 آراء

خطورة ألغاء وزارة التخطيط او دمجها مع وزارة المالية

صلاح حزاموردني منشور من أحد الاصدقاء يفيد بأن السيد رئيس الوزراء ينوي،من بين أمور أخرى، دمج وزارة التخطيط مع وزارة المالية..

لست متأكداً من صحة الخبر، لكن خطورة هذه الخطوة تجعل الحديث عنها مهماً جداً.

كل الدول التي خرجت من حروب مدمِّرة (مثل دول اوربا بعد الحرب العالمية الثانية) وضعت خططاً لاعادة الاعمار وانعاش الاقتصاد ومعالجة آثار الحرب الاقتصادية والاجتماعية وغيرها. ولهذا الغرض أنشأت كيانات للقيام بهذه المهام.

اضافة الى انها اتبعت اسلوب التخطيط الصارم أثناء الحرب لتوجيه الموارد بما يخدم المجهود الحربي.

ومع ان دولاً كانت تاريخياً دولاً رأسماليةً قبل الحرب مثل بريطانيا وفرنسا واليابان، لكنها تبنت اسلوب الادارة المخططة للاقتصاد واصبح لديها قطاع عام كبير (الى جانب القطاع الخاص بطبيعة الحال).

بريطانيا تبنت نظام الحصص في المواد الشحيحة خلال الحرب وبعد الحرب، واستمر العمل بنظام الحصص لبعض المواد الى بداية الخمسينيات.

اليابان انشأت وكالة التخطيط الاقتصادي اليابانية التي يرأسها شخص بدرجة وزير ويحضر اجتماعات مجلس الوزراء. هذه الوكالة فيها معهد البحوث الاقتصادية الذي يمثل ٧٠٪؜ من حجمها.

لم يكن التخطيط، بالطبع، من النوع السوفيتي، ولكنه كان يهدف الى وضع وتنفيذ الاولويات الوطنية التي تعتبر اساسية لنهضة الاقتصاد.

وحتى القطاع الخاص الذي كان حراً في اتخاذ قراراته الاقتصادية، لم يكن بعيداً عن التنسيق مع الاجهزة الحكومية لكي لا ينشط بعيداً عن الاولويات الوطنية.

وكانت السياسات الحكومية التحفيزية تساهم بقدر كبير في دفع القطاع الخاص للعمل من اجل نهضة الاقتصاد.

فالسياسات الضريبية وسياسات تقديم القروض الميسرة كانت من الادوات الهامة في هذا الشأن.

وكانت خطة مارشال ( التي وضعها الجنرال مارشال الامريكي) والتمويل الذي وفرته لقطاع الاعمال وكذلك للحكومات، اداة مهمة لاعادة بناء البنية التحتية وكذلك توفير مبالغ لاعادة بناء المصانع ودور السكن.

ذلك خلق الطلب على الكثير من المستلزمات التي حركت بدورها مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني.

اعتقد ان حجم الضرر الذي اصاب العراق منذ الحرب العراقية الايرانية وحرب تحرير الكويت ومن ثم الحصار واخيراً الاحتلال الامريكي، واعمال العنف والتفجيرات التي تلت الاحتلال، ناهيك عن العبث المنهجي بمقدرات البلد خلال فترة مابعد الاحتلال، يستدعي حتماً دوراً مركزياً للدولة في عملية اعادة البناء وتوفير المستلزمات القانونية والادارية والامنية لذلك..

العراق، على مدى تاريخه ومنذ الخمسينيات لم يكن دولة رأسمالية يسيطر فيها القطاع الخاص على الاقتصاد لاسيما بعد التأميمات المراهِقة التي قام بها عبد السلام عارف عام ١٩٦٤ وقتل دور القطاع الخاص في بناء البلد.

هذا يعني اننا لانملك طبقة رصينة من رجال اعمال ذوي خبرة وتقاليد وثقافة أعمال يمكن التعويل عليها.

اضافة لذلك، فأن تفشي الفساد وهيمنة جهات نافذة على الكثير من النشاطات الاقتصادية يجعل دور الدولة القوي والحاسم ضرورياً لأن الفساد يخلق طبقة رجال اعمال تتضمن في داخلها رجال اعمال بلا اهداف وطنية وبدون نزاهة يتصرفون كلصوص تحت غطاء رجال الاعمال، وهؤلاء لايرتجى منهم شيء نافع.

من أخطاء النظام السابق الكبرى، قيامه بالغاء وزارة التخطيط مع انه كان يخضع لحصار اقتصادي يحتاج الى التدبير والخطط العلمية لادارة الحياة الاقتصادية للبلد.

اذا لم يكن أداء وزارة التخطيط مُرضياً، فالحل ليس الغائها بل تطويرها ودعمها بالكوادر المؤهلة واعادة تعريف دورها لكي يتناسب مع ظروف البلد ووضعه الجديد ..

التخطيط ليس دلالة ايديولوجية، بل هو اسلوب ادارة فني منهجي تستخدمه حتى الشركات الرأسمالية بكل مستوياتها .

التخطيط كما يعرفه الدكتور مصطفى حجازي : محاولة الانسان للتحكم في مصيره .

انه تدخل مبكر لدفع حركة الاشياء في المستقبل نحو الاتجاهات المرغوبة وخلق مستلزمات ذلك..

مشكلة العراق ليست في وجود التخطيط بل في غيابه..

بطبيعة الحال، فأن التدخل الحكومي ينخفض مع الزمن ومع النجاح في وضع الاقتصاد على السكة الصحيحة.

لكن من الضروري التنويه الى ان الدولة العراقية هي ليست دولة رأسمالية عريقة كالولايات المتحدة الامريكية او بريطانيا، انها دولة نامية تمتلك الحكومة فيها المورد الاساسي وشبه الوحيد للدخل والعملة الصعبة الناجم عن انتاج وتصدير النفط.

الحكومة هي اكبر مشغّل للأيدي العاملة وهي اكبر مستثمر واكبر المُنفقين استهلاكاً واستثماراً..

فكيف يمكن ان نتخيل ان هذه الدولة تتنازل عن دورها ؟؟

انها اكبر مؤسسة أعمال وبالتالي لابد لها من جهاز كفوء يدير اعمالها.

ختاماً لابد من التنبيه الى اهمية مراعاة طبيعة وظيفة وزارة المالية وتعارضها احياناً مع طبيعة التفكير والسلوك التخطيطي.

المالية فيها محاسبون وتعريف المحاسب هو انه : مؤرخ للأحداث المالية.

في حين ان المُخطِط يعمل على اعادة تشكيل المشهد المستقبلي ..

والتاريخ عكس المستقبل..

هذا ليس انتقاصاً من وظيفة رجال المالية والمحاسبة حيث ان التخطيط يستحيل بدون وجودهم، لكن طبيعة وظيفتهم وتفكيرهم تختلف لذلك لايمكن ايكال مهام التخطيط لهم .. المالية تمتلك الهيمنة على ادارة المالية العامة وهذا يمنحها اليد العليا .

التخطيط عكس التنفيذ وهو فلسفة وفكر واهداف مستقبلية وقراءة للواقع وتشخيص ماهو مطلوب .. انه اكثر من توزيع المال بين القطاعات، بل هو رسم مسيرة التنمية المستدامة في كل الميادين وهو نظرة نقدية موضوعية للواقع ووضع مناهج تطوير الواقع من خلال افضل استخدامات للموارد المتاحة ..

الخلاصة : هنالك سببان يحتمان الابقاء على وزارة التخطيط وتطوير عملها :

١-الدمار الذي يشهده العراق في كل الميادين الذي يحتاج الى جهود استثنائية.

٢-امتلاك الدولة العراقية لاهم مصادر الثروة والدخل وكونها اكبر مؤسسة اعمال لايمكن الغاء دورها بسهولة ولابد لها من جهاز يدير اعمالها ومهامها.

 

د . صلاح حزام

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5108 المصادف: 2020-08-30 01:59:45