 آراء

السياسة أفيون الشعوب

سامي عبد العالهناك علاقة كيفية- لا نفتقدها من حين لآخر- بين المواد المخدرة والسياسة، فالاثنتان مرتبطتان بزيادة الأوهام اللذيذة وتناسلها، والاثنتان تجعلان تفاصيل الحياة سحاباً كالدخان دون رؤية حقيقيةٍ، وكلتاهما تذيبان الزمن ونقاطه الفاصلة كما تذيب الأخيلة جبالاً من الثلج حيث لا شيء ثابت. والأخطر أنَّهما تكونان على موعدٍ بتشكيل (ذهنية غرائزية) لدى الجماهير التي تتعاطى إفرازها. وتعد الاثنتان (المخدرات والسياسة) موضوعين للإدمان الذي يصعب التخلص منه. فمعروف أنَّ كثرة تناول المواد المخدرة يعني إدماناً غير محدد النتائج وعلى الطريق ذاته تمثل السياسة مادة لإدمان سلطةٍ لا نتصور العيش دونها. فالسياسي هو المدمن الوظيفي لما يفعل ويزعم ويتوهم، نتيجة الآثار المترتبة على امتلاكه للنرجسية والإحساس بالذات والهيمنة على الآخرين وبلوغ نفوذه إلى أبعد مدى.

هكذا فإنَّ بعض الأحداث السياسية لها طابع الأفيون ونشاطه الوهمي، لأنَّها نوع من التسكين غير المباشر لآلام الواقع ومشكلاته. والظاهر أنَّ التماثل ليس هو الوارد فيما أسلفت فقط، بل تعدُّ السياسة مجالاً للأفكار المخدرة حتى بالنسبة لمروجيها أيضاً على غرار مقولة ماركس (الدين أفيون الشعوب). إنَّ حياة القهر التي تعيشها الشعوب تقع الأحداثُ في محيطها المفترض بالمعنى ذاته. ألم تترك المواد المخدرة أثراً يُفقِد مدمنيها أيَّ إحساسٍ بالواقع جنباً إلى جنب مع الايديولوجيات؟ ألم تُولِّد أخيلة سارحةً خارج الحدود الطبيعية للأشياء والعالم؟! إذن.. ماذا لو كانت الأحداث السياسية ذاتها أفيوناً رمزياً بالنسبة لصانعيها ومتلقيها؟ وهذا يدل على أنَّ السياسة توظف الأحداث لخدمتها وترويج الصورة التي تريد إيصالها للمتلقي سواء أكان محلياً أم دولياً.

على سبيل الشرح (بمناسبة هرولة التطبيع مع اسرائيل دون الحقوق)، يبدو أنَّ حدث نقل السفارة الأمريكية- في حينه- إلى القدس كان ومازال كالمخدر النرجسي للكيان الإسرائيلي. لأنَّ رمزية القدس (أورشليم) تغذي التطلُع التاريخي لشعب الرب وتمثل مساحة احلام اليقظة في مملكة بني اسرائيل عبر منطقتنا الغائصة بالمطامع من كل حدبٍ وصوب. أورشليم على الأقل عقدة الدراما (المأساة) في التراث اليهودي الصهيوني. وإذا اقتربت كعاصمة- ولو قليلاً - بقرار أمريكي في القرن الواحد والعشرين، فإنَّها تداعب الوعي الشقي لشتات بني اسرائيل وتمسح عنهم بعضاً من الأدران التي لطالما حاولوا التخلص منها. كما أنَّ أورشليم بمثابة اليوتوبيا التي تغلق قوس التاريخ على الوعد الإلهي لهم بقيام الدولة والمجتمع.

ولذلك كانت اسرائيل حريصة على وضع لافتة "الدولة اليهودية" من ضمن أولوياتها حتى أثناء المفاوضات مع الفلسطينيين. فرغم أن اليهودية صفة تخص اسرائيل لا أحد سواها بحكم أنها إشكالية (جيوسياسية لاهوتية theo-geopolitical)، إلاَّ أنها تغاير مفاهيم الدولة المعاصر. وتضع اليهود كل يهود العالم في دائرة الاهتمام، وتشغل حق كل ما هو يهودي في سكنى اسرائيل وتستعيد التراث العبراني إلى واجهة المستقبل. حتى أن رؤساء وزراء اسرائيل يطلبون دون مواربة من الفلسطينيين الاعتراف بتلك الصفة لدولتها، كأن اليهودية هو الاعتراف بحلم التاريخ والسياسة الذي يجلب النعمة على شعب الرب.

واسرائيل لو نلاحظ تستخدم المصطلحات بطريقة سياسية حتى الرمق الأخير، حتى تصبح واقعاً يمكن أن يجلب القوة الناعمة لمحيطها الفعال. فاليهودية ترتقي إلى مادة أفيونية تضيع مآسي شعبها طوال الوقت، باعتبارها من لحمة الأحلام اليومية التي يطمع الإسرائيلي في تحقيقها. فيكون مواطناً يهودياً في أية بقعة من الحياة في الكون وبالتالي يصبح تلقائياً مواطناً اسرائيلياً ويتقاسم مع شعبها الحلم ذاته ويتبني القضايا نفسها ويعادي الفلسطينيين أنفسهم ويكشر عن انيابه طالما رأى عربيا يمرق بجواره.

وبالمثل جاءت اتفاقيات التطبيع بين اسرائيل وبعض الدول العربية كالإمارات والبحرين وغيرهما... بالأثر المخدر للطرفين في غمرة التصريحات والصور. حيث أخذت بغمر طرفيها في خطابات من الرضا الذاتي واشباع الكلام بمزيد من الغموض بشأن المستقبل وتبادل الزيارات والأفكار والوفود وعقد الصفقات. ولم تسلم الشعوب من اغراقها بالآمال المنتظرة – كما رُوّج لذلك- بفضل النتائج الحاصلة من السلام والتطبيع. وهذا أفرز جدلاً ذهب إلى حد اعتبار المنطقة العربية آمنةً ومستقرة وداعب خيال العروش الحاكمة بأن مستقبلها مزدهر وأن أولاد العم يعقوب (بني اسرائيل) لن يكيدوا ثانيةً لأبناء اسماعيل (العرب) كما هو حال السرد السياسي الشائع. على الأقل أبعد الوضع عن الأذهان- تدريجياً- فكرة المكيدة والمؤامرات التي تلصق بإسرائيل في اللاوعي العربي. وأن التطبيع معاً سيجعل زيتنا العائلي (العائلة الإبراهيمية) في دقيقنا (الأحداث السياسية+ المنطقة العربية)، ليخرج العجين على هيئة أقراص المحبة ونذور لآلهة السياسة.

وتغدو عمليات التطبيع مخدراً على أكثر من صعيد:

أولاً: التخلص من الصداع (الصراع) الاسرائيلي العربي، لأنَّ العروش العربية دخلته وهي كارهة لدورها المنتظر. وأقول إنَّها غير مؤهلة له نظراً لفقدان وزنها الثقافي والحضاري بالمرة. لأنَّه صراع محسوم لصالح اسرائيل في الوجود والحضارة والسياسة. فلم تجد بداً من اصطناع حدث يزيل العبء عن كاهلها ويجعل مخرجها دون خسائر أمام الشعوب.

ثانياً: المساواة الزائفة بين الأطراف العربية واسرائيل نتيجة الجلوس على طاولة التطبيع، وكأنَّ العرب يقولون ها نحن قد جلسنا على مائدة واحدة مع اسرائيل الغالبة والمتفوقة عسكرياً ودولياً، وها نحن قد تساوينا بها ولم نعد أقزاماً، وأن الفارق الحضاري والسياسي يمكن تعويضه بمجرد توقيع اتفاقيات التطبيع.

ثالثاً: الثأر الرمزي من العدو، فإذا كانت اسرائيل قوية في الرد على اعدائها بالمحيط العربي وإذا كانت حريصة على التفوق العسكري والمعرفي والتقني، فالعرب الآن يهرولون للتطبيع من باب تقبيل الأيدي التي لا يستطيعون قطعها (اليد التي لا تستطيع قطعها قبلها). والتطبيع بهذا هو الوليد البديل والمشوه الناجم عن هذا الثأر، لكنه وُلد كالابن السفاح الذي جاء في غيبة الوعي والوجود بالنسبة للعرب. وقد استدرجت إسرائيل سذاجتهم الحضارية إلى غرف خاصة أسمها مكاتب التمثيل الدبلوماسي والتبادل التجاري.

رابعاً: الهروب الأقل عناء نحو الأمام، التطبيع حيلة هروبية من مسؤولية الحرية والاستقلال كطرفٍ له وجود وعليه مسؤوليات تاريخية. التطبيع انجاز وهمي كالمدمن الذي يسافر عبر الآفاق وعبر الزمن وهو مازال في مكانه ويفعل ما لم يستطع فعله في حالة الوعي، إنها عملية الإدمان الشديدة التي تفقد المُطبع إرادته وإحساسه بالعالم والأشياء.

خامساً: القتل الناعم لإرادة الشعوب وتزييفها، فهذا النظام العربي أو ذاك لن يكون دوما عند توقعات شعبه، لأن ممارسات اسرائيل ليست خافية عن أحد وتتابعها الشعوب العربية عن كثب، وعندما تطبع الأنظمة معها، فالأخيرة تقول لشعوبها: لن أكون عند مستوى التوقع، ليس فقط إزاء اسرائيل، بل إزاء أية حقوق سياسية أخرى داخلياً وخارجياً.

وطبعاً تدرك أمريكا كون الأحداث من هذا اللون صناعة ثقيلة ترسم واقعها على نحو افتراضي. إذ جاءت الطقوس المصاحبة لها هذياناً حيّاً على الهواء مباشرة، اختزل عشرات السنوات الماضية ومئات السنوات القادمة. ولم تخلُو الأوضاع من إطلاق الأطياف التي تنجز الأفعال من طرفي الأحداث ولا سيما في عملية التطبيع (بين طرفين) مثلما كانت بصدد الاعتراف بالقدس كعاصمة أبدية لإسرائيل (من طرف واحد). لأنَّ أمريكا كراعٍ تحشو الفراغ بين العرب واسرائيل تخويفاً ودغدغةً للمشاعر الإقليمية، كما أنها مافتئت تهدئ الهواجس نتيجة تخفيض حدة الصراع التاريخي. وبخاصة أنَّ الكلام الصامت على هوامش التطبيع كان أكثر مما قيل من الإمارات واسرائيل أو من اسرائيل والبحرين. ولنتذكر أن أمريكا هي من أعلنت عن عمليتي التطبيع، وفي الحالين مثلت مرجعاً أفقد الطرفين الإحساس بالمشكلات والمخاوف من الظهير الشعبي العربي.

ولذلك سيكون الخطاب السياسي في مثل هذه الحالات خطاباً تخديرياً. لأنَّه يأخذ زاوية التطمين لدرجة السذاجة، يقول إنَّ التطبيع قد انطلق لصالح الشعوب ولحل القضايا الفلسطينية العالقة. مع أن المشاهد معقدة ولا تبدو هناك أية آفاق مغايرة لما قبل التطبيع بحيث يرى الناس شيئاً جديداً يستدعي ذلك. مما جعل العبارات من قبيل "السلام أفضل من الصراع" وأنَّ "السلام فرصة للتنمية وتبادل المصالح" وأنَّ " السلام مع العرب يخدم المصالح المشتركة" عبارات أفيونية الطابع مع ترديدها الاعلامي، لأنَّها تنوِّم فقط الهواجس وتغلب الإيهام بالمعاني وأشباحها لا الحقائق. لأنَّ الجديد في هذا المسار لم يتحقق بعد ولن يتحقق بتلك الطريقة الظالمة لأصحاب الحقوق الأصليين، وكأنَّ الخطاب دعوة للتأمل السارح خلف الأخيلة، فليس هناك أكثر مما يفقدنا التركيز على الصور السلبية التي تركها الاحتلال وتدميره للوجود الفلسطيني.

ولكن تكشف مثل هذه الأحداث: كيف يتصرف عالم السياسة اليوم مع التاريخ والسياسات الدولية والصراع والجرائم الجغرافية والعولمة والاستيطان وسرقة الدول وطمس معالمها وكيفية السيطرة على أطراف الصراع وبث التصورات التي لا تطابق واقعاً. فكل شيء دون مبالغة كان حاضراً في مشاهد الاحتفال بالعاصمة الإسرائيلية -الأمريكية التي هي احتفاء خيالي بواقع زائف. وكأنَّ تأسيس إسرائيل قد تم الآن، الآن فقط رغم أنها قامت على أنقاض وآثار فلسطين والتهمت عظام وجماجم الراحلين وسحقت التاريخ والمدن والحياة. ورأينا بالمثل مظاهر الحراك تجاه التطبيع مع اسرائيل بالمنطق ذاته، فقد بدا بعض مسؤولي الامارات وإسرائيل وهم يتحينون الفرصة للظهور سواء في المطارات أو على منصات الاعلام والإدلاء بكلمات مهدهدة. وتم ادماج الصور الاسرائيلية الراغبة بالسلام مع صور الضيافة العربية الراغبة باحتواء الضيف والإغداق عليه.

بينما نجحت إسرائيل- على الأرض- في إدارة القتل العشوائي لكل ما يتهدد وجودها، قتل المكان وقتل الزمان وقتل الإنسان وقتل الحياة، إضافةً إلى ذلك تطالب بحقوقها كدولة تدافع عن النفس. وكان ذلك أثراً بعيداً للإنفراد بالأراضي المتبقية من جغرافيا فلسطين، لكنها لم تبدأ إدارة ذلك بشكل خاص، إنما من خلال قوى العالم التي تعاطفت معها وكونت لوبيات فيها. إن إسرائيل طفيل جيوسياسي يتعلق بجسد القوى الكبرى (الصهيونية نزعة فيروسية)، حيث تعيش في كيان غيرها، وتمتص قدراته وتأثيره لصالحها واقفة في مواجهة أعدائها من العرب. فالأحداث تغطي على هذا كله على نحو آمن وإزاءه تمثل تبريراً حالماً يواري أعمال التوحش الاسرائيلي.

دوماً يُحسب للطُفيل أنْ يلبس رداء الأقوى والأكبر، وأن يضع وظائفه سياسياً خدمة لتوسعاته. كان القرار الأمريكي بأن القدس عاصمة لإسرائيل دليلاً على هذا التضخم الأفيوني. وعد لترامب قال عنه نتنياهو" لقد وعد فأوفى"، وهاهو يحقق ما يقول. ليرد عليه ترامب عبر خطاب متلفز متباهياً بما قال وفعل. ومجدداً للمرة الألف بعد المليون: كان الوعد ممنْ لا يملك لمن لا يستحق. حتى نفذ القرار كيوم القيامة ليعكس ضعفاً وجبناً وخنوعاً عربياً يكلله الصمت المطبق.

ولذلك سنفهم عمليات التطبيع المنذورة لإسرائيل مجاناً كخُرافة آتية من غابر الأزمان. وبات العرب يؤدون طقوس التطبيع بدم بارد.. النظام تلو الآخر متسابقين على مذبح السياسات الأمريكية الإسرائيلية. لم ينطق أحدهم بكلمة رئيساً أو مرؤوساً، وبدت بقايا المظاهرات في شوارع الدول العربية وأزقتها لا قيمة لها. لأن العرب لم يعدوا أن يكونا حتى ظاهرة صوتية، بل ظاهرة شبحية في جميع قطاعات الحياة الراهنة. إنَّ ما تفعله إسرائيل من امتلاك قوة الوعود لا يمتلكه العرب من الواقع رغم أنَّه تحت أعينهم وأيديهم.

الأحداث أمام الوعي تجمع مالا يُجمع بما يليق بصناعة عبوة أفيون من العيار الثقيل. محشوة بالعنف المتضخم عولمياً والذي ينعكس في أعمال اسرائيل، ثم الأثر نفسه بالنسبة للكلام الأمريكي الذي جرى توقيعه على الهواء بمجمل علامات التخدير العالية وآيات الكتاب المقدس والعبارات التراثية حول مملكة إسرائيل وهيكل سليمان وتحريك التاريخ لتلتقي نهايته وبدايته. قال ترامب إنَّ القدس عاصمة بني إسرائيل من قديم الزمان. وهاهي جوانب الزمان تحط رحالها عند النقطة صفر حالياً لتدشين العاصمة القديمة الجديدة. في المقابل يمضغ العرب (المطبعون وغير المطبعين) عبارات السياسة لعلهم يغيبون عن الوعي ولو للحظات خاطفة.

المعنى يُشابه كون المناسبة حاضرة ضمن كوكتيل الأحداث بما يفيد: تجديد النكبة بالنسبة للفلسطينيين والتأسيس بالنسبة لإسرائيل، الدمار لفلسطين وإعادة الإعمار لإسرائيل. والمفارقة بادية للعيان في الوعاء الزمني والمكاني ذاته (القدس) ضد أية إرادة إقليمية. هؤلاء يصرخون وأولئك يحتفلون، هؤلاء يولولون وأولئك يرقصون، هؤلاء ينزفون وأولئك يعزفون، هؤلاء يقتلون فيستشهدون وأولئك يصطادون الجماجم والعيون، هؤلاء يركضون حتفاً نحو المصير وأولئك يمرحون ويتسامرون، هؤلاء يتعرون من أي غطاء دولي وأولئك يرتدون دروعاً وسراويل أمريكية وأوروبية.

القاتل والمقتول يتصارعان فوق المساحة نفسها التي تحمل آثار الأنبياء الإبراهيميين: موسى وعيسى ومحمد. والصراع بينهم ينتمي إلى شجرة عائلية واحدة، إنَّه الموت في بيته المقدس، أقدام اليهود تحت أقدام المسيحيين تحت آثار المسلمين. جميعها ضمن حفريات مضغوطة كأنها حولت الأرض إلى قرص إلكتروني مدمج، شفاف جداً لكنه مشحون بعالم وصور سياسية متتابعة.

أيُهما يقع في فخ النكبة وأيهما يؤسس لمملكة الرب؟ لم يعد ليدرك المتابع إلاَّ بجهد جهيد، ماذا يجري في أرض الرب وماذا يحدث لنسل العائلة الابراهيمية المقدسة حتى الآن؟! اليوم والتاريخ والحقائق والأفكار تختلط وتنفجر على هيئة سقوط القتلى الفلسطينيين بخطوط التماس. وحين ترتفع الأصوات بالجهاد، يعلو صوت الملك الأمريكي ترامب القابع بسقف العالم مؤكداً أن نقل السفارة الأمريكية تأخر سبعين عاماً وليس منذ أيام كما ردد آنذاك!! وكل ذلك أدى للتطبيع وكأن التاريخ قد انقلب رأساً على عقب. القتل والاحتلال الاسرائيلي يؤدي إلى هرولة المطبعين بدلاً من أن يؤدي التطبيع إلى إرجاع الحقوق إلى أصحابها.

كان الحدث يضرب في الخيال الكوني من واقع تهويم القوة الأمريكية الطائشة. لم يعبأ ترامب الرئيس الجاهل تاريخياً بحفريات الأرض ومجال المشاعر والعواطف. وأمعن في سخريته من العالم كله، أخذ يُوقِّع على قرار السفارة كأنه يحمل أوراقاً في حلبة لمصارعة الثيران، وبدت ملامحة أفيونية تعصف بأي عقل يفكر.. ما العلاقة بين رئيس أمريكا وتأسيس دولة تنتهك حقوق كوكب الأرض؟! أية إنسانية - مهما تكن نائية داخل قارة أخرى- تقتل الأطفال وتستمرئ إذلال الشعوب وتخريب ممتلكاتها؟! ولماذا ظهر ترامب كمحارب قديم يرتدي خوذته الحربية ويضرب برماحه العابرة للقارات؟! وما المغزى من ظهوره في توقيع اتفاقيات التطبيع مثلما يظهر في اتفاقيات الحرب والاعتراف الاحادي باحتلال؟!

نرجسية إسرائيل تطابقت مع نرجسية أمريكا وأثبتتا أنَّ الحدث سرقة في وضح النهار، احتفال بالسرقة بدلاً من تغليفها بقرارات لهيئات دولية كما هي العادة. الملابسات وراء الاحتفال ليست عادية ولا تتم بأريحية كما يبدو في التفاصيل. لو كانت القدس عاصمة إسرائيل، فلماذا انتظرت الصهيونية كل هذه السنوات حتى تحتفي بتلك الدرامية السياسية؟ لماذا تصطدم العاصمة المقدسة بالقوانين الدولية ومواثيق الأمم المتحدة؟

لأول وهلةٍ نجحت إسرائيل في تأكيد نكبتها الخاصة، لأنَّها دولة تغتصب حقاً ليس هو كيانها المشتت الآتي من دول العالم جرياً وراء أرض متخيلة في التوراة وحكايات بني إسرائيل وقصصهم التاريخية. صحيح كانت هناك كتل يهودية في تلك البقعة الأرضية من وسط العالم القديم (أرض كنعان)، لكنها لم تشكل دولة تغتصب حقوقاً وتخطف الأحلام المشروعة للفلسطينيين. من الذي قال إنه لابد أن تكون هناك دولة صهيونية تؤكد الثأر من جيرانها ومن أصحاب الأرض؟ كيف يتجسد الثأر في دولة لها سيادة ثأرية وبأي منطق يبرمج خلال دستور وآليات وجيش وثقافة وتربية لاهوتية على غرار فن الحروب؟!

اليوم كانت هناك نكبة فعلية لدولة قائمة على العنف الدموي. وأنَّ أرض الميعاد حولتها إلى مقبرة جماعية لرفاتها التي تحللت منذ أطلاق الوعود وراء الوعود. فلم تكن الأرض المقدسة (مدينة السلام – القدس) إلاَّ أرضاً للموتى. إنَّ إسرائيل تعيش بين الأموات فعلاً أو افتراضاً. لقد تأسست على الموت ونذرت نفسها بعنايةٍ له. وتمارس ذلك بدأب كما لو لم تفعل أية لعنة حقيقية بأيِّ أُناس من قبل.

عندما قتلت اسرائيل - وما زالت تقتل- أطفالاً يلامسون أسوار قهرها وإذلالها، فقد مارست نكستها هي لا نكسة الفلسطينيين. كم تباهت إسرائيل حتى كدنا نصدق بأنَّها الدولة الديمقراطية المتفردة وسط برك ومستنقعات الديكتاتورية والاستبداد العربي، لكنها برهنت أنها جزء أصيل من البرك الشرقية الآسنة. الوعود المسروقة لم تأت من المستقبل بل تلوثت بالخراب الذي يضمره صراع الهويات والقتل إزاء المقدس أرضاً وسماءً.

الأدهى أنَّ إسرائيل تقلد أمريكا في كل شيء، أو بالأحرى هي النسخة الشرقية منها. لنلاحظ تأسيس الاثنتين (إسرائيل وأمريكا) على مفاهيم النكبة وآثارها وسلطتها الممتدة بهذا الزخم. وليس استمرار النكبات المرتبطة بذيلهما سوى بهذا الأثر. نكبة العراق، نكبة سوريا، نكبة أفغانستان، نكبة اليمن، نكبة فيتنام، أقدام أمريكا لا تخطئها العين. إن الكراهية هي المحصلة في نهاية الأمر. وتخطى الدولتان إذا كانتا تعتقدان أن الأفيون سيصل إلى شعوب يحدق بها القتل على الحدود، لأن ذلك رهان على نتائج الكراهية مستقبلاً. لن تجني إسرائيل مع الزمن سوى ما تغرس الآن، بقدر هذه النرجسية المدمرة للآخرين بقدر ما ستكون العواقب وبيلة لا محالة.

نبوءة الواقع أخطر من نبوءة الوعود، وإسرائيل تزرع يومياً نبوءات الواقع عن طريق تدميره. لقد تصر على إشعال براكين الغضب الشعبي وإحياء الصراع بين الديانات الإبراهيمية في غياب إبراهيم. والقتل لديه قدرة عجيبة في إعادة الحياة إلى زمن قابيل وهابيل منذ بداية الخليقة. حقيقي ظهر الاحتفال بالقدس بصيغة متأخرة من السعادة، لكنه سيكون بداية لثأر عبثي لا يتوقف. وها هي دول العرب تنبطح أما العبث لتمكن القتل من فريسته وتمنحه كل الوجود المجاني ليس نهباً لفلسطين التاريخية، بل لخريطة المنطقة العربية.

وبدأت أنظمة الدول العربية في نفث دخان الأفيون السياسي بأن التطبيع سيقضي على الإرهاب في المنطقة وأنه سيقلص فرص الفوضى وسيتم إعادة الأعمار لمجتمعات الربيع العربي وتوفير فرص العمل. والمشهد بدا بروائح الأفيون كالملهاة حيث يتراقص عرب التطبيع (قابيل) ويحتسون نخب السلام فوق جثة أخيه هابيل (كل فلسطيني معاصر)، عرب التطبيع هم عرب التطبيل الذين مازالوا يقتلون قابيل ملايين المرات في فلسطين ويوافقون على ترك جثته في عراء العالم.

الفلسطينيون يُقتلون يومياً ويعيشون خراب الحياة بالمعنى الحرفي للكلمة بينما أشقاؤهم يقدمون قرباناً (هو أنفسهم وعروبتهم) للإله في البيت الأبيض من وراء البحار والمحيطات... ولكن نسي العرب تحت نشوة الأحداث السياسية سؤال الرب كما ورد في التوراة بسفر التكوين: فقال الرب.. قابيل.. أين هابيل أخوك؟ فقال لا أعلم؛ أحارس أنا لأخي. فقال: ماذا فعلت؟ صوت دم أخيك صارخ من الأرض. فالآن، ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك. متى عملْت الأرض لا تعود تعطيك قوتها.. تائهاً وهارباً تكون في الأرض.

 

سامي عبد العال

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5125 المصادف: 2020-09-16 01:31:55