ميثم الجنابيإن المراحل العاصفة في تاريخ الأمم والدول لا تخلو من مختلف المفاجئات. والسبب يكمن في أن مراحل الانتقال العاصفة عادة ما تتصف بانعدام الثبات والتقلب والتغير الذي يصعب رده إلى عامل أو سبب واحد بفعل تحطم أو تهشم منظومة الانضباط الذاتي للدولة والمجتمع والثقافة والقيم. من هنا إمكانية ظهور مختلف الأفعال وردود الأفعال، إضافة إلى انتشار مختلف المظاهر اللاعقلانية من الجريمة العشوائية إلى المنظمة، ومختلف مظاهر الفساد الفردي والجماعي. بحيث يصعب أحيانا عزل الفساد الفردي عن الجماعي، وذلك لتغلغله في كل مسام الوجود الاجتماعي من العلاقات العائلية إلى علاقات "النخب السياسية". من هنا عدم غرابة تحول المكر إلى فن من فنون "السياسة".

وعندما تتحول الحيلة والامتهان الشامل بما في ذلك للأعراف الراسخة إلى جزء من "صعود" الشخصية إلى "ذروة" السلطة، عندها تصبح الأفعال جزء محسوبا من نفسية وذهنية العدّ والنقد! غير أن هذا الحساب الرقيع لا يمكنه القيام بشيء غير ترقيع النفسية والذهنية المثقوبة. ومن ثم لا يمكنه الصمود لفترة طويلة أمام الحالة العاصفة للتحولات والتقلبات الملازمة لمراحل الانتقال. بعبارة أخرى، إن القوة الوحيدة القادرة على الثبات في تلك المراحل، هي تلك التي تتسم بالثبات المقترن بالفكرة العامة، أي بفكرة الدولة والمصالح الوطنية العامة. وهي الحالة التي تكشفت بصورة جلية ونموذجية في حالة العراق الحالية. إذ نقف أمام اقتران غريب، لكنه مفهوم، مثل مهاجمة أزلام السلطة للسلطة التي يعملون فيها، أو اتهام احدهم للسلطة بالطائفية وهو "نائب رئيس الجمهورية"! أو أنه يعمل احدهم أو بفرقته السياسية "البرلمانية" ليس فقط على تخريب "العملية السياسية" بل وتنظيم الاغتيال فيها وعبرها. وهذا كما يقال غيض من فيض. وهي حالة قد يصعب ربطها بطرف دون آخر، لكنها تعكس في الإطار العام حالة الخلل الفعلي في النخبة السياسية وطبيعة صيرورة السلطة والدولة ما بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية والتوتاليتارية البعثية.

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار طبيعة ومستوى الخراب الشامل للعراق بأثر عقود من سيطرة واستهتار الدكتاتورية الطائفية الفئوية الجهوية القبلية العائلية، أي اشد الأشكال تخلفا وانحطاطا لظاهرة العصابة المنظمة، من هنا يمكن توقع استمرار خرابها في بقاء وفاعلية إفرازاتها في القوى التي كانت للأمد القريب تمتص لبن وجودها منها!

ولم تعد هذه الظاهرة فردية بسبب سعة انتشارها بل غلبتها في الواقع السياسي الحالي في العراق، أي ظاهرة التفسخ البطيء لقوى الماضي في ديناميكية التحول العاصف صوب الانتقال من الدكتاتورية والواحدية العقائدية الفجة إلى فضاء النظام الاجتماعي السياسي المحكوم بفكرة الدولة والقانون. وليس مصادفة أن يتحول "القانون" إلى وسيلة لعبها الشخصي ومكرها السياسي. مع أن القضية واضحة وجلية. وذلك لأن ظروف الانفتاح والصراع العلني العنيف في ظروف العراق الحالية تجعل من الصعب بقاء وديمومة المؤامرات الصغيرة مخفية. ومن هنا أيضا تحول المؤامرات إلى مغامرات جلية. من هنا تحول "القانون" للمرة الأولى إلى جزء من تخريب القانون! لكنها مفاجأة ليست غريبة وذلك لأنها تستكمل حلقات هذه الذهنية والنفسية، أي تخريب السلطة من خلالها، والدولة من خلالها، والحق من خلاله، والقانون من خلال القانون!

ومن الممكن النظر إلى هذه الظاهرة على أنها جزء من لعبة الارتزاق السياسي، التي تحددها آلية عدم الثبات في مرحلة الانتقال. من هنا انتشار ظاهرة المؤقتين في بنية الصيرورة الجديدة للدولة والمجتمع. وهي الظاهرة التي وجدت منافذها من خلال العدد الهائل للشقوق في بنية الوجود الاجتماعي والدولة والقيم والفكرة الوطنية، كما كان يمكن رؤيته بوضوح في توسع وتضخم الظواهر التقليدية والمتخلفة من الطائفية السياسية والعرقية والجهوية والفئوية وغيرها وتغلغلها في بنية السلطة "الجديدة". وهي حالة كان وما يزال يصعب التحرر منها بسبب تخلف الوعي الوطني والدولتي عند الكثير من "النخبة السياسية".

إن صعود هذه الظواهر الخربة وقدرتها على الفعل والتأثير الخرب يكمن أساسا في مرحلة الانتقال وعدم نمو وتكامل الدولة بمعايير الحق، والمجتمع بمعايير المدنية، والثقافة السياسية بمعايير العلم النظري والعملي. الأمر الذي يفسر سبب صعود وهيمنة فكرة المحاصصة والوفاق التي جاءت بأغلب "شخصيات" السلطة على امتداد مرحلة ما بعد الاحتلال الأميركي ولحد الآن. إذ ليست المحاصصة والوفاق وما شابه ذلك سوى الوجه المحسن والمنمق والملون لقبح الطائفية والجهوية والفئوية والعرقية – أي لكل أشكال البنية التقليدية. من هنا الانهماك فيها مع كل خطوة تخطوها القوى السياسية والدولة صوب التكامل بمعايير الوطنية والاجتماعية. وإلا فماذا يعني الدفاع عن الأقلية في ظرف يحتاج العراق فيه إلى بناء منظومة عامة تحفظ الجميع؟ غير نفسية الأقلية؟ وهو سؤال يحتوي على إجابة في حال تأمل الخطاب السياسي السائد "للأقليات" بهذا الصدد. إذ نعثر فيه على إحدى الصيغ الفاقعة لنفسية وذهنية الأقلية الطائفية والعرقية! بمعنى انه يمثل التيار الذي يغلّب الفكرة الضيقة على الفكرة العامة (الوطنية). من هنا تحول نفسية وذهنية المؤامرة الصغيرة إلى فعل المغامرة السياسية، التي أدت ويمكنها أن تؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج معاكسة لما كان يجري التخطيط له. وذلك لأن هذا النمط من المكر السياسي لم يعد بإمكانه العمل والفعل بالطريقة التي كانت ممكنة في مجرى السنوات الست التي تلت سقوط الدكتاتورية الصدامية.

إن طبيعة ومستوى ومسار الفرز الاجتماعي والسياسي والفكري قد اخذ يسير باتجاه، رغم تعرجه، صوب بلورة فكرة الدولة ومركزيتها وضرورة سيادة القانون وتذليل تركة الماضي. من هنا لم يعد بإمكان مناهضة وانتهاك القانون باسم القانون سوى مغامرة غير مجدية. وذلك لأنها لم تعد تمتلك تلك الأرضية التي جعلت في وقتها من الممكن أن تصبح المحاصصة والتوافقية "نموذجا ديمقراطيا". فقد كشفت عما فيها من خلل جوهري يتعارض مع المسار الضروري للدولة الحديثة. من هنا لم يكن التمسك بفكرة الأقلية سوى التعبير عن بقايا وتأثير وفاعلية نفسية وذهنية الأقلية. وهي بلا آفاق. والقضية ليست فقط في أن الأقلية كيان ما قبل تاريخي، بل ولأنه كائن غير قابل للتطور. فالأقلية حاملة الأزمة والانغلاق والقيم السقيمة. وهي التجسيد الفعلي للضيق والعجز عن الاندماج بمعايير المواطنة والحرية. من هنا لم يعن الدفاع عن الأقلية سوى الدفاع المبطن عن فكرة المحاصصة والتوافقية. وذلك لأن الإصرار على قيمتها لا يعني سوى الإصرار على بقايا وسيادة الجزء على الكلّ. كما أنها تشكل احد مظاهر النزعة التقليدية والانحطاط المادي والمعنوي حالما يجري رفعها إلى "فكرة سياسية" و"قانونية". وذلك لما في هذه الممارسة من خداع ظاهر ومستتر. وذلك لأن الأقلية بالمعنى "القانوني" المغامر يجعل منها لعبة المكر السياسي. كما أنها تحتوي من حيث مقدماتها ونتائجها ووسائلها على نكوص عن مبادئ المواطنة، والحقوق، والوطنية، والعقلانية، والديمقراطية. ومن ثم تتعارض مع فكرة المستقبل. بينما حقيقة العراق هو مستقبل فقط من اجل الخروج من أزمته التاريخية الطويلة والعليلة. وإذا كان بالإمكان الحديث عن أقلية جيدة فهي الأقلية الثقافية، أي المندمجة بمعايير المواطنة والعقلانية والديمقراطية والحقوق. وما عداها هي مجرد لعبة المكر السياسي وهواجسه المغلقة، وذلك لأنها محكومة بهموم خربة لا علاقة لها بالدولة الشرعية والمجتمع المدني وفكرة الحق والحقوق.

***

ميثم الجنابي

 

كاظم الموسوييمر المشهد السياسي في  العراق منذ اندلاع الحراك الشعبي مطلع تشرين الاول/ اكتوبر 2019  بمرحلة صعبة أشبه ما تكون أمام مفترق طرق متشعب ومتعدد المخارج والمنعرجات، مما يجعله مربكا في التحليل السياسي العميق أو عند المراقب السياسي له. حيث تتداخل عوامل كثيرة وأسباب متراكمة في تركيبه وتعقيده. في الوقت الذي اتفق الأغلب من الذين اشتركوا في الحراك أو في السلطات والأحزاب المتنفذة في أمر رئيس هو مشروعية المطالب التي رفعها المشتركون في الحراك وحقهم في الغضب، وفشل العملية السياسية، سواء في العاصمة بغداد أو المدن الوسطى والجنوبية. التي يشكل سكانها حاضنة السلطة وقوتها الانتخابية، بحكم قيامها على أسس المحاصصة والطائفية والاثنية والتوافقية السياسية. ولعل الانقسام الواضح في المشهد هو الجاري بين قوى الحراك وتطوراته من جهة وقوى السلطات وأحزابها ورموزها المتنفذة، من جهة أخرى. وهو ما يميز ما وراء المشهد ويضع متطلبات الخروج من الأزمة أو عنق الزجاجة كما يقال إعلاميا ليس يسيرا أو قريبا في كل الأحوال. وهذه الصورة لونت المشهد السياسي وجعلت كل طرف منه حاملا بنفسه ما يتعارض مع مقابله في التنفيذ والتشريع. وهو الأمر الذي اختلفت عليه، وأصبح فاصلا بينهما.

حسب التحولات والمنعطفات التي مر بها المشهد السياسي والحراك الشعبي فرضت عمليا استقالة الحكومة رسميا فقط، رغم أن تشكيل الحكومة جاء ضمن صفقة تكليف الرؤساء الثلاثة، والتي ينبغي ان يشترك الجميع في تحمل ما سبب المشهد ودفع الحراك، مع الاستجابة المتموجة أو ما يتم عمليا في تدرج خطب المرجعية الدينية في النجف الاشرف، والتي تمرحلت أسبوعيا واعطت بشكل أو آخر فترة مراوحة أو اختبار لوعي الطبقة السياسية المتنفذة والتي قادت بإدارتها واعترافها بالفشل الى مآلات الواقع الحالي.

التصديق على قانون جديد للانتخابات ومفوضية مستقلة جديدة عن الأحزاب والمحاصصة خطوة على الطريق الا انها غير كافية لحد الان، إذ ما تزال سياسات الإدارة القائمة وواقع الحال مستمرة كما هي، ولم تتغير كما سعى لها الحراكيون في المشهد السياسي، أو ما يتوجب تحققه فعليا. وما زالت المطالب الحقيقية للحراك تنتظر تجسيدها عمليا، بدءا من الحقوق الأساسية الى محاربة المحاصصة والفساد والتدخلات الخارجية بكل أشكالها وصورها ومحاكمة كل من ارتكب جرائم القتل والاختطاف والقنص والعنف الدموي، ومن اي طرف أو جهة، فرديا أو منظما وإعلانه بشفافية كاملة واسترجاع الأموال المنهوية، وكشف حساب كامل لكل القضايا الأخرى.

خطوة قانون الانتخابات والمفوضية المستقلة فتحت المجال أمام تغير في تسلم مسؤولية السلطات وبناء الانعطاف التاريخي الجديد بعد تلك الفترة التي امتدت من الغزو والاحتلال الى اليوم. وبات خيار الانتخابات المبكرة الاقرب من  أي وقت مضى، خاصة بعد تأييد المرجعية الدينية في النجف لها وتأكيدها عليها، ما اعتبر في المحصلة اتفاقا اخر على أبرز مطالب المتظاهرين، كما تؤيده أيضا قوى سياسية أخرى تحاول فرز نفسها عن أدوارها في العملية السياسية وتجاوبها مع مطالب الحراك  أو الاندفاع معها.

رغم وجود تساؤلات حول قانون الانتخابات، والمفوضية المستقلة التي ستكون مشرفة على العملية الانتخابية، فإنه في حال أجريت هذه الانتخابات فإنها تعد ثاني عملية انتخابية تجرى في ظروف استثنائية بعد الانتخابات التي جرت في 30  كانون الثاني / يناير 2005 لانتخاب جمعية وطنية (برلمان انتقالي)، وتمت تلك الانتخابات قبل إقرار الدستور الذي صوت عليه العراقيون في تشرين الأول/ اكتوبر من العام ذاته وجرت وفقاً لمواده أربعة انتخابات دورية في أعوام (نهاية 2005، و2010، و2014، و2018).

في ظل مواصلة البحث عن تكليف رئيس وزراء جديد، وفق مواصفات الحراك، والفترة الدستورية وتجاوزها، والكتلة البرلمانية الكبرى، يبدو أن المعركة السياسية تحتدم بين كتلتي "سائرون" بزعامة مقتدى الصدر، و"البناء" بزعامة هادي العامري ونوري المالكي، فكل واحدة تصر على أنها الكتلة الكبرى وصاحبة الحق في ترشيح رئيس مجلس الوزراء، حسب مواد الدستور. ولم تقدم المحكمة الاتحادية تفسيرا حاسما او باتا لمفهوم الكتلة ألكبرى المختلف عليه، والذي استخدمه رئيس الجمهورية مبررا للمماطلة والتجاوز الدستوري. وهذا الأمر يزيد في ضبابية المشهد السياسي ولا يعبر عن جدية في إدارة البلاد، وتحمل المسؤولية، من الأطراف السياسية المعنية بالعبور من مفترق الطرق وارباكه.

ما عبرت عنه المحكمة الاتحادية في إن تعبير الكتلة النيابية الأكثر عددا الواردة في الدستور تعني إما الكتلة التي حصدت أكبر عدد من المقاعد خلال الانتخابات، أو الكتلة التي تكونت بعد الانتخابات من قائمتين أو أكثر وأصبحت مقاعدها بعد دخولها البرلمان في الجلسة الأولى الأكثر عددا من بقية الكتل، لم يكن جوابا كاملا مقنعا، وحتى في أشارتها إلى أن رئيس الجمهورية يتولى، اعتمادا على ذلك، تكليف مرشحها بتشكيل مجلس الوزراء طبقا لأحكام الدستور وخلال المدة المحددة. وهذه أمور لم ينته النقاش والاتفاق عليها، لا في دوائر القضاء أو اركان السياسة.

انتهت المدة المحددة ولم يستطع رئيس الجمهورية من تكليف مرشح، بكامل الاوصاف،  وعرضت اسماء عديدة رفضت مبكرا من الحراك الشعبي أو من جهات سياسية اخرى. وبقي المشهد السياسي منذرا بما لا يرغب به أي مواطن، دع عنك السياسي المشترك في المازق العام. وتسرب مصادر أو جهات أو وسائل إعلام، حسب توجهاتها، أخبارا عن تفاهمات وصفقات بين بعض الكتل أو القوى السياسية، لوحدها أو من طرفها دون أي تنسيق أو توافق مع الطرف الآخر في المشهد السياسي، والذي لم ينتخب أو يعين ممثلين له، بل يضع مواصفاته أو شروطه النابعة من صموده وتضحياته الجسام.

حتى تكليف رئيس مجلس وزراء واختيار الوزراء، وممارسة السلطة وإجراء انتخابات جديدة وفق القانون الجديد، يزداد الارتباك في المشهد السياسي، والأخطر فيه مشاركة قوى وجهات لم تستوعب بعد ما يحصل على الارض، كما تتفنن وسائل إعلام وجهات سياسية في نشر وإعلان ما تريده أو تعمل عليه، مما لا يخدم العباد ولا البلاد، ولا يهتم بالمصالح الوطنية والقومية ولا مستقبل العراق والمنطقة، لا سيما من ممن يرفعون شعارات إنسانية أو قانونا دوليا، كالامم المتحدة وسفراء مجلس أمنها واضرابهم. وهو امر خطير أن يظل العراق على مفترق طرق لفترة طويلة ويغيب عنه الضوء الهادي والسبيل التقدمي الذي عمدته دماء مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمصابين.

 

كاظم الموسوي

 

جوتيار تمراتسمت هذه الفترة من تاريخ منطقة الشرق الاوسط بصورة عامة والعراق بصورة خاصة بالمزيد من التوترات التي احدثتها التدخلات الواضحة والصريحة للقوى الاقليمية والدولية بشؤون دول المنطقة بشكل عام ودون حصر بالاخص تلك الدول التي لم تزل تعيش حالة من الفوضى السياسية وفراغ سياسي سيادي لاتحسد عليه، ومع تزايد الصراع بين تلك القوى الخارجية على دول المنطقة، اوجبت العملية العسكرية التي قامت بها الولايات الامريكية المتحدة تجاه بعض قادة الشيعة التابعين للحرس الثوري الايراني والحشد العراقي الشيعي الموالي تماماً لايران، اوضاعاً خاصة، حيث بلغ التوتر اقصاه، وتلى ذلك تصريحات وتهديدات ايرانية والاحزاب والمليشيات التابعة لها سوى داخل ايران او وخارجها لاسيما في كل من العراق وسوريا ولبنان وحتى اذناب ايران في فلسطين "حماس"، فضلاً عن الموقف الدولي الذي وجدناه غير متوافق وغير واضح فيما يخص شرعية العملية لانها بلاشك ارضت الكثير من الدول باعتبار انها قضت على احد رموز الارهاب في المنطقة ككل، كما انها قصت اجنحة الحشد الشيعي العراقي وجعلت قادته الباقين يعيشون حالة من الفزع والذعر، ولم يكن خافياً على احد بأن تلك العملية كانت ردة فعل امريكية طبيعية تجاه ما كان قد قام به بعض قادة الحشد الشيعي والموالين لهم بالتوجه الى السفارة الامريكية في بغداد واقتحامها ، فكان ان جاء الرد الامريكي بشكل اكثر فعالية واعمق واكثر تأثيراً ليس فقط على العراق انما على ايران واتباعهم في المنطقة كلها.

نتج عن هذه التوترات عدة امور منها ماجرى داخل البرلمان العراقي الباحث عن السيادة الوطنية حيث خضع ممثلي الاحزاب الشيعية " غالبيتهم "للمنطق المذهبي الشيعي الموالي لطهران فبدل ان يبحثوا عن حلِ لمشاكل الشعب الخارج منذ اشهر للشارع في مظاهرات عارمة، وجدناهم يرددون " نعم نعم سليماني " في اشارة الى الجنرال قاسم سيلماني الايراني الذي استهدفته الطائرات الامريكية في تلك الضربة القاصمة للظهر فاردته مع ابو مهدي المهندس العراقي احد قادة الحشد الشيعي العراقي واخرين كانوا معهما، فضلاً عن قيام ايران باظهار عنترياتها من خلال اطلاق عدة صواريخ على ما سمته قواعد امريكية لاسيما في حدود اقليم كوردستان حيث اصابت تلك الصواريخ بعض الاماكن القريبة من مطار  " هه ولير " الدولي ، ومناطق اخرى بالقرب من ناحية برده ره ش الكوردية ، دون ان تسفر عن اية اصابات، كما انها اسقطت متعمدة احدى الطائرات الاوكرانية المدنية التي قضى فيها 176 شخص، وفي خضم هذه الاجواء المتوترة، والصراع المحتدم،  وجدنا الاحزاب الشيعية العراقية الموالية لايران يطالبون بعقد جلسة للبرلمان بهدف التصويت على اخراج القوات الامريكية من العراق، واجبار الحكومة العراقية على رفع مطلبهم بشكل رسمي للجهات المعنية على المستويين الدولي والامريكي، وتلى ذلك تصريحات وتهديدات  تتوعد القوات الاجنبية على ارض العراق، مع عدم نسيان بان ذلك العمل اللاسياسي – باعتباره حدث تحت ضغط ايراني صريح – احدث شرخاً في البنية السياسية والاجتماعية في العراق الفيدرالي، فكل من نواب الكورد والسنة لم يشاركوا في جلسة التصويت، مما يعني بوضوح ان الحاضرين كانوا ممن تم توجيههم من قبل ايران.

جرت كل هذه الاحداث بشكل سريع واخضعت المنطقة لقلق متزايد وخوف من ان تندلع الحرب بين امريكا وايران على ارض العراق، ولكن بلاشك ان الامر لم يكن الا مسرحية اخرى تهدف القوى الاقليمية والدولية من خلالها الى ترسيخ مصالحها بشكل اكثر على حساب شعوب المنطقة، وليس بغريب ان تخرج الشعوب للشارع ويبقى الساسة خلف المنصات المحمية ينددون ويحرضون  ويشيعون الفتنة بين اطياف الشعوب انفسها، كما انه ليس بغريب ان تخرج اذناب ايران في المنطقة لتعلن عن نفسها بشكل رسمي وتهدد الجهات التي تساند تواجد القوات الامريكية في العراق وفي المنطقة بشكل عام، منادين بحماية سيادة الوطن، والعمل على اخراج المحتلين للحفاظ على سيادة الدولة، والمناداة بالسيادة الوطنية المطلقة والى غير ذلك من الشعارات التي التحفت بها تلك الاحزاب الموالية لايران داخل العراق لتحريك الشارع العراقي، الذي وجدناه في ساحة التحرير اكثر ثبات وايمان بان هذه الشعارات لايراد منها سوى تفريغ الساحة لايران لكي تتحكم اكثر بكل موارد العراق، اي انها كانت بنظرهم كلمة حق يراد بها باطل، فمن يريد سيادة الدولة لايردد في جلسة رسمية للبرلمان نعم  لاحد قادة الحرس الثوري الايراني.

ولقد جعلتنا تلك الشعارات التي اطلقت تحت مسمى السيادة الوطنية، سيادة الدولة، السيادة المطلقة، الى النظر للموضوع بشكل اخر، ولعلنا من خلال الاسطر القادمة نعطي ملخصاً عن مفهوم السيادة، باعبتارها كما يراها " محسن افكيرين " تعتبر فكرة السيادة والاعتراف بها للدول من المبادئ المتفق عليها في ميثاق الامم المتحدة والاتفاقيات الدولية التي تصب في ذات الصدد، كم يرتبط مبدأ السيادة في قانون الامم المتحدة (القانون الدولي العام) مع انبثاق الدولة القومية الحديثة بعد معاهدة وستفاليا 1948 التي اقرت مبدأ السيادة (سيادة الدولة) باعتبار انها سلطة الدولة العليا والمطلقة على اقليمها – اي حدودها -، اي حق الدولة في ممارسة وظائفها وصلاحياتها واختصاصاتها داخل اقليمها القومي دون تدخل من اية دولة اخرى (القانون الدولي العام)، وفي سياق الحديث عن الدولة يقول: "محمد بلعيشة" اصبحت الدولة، وبحكم الصلاحيات الممنوحة لها، تتمتع بالسيادة التي تحدد علاقاتها بالدولة الأخرى؛ في فصل كل ماهو خارجي عن كل ما هو داخلي، واعتبرت القوانين والتشريعات التي سنتها الدول أثناء منشئها – سواء كان المنشأ ثورة أو انقلابًا أو انتقالًا- أن التدخل في شأنها الداخلي يعتبر أمرًا مرفوضًا يستدعي التصعيد والرد، وأصبح أمر التدخل في شؤون الدول، وإن خرقت المواثيق أو القوانين أمرًا صعب الحدوث، ان لم يكن مستحيلًا. (الدولة في الشرق الاوسط من القومية الى الهوية).

فالدولة بلاشك  كيان، وبناء استراتيجي، تضمن للمواطنين الأمن و الانتماء، وعبر العصور تطورت وفق متطلبات الفرد وفكره، لكن في الشرق الأوسط عصف بمفهوم الدولة وسيادتها، وساد منطق المرجعيات الدينية والعرقية، بدلًا من الدولة «الويستفالية»؛  لتشهد تصعيدًا يمكن توصيفه بالـ«حرب الباردة الشرق أوسطية»! توجهت من خلال هذه المنطلقات الجماعات العرقية والإثنية لتحمل مسؤولية بعض وظائف الدولة في تحقيق الأمن والمطالبة بالانفصال؛ وبالتالي الإنقاص من شرعية وسيادة الدولة في المنطقة ، وكما يقول "طلال العيسى": ان النظر الى مسألة سيادة الدولة وفق المذهب التقليدي يعطي الدولة حق الابتكار المطلق على اقليمها وشعبها دونما رقيب ولاحسيب على هذه السيادة ولكن الاخذ بالمذهب الحديث المعاصر الذي ينظر الى فكرة السيادة بواقع ما يشهده العالم من متغيرات بدأ يفرض نفسه حيث لم تعد هذه السيادة مطلقة بل على الاغلب لاتزال كذلك فقط على الاوراق او في نصوص المعاهدات والاتفاقيات الدولية بمعنى ان هذه النصوص مع مرور الزمن ماتت واصبحت مجرد حبراً على ورق، حيث نجد في ميثاق الامم المتحدة ابرز مظاهر التدخل في شؤون الدول والتي تحد من السلطات والصلاحيات السيادية للدول الذي جعل صلاحيات واختصاصات هذه المنظمة تشمل بالاضافة للنواحي السيادية والامنية والمجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها التي كانت تعتبر تقليديا من صميم الاختصاص الداخلي للدول ، ولقد استخدم حروشيوس مفهوم السيادة في كتابه قانون الشعوب ليدلل ان كل دولة تملك قرارها بنفسها وبذلك تصبح الدول متساوية السيادة وبذلك اكد على ان الدولة لها الحق في شن حروبها بدون مبرر او التنازل عن جزء من اقليمها او ضم اقليم من دولة اخرى وكل ذلك يعتبر هملاَ مشروعا في ظل مفهوم السيادة المطلقة، والواقع ان فكرة السيادة تقوم على انها مفهوم قانوني سياسي، بالمقصود بالسيادة : ان الدولة هي التنظيم السياسي الاجتماعي الذي يحق له وحده دون غيره ان يحتكر ادوات القوة التي يحتاجها، بما في ذلك ادوات القمع والاكراه لفرض سلطته على مجمل الاقليم الذي يشكل حدوده السياسية، وعلى الافراد الذي يقطنون هذا الاقليم. (السيادة بين مفهومها التقليدي والمعاصر).

على الرغم من وجود قوانين خاصة ومفاهيم سياسية خاصة تؤكد على وجود ما يسمى بسيادة الدولة، الا ان تلك المفاهيم وتلك القوانين ليست الا غطاء واضح للدول اصحاب المصالح  في المنطقة للتدخل بشكل واضح وتحت غطاء قانوني في شؤون الدول الاخرى، حيث ان هذه المفاهيم غير المتوافقة بين ما هو تقليدي ومعاصر، وبين ما هو مكتوب وما هو ماقعي ملموس، جعلت الشعوب تعيش حالة من الهذيان السياسي ولم تعد تعرف بشكل واضح ما هو سيادي مستقل وما هو سيادي مصلحوي وما هو سيادي تابعي، وبذلك دخلت شعوب المنطقة باكلمها في دوامة من موجبات المصطلحات التي لاتخدم سوى مصالح القوى الاقليمية والدولية دون اية اعتبارات لشعوب المنطقة، وهذا ما فرض وجهة نظر اخرى، حيث وجهت انتقادات كثيرة الى نظرية السيادة، حيث نجد بان هناك من يدعو الى استبدال مصطلح السيادة بمصطلح الاستقلال، فقد ذكر" هاشم بن عوض" ان السيادة مصطلح غير قانوني ولايشير الى اي معنى ثابت، ولكنه تعبير عاطفي بشكل كلي، كل شخص يعرف ان الدولة ذات سلطة، ولكن التأكيد على السيادة يؤدي الى المبالغة في سلطتها وتشجيعها على اساءة استخدامها. (السيادة بين مفهومها التقليدي وظاهرة التدويل).

وحين ننظر الى دول المنطقة من هذا المنظور الاستقلالي نجد عمق الهوة بين ما هو مدون ورقياً وبين الواقع العياني، فالعراق كأنموذج لايمكن ابداً ان نؤمن باستقلاليته لا ورقياً ولا سيادياً ولا واقعياً، لكونه ليس الا مستعمرة ايرانية من جهة، وساحة نزاعات بين القوى الاقليمية والدولية من جهة اخرى، ويفتقر الى اي نوع من انواع السيادة، فقراره السياسي ليس بيده، وتشريعاته لايتم تصديقها الا بمباركة اقليمية او دول ذات المصلحة، بل حتى انه يمكن ان نرى انموذجاً اخراً داخل ما يسمى بالسيادة الوطنية العراقية وهو ان العلاقات الخارجية التي تتبناها لاتقف على حاجات الشعب انما بما تفرضه عليه القوى الاقليمية كتركيا وايران، وهذا بالضبط ما حدث في موقف حكومة بغداد تجاه اقليم كوردستان أبان عملية استفتاء استقلال كوردستان 25-9-1917، حيث وافقت بغداد على دخول القوات التركية لعمق اراضي الاقليم التابع دستورياً لبغداد لضرب حزب العمال الكوردستاني المنتشر بشكل كبير في المناطق الحدودية، بالمقابل  ان تعلن تركيا معاداتها للاقليم والاستفتاء، في حين موقفها مع ايران واضح حيث ان الاخيرة وافقت على اغلاق المنافذ كلها بطلب من بغداد، بالطبع الامر ليس لان ايران خاضعة لبغداد ولكن لانها التي تعمل على وضع المسار الذي يجب ان تسير عليه بغداد، وبالتالي فان مفهوم السيادة المطلقة او الوطنية " الاستقلالية"  لم يكن موجوداً في اية مرحلة من مراحل تاريخ العراق المعاصر، لانها لم تكن  سوى اوامر خارجية تطبق داخل اروقة السياسة العراقية، وهذا ليس رأي شخصي انما هو واقع ملموس والناظر بعمق وبدون مذهبية او طائفية او عرقية قومية سيرى مدى خضوع العراق تحت تأثيرات هذه الجهات الاقليمية والدولية.

ولهذا نجد من حدد ماهية  "ميثاق مناحي العيساوي" الخرق السيادي الوطني وبحسب المفهوم السياسي من خلال ثلاث طرق: وهو إما اختراقها عن طريق الإغواء “من خلال توقيع الاتفاقيات السياسية والأمنية والاقتصادية والتحالفات العسكرية” وهذا مايحدث حالياً، أو اختراقها بالقوة العسكرية والأمنية “من خلال القوة الصلبة” كما حصل للعراق عام 2003، أو عن طريق اختراق مكونات الدولة الوطنية نفسها من الأسفل والتحكم بقواها الداخلية، وهي السياسة ذاتها التي تتبعها اليوم كثير من الدول الإقليمية ودول الجوار في العراق وسوريا، سواء من خلال دعمها للفصائل أو الحركات الداخلية المسلحة أو غيرها؛ من أجل أن تكون أداة سياسية وعسكرية متحركة وفقاً لأهدافها البراغماتية، وهذا الاختراق الأخير لمفهوم السيادة الوطنية يعد من أخطر أنواع الاحتلال الداخلي؛ لأنه يرتبط بروابط دينية أو مذهبية أو عرقية، مما يهدد الطيف الاجتماعي، ويضرب عملية الاستقرار السياسي في العمق. (مستقبل السيادة الوطنية في ظل سياسة التحالفات والحرب على الارهاب).

والملاحظ لهذه لمفاهيم المطروحة حول السيادة الوطنية او سيادة الدولة سيجد بأن غالبية دول الشرق الاوسط تعيش تناقضاً واضحاً بين ما هو مدون في دساتيرها، وما هو مدون دولياً واقليمياً حول مفهوم السيادة الوطنية، وبين ما تقوم هي به من اعمال سياسية تذهب في كل اتجاهاتها الى الخضوع لمنطلق المذهب الديني او النزعة القبلية القومية، فكلما اشتدت الاوضاع داخلياً حتى تبرز الاصوات الخارجية التي تحرض اجنداتها الداخلية للقيام باعمال تعسفية تجاه المكونات الاخرى سواء من خلال تهميشها او محاربتها لكونها تطالب بحقوقها الدستورية المشروعة، او حتى من خلال ضربها بالقوة العسكرية، وبالتالي ينتج عن ذلك فوضى عارمة تهدد كيان الدولة الفاقدة في الاصل لسيادتها، وتهدد السلام المحلي والاقليمي والدولي معاً، فضلاً عن ظهور مدى ترابط القوى المنتهكة لحقوق السيادة الوطنية وتحالفاتها وتوحيد مساعيها وخطابها السياسي المعادي للمكونات الاخرى الرافضة للخضوع والتذليل، والداعمة للاستقلالية والحرية ، ولعل خطاب حسن نصرالله الايراني قبل ان يكون اللبناني وهجومه على حكومة اقليم كوردستان وعلى احد قادة الكورد البارزيين "البارزاني" ليس الا دليل محكم على تخبط هذه القوى " الموالية لايران " الخارقة لسيادة الدول الاخرى، والساعية لزعزعة اوضاع المنطقة (لبنان – سوريا – العراق – اليمن)، كما انه دليل على فقدانهم لكل مقومات المقاومة الوطنية الحقيقية، وتمسكهم فقط بالخطابات والشعارات المحرضة التي لاتسمن ولاتغني عن جوع ، ونجد في رد حكومة اقليم كوردستان على نصرالله الايراني اللبناني ما يثبت الخرق السيادي الذي تمتهنه هذه القوى الموالية لايران " انك يا من لاتجرؤ على رفع رأسك خوفاً من اعدائك، مالذي يجعلك تتحرش بشعب لارابط يربطك به.."، موضحاً ان الرئيس بارزاني هو رمز صمود أمة وانت ايها الرعديد اصغر بكثير من أن تتطاول عليه..".

 

جوتيار تمر / كوردستان

 

 

عبد الحسين شعبانأعلنت المحكمة الجنائية الدولية أنها تنوي فتح تحقيق شامل يخص جرائم الحرب «الإسرائيلية» في الأراضي الفلسطينية المحتلة، جاء ذلك في بيان أصدره مكتب فاتو بنسودا مدعي عام المحكمة، الذي أثار ردود فعل «إسرائيلية» رسمية وغير رسمية غاضبة لدرجة الهستيريا؛ وذلك لأسباب عدة؛ منها:

الأول: إن هذا الإعلان يعني أن الفحص التمهيدي لجرائم الحرب قد يقود إلى مثل هذا الإقرار، الأمر الذي يتطلّب الانتقال إلى التحقيق بخصوص الجرائم المرتكبة.

الثاني: إن اتخاذ الادعاء العام مثل هذا القرار؛ يعني وجود أساس قوي تولّد لديه؛ من خلال معطيات بأن جرائم حرب فعلية قد ارتكبت؛ وهو ما يدعم الدعاوى الفلسطينية والعربية بشأن الجرائم المستمرة التي أصبحت حقيقة، وليست اتهاماً فحسب.

الثالث: فقدان «إسرائيل» أدوات المواجهة القضائية عدا لجوئها إلى أساليب ابتزاز سياسي؛ عبر حليفها الأمريكي، الذي سبق له أن أعلن أنه لن يسمح بإدانة «إسرائيل» أو حتى وضعها في موضع الاتهام، سواء عبر «المحكمة الجنائية الدولية» في لاهاي أم غيرها من المؤسسات الدولية.

وقد لجأت «إسرائيل» إلى إثارة زوبعة من التشكيك بأن المحكمة مُسيّسة، واعتبرت صدور بيان المدعي العام «يوماً أسود للحقيقة والعدالة»، وقد شارك على رأس الحملة بنيامين نتنياهو الذي كال الاتهامات للمحكمة وقضاتها، وطلب أحد أعضاء المجلس الوزاري المصغّر الوزير بتسلئيل سموتريتيش إمهال السلطة الفلسطينية 48 ساعة؛ لسحب دعواها فوراً وإلّا فعلى «إسرائيل» أن تهدم كل يوم قرية فلسطينية مقابل ذلك حتى ترضخ.

جدير بالذكر أن واشنطن و«تل أبيب» انضمّتا إلى المحكمة الجنائية الدولية (نظام روما الذي تأسس عام 1998) قبل إغلاق باب الانضمام عام 2000 بسويعات، وانسحبتا منها بعد دخولها حيّز التنفيذ عام 2002. وكانت واشنطن قد باشرت ضغوطها؛ حيث سحبت تأشيرة دخول المدعية العامة بنسودا إلى الولايات المتحدة.

واستمرت التحقيقات الأولية نحو 5 سنوات على إقامة الدعوى، ولا شك أن الوصول إلى قرار يقضي بالتحقيق في الجرائم التي ارتكبتها «إسرائيل» جاء بعد جهود دبلوماسية مضنية، يعود جزء منها إلى الدبلوماسية الفلسطينية المدعومة عربياً، والآخر لجهود مؤسسات حقوق الإنسان التي عملت بمهنية ومسؤولية ومعرفة بدعم عربي ودولي.

وبالطبع فجلب «إسرائيل» إلى قفص الاتهام ليس من السهولة بمكان؛ بل ثمة عقبات سياسية وقانونية وعملية تقف بوجهه؛ حيث تنشط الدبلوماسية «الإسرائيلية» المضادة بوسائلها الخشنة والناعمة، وبدعم كامل من واشنطن، في محاولة لإثارة موضوع الولاية الجغرافية؛ حيث يتم التشكيك بمقومات دولة فلسطين، وبالتالي هل من حقها تقديم مثل هذا الملف إلى المحكمة بالنظر إلى أنها «أراضي دولة تحت الاحتلال»؟ وهو ما دعا المدعية العامة لإحالة الملف إلى الدائرة التمهيدية للمحكمة من باب الاستدراك القانوني؛ لكي لا تُثار بوجهها إشكاليات قضائية.

ولكن مثل وجهة النظر هذه كان يفترض أن تكون محسومة لمجرد قبول الدعوى من دولة فلسطين، استناداً إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2012 الذي اعترف بالمركز القانوني لدولة فلسطين، حتى وإن كانت دولة غير عضو في الأمم المتحدة؛ لكنها تمتلك مقوّمات الدولة؛ وهي منضمّة إلى عشرات المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة.

ويشترط أن يكون رد الدائرة التمهيدية خلال أربعة أشهر (120 يوماً)، ويمكن تمديده إلى شهرين (60 يوماً)، ويكون المجموع 6 أشهر (180 يوماً)؛ لكن ماذا لو كان ردّ الدائرة التمهيدية سلبياً؟ ففي ذلك الوقت يفترض أن تطعن دولة فلسطين بالقرار؛ حيث لا توجد أي محدّدات زمنية أو سقف محدّد لاتخاذ القرار بالطعن، وقد يستمر الأمر لشهور أو حتى لأعوام وسيكون ذلك تسويفاً للحق العادل والمشروع وللاتهام المدعوم بالوثائق والحقائق لارتكاب «إسرائيل» جرائم حرب.

وفي حال الرد الإيجابي يفترض بالمدعي العام المباشرة فوراً بالتحقيق؛ بهدف مساءلة المرتكبين، وتحقيق العدالة وتعويض الضحايا وإنصافهم، ولا بدّ من إبقاء هذا الملف مفتوحاً؛ إذْ لا يمكن مقايضة العدالة بأي حلول أخرى؛ لكي لا يفلت الجناة من العقاب.

ولا شكّ أن وتيرة المطالبة بالتحقيق في جرائم الحرب «الإسرائيلية» قد ارتفعت في السنوات العشر ونيّف الأخيرة على الصعيد الدولي؛ ارتباطاً مع نهج «إسرائيل» العنصري وعدوانها المتكرر، وهو ما عكسه تقرير القاضي الجنوب إفريقي من أصل يهودي غولدستون، والصحفي السويدي بوستروم، حتى أن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر صرّح خلال زيارته لقطاع غزة بعد العدوان عليها عام 2009 وبعد حصارها الدامي منذ عام 2007، إن الفلسطينيين في القطاع يعاملون «معاملة الحيوانات»، في إشارة إلى الوضع اللّاإنساني الذي يعيشه السكان الأبرياء العزل خلافاً لاتفاقات جنيف لعام 1949 وملحقيها، وفي ذلك إدانة مباشرة ل«إسرائيل».

 

عبد الحسين شعبان

 

ابراهيم أبراش

منذ خروج المجتمعات البشرية من مرحلة الهمجية وشريعة الغاب إلى حالة المدنيَّة والمجتمعات المُهَيكلة في إطار كيان سياسي يسمى (الدولة) لم تمر حالة كحالة الكيان الصهيوني تتموقع خارج سياق الزمان والمكان، حيث تأسس هذا الكيان بدايةً نتيجة التقاء مصالح استعمارية غربية تتطلع للهيمنة واستعمار المنطقة العربية مع مزاعم دينية وأساطير تاريخية لحركة صهيونية تتحدث عن وجود علاقة تاريخية لليهود بفلسطين قبل ثلاثة آلاف سنة، وهو زعمٌ لم يثبت يوماً صحته، وهي الدولة الوحيدة في العالم – باستثناء نظام جنوب إفريقيا العنصري البائد - التي قامت على أرض شعب آخر وتنكرت لحقوقه القومية التاريخية والتي تمارس العنصرية والتمييز العنصري .

ولأن إسرائيل خارج سياق الزمان فإنها تعمل باستماتة لفرض روايتها التوراتية وتزييف التاريخ واختلاق سردية تفرضها على العالم بما يتوافق مع روايتها متجاهلة سرديات وروايات لعشرات الشعوب التي تسكن المنطقة أو تعاقبت عليها عبر الزمان .ولأنها خارج سياق المكان حيث زرعها الاستعمار البريطاني وسط الأمة العربية فإنها عملت وتعمل بإسناد غربي على فرض وجودها في المنطقة بالقوة والإرهاب والابتزاز، كما تعمل على تغيير هوية المنطقة وحتى تغيير مسماها وعلى تفتيت العالم العربي عرقياً وطائفياً ومذهبياً حتى يستقيم وجود إسرائيل كدولة عنصرية دينية مع منطقة مقسمة إلى كيانات على شاكلتها . 

الشعب الفلسطيني المتواجد على أرضه منذ أكثر من أربعة آلاف سنة، والذي تعترف التوراة اليهودية نفسها بوجوده قبل عبور بني إسرائيل وقبل ظهور الديانة اليهودية، هذا الشعب كان وما زال ضحية جور وظلم وقع عليه، نتيجة توازنات وحسابات للدول العظمى ذات المصالح في المنطقة العربية وهي حسابات لم تأتي كما تشتهي عدالة القضية الوطنية، ونتيجة توازنات مصالح داخل عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى ثم هيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، فلو انهزمت بريطانيا في الحرب الأولى ما كان وعد بلفور وما كانت بريطانيا احتلت فلسطين وسهَّلت هجرة اليهود لها، ولو انهزمت بريطانيا والحلفاء وانتصرت المانيا ودول المحور في الحرب العالمية الثانية ما قامت دولة إسرائيل عام 1947، أيضاً لولا ما تلقته إسرائيل منذ تأسيسها حتى اليوم من دعم ومساعدات من دول الغرب ما استمرت في الوجود وما تجرأت على احتلال كل فلسطين بالإضافة لأراضي دول عربية أخرى .

انطلاقا من كل ما سبق فلا يوجد شعب في العالم يتعرض لظلم من دولة عضو في الأمم المتحدة (إسرائيل) كالشعب الفلسطيني، وهو ظلم مركب من الاحتلال والاستيطان والعنصرية والإرهاب، حيث جمعت إسرائيل في سلوكها الداخلي والدولي أسوأ الصفات التي توفرت في أسوأ دول العالم عبر التاريخ، وهي لهذا السبب الأكثر استفزازاً للرأي العام العالمي وللمنظمات الدولية المعنية بالسلم العالمي والاستقرار واحترام حقوق الإنسان . وقد آن الأوان لتسليط الضوء على جرائم الاحتلال وكشف حقيقة دولة إسرائيل الإرهابية تمهيداً لإنهاء الاحتلال .

توجه محكمة الجنايات الدولية لفتح تحقيق في جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين بناءً على طلب دولة فلسطين، حتى وإن جاء متأخراً، ومع المعرفة بأن حبل المحكمة طويل ومع دولة كإسرائيل المدعومة أمريكياً قد يطول التحقيق والمحاكمة لعقود، بالرغم من كل ذلك فإن فتح الجنايات لملف جرائم إسرائيل أمر مهم وخطوة جيدة في سياق نضال على جبهات متعددة ضد هذا الكيان العنصري .

وفي واقع الأمر لو كان هناك إنصاف وعدالة دولية حرة وموضوعية لجرت محاكمة قادة الحركات الصهيونية (أتسل، الهاجاناه، والإراجون) الذين مارسوا الإرهاب في فلسطين قبل 1948، ومحاكمة قادة الدولة الصهيونية على جرائمهم خلال حرب 1948 وما بعدها، بدءً من جرائم التطهير العرقي والتهجير القسري للفلسطينيين وتدمير أكثر من 400 قرية فلسطينية ومجزرة دير ياسين والطنطورة ...، إلى الجرائم ضد أهالي قطاع غزة مروراً بجرائم الاستيطان والتطهير العرقي في بقية الأراضي الفلسطينية .

ولو كان هناك عدالة دولية لتم محاكمة وإدانة بريطانيا التي أصدرت وعد بلفور ثم ثبتته كجزء من صك الانتداب البريطاني على فلسطين مما أطلق يد الصهاينة وسهل عليهم الهجرة لفلسطين والاستيطان فيها بحماية جيش الاحتلال البريطاني، ولو كان هناك عدالة دولية لتم محاكمة قادة الولايات المتحدة على سياساتهم الداعمة للإرهاب الصهيوني والمدافعة عنه في المحافل الدولية، ولو كان هناك عدالة دولية لتم إجبار إسرائيل على الخضوع لقرارات الشرعية الدولية ذات الشأن بالقضية الفلسطينية منذ قرار التقسيم 1947 إلى قرار حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره الوطني على أرضه وكل القرارات الأخرى حول القدس والاستيطان وجدار الفصل العنصري والعدوان على غزة الخ .

ولكن، لأن إسرائيل خارج سياق الزمان والمكان فإنها لا تعترف بالشرعية الدولية وقراراتها، وهذا ما يستدعي عدم رفع سقف المراهنة الفلسطينية على محكمة الجنايات الدولية، وألا يجلس الفلسطينيون ينتظرون جر قادة الاحتلال للمحكمة الدولية، وفي الوقت الذي يجب الاستمرار في ملاحقة إسرائيل في كل المحافل الدولية إلا أنه يجب في نفس الوقت عدم وضع كل البيض الفلسطيني في سلة هذه المراهنة، بل يجب اشتقاق طرق كفاحية أخرى لمواجهة إسرائيل وسياساتها على الأرض الفلسطينية بما هو ممكن ومتاح من إمكانات وبما يجعل الاحتلال والاستيطان أكثر كلفة ومحفوفاً بالمخاطر على المستوطنين وعلى دولة الكيان الصهيوني .

 

د. ابراهيم ابراش

 

 

 

صائب خليلجميع ثورات الربيع العربي المدمرة بدأت بمرحلة "سلمية" ولم تنقلب الى مرحلة العنف إلا في مرحلة لاحقة. وسواء كانت التظاهرات قد خططت من قبل جهة التدمير أو انها استفادت من مرحلة سلميتها، او كانت جزءاً منها، فهذا لا يغير الكثير في النتائج رغم اختلاف النوايا. السلمية تبقى بداية ضرورية، والسبب بسيط: السلمية لها ميزتين اساسيتين: الأولى هي قدرتها على جمع الزخم. فتظاهرات التخريب تحتاج الى زخم كبير لا تستطيع ان تجمعه إلا برفع شعارات شعبية وأهمها هي "السلمية".

أما الميزة الثانية للتظاهرات السلمية فهي انه يمكن قلبها الى تظاهرات عنيفة في وقت قصير جداً، من خلال القتل والعنف الذي يلقى على الجانب المقابل أو على الجانبين، ثم ليعلن عدم جدوى السلمية فتقلب الى عنيفة، ولتستخدم الزخم الذي جمعته لتحقق اندفاعاً يصل الى اهدافه قبل ان يتمكن الجانب المقابل من رد مقابل.

المشكلة الأكبر في العراق، انه ليس هناك "جانب مقابل"!

فمن يريد تحويل التظاهرات الى مرحلة العنف، هو نفسه من يملك السلطة على اجهزة الامن في البلاد، ويملك رئيس الحكومة في يده ايضاً! والدليل على ذلك هو الشلل غير المعقول للشرطة رغم قتل مئات المتظاهرين وبشكل مسرف في العنف. فلماذا لا نرى جهودا من الشرطة للحد من سلطة المتظاهرين وعنفهم ما يتناسب مع استعدادها لقتلهم، او اي شيء قريب منه؟ لماذا شاهدنا اعمال العنف في جامعة واسط بعد يومين من تهديد قائد شرطة المحافظة وإعلانه انه لن يسمح لعصابات "منع الدوام" من العبث بالمدينة!

هذا يؤكد ما ذهبنا اليه في مقالة سابقة، من أن الجرائم التي ارتكبتها القوات الحكومية بحق المتظاهرين، لم تكن تستهدف قمع التظاهرات بل اثارتها وتحويلها الى العنف. والدليل على ذلك كان ان جميع الذين تم اغتيالهم كانوا من السلميين الذين لا يشكلون خطراً على الحكومة بأي شكل، أو على الأقل ليس بالشكل المؤثر الذي يستوجب القتل. إضافة الى ذلك فحوادث العنف المتطرف مثل صولة عميل السفارة الامريكية جميل الشمري كانت ابعد ما تكون عن محاولة انهاء التظاهرة، ولم تحقق اي شيء سوى زيادة العنف. ولم يتم التعرف على اية شخصية أخرى من التي ارتكبت الجرائم البشعة ضد المتظاهرين سواه، رغم شيوع القاء اللوم على "الميليشيات" كما يسمونها.

بشكل عام، بدا وكأن القتل يتم لا بهدف انهاء التظاهرة او منع افرادها من العنف، وإنما بطريقة وكأن الهدف منها هو الحرص على ان يكون ذلك القتل بأبشع شكل ممكن! كما تم تصوير مشاهد لقتل غريبة عديدة، كلها تؤكد ان الغاية منه لم تكن دحر التظاهرات او ايقافها. هذا اضافة الى المؤشرات الخطرة الاخرى مثل كفاءة التظاهرات وتنظيمها غير المعتاد وكثرة الاموال المصروفة عليها باعتراف المشاركين بها من العفويين الصادقي الهدف.

وهنا يأتي السؤال الآخر: لماذا لم تلق الحكومة القبض على من يوزع الأموال في التظاهرة، خاصة وان بعضها توزع نقدا والكل يعرف بها، وتسألهم من يمولهم؟ هل يعقل ان هناك حكومة لا تهتم بمعرفة من يمول تظاهرات اسقطتها واستمرت لأشهر ونتج عنها حالة كل هذه الفوضى والقتل والكراهية؟ إلا إذا كانت الجهة التي تقود الحكومة، تريد استمرار التظاهرات ودفعها نحو العنف!

لقد قمت بقطع الفيديو للتخلص من الحشو الذي كان يشرح المتحدث به لماذا من الضروري ترك السلمية وكيف ان البلد ضائع، اختصاراً للوقت وللتركيز على زبدة ما يريد قوله. لا يمكن اثبات ان وراء هذا المحرض خطة كاملة، لكنه مؤشر خطير، وخطابه يبدو مرتباً وأنه مدرب عليه. وسوف يتبين الأمر قريبا إن تكرر أو كانت حادثة عابرة او قد لا تأتي برد الفعل المرجو فتؤجل عملية الإطلاق. في كل الاحوال، المؤشرات تبعث على القلق وتدعو للحذر، لشدة التشابه بين ما يحدث وبين ثورات الربيع العربي.

ولا يمتلك المرء الا ان يسأل نفسه ان كان هناك علاقة بين عملية الاغتيال الثنائية وساعة إطلاق مرحلة العنف. وفي كل الأحوال ايضاً، فإن تصرف الحكومة الذي لا يشبه تصرف اية حكومة مع التظاهرات، يجب ان لا يغيب عن البال مستقبلاً، فلا هي حكومة تتصرف بسلمية وحضارية مع التظاهرات، ولا هي تستخدم ذلك العنف بشكل موجه لإنهاء التظاهرات، بل لزيادة عنفها فقط!

هذه حقائق تبقى صحيحة ومريبة حتى إن لم ينفجر العنف، أما ان انفجر، فالسؤال الكبير هو: إلى من يجب ان يتجه الناس وحول اية نواة يتجمعون وهم لا يعرفون لمن تعود الحكومة والقوات الامنية؟

 

صائب خليل

............................

فيديو رجل يدعو لنبذ السلمية

https://www.facebook.com/saiebkhalil/videos/825872277875850/

 

ميثم الجنابيإن مآسي الأمم هو قدرها الذي يعتمل في أعماقها. بمعنى أن ما تعانيه بهذا الصدد هو الاستمرار الملازم لما فيها من نقائص. فالنتائج دوما محكومة بأسبابها. وهو تلازم يرتقي إلى مصاف الحتمية. وفيه تظهر ليس فقط حقيقة القدر بل وإمكانية البدائل للخروج من ربقته. فالقدر هو الوجه الآخر للقدرة. وعلى قدرها تتراكم حقيقة القدر في عقل وضمير النخب الاجتماعية والفكرية والسياسية. كما انه يتراكم في مواقف المجتمعات والأمم بأشكال ومستويات شتى تترامى من الخنوع لكل ما يجري إلى المواجهة والتحدي والاستعداد لتضحية بكل شيء من اجل ما تعتقده مقدسا في عقلها وضميرها، أي كل ما يرتقي في وعيها وضميرها إلى مستوى المجرد عن الابتذال. وفيما بين هاتين الحالتين، أي الخنوع إلى حد العبودية السافرة والتوكل الزائف على قيم أكثر زيفا، والاستعداد الدائم للمواجهة والتحدي مهما كانت الظروف والقوى الخارجية، تكمن أيضا قيمة النخب والأمم على السواء. وقد سبق للفكر الإسلامي وأن سجل هذه الحقيقة في عبارة مأثورة تقول "الناس على دين ملوكها"! ويمكن تأويل هذه الفكرة في ظروفنا المعاصرة على أن الأمم على دين نخبها بشكل عام والسياسية بشكل خاص. وذلك للدور الذي تلعبه النخب السياسية الآن في حياة المجتمع.

فالتطور التاريخي للأمم يسير في أشواط الانتقال صوب أولوية وجوهرية القيم والمبادئ والقوة الاقتصادية والثقافية. وهو تحول جوهري يجعل من السياسة، كما كان شأنها على الدوام، القوة العلنية في تحديد ماهية ومضمون القدر نفسه. بمعنى نقل حقيقة القدر من عوالم الغيب والسر اللاهوتي إلى ميدان الإرادة الفعلية للأمم ونخبها الفكري والسياسية.

وعندما نضع هذه المقدمة الفلسفية في الموقف من قدر العراق الحالي ومآسيه، فإننا نقف أمام حالة مزرية لقدرة نخبه السياسية وعجزها التاريخي عن تفعيل السياسة بالشكل الذي يجعلها قوة اقتصادية وثقافية قادرة على تذليل حالة البؤس الشامل فيه. بل يمكننا القول، بأن ظروف العراق الحالية بعد سقوط الصدامية تكشف عن إمكانية السير في نفس طريق الابتذال الذي ميز زمنه في مجرى النصف الثاني من القرن العشرين. ويكشف هذا الزمن عن استمرار حالة الابتذال لفكرة المبادئ المتسامية (الوطنية والحق والعدالة والنزاهة الاجتماعية وأولية المصالح العامة وما شابه ذلك). بل إننا نرى استفحال متوسع لهذا الانتهاك على خلفية الشعارات والإعلانات والدعاوى التي رافقت زمن الأحزاب السياسية التي صعدت إلى سدة الحكم بقوة الغزو الأجنبي والاحتلال. وتمثل هذه النتيجة الوجه الآخر لحالة الانحطاط الشامل في العراق، التي جعلت من الاحتلال أسلوبا لبلوغ وتحقيق الديمقراطية!

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام حالة من الانحطاط جعلت وما تزال تجعل من المغامرة أسلوب التفكير والممارسة السياسية. ذلك يعني أن النتيجة سوف تكون محكومة هنا بأسبابها أيضا. بمعنى أن النتيجة سوف لن تكون شيئا غير الاستمرار في زمن الخراب الانحطاط. فمن الناحية المجردة، يمكننا القول، بأن إدراك حقيقة التاريخ الكلي للعراق الحديث والنتائج التي أدت إليها التوتاليتارية الدكتاتورية الصدامية، كان ينبغي لها أن تصنع في وعي النخب السياسية القدر الضروري، أو الحد الأدنى من تأمل ما يمكن أن تؤدي إليه مغامرة الخروج عن فكرة الدولة الشرعية والوطنية والنظام الديمقراطي والثقافة الحرة. إلا أننا نقف أمام جهل أو تجاهل لتاريخه الحديث. فالتجربة الصدامية قد صدمت كل ما في العراق بشكل جعلته عرضة للتهشم والاندثار السريع كما لو انه كيانا هشا. مع أن العراق اعرق حتى من كل ما فيه! وتعكس هذه المفارقة مستوى الخراب والانحطاط الملازم لتقاليد الراديكالية الضيقة كما مثلتها الصدامية بصورة نموذجية! وهي نموذجية قادرة في الواقع على تعليم الحمير، بأن الخروج عن "الصراط المستقيم" في بناء الدولة لا مخرج له إلا الانزلاق في هاوية الانحطاط والخراب. ويرتقي هذا الحكم إلى ما يمكن دعوته بالبديهية السياسية. غير أن أحداث العراق الحالية ما بعد سقوط الصدامية يبرهن على أن البديهية السياسية ليست مفهومة أو معقولة أو سهله بالطريقة التي تبدو في ميدان الرؤية المنطقية والرياضية. والسر غاية في الجلاء، وهو أن "تاريخ" الانحطاط لا يشبه زمن السلطة! فزمن السلطة عرضة للتغير والتبدل الاندثار السريع، بينما "مآثر" الانحطاط أكثر رسوخا وتغلغلا في بنية الوعي والعلاقات الاجتماعية والسياسية. وهي الحالة التي تشكل مفارقة المأساة العراقية الحالية. إذ أننا نقف أمام نخب سياسية هي الوريث غير الشرعي أيضا لزمن الانحطاط! مما يجعل منها قوى ضعيفة وهشة في قدرتها على تمثل مصالح العراق الجوهرية.

فمن بديهيات الأمور في الفكر السياسي أن تكون قدرة النخبة السياسية أو الحزب السياسي على قدر ما فيهما من استعداد فعلي لتمثل المصالح الجوهرية للمجتمع والدولة والأمة. وفي الحالة المعنية على ما فيهما من قدرة على تمثل المصالح الجوهرية للمجتمع والدولة في العراق. فالأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية الشيعية العربية – قلبها في الحوزة، وعيونها إلى النجف وكربلاء، وأطرافها تعمل من اجل الاستيلاء على أجساد العرب لتحويلهم إلى طائفة(شيعية). والأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية السنّية العربية – قلبها ينبض فقط بالاقتراب من السلطة، وعيونها إلى عروبة مزيفة، وأطرافها تعمل من اجل الاستيلاء على أجساد العرب من اجل تحويلهم إلى طائفة (سنية). والأحزاب العلمانية العراقية (العربية) مشتتة القلب والأطراف، مهمومة بالتحالف الكاذب مع الآخرين، أما روحها فهو التأقلم مع تقاليد السرقة والابتزاز. والشيوعيون وأمثالهم لا قبلة لهم ولا دين بعد سقوط موسكو والشيوعية غير التأقلم مع "نحن" لا قيمة لها ولا معنى. والحركة الطالبانية الكردية – لا قلب لها ولا فؤاد غير السليمانية، ولا تتقن من الحكمة السياسية سوى لعبة المغامرة السياسية في بغداد وكركوك، أما أطرافها فسائبة مع الجميع وقوتها المصطنعة في رخويتها الفعلية. أما الحركة البرازانية الكردية فقلبها في اربيل، وعيونها متنقلة من ارث جبلي تقليدي إلى واشنطن وخدمها، وأطرافها متعاونة وخاذلة لأبناء جلدتها والآخرين.

إن هذه الأحكام القاسية في مظهرها لا تنفي وجود بعض فضائل هذه القوى، عند الجميع، بقدر ما أنها تشير إلى طبيعة النقص الجوهري عند النخب والأحزاب السياسية في العراق، بوصفها النتيجة الملازمة لزمن الانحطاط الشامل في الدولة والمجتمع والثقافة. إلا أن ذلك لا يقلل من مسئولية هذه الأحزاب والنخب، كما انه لا يزيل إشكالية القضية نفسها والقائلة، بأن قوى من هذا النوع ليست قادرة على تقديم وتحقيق بديل واقعي وعقلاني لتاريخ الخراب والانحطاط في العراق. ويمكن وضع هذه النتيجة في فكرة تقول، بان إذا كانت مآسي الأمم على قدر انحطاطها، فإن نجاحها على قدر ما فيها من نخب رفيعة المستوى ومجتمع حي هو مصدر وجودها ومعين إبداعها الأصيل. وبدون ذلك تصبح المأساة فعلا لا علاقة له بالعقل والضمير والإبداع. فالمآسي تصبح فضيلة فقط عندما تتحول إلى بلاء عظيم لقلوب أعظم، أي عندما تكون لقلوب الأمم كاللهب للذهب. الأمر الذي يجعل منها طاقة لتنقية القلوب والعقول.

ودروس التجربة التاريخية للعراق الحديث تكشف عن أن مصدر مأساته تكمن في عدم تكامله الذاتي. ويستحيل تحقيق هذا التكامل دون تكامل الأحزاب والنخب السياسية في رؤية وطنية واجتماعية واقعية وعقلانية. وعدم التكامل المشار إليه أعلاه هو الضعف الذي جعلت منه العقود الخمسة الأخيرة زمنا للتجزئة المغلفة بالوطنية الكاذبة والقومية الأكثر كذبا والتدين الأشد غشا. بحيث تحول العراق إلى كتلة متراكمة من التجزئة القومية الضيقة والعرقية والطائفية الآخذة في الصعود حاليا. ويمثل هذا الصعود عين السقوط. وفي أفضل الأحوال لا ينتج غير انحطاط آخر لا جديد فيه ولا معاصرة! كما انه لا يفعل إلا على استثارة النفسية الدموية ونزوعها التخريبي.

إذ لا يمكن للنزعات القومية الضيقة والعرقية والطائفية أن تحصل على إجماع وطني. كما أنها غير قادرة على الخروج من مآزقها الذاتي بوصفها أيديولوجيا المأزق التاريخي. من هنا ليس صعودها سوى الوجه الآخر لسقوطها التاريخي. وهي حالة عادة ما تميز الأبعاد الموضوعية في مرحلة الانتقال الكبرى من التوتاليتارية إلى الديمقراطية. مما يجعل من صعود القوى الممثلة لهذه النزعات شيئا أقرب ما يكون إلى كبش فداء. أنها كبش بالمعنى السياسي، وفداء بالمعنى التاريخي. وتنعكس في هذه المفارقة حالة العراق المعاصرة. بمعنى خروجه من نفق التجزئة التوتاليتارية المغلفة بالوحدة والدخول إليه من جديد باسم "الديمقراطية". بينما تفترض حقيقة الديمقراطية الفعل والعمل بمعايير المصلحة الاجتماعية وقوة الشرعية والقانون، وليس بمعايير ومقاييس الدعاوى الأيديولوجية.

 فالقومية الضيقة والعرقية والطائفية هي قوى مجزئة. مما يجعلها بالضرورة ضعيفة من حيث إمكانياتها الوطنية، ومنهكة في ثباتها الاجتماعي، وناقصة في عقلها العراقي. وديمومتها الوحيدة هي المؤقت والتأقلم. ولا تصنع هذه الديمومة ثباتا واستقرارا ديناميكيا للعراق. مما يحرفها بالضرورة عن فكرة الدولة الشرعية والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. مع ما يترتب عليه من استعداد دائم لاقتراف الرذيلة "السياسية" والتقلب فيها بمعايير ومقاييس العابر والمؤقت.

ومن حصيلة هذين الاثنين، أي الاستعداد الدائم للتأقلم والخيانة الاجتماعية يظهر "فداءها" التاريخي. بمعنى أنها منفذة المهمة التاريخية التي جعلت الانتقال من التوتاليتارية إلى الديمقراطية، ومن اللاشرعية إلى الشرعية مهمة مقرونة بالقوى الأجنبية الغازية للعراق، بينما هي مجرد أداتها السياسية الظاهرية. الأمر الذي جعل منها بالحقيقة والمجاز كبش الفداء التاريخي. وتستجيب هذه المهمة إلى ما فيها من استعداد للمرور بكل أوحال مرحلة الانتقال الوسخة في العراق، ولكن بوصفها قوة انتقالية من حيث مقدماتها وتاريخها وفكرها وذهنيتها ورؤيتها للمستقبل. وفي هذا يكمن سر المأساة التاريخية الحالية للعراق. بمعنى أن صعود قوى سياسية لا علاقة عضوية لها بتاريخ العراق ومضمون كينونته الثقافية إلى "قيادة" و"توجيه" حركة الانتقال التاريخي الكبير إلى الديمقراطية هو الثمن الذي ينبغي أن يدفعه العراقيون من اجل التطهير العقلي والأخلاقي للرذيلة التي جعلت من الممكن صعود مثل هذه القوى إلى هرم السلطة.

فالقوى المؤقتة والعابرة هي النتاج غير المباشر لزمن التوتاليتارية والدكتاتورية. بمعنى إنها نتاج مرحلة الانحطاط التام في بنية الدولة والنظام السياسي والثقافة والعلاقات الاجتماعية. من هنا واقع استمرار بنية الدولة التوتاليتارية في "مؤسسات" "الحكم المؤقت". فعوضا عن التوتاليتارية نرى براعم ومظاهر الاستفحال الشامل للنعرات العرقية والقومية الضيقة والطائفية الدينية والسياسية. وعوضا عن حكم الحزب والعائلة في النظام السياسي البائد نرى توسع المحاصصة نفسها على أسس القومية والطائفية والجهوية وليس على أساس الكفاءة والنزاهة كما نراه جليا في توزيع مناصب الوزارة والمؤسسات والفساد الإداري والمالي والأخلاقي. وكما كانت حال الثقافة والمثقفين زمن الاستبداد الشامل نرى معاداة الثقافة والمثقفين على أسس أيديولوجية قومية ودينية مزيفة. وكما كان الحال بالنسبة لإبعاد المجتمع عن إدارة شئون الدولة والرقابة نرى نفس التوجه العام عن الاستمرار الفعلي في تفتيت القوى المدنية وإحلال النزعات الجهوية والعرقية والطائفية.

أما النتيجة الحتمية لهذا السلوك فيقوم أيضا في استعداد هذه الأحزاب والنخب السياسية للخيانة الاجتماعية والسياسية. مما يشير بدوره إلى أنها لم تتعظ من تاريخ المأساة العراقية، وأنها مازالت تعيش في زمن الانحطاط، دون أن تعي بان الانحطاط دوامة مخرجها الوحيد: الزوال من مسرح التاريخ والاندثار من ذاكرة الأمم!

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

ميثم الجنابيإن احدى الحقائق الفكرية الكبرى، وإحدى البديهيات السياسية الكبرى تقوم في الإقرار، بأن الرجوع إلى النفس هو مفتاح الحلول الواقعية وأسلوب النجاح الفعلي لحل الإشكاليات التي يواجهها المرء والجماعة والمجتمع والدولة.

وتاريخ العراق الحديث ومآسيه العديدة، وانغلاق تطوره فيما مضى والعقود الأخيرة منه بشكل خاص تبرهن على أن الخروج على ما فيه هو سر سقوطه وانهياره.

فالحالة الواقعية للعراق الحالي تشير إلى انه يتعثر ويتمايل في خطاه وحركته ورؤيته. بحيث أصبح اقرب ما يكون إلى تجمعات وتراكمات متنافرة من حيث المصدر والأسلوب والغاية. الأمر الذي يشير إلى فقدانه لفكرة المرجعيات الكبرى، أي المرجعيات الجامعة التي تجعل من اختلافاته مصدرا للقوة والبحث، وليس للتخريب والانحطاط كما هو حاصل الآن.

أن فقدان المرجعيات الكبرى، او ما ادعوه بالمرجعيات المتسامية بالنسبة للقوى السياسية والنخب والمجتمع والدولة، عادة ما يؤدي إلى قلب حقائق الأشياء ومسار وجودها الطبيعي أيضا. بحيث تتحول حتى الأسماء إلى مضاداتها، مثل أن تتحول قائمة "العراقية" إلى كيان وأسلوب وغاية مناقضة لمرجعية العراق والهوية العراقية والدولة العراقية. بحيث يجري الاستعاضة عنه بالقوى الخارجية وتحويلها إلى "كعبة" الاستلهام "السياسي" في تحديد الموقف من الدولة الناشئة والمتراكمة في مجرى مخاض صعب ويتسم بقدر هائل من التعقيد والدرامية. الأمر الذي يشير إلى فقدان بوصلة الفكرة العامة المتعلقة بالوطن والدولة، مع ما يترتب عليه من إخضاع كل شيء لمصالح ضيقة وأنانية هي بحد ذاتها نموذج للخروج على النفس. ومن ثم تحتوي في أعماقها على ما أدت إليه "سياسة" الدكتاتورية الصدامية في جل العراق فريسة التدخل الخارجي والحصار والتدمير والانحطاط والاحتلال الأخير.

بعبارة أخرى، أن تجربة العراق المريرة والمأساوية التي أدت إلى الاحتلال تبرهن على أن الخروج على ما فيه هو سر خرابه المادي والمعنوي. وبالتالي، فإن البديل الواقعي والضروري الوحيد هنا هو المشروع المستقبلي الذي يؤسس لكيفية رجوع العراق إلى نفسه. وهو مشروع يستحيل بلوغ أهدافه دون إعادة بناء هويته الذاتية الاجتماعية والوطنية والقومية.

فقد كان الاحتلال الأمريكي للعراق دليلا على خروج نظامه السياسي ونخبته "القائدة" آنذاك والمتمثلة في التوتاليتارية والراديكالية على مرجعية العراق الكبرى الوطنية والاجتماعية والقومية وفكرة الدولة. مما يشير بدور إلى أن الاحتلال الأمريكي له قد كشف أيضا عن طبيعة الخل البنيوي للقوى السياسية جميعا. وإذا كان التاريخ لا يعرف قانونا صارما، فإنه يبرهن مع ذلك بصورة دائمة على أن الخروج على الحكمة السياسية يؤدي بالضرورة إلى الجحيم. وليس هناك من جحيم بالمعنى التاريخي والسياسي والأخلاقي أقسى من جحيم الانحطاط والتفكك الوطني مع ما يترتب عليه من حتمية ظهور مختلف أشكال الصراع والحروب غير العقلانية.

إن تجربة العراق المعاصرة تكشف وتبرهن بقدر واحد على هذه الحقائق. وبالتالي، فإن البديل العقلاني العراقي الممكن يصبح مشروعا واقعيا وقابلا للتحقيق حالما يجعل من هذه الحقائق بديهيات سياسية عملية لكي يتكامل الجميع بمعايير الرؤية الوطنية وتحقيق مصالحهم من خلال مصالح العراق العامة. 

إن مشكلة العراق الجوهرية ليست في كيفية خروج قوات الاحتلال (التي يدعو البعض لإرجاعها إليه تحت شعار "عدم اكتمال الديمقراطية" و"الخوف من الدكتاتورية" وما شابه ذلك من أغطية تعكس أولا وقبل كل شيء عمى العقل والقلب والضمير)، بل في كيفية رجوعه إلى نفسه. ولا ينبغي لهذا الرجوع أن يشبه في شيء رجوع "قوى الخارج" الأولى التي تعيش وتعتاش بقدر واحد على سرقة الحاضر والمستقبل باسم الشراكة السياسية والعمل بمقاييس المعارضة الخنيثة الخبيثة!

إن المهمة الكبرى القائمة أمام العراق ونخبه السياسية المحكومة والمهمومة بفكرة المرجعيات الكبرى للدولة والأمة تقوم في رجوعها المحكوم بفكرة الوطنية العراقية والمصالح العليا، أي بفكرة مركزية الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي. حينذاك فقط يمكن رمي كل مشاريع قوى الاحتلال والرجعيات العربية (السعودية بشكل خاص) في مزبلة الزمن السياسي. أما تأسيس هذا الرجوع إلى النفس، فانه يفترض ربط فكرة الوطنية العراقية والرؤية الواقعية العقلانية وفكرة الدنيوية (العلمانية) في كل واحد، ووضعها في أساس مشروع البديل الوطني الاجتماعي العراقي. فهو المشروع القادر على تذليل مصادر الخراب الكامنة والفاعلة في مثلث الاحتلال والطائفية السياسية وعرقية الأقليات القومية.

***

ميثم الجنابي 

 

قصي الصافيربما يكون من باب المصادفة ان تنطلق انتفاضتا الشعب العراقي والشيلي في نفس التوقيت، ولكن مالا يمكن ان يكون مصادفة تشابه الانتفاضتين لا في أهدافهما الرئيسية فحسب، بل في آليات التعبئه والتنظيم والتعبيرات الرمزية التي تشهدها ساحات الاحتجاج.

وأنا أقرأ توصيف الصحافية مونيكا غونزاليس لانتفاضة تشيلي في مقابلة مع صحيفة (ذي نيشين) خيل لي انها تتحدث عن انتفاضة تشرين في العراق. تصف ما شهدته في ساحة ايطاليا بسانتاياغو (سميت الآن ساحة الكرامة) وكأنها تصف ساحة التحرير في بغداد فتقول : انني لم أر في حياتي من قبل تلك الملايين من الشباب الذين يتحدون النظام بشجاعة منقطعة النظير، دون أن تكون لهم خلفيات إيديولوجية أو انتماءات سياسية، فقد اعتدنا في السابق أن نرى تظاهرات محدودة لأحزاب أو قوى معارضة تحمل أعلامها وشعاراتها، الا ان هؤلاء الشبان يصرون على رفض أي علم سوى العلم الوطني. إنها صحوة عظيمة ومفاجئه لشعب تفتحت عيونه، وربما كان ذلك سبباً في أن قناصي السلطة يتعمدون التصويب على عيون الشباب حتى أطفئت عيون المئات ومنهم من أصابه العمى، لقد أدرك فقراء الشعب العلاقه بين معاناتهم في الحياة والفساد المستشري في النظام عبر التخادم مع الشركات الاجنبيه والمحلية، والعمولات والرشاوي التي تورط فيها جميع اعضاء البرلمان والسياسيين. باسم حرية السوق والخصخصة تركزت الثروة بيد فئة قليلة ممثلة بالشركات الكبرى والطبقة السياسية الفاسدة المتخادمة معها مقابل إفقار الشعب. لقد كانت لدينا مؤسسات رعايه اجتماعيه وتوزيع عادل نسبياً للثروة وديمقراطية حقيقية قبل عام1973، كل ذلك قد فقدناه مع انقلاب المخابرات المركزية الامريكية وتنصيب الدكتاتور العسكري بينوشيت، واستمرت الحكومات المتعاقبة بعده على ذات النهج ونفس الدستور والقوانين، التي مكنت كبريات البنوك الاجنبيه والشركات الكومبرادورية من السيطرة على كل مرافق الدولة عبر الخصخصة، وتسترسل قائلةً : حين يردد الاعلام الغربي قصة نجاح الاقتصاد الحر في تشيلي انما يعني نجاح الشركات الكبرى والبنوك الاجنبيه في استغلال ابناء الشعب، حيث تم خصخصة كل شئء من التعليم الى الصحة والتقاعد والتأمين الاجتماعي ومناجم النحاس والمعادن والصناعه والزراعة والخدمات، لا شئء توفره الدوله للمواطن، إما أن تكون غنياً فتدفع للتعليم والصحة وباقي الخدمات، أو ان تصارع الجهل والمرض والحرمان. ان الشباب مصرون على عدم العودة الى بيوتهم دون ازاحة الطبقة السياسية الفاسدة وصياغة دستور من قبل الشعب بدل الدستور الحالي الذي تم فرضه من قبل الولايات المتحدة بعد الاطاحة بحكومة الليندي عام 1973 والذي ما زال سارياً، ويطالبون أيضا بصياغة قانون انتخابات عادل بدل قانون الدكتاتور بينوشيت، وقد أثار إصرار الشباب رعب الرئيس الملياردير بنيرا والطبقة السياسية التي بدأت بتهريب أموالها خارج البلاد. وتعبر الصحفية عن دهشتها لما تسمعه في شوارع سانتياغو من أغاني ثورية لفناني المقاومة التي تعود الى فترة الدكتاتور بينوشيت، أغاني فكتور جارا وسيرجيو اورتيجا إضافة الى النشيد الوطني القديم لحكومة سلفادور الليندي، مما يشيرالى ادراك الشعب ان منظومة الفساد وسر معاناتهم تكمن جذورها في المشروع الامريكي بعد الاطاحة بحكومة الليندي المنتخبة .

 على شاكلة البرلمان العراقي أصدر البرلمان التشيلي قوانين ضد الفساد، ولكن لم يعتقل أو يحاكم أيا من الفاسدين.

في البداية كان للاحتجاجات في البلدين طابعاً مطلبياً، فكانت في حالة العراق للمطالبة بالوظائف وتوفير الخدمات وتحسين الاحوال المعيشية، أما في شيلي فقد بدأت احتجاجاً على زيادة اسعار مترو الانفاق، والذي يعتبر عصباً رئيسياً في الحياة اليومية للفقراء وابناء الطبقة الوسطى، ثم ارتفع سقف المطالب في الاتتفاضتين لأعادة صياغة الدستور وقانون الانتخابات وتغيير المنظومة السياسية بكاملها.

يبدو تفسير التشابه للوهلة الاولى عصيا، فالبلدان تفصلهما مسافة شاسعة جغرافياً وتاريخياً وثقافياً، العراق مثلاً لا يتكئ على ارث ديمقراطي حقيقي، بينما تمتلك تشيلي تجربة ديمقراطيه عريقة تعود الى عشرينيات القرن الماضي قبل إجهاضها بالانقلاب العسكري الذي نفذته وكالة المخابرات الامريكي عام1973.

 رفض الانتفاضتين للطبقة السياسية الفاسدة وماتتحصن به من دستور وقوانين، يشير بوضوح الى رفض مخرجات المشروع الأمريكي في كل من البلدين، وقد زعمت الولايات المتحدة في الحالتين انها تهدف الى اطلاق الحريات ودمقرطة النظام السياسي، الزعم الذي قد يلقى في حالة العراق ترحيبا وتحمسا لدى الكثيرين، على اعتبار ان المشروع قام على انقاض نظام دكتاتوري متوحش، بل ان فريقاً مازال يبحث عن شتى المبررات لتبرئة أميركا من النتائج الكارثية التي آلت إليها اوضاع البلد والمنطقة، متناسين ان الدولة الراعية لمشروع سياسي هي الوحيدة المسؤولة عن إدارته وبالتالي هي المسؤولة عن مخرجاته بالبداهة.

أما في حالة تشيلي فقد تكشفت منذ الساعات الاولى فاشية الدكتاتور الذي نصبته المخابرات المركزية، والذي انتهى به المطاف الى المحاكمة الدولية لما اقترفه من جرائم بحق شعبه، ولكن بقي الدستور وحزمة القوانين التي حكم بها البلاد سارية المفعول الى اليوم. وقد جاء دستوره الأميركي كأطار قانوني لأطلاق يد الشركات والبنوك الاجنبية التي استشعرت حينذاك بتهديد مصالحها من قبل برنامج حكومة الوحدة الشعبية وحزمة الضوابط والالزامات الماليه التي ستفرض عليها، اضافه الى شبح تأميم بعض الصناعات، ولم يكتف الدستوربتقديم التسهيلات للشركات والبنوك فقط، بل ان المادة رقم8 منه تجرم قانونيا الافراد والحركات والاحزاب التي تدافع عن الحقوق الاقتصادية للفقراء والمهمشين، اذ تنص المادة على أن من يسهم في اثارة (الحرب الطبقية) يتعرض للعقوبات القانونية ولا يحق له التصويت أو الترشيح في الانتخابات.

لقد أعلن االمنتفضون في العراق وتشيلي أنهم يريدون وطناً مستقلاً، وشعباً حراً يقوم بصياغة دستوره وقوانين بلاده بنفسه، لا أن تفرض عليه من قبل قوى خارجية.

 

قصي الصافي

 

باسم عثمانالمقدمة: أراضي الضفة الفلسطينية مقسمة إلى مناطق "أ" و"ب " و"ج " وفق اتفاق أوسلو:

- تخضع المنطقة "أ" للسيطرة الفلسطينية الكاملة، والمنطقة "ب " للسيطرة المدنية الفلسطينية والأمنية الإسرائيلية، اما المنطقة "ج" تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة وتبلغ مساحتها 60% من أراضي الضفة الغربية.

- المنطقة "ج": مثل البحر الذي تنتشر فيه جزر "أ" و "ب "، ولا يمكن الانتقال من المنطقة "أ" إلى المنطقة "ب " أو العكس دون المرور بمنطقة "ج".

- "إسرائيل" تسابق الزمن لتغيير الواقع القانوني والتاريخي القائم بالضفة، لان مناطق " أ" و"ب " غير قابلة للحياة بدون مناطق" ج"، التي تمتلك ثروات طبيعية ومياه جوفية وشواطئ البحر الميت، وكان يفترض تحويل صلاحيات إدارة مناطق "ج" للسلطة عام 1999 لكنه لم يحدث لغاية الان وفق الاتفاقات الثنائية، في الوقت الذي تعمل فيه "إسرائيل" ضمن رؤية استراتيجية تهدف للهيمنة على أراضي ومناطق الضفة الغربية من خلال الضم والاستيطان.

بحر وجزر:

وليد عساف، رئيس هيئة مكافحة الجدار والاستيطان، شبّه بدوره المناطق المصنفة "ج": بالبحر الذي تنتشر فيه جزر تسمى مناطق "أ" و "ب "، مبينا أنه لا يمكن الانتقال من منطقة "أ" إلى منطقة "ب "، أو العكس دون المرور بمنطقة "ج "، وأضاف:" باتت مناطق (أ وب) تشكل 200 جزيرة مفصولة عن بعضها بمناطق (ج)، ولا يمكن المرور بينهن إلا من مناطق (ج)"، وهذا يعني، بحسب عساف، " أن أي جندي إسرائيلي في منطقة "ج" يستطيع منع الفلسطينيين من الحركة والتنقل بين مناطق "أ" أو "ب ".

مخزن الثروات الطبيعية:

 فالمناطق المصنفة "ج" هي مناطق الثروات الطبيعية، حيث تنتشر فيها حقول الغاز والنفط، كما أن أحواض المياه الجوفية تتركز بأراضيها، ولا يستفيد منها الفلسطينيون إلا بنسبة 15%، والباقي تسرقه المستوطنات الإسرائيلية، وفق عساف

ومن الأمثلة على تلك الثروات الطبيعية، يقول عساف:" البحر الميت بمكوناته كمنطقة حدودية وسياحية، ومنطقة أملاح، يقع في أراضي "ج"، ومخزون الأراضي القابلة للزراعة، مثل سهل صانور ومرج بن عامر والأغوار، والسهول الأخرى كافة تقع جميعها ضمن التصنيف نفسه".

وأضاف:" لا يمكن أن تتطور مناطق "أ وب " دون "ج"، التي بنيت على أساس أن مناطق ومساحات "ج" ستأتي للسيادة الفلسطينية لاحقا"، وتابع: "الاتفاقية المؤقتة تحولت إلى دائمة، بل على العكس، إسرائيل بسطت صلاحياتها الأمنية على مناطق "أ"، "ب "، حيث تعتبر مناطق "ج" المجال الحيوي الوحيد لقيام حياة طبيعية للفلسطينيين".

واعتبر رئيس هيئة الجدار والاستيطان: "أن القرار بوقف العمل بالاتفاقيات مع "إسرائيل"، يكتسب أهمية كبيرة من أجل تحقيق انتقال استراتيجي، وبدء مرحلة جديدة مع "إسرائيل"، التي تحاول إظهار مناطق "ج" كمناطق متنازع عليها"، ومضى بالقول:" القرار الفلسطيني يتطلب كسر البروتوكولات المتبعة في اتفاق أوسلو، والبدء بتطوير مناطق "ج" حسب الاحتياجات الفلسطينية، ومد الخدمات لها، من مياه وكهرباء وطرق وغير ذلك".

المعطيات:

في خضم الأحداث العاصفة والاًخذة للمزيد من التصعيد في منطقتنا، إثر تغول العدائية و"الهمجية" للسياسة الامريكية، حيث "يتشيطن" و" يتصهين" اللاعبون الدوليون بما يخص القضية الفلسطينية ومشروعها الوطني، في الوقت الذي تعجز فيه القيادة الفلسطينية عن صياغة استراتيجيتها المقاومة لهذه " الشيطنة"، والعبور بالقضية الوطنية الى بر الأمان.

بعد جملة من التطورات التي وقعت مؤخرا، اندلقت شهية نتنياهو وقوى اليمين المتطرف في "إسرائيل"، وبرعاية "العراب" الأمريكي، للقيام بخطوة اعلان استصدار قرار بضم المناطق "ج" من الضفة الغربية "لدولة الاحتلال"، والتي قامت فوق أراضي قراها الفلسطينية عشرات المستعمرات الصهيونية بعد 1967.

ان المناطق "أ" و"ب " و"ج"، تعني للفلسطينيين أكثر من كونها حروفا أبجدية، فهي ترمز لأراضي الضفة الغربية، مقسمة كـ "حصص" بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل"، وفق اتفاق أوسلو الموقع بين الطرفين عام 1993, إلا أن النصيب الأكبر من تلك "الحصص" كان في جيب "إسرائيل"، معنون بحرف "ج"، والتي تُشكّل مساحته 60% من أراضي الضفة الغربية، وعلى الرغم من أن المناطق المصنفة "ج"، تعد الامتداد الطبيعي لـ "أ" و "ب "، إلا أن "إسرائيل" تسعى للتوسع والتمادي في تنفيذ مخططاتها الاستيطانية، وتضيّق الخناق على الفلسطينيين واليمين الحاكم في "إسرائيل" يسابق الزمن لتغيير الواقع القانوني والديمغرافي والتاريخي القائم في الأراضي الفلسطينية المحتلة عامة، والمناطق المصنفة "ج" بشكل خاص، في محاولة منه لتعميق السيطرة الإسرائيلية عليها، حيث تترافق مع تصعيد إسرائيلي ملحوظ في سياسة هدم المنازل، وتخريب المنشآت الفلسطينية وتدمير اقتصاد الفلسطينيين في المناطق "ج"، وذلك لتوجيه رسالة للعالم بأن "إسرائيل" هي من يُحدد مستقبل تلك المناطق، وهي التي ترسم مستقبل الوجود الفلسطيني فيها من جانب واحد.

في ذات السياق, تأتي تصريحات وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي نفتالي بينت، في أن المنطقة "ج" من الضفة الفلسطينية المحتلة هي جزء من "إسرائيل"، وكأنها رسالة إلى كل من يعنيه الأمر، بأن الرهان على استئناف المفاوضات مع "دولة الاحتلال"، و الرهان على أنها الخيار الوحيد، باتت رهانات فاشلة بشكل نهائي ومغامرات "صبيانية"، وأن "دولة الاحتلال" لم تعد تقيم وزناً إلا لمشاريعها الاستيطانية الكولونيالية، وتتجاهل تماماً، ليس فقط حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية والمشروعة، بل حتى أوسلو نفسه ايضا, كما انها تتجاهل وتزدري بقرارات الشرعية الدولية والمواقف الأوروبية والعالمية الداعية إلى وقف الاستيطان ,وأن حكومة "دولة الاحتلال" تعمل على رفع سقف التحدي، في الوقت الذي ما زال فيه الموقف الرسمي الفلسطيني يراوح مكانه، على رهانات أثبتت الوقائع والتجارب فشلها وانسداد الأفق أمامها.

ان الموقف الفلسطيني المقاوم واستراتيجيته الوطنية، هي التي يجب ان تقود إلى الخروج من اتفاق أوسلو والتحرر من قيوده، وطيّ صفحة الرهان على المفاوضات الثنائية كخيار وحيد، والذهاب في قرار وطني موحّد نحو المقاومة الشعبية بكل الوسائل المتاحة، نحو التحول إلى انتفاضة شاملة وعصيان وطني عام، يعلن حرب الاستقلال ضد الاحتلال والاستيطان.

وما على السفير الامريكي في "إسرائيل" ديفيد فريدمان , الا الكف عن إطلاق الأكاذيب وتشويه التاريخ في خدمة المشروع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي، وتبرير انحياز إدارته لجانب "دولة الاحتلال" ومناصبة العداء للشعب الفلسطيني , وتهيئة الأجواء المسمومة لاستئناف تحركات مندوب ترامب في المنطقة (آفي بيركوفيتش) تمهيداً للإعلان عن الشق السياسي لصفقة "القرن".

إن تصريحات فريدمان تنسف القوانين وقرارات الشرعية الدولية التي اعترفت بحقوق الشعب الفلسطيني ,وتزوير للحقائق وإسباغ الشرعية المزيفة على أعمال كيان الاحتلال في الاستيطان وبناء المستعمرات والضم الزاحف، وتدمير الاقتصاد الفلسطيني، والعمل الحثيث على تهويد القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة.

بالنتيجة:

إن ضم المناطق "ج" من الضفة الغربية "لدولة الاحتلال"، يعني تلقائياً، تمزيق الضفة الغربية وتحويلها لمعازل تضم مواطنين فلسطينيين، واهالة التراب على مشروع ما يُسمى بـ "حل الدولتين"، وبالتالي دخول المنطقة بأسرها في نفقٍ مظلم جديد.

إن مواجهة سياسات الأمر الواقع، التي يقوم بها كيان الاحتلال الاسرائيلي، لا تواجه بالندب واللطم، والشكوى والاستجداء، بل من خلال سياسات فاعلة وناجعة في الميدان الفلسطيني و في محافل المجتمع الدولي، أي بتفعيل كل أوراق القوة الفلسطينية, و في مقدمتها دعوة من بيده القرار السياسي الفلسطيني ، للرد على تصريحات فريدمان بخطوات ميدانية وليس ببالونات اعلامية، بوقف التنسيق الأمني والسياسي مع أمريكا و "إسرائيل", والشروع في التحرر من اتفاق أوسلو واستحقاقاته، والعودة الى برنامج التوافق الوطني والتزاماته البديلة ,و ضرورة توفير الغطاء السياسي للمقاومة الشعبية في مناطق الضفة الفلسطينية، وان تتحول كل الأراضي الفلسطينية الى عصيان وطني ومدني شامل أي : التكامل في خط المواجهة واستراتيجيتها، الاشتباك في الميدان ضد الاحتلال والاستيطان، ودعوة الأطراف الدولية الى تحمل مسؤوليتها تجاه الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة. 

 

د. باسم عثمان

كاتب وباحث سياسي

 

كاظم الموسويمَن يعرف عدد وحجم الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة الان؟!. سؤال يصعب الجواب علية بدقة ومعرفة ولكن الجميع يعرف أن تواجدا عسكريا أمريكيا يتزايد في المنطقة وأن شبح حرب مدمرة يطوف فيها بين فترة وأخرى. وهذا لا يحصل دون وجود عسكري كبير وخطط منظمة وموجهة لذلك. ويتناول مختصون وخبراء في الشؤون العسكرية تصورات وتحليلات وتقديرات دون توثيق أو تأكيد مثبت للأرقام والاعداد. وتشهد المنطقة منذ اكتشاف النفط فيها تزاحما في الوجود العسكري، ويتداخل مع الموقع الاستراتيجي والاتفاقات بين الحكومات في الانتشار وإعادته في زراعة وتسمين القواعد وطلبات الحماية المتفق عليها. وتأتي التطورات المتزايدة والمتصاعدة في المنطقة شاهدا على ما قد يحدث. وتحرّض مراكز ابحاث ومؤتمرات في عواصم  في المنطقة، إضافة إلى تصريحات مسؤولين أو دعواتهم على الوصول الى الحرب وشنها من طرف الولايات المتحدة ومتخادميها. اخر أخبار الوكالات تقول إن الولايات المتحدة تعمل "على تعزيز وجودها العسكري في منطقة الشرق الأوسط، مع خطط لإرسال نحو 2800 عنصر من قواتها من الفرقة المحمولة جوا الثانية والثمانين للجيش الأميركي إلى الكويت، حسبما ذكرت وكالة أنباء بلومبرج". ووفقا لمسؤولين أميركيين اثنين لم يتم الكشف عن هويتهما، ستنضم الفرقة الأميركية الجديدة إلى حوالي 700 جندي كان قد تم إرسالهم إلى الكويت في وقت سابق من هذا الأسبوع كجزء من “كتيبة جاهزة” للرد السريع تابعة للفرقة. و"كانت الولايات المتحدة قد أرسلت بالفعل حوالي 60 ألف جندي إلى المنطقة. ويعود الإعلان عن الخطط الأميركية لإرسال قوات إضافية إلى منطقة الشرق الأوسط، إلى أوائل الشهر الماضي".

كانت تقارير إعلامية قد نقلت في السادس من الشهر الماضي عن مسؤول أميركي، طلب عدم الكشف عن هويته(!)، قوله إن وزير الدفاع الاميركي مارك إسبر يعتزم إرسال ما بين خمسة وسبعة آلاف جندي إضافي إلى "الشرق الأوسط". وهذه تسريبات من البنتاغون وأجهزته وأدواته والمتعاملين معه، ولا سيما من وسائل الإعلام، قد تكون صحيحة أو لجس نبض أو تحضيرا لاعداد اكبر وتحركات أوسع. وبالتالي التمويه على الحقائق والمعلومات وواقع الحال.

كانت قد نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" (10حزيران/ يونيو 2019 ) تقريرا لمراسلها غوردون لوبولد، أشار فيه إلى أن قائد القيادة المركزية في الشرق الأوسط الجنرال فرانك ماكينزي أكد أن التعزيزات العسكرية التي أرسلت إلى منطقة الخليج، وحاملة الطائرات والنظام المضاد للصواريخ، كانت بناء على معلومات "محددة" بوجود تهديد إيراني (!) ضد المصالح الأمريكية وحلفائها والمصالح في العراق ومناطق أخرى، وأكد أن التعزيزات أدت إلى تحييد الخطر في الوقت الحالي، مشيرا إلى أن هذا التهديد لم ينته بعد. ونقلت الصحيفة أن الجنرال الأمريكي "يفكر"! في توسيع القدرات العسكرية الأمريكية؛ للتأكد من وجود قوة عسكرية أمريكية رادعة، وعلى المدى البعيد في المنطقة. وهو ما يعمل عليه فعليا، رغم تعليق الصحيفة عليه، بان تحركا كهذا سيكون بمثابة تراجع عن الموقف الأمريكي العالمي، في ظل استراتيجية الأمن القومي لإدارة دونالد ترامب، التي خففت من الوجود الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، وركزت على مخاطر التنافس مع الصين وروسيا. وهو ما كان قد طرحه ترامب نفسه في خطبه وتغريداته.

واورد الكاتب نقلا عن الجنرال، قوله: "نقوم بعملية مناقشات"، واعترف بأهمية التحول، قائلا: "أفكر بحذر وبتأن قبل الحديث عن موارد إضافية للمكان، نحن نتحدث عن ذلك، لكنه سيكون بناء على التقديرات المستمرة للوضع، ونحن نتقدم للإمام".

ولفت التقرير إلى أن الوجود الأمريكي في المنطقة تغير منذ حرب الخليج الأولى عام 1990، وقامت وزارة الدفاع الأمريكية في الآونة الأخيرة بإعادة نشر قوات أمريكية، بعيدا عن نزاعات المنطقة، مشيرا إلى أنها نقلت في العام الماضي عددا من بطاريات باتريوت من الأردن والكويت والبحرين، بالإضافة إلى حاملات طائرات، التي ظلت موجودة في مياه الخليج، ولم تعد تصدر أوامر لها بالانتشار هناك. وحسب الصحيفة، (ولابد من الإنتباه لما تحمله الرؤية وحجتها في تخويف وترهيب حكومات المنطقة) فإن ماكينزي يرى أن تخفيف الأثر العسكري الأمريكي في المنطقة ربما كان عاملا مساعدا لإيران لتهدد الولايات المتحدة وحلفائها، مشيرة إلى أن الجنرال رفض الكشف عن طبيعة المصادر العسكرية التي يرغب في نشرها في المنطقة.

ونقل الكاتب، أن الجنرال ماكينزي تحدث مع 6 آلاف جندي على متن حاملة الطائرات، وقال لهم: "أنا سبب وجودكم هنا.. طلبت السفينة بسبب التوتر مع إيران، وليس هناك داع للقول إنكم مهتمون بأي شيء باستثناء حاملة طائرات وزنها 90 ألف طن وكل شيء يرافقها"، وأضاف: "كان هدفي من جلبكم إلى هنا هو استقرار الوضع، ولتعلم إيران أن الوقت ليس وقت ارتكاب عمل أحمق". (ماذا يعني هذا بأبعاده السياسية والعسكرية والإستراتيجية؟)

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين، قولهم إن إيران حافظت على جاهزية عالية منذ وصول التعزيزات العسكرية في أيار/ مايو، وأضافوا أنهم شاهدوا نشاطات مستمرة من إيران، حركة قوارب وغواصات وعربات مسيرة، لكن لم تكن هناك هجمات. كما نقل التقرير عن قائد مجموعة لينكولن القتالية جون ويد، قوله إنه رغم النشاطات العسكرية المتزايدة، فإن قوات الجيش النظامية والحرس الثوري واصلت عملها بمهنية دون صدامات، وأضاف: "منذ عملنا في المنطقة حصل تماس في أكثر من مرة مع الإيرانيين.. حتى هذه اللحظة كلها كانت سليمة ومهنية، أي أن الإيرانيين لم يفعلوا شيئا لعرقلة مناوراتنا، أو أنهم تصرفوا بطريقة تجبرنا على اتخاذ عمل دفاعي".

ورغم ذلك فإن الإدارة الأمريكية ومتخادميها في المنطقة يتهمون إيران في كل ما يحصل فيها، من أعمال عسكرية أو هجمات وتحركات دفاعية. واستجابة لذلك أعيدت قواعد وقوات أمريكية في المنطقة. واعلن قبل أشهر عن انتشار اكثر من 35 ألف عسكري امريكي في بلدان الخليج كاضافات في الاعداد والعدد في ما هو موجود فعليا أو قبل التطورات الجديدة.

 هذا الوجود العسكري بمختلف صنوفه وخططه وتكاليفه ليس للعرض العسكري أو لنزهة سياحية، وهو المعلوم من كل ما يحصل، وما خفي، بالتأكيد هو الاعظم.

 

كاظم الموسوي

 

سامان سورانيبعد سقوط الطاغي صدام عام 2003 توقع الكثير بأن يطوي العراق حقبة الماضي المثخن بالدماء والأحزان والجراحات ويودع كابوس القمع والمنع والعزل ليفتح صفحة تطوّر دیمقراطي مطّرد وثابت ونهائي، لکنهم لم يدرکوا بأن الإنتقال الی الدیمقراطية وإنجاحها بحاجة الی جیش جرار من المناهضين للإصلاح، فهي رهن بتوفير میزان قوی یرفده ویحمیه ويفتح المسارب والأنفاق أمام تدفق حرکته.

ولحسن الحظ تعامل شعب كوردستان مع الواقع الجديد في العراق بمنطق الجد والإجتهاد والنقد، بعيداً عن العُقَد والهواجس، وصار هذا التعامل من الأمور والمُسَلمات الضرورية للخروج من السُبات الفكري والقوقعة التراثية.

الحاضر الكوردستاني المتميز بالسلام والأمن الاجتماعي والقرارات السياسية السليمة للقيادة الكوردستانية الحکيمة وفّر  الأجواء المناسبة للمضي قُدماً نحو بناء الإقليم وبنيته التحتية.

أما فیما يخص الإنفتاح والتواصل وبناء العلاقات بين إقلیم كوردستان ومحیطە الإقليمي والدولي فهذا نابع من السعي الجاد لفهم المتغيرات العالمية الحالية والمستقبلية وقرأة المستقبل القريب والمتوسط والبعيد.

ومن المعلوم أنه لایمکن تحديد موقع الإقلیم في عالم الغد أو إستکمال الخطط والإستراتیجيات الداخلية بدون الإستشراف للمستقبل وتحلیله بشكل ممنهج وموضوعي.

نحن نعتقد بأن التطورات الأخيرة في العراق ماهي إلا نتاج لعدم وجود عقلية الوساطة ومنطق الشراكة والإحساس بالمسٶولية أو بسياسة التبادل والتعارف وكذلك لعدم الكف عن الهيمنة الدينية بمختلف درجاتها والخنوع لأجندات خارجية بعيدة کل البعد عن المصلحة الوطنية.

وبالتأكيد أدت الإستمرار في تكرار الأخطاء الممارسة من قبل الحکومات التي تولت السلطة بعد سقوط النظام الشمولي عام 2003 الی خلق نوع من النفور والتراجع وعدم ثقة الجیل الشبابي الواعي المنتفض بالنخبة السياسية الفاشلة، فما يحتاجه العراق هو مستقبل خالٍ من المفاجآت المؤذية.

للأسف لم تقم الحکومات الفاشلة بترسيخ مفاهيم الهوية الوطنية لدى أفرادها ولم تلغي مظاهر التمييز والتفرقة القومية والدينية والطائفية والسياسية في يوم ما ولم تسعی في أبداً بالقضاء على الفجوة بين الدولة والمجتمع من خلال الانبثاق الطبيعي للدولة والسلطة من رَحم المجتمع ذاته، وبالتفاني لتطبيق السياسات العادلة والمتوازنة الهادفة لخدمة الاجتماع السياسي والثقافي في المجتمع، فما بالنا من اعتناق الحداثة والأخوة الوطنية والإنسانية، لذا ظلّ مشروع الفدرالية في العراق مجرد مصطلح مهترء وصارت الدولة العراقية في النهاية كيان هش فاقد لسیادته، لم يتخذ من الإقليم الكوردستاني نقطة انطلاق وإشعاع، يغمر منها كل أنحاء العراق.

أما الإحتجاجات الشعبية الأخيرة والتظاهرات السلمية في کافة المحافظات الجنوبية من العراق والتي ترید الوطن، فإنها كشفت للملأ بأن الإنسان العراقي رغم القمع المستمر قابل لاستيعاب روح العصر، وقيم الإنسانية والديموقراطية والحداثة، ومؤهل لخلع عباءة القبلية والطائفية، وما يصاحبها من قيم وعادات وتقاليد تنتمي بالفعل إلى متحف التاريخ والرافض للبنية السياسية الفاسدة، لکن الأمبراطوریات الفاسدة من الأحزاب الدينية المؤمنة بالمشاريع الدينية والعقائدية الشمولية التي إحتکرت السلطة ونشرت نفوذها طوال 17 عاماً بالقوة والبلطجة من أجل أسلمة الحياة والثقافة علی غرار مشروع ولایة الفقيه المنتهية صلاحیتها غير قادرة علی إستیعاب هذا التحول النوعي، فكيف بالتقليل من الإنقسام المجتمعي المتواجد.

إن ممارسة حق المواطنة من قبل المتظاهرين يعني تفكيك آليات العجز لتغيير قواعد اللعبة، بتشكيل عوالم ومجالات وإبتكار أساليب ولغات أو خلق موارد وفرص تحدث تحولاً في الفكر وتسهم في تغيير الواقع العراقي نحو الأفضل لاإمتلاك وقائعيتها بعيدة عن ثقافات عاجزة وحداثات هشة وشعارات مستهلكة وتقسيمات فقيرة وخادعة أو النرجسية والمكابرة والمحافظة والتقليد والتحجر والذُعر من المتغيرات وتبرئة الذات لرمي المسٶولية علی الغير.

ما شاهدناه في الأقليم هو إحتذاء حکومة إقلیم كوردستان بنماذج ناجحة في الحکم الرشيد وهي سوف تستمر في نشرها لقيم الحضارة والمدنية والديمقراطية وحماية تجربة التعايش السلمي بين المکونات المختلفة وإحترام حقوق الإنسان.

أما فيما يخص حکومة المستقبل في العراق بعد إنتصار صوت المتظاهرين، فما علیها إلا أن تمارس الشراكة الحقيقية مع شعب كوردستان لصنع المستقبل علی نحو إيجابي وبناء علیه أن تتحمل المسٶولية المتبادلة وتتقن لغة الشراكة والمداولة برٶی ومفاهيم ومفردات المفاوضة والتسوية أو التعاون، ومن غير ذلك فسوف تکون مستقبلها مجهولة ومعها سوف يعيش العراق في مستقبل مجهول.

وختاماً نقول: یجب أن تنتهي حروب الوكالات وتنتهي معها عملية جعل العراق ساحة لعب للميلیشيات العازمة علی إبقاء حالة الفوضی وحالة اللادولة. من يريد بناء عراق جديد مصون سيادته، علیە الإحتکام الی العقل والمنطق وتشجيع الإصلاحات الممنهجة والعمل علی مکافحة الفساد وتعزيز سيادة القانون وإعادة الخدمات وتطوير البنية التحتية وإضفاء شرعية كبيرة على عملية سياسية جديدة والإبتعاد عن عراق غير ديمقراطي لاتؤمن بحقوق شعب كوردستان أو بفدرالية الإقليم ودستورية مؤسساته الفعّالة.

 

الدکتور سامان سوراني

 

عبد الجبار نوريوبدأ التشقق يدبُ لكيانات التكوينات اليسارية بعد أنهيار منظومة الأتحاد السوفيتي وسيادة الضبابية عليها، وأننا كنخبة مثقفة يسارية معنيون وبما حاجة ماسة إلى أعادة بناء اليسار لدوره الواقعي في كونه يمثل واقعية الطموحات المستقبلية في تحقيق آمال الجماهير ودحض النظريات الرأسمالية المهادنة للأستعمار والأستبداد، وهو الأكثر وضوحاً في تلمس مشكلات الواقع، وأن النخب اليسارية هي المؤهلة في تكوين كتلة وقيادة الجماهير المسحوقة وبالتأكيد حينذاك تنسحب أليها الحركات الأخرى، وأن اليسار قادر لمواجهة الزحف الأمريكي الذي يمثل النظام الرأسمالي العالمي، وهو قادر على تأسيس مشروع نهضوي عراقي وعربي بالوقوف بوجه الأحتلال السافر للعراق في 2003، والأحتلال (المموّه) لبعض دول الجوار ودول الخليج المدعومة صهيونياً .

وبالتزامن مع أنشطار الجماهير المؤيدة لتيار اليسارالمتشظي أصلاً كان حصيلة هذه الهزة الفكرية أنطفاء محركها الطبقي وأفول وهج الآيديولوجيات الثورية، بأعتقادي ذلك أوضح نعي جماهيري للذات الحاملة للمشروع الثوري الذين هم اليسار العراقي وآيديولوجياتهِ العلمانية والتي أصيبت بفايروسات الكوسموبوليتيه* الرأسمالية المعاصرة وذلك بأعلامها الموجه الذي يصعب مقاومتهُ، وعلى أثر هذا الصراع الطبقي وتدخلات العساكرفي تطبيقها لغة الأنقلابات وبالتحديد في ستينات وسبعينات القرن الماضي أضافة إلى هيمنة الكوليونالية البريطانية والأمريكية المتعددة الرؤوس بكارتلاتها الأحتكارية التي من الصعوبة مقاومتها لحصولها على تأييد  ودعم  من القوى الرجعية والأقطاعية زاد في أنقسام اليسار العراقي إلى ماويين متأثرين بالتجربة الصينية والفيتنامية والهرولة نحو ترجمة مشاريع تعريب الماركسية بتجارب هزيلة ومتهافتتة كأشتراكيات حميدة ورشيدة متجاهلة خط الأشتراكية العلمية بسبب هوس فوبيا الشيوعية، ولعل هناك سبب جوهري آخر لتشظي التيار اليساري  هو في تكثيف الأحداث المفصلية في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات في الأحداث التالية  :

1- الثورة الأيرانية 1978

2- أنسحاب مصر من الصراع العربي – الأسرائيلي 1977

3- أغتيال السادات على أيدي الأسلاميين 1981

4- أندلاع حرب الخليج الأولى 1980- 1988

أضافة إلى ظهور دكتاتوريات قمع بوليسية قطّعّتْ العمل السياسي بشكلٍ ممنهج على سبيل المثال لا الحصر أنقلاب شباط الأسود في 1963، فتفكك اليسار العراقي إلى ماوي وقومي ناصري وقومي سوري وأسلاموي متطرف فتحولت تلك الحركات المهزوزة من اليسار الماركسي التحرري إلى الهرولة نحو كراسي السلطة وغابت معهم الدولة المؤسساتية .

وللوصول إلى مفهوم دقيق لليساريجب أن يقوم على أسس متينة ونقية خالية من الشوائب الطفيلية والنفعية والأنتهازية، وان يكون مستعداً ومشاركاً فعالاً في الصراع العالمي اليوم المتمثل في سطوة الأمبراطورية الأمريكية القائمة على الأحتلال والأستحواذ على خيرات الشعوب، وتبني المشكلات الواقعية وتحقيق الهدف العام في دخول الحداثة في المنجزات العلمية والسياسية أضافة إلى التأكيد على المشكلات الأقتصادية والتي هي الهدف المنشود، وان يكون المدافع الحقيقي عن مصالح الطبقات الفقيرة والكادحة إذا سوف يكون اليسار في قلب عاصفة (الصراع الطبقي) ويكون حقاً أيقونة الشعوب المضطهدة بتحقيقه الديمقراطية السياسية والديمقراطية الأجتماعية .

والذي نراه على صفحات الخارطة السياسية العراقية تثير حالة الأستقطاب الحادة بين أقطاب المعادلة السياسية غياب قوى اليسار التقدمي وحالة التشظي التي باتت تميزهُ في ظل أنحساره وتراجعه وأنشقاقاته وتشرذمه بعد أحداث  غياب التجربة السوفيتية، ولا بأس حين تكون سمة الأنشقاقات تميّز عموم الأحزاب المحلية والأقليمىة بل وعموم الأحزاب العربية المختلفة التوجهات والبنى الفكرية خصوصا منها الأحزاب التأريخية وبالتحديد أحزاب التيارات اليسارية والقومية وبعده الأسلامية  .

وكان لتداعيات غياب اليسار في العالم وكذلك في العراق وعموم الوطن العربي وأفول نجمهِ كانت في بروز ظاهرة (اليمين) المتطرف في الغرب الأوربي وأمريكا وبروزها على الساحة السياسية الأوربية وهي أحدى أكبر الظواهر السياسية أهمية خلال العقدين الأخيرين وقلبت الأجواء بشكلٍ غير طبيعي في واشنطن بالذات وهذا معناهُ أن الأدارة في جغرافية هذه المساحة الواسعة واقعة تحت تأثير ممثلي الفكر اليميني المتطرف من مؤسسات وأفراد، وأن الخطاب الأمريكي بعد الألفية الثانية من هذا القرن قد مال ناحية اليمين المتطرف فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط وخاصة بعد أنهيار مفاوضات كامب ديفد للسلام عام 2000 بزعامة بيل كلنتون، والواقع المخيف بأعتقادي: أن هذا التقدم السريع لأحزاب اليمين أصبح رقما صعباً في المعادلة السوسيولوجية الجمعية الغربية حيث أصبح بأمكانهِ (أزاحة) اليسار بالطريقة الديمقراطية .

وهنا يتحتم علينا تشخيص صفات اليسار السياسي والأيديولوجي، ولو أنها من الصعوبة بمكان في تشخيصها والوقوف عندها، والآن مرّ نصف قرن على أطلاق المفكر الأكاديمي اليساري الدكتور عقيل الناصري تسمية ثورة 14 تموز 1958 بالثورة الثرية والثرة كاشفا ً أساليب الأستعمار والأستغلالها الأقتصادي، وكانت الحصيلة أن تسرق الثورة بواسطة الأقطاع والكوليونالية البريطانية واليمين الرجعي فكان ذلك أقوى نكوص لليسار العراقي وتشقق الأرضية المؤسساتية للثورة الكلية، ثم أزدادت الحالة أكثر نكوصاً في ظهور الحرب الأهلية اللبنانية في سبعينيات القرن الماضي وكل هذه الأنحسارات والضمور السياسي والأجتماعي برزت تداعياتها إلى أن تطفح على السطح العراقي أنقسام الجماهير حسب مصالحها الطبقية إلى عصبيات أثنية وطائفية وتشظي اليسار العراقي إلى اليمين المتطرف بتأثير المد القومي الناصري وإلى اليسار المتطرف برفع شعار الكفاح المسلح من قبل تيارات منشقة بعد ميثاق الجبهة في 1978 بين الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث الحاكم (المثير للجدل)، وتوسعت الهوة التي تفصل ما بين شعارات محاربة الأمبريالية والفاشية وممارسة الأحزاب اليسارية والبورجوازية ركوب التخندق الطائفي خصوصاً بعد سنة الأحتلال الأمريكي 2003، حيث يبدو لنا تلاشي اليسار التقدمي من على المسرح السياسي بظهور التناقضات جلية في عمق الشعب العراقي بأختفاء أفقها الثوري لتحل مكانها الأسلام السياسي الراديكالي بجلباب طلاب سلطة بغياب طلاب دولة يستمدون سلطتهم من الميليشيات وأمراء مناطقها .

 

عبد الجبارنوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

......................

* الكوسموبوليتيه: هي أتحاد الشركات الرأسمالية المتعددة الجنسيات (أللاقومية) الأحتكارية .

 

 

عبد الحسين شعبانأخيراً وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على "قانون قيصر" القاضي بإنزال عقوبات شديدة بسوريا، وقالت وزارة الخارجية الأمريكية: إن القانون يتماشى مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 الصادر في 18 ديسمبر(كانون الأول) 2015  الهادف إلى تحقيق عملية الانتقال السياسي وإنهاء النزاع في سوريا، وقد أُدرج هذا القانون كجزء من  "قانون الدفاع الوطني للسنة المالية 2020".

وجاء في مشروع القانون "أن الجهود الدولية لم تكن كافية لحماية المدنيين"، لكنه فصّل في معاقبة الدول والشركات التي تتعامل مع الحكومة السورية، بمعنى استهدافه لحلفاء سوريا أيضاً مثل روسيا وإيران وحزب الله، خصوصاً في قطاع الطيران والنقل والاتصالات والطاقة والصناعة والتجارة والبنك المركزي وغيرها. وهذا يعني "ثني المستثمرين الأجانب من التعامل مع الحكومة السورية" وعدم مكافأة نظامها، بسبب انتهاكاته لحقوق الإنسان، فضلاً عن الزعم بـ "حماية المدنيين". وبالطبع فهذا يؤدي إلى  وضع عقبات جديدة لمنع دمشق من إعادة إعمار ما خلّفته الحرب التي دامت ثماني سنوات وما تزال مستمرة  وهي حرب شاركت فيها جهات دولية وإقليمية متعدّدة ولأغراض مختلفة ومتعارضة .

ولا بدّ من ملاحظة أن  صدور القانون يأتي عقب تمكّن سوريا من طرد داعش والقوى الإرهابية التي احتلت نحو ثلث أراضي البلاد وإلحاق هزيمة بها مثلما حصل في العراق الذي تم تطهير أراضيه من الوجود العسكري لداعش، فضلاً عن أن الفصول الأخيرة من المعارك الدامية الدائرة في الشمال السوري في طريقها إلى الحسم، حتى وإن كانت الصورة معقّدة ، خصوصاً وأن خطة ما سمّي بـ "الملاذ الآمن" أثارت خلافات واسعة، بين الولايات المتحدة التي وضعت يدها على منابع النفط السورية بالضد من قواعد القانون الدولي، وبين تركيا الطامعة التاريخية بالمنطقة بحجة مكافحة الإرهاب وتعقّب حزب العمال الكردستاني PKK، لاسيّما بعد حدوث تصدعات في العديد من الجبهات، ناهيك عن إعادة الاصطفافات لبعض القوى الكردية التي اقتربت من الحكومة السورية، في ظل الهجوم التركي الذي زاد من تعقيد المشهد دولياً وإقليمياً، بالانسحاب الأمريكي وبالتداخل الروسي.

إن مشروع "قانون قيصر" هو نسخة سورية للطبعة العراقية التي سمّيت "قانون تحرير العراق" العام 1998، والذي استند فيه إلى "منطقة الملاذ الآمن"، بالقرار الذي اتخذته واشنطن ولندن وباريس العام 1991، بالترافق مع تشديد الحصار على العراق والذي امتد 12 عاماً تمهيداً لإطاحة نظامه واحتلال البلاد بالكامل وتركها لفوضى عارمة ما تزال تأثيراتها قائمة ومستمرة حتى الآن، بفرض نظام للمحاصصة الطائفية - الإثنية الذي يقوم على الزبائنية السياسية وتقاسم المغانم، حيث استعر التعصّب ووليده التطرّف واندلع العنف على نحو لا مثيل له، وهذا الأخير حين أخذ يضرب عشوائياً تحوّل إلى إرهاب منفلت من عقاله، وقد لعب تنظيم القاعدة ومن بعده داعش مثلما تلعب جبهة النصرة " هيئة تحرير الشام" وأخواتها دوراً محورياً في إذكاء نار النزاع الداخلي المدعوم خارجياً من القوى التي لا تريد الخير والود للشعبين العراقي والسوري، مهما كانت مسمّياتها وصفاتها وادعاءاتها.

وإذا كان عنوان "حماية المدنيين" كلاماً حقيقياً فإن ما يقف خلفه باطل، والتجربة خير دليل على ذلك، والمدنيون هم كل السكان، لاسيّما الذين كانوا ضحية النزاع المسلح طبقاً لاتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها، فقد كانت التنمية والخدمات الصحية والتعليمية والبيئية والبلدية وكل ما يتعلق بحياة الناس هي الضحية، فضلاً عن نصف مليون قتيل وما يزيد عليهم من جرحى ومعوّقين، إضافة إلى نحو 10 ملايين بين نازح ولاجئ، وهؤلاء هم بامتياز ضحايا اندلاع الحرب واشتداد وطأة النزاع والتدخل الخارجي.

فهذا القانون يبحث في إجراءات لا علاقة لها بحماية المدنيين لاعتبارات إنسانية، بل يتناول إجراءات أخرى كما جرى ذكرها، ناهيك عن مسائل تتعلق بحجب الملكية والفوائد المترتبة عليها ومنع دخول سوريين أو حلفائهم إلى الولايات المتحدة، وإنزال عقوبات جزائية على أي شخص أو منظمة غير حكومية.

جدير بالذكر أن اسم "قيصر" هو اسم مستعار وقد يكون وهمياً قيل أنه مصور سوري وثّق جرائم عديدة في سورية عبر صور هرّبها إلى فرنسا حين كان يعمل في الشرطة العسكرية، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة وأدلى بشهادة أمام الكونغرس العام 2014 وعرض بعض هذه الصور في متحف الهولوكست في واشنطن، ومثل هذه الادعاءات والشهادات تم استخدامها كذريعة لشن الحرب على العراق فقد وظّفتها واشنطن وحلفائها  بحجة  وجود أسلحة دمار شامل فيه وعلاقته بالإرهاب الدولي، وكان ذلك عبارة عن  اختراع نسجته مخيلة "صقور الحرب" وهو الأمر الذي انكشف بطريقة أقرب إلى الفضيحة الدولية بعد احتلال العراق باعتراف الرئيس جورج دبليو بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، ناهيك عن خديعة إقامة نظام ديمقراطي.

 

عبد الحسين شعبان

باحث ومفكر عربي

 

 

حاتم حميد محسنمع تصاعد أعداد الضحايا والخسائر المادية لحروب امريكا في الشرق الاوسط، بدأت تتراجع رغبة الولايات المتحدة في الشروع بتدخلات جديدة او المحافظة على التدخلات الحالية. الرأي الشائع الآن هو ان المرحلة المقبلة من حياة الولايات المتحدة يجب ان تتسم بالتقليص العسكري بما يسمح لواشنطن التركيز على القضايا الاخرى الأكثر الحاحا. هذا الموقف يبدو موحدا لدى كل من واقعيي السياسة الخارجية والتقدميون وجميع مرشحي الرئاسة لعام 2020 من الديمقراطيين وكذلك الرئيس ترامب. ليس من الصعب رؤية لماذا لايرغب الامريكيون في تكرار التورط العسكري الامريكي في افغانستان والعراق وليبيا. كلفة هذه الحروب كانت استثنائية، حيث أعلن ترامب في تجمّع بمدينة اوهايو الامريكية في شهر ابريل عام 2018، ان تلك التكاليف بلغت 7 ترليون دولار خلال لـ 17 سنة الماضية واستنتج ان البلد لم ير شيء من تلك الجهود عدا الموت والدمار. وبالرغم من ان التكاليف المالية الدقيقة تعتمد على طريقة الحساب، لكن ما هو مؤكد ان اكثر من 4500 عسكري امريكي قُتلوا في العراق وتقريبا 2500 آخرين قتلوا في افغانستان، بالاضافة الى عشرات الالاف من الجرحى في كلا الحربين، هذا اذا استثنينا الضحايا من دول التحالف والمتعاقدين العسكريين والمواطنين المحليين. النقاد لهذه العمليات الكثيفة الموارد يلومونها لأنها أنهكت الولايات المتحدة في منطقة ذات اهمية من الدرجة الثانية، وأبعدت واشنطن عن التهديد الاكبر المتمثل بالصين وروسيا، وأشغلتها عن القضايا المحلية الملحة.

وفي ضوء هذه التكاليف الثقيلة وقلة الفوائد فان الضرورة الملحة للقادة السياسيين في كلا الحزبين هي الخروج من الصراعات الحالية في افغانستان والعراق وسوريا وتجنّب البدء بصراع جديد. في بيانه عن الاتحاد هذه السنة، أعلن ترامب "ان الامم العظيمة لاتقاتل في حروب لانهاية لها". عدد من النواب الديمقراطيين وقّعوا تعهدا "بانهاء الحروب الابدية"، مشيرين الى الحرب ضد الارهاب والتدخل العسكري الامريكي في افغانستان والعراق والاردن والنيجر والصومال وسوريا وتايلند واليمن. اما (جوي بايدن)، نائب الرئيس السابق والمرشح الحالي للرئاسة ايضا وعد "بانهاء الحرب الابدية". هو وصف سحب ادارة اوباما للقوات العسكرية من العراق بانها "من اكثر اللحظات مدعاة للفخر" ودعا الى سحب القوات الامريكية من افغانستان. العديد من الخبراء لهم نفس التفكير. نقاشات التوازن الاستراتيجي الذي بموجبه تقلّص الولايات المتحدة حضورها العسكري العالمي وتقلّل تدخلاتها، كانت مقتصرة في قاعات الدراسة، اما اليوم فقد نالت اهتماما كبيرا.

امام هذا الاجماع السياسي الكاسح، لابد للمرء الاستنتاج ان واشنطن يجب عليها القبول به واحتضان سياسة الكبح. المشكلة هي ان مثل هذه الاستراتيجية تتجاهل المصالح والقيم التي كانت الحافز للتدخل الامريكي في المقام الاول . الاجماع ايضا يتجاهل حقيقة انه، بالرغم من الفشل الواضح للتدخلات الحالية الواسعة النطاق، هناك ايضا سجل اكثر نجاحا يتضمن الجهود الجارية حاليا في سوريا.

الافتراض بان عدم التدخل سيصبح عقيدة مركزية لمستقبل السياسة الخارجية الامريكية، ذلك سوف يغري الامريكيين للتفكير باقل جدية حول العمليات العسكرية للولايات المتحدة في الخارج وهذا سوف يولّد ليس فقط تدخلا اقل نجاحا وانما ربما الكثير منه. بدلا من الدخول في التمنيات، يجب على صانعي السياسة ان يقبلوا بان استخدام القوة العسكرية سيبقى اداة ضرورية للاستراتيجية الامريكية. هذا، بدوره يتطلب تطبيق الدروس الصحيحة من العقود الاخيرة.

اول اشارة بان الاجماع الساحق حول "نهاية الحروب اللانهائية"هو اكثر اشكالية مما يبدو عليه اول وهلة تأتي من التحذيرات التي تبرز حتى بين المتحمسين . لننظر في الاعتبارات التي يأخذ بها المرشحون الديمقراطيون للرئاسة للانسحاب من افغانستان. ذكر (بايدن) انه سوف يعيد القوات الامريكية الى البلاد خلال دورته الرئاسية الاولى لكنه سيبقى منفتحا "لحضور متبقي" لمواجهة الارهاب، والاتجاه نفسه سلكه ساناتور ترامب (كوري بوكر) من نيوجرسي حين وعد انه كرئيس سيسحب فورا القوات من افغانستان مع ضمان ان لا يصبح البلد ملاذا للارهابيين. (Pete Buttigieg)عمدة ساوث بيند في انديانا، الذي عمل كضابط بحرية في افغانستان، يتفق بانه"حان الوقت لإنهاء هذه الحروب الأبدية"، مع انه ينظر باتفاقية سلام تُبقي القوات الخاصة الامريكية وعمليات الاستخبارات هناك. مثل هذا الاجماع، هو سياسة مسؤولة مع انه لايُنهي الحروب الطويلة للولايات المتحدة.

حتى الناس الاكثر تحمسا في معارضة التدخل استمروا في ايجاد استثناءات. بيان السياسة الخارجية للسانتور (بيرن ساندر)، نُشر في (الشؤون الخارجية) في جون، بعنوان "انهاء حروب امريكا اللانهائية"، ومع ذلك هو اعترف بان "القوة العسكرية هي احيانا ضرورية، ولكن دائما كملاذ اخير". مستشاره للسياسة الخارجية اكّد التزام ساندر بالدفاع الجماعي ضمن حلف الناتو وقال ان التطهير العرقي والاعمال الوحشية سوف يكون لها الثقل الكبير على ساندر عندما يفكر بفعل عسكري. الداعون الى ستراتيجية التوازن offshore balancing(1)، مثل الباحث (جون مرشمير)، يفضل استخدام القوة عندما ينهار توازن القوى الاقليمي، وهو كتب بان اتجاهه سوف لا يمنع العمليات لوقف التطهير العرقي، كالذي حدث في راوندا عام 1994.

اما على المستوى البلاغي والثقافي، فان نهاية التدخل لم تكن واضحة جدا مثلما يقترح السياسيون. حقيقة كونك قائدا أعلى يجعل الاشياء اكثر تعقيدا. في حملاتهم الانتخابية، بيل كلنتون وجورج بوش واوباما وترامب تعهدوا جميعهم بتقليل مغامراتهم العسكرية وإعادة توجيه الموارد نحو الحاجات في الداخل. اما في السلطة، يقومون وبتحفظ بالاستمرار في الحروب الحالية وشن حروب اخرى جديدة.

النتيجة هي انه، طبقا لخدمة بحوث الكونغرس، فان الولايات المتحدة استخدمت القوة العسكرية اكثر من 200 مرة منذ نهاية الحرب الباردة. العديد من هذه العمليات حدثت في الشرق الاوسط او حوله، بما فيها افغانستان والعراق وليبيا والصومال وسوريا واليمن. وهناك تدخلات اخرى حدثت في البوسنة وكولومبيا وهايتي وكوسوفو وليبريا والفلبين. النزعة للتدخل ببساطة ليست نتاج لبروز الولايات المتحدة كقوة عظمى بعد الحرب الباردة، الولايات المتحدة ارسلت قواتها العسكرية للقتال في الخارج اكثر من 50 مرة. العمل العسكري الامريكي ليس كما يعتقد البعض خاصية لما وراء الحرب الباردة، انها كانت عنصر اساسي لاتجاه امريكا للعالم منذ عقود.

الموقف المضاد للتدخل

فقط لأن امريكا تدخلت كثيرا لا يعني انها سستمر بهذا او يجب عليها ان تستمر. الموقف ضد التدخل عموما يأخذ خمسة اشكال. وعلى الرغم من ان هناك عناصر للوصول للحقيقة، لكن تلك العناصر ايضا تهدد بإخفاء عناصر اخرى واقعية اكثر تعقيدا.

الحجة الاولى:

 وترى ان الولايات المتحدة لاتحتاج الى استخدام الوسائل العسكرية استجابة للارهاب، او الحرب الاهلية اوالاعمال الوحشية الواسعة، او المشاكل الاخرى التي ليست من مهامها. واشنطن استخدمت القوة ضد الارهابيين في دول تمتد من النيجر الى باكستان بخسائر انسانية ومالية هائلة. ومع ذلك اذا كان عدد الامريكيين الذين يموتون في احواض الحمام كل سنة اكثر من اولئك الذين يموتون في الهجمات الارهابية، فلماذا لا تُشن الحرب ضد السيراميك؟ معسكر ما بعد 11 سبتمر 2009 استمر في الكفاح 18 سنة اخرى وامتد الى ما وراء تحطيم القاعدة وقواعدها في افغانستان. وفق هذه الرؤية، تضاؤل التهديد يجب ان يرافقه تضاؤل الاهتمام الامريكي. الحروب الاهلية في ليبيا وسوريا واليمن ربما كانت كارثية، لكنها لا تتطلب استجابة عسكرية امريكية اكثر مما فعلت امريكا في راوندا والكونغو الشرقية ودارفور.

ان تبنّي مثل هذه النظرة المحدودة للمصالح الامريكية، ايضا تحمل تكاليفها الخاصة.الارهاب يبقى تهديدا وان تأثير الهجمات الناجحة على امريكا يذهب الى ما وراء ضحاياها الفورية لتتضمن الضغط المتزايد لتقييد الحريات المدنية داخل الوطن وتمويل عمليات غير مخططة في الخارج – عمليات مكلفة واقل فعالية من العمليات البعيدة المدى المخططة جيدا. بعد تمدد تنظيم داعش في العراق وسوريا وافلام الارهابيين في ذبح المحتجزين الامريكيين اصيب الناس بالرعب وهو ما دفع اوباما لاتخاذ عمليات اكبر من الضروري . التطهير العرقي والحرب الاهلية يمكن ان تشكل تهديدا خطيرا للمصالح الامريكية والقيم الامريكية بما يجيز التدخل. الرؤساء اللاحقون استخدموا القوة العسكرية لمنع او وقف او معاقبة الفضائع الواسعة، استخدمها كلنتون لإنهاء التطهير العرقي ضد المسلمين البوسنين في البلقان، اوباما لحماية الاقلية الايزدية في العراق وترامب بعد الهجمات الكيميائية في سوريا. هناك اسباب جيدة للاعتقاد ان نفس الحالات ستبرز في المستقبل.

الحجة الثانية:

وهذه الحجة تركز على السجل الفقير للتدخل . مع كل النوايا الحسنة للولايات المتحدة، وقف الارهابيين، انهاء التطهير العرقي، استقرار الدول، نشر الديمقراطية، لم تنجح واشنطن كثيرا في محاولاتها. العراق وليبيا بديا اكثر سوءا مما كانا عندما بدأت الحرب ضد صدام حسين ومعمر القذافي، وطالبان حاليا تسيطر على افغانستان اكثر من اي وقت مضى منذ 2001. ومنذ وقت طويل كانت لدى امريكا طموحات في تحويل هذه الدول نحو الديمقراطية . مع ذلك، هذه الحجة تتجاهل الاوقات الاخرى العديدة التي نجح بها استخدام القوة الامريكية.انها اخرجت صدام من الكويت، انهت الحرب في البوسنة، اوقفت التطهير العرقي في كوسوفو، مهدت الطريق للتحول الديمقراطي في ليبريا وساعدت في هزيمة الحركات الارهابية وجلب السلام المؤقت الى كولومبيا. حتى في افغانستان، يجب ان لا ننسى ان واشنطن رفضت الابقاء على ملاذ آمن للقاعدة، وفي العراق وسوريا قضت امريكا على داعش وقلصت تدفق المقاتلين الاجانب وحررت المدن من الفساد. وهناك حالات اخرى للتدخل الامريكي يصعب قياس تاثيرها مثل، فرض مبادئ مضادة للتطهير الاثني وإبعاد الدول من تقديم معابد للارهابيين او التورط في حروب قمعية. للحصول على صورة دقيقة عن سجل التدخل الممتزج، لا يمكن للمرء انتقاء الحالات الكارثية او تلك الناجحة.

الحجة الثالثة:

وهذه تشير الى المنزلق الخطير للاشتراك في تلك التدخلات. عند البدء بحملة عسكرية فان الولايات المتحدة سوف لن تخرج ابدا. بعد اتفاق دايتون للسلام عام 1995 الذي انهى رسميا الصراع الاثني في البوسنة، بقيت القوات الامريكية في المنطقة لعشر سنوات، والناتو ابقى وجودا في كوسوفو الى هذه السنة. الولايات المتحدة تبدو عالقة في افغانستان ايضا لأنه بدون اتفاق سلام مع طالبان، فان الحكومة المدعومة امريكيا قد تسقط. وفي العراق، أزال اوباما كل القوات الامريكية، فقط ليرسلها مجددا عندما أوجد داعش وجودا واسعا له هناك. حالما تُستخدم القوات الامريكية، فهي عادة تبقى لوقت طويل. لكن البقاء يختلف عن القتال، ومن الخطأ المساواة بين التواجد العسكري للاغراض الاستشارية وبين وجود تلك القوات المنخرطة في القتال. هناك اختلاف حاد بين وجود القوات الامريكية في العراق اثناء ذروة الحرب وتلك القوات التي تقوم الان بمهام التدريب للقوات العراقية . بعض المصالح الامريكية تستحق ثمن استمرار التواجد العسكري، والهدف يجب ان يكون تخفيض تلك التكاليف البشرية والمادية عندما تستقر الظروف. وحتى عندما يتم هذا، تبقى هناك حاجة لدور مستمر خاصة عندما يكون وجود القوات الامريكية فقط للمحافظة على التوازن السياسي المحلي، كما حصل في العراق قبل الانسحاب عام 2011 وكما يحصل الان في افغانستان.

الحجة الرابعة:

وترتكز على جواب لسؤال "لماذا نحن"، لماذا يجب دائما على الولايات المتحدة اللجوء الى السلاح خاصة عندما تكون الدول الاخرى قادرة على تحمّل هذا العبء وتواجهها مخاطر كبيرة؟ اوربا جغرافيا اقرب الى ليبيا وسوريا، وتواجه مخاطر كبيرة من الارهاب وتدفّق اللاجئين وتمتلك قوات عسكرية قادرة . دول تحالف الشرق الاوسط ايضا لديهم مواردهم الخاصة . وفي النهاية لا يمكن اعتبار الدور الامريكي لا غنى عنه .

لو نظرنا الى مساهمات جميع شركاء امريكا، نجد فقط الولايات المتحدة لديها الرغبة والقدرة لقيادة عمليات عسكرية ناجحة. فرنسا قادت عملية ناجحة في مالي عام 2013، والمملكة المتحدة قادت عملية في سيرليون عام 2000، لكن تلك العمليات كانت استثناءً . ما كان يمكن للعراق ان يغادر الكويت عام 1991 لو لم تقد الولايات المتحدة تلك الجهود، وكذلك ما كان بالامكان انهاء المجازر الواسعة في البلقان اثناء التسعينات دون هيمنة الدور الامريكي حتى وان حدث في ارض اوربية. في افغانستان وسوريا، كان التحالف الامريكي صريحا بانه سيبقى طالما تستمر الولايات المتحدة بالعمل ولكنه في خلاف ذلك سيتجه للخروج . اصدقاء امريكا في اوربا اثبتوا عدم اهتمامهم في التعامل المباشر مع القضايا، وعندما رفضت واشنطن التدخل، وقفوا ساكنين. في ليبيا بعد سقوط القذافي، فشل الاوربيون في فرض الأمن حتى مع تزايد اعداد اللاجئين والمهاجرين في البحر المتوسط. في سوريا قبل بدء القصف الامريكي، هم لم يشنوا حملة عسكرية ضد داعش حتى مع وصول اللاجئين السوريين الى اوربا وتهديد استقرارها السياسي. وعندما بدأ التحالف الامريكي في اخذ الامور جديا، هم ربما جعلوا الموقف اكثر سوءا.السعودية والامارات قررتا التدخل في الحرب الاهلية اليمنية، لكن حملتهما القاسية والعشوائية قادت الى كوارث انسانية وزادت من قوة الدور الايراني التي سعت في الاصل الى تحجيمه.السبب الاخير الذي كثيرا ما طُرح في تأييد الخروج من المنطقة يتصل بالتكاليف البشرية المباشرة والمادية المتمثلة بالدولار المُقترض والمُنفق وتكاليف الفرصة. من الواضح جدا ان الصين وروسيا مثّلتا التحدي الاول للولايات المتحدة منذ وقت طويل وان المنافسة معهما اصبحت اكثر سخونة. اذا كان ذلك صحيحا فلماذا ننفق الموارد بتدخلات عسكرية اقل اهمية؟

هنا ايضا، عدد من الاعتبارات والتفاصيل الصغيرة . مستقبل منافسة القوة العظمى يجب ان يؤسس الاتجاه القادم للولايات المتحدة على الأمن القومي، لكن التركيز على مناوئة الارهاب هو مطلوب ايضا. ادارة جورج بوش استلمت السلطة بأمل التركيز على الصين، فقط لترى ان خططها انقلبت رأسا على عقب بعد هجوم سبتمبر. الانسحاب قبل الوقت الملائم من ملاذات الارهاب مثل افغانستان والعراق وسوريا سيهدد تركيز القوة العظمى الضرورية في المرحلة القادمة لحياة الولايات المتحدة . هجوم ارهابي كبير على الاراضي الامريكية مثلا ربما يجعل واشنطن مرة اخرى تحتضن مقاومة الارهاب كأفضلية رئيسية للامن القومي، تاركة نفسها اكثر حساسية للتهديدات من الصين وروسيا.

الاستراتيجية الذكية A subtler strategy

جميع التدخلات التي حدثت بالماضي والتي تحدث في المستقبل، تثير السؤال الصعب (ماذا لو). ماذا لو حصل مرة اخرى موقف مثلما حدث في رواندا عام 1994 حيث فقدان 800 الف ضحية، وكانت هناك امكانية في ان تؤدي جهود عسكرية اجنبية متواضعة الى إحداث فرق كبير فهل سوف تتجنب الولايات المتحدة الفعل مرة اخرى؟هل كان يجب ان تبقى خارج حمام الدم في البلقان او تتدخل مبكرا لمنع المجازر الوحشية؟ هل كان يجب ترك القذافي يهاجم بنغازي؟ هل لو ان ملاحقة القاعدة بعد هجوم عام 1998 على سفارة الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا، ربما كان يمنع الحاجة للاطاحة بطالبان بعد ثلاث سنوات؟. الحرب في العراق كانت ساخنة جدا ومكلفة بشكل كارثي ذلك طبقا لوزير الدفاع السابق روبرت غيت، "اي شخص يفكر بتورط مشابه يجب ان يفحص رأسه". كل ما يمكن ان يسير بشكل خاطئ في العراق قد حصل بالفعل. ما بدأ من حرب كان لإزالة اسلحة الدمار الشامل التي لم يُعثر عليها، الحافز لتحرير الشعب العراقي من الاستبداد دفعه للحرب الاهلية، والرغبة بفتح جبهة اخرى في الحرب ضد الارهاب خلقت المزيد من الارهابيين بدلا من ازالتهم . ان الحرب التي وعد المسؤولون الامريكيون بسهولة تحقيقها خلقت تكاليف لا تُحتمل للقوات الامريكية ولعوائلهم وللشعب العراقي ذاته. ومن المفارقة، ان العديد من افراد النخبة السياسية في واشنطن خاصة في جانب الجمهوريين كانوا لسنوات غير قادرين على الاعتراف علنا بان الغزو كان خطأ فادحا. بعد غزو عام 2003، ادت السياسة الرافضة للاقتراح بان التضحيات الامريكية كانت بلا فائدة الى إبقاء تلك الاقتراحات شخصية. فشل القادة السياسيين الجمهوريين بالاعتراف ان تكاليف الحرب تجاوزت فوائدها أضعف مصداقيتهم التي كانت سلفا تفقد بريقها بمساندتهم للحرب بالمقام الاول. ذلك بدوره ربما ساعد في خلق النزعة القوية المضادة للتدخل السائدة اليوم. واشنطن تحتاج الى خيار دقيق لها.

ان التدخل العسكري الامريكي يتخذ اشكالا متنوعة – كأن يكون هجوم احادي بطائرة مسيرة في مناطق بعيدة في باكستان وهو يختلف عن حرب المستقبل النظرية ضد الصين. وبالنتيجة، لا توجد هناك قواعد دقيقة حول متى يجب او لا يجب على القادة استعمال القوة. السياق مهم، وحكم الانسان دائما مهم في اللعبة. مع ذلك، من الممكن وضع ايجاز لعدة مبادئ تأكدت من تجارب العقود الاخيرة التي يجب ان ترشد السلوك العام لصانع القرار الامريكي.

1- المبدأ الاول هو تجنب تكرار ممارسة دروس التدخلات الماضية.عادة قيل ان الجنرالات دائما يخوضون الحرب الاخيرة ونفس الشيء يقال عن صانع السياسة. احيانا هم يطرحون الدروس الملائمة ولكن في احيان اخرى هم لا يقومون بذلك. الرئيس هاري ترومان ارسل القوات الى خط العرض 38 في كوريا، مما سحب الصين الى الحرب الكورية، وكذلك في فيتنام بقيت القوات الارضية الامريكية في جانبها من المنطقة المنزوعة السلاح حيث وضعت تركيزا هائلا على القصف المكثف ضد الشمال. و بأمل تجنب الاسلوب الفيتنامي الصعب، عندما قاتل جورج بوش حرب الخليج، سعى لتحديد اهدافه بغرض محدد في إعادة الكويت وضمان استقلالها. ولكن بسبب بقاء صدام في الحكم، اصبحت مشكلة العراق اكثر سوءا . كان يُفترض بحرب العراق الثانية ان تنهي المهمة – لكنها بيّنت كيف ان الصراع القصير قد يقود لإحتلال غير محدد. لكي يمنع ذلك من الحدوث في ليبيا، قرر اوباما استعمال القوة الجوية لازاحة القذافي لكنه أبقى القوات الامريكية بعيدة عن الارض، هو لهذا كان غير قادر على احتواء الفوضى التي اندلعت لاحقا . ومثل هذا حدث في سوريا، اوباما و ترامب يقاتلان الارهابيين دون محاولة ازاحة النظام. الالتصاق في خطوط صارمة بالارتكاز على الاخطاء الماضية يمكنه بسهولة ان يقود الى مآزق جديدة مختلفة.

2- المبدأ الثاني هو اختيار التدخلات التي تلبّي شروط واضحة ثم تبنّي تلك التدخلات المختارة. الولايات المتحدة يجب ان تباشر تدخلات فقط عندما يعتقد القادة السياسيون - الرئيس وغالبية الكونغرس- ان القوة ضرورية لتحقيق هدف محدد بشكل واضح.هم يجب ان تكون لديهم توقعات معقولة بان دول التحالف خاصة اولئك الذين في المنطقة سوف يلتحقون بالجهود . هم يجب ان يستنتجوا بان فوائد التدخل العسكري بالمدى البعيد يتوقع ان تتجاوز التكاليف. كما يجب ان يباشروا تدخلات تكون فيها القوات الامريكية مستعدة للبقاء لوقت طويل وغير محدد اذا كان ضروريا.

مبادئ مثل هذه لايمكن ان توفر كل الاجوبة لصانعي السياسة التي يحتاجونها، لكنها يمكن ان تشير الى الاسئلة الصحيحة . صانعو القرار يحتاجون تحديد واضح لأهداف التدخل الممكن، مثلا، سوف تجبرهم على التمييز بين ادارة المشكلة (مثل منع افغانستان من ان تصبح ملاذا للارهابيين ) وحلها (مثل جعل بلد طالبان ديمقراطي حديث متحرر). اشتراك الحلفاء في الجهد يجب ان يستلزم تقييم صادق لقوتهم وضعفهم، ما اذا كان اولئك الحلفاء شخص ما مثل رئيس افغانستان حميد كرزاي او منفيين في العراق او قوات اوربية في ليبيا او قوات سوريا الديمقراطية. والحكم حول فوائد وتكاليف العمليات المحتملة يجب ان يتضمن تحليل لنجاح او فشل مختلف الاتجاهات في الماضي، مثل عمليات مكافحة الارهاب او حملة متطورة ضد المتمردين.

احدى طرق التفكير التقليدية حول التدخل جسدتها عقيدة باول، حيث طوّرها الجنرال كولن باول اثناء حرب الخليج والتي تؤكد على اهمية استخدام القوة الحاسمة، وامتلاك استراتيجية خروج واضحة، وتعبئة الرأي العام الامريكي. لكن نقيض ذلك ثبت ايضا صحيحا بنفس المقدار في الحروب الاخيرة. هناك حالات يكون فيها توظيف قوة متواضعة ضمن جدول زمني مفتوح ربما أفضل ستراتيجية. عدم الرغبة العامة لدى صانع القرار للتفكير في تواجد امريكي طويل الاجل بالبلد الاجنبي، الى جانب نزعتهم لرؤية الصراعات كمشاكل مؤقتة يمكن حلها بفترة محدودة، عادة يجعلهم يندفعون للخروج عندما يصبح الموقف اكثر صعوبة. كون امريكا لم تكن متعجلة بخروج مضطرب في كلا البلدين العراق وافغانستان، مثلا، قد يجعل مستقبل النجاح في كلا النزاعين باهرا . وحتى بعد عدة سنوات من بداية تلك الصراعات، كان التورط الامريكي الدائم والقليل الكلفة مفضلا على الانسحاب غير المشروط.

مجموعة جديدة من الارشادات ايضا تأخذ اتجاها باختلافات بسيطة في تقرير ما اذا كان التدخل ممكن ادامته سياسيا. النموذج المألوف يؤمن بان الرؤساء يجب ان يرسموا صورة لتهديد الامريكيين ومن ثم يحصلون على دعم الامريكيين للحرب، على أمل تخفيض العمليات قبل ان يشعر الجمهور بالانهاك من الصراع.مع ذلك فان الدعم السياسي يعتمد قليلا على فترة الحرب قياسا بالتكاليف المالية، وخسائر الضحايا والتقدم المتصور. تقليل الخسائر واتخاذ خطوات ملموسة نحو اهداف الصراع هي حاسمة لادامة الدعم السياسي في المدى الطويل. بدلا من افتراض ان النجاح النهائي هو في متناول اليد، يجب على صانع السياسة ان يتبنّى موقفا لتورط طويل ومن ثم يعمل لخفض التكاليف البشرية والمالية المرتبطة به.

من النظرية الى التطبيق

تطبيق هذه الارشادات سوف يأخذ بالاعتبار بعض التدخلات التي حدثت في الماضي ويستبعد اخرى . التدخل في البلقان ورواندا اجتاز الاختبار خاصة في ضوء الاهداف المحددة (في البلقان انهاء الاعمال الوحشية دون اسقاط الحكومة) والوسائل العسكرية المطلوبة (في رواندا تعزيز بعثة الامم المتحدة لحفظ السلام التي هي سلفا على الارض). قرار الهجوم على القاعدة عام 2001 وعلى طالبان في افغانستان ايضا حقق النجاح، وكذلك الحملة المناهضة لداعش في العراق وسوريا باعتبار ان الاتجاهات غير العسكرية كانت غير قادرة على إغلاق الملاذات الامنة. حرب العراق عام 2003 ما كان لها اجتياز الاختبار في ضوء الحسابات الواقعية للتكاليف والفوائد والتغيير المستمر في الاهداف. في ليبيا، هذه المبادئ قادت واشنطن اما الى تجاوز سقف العمليات المحددة لوقف المجازر في بنغازي وترك القذافي في السلطة او البقاء خارج الصراع . بدلا من ذلك، اختارت ادارة اوباما الاطاحة بالنظام . بالنسبة للتدخلات القائمة في افغانستان والعراق وسوريا، ستجري الارشادات بتفضيل وجود قوات متبقية دائمة لمنع هذه الدول من العودة الى الارهاب . كذلك، كلفة التحرك الى هذه البلدان بعد الانحدار الى الفوضى والارهاب كما حدث في العراق بعد 2011 ستكون حتما أعلى من كلفة البقاء. تجاهل ظهور حواضن للارهابيين قد يكون اكثر كارثية. عدة تغيرات عملية تساعد صانع القرار في تقييم تدخل عسكري محتمل. ولكي يتم ضمان دقة تحليلات الكلفة والفوائد دقيقة فهي يجب ان ترتكز على نطاق كامل من التكاليف – ليس فقط الخسائر المتوقعة والنفقات المباشرة المرتبطة بالعمليات وانما ايضا اولئك المتعاقدين ورجال الاستخبارات بالاضافة الى التكاليف الطويلة المدى مثل تكاليف الرعاية . هي يجب ايضا ان تتضمن التأثيرات المحتملة للفعل العسكري على حياة المدنيين في البلد المعني والتأثيرات المحتملة لعدم الفعل العسكري على السكان الامريكيين.

مخاطر التنبؤ

في النهاية، ان عدم التنبؤ بأحداث العالم يضع الافضلية للحكم الانساني ويتجاهل الصيغ الصارمة. ذلك بالضبط يوضح لماذا من غير الحكمة لمرشح الرئاسة عام 2020 ان يتخذ التزامات مؤكدة لإنهاء التورط الامريكي في افغانستان والعراق وسوريا ولماذا من غير الحكمة لترامب التركيز على الخروج من تلك النزاعات بدلا من التركيز على الشروط الصحيحة التي تمكّن من ذلك الخروج بأمان .

وسط كل هذا الاحباط المبرر باتجاه امريكا لما بعد الحرب الباردة والتعهد بتقليل التدخل وانهاء الحروب الدائمة فان الحاجة لإستراتيجية دقيقة تكون اكبر عند النظر لدراسة (اذا، متى، كيف) يجب ان تستعمل الولايات المتحدة القوة في الخارج. لا وجود لإستراتيجية كبرى يمكن بنائها على افتراض ان التدخل العسكري كان عملا خاطئا في الماضي بدلا من ان يكون ميزة مستمرة للسياسة الخارجية الامريكية.

حاليا، ومع دخول العالم ما بعد بعد الحرب الباردة، يحتاج الامريكيون للقيام بتفكير شاق. بلدهم يبقى قوة عالمية ذو مصالح قوية وقيم تتطلب الدفاع عنها. الولايات المتحدة لاتحتاج البحث في الخارج عن وحوش لتحطيمهم. لكن يجب ان لا تطمئن لفكرة ان مثل هؤلاء الوحوش سيختفون.

 

حاتم حميد محسن

.......................

* مجلة الشؤون الخارجية Foreign Affairs، عدد نوفمبر/ ديسمبر 2019.

الهوامش

(1) هذه الاستراتيجية تقوم على أربعة عناصر:1- سحب القوات الامريكية او خفضها في اوربا والشرق الاوسط والتركيز على شرق آسيا 2- التركيز على البحر والجو بدلا من إرسال قوات ارضية. 3- السعي الى نقل العبء وليس الاشتراك فيه، بمعنى التركيز على جعل الدول الاخرى تعمل الكثير لأجل أمنها وبالتالي تعمل امريكا القليل لضمان ذلك.4- خفض التواجد العسكري في مناطق الصراع يقلل من ارهاب الحركات الاصولية.

 

 

جواد بشارةتتسارع الأحداث في العراق والمنطقة بوتيرة تدعو للقلق مما وضع مستقبل العراق في خانة المجهول. وبات العراق مرهوناً بردود الأفعال الخارجية، الإيرانية والأمريكية، والداخلية. فهل قررت إيران حقاً الرد عسكرياً على اغتيال وتصفية الجنرال قاسم سليماني؟ وهل سيرد حزب الله العراقي بعنف وبهجمات إرهابية ضد الوجود الأمريكي في العراق انتقاماً لمقتل وتصفية القيادي في الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس؟ وماذا سيترتب على مثل هذه التصرفات، لو حدثت، من الجانب الأمريكي وكيف سيكون الرد؟ خاصة بعد أن أرغم البرلمان العراقي تحت تهديد حزب الله العراقي، للتصويت على قرار ليس له قيمة حقيقية، بإخراج القوات الأمريكية من العراق الأمر الذي سينطوي على مبادرات أمريكية سلبية جداً تجاه العراق كفرض عقوبات وإعادته للفصل السابع ورفع الحصانة المالية والبنكية الأمريكية عن عائداته النفطية مما سيثير شهية الدائنين لحجز الأموال العراقية والعائدات النفطية في البنوك العالمية وجعله عاجزاً عن تلبية التزاماته المالية تجاه دائنيه وتجاه شعبه. هددت إيران ومعها وكلائها الإقليميين كحزب الله في لبنان والجهاد الإسلامي وحماس في غزة والحوثيين في اليمن والميليشيات العراقية الموالية لإيران في العراق، بضرب المصالح الأمريكية أينما تواجدت، أشخاص وشركات وقواعد وسفن تجارية وناقلات وقطع عسكرية وحربية الخ.. فيما ردت أمريكا على لسان رئيسها الأرعن دونالد ترامب أنها حددت 52 هدفاً استراتيجياً وعسكرياً ومدنياً وثقافياً مهماً داخل إيران وأنها ستواصل ضرب امتدادات إيران وميليشياتها المسلحة المنضوية تحت مظلة الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان، فرد على ترامب سكرتير مجلس تشخيص مصلحة النظام محسن رضائي والقائد السابق للحرس الثوري، بأن إيران في هذه الحالة ستضرب تل أبيب وحيفا وتحيلهما إلى رماد، وكان هذا الأخير قد صرح في أعقاب مقتل قاسم سليماني أن إسرائيل ربما لعبت دوراً في جمع المعلومات اللازمة حول خط طيران الجنرال سليماني من لبنان إلى سوريا وعودته إلى العراق الذي بات بحكم المقيم فيه للتدخل في حل الأزمة السياسية المستعصية جراء استقالة حكومة عادل عبد المهدي نتيجة لضغط الجماهير المنتفضة والثائرة ضد العملية السياسية برمتها وضد الأحزاب الإسلامية المتحكمة بالسلطة والتي تمتلك ميليشيات مسلحة متغولة وتأتمر بأوامر وتوجيهات إيران المباشرة، إذا أن المشهد السياسي برمته خاضع لإرادة إيران منذ العام 2003 ولغاية اليوم.

وبغض النظر عن رأينا وموقفنا من قاسم سليماني ودوره وسلوكيات دولته إيران التي صادرت إرادة العراقيين واستقلالهم وحرية قرارهم واختياراتهم، تجب الإشارة إلى أنه، باختيار واشنطن تصفية الجنرال الإيراني على الأرض العراقية بطائرة مسيرة فجر يوم الجمعة 3/01/2020 بالقرب من مطار بغداد الدولي عند خروجه منه قادماً من سوريا، تكون الولايات المتحدة الأمريكية قد ارتكبت فعلاً إرهابياً يصنف بإرهاب الدولة وعملاً إجرامياً سيدفع تبعاته العراق غالياً. وهو يعد بمثابة شن حرب على إيران نظراً لأهمية ومكانة هذا الشخص في المنظومة القيادية الإيرانية العسكرية والسياسية. وبما يعرف من بارغماتية القيادة الإيرانية فإنها لن تتسرع بالرد وتعرض نفسها للتهلكة فسوف تأخذ طهران الوقت الكافي لدراسة كافة الاحتمالات التي ستترتب على ردها الانتقامي فمجلس الأمن القومي الإيراني في حالة اجتماع مستمرة وعلى تواصل مع عواصم دولية كموسكو وبكين وربما بعض العواصم الأوروبية أيضاً للتشاور وشرح الموقف الإيراني تجاه هذه الجريمة، في حين يتمنى الأمريكيون رداً إيرانياً فورياً ومتشنجاً ومتسرعاً لكي تتكون لديهم ذريعة بضرب إيران فوراً في العمق . وأمام الإيرانيين عدة خيارات أولها أن يكون الرد الانتقامي على يد عملائها ووكلائها المحليين في العراق ولبنان واليمن وسوريا وغزة، لأن إيران تعتبر أن اغتيال أمريكا لشخصية إيرانية عسكرية من الصف الأول، يعد بمثابة إعلان حرب من طرف الولايات المتحدة الأمريكية على إيران، وإن هذه الحرب، إذا استمرت على هذه الوتيرة من التصعيد وتحولت من الحرب النفسية والكلامية إلى الحرب الفعلية الساخنة، ستمس وتحرق المنطقة برمتها، حيث ستطال إسرائيل ومنطقة الخليج، وستورط دول العالم لأن انعكاساتها الاقتصادية وخيمة على دورة الاقتصاد والتجارة والطاقة على نطاق العالم بأكمله. فالسياسة الخارجية الأمريكية خطيرة ومدمرة وتشكل خطراً على السلم والاستقرار الدوليين ولقد لمسنا ثمار هذه السياسة العدوانية في العراق في تسعينات القرن الماضي وفترة الحصار والعقوبات التي دمرت الشعب العراقي، والغزو الذي أطاح بنظام صدام الدكتاتوري الدموي سنة 2003، تحت ذرائع كاذبة ومزورة، وتنصيب شلة فاشلة وفاسدة من السياسيين على مصير ومقدرات الشعب العراقي، إلى جانب رعايتها لتنظيمات إجرامية وإرهابية مثل داعش وأمثالها. فقاسم سليماني ليس شخصية يمكن مقارنتها بعماد مغنية الذي اغتالته إسرائيل في دمشق، أو بأسامة بن لادن الذي اغتالته أمريكا في الباكستان، أو أبو بكر البغدادي الذي اغتالته أمريكا في بادية الشامة على الحدود العراقية السورية، فهو عسكري كان له دور في تصفية تنظيمات مثل القاعدة وداعش في العراق وسوريا، وهو نفس الهدف الذي أرادت الولايات المتحدة الأمريكية تحقيقه في هذه المنطقة، على الأقل على المستوى العلني الإعلامي. العراق الرسمي ممثلاً برئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي ورئيس الجمهورية برهم صالح ورئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي اعتبر الضربة الجوية بطائرة مسيرة التي قتلت قاسم سليمان ومعه أبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي الرسمية باعتبارها إحدى تشكيلات الجيش العراقي والقوى الأمنية الداخلية، انتهاكاً لسيادة العراق وخرقاً للقانون الدولي وللأعراف الدولية، بينما اعتبر ترامب أنه قام بتصفية الإرهابي رقم واحد في العالم والذي اتهمه بالتحضير لعمليات إرهابية ضد الدبلوماسيين والعسكريين الأمريكيين المتواجدين في منطقة الشرق الأوسط . لقد وصفت بعض وسائل الإعلام الغربية عملية اغتيال سليماني كأنها شرارة لمواجهات وتداعيات خطيرة قد تتطور إلى حرب عالمية.

على الصعيد الداخلي يشهد العراق فوضى عارمة وخطر داهم لنشوب حرب أهلية أو جرائم تصفية دموية تقوم بها الميليشيات الموالية لإيران ضد المدنيين المنتفضين ضد المنظومة السياسية العراقية كلها وضد المحاصصة الطائفية وضد الفساد حيث تقف على رأس هذه المنظومة السياسية تنظيمات ميليشياوية مسلحة ومنفلتة ومتغولة لا يردعها قانون ولا سلطة وتنفذ أجندة إيرانية محضة، ترتكب جرائم قتل واغتيال وتصفية وخطف للناشطين المدنيين السلميين وتمارس الترهيب وتطلق النيران وبالرصاص الحي ضد المتظاهرين. ويهيمن على الساحة السياسية العراقية حالة من الانسداد والتخبط وأزمة لم يسبق لها مثيل . وعجز كامل للحكومة في وضع حد لحالة الانفلات والعنف والقتل والاغتيال في وضح النهار وعدم محاسبة المجرمين الذين تسببوا بسقوط مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمعوقين مدى الحياة، كما فشلت الحكومة العراقية في حماية المواطنين والمتظاهرين السلميين المطالبين بحقوقهم المشروعة والتي يكفلها الدستور. لقد منعت الحكومة العراقية محاولات المتظاهرين عبور الجسور والتوجه للمنطقة الخضراء، بينما فتحت أبواب هذه المنطقة المحصنة على مصراعيها أمام مسلحي الفصائل المسلحة والميليشيات الموالية لإيران لاقتحام وحرق السفارة الأمريكية الواقعة داخل المنطقة الخضراء، وبأوامر إيرانية مباشرة. تحالف البناء الذي فرض نفسه على أنه الكتلة الأكبر في البرلمان يضغط على رئيس الجمهورية الكوردي برهم صالح لتسمية مرشحهم لتشكيل الحكومة القادمة وهذا بدوره يرفض ويراوغ لكسب الوقت بينما يتخبط تحالف سائرون صاحب أكبر عدد من النواب داخل البرلمان في قراراته المتناقضة وهو في نهاية المطاف ألعوبة بيد طهران حيث يتواجد زعيمه مقتدى الصدر. إلى أين يسير العراق؟ لا أحد يدري، ولكن من المؤكد أنه يسير نحو المجهول.

 

د. جواد بشارة

 

محمد سعد عبداللطيففي شرق المتوسط تتوتر العلاقات الدولیة ۔ وقد وصلت المعارك آمس حول طرابلس وسقوط مدینة "سرت" في ليبيا، بين قوات المشير خليفة حفتر والمليشيات المؤيدة لحكومة الوفاق الوطني، الی وضع آخر عن المرحلة السابقة اللا "هزيمة واللا انتصار" لأي من الطرفين، وربما كان هذا هو السبب لانتقالهما إلى الساحة الدولية في ودخول أطراف إقلیمیة علی خط المواجهة لمحاولة لتحقيق انتصارات، صراع قوي إقلیمیة علي مصالح النفط والغاز ۔ البحث عن إیجاد موطٸ قدم فی لیبیا ۔ صراع بدأ مابعد أحداث فبرایر 2014م بعد رحیل القذافي ۔

لم تكن المطالب الجهوية والفئوية حاضرة بصورة واضحة في شعارات ثورة فبراير الأولى التي أطاحت بحكم القذافي رغم أن مطالب التنمية والازدهار لم تغب في وعودها، إلاّ أن الدعوات والمطالبات بإعادة النظر في منظومة الحكم والإدارة بدأت تتسع بعد تولي السلطات الانتقالية واتخذت صوراً شتى، بدءاً من المطالبة بتوسيع نظام الحكم المحلي، مروراً بالمطالب الفيدرالية وصولاً إلى هوامش المطالبة بالانفصال، لا سيما في ظل معالجات السلطات الانتقالية ما بعد فبراير والتي قامت في أغلبها على منهج علاج الأزمة من أعلى لأسفل، دون اللجوء لفتح حوارات مجتمعية عن أساليب الحكم والإدارة، وهو ما تحوّل فيما بعد إلى أصوات وخطابات احتجاجية جرى توظيفها ويجري تطويعها وإعادة إنتاجها بصورة مستمرة في تأجيج حالة الحرب الدائرة منذ عام 2014. حتي وقت کتابة هذه السطور ۔۔ فی ظل هذا الوضع کانت الجغرافیا السیاسیة حاضرة وبقوة تلعب دوراً بین الجغرافیا الشاسعة والسیاسة ۔ والتاریخ الأجتماعي ۔والدیمغرافي شرق وغرب لیبیا ۔ (برقة وطرابلس) داٸما کانت الجغرافیا اللیبیة مهددة عبر تاریخها القدیم والحدیث ۔ ففی عام 1835م وإثناء تواجد المستعمر الفرنسي ۔فی تونس والجزاٸر تم إستدعاء العثمانیون لحمایتهم من المستعمر الاجنبی "ب إعتبار الحکم العثماني لیس أجنبیاً۔ هل التاریخ یعید نفسه بعد إبرام إتفاق بین حکومة السراج فی طرابلس والآتراك ۔ هل هي صدفة تاریخیة ۔ وموافقة البرلمان الترکي علی إرسال قوات الی طرابلس ۔

وهي مواجهة تضرب على وتر حساس في الغرب، مما يجعل من مسارعة الأوربيين والأمريكيين لإنقاذ حكومة الوفاق الوطني، التي اعترفوا بها، عملية مؤجلة، كما لو كانت بعض العواصم الأوروبية تنتظر حسما ما على ساحة المعركة قبل اتخاذ مواقفها. مثل الموقف الفرنسي فی إذدواجیة فی التعامل مع حکومه السراج ۔ وحفتر ۔

أضف إلى ذلك أن الملف الليبي يثير تناقضات أوروبية بين روما التي ترى أن لها الدور الأساسي باعتبارها قوى الاستعمار الكولينيالية السابقة والتي تتمتع بقوات على الأرض، وبين باريس، تلعب علی ملف مكافحة الإرهاب، مما يفسر أن فرنسا تنظر بعين غير راضية للدور الذي تلعبه أطراف إسلامية في إطار حكومة السراج

 إن تقسيم بعض الدول العربية اليوم إلى دويلات بدآ مع نهایة القرن المنصرم فی جنوب السودان ۔ وفی بدایة الألفیة الجدیدة فی شمال العراق والأن مع الصراع الداٸر فی سوریا يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك ، أن هناك مخططات لتقسيم دول أخرى، وتفکیکها وتدخل لیبیا فی هذا السیاق من خطر التقسیم ۔والصراع بین ثنائية" الشرق والغرب"، أو كما عرف تاريخياً باسم (برقة) في مقابل طرابلس، وهما الإقليمان اللذان بقيا على مر العصور يحملان خصوصية مختلفة تاريخيا۔ ومن السهل تفكيكيهم ۔ حتى یسهل عملية أطماع بعض الدول وفتح الشهیة وشرکات مثل الصراع الخفي بین شرکتي " إیني الإیطالیة۔ وشرکة توتال الفرنسیة ۔۔علی الغاز والنفط اللیبي ۔ وليبيا هي أيضًا مهددة بخطر التقسيم الذي سيؤدي في النهاية إلى إنعاش أطماع بعض الدول، وفتح الشهية لدول أخرى في استقطاع أجزاء من أراضي ليبيا الغنية بالموارد والثروات. إن مانراه من انتهاك لسيادة ليبيا وترابها الوطني من قؑبل بعض الدول المجاورة والإقلیمیة ۔ لیثبت أن تصفیة معمر القذافي ۔وسرقة ونهب الذهب والفضة من قؒبل دول بعینها ۔ لدلیل قاطع علی تفکیك لیبیا وتواجد قوات علی أراضیها ۔من تواجد روسي وفرنسي وإیطالی وترکي ۔ فی غیاب تنسیق عربي وخذلان من کل الدول العربیة التی تقف موقف المساند للواء حفتر فقط ۔ رغم هناك موقف دولي ومغربي من حکومة السراج ب" اعتبارها الحکومه الشرعیة المعترف بها وکانت زیارة ۔الرٸیس الترکي طیب اردوغان لتونس علی تفاهمات لوجود قوات ترکیه ۔فی لیبیا وکذلك الجزاٸر لهم موقف آخر بخلاف دول عربیة تساند اللواء حفتر ۔۔ إن التنافس في ليبيا هو جزء من صراع المحاور في المنطقة، وبانورما من منظور خارجي ۔۔

إن المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة في الشرق الاوسط والعالم اليوم ندرك يقينًا أهمية العامل المكاني في حياة الدولة وتحديد قوتها، خاصة في ظل تراجع الدور الذي كان يتطلع به العامل  "الأيديولوجي" في تغذية الصراعات العسكرية خصوصًا، ومسرح العلاقات الدولية على وجه العموم . فبؤر التوتر عديدة في عالم اليوم وهي تعطي أهمية كبيرة لعلم (الجيوبوليتيك) لا سيما بعد أن عادت مشاكل الحدود السياسية لواجهة الاهتمامات الدّوليّة، ورغبة العديد من الدول في ضم أراضي لها من دول أخرى قريبة منها حتى وإن كانت هذه الدعوات لا تتم بطريقةٍ مباشرة. والصراع الآهم فی الملف اللیبي ۔ بین ترکیا ومصر

 صراع بدآ بعد 30 من یونیة 2013 م بعد اتفاقية أبرمتها الأخيرة لترسيم الحدود البحریة ۔ بین قبرص والیونان وإسراٸیل ۔ ترکیا تبحث عن حلیف لها فی شرق المتوسط ۔ الأرض ساعدتها رغم بعد المسافة ألفي میل ۔ عن طرابلس لتلعب ترکیا علی ملف الدیمغرافیا والعرق الترکی فی طرابلس ومصراتة ۔ لتستحضر من ذاکرة التاریخ أهم ملامح التاريخ "الجيوبوليتيكي" لليبيا، وأن هناك حالات کثیرة على الأقل وقعت فيها برقة لقوة أجنبية، في حين خضعت طرابلس لقوة أجنبیة أخرى.

فالجغرافيا الليبية كانت دائماً مهددة في وحدتها على مر تاريخها، بدءاً من الإغريق والفنيقيين مروراً بالبيزنطيين ووصولاً إلى الإنجليز والفرنسيين والطليان قبل إعلان الاستقلال، ويعود ذلك إلى التكوين الطبيعي لكيان ليبيا والانفصال الجغرافي الشاسع بين حدود طرابلس وبرقة، وهو ما صعّب من وجود تبادل تجاري وزراعي وحدّ من إقامة علاقات اجتماعية بين سكان الأقاليم،

في التاريخ المعاصر كانت مقاومة الاحتلال الإيطالي بمثابة العقد الذي انتظمت فيه ملامح الهوية الوطنية الحديثة، على أساس وحدة العدو أولاً ولأن المحتل تعامل مع ليبيا باعتبارها كياناً سياسياً موحداً ثانياً، كما أنّ طبيعة المعارك ضد الإيطاليين تطلبت في أحيان كثيرة حركة مختلفة في مناطق البلاد، ما أسس لتعاون وتنسيق بين الأقاليم، تُوّج في نهاية المطاف بلحظة الاستقلال.

وعندما نالت ليبيا استقلالها الذي جاء نتيجة جهود مضنية وتنازلات من زعماء أقاليم ليبيا الثلاثة، مستفيدين من التغيرات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت أسئلة محورية بشأن النظام الاتحادي، ولمن ستؤول عاصمة البلاد .

وكيف سيدار الحكم؟، إلاّ أن رغبة قادة البلاد في حينها بإنهاء الاحتلال وإفشال مشروع الانتداب دفعت باتجاه تأجيل تفكيك الخلافات بشأن تلك القضايا، ليعود صدى تلك الخلافات بعد ذلك بين برقة وطرابلس حين ألغى "الملك إدريس" العمل الحزبي ومارس التضييق على العمل السياسي، لتجد القبيلة منذ ذلك الحين فرصتها في أخذ زمام العمل السياسي وملء الفراغ، وخطاب القبيلة بطبيعته خطابٌ تمجيدي غير متجاوز لمسألة العرق والأصل، بخلاف العمل السياسي الوطني والحزبي الذي يتحرك في فضاءات أوسع، وكان ذلك الإجراء سبباً في تضييق دوائر ومساحات المشترك الوطني ورسم هوية موحّدة معمّقة.

ومع تحول البلاد نحو الإدارة المركزية وإنهاء الحكم الفيدرالي عام 1963 وبالتزامن مع اكتشاف النفط وبدايات تصديره؛ نشأت موجات من عدم الرضا لا سيما في برقة التي احتضنت انقلاب القذافي وكانت النواة الأساسية لتحركاته عام 1969، رغم أنها كانت قبل ذلك الحاضنة الرئيسة للحركة السنوسية، وساهم في ذلك أيضاً مع صيحات المد القومي وصعوده في المنطقة التي عجّلت هي الأخرى بولادة تغيير سياسي جديد في البلاد.

لم يستطع القذافي صناعة نظام إداري يستوعب طبيعة الجغرافيا والديموغرافيا الليبية، بل سعى منذ البداية لتعزيز سطوة المركزية في الإدارة والحكم وألغى نظام المحافظات في مقابل توسيع دور «الإدارة الشعبية» والتي تُعدّ تعبيراً عن مفهوم سلطة الشعب، ليتراجع دور الإدارة البيروقراطية، وبالتزامن مع ذلك مارس حالة من تفكيك العلاقات الاجتماعية بين سكان الأقاليم، في إطار ترسيخ نظامه الجماهيري القائم على سردية أيديولوجية ثورية بعيدة نسبياً عن مطالب التوزيع العادل للثروة والمشاركة الواسعة في حكم البلاد، ما أدى لزيادة مساحات التهميش السياسي والاجتماعي في عهد القذافي.

كل ما سبق لا يجب أن يؤسس لحتمية قد تفرضها حقائق التاريخ وظروف الجغرافيا، لأن هناك شعوباً وبلاداً صنعت ما هو أكثر استثناء من ذلك،  إن المساحة الجغرافية للیبیا وحالات التعارض بين القوى الناشئة فيها. فيترجم تأثير الموقع بالقيود التي يفرضها أو بالفرص التي يتيحها أمام المزاحمات السلطوية التی تتصارع الآن ۔أن جغرافية لیبیا ما هي إلَّا إنعكاس لصورة الدولة، وهو ما أدَّى إلى ظهور مبدأ “لا بد أن يفكر رجل الشارع جغرافياً، وأن يفكر السَّاسة جيوبوليتيكياً”.

 

محمد سعد عبد اللطیف

کاتب وباحث فی الجغرافیا السیاسیة

رٸیس القسم السیاسي ۔نیوز العربیة

 

باسم عثمانعاش الفلسطينيون في2019 – كما عاشوا السنوات التي سبقتها – في دائرة العجاف السياسي واليات العمل المقاومة للاحتلال في الميدان وصفقاته المشبوهة، والمراوحة في المكان و ديمومة الاستمرار في الانقسام الداخلي البنيوي سياسيا ومؤسساتيا، حيث كانت واحدة من أسوأ سنواتهم العجاف على كل المستويات المرتبطة بالهم الوطني والحالة الفلسطينية القائمة : حيث استمر الانقسام التدميري وتداعياته داخل المجتمع الفلسطيني وتواصل ترسيم ملامح الفصل السياسي والجغرافي والديمغرافي السكاني في داخل الوطن الواحد وخارجه - خدمة لأجندات طرفي السلطة الفلسطينية والقوى الخارجية المحركة لهما -، في الوقت الذي تصاعدت فيه حدة المواجهة والاتهامات بينهما لدرجة الاعتقاد الواعي بان قطبي الأزمة السياسية الفلسطينية ليس لهما مصلحة مباشرة في الوصول الى وضع نهاية للمشهد التراجيدي الفلسطيني "المأزوم" سياسيا وسلطويا، والذي انطلق عمليا منذ العام 2006، نتيجة انتخابات أفرزت "اقطاب حكم" دون تحديد واضح لقانون ينظم العلاقات بين طرفي "النظام السياس الجديد"، في الوقت الذي استمر فيه التنسيق الأمني مع الاحتلال من جانب السلطة السياسية في الضفة، وتواصلت فيه التهدئة الأمنية معه من جانب السلطة الغزاوية، وتصاعدت فيه وتيرة حملات الاعتقال للشباب والمناضلين الفلسطينيين في الضفة والقطاع.

لقد تم ترسيخ الانقسام وبإرادة واعية، بينما يواصل المسؤولون عنه التأكيد على ضرورة تحقيق الوحدة الوطنية وإنجازها في الوقت الذي يتشبثون بإدامته، وتحويله إلى أمر واقع يصعب تغييره، بحكم ارتباط "السلطتين" ببرامج واجندات داخلية وخارجية قائمة على الانقسام والفصل السياسي والجغرافي واعتمادهما على مرجعيات تغذي هذا التوجه الانقسامي وتموله.

ولقد أصبح واضحاً لكل الفلسطينيين أن التصريحات والبيانات الشعبوية لطرفي الكارثة الفلسطينية عن التوافق والمصالحة والوحدة الوطنية، ليست الا مجرد "تبريرات إعلامية" للتنصل من مسؤوليتهم الوطنية والسياسية وحتى الأخلاقية عن نزيف الحالة الفلسطينية وتدمير بنيانها.

وفي سياق المناورة السياسية والتكتيك السياسي " المكشوف"، جاءت الدعوة لإجراء الانتخابات الفلسطينية –وهي الأولوية الوطنية والسياسية على المستويين التشريعي والرئاسي والوطني العام -كدعوة لم يتم إثبات جديتها بخطوات إجرائية وعملية، ولا حتى بمرسوم رئاسي يضع النقاط على الحروف لإجرائها والتحضير لها، وما موافقة حماس الأولية عليها لقناعتها بعدم جدية فتح لإجرائها!! ولأنها ايضا لا تريدها بالأساس وتخشى نتائجها ومحاولة منها لرمي الكرة في ملعب الاخرين.

وبالرغم من ذلك، وفي هذا الاطار، تم التوقيع خلال السنوات الماضية على جملة من الاتفاقات والتفاهمات الداخلية الفلسطينية التي كان لها "بصيص" من الامل المهدور وبإرادة واعية، ليس فقط في انهاء الانقسام فحسب، بل ايضا في بناء نظام سياسي فلسطيني جديد، قادر ان يعيد الى الواجهة صدارة القضية الوطنية الفلسطينية وتلازم حقوقها وثوابتها، لكن غياب الإرادة السياسية الوطنية الخالصة لطرفي الانقسام حال دون ذلك من جانب، وخضوعهما لقوى خارجية محركة وممولة لاستمرار الكارثة الانقسامية وتحولها الى " انفصال سياسي كامل" تدريجيا بين سلطتي الضفة وغزة - يمنح كل منهما حصته وامتيازاته السلطوية من الكعكة الفلسطينية - من جانب اخر.

في ذات السياق، فإن غياب الفاعلية الوطنية والتنظيمية المؤثرة لقوى فلسطينية مركزية، يشهد تاريخها على بصماتها وقوة حضورها في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية، -التي رأت وباجتهاد منها، ان تمسك العصا من الوسط والحفاظ على مسافة كافية من البعد والمغازلة لطرفي الانقسام دون "تثويرها" بالبعد الوطني والجماهيري، كان يمكن ان يكون كفيل بإعادة اللحمة الفلسطينية وإنتاج البديل الوطني والتزاماته البديلة عن أوسلو واستحقاقاته الكارثية-ما لعب دورا حاسما في استمرارية "الهزليةالسلطوية" في المشهد الفلسطيني.

ان واقع الحال، يكشف أن التصدي لتلك الأزمات (البنيوية والسياسية) يجري في الغالب بصورة ارتجالية وأحيانا "عاطفية"، وفق استراتيجية ردة الفعل على مفاهيم وسياسات وحراك الاخر، وليس وفق ما يتطلبه بناء الفعل وروافعه، وكأن التناقضات السياسية هي مجرد سوء فهم وليست تعبيرا عن تناقضات لواجهات سياسية تمثل مصالح فئات وشرائح اجتماعية لها مصالحها وامتيازاتها ولا يمكن التنازل عنها،لا "بالعاطفة" ولا" بالتراضي"، لان الاختلاف مع شريحة السلطة الفلسطينية ليس اختلافا في" الطباع"بل اختلافا في الطبيعة السياسية العضوية لتكوينها وارتباطاتها وافقها السياسي.

هذا ما حصل وبمباركة فلسطينية عامة حين تم الإعلان عن تشكيل التحالف الديمقراطي الفلسطيني من القوى اليسارية الفلسطينية كصمام امان للمشروع الوطني الفلسطيني وقوة جماهيرية مؤثرة في الحالة الفلسطينية، والذي توسمت فيه الجماهير الفلسطينية خيرا واملا في انقاذ المركب الفلسطيني من دوامة الغرق، لكن افتقاره لأليات وأدوات الفاعلية والاستمرار، كاللائحة الداخلية الملزمة لمكوناته وقواه، أفقده فاعليته وحضوره المؤثرين.

لهذا، نجد من الفصائل الفلسطينية والتي كانت تدعي اليسارية منها، لحقت بركب السلطة وامتيازاتها الوظيفية، من دون أنْ تمتلك حتى مجرّدَ القدرة على التمايز اللفظيّ عن نهج السلطة وفكرها، فأضحت ديكورا لا أكثر ولا اقل لمركز القرار الفلسطيني ومطبخه السياسي، ودعموا تراجعَهم الموقعي والسياسي بسلسلةٍ من التبريرات و" الفذلكات " الأيديولوجية والسياسية النظرية: على سبيل المثال، لتكون بمثابة "مراجعة فكريّة ضروريّة" اوحماية "المشروع الوطني" من الانهيار، اوالتأقلم مع معطيات "المتغيرات الدولية والإقليمية"؟!!.

وهذا ما حصل ايضا في شهر سبتمبر (أيلول)  2019 وبمباركة الجمهور الفلسطيني،عندما تقدمت ثمانية قوى فلسطينية برؤيتها لإنهاء الانقسام الداخلي الفلسطيني ورؤيتها الوطنية البديلة عن أوسلو والتزاماته، حيث استثنت هذه القوى "طرفي الانقسام" من هذه الرؤية الوطنية وحافظت على المسافة المطلوبة منهما، ومثلت هذه الرؤية الرادع والمتطلب الوطني في مواجهة الاستمرارية في " المهزلة السياسية" لطرفي السلطة الانقسامية، ولكن الارتهان على التغيير في سياسات مكونات "قطبي السلطة" ودعوتهم الى " المباركة" والالتزام بهذه الرؤية دون الفاعلية الميدانية والسياسية المؤطرة جماهيريا،هو من الوهم السياسي و الترف الفكري الغير قادر على قراءة الواقع وتكويناته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع الفلسطيني وتياراته السياسية.

لقد كان لولادة التحالف الديمقراطي الفلسطيني والرؤية السياسية للفصائل الثمانية، امكانية ان تفعل فعلها جماهيريا وسياسيا، وان تمثل القوة الأكثر حضورا ومصداقية من خلال التعبئة العامة للجمهور الفلسطيني واستنهاض روافعه وادواته الوطنية، في مواجهة ازمة وانتكاسة الحالة الفلسطينية المتردية، لكن واقع الحال يشير إلى ان هناك إشكالية في القراءة الموضوعية والتعامل مع فكر وسياسات شريحة ومكونات النظام السياسي الفلسطيني، رغم كل المحاولات التي كانت تستهدف طرح بعض التصورات والأفكار لفهم ومواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية البنيوية للمجتمع الفلسطيني، والتي سرعان ما تسقط في الخطاب المجرد والعموميات، وكأن المشكلة يمكن تجاوزها بالخطاب وليس بتكريس الفعل الثوري وصيرورته.

هذا الواقع المنظور يعكس العديد من الإشكاليات البنيوية والفكرية على مستوى تعامل القوى الفلسطينية مع واقع الحالة الفلسطينية وقواها (الطبقية والاجتماعية)، لأن تشكل الظواهر الاجتماعية والسياسية بما في ذلك نشوء الأزمات السياسية المرتبطة بها، تأتي في سياقاتها الموضوعية، وبالتالي فإن مواجهتها تستدعي بالضرورة العمل من أجل تأسيس سياقات واليات عمل وبنى بديلة في الميدان.

ان الرهان على التغيير في فكر وبنية الشريحة السائدة في السلطة الفلسطينية وسياساتها هو رهان نظري لا يمت بصلة لأية رؤية تحليلية علمية، ذلك، يستدعي مغادرة حالة "حرب المواقع الثابتة" عن بعد، الى "حرب الحركة والفعل والبناء" في المضمار، وهذا لن يتحقق الا إذا امتلكت القوى الفلسطينية الوطنية وخاصة قوى اليسار منها شروط" التجاوز الجدلي" للواقع القائم.

  

 د. باسم عثمان

كاتب وباحث سياسي

 

بليغ حمدي اسماعيلربما يرى أنصار وأعضاء الجماعات والتنظيمات المتطرفة ذات الطبيعة السياسية والدينية المزدوجة فقط أردوغان الرئيس التركي نموذجًا وقدوة، وهم بالقطعية في مظانهم التي بالضرورة تحتاج إلى علاج وتصويب وتعديل، لكن يتفق الجميع من أسوياء التفكير أن ممارسات رجب طيب أردوغان السياسية على الصعيدين الداخلي والخارجي هي ممارسات تشارف حد الاضطراب النفسي والشعور بالدونية والانتقاص من القدر الذاتي وهي أعراض تدفعه إلى ارتكاب ثمة حماقات طفولية، أو بالأحرى جنونية تجتر ذكرياتنا إلى مطالع الحرب العالمية الثانية حينما هرول بعض الرؤساء إلى إعلان الحرب بغير تفكير عميق أو رؤية صائبة فكانت الخيبات والحسرات كفيلة بدمار العالم آنذاك .

وإذا كان السياسيون الأتراك مازالوا يحذرون أردوغان بالعواقب الاقتصادية والبشرية الوخيمة التي ستحل على الدولة التركية المترنحة سياسيا في وقتنا الراهن جراء إعلان الرئيس التركي الأكثر تهورا بإرسال جنود تركية إلى طرابلس فإن تلك العواقب ستحقق نتيجة شواهد كثيرة معلنة للرائي وليست خفية أو عصية على المشاهدة .

فالليرة التركية لاتزال تواصل سقوطها المستدام أمام الدولار الأمريكي، وفكرة التغلغل التركي السافر في تركيا جاءت بالفشل والدمار على تركيا نفسها وهجرة الآلاف السوريين إلى تركيا التي ضاقت بهم وبجماعة الإخوان الهاربة من مصر وتونس أيضا، وهو الخوف من تحول آلاف الليبيين من ليبيا إلى تركيا وسط تردي اقتصادي يبدو طويلا هذه المرة دون التفات البرلمان التركي لهذه المخاطر .

المقدمة الشهية للدولة التركية:

بعد سقوط الخلافة العثمانية صار لدى الكتاب والمؤرخين هوس لاقتناص أخبار هذه الخلافة المريضة سياسيا لاسيما وأنها أقيمت بفضل السواعد والعقول العربية تحت مظلة أن تلك الخلافة الإسلامية، ولايزال هذا الهوس المعلوماتي قائما بالفعل بعد تغلغل متطفل من قبل الدولة التركية والذي تمثل في مشاهد متعددة قبيل ثورات الربيع العربي وحتى وقتنا الراهن . وتركيا بطبيعة تركيبتها الجغرافية والسياسية ظلت مرهونة ببقاء إعلامي يسلط الضوء عنها وعن مشاركاتها التي دوما تصيبها خيبة المسعى وفشل المأمل والمطمح، لذا كانت تربة خصبة للكتابة وتأويل الحالة التركية التي ظلت متأرجحة عقب سقوطها السياسي بعد الحرب العالمية الأولى . ولعل أشهى ما يمكن تقدمة هذه السطور عن تركيا اليوم هو الحرب الدائرة بين بعض الصحف التركية والرئيس التركي رجب طيب أردوغان بسبب نشرها وثائق وأخبار تفيد تسليح أردوغان بعض جبهات المعارضة في سوريا لكنه لا يستطيع البوح لأنه بالفعل بغير قدرة على مواجهة نظام بشار الأسد العسكري ولا الظهير السياسي الروسي والدعم الإيراني، تلك هي تركيا التي تواصل مسلسل ضعفها السياسي منذ سويعات سقوطها في ذيل الحرب العالمية الأولى .

أ ـ اللعب على عطش العيون العربية الجائعة:

وتركيا ظلت تقاوم حلمها وهاجسها القديم باستعادة زعامة الخلافة التي لم يعد لها وجود قائم عن طريق استقطاب الشعوب العربية فقط وليست الإسلامية مثل إيران عن طريق تقديم نوعية معينة من الدراما التي تم اعتمادها على دراسات تفيد عطش العيون العربية والعقول أيضا إلى مثل هذه النوعية من الدراما فكانت المسلسلات التركية التي تقدم مشاهد استثنائية من الوله والغرام والعشق وتقديم تركيا الجديدة العلمانية التي لا ترى في أعمالها الدرامية آذانا أو صلاة أو قراءة للقرآن في الوقت الذي نرى فيه عشرات المنتمين إلى جماعة وتنظيم الإخوان الذي يسانده أردوغان على شبكات التواصل الاجتماعي وهو يقرأ القرآن بصوته الذي يصفونه بالشجي الخاشع الرائع منافسا في تلاوته أساطين التلاوة المصرية من مثل محمد صديق المنشاوي وعبد الباسط عبد الصمد وغيرهما.

ولأن تركيا استهدفت منذ البداية الدول العربية لاستعادة الخلافة المزعومة التي فشلت بدليل سقوطها المدوي وتنازل مصطفى كمال أتاتورك عن أيديولوجية هذه الخلافة فقد رأت أن تقديم العشق الممنوع والأسود والحرام والصامت والصريح وكل أنواع وصنوف العشق رغم أنها دولة الخلافة الإسلامية التي تدشن لإقامة كيانات وتيارات إسلامية في منطقة الشرق الأوسط ـ هو التمهيد المناسب لعيون متعطشة للحم التركي العاري نسبيا وللأحضان الدافئة والملتهبة والمتشوقة لأنها تظن أن الشعوب العربية مريضة بالفعل كما هي سقطت بفضل المرض السياسي الذي أصابها فضعفت أمام القوة الأوروبية والتي من شأنها لا تزال تبحث تركيا عن زاوية صغيرة تنفذ منها صوب الحياة السياسية الأوروبية.

وبعد هذا التمهيد البصري التركي للشعوب العربية عن طريق دراما باتت رخيصة بعض الشئ، لجأت عقب ثورات الربيع العربي وإن لم تكن بالفعل ثورات حقيقية بل هي انتفاضات شعبية لتحقيق مطالب ومطامح قصيرة النظر تزامنت مع المخطط الصهيو أمريكي لترويج الفوضى الخلاقة والتي استحالت بالفعل سمة رائجة في العراق وليبيا واليمن وثمة مناطق في سوريا، سعت تركيا إلى هيمنة ثقافة جديدة تغزو بها العقول العربية غير متناسية في ذلك نظرية اللحم العاري والصدور الناهدة البارزة وجاء هذا الغزو من طريق سلسلة حلقات حريم السلطان التي روجت للعسكرية العثمانية وقوة السلطان العثماني الذي عزا العالم للتأكيد على عراقة الخلافة من ناحية، وعلى قوة الدولة التركية العسكرية من ناحية أخرى .

ولأن الشعوب العربية أكثر اهتماما بقضاياها الراهنة ولا تهمها بالفعل أن السلطان سليمان أكثر ولها وغراما بالجميلة هيام أو بالجواري الحسان، ولم تعد تكترث حقا بحكايا الصبايا العاشقات الوالهات صبا وشوقا في ظل واقع يتضمن وعيا أكثر بقضايا الأوطان الحقيقية، فكرت الدولة المريضة تركيا حسب توصيف أوروبا لها وليس أنا في مناصرة كافة الحركات والتيارات الدينية في المنطقة لكن لم تقدم أية إشارات حقيقية لمكانة أعرق مؤسسة دينية في العالم وهي مؤسسة الأزهر الشريف الأمر الذي عجل بسقوطها شعبيا في المنطقة العربية .

ب ـ وجوه تركيا : أنف وثلاث عيون:

لكن تركيا مباشر اليوم لم تعد تهتم بالشأن العربي لاسيما المسألة السورية لأنها باختصار وجدت نفسها في مواجهة روسيا وإيران وحزب الله فضلا عن المؤسسة العسكرية السورية وهي في الأصل غير مؤهلة لمساجلات قتالية أو حتى مناوشات سياسية لفظية ضد جهات أربع، فقط تستطيع أن تظهر بوجوه ثلاث فحسب، وجه يناصر من بعيد تنظيم الإخوان الذي كان موجودا في مصر ومعظمه إما هارب أو مقبوض عليه خلف أسوار السجون المصرية أو قرر الهجرة بعيدا إلى قطر أو ماليزيا أو تركيا التي ستضطر لاحقا إلى ضردهم إذا أمر الاتحاد الأوروبي بذلك . ووجه الدراما الذي يقدم تركيا إما على أنها دولة معاصرة جميلة وجديدة ذات نساء فائقات الجمال والروعة والإثارة، أو تركيا دولة الخلافة القوية ذات الجواري والقيان والغلمان . والوجه الأخير هو تركيا العلمانية التي قدمت تقريبا كل فروض الولاء والطاعة والإذعان التام لأوامر وشرائط وضوابط الاتحاد الأوروبي ولا تزال تقدم من أجل البقاء ضمن سياج الحماية الأوروبية .

ورغم الوجوه الثلاث التي تشير إلى ديموقراطية الدولة إلا أن مؤشرات القمع السياسي والفكري داخل تركيا هي الملمح الأكثر بروزا اليوم حينما نقرر أن نعكس المشهد التركي الراهن ولاسيما بعد أن أفصح أردوغان الموهوم بالزعامة والخلافة عن مطامحه الداخلية باقتناص الحكم منفردا بغير شريك أو معارضة .

ج ـ أردوغان: أنا الحاكم ولتسقط الديموقراطية البلهاء:

في الوقت الذي يدغدغ فيه أردوغان أسماع وعقول المحسوبين على تنظيم الإخوان في مصر أو جبهات المعارضة في سوريا بأنه الرجل الذي جاء من أوروبا ليحقق أحلام الديموقراطية في منطقة بلاد العرب هو نفسه الذي قرر أن يسحق الديموقراطية في بلاده معلنا صراحة بأنه الحاكم الفعلي للبلاد والعباد ولتسقط الديموقراطية بغير رجعة .

ففي نهاية العام المنصرم من هذا الشهر اجتمع بمساعديه ورفقاء الحلم التركي المريض معلنا بضرورة اعتماد النظام الرئاسي في الحكم وليس الاشتراط إلى نسبة أغلبية البرلمان لتشكيل الحكومة أو أن يبقى رئيس الحكومة الذي أعلن بالفعل استقالته معترضا على قرارات الرئيس الديكتاتور عدو الديموقراطية أردوغان بتحويل نظام الحكم في تركيا إلا النظام الرئاسي .

وهذا التحول الانقلابي في تركيا يعكس عن الوجه الحقيقي لرجل يطمح في الزعامة والخلافة عن طريق إقصاء الآخر، وهو يشبه في المسلك أوباما حينما كان يعوض فشله الداخلي بإقحام أمريكا في سياسات دول الشرق الأوسط متوهما وشعبه أنه بذلك يحكم العالم، لكنه في الواقع مثله مثل أردوغان يعاني من حالة فصام نفسي تجعله ينأى عن واقع ما يقدمه عن نفسه للعالم، فالأول أوباما قدم نفسه على أنه مُخَلِّص البشرية الجديد، والأخير أردوغان لايزال يقدم نفسه للعالم الإسلامي بأنه رسول الديموقراطية ولأوروبا بأنه النموذج الكامل للعلماني .

د ـ في انتظار محطة الوصول:

واليوم لا يمكننا التنبؤ بمستقبل أردوغان السياسي سوى بأنه على وشك محطة الوصول الأخير للسقوط، فهو على مستوى المشاركة في المشهد العربي الراهن لا دور له في المسألة السورية التي بدت أكبر منه ومن قدراته ومن مؤسسته السياسية، وعلى مستوى المشاركة الأوروبية ربما أنه أدرك دوره الحقيقي كوسيلة تستخدمها أوروبا بعض الوقت من أجل ترويج الفوضى في منطقة الشرق الأوسط، والداخل فبعد إقصاء كبار المفكرين والكتاب، وقهر المعارضة رغم التظاهرات التي لا تنتهي هناك، أصبح اليوم في مسعاه للانفراد بالحكم بغير مشاركة حقيقية، وعلى المواطن التركي أن يستفيق إلى مصيره مع حاكم مثل أردوغان بدا متخليا عن ديموقراطية وطنه وراح يروج لها في الشرق الأوسط مهرولا صوب أوروبا من أجل اعتراف سياسي يضمن بقاءها وسط الكيانات الأوروبية الكبيرة .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

ابراهيم أبراشكثيرة هي التساؤلات والمواضيع التي يكتنفها الغموض حول كل ما جرى ويجري منذ ظهور المجمع الإسلامي 1973 في غزة، والسياسة المناوئه التي انتهجها تجاه منظمة التحرير الفلسطينية، ثم ظهور (حركة المقاومة الإسلامية –حماس) بداية الانتفاضة الأولى 1987، إلى الانقسام والانقلاب على السلطة الفلسطينية 2007، ونهج حركة حماس ومفاوضاتها حول الهدنة مع إسرائيل بمعزل عن منظمة التحرير، وعلاقاتها المتميزة مع قطر وتركيا وجماعة الإخوان المسلمين، وموقفها في المواجهة الأخيرة بين حركة الجهاد وإسرائيل وصيرورة أهداف (المقاومة) فقط الدفاع عن سلطة حماس في غزة، وأخيراً كل الإجراءات والمشاريع على الأرض لتكريس كيان في غزة بمعزل عن منظمة التحرير والسلطة الوطنية، كالمستشفى الميداني الأمريكي والحديث عن المناطق الصناعية الخمسة وميناء عائم ومطار وتسهيلات لعمل قطاع غزة في إسرائيل.

هذه التساؤلات ستكون مفهومة إذا وضِعت في سياق أن حركة حماس منذ تأسيسها تتصرف باعتبارها امتداداً لجماعة الإخوان المسلمين، فالدور الذي تقوم به حركة حماس في فلسطين امتداد لدور الإخوان المسلمين على مستوى العالم العربي كمشروع إسلامي يسعى لتأسيس دولة الخلافة على أية بقعة أرض تسيطر عليها وهو في ذلك وبالضرورة يتموقع كحالة معارضة وصدامية مع الدولة الوطنية والمشروع القومي العربي والقوى التحررية والتقدمية، وفي كثير من الأحيان يلتقي هذا المشروع مع المصالح الغربية والامبريالية ومع الدور التخريبي للجماعات الإسلاموية التي صنعها الغرب وعاثت فساداً ودماراً في العالم العربي في مهمة تدمير الدولة الوطنية بهويتها وثقافتها وجغرافيتها .

فشلت جماعة الإخوان المسلمين طوال ثمانية عقود وعبر العالمين العربي والإسلامي في تأسيس إقليم-قاعدة أو دولة لتكون منطلقاً لدولة الخلافة المزعومة التي تشمل العالم (الأستاذية)، باستثناء الوضع الملتبس للسلطة القائمة في تركيا، ونظام البشير في السودان الذي ثار عليه الشعب أخيرا،  ومرحلة حكم محمد مرسي في مصر ، فوجدت حركة الإخوان في قطاع غزة الذي لا تريده إسرائيل وفصلته عن الضفة كما لا تريده مصر، وجدت فيه مبتغاها المنشود لتُقيم عليه إمارة إخوانية بتشجيع أو باستدراج خبيث من واشنطن في سياق سياسة (الفوضى الخلاقة) التي تزامن طرحها مع موافقة حماس على المشاركة في السلطة من بوابة الانتخابات 2004 .

هذا لا يعني أن كل المنتمين لحركة حماس ومؤيديها عبر العالم مشاركون في هذا المخطط، فكثير منهم انتموا لحماس وأيدوها من منطلق وطني ولأنها رفعت شعار تحرير فلسطين وعدم الاعتراف بإسرائيل، وبالتالي غير مدركين للعبة السياسية الدموية التي تجري في قطاع غزة وحوله، كما أن حياتهم المعيشية أصبحت أسيرة ما توفره جماعة الإخوان وسلطة حماس ومن يدعم مشروع الانفصال من أموال .

لم يكن خطأ حركة حماس أنها مارست المقاومة المسلحة أو الجهاد، فالمقاومة حق لكل شعب خاضع للاحتلال وسيأتي يوم لن يكون فيه أمام الشعب إلا العودة للمقاومة بكل أشكالها، وبالتالي ليس مطلوب أن تستمر حركة حماس وفصائل المقاومة الأخرى في نهج المقاومة المسلحة إلى ما لا نهاية، ولكن كان على حركة حماس عدم تحويل الشعب الفلسطيني لحقل تجارب لمشاريع وأجندة خارجية، كما أن الخلل يكمن في أن حماس مارست المقاومة بدون استراتيجية وطنية وفي سياق مناكفة منظمة التحرير، والأسوأ من ذلك أن حركة حماس وظفت المقاومة المسلحة لخدمة مشروعها الإخواني الذي يهدف لإقامة كيان في قطاع غزة ليكون إقليم /قاعدة للإخوان المسلمين، وكل الشهداء والجرحى والخراب الذي أصاب قطاع غزة خلال المواجهات والحروب في غزة وعليها كان لتحقيق هذا الهدف، والآن وبعد أن أصبح كيان غزة الإخواني شبه ناجز بدعم إسرائيلي وأمريكي فوظيفة المقاومة انتهت بالنسبة لحركة حماس وهذا ما يفسر المفاوضات حول الهدنة طويلة الأمد .

كما لم يكن خطأ حركة حماس أنها ترفض الاعتراف بإسرائيل وترفض نهج المفاوضات معها فهذا موقف إيجابي من حيث المبدأ، بل لأنها حاولت من خلال هذا الرفض أن تؤسِس مشروعاً بديلاً لمنظمة التحرير وللمشروع الوطني، وبالرغم من انكشاف خطأ صيغة الاعتراف المتبادل بين المنظمة وإسرائيل وهناك مطالبات بالتراجع عنه إلا أن حركة حماس تسعى من خلال وسطاء لإيجاد صيغة توافقية للاعتراف بإسرائيل بشروط أو التعايش معها، ، بل إن حماس اليوم تقبل بدويلة في قطاع غزة، وإلا ماذا تعني الهدنة أو التهدئة التي تجري مفاوضات بشأنها بمعزل عن السلطة والمنظمة، والحديث عن ميناء ومطار وتسهيلات إسرائيلية أخرى، وماذا يعني انتقال المقاومة إلى (استراتيجية المقاومة الدفاعية) وعن أي شيء ستدافع؟!! .

أيضاً دأبت حركة حماس ومن يواليها من الأحزاب على التنديد بالتنسيق الأمني بين أجهزة السلطة وإسرائيل وأن هذا التنسيق يصب في خدمة أمن إسرائيل ويضيِّق الخناق على المقاومة، كما تعتبر حركة حماس أن سبب توقف عملياتها الاستشهادية أو الحربية في الضفة والقدس سببه التنسيق الأمني، ولكن، على كل من يرفض ويندد بالتنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل، وهو تنسيق مُدان ومرفوض بالفعل، أن يرفض ويُندد بالهدنة بين حماس وإسرائيل لأن الهدنة أو التهدئة تعتبر تنسيقاً أمنياً بجدارة، وزعم حماس أنها وافقت على التهدئة ووقف مسيرات العودة كإجراء اضطراري لتسهيل الحياة على المواطنين في القطاع وحتى تحمي أرواح المواطنين من البطش الإسرائيلي هي نفسها الأسباب التي قالت بها حركة فتح والسلطة كتبرير للتنسيق الأمني، مع أن إسرائيل حتى الآن فرضت معادلة هدوء مقابل هدوء دون أن يتم رفع الحصار أو تخفيفه وتبخرت كل الوعود بهذا الشأن  .

حتى وإن كانت حركة حماس تنسق أمنيا ًبطريقة غير مباشرة لأنها لا تعترف بإسرائيل رسمياً إلا أن نتائج أو مخرجات التنسيق والهدنة واحدة وهي وقف المقاومة، ووقف المقاومة مع استمرار الاحتلال والاستيطان وتهويد المقدسات الإسلامية معناه الخضوع والاستسلام لواقع الاحتلال، وإعلان فشل لكل من يقولون بالمقاومة والتحرير ، وكانت المواجهة الأخيرة الناتجة عن اغتيال بهاء أبو العطا كاشفة لكل فصائل المقاومة وخصوصاً حركة حماس .

بعد تراجع مشروع الإخوان المسلمين عالميا وخصوصا بعد إنهاء حكمهم في مصر الذي استمر حوالي العام فإن الشعب الفلسطيني يدفع الثمن وحركة حماس تتخبط بعد أن فشلت مراهنتها على الإخوان وعلى الإسلاموية السياسية بشكل عام .

فشلت حركة حماس في اختبار الجدارة الوطنية، ولم يتوقف الأمر على فشل مشروعهم للمقاومة المسلحة أو الجهاد لتحرير فلسطين كما كانوا يقولون بل إنهم فشلوا حتى في المقاومة السلمية، فمسيرات العودة ورفع الحصار على حدود غزة تآكلت تدريجياً وأخيرا تم المساومة عليها مقابل المال!، كما فشلت حركة حماس في تأمين المتطلبات الحياتية للمواطنين بحيث باتت تستجدي المال من أي كان وبأي ثمن حتى لا ينفرط عقد منتسبيها ومؤيديها، والأدهى من ذلك أن إسرائيل وظفت حماس كأداة للانقسام وفصل غزة عن الضفة، والمسؤولية الكبرى عن كل ذلك تتحملها جماعة الإخوان المسلمين ومن يواليهم ويتبعهم، الذين نزعوا قطاع غزة عن سياقه الوطني وحملوه أكثر من قدرته على التحمل .

فهل ستقوم جماعة الإخوان بمراجعة لسياساتها تجاه فلسطين وتعترف بخطئها وتعتذر للشعب الفلسطيني وخصوصا لأهالي قطاع غزة؟ وهل ستقوم قيادة حماس الحالية بالبناء على المراجعة النسبية كما وردت على لسان خالد مشعل في سبتمبر 2016 وفي وثيقتها الجديدة التي طرحتها في فاتح مايو 2017؟ أم أن المخطط متواصل وحسابات الإسلاموية السياسية أهم وأقوى من الحسابات الوطنية وما أفسده الإخوان المسلمين لن تصلحه انتخابات أو نوايا حسنة عند بعض قيادات حماس؟ إن لم تحدث هكذا مراجعة فلا قيمة لأي انتخابات عامة أو لحوارات مصالحة؟ . 

وأخيرا سنسمع من يتهمنا بالتحيز للطرف الثاني، المنظمة والسلطة وحركة فتح، ونقول لهؤلاء إن أخطاء هؤلاء لا تبرر خطيئة حركة حماس وخصوصاً أن قطاعاً كبيراً من الشعب راهن على حركة حماس وخصوصاً في انتخابات يناير 2006 لتصحح مسار السلطة، إلا أن حركة حماس وقعت وأوقعت الشعب في أوضاع أكثر سوءاً مما كان موجوداً قبل الانتخابات وقبل سيطرتها على القطاع . لأن في الوطن متسع للجميع ولأن الوطن يحتاج للجميع، ما زلنا نأمل من حركة حماس تدارك الأمر قبل فوات الأوان .

 

إبراهيم أبراش