسجدا فيعتبر الاعتراض اليوم عليها خارج إطار الموضوع التاريخي ويدخل في الجانب السياسي والقانوني ... ثم أن القضية هي تحويل متحف الى مسجد كان مسجد لعدة قرون وكان أصلا كاتدرائية ... عموما أكتفي بهذا القدر مذكرا بان قرار الرئيس التركي في التقييم الأخير سلبي عموما ولا يخلو من الدافع السياسي الانتخابي ويجلب المزيد من التوترات والعداوات الدينية لمنطقتنا التي تعج بهذه التوترات والاستقطابات الدينية والطائفية ... اما التداعيات وردود الأفعال فليست من شأن المؤرخ و المحلل والباحث في التاريخ .. تحياتي

علاء اللامي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5059 المصادف: 2020-07-12 12:50:30