 آراء

انفجار بيروت.. هل يعيد تشكيل المشهد السياسي اللبنانى؟

عبد السلام فاروقالوطن العربي بأسره والعالم يعزى نفسه في فاجعة مرفأ بيروت الكارثية، فهى كارثة إنسانية بكل المقاييس ..لكن الجميع رغم الأسي والحزن والتعاطف يصرخ فى غضب وغيظ عما أوصل الأمور إلى هذا الحد ؟ الإهمال أم الفساد أم تغافل طغمة سياسية فضلت الانسياق لصراعات السلطة عن التحسب لتدبير العدو الرابض فى الجنوب؟

هل هو حادث عرَضى أم متعمد أم هو اعتداء إسرائيلي؟

بمجرد أن ثار السؤال هبَّ السياسيون فى لبنان بتصريحات متنافرة تعكس الجو المشحون بالتربص والتناحر؛ ففيما طالب وليد جنبلاط بتحقيق دولى لكشف حقيقة ما حدث، اعتبر الرئيس ميشيل عون مثل هذا الطلب تضييعاً للوقت وأن التحقيق الداخلى بمعاونة الأصدقاء الفرنسيين كافٍ وحده لتجلية الحقائق وكشف الملابسات الضبابية . بينما أكد المعارضون عدم ثقتهم فى التحقيقات الداخلية وأن الحقيقة لن تظهر إلا بتحقيق دولى نزيه . فُرقاء لا يبدو أنهم سيجتمعون على رأي قط.

المسألة الأخطر الآن هى الأوضاع السياسية والاقتصادية للبلد اللبنانى المتجه إلى هاوية مخيفة، والأخطر منها تكالب الانتهازيين وارتدائهم مسوح البراءة وأقنعة الطهر لإخفاء أطماع أثارها الوضع اللبنانى المائج المنذر بالعواصف.

فهل ينجح الانتهازيون، أم تنجح الدولة الوطنية فى المسارعة بجمع شتاتها والوقوف بثبات أمام محاولات التدخل الخارجى التى تبدو مخايلها فى الأفق؟

كارثة كاشفة .. ووضع متأزم

فى عصر الرابع من أغسطس وقع الانفجار الضخم الذى هز أرجاء بيروت بالمرفأ الذى تحول عقب انفجارين متعاقبين إلى أنقاض . وعلى إثر الانفجار أعلن محافظ بيروت مروان عبود العاصمة كمدينة منكوبة كنوع من الاستغاثة العالمية وطلب العون .

أضرار هائلة ألمَّت لا ببيروت وحدها، وإنما بشعب لبنان بأكمله ؛ إذ تناقص مخزون القمح بشكل حاد بعد تدمير صوامع المرفأ، وتلوث ما تبقى من القمح بالعوادم الحمراء للانفجار الأول . وكان محافظ بيروت قد وصف الانفجار الثانى بأنه "أشبه بالقصف الذرى على هيروشيما ونجازاكى" وهو ما رآه المشاهدون فى الفيديو المنتشر على جميع الفضائيات والقنوات الإخبارية من سحابة عيش الغراب الخاطفة التى تولدت جراء الانفجار.وخرج رئيس الوزراء حسان دياب معلناً الحداد الوطنى، فيما دعا الرئيس ميشيل عون المجلس الأعلى للدفاع الوطنى لاجتماع طارئ.

سارع الرئيس ترامب فى أعقاب الحادث لمواساة الشعب اللبنانى، ثم تسرع وأعلن أن ضباط البنتاجون يرون أن الانفجار ناتج عن اعتداء . وما لبث البنتاجون نفسه أن أنكر ما أعلنته مؤسسة الرئاسة على لسان ترامب، ربما لحماية الحليف التقليدى لأمريكا والذى تتجه نحوه أصابع المتشككين.

لم تكن الأمور واضحة أول الأمر، ثم بدأت المعلومات والأرقام والأخبار تتوارد تباعاً، حيث اتضح أن سبب الانفجار مادة نترات الأمونيوم التى صودرت من سفينة الشحن روسوس، وأنها كانت مخزنة منذ عام 2013. وأن الأضرار الناجمة عن الانفجار تقدر بين 10، 15 مليار دولار، بخلاف الأضرار البشرية حيث توفى نحو مائتى شخص وأصيب نحو 6000 آخرين ومائة فى عداد المفقودين، بالإضافة لنزوح نحو 300 ألف مواطن لبنانى بسبب الدمار الذى لحق بمساكنهم.

تطورت الأمور بشكل سريع وثارت ثائرة الشارع اللبنانى، حيث خرج الشباب الغاضبون يطالبون بمحاسبة المسئولين عن الكارثة، وتحول الغضب إلى امتداد للمظاهرات المندلعة منذ عام كامل للمطالبة بتغيير سياسي شامل لا يبقى ولا يذر. وكنتيجة لانفجار الوضع فى الشارع بعد كارثة أيقظت الجميع بادرت وزيرة الإعلام بالاستقالة ومعها وزير البيئة، وهو ما أحرج الحكومة ودفع رئيسها حسان دياب لتقديم استقالته. وامتد الأمر إلى عدد من نواب البرلمان الذين استقالوا ودعوا لحل البرلمان من أجل انتخابات مبكرة تجدد تلك الوجوه التى سئمها الشارع اللبنانى.

وفى آخر تقرير إخبارى صادر عن وكالة رويترز وتم تناقله عبر الصحف ووسائل الإعلام تبين أن مسؤولين أمنيين لبنانيين حذروا رئيس الوزراء ورئيس الدولة الشهر الماضي من أن وجود 2750 طنا من نترات الأمونيا في مخزن بمرفأ بيروت يمثل خطرا أمنيا ربما يدمر العاصمة إذا انفجرت تلك المواد ! ما يعنى أن السلطة كانت على علم لكنها لم تتحرك، تحت دعوَى أن تلك الشحنة موجودة منذ سبعة أعوام ولم يحدث شئ .

إنها كارثة كاشفة أزاحت الأستار عن أسرار وخبايا ما يحدث فى أروقة السياسة من صراع وفساد وتبعية وإهمال بلغ المنتهَى، وبات واضحاً أن هذا المشهد الكارثى له ما بعده.

استدعاء الخارج .. هل هو الحل؟

مشهد آخر صادم ظهر فى خضم أحداث ما بعد الانفجار : أن بعض المعارضين للنظام اللبنانى دعوا لجمع توقيعات لاستدعاء الانتداب الفرنسي الذى حكم لبنان منذ مائة عام مضت! فهل هذا يعقَل؟

لقد سارعت تركيا ومعها قطر بإبداء الاستعداد لإرسال مساعدات عاجلة إلى لبنان، وهى ليست بدافع العروبة ولا الإنسانية بل هى مساعدات مغرضة ومشروطة . وقد جاءت كنوع من المكايدة السياسية للرئيس الفرنسي ماكرون الذى توجه من فوره إلى الأراضى اللبنانية يتابع بنفسه تطورات الأمور .

تلك ليست المرة الأولى التى يلجأ فيها ميشيل عون لفرنسا، فالتاريخ يذكر كيف أنه عندما حوصر منذ ثلاثين عاماً بالقوات السورية لجأ إلى السفارة الفرنسية لإنقاذه حيث ابتعد عن لبنان فترة طويلة قبل أن يعتلى صهوة السلطة فى 2016. فكأن ميشيل عون بهذه الخطوة يقطع الطريق على المطالبين بتحقيق دولى، حيث خرج السفير الفرنسي بلبنان ليعلن فى تغريدة له على تويتر أن فرنسا تشارك بالتحقيق فى انفجار المرفأ وأن عدداً من رجال الشرطة والدرك الفرنسي يناهز الخمسين يقومون بتقديم الدعم اللوجيستي للتحقيق القضائى الذى شرع فيه الادعاء العام اللبنانى.

أمريكا أيضاً وعدت بإرسال مساعدات، لكن كل هذه المشاركات لها غرض سياسي لاحق. لأن الذى يريد المساعدة لغرض إنسانى يرسلها فوراً وبلا شروط كما حدث من مصر التى أرسلت أطناناً من المساعدات العاجلة للشقيقة لبنان . ثم أن أحداً من ثائرى الشارع اللبنانى لم يتحدث أبداً عن بديل فرنسي للنظام السياسي اللبنانى، فهل تسلل إليهم مَن لديه أجندات خاصة يريد بها أن يحول تبعيته إلى الغرب الأوروبى لاستعمار صريح؟

فى صحيفة الأخبار اللبنانية جاء فى مقال لمروان طحطح يقول فيه: "تحول لبنان بزيارتى ماكرون وجاويش أوغلو لساحة للصراع والتنافس بين تركيا وفرنسا.." ويضيف سمير العيطة فى صحيفة الشروق المصرية قائلاً : "ها هو الرئيس الفرنسي يسرع لزيارة بيروت المدمَّرة ويتوجه للبنانيين بأن لدى فرنسا خريطة طريق لإعادة بناء النظام السياسي. هذا في الذكرى المئوية لإنشاء لبنان الكبير،وفي شارع الجنرال جور والذى قاد جيوش احتلال لبنان وسوريا. ثم ليعطي مهلة لأقل من شهر للتنفيذ وإلا ’سيتحمل الجميع مسؤولياته‘". ويتابع متسائلاً : " تلك لحظة فارقة يعيشها الشعب اللبنانى . هل يستحق أن يكون شعباً أم سيبقى منقسماً بين زعماء الطوائف ؟ هل يطالب بعودة انتداب فرنسا أو بالنفوذ العسكرى السورى، أم أنه أضحَى شعباً ناضجاً يصنع حاضره ومستقبله بيديه؟

وفى صحيفة رأى اليوم اللندنية يقول أسامة شبيب أن اللجوء للأجنبي ليفرض احتلاله وانتدابه على الدولة والمجتمع يمثل حالة مرَضية معقدة فى الذات والنفسية الاجتماعية لا تقل خطورة وسوءاً عن وجود سلطة سياسية فاسدة وفاشلة ..".

مخرجات مشهد معقد

ما زال الغاضبون يملأون أرجاء وشوارع بيروت، وهناك قتلى ومصابون فى صفوف الأمن اللبنانى وشعب بيروت ومحاولات لاقتحام المؤسسات الوطنية اللبنانية ومنها مبنى البرلمان . فهل سيظل الوضع محتقناً هكذا للأبد؟ وإذا فُرض وتَرك ميشيل عون السلطة وحدث فراغ سياسي كما حدث فى لبنان من قبل فكيف يكون هذا فى مصلحة لبنان؟ وإذا حدث التدخل الخارجى وهو بالتأكيد سيحدث بشكل أو بآخر بسبب حاجة لبنان الماسة للمساعدات العاجلة، بينما مساعدات الغرب مشروطة بهدم النظام لبناء نظام موالٍ وتابع يعمل بالوكالة لصالح الدول التى ستشارك فى إعادة إعمار مرفأ بيروت مهما كانت هذه الدول ومهما كانت أغراضها، فكيف يقبل اللبنانيون احتلالاً مُقنّعاً بديلاً عن سلطة وطنية حقيقية؟ إنها معضلة سياسية تتطلب حذراً وتأنياً فى تفكيك تشابكاتها مع النظر ملياً للعواقب والمآلات.

إن لبنان تئن اليوم تحت نير وضع اقتصادى متردى، وطبقاً لمدير برنامج الأغذية العالمى أن مخزون القمح اللبنانى لا يكفيها أكثر من ثلاثة أسابيع فقط، وهو ما جعل المنظمة تعلن نيتها لإرسال 50 ألف طن من القمح إلى لبنان .

هناك سيولة فى المشهد السياسي اللبنانى فى ظل أزمة اقتصادية طاحنة، وهناك فساد يعترف به السياسيون اللبنانيون مدعين أنه متعمق ومتجذر للدرجة التى  يستحيل معها استئصاله، وهناك تشرذم بين 18 طائفة لكل منهم ناطق باسمهم لا يجتمعون أبداً على رأى ما داموا يعملون لمصالحهم الفئوية لا لمصلحة الوطن اللبنانى .

ما أتمناه ويتمناه كل عربي أن تعود الشقيقة الغالية لبنان قوية مستقرة متألقة كما هو عهدنا بها، ولن يحدث هذا إلا بالشعب اللبنانى صانع المعجزات.

 

عبد السلام فاروق

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5092 المصادف: 2020-08-14 03:23:14