 آراء

حول السذاجة السياسية

صلاح حزاممن اجمل اقوال الكاتب الايطالي الراحل امبرتو ايكو، قوله:

"ان ادوات مثل تويتر وفيس بوك منحت حق الكلام، لفيالق من الحمقى ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد كأس من النبيذ.. دون ان يتسببوا بأي ضرر للمجتمع.. وكان يتم اسكاتهم فوراً ..اما الآن فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل ..انه غزو البلهاء !!

هذا القول يكتسب مصداقيته يومياً عندما نشاهد على شاشات التلفزيون ونقرأ على صفحات التواصل الاجتماعي، شخصيات غريبة الاطوار تتصدى لمواضيع في غاية الخطورة والحساسية والتعقيد، وتقدم تحليلات غريبة وساذجة وغير ذات قيمة باستثناء كونها تساهم في تشكيل رأي عام مشوه لايستطيع بلورة موقف وطني بنّاء.

اكثر المواقف التي لفتت نظري اخيراً هي تلك التي تناولت زيارة السيد الكاظمي الى واشنطن..

ظهر البعض مطالباً بضرورة الطلب من الامريكان الانسحاب فوراً من العراق.

وكأنما الامريكان متعهد تنظيف او مقاول هدم تم التعاقد معه لاقتلاع جدار قديم، ندفع له اجوره ويغادر المنزل.

الامريكان احتلوا العراق بارادتهم الخاصة وتحدوا العالم ممثلاً بالامم المتحدة ومجلس الامن ودفعوا ثمناً باهضاً من اجل ذلك.

وساذج آخر من يعتقد ان السيد احمد الجلبي اقنعهم او خدعهم او ضللهم لغزو العراق.

ساذج آخر يقول انه يجب عدم التعامل مع الامريكان لانهم يبحثون عن مصالحهم فقط..

هذا يعني ان نقطع علاقاتنا مع كل دول العالم لان الدول كلها وحكوماتها ومؤسساتها تبحث عن مصالحها.

تاريخ السياسة الدولية هو تاريخ الصراع من اجل البقاء والتفوق والبحث عن المصالح سواء اكانت مصالح قومية او مصالح بمعنى تحقيق المجد الشخصي كما كان يفعل الاباطرة والملوك.

فقط صناديق الصدقات والمعونة الاجتماعية هي التي تقدم الدعم دون مقابل..

ليس ذنب الآخرين اننا لانجيد او لانريد الدفاع عن مصالحنا !!

ذهب زمن الكفاح المسلح ضد الامبريالية.. واستخدام اساليب الفييت كونغ الفيتناميين.

صديق (ساذج) يقيم في دولة اوربية منذ عقود ويعيش حياة رغيدة على حساب جهد العمال والشركات الامبريالية، كتب ذات مرة مقالة يدعو الى الاحتذاء بكفاح فيتنام التي هزمت امريكا ومرغت كرامتها بالوحل !!!

هذا الساذج لايدري او ربما يتجاهل عن عمد، ان الشعب الفيتنامي راح ضحية حرب بالانابة بين الامريكان من جهة وبين الاتحاد السوفيتي والصين من جهة اخرى اللتان زودتا فيتنام بالسلاح وبعض الاطقم العسكرية خاصة في مجال الطيران والصواريخ.

خسر الشعب الفيتنامي ثلاثة ملايين قتيل ودمرت مدنه واقتصاده..

الآن، فيتنام تشهد نهضة اقتصادية كبيرة بدأت عندما فتحت باب الاستثمار الاجنبي المباشر FDI لرأس المال الامبريالي واكثره الامريكي للحصول على التمويل والتكنولوجيا والاسواق.

عادت فيتنام الى احضان الامبريالية ولم تَعُد تتحدث عن محاربة الامبريالية  ودعم قضايا الكفاح ضد الاستعمار وماشابه..

الكثير من مثقفي ومفكري فيتنام يعترفون بان الحرب ضد الامريكان كانت مكيدة دفعوا ثمنها..

فيتنام لم تعد تتلقى دعم الرفاق السوفييت الذين سقطوا او الرفاق الصينيين الذين تحولوا بدورهم الى قوة امبريالية صاعدة تنافس على قيادة العالم وتبحث عن تسويات مع (النمر الورقي الامريكي) كما اسماه زعيمهم الراحل ماو تسي تونغ.

الاستفادة من تجارب العالم مفيدة لتجنب الخوض في تجارب فاشلة وتثقيف المجتمع لجعله يؤمن بأمور غير واقعية يقود الى خسائر يتحملها العراق دون ضرورة بعد ان خسر الكثير.

الذي يجبر الامريكان على احترام مصالح العراق هو وجود نظام سياسي رصين وحكومة تتمتع بنفوذ أخلاقي نابع من شرعية تمثيلها للشعب ومن نزاهتها واحترامها لسيادة القانون.

انها تنبع من الاصرار على احترام سيادة البلد ضد كل الاطراف وليس مع اطراف معينة فقط.

انها تنبع من ادراك لحقائق السياسة الدولية والتعامل معها والعمل بموجبها وليس العمل على اعادة صياغتها .

من الحقائق القاسية والواقعية جداً، ان ايران الآن لا تعاني من عقوبات دولية وانما امريكية لكن معظم العالم خضع لها . العالم توقف عن شراء النفط الايراني بقرار امريكي خضع له الاتحاد الاوربي والصين وهما عملاقان اقتصاديان لكنهما يحرصان على علاقاتهما الاقتصادية والسياسية مع الامريكان.

العراق بوضعه البائس حالياً اقتصادياً وسياسياً وامنياً يريد له البعض ان يصارع الامريكان !!

من يقول بذلك هو إما ساذج او مُغرض يريد تخريب البلد

 

صلاح حزام

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5101 المصادف: 2020-08-23 12:43:32