كاظم الموسويمثل آلاف المواطنين في المدن الامريكية خصوصا تظاهر الآلاف من المواطنين في المدن البريطانية منذ الأسبوع الأول من شهر حزيران/ يونيو، كما هو الحال في مدن وعواصم أوروبية وخارجها. وعبّر المتظاهرون عن وعي واضح عاكسين فيه مشاعر التضامن الانساني مع الضحية الجديدة/ الرمز الامريكي جورج فلويد، وكل الضحايا، في كل مكان. وقدمت التظاهرات اعلانا صريحا ضد العنصرية والفاشية والاسلامفوبيا، التي تمارسها سلطات رسمية في الولايات الامريكية والدول الاوروبية، عموما.

لهذا جاءت هذه التظاهرات بحشود كبيرة.. عشرات الالاف من المواطنين، جابوا الشوارع رغم تحذيرات المنع وخرق قرارات جائحة الكورونا من الاغلاق التام والابتعاد الفردي، ومعها الطقس الممطر ، وكانت تمثل صرخة ضمير إنساني لم يستطع صبرا أو  صحوة ضمير لم يقدر على الصمت كثيرا. في لندن توجهت التظاهرات مباشرة الى مبنى السفارة الامريكية في بنايتها الجديدة، على نهر التايمز، مطوقة المبنى باعدادها الكبيرة ولافتاتها المعبرة. وكانت أبرز لافتاتها تحمل العبارة المشهورة "حياة السود مهمة او تعني الكثير"، وهذا شعار واسم حركة تدافع عن الحقوق والحريات، في الولايات المتحدة الأمريكية وتوسعت عبر العالم، ولافتة تحمل عبارة "لا أستطيع أن أتنفس" التي كان يرددها جورج فلويد قبل وفاته بدقائق، وكذلك لافتة تحمل شعار "العدالة لجورج فلويد".

اضافة الى المسيرة للسفارة الامريكية توزعت التظاهرات والاحتجاجات في اكثر من منطقة في العاصمة لندن، واستمرت زمنيا ببرنامج متواصل، في بكهام، في جنوب لندن، وفي حديقة البرلمان، المقابلة لبناية البرلمان في وستمنستر، كتب المتظاهرون شعارات وكلمات منها  كلمة "عنصري" على تمثال ونستون تشرشل، وزير المستعمرات ورئيس وزراء الاستعمار البريطاني، المنتصب في مدخل الحديقة، مواجها البرلمان. وفي ميدان (الطرف الأغر) بوسط لندن جثا المحتجون على ركبهم مرددين كلمات الضحية الاخيرة، "لا أستطيع التنفس". كما حملوا لافتات "لا عدالة.. لا سلام" و "لا مكان للعنصرية"،  والشعارات الاخرى، ورافعين قبضاتهم رمزا لروح الاحتجاج والغضب الشعبي والتحدي. وأصبحت هذه الحالة صورة احتجاج صامت وتعبير كامل عن  إدانة العنصرية وأساليب السلطات الرسمية الفاشية في التعامل مع الضحايا.

وابرز حدث في تلك التظاهرات البريطانية ما حصل في مدينة بريستول، حيث أسقط المتظاهرون تمثال تاجر "العبيد" البارز في القرن السابع عشر إدوارد كولستون، كما وصفته شبكة البي بي سي الإخبارية، وألقوا به في نهر أيفون. وكان كولستون (توفي عام 1721) عضوا في الشركة الأفريقية الملكية التي كانت وراء المتاجرة بحياة أكثر من 80 ألف رجل وإمرأة وطفل من أفريقيا إلى الأمريكتين. وله ممتلكات واثار دالة عليه في أماكن أخرى من المدينة. ينبغي متابعتها وازالتها من الواجهات. ونبهت هذه الخطوة/ المبادرة الوعي الشعبي إلى ضرورة إزالة أية آثار ذات دلالة للفترات المظلمة في تاريخ البشرية، ومنها التماثيل أو الاسماء والمسميات للشوارع والمناطق، وكل ما يتعلق بهذه الجرائم التاريخية. سواء في بريطانيا أو الغرب عموما. وهو ما صرح به عمدة لندن صادق خان ودعا إلى تنفيذه للتخلص من كل آثار الرق وتجارته ومراجعة تماثيل العاصمة ومعالمها والاسماء والعناوين. وتم فعلا رفع اول تمثال للتاجر الاخر روبرت ميليغان، الذي تاجر بحياة الأفارقة في القرن الثامن عشر الميلادي، من أمام متحف لندن دوكلاندز.

عند سقوط التمثال، في بريستول، جثا أحد المتظاهرين بركبته على رقبته، ممثلا ومكررا مشهد الحدث الأمريكي، الذي نقلته الشاشات والفيديوات، للمواطن الأعزل جورج فلويد، المقيد اليدين والممدد على وجهه، على الارض، وقيام شرطي أمريكي بعنصرية ووحشية، بقتله، بعد أن ركز ضغط ركبته على رقبة الضحية لأكثر من ثماني دقائق وهو يصرخ تحته "لا أستطيع التنفس"!. وكان نقل هذه الحادثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات وغيرها مؤثرا جدا، إضافة الى فضح الجريمة وعرضها أمام العالم. وحركت الصورة المؤلمة والسلوك الوحشي كل هذه التظاهرات والحراك الشعبي الاحتجاجي، في الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها. ليس لهذه الحادثة وحدها وانما لتاريخ طويل من الاضطهاد والقمع والعنصرية والتمييز العرقي.

تظاهرات بريطانيا باعدادها الكبيرة وظروفها الحرجة بينت استمرار روح التضامن الإنساني والغضب الشعبي من سياسات الادارات الاستعمارية والراسمالية المتوحشة وممارساتها العنصرية، تاريخيا وحاليا، واعادت للشارع سلطته في الاحتجاج والتحدي. قدمت صورة إنسانية اخرى تدين العنصرية وتدعو لمحاكمة مرتكبيها في كل مكان، لا عدالة.. لا سلام. حيث انكشفت العنصرية كممارسة سياسية وتمييز عنصري وتكريس هوية عرقية في هذا الوقت من القرن الواحد والعشرين.. وهو ما يعني ويدل بأن جريمة عنصرية كهذه لن تمر مرور الكرام، بل تستعيد كل التاريخ المظلم، وتكشف كل الصفحات السوداء في تاريخ الغرب، في هذه القضية وفي تاريخها ومستقبلها. وهو ما حرك مشرعون امريكان لإزالة تماثيل لرموز امريكية في بنايات البيت الأبيض والكونغرس وغيرهما، مارسوا هذه السياسات واعتبروا حينها من ابطال تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

الخطوات التي جرت في التظاهرات، السلمية الاحتجاجية، ينبغي أن تتواصل في محاكمة التاريخ، واسقاط كل الرموز والتماثيل والعناوين التي تؤشر وتذكر بكل الذين شاركوا في جرائم العنصرية، ومعاداة المهاجرين والأديان. ورغم قوانين الغاء " العبودية" وانتهاء صفحات منها، الا أن الممارسات الفعلية مازالت تكرسها، رسميا وفي التعامل والسلوك الإداري أو الوظيفي وحتى في التعليم والنشاطات العامة. وحين ينفجر الغضب الشعبي بهذا الشكل ازاء ما حصل لجورج فلويد في مدينته الأمريكية، وكل الولايات، وإعادة الذكريات المرة والحزينة والكارثية من تاريخ لا يمكن التسامح معه والنسيان لاحداثه القاسية وعديد ضحاياه الكثر، يصبح العمل على التغيير الكامل مطلوبا دون تهاون أو تمهل أو انتظار. أن التمييز العنصري والعرقي في هذا القرن لا يمكن قبوله أو السكوت عليه. ففي الوقت الذي تتعالى الاصوات من أجل الحقوق العامة والمساواة والعدالة للجميع من سكان الكرة الأرضية يكون هذا الفعل الشنيع منبوذا واجراما مدانا وعنفا فاشيا، ولابد من ان تكون المعاقبة عليه شديدة بما يردع تكراره أو إعادته أو السماح له.

صحيح ان جورج فلويد ليس اول ضحية لجريمة العنصرية ولكن بعد هذه التحركات الشعبية في العالم والغضب العارم فليكن اخر ضحية في هذا الزمان. كما ردد المتظاهرون في انحاء العالم، وليس في الولايات الامريكية والمدن البريطانية فقط، لا عنصرية بعد الان. وليكن درسا معلنا لكل السلطات في جميع أنحاء العالم، وفتح صفحة جديدة في تاريخ البشرية، يسجل التاريخ الآن بدايتها، وبعدها يجري العمل بثقة وصدق لبناء علاقات وقيم إنسانية يتمناها جميع البشر.

 

كاظم الموسوي 

 

 

سليم الحسنيالكاظمي ليبرالي متمسك بهذا المنهج، نسج علاقاته الوثيقة مع السياسيين الأمريكيين والأوربيين منذ أكثر من خمس وعشرين عاماً، وقد كانت علاقاته متشعبة مع الجمهوريين والديمقراطيين، مع الحمائم والصقور في واشنطن، ساعده على ذلك الدكتور كنعان مكية صاحب العلاقة الأكثر وثاقة بالسياسيين الأمريكيين. كما حافظ الكاظمي على علاقاته القديمة مع الإسلاميين، ووازنها مع بعض السياسيين السنة، وأبقى الحرارة مستمرة مع القيادات الكردية.

هذه الخلطة الصعبة من العلاقات كانت تحتاج الى السير بين المتناقضات، وقد استطاع الكاظمي أن يقطعها في ظل الأجواء المتقلبة والحساسيات المفرطة، من دون مشاكل ومن غير متاعب. يعود السبب الى أنه رسم لنفسه دور الإداري وليس السياسي.

لا أدري إن كان قد اختار هذا الدور نتيجة التفكير أم بشكل تلقائي. لكنه في هذا الاختيار تخلص من التقاطعات الحادة التي كانت تطبع كل السياسيين والمعارضين بدءاً من القيادات وانتهاءً بأبسط منتسب حزبي. نجى الكاظمي من التصنيفات الحادة عندما دخل النشاط السياسي المعارض لنظام صدام، بشخصية الإداري الذي يتولى مهمات إعلامية.

مرّ الكاظمي على ثلاث شخصيات مهمة في حياته، تركت كل واحدة أثرها في بناء شخصيته.

كانت بدايته بعد الهجرة الى إيران مع الحاج كاظم (مهدي عبد المهدي) القائد الكبير الذي كان يثق به الشهيد محمد باقر الصدر أكثر من غيره في شؤون العمل المعارض ضد نظام صدام. والبطل الذي قضى حياته معارضاً صلباً عنيداً يصطحب الموت معه في تنقلاته الدائمة بين مقراته الحدودية وبين مناطق العراق في أشد الظروف حراجة. لم ينم على سرير مريح أو يأوي الى بيت هادئ، كانت حياته معارضة وكفاح ومبادئ، رحمه الله برحمته الواسعة، فقد توفي بعد فترة قصيرة من إطلاق سراحه حيث قضى أكثر من عامين معتقلاً عند القوات الأمريكية. (كتبتُ عنه عدة مقالات، وسأكتب عنه أكثر بعون الله).

انضم مصطفى الكاظمي في بداية شبابه الى تشكيلات الحاج كاظم، وتأثر بشخصيته وشجاعته، وخاض معه بعض التجارب الجهادية القتالية، وكان من رفاقه في تلك الفترة الشهيد أبو أيمن والشهيد أبو ثائر الناصري.

لكن الكاظمي لم يستمر على ذلك فترة طويلة، فقد ترك إيران الى أوروبا واستقر في السويد، وهناك وجد استاذه الذي كان يتردد عليه قبل ذلك في طهران، وهو الأستاذ غالب الشابندر المحطة الثانية في حياة الكاظمي.

طبيعة العلاقة والتتلمذ على يد الشابندر تجعل صاحبه ينفتح على آفاق الفكر الإسلامي، وتجعله أيضاً يبحث عن مجال جديد يختاره في التفكير والعمل. تأثر الكاظمي بمنهج استاذه أكثر من تأثره بفكره. وقد غمره الشابندر بأبوة روحية طاغية، وإن كان يختلف عنه في التوجهات والآراء والعلاقات بشكل كبير جداً، يصل الى حد الاختلاف الشديد. ولا يشعر الشابندر بعقوق تلميذه وابنه، فشخصيته المتمردة، وهذا التشابك المعقد والغريب بداخله، يجعله يرتاح حين يتمرد عليه أحد تلامذته، فهو يراه عندئد قد نجح في اختيار الطريق.

انطلق مصطفى الكاظمي بعد ذلك الى آفاق أوسع في العلاقات، فكانت محطته الثالثة مع كنعان مكية. وهنا وجد الكاظمي نفسه أمام عالم جديد يختلف عن السابق، فهناك شخصيات تدخل وتخرج على صانعي القرار، ورجال يشتركون في مهمات كبيرة في المعارضة والعلاقة مع الدوائر السياسية الإقليمية والدولية.

إهتم كنعان مكية بالكاظمي بسبب قابلياته الإدارية، فلقد كان صاحب مشروع سياسي لكنه لا يجيد إدارته، ويعترف مكية بذلك ويصرح بعدم قدرته على الإدارة، لأنه مهتم بتوجهاته الفكرية السياسية.

تأثر مصطفى الكاظمي بالتوجه الليبرالي لأستاذه الجديد كنعان مكية، وتأثر أيضاً بالنقلة الفكرية التي يرويها مكية عن حياته، فقد بدأ معجباً باليسار، وسار مع الماركسية يقرأها ويدرسها، لكنه بعد سنوات من هذا الاهتمام لم ترق له، فتخلى عنها ليصبح ليبرالياً متمسكاً بالفكر الليبرالي بشكل تام.

شجّعتْ تجربة كنعان مكية في التحول من الماركسية الى الليبرالية، مصطفى الكاظمي للتحول من الإسلامية الى الليبرالية. فصار يجد شخصيته وهويته وتطلعاته من خلال منظارها. لكنه احتفظ بقدر من القديم الذي نشأ عليه. تلك هي توجهاته الشيعية وخصوصاً ما يتعلق بجانبها الطقوسي حول عاشوراء وثورة الامام الحسين عليه السلام.

الكاظمي الليبرالي الشيعي، ورئيس الوزراء الإداري وليس السياسي، يتولى مسؤولية خطيرة صعبة. وبالنسبة له فأن الصعوبة أمامه تتوزع على مشكلتين أساسيتين:

الأولى: يتحمل مسؤوليتها بنفسه، وتتعلق في فريق العمل. وهذه صارت محور الكلام في توجيه النقد اليه من أطراف عديدة. فقد اختار معظم فريقه من العلمانيين منسجماً مع توجهه الليبرالي.

الثانية: هي المشكلة الأعظم التي تطبع الحياة السياسية، وهي الصراعات الحادة بين الكتل والأحزاب والقيادات. ويتركز عمل هذه القوى على ابتزاز رئيس الوزراء، فمساندته لابد ان تكون مقابل مناصب ودرجات وظيفية مهمة يقدمها لهم. وأيضاً يجب عليه أن يسكت عن ملفات الفساد ولا يقترب منها.

مصطفى الكاظمي، الشيعي الليبرالي المقرب والمدعوم من أمريكا، أمامه عدة مهام صعبة: إخراج القوات العسكرية الامريكية من العراق. محاربة الفساد بجدية وسرعة. انقاذ الدولة المنزلقة نحو الانهيار من السقوط في قعر الوادي.

المهمة صعبة، وفي نفس الوقت لا تقبل الأعذار والتبريرات.

 

سليم الحسني

 

 

حسن خليل حسنمن يظن ان العراق ما قبل التظاهرات الاخيرة يشبه ما بعدها فليس له حظ بفهم المشهد السياسي، فمرحلة ما بعد الكاظمي تختلف بالمضمون وان بدت ذات اختلاف شكلي فقط، الكاظمي المخضرم بالفن الاعلامي، جاء في زمن مرتبك لكنه لم يضيع مكتسبات المرحلة، قرّب الاصوات الاعلامية الهادرة  ليصنع الفرق اعلامياً، فصوت الاعلام هو من يحكم الشارع بعد ان انكفأ صوت الاسلام السياسي المتهم بالفساد والفشل.

اهم ما في مرحلة الكاظمي هو تذويب المكانة السياسية للكتل الكبيرة في المشهد والقرار المؤثر، لم يلتقي بهم الا في لحظة التكليف وهي لحظة الامر الواقع، شكّل اسرع الحكومات وحصل بذلك على اقل اللعنات، فهو يعمل بجميع صلاحياته في آن واحد، ويكتفي بمجاملة شكلية للقرارات التي كانت تُطبخ في قلب الابراج العالية، كما ان صمت المتظاهرين وخفوت الحراك الشعبي بعد تسنّم الكاظمي ليس من فراغ، بل لأدراك الشارع المنتفض ان جميع الاجراءات التصاعدية للعمل الحكومي كان وما زال لإرضاء المتظاهرين عن بعد، وهذا يتناغم مع عدم رضاهم على الاداء الحكومي في جميع مفاصل الدولة.

الكاظمي ادرك ان تسنمه منصب رئاسة الوزراء يعد هدية الشارع الساخط في الاحتجاجات الاخيرة، وهو بذلك يستفيد من تجارب الاخفاقات السابقة للعراق، ليسير بولايته نحو نقطة تحول فارقة بعد العام 2003، باختصار هو يعمل بمنظومة قرارات عميقة تبدو وانها ذات مغزى اعلامي، بدون النظر عن نفاذها او تلكؤها، المراهنة على مسألة الوقت في الاداء فيتحرك ليلاً ونهاراً بكل الاتجاهات، كما يبدو ان آخر من يحاول ارضاءهم هم الخصوم السياسيين الذي اعترضوا بجبهة عريضة على تسنمه المنصب حينما كان اول المرشحين له.

السطوة الاعلامية ستوفر للكاظمي فائدتين الاولى جس النبض الجماهيري في الاعلام الذي هو مرمى الوعي الوحيد حاليا، وبعدها تهيئة الارضية لسحب البساط من تحت اقدام النظام السياسي الحالي، بعد ان ايقنت الجماهير والمرجعيات عدم جدوى الوجوه المتكررة في ظل البرلمان الذي تسيره قادة الكتل الاسلامية، وربما يكمن سر قوة الكاظمي في قرب قراراته من توجهات الشباب والكتل المدنية التي تتعطش لتغيير الوجوه وزعامة المشهد، هو يدرك ان قوى الشباب المتظاهر هي من اعطته فرصة كبيرة لأنه جاء من غير دعم الوجوه السياسية الكبرى، وعلى مرارة من الوجوه الاخرى، وبهذا فهو يتحرك بثقة ومرونة بالرغم من انه جاء في وقت اشد الازمات، وربما الثقة تأتي من فراغ الساحة من المراهنين على المنافسة السياسية الرقمية بالرغم من التفات البعض لهذه النقطة مؤخرا.

ما ينقص الكاظمي الان الحاجة لترشيد الجرأة وتقنين الانتصارات الاعلامية، ومراجعة دقيقة لجدوى القرارات السابقة وفائدتها على الواقع الجماهيري ككل وليس لقوى الرفض الجماهيري فقط، فوضع القرارات في ميزان المصلحة الوطنية للوضع الراهن يظهر ان فيها  الغث والسمين، فالحركة ضد الفصائل المقاومة لم تكن بالقرار الرصين، وان كان يبحث عن خطوة  لاستشعار رضا الاقطاب الداخلية والخارجية الفاعلة التي تراقب المشهد او البحث عما يحقق نصراً اعلامياً كبيراً، كان من الافضل ان يعالج مشكلات تمدد الاكراد على الارض والاقتصاد العراقي، اما الفصائل المقاومة فهي ظهير استراتيجي ضروري للوضع الامني العراقي، ولا يوجد تأثير سلبي واقعي او محتمل على القضايا السياسية العراقية.

الجميع يعلم ان الكاظمي يحاول ارضاء خصوم الحشد من امريكان وخليجيين وقوى مدنية تدعي بوجود تأثيرات ايرانية في قرارات هذه الفصائل، بينما لم تثبت الوقائع ذلك، بل التحرك المسلح لهذه الفصائل لم يكن سوى ردة فعل بمقابل الاعتداء عليها داخل ارض الوطن، وربما نجحت امريكا مؤخراً بخلق احداث تسببت بردة الفعل ضد قواعدها في العراق، ونجحت بإظهار هذه القوى التي تعمل طوال السنوات الاخيرة تحت مضلة الحكومة وتأتمر بأوامرها وكأنها معضلة امنية عراقية بينما الحقيقة غير ذلك، كما ان قضية الفصائل المسلحة ليست بمصاف قضايا اهم مثل كشف الفساد والاموال المنهوبة من قبل مافيات سياسية معروفة،  فخصومة الداخل امر ذو نتائج عكسية وهذا ما اثبتته التجارب في زمن علاوي والمالكي، كما ان العراق بحاجة الى قوة شبه حكومية ساندة تتحرك وفق سياق ايجابي في ظل استمرار مخاطر داعش واعادة نفث الروح فيه، والاطماع التركية المتنامية في شمال العراق، وربما ضرورية في هذا الوقت للتلويح بالردع  للانفصاليين من شركاء الوطن.

يمكن للكاظمي في هذه المرحلة الارتكاز على المرونة الكبيرة في التعامل مع فصائل المقاومة العقائدية التي ترتكز على قناعات وطنية وان عكس الاعلام المضلل غير ذلك، ان اخذ عهود المقاومة  بان يكون تحركها ضمن القضايا العراقية ممكن جدا مقابل تطبيق اجلاء سريع للوجود الامريكي الذي يتسبب دائماً بأزمات داخلية وخارجية متعاقبة، وهو الحل الانسب في هذه المرحلة، كما ان التنصل من اتفاقية العراق مع الصين واحدة من السلبيات، اذ اشارت اللجنة الاقتصادية النيابية مؤخراً ان الحكومة اغفلت في برنامجها الحكومي العديد من الأمور الاقتصادية المهمة في ظل الظرف الاقتصادي الحالي الصعب، بينما كان يمكن للكاظمي مسك العصا من الوسط، فان تشذيب الاتفاقية بما يخدم وضع العراق الذي يحتاج الى الربط السككي مستقبلاً بشكل مصيري غير قابل للقسمة على اثنين، حيث اصبح النفط اقتصاد الكسالى والاعتماد عليه من البلاهة والاستسلام للإفلاس والمجاعة،

في هذا الظرف على الكاظمي ان يركن جميع الملفات الثانوية ولا يستجيب لضغوط الادارة الامريكية، العراق يحتاج لمن يأخذ بيده لتحقيق تجارب تنمية الاقتصاد التجاري والنهوض بالزراعة الحديثة وتوليد الطاقة النظيفة، هذه الملفات لا يمكن لغير الصين ان تحققها على المدى المنظور، من جانب الغرب يمكن تأمين علاقات مرضية مع الغرب، وهذا الدور لا يمكن لغير الكاظمي ان يلعبه في هذه المرحلة.

 

د. حسن خليل حسن

 

سامان سورانيبما أن جائحة كورونا سوف تسهم في تقوية دور الحکومات وتعزيز الوطنية، لکن الدخول في المسرح الدولي بحاجة الی عمل صانع القرار في حل الخلافات الداخلية، لأن السياسة الخارجية الفعؔالة، التي تعبر عن الإرادة الشعبية، تطلب دوماً أن یكون الشعب متحد حول سياسة خارجية متحدة.

نحن نری بأن السياسة الخارجية هي جزء مهم من النشاط الحكومي نحو الخارج وجزء من السياسة الوطنية الناتجة من قرارات وأفعال صادرة من أصحاب القرار لمعالجة مشاکل تطرح ماوراء الحدود بهدف تحقيق أهداف بعيدة أو قريبة المدی.

أي أن السياسة الخارجية هي المفتاح الرئیسي في العملية التي تترجم بها الدولة أهدافها ومصالحها بعد أختيار ماينبغي علیها أن تقوم بە فيما يخص الشٶون الدولية وفي إطار حدود قوتها وواقع بیئتها الخارجية.

فیروس کورونا الذي أدی الی تراجع النشاط الاقتصادي وزيادة التوتر بين الدول وعدم الإستقرار وساهم في حصول نزاع واسع النطاق داخل بعض الدول وفيما بینها، يجبرنا أن نؤمن بإستبعاد عودة العالم مرة أخری إلى فكرة العولمة ذات المنفعة المتبادلة، التي اتسم بها مع بدايات القرن الحادي والعشرين.

السؤال هو، ماهي الثوابت والمرتکزات التي تقوم علیها السياسة الخارجية لإقلیم كوردستان في ظل التغيرات المحورية في التعاون الدولي وتغيير خریطة السيطرة والصراع والوسائل المستخدمة في عالم متعدد الأقطاب "Multi polar" بشكل متزايد؟

وکیف تؤثر السياسة الخارجية أو في حالة الإقلیم ما يسمی بالـ"Para diplomacy"، التي هي ليست فقط وصفاً لما تقوم به حکومة الإقلیم ولكنها أيضا تفسير لما تفعلها، في عالم الغد ومکان ودور الإقلیم في هذا العالم وهل بإستطاعتها عن طریق إستخدام الحياد الإيجابي وحماية التوازن ومبادرات ذاتية القیام بتألیف نقطة جیو-إستراتیجیة شديدة الحساسية في الدائرة الکبری للأمن القومي للقوی العظمی، لکي لایتم التعامل مع الإقليم بسياسة التعامل مع الوضع "Situation based policy" أو في إطار الـ"Grand strategy"؟

ما نتصوره هو أن الدول والحکومات التي تنجو بفضل نظمها السياسية والاقتصادية والصحية الفريدة، هي من ستفوز على الدول والحکومات التي خرجت بنتائج مختلفة ومدمرة في معركتها ضد كورونا.

إن الوضع المتميز الذي يتمتع به إقليم كوردستان من الناحية السياسية يدفع السياسة الخارجية في الإقلیم الی التوجه نحو وضع خطة إستراتيجية شاملة للتعامل مع الوضع الحالي والمحاولة الجدية للحفاظ علی الوضع الامني والعسكري المستقر وذلك لتحقيق الاهداف السياسية والاقتصادية والأمنية المتعلقة بالحفاظ علی بقاء الکيان السياسي للإقلیم، الذي علیه أن يبقی محترماً علی المستويين الدولي والإقليمي.

فمن أجل تحقيق مستقبل أفضل لهذا الاقليم، الذي يعتبر من الناحية الأمنية القطب الهادیء في المنطقة، علیه تجاوز المعوقات التي تعترض طريق وضع الخطة الاستراتيجية لتفعیل العملية الديمقراطية ومکافحة الفساد الاداري والسياسي والاقتصادي ووضع حد للتدخلات الخارجية من قبل دول الجوار الاقليمي.

فالظهور بمظهر متحد في السياسة الخارجية المتعلقة بالأمور الصحية والمالية والإقتصادية والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان والمطالبة بالسلام والسعي نحو الرفاهية والأمن أصبح وربط السياسة الخارجية بالداخلية من الأهمية بمكان، خاصة في هذا العصر الذي أصبحت فيه نبرة التعامل أكثر خشونة، والنظام العالمي أقل استقراراً.

علی السياسة الخارجية في الإقليم العمل الجاد والإستمرار في حثّ الحلفاء والدول الصديقة لدفع الحکومة الإتحادية بإتجاه تطبيق بنود الدستور وإرساء حكم القانون وإستقلال القضاء وإحترام مبادیء الشراكة ورأي الشعب والتقلیل من المعضلات التي أدت في الماضي الی خلافات حادة مع الإقلیم وتعقيد العملية السياسية وبروز الاحتجاجات وإعتصامات في أغلب المناطق الجنوبية بالعراق.

وعلی السياسة الخارجية في الإقلیم أیضاً التأکيد علی الإيمان بالإستراتيجية القائمة علی أساس التعايش المشترك بعيداً عن المبادیء المطلقة والإرادات الفوقية المتعالية، التي تدفع البشرية في غير مكان ثمن مصائبها وكوراثها، فاستقطاب المصالح الاقتصادية والطاقة لدول العالم وربطها بأسواق إقليم كوردستان وتأمين المصالح وصنع المصائر هو صناعة مشتركة يساهم فيها كل مواطن كوردستاني من موقعه وحقل عمله.

أما الأحزاب السياسية التي تمارس في ظل الفضاء الديمقراطي المتواجد في الإقلیم عملها بحرية كاملة وتمتلك الی درجة الصوت في تكوين السياسات الخارجية فعلیهم أن يکونوا فعلاً بمثابة العمود الفقري للنظام السياسي الديمقراطي وأداة ربط المواطنين بحكومة الإقلیم، لا أن يستمرون في التعارضات الخانقة وذلك بهدف شل عملیة صناعة التنمية وهندسة العلاقات السياسية، تلك العلاقات التي تٶمن مستقبل زاهر للإقلیم وتؤدي الی الحرية والإستنارة والعقلانية وتحمي في النهاية الأهداف الوطنية النبيلة.

وختاماً: إن الإصرار علی الفضاء العالمي، الذي هو مدی حيوي لإقليم كوردستان وإتقان فن التعايش والتبادل لإزالة العوائق وحلحلة العُقد يصنع السوق ويُنمي الإقتصاد، فهو عنوان الحضارة وأساس بناء العلاقات الدولية وسيادة الدولة.

 

الدکتور سامان سوراني

 

اياد الزهيريأنها مفارقه يتسائل الكثيرون عن سبب العداء بين جهات أتخذت من الأعتدال والوسطيه نهجاً لها، وبين الأمبرياليه الغربيه، الذي يصل أحياناً الى حد المواجه الدمويه بينهم، وما الحروب التي جرت سابقاً وحاضراً الا مصداق لهذا العداء الذي أشرنا اليه . لو دققنا جيداً لرأينا أن الدول الأمبرياليه وعلى رأسها أمريكا تسعوا طامحه الى الهيمنه على منطقة الشرق الأوسط، ولأسباب معروفه أهمها أقتصاديه لما تتمتع به بلدان الشرق الأوسط من ثروات كبيره، بالأضافه كسوق عالمي كبير لما تتمتع به من ثقل سكاني كبير . هذا الأمر جعل هذه المنطقه منطقة صراع منذ بداية الحرب العالميه الأولى وليومنا هذا . لانستطيع فصل القضيه الفلسطينيه من هذا الصراع أيضاً، وهو سبب مهم ورئيسي كذلك، حيث تسعى أسرائيل ومن وراءها أمريكا من بناء دولة الحلم أسرائيل من الفرات الى النيل . هذا المشروع الأمريكو-أسرائيلي أصطدم بعقبة قوى الأعتدال من قوى سياسيه ذات أيديولوجيه أسلاميه ووظنيه تتصف بالأعتدال، وتحمل لواء الأصلاح في بناء بلدانها بعد أن سقطت الدوله العثمانيه على يد كمال أتاتورك . هذه الدوله التي حكمت أجزاء كبيره من العالم الأسلامي، وما تميزت به من سلطه وجبروت غاشم، وبما أدعته من أنها تمثل دولة الأسلام وما بررت به سلطانها بأنه ظل الله بالأرض . هذا الأعاء فلسفَ لهم وعاظ السلاطين الذين يعملون في خدمة السلطان . وهذا اللون من الحكم الثيوقراطي أدلجه أبتداءاً معاويه بما ساقه من مبررات وأحاديث موضوعه جاء بها واضعي وملفقي الأحاديث التي نسبوها للنبي (ص) وهو منها براء وكان أشهرهم أبي هريره وهو بمثابت وزير دعاية وأعلام البيت الأموي ومن ما نسب للرسول من أحاديث ( ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني). كما دعموها بفلسفة الجبر التي تنطلق من مقولات أن كل ما يحدث في العالم ومنها تنصيب الحكام من الله، ومنها قدر وقضاء الفقر والغنى، وما على الأنسان الا الأستسلام لهذا القدر حتى سموا بالقدريه، وأستمر هذا الخط الى العباسين ومن ثم العثمانيين، حتى أن الماوردي (1058 م) وهو من فقهاء السلطان عاش في زمن الدوله العباسيه، يقول (أن الله جلت قدرته ندب الأمه زعيماً خلف به النبوه وحاط به المله وفوض اليه السياسه)، بهذا المنطق الذي لا علاقه له بالأسلام، والذي عبر عنه علي (ع) عندما جاءه طلحه والزبير لمبايعته،قال لهما (أن هذا الأمر لا يكون الا عن رضا الناس وأن بيعتي لا تكون الا عا مه ) ثم أكد (أنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فمن رضي به المهاجرون والأنصار كان لله رضا). أن أضطهاد الدوله العثمانيه لشعوب كل الدول التي أحتلتها كان الى درجة الأختناق وتميز بالتعسف والأستبداد، ومعروف عن العثمانيون بسلوكهم الشرس وشخصيتهم الجلفه أتجاه رعاياهم . فمع أنفراط عقد هذه الدوله والتي سمتها الدول الأوربيه بالرجل المريض، قسم تركت هذه الأمبراطوريه الأوربيون بمعاهدة سايكس-بيكو، ولكن من الملاحظ برزت ظاهره جديده على أثر الفراغ الذي تركه سقوط الدوله العثمانيه . هذه الظاهره،هي ظاهرة أنقسام النخب الثقافيه في هذه الكيانات الجديده والتي تتكون من علمانيين وسلفيين وأصلاحيين، هؤلاء كان منهم الناقم على الوجود التركي ويعتبره أستعمار قد ساهم بتخلف هذه الكيانات وسبباً للأنحطاطها وفقرها وتخلفها، وهناك من كان يتباكى على ضياع دولة بني عثمان معتقداً بأنها تمثل بيضة الأسلام، ورمزاً للمسلمين، وكان من يمثل هذا الأتجاه في مصر جماعة الأخوان بزعامة حسن البنا ومن العلمانيين سعد زغلول، أما في العراق فكان يمثل الجانب الصديق للدوله العثمانيه هم مشيخة الأسلام السني، وبعض علماء الشيعه الذين وقفوا ضد الأنكليز لا حباً بالدوله التركيه ولكن طرداً للأستعمار المسيحي المتمثل بالبريطانيين آنذاك، كما مثل العلمانيين بعض العسكريين وعلى رأسهم نوري السعيد، ومحسن السعدون، وبعض ألقوميين العرب، أما في نجد والحجاز فقد برزت السلفيه التي مثلتها الوهابيه والأتجاه العلماني الذي مثله الأمير الشريف حسين، والد الملك فيصل ملك العراق . أختصر الموضوع بهذه البلدان لأن في بقية البلدان العربيه برز فيها ما شابه هذه البلدان التي ذكرناها، ولكن المهم بالموضوع هو موقف الأستعمار الغربي من هذه الحركات التي أبرزت مواقفها المتباينه من ما يحدث على بلدانها لذى عمدت الدول الغربيه وكانت أنذاك بريطانيا وفرنسا وأيطاليا،هي من تقاسمت بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولكي تسهل مهمتها، وتزيل كل العراقيل من أمام تواجدها، وبعد ذلك أستغلال ثروات هذه البلدان، وجعلها سوق أستهلاكيه لها، عمدت تكريس حاله من الفوضى والضياع وترسيخ الأنقسامات فيها، وقد أستخدمت لذلك سياسة (فرق تسد) المعروفه . فعملت على تأجيج البعد الطائفي بين السنه والشيعه في العراق، وبين المسلمين والمسيحين في لبنان، لذى ترى المستعمر الغربي شجع قوى الجمود والتطرف وخاصه المذهب الوهابي في السعوديه والسلفي في بقية البلدان وخاصه في مصر، كما شجع الطرق الصوفيه في المغرب العربي. من جهه أخرى تصدت هذه القوى الغربيه للتيارات الأصلاحيه سواء كانت وطنيه مثل حركة سعد زغلول في مصر ولعبد القادر الجزائري في الجزائر وللحوزه العلميه في النجف وكربلاء في العراق، بينما عمدت الى تغذية بعض التيارات الفكريه وخاصه بين الشباب ذوي الميول الغربيه بهدف حملهم على التبعيه الثقافيه والفكريه للمستعمر الغربي، في حين أستخدمت العصى مع كل تيار يدعو الى الأصلاح والتحرر وأنجاز الأستقلال الوطني، لذلك ترى بريطانيا أقتربت في العراق الى تيار نوري السعيد المتمثل بالحزب العراقي، وحزب التقدم برئاسة عبد المحسن السعدون، وأبتعدت من الحزب الوطني العراقي الذي قاده السياسي العراقي جعفر أبو التمن، وأبتعدت من حوزة النجف الأشرف المناهضه للأستعمار الغربي وأقتربت من مجموعة عبد الرحمن النقيب بأعتبارها تمثل الأسلام التقليدي السني الذي كان موالياً للأستعمار العثماني، وهنا لعبت المسز بل دوراً محورياً في تغليب الأقليه السنيه على الأغلبيه الشيعيه . وهكذا أنتجت هذه السياسه عن ظهور تيارات وأحزاب سارت في فلك القوى الغربيه، أو على الأقل مهادنه لها، ولذلك خانت بريطانيا عهودها مع الشريف حسين الذي كان يدعو الى أقامة دوله عربيه كبرى، وعاضدت ال سعود لأنشاء مملكتهم ذات الطابع القطري مع ضمان تعاونهم معهم في الأستثمار في المملكه السعوديه بأعتبارها بلد واعد بالثروه النفطيه . كانت حصيلت هذه الساسات الأستعماريه تمزق العالم العربي، وظهور تيارات متصارعه، وأفكار تنقسم بين غربيه وشرقيه لا تنتمي لتراث وثقافة ودين وحضارة هذه البلدان، وأن ما أصاب منطقتنا من حروب وفوضى هي نتيجه طبيعيه ومنطقيه لما أسس له الغرب من كيانات متصارعه ومتناقضه الى حد زرعت فيها الأستعداد للتقاتل فيما بينها، وسحق بعضها بعضاً مرتاً لأسباب فكريه، وبعضها مناطقي، والأخرى أيديلوجي، ورابعه قومي، حتى أشبعوا المنطقه حروب ونزاعات ذهبت ضحيتها الملايين من البشر، وخسرت الكثير من الثروات، والمزيد من فرص التطور لهذه الشعوب . المشكله أن المشروع الغربي ما زال قائماً هو هو أطرافه الغربيه مضاف لها أمريكا وأسرائيل، وبنفس الأساليب والأدوات ولكن بأسلوب أكثر دهاءاً وتطوراً، فقد ورثت أمريكا بريطانيا العجوز، وورثت معها آلياتها في تكريس التخلف وزرع التفرقه والضياع بين شعوب هذه المنطقه، وذلك عن طريق زراعة الأنظمه الديكتاتوريه من أمثال شاه أيران، وال سعود وحزب البعث في العراق، والعائله الهاشميه في الأردن، وينسحب ذلك على بقية البلدان العربيه والأسلاميه، فهي من أغرت صدام بالهجوم على أيران وأشعال حرب لمدة ثمان سنوات أحرقت الحرث والنسل، وهي من صنعت طالبان كتنظيم متطرف ديني وعادت الحركات الأسلاميه المعتدله والأصلاحيه . كما أسست داعش وهو تيار أجرامي متطرف ومتخلف والذي يمثل أقصى درجات الجمود والتخلف، تيار أقصائي قاتل والذي قاد حروب عبثيه أبتداءها في سوريا وأنتقل الى العراق، وهذا التأسيس ما صرحت به هيلاري كلنتون وزيرة خارجية أمريكا في عهد الرئيس أوباما، في حين عادة أمريكا الحشد الشعبي العراقي الذي يمثل الحاله الوطنيه والمعتدله في الساحه العراقيه وقتل أبرز قادته وهو أبو مهدي المهندس بقصف جوي . كل هذا،من أجل غايه خبيثه تسعى أمريكا من وراءها الى أقصاء قوى الأعتدال في هذه البلدان، وتهميش كل القوى الخيره والبناءه والوطنيه كحزب الله في لبنان، الذي يسعى الى تحرير لبنان من المحتل الصهيوني، فترى أمريكا تسعى مقابل ذلك الى تعضيد القوات اللبنانيه بقيادة جعجع، وهي قوات عميله للكيان الصهيوني وهي من وضعت يدها بيد القائد العسكري شارون في زمن رئيسه بيار الجميل لأجتياح لبنان،في حين دارت ظهرها لكل القوى الوطنيه اللبنانيه،في حين تضامنت وساعدت القوى الرجعيه المتمثله بتيار المستقبل في لبنان برئاسة الحريري وبمعاونة السعوديه بأعتبارها ذيلاً أمريكياً وتأتمر بأمرها. الآن بدأت ومنذ زمن أمريكا بالتعاون مع بريطانيا وأسرائيل في مشروع تدميري أكثر خطوره وأعظم تدميراً للمنطقه، والآن يجرى هذا بكثافه وبخطى سريعه على الأرض العراقيه . هذا المشروع يتناول القناعات والرؤى لدى الشباب، في محاوله خبيثه لتحويل قناعاتهم الوطنيه والدينيه، وشيطنة محور المقاومه التي تعمل على طرد المحتل . هذا المشروع يتناول تفكيك البنى الفكريه للشعب العراقي، وزراعة مفاهيم التشكيك في عقيدة أبناءه وخاصه الشباب، هذا المشروع يشترك فيه بشكل مباشر أو غير مباشر طبقه من العلمانيين المدجنيين من قبل الغرب والمخصيين من قبل النظام البعثي السابق، ومنهم من الموتورين اليساريين الذين يشعرون بالتأزم النفسي نتيجه لأنكساراتهم وفشلهم في تحقيق أهدافهم الحزبيه والشخصيه والذين باتوا مشروعاً وسيفاً مشرعاً للمشروع الغربي والرجعي في المنطقه من أمثال سعدي يوسف ورشيد الخيون، ومنهم بعثيون من أمثال سعد البزاز والدكتور يحيى الكبيسي وو،كما جندوا لمشروعهم هذا بعض المرتزقه من أمثال أحمد الأبيض ومشعان الجبوري،و قسم من الطائفين من أمثال الدكتور عدنان الدليمي ورافع العيساوي والأخوه النجيفين أسامه وأثيل، وبعض العشائريين من أمثال علي حاتم السلمان وأحمد أبو ريشه وغيرهم الكثير، كل من موقعه، فالعملاء العشائريون يعملون على تكريس المناطقيه والعملاء الطائفيون لتكريس الطائفيه والعلمانيون لتكريس الأفكار والقناعات التي تصدع المنظومه الأخلاقيه والفكريه والعقائديه للشعب العراقي وذلك من خلال بعض المعتوهين من أمثال أحمد القبنجي وأياد جمال الدين، وغيث التميمي وهؤلاء معممون ومن الوسط الشيعي وهو المقصود حصراً في هذه الحمله بأعتباره يحمل فكراً تنويرياً معتدلاً ووسطياً خاصةً الوسط الحوزوي الذي يمثله المرجع السيستاني والفكري الذي يمثله أية الله محمد باقر الصدر. ومن باب الأيغار في تزيف الوعي في وسط الشباب الشيعي خاصةً وذلك لقتل جذوة الحميه والثوريه في روحه والتي يستمدها من عقيدته الحسينيه وبرجالات حبهم الى حد العشق بأعتبارهم رمزاً للبطوله والأقدام، حاولت بعض وسائل الأعلام على مستوى وسائل الأتصال الأجتماعي (الفيسبوك) لغرض التقليل من أهداف الثوره الحسينيه ومحاولة تصويرها بأن بطل هذه الثوره هدفه السلطه لا غير أو كانت حركته غير محسوبه وطائشه من أجل التقليل من هذا الرمز البطولي والتقليل من درجة أيحاءها الثوري في نفوس الشباب، والأمر لم يصل الى هذا الأمر فقط، فقط بدأوا في الطعن في سمعة وشرف بعض البيوتات العلميه والتي تعتبر رمز للعفه والشرف والأمانه، فمثلاُ أخذوا ينشروا فيديوات لأحد أبناء السيد الخوئي والذي أسمه عباس وهو مختل عقليلاُ بالهجوم على بعض رجال الدين وما يجري بالحوزه من تلاعب بأموالها، ووصل الأمر الى تناول عائلة بيت كاشف الغطاء، وهي من العوائل العلميه المحترمه، حيث نشرت وسائل التواصل وحتى بعض القنوات التلفزيونيه عن بنت شابه تدعي أنها من هذه العائله، و هي فتاة ساقطه خلقياً تتعرى وتعمل مكياج بشكل شاذ وتقول أنا أريد أن أفضح عائلتي بسبب معاملتهم القاسيه لي. وأخيراً بدأ الطعن بالثورة العراقيه الكبرى (ثورة العشرين) التي قام بها الشيعه في منطقة الفرات الأوسط وبقيادة علماء دينهم من أجل طرد المستعمر البريطاني، فأخذوا يستهجنون بها ويشككون فيها ويعتبرها البعض بأن الذين قاموا بها أناس سذج وحمقى وكان عليهم أن يدعوا بريطانيا أن تحتل العراق وتحوله الى بلد متقدم، وهناك مثل المدعو جمال الكربولي أمين عام حزب الحل وصاحب قناة دجله الفضائيه يدعي أن بطل هذه الثوره هو ضاري الزوبعي، في محاوله لسرقتها من أصحابها الأصليين الشيعه. كل هذا من أجل تكريس حالة الضياع وزرع عدم الثقه وأزالة القائد القدوه من أذهان الشباب الشيعي، وهنا يشير الدكتور سلمان الهلالي أستاذ التاريخ الحديث في مورد حديثه عن ثورة العشرين وما تتعرض له من طعون، فيقول أن هذا يهدف الى (زرع الدونيه والأستلاب عند الجيل الجديد)، كما يقول لكي (يؤدي الى الخجل من أي فكره أو أنجاز أو عمل أو تاريخ يمت للجماعه الشيعيه بصله) . طبعاً هذا يهدف الى الحط من هذه الطائفه المناضله التي تتسم بالوسطيه والأعتدال، وما توسم بها أعداء العراق من أمكانيه وطموح لأبداع حلول تخرج هذا البلد من أزمته، معتمده على ما تختزنه من طاقه ذاتيه عظيمه مستنده على خصوصيتها الثقافيه والتعبويه التي أستمدتها من رموزها التاريخيون، وما يمكن أن يفتحوا قنوات أتصال مع الجمهوريه الأسلاميه الأيرانيه في الأستفاده من قدراتها العلميه وخبراتها الفنيه وهذا ما لا يروق لأمريكا وأسرائيل ومن الطائفيين من بعض دول الجوار، والبعض من ساسة السياسيين المحسوبين على الطائفه السنيه . هذه هي بالحقيقه الأستراتيجيه المعتمده اليوم من قبل امريكا ضد قوى الأصلاح والوسطيه في العراق، وامحاولات المسخ والأستلاب جاريه على قدم وساق على تزيف وعي شباب هذه الطائفه والمدرسه الأسلاميه التي تمثل الأعتدال والوسطيه في عملها وحركتها وأفكار رجاله.

 

أياد الزهيري

 

عبد الخالق الفلاحالمسؤولية الكبيرة التي كلف بها رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي بتوافق بعض القوى السياسية تقتضي عليه الكثير من القراءات وعدم الاستعجال في الامور لانها ليست بالسهلة وان لا يغامر بمستقبله السياسي في مواجهة الرأي العام العراقي فضلا عن زيادة الأزمات الداخلية والتوتر و ان لا يفتح ابواب العواصف على نفسه وان لا يخضع لعوامل لا تريد الخير للعراق واهله وخاصة وانه جاء من مسؤولية بعيدة عن التخصصات القيادية للبلد والتجربة اظهرت ضعف هذه القدرة من خلال بعض الهفوات والشطحات التي وقع فيها والمطلوب منه ان يكون غير متسرع وحذر حتى من اقرب الناس اليه لان المسؤولية كرئيس لمجلس الوزراء واسعة ومن الضروري التعرف على مدى فاعلية المسؤولية التي كلف بها وأثارها كونها تحتاج الى خبرة وتجربة متشعبة والمام بأمور مختلفة حتى لا يقع في كماشة الاعلام المعادي ولا يمكن ان يكون الاصلاح سهلاً بعد سبعة عشر عاماً من التدمير والفساد الذي وقع ، لا يمكن ازالته واعادة بناء الخراب يقع تحت طائلة الزمن والاخلاص والتفاني و إلأ بالاعتماد على مستشارين اكفاء يميلون الى تخصصهم اولاً اكثر من العوم في السياسة ومن الطبيعي ان تقع المسؤولية عادة عن خطأ يرتكبها المسؤول أثناء ممارسته للسلطة، ويكون من نتائجها إلحاق الضرر بمصالح الشعب.. أو قد تنشأ أيضاً عن فشل في تحقيق الأهداف الأساسية المتمثلة بتأمين الحماية علي الصعيد الخارجي والاستقرار والرفاهية علي الصعيد الداخلي.

لكن في كلتا الحالتين يرتبط تحديد المسؤولية السياسية بالعناصرالتي  تشكل الدعامة الرئيسية للعمل معه ولا يمكن الجزم بان المعينين الجدد سيكونون افضل وانزه من سابقيهم ،وللحقيقة فمن الضروري ان يشاهد العراقيون رئيسهم يتحدث في كل القضايا بالمام ودبلوماسية لحد ما يقف على قدميه وهذه ما يفتقر لها الكاظمي ويحتاج الى زمن لترسيخها  في الوقت الحالي ولا تحل الازمات بخلق اخرى جديدة مع القوى السياسية التي قادة البلد خلال السنوات الاخيرة بعد سقوط النظام السابق بعد تشخيص القوى الوطنية والمضحية وابعاد الفساد والسراق من امام عجلته، ولا تشفع له (جعجعة بدون طحين) من خلال الظهور المتكرر في وسائل الاعلام فقط دون معطيات على الارض و منجزات محققة لأهدافها الاستراتيجية والتقيد برؤية الاصلاح الحقيقي للحكومة بل ايضاً في اعلان القرارات السليمة ويسن القوانين العادلة التي تؤمن المعيشة والرفاه والسلام والامن  ولا يتخذ قرارات مخالفة لصلاحياته تقف حائلاً دون تحقيق الأهداف. وتعكس حالة سلبية او ايجابية في كلتا الحالتين علي حاضره ومستقبله وهذا الأمر لا يخدم الشعب ولا يخدم بناء دولة مؤسسات وعليه العمل على بناء القوات الامنية كافة من "جيش وشرطة ومكافحة الارهاب وحشد شعبي وعشائري" التي دافعت عن العراق وقدمت دماء مشتركة في الدفاع عن تراب الوطن في معاركهم ضد العصابات التكفيرية المجرمة وعدم التفريط بهم لحماية بلدهم و ارضهم واستقلال شعبهم ويعمل علي حل النزاعات الداخلية بعيداً عن الاطماع الخارجية وخاصة الولايات المتحدة الامريكية وبالدفع الى سحب قواتها وخلق الوئام والاستقراروإن يجمع القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية النزيه التي تمثل المجتمع لتعزز الثقة الضرورية لممارسة السلطة ويسمح، على صعيد أعم، بتجاوز الخلافات الظرفية لتوجيه كل الجهود نحو تخطي الازمات  ودفع البلاد في طريق السلم المدني والديمقراطية والرقي، وان يضع لمساته على ادارته لعلاقات الحكومة السياسية الداخلية والخارجية، وان يكون له تحرك سياسي على مستوى الداخل والمنطقة ومن ثم العالم ولا ينسى واجباته  وادواره المختلفة الاخرى خاصة إن المرحلة الانتقالية قصيرة ويمر الزمن بسرعة فيجب أن تطور بعض الأعمال والمهام ذات الأولوية التي تسمح للبلاد الخروج من الأزمة، على الصعيد السياسي، يمر بالضرورة عبرالرجوع إلى تحديد موعد والمسار الانتخابي والشروط المسبقة التي يطلبها سياسياً  و اقتصادياً  واجتماعياً وأمنياً كذلك. فهذا جزء من واجب وادوار وصلاحيات الحكومة، وكذلك أن تتعرف الدول الصديقة والشقيقة على الشخصيات الحكومية ،وحصر التصريحات على حد المتحدث الرسمي لاي مؤسسة فقط وابعاد الجيش والشرطة والقوات الامنية من التدخل في السياسية للمحافظة على وطنيتها .

تكمن اهمية المسؤولية السياسية للحكومة في النظام البرلماني في انه موضوع حيوي وخطير لان للوزارة دور مهم في هذا النظام امام من اختارهم الشعب لتمثيله لما تؤثره المسؤولية السياسية للوزارة من اشكاليات وتعريفات وتفسيرات تحتاج الى شروح قد تقع فيها بين الجهات التنفيذية والتشريعية عند التنفيذ ، ويمكن اجمال عمل الحكومة في النقاط التالية: المفهوم القانوني ، الاثار السياسية المترتبة على المسؤولية ، معايير التفرقة بين المسؤولية الجماعية والفردية ووسائل تحريكها، وبعد ان أضحى في الوقت الراهن تحديد مستوى الديمقراطية في الدولة المعاصرة يعتمد أساسا، بغض النظر عن المحددات الأخرى، على معيار الفصل بين السلط، هذا المبدأ الذي نادى به، ولأول مرة، الفقيه والفيلسوف الفرنسي "مونتيسكيو" في كتابه روح القوانين، حتى أصبح اسمه مقرونا به، ولعل أهم ما جاء به هذا المبدأ، أنه يقوم على وضع حد للحكم المطلق، وذلك واضح في قولة " مونتيسكيو" الشهيرة، " كل إنسان يمسك بالسلطة يميل إلى إساءة استعمالها، ولا يتوقف إلا عندما يجد أمامه حدودا".

وإذا كانت الحكومة هي تلك الهيأة أو الجهاز الذي يمارس العديد من الاختصاصات المهمة في المجال التشريعي والتنفيذي، فإن ذلك من شأنه أن يضعها في قفص المسؤولية والمحاسبة، سواء أمام امام الشعب او امام البرلمان بحكم كون العراق يعتمد على البرلمان في تعيين شخص رئيس مجلس الوزراء في  تحريك المسؤولية السياسية للحكومة عن طريق ميكانيزمات وآليات، كملتمس الرقابة وسحب الثقة وغيرها من الوسائل التي يمكن لمؤسسة رئيس الحكومة تجاوزها بالعمل في خفض المعاناة وفي تطبيق البرنامج الحكومي الذي قدمه وعبورالمرحلة الانتقالية بخير وهي آليات ووسائل من الاهمية لا تقل عن تلك التي يملكها البرلمان في مساءلة ومحاسبة الحكومة عن أعمالها..

 

عبد الخالق الفلاح - باحث واعلامي

 

عبد الجبار العبيديلا احد يستطيع ان يفصل بين التاريخ والحضارة ..ان الذين يعتقدون بنظرية الفصل لازالوا الى اليوم لم يأتوا بشيء جديد، سوى اعتقادهم بأن الحضارة ثمرة من ثمرات التاريخ السياسي للدولة، لكنهم يتكلمون بلا دليل.

ليس لدينا نظرية ثابتة في تكاثر الانسان على الارض، سوى ما درسناه من انتقاله من الغابة الى السهول على شكل افراد وجماعات، ولا زال انسان النياندرتال منذ 50 الف سنة الى اليوم مجهول المصير . ولم تعطينا الدراسات الحضارية لحد اليوم تفسيراً واقعيا لكيفة الانتقال والتفاهم فيما بينهم، سوى بعض اثارهم القديمة وما تردد من الاشارات وحركات الوجه وجمل قصيرة لا نفهم معناها أشبه بتمتمات التماثيل. ولم يصل الانسان الى لغة التفاهم الا بعد عصور طويلة.. نما فيه ذهنه وجعله يشعر بحاجة للتعاون مع الاخرين، من هنا بدأ التحرك الحضاري نحو بناء الانسان.. الجديد.. لكن القصص القرآنية التي جاءت من الجزء المتغير من احداث التاريخ مثلت لنا خط تطور احداث التاريخ الأنساني بالمعرفة والتشريع والسلوك وهي مؤشرات حضارية مهمة لأستنباط خط تطور التاريخ وحياة البشر"تلك من أنباء الغيب نوحيها اليك.. هود 49".. وتبقى القصص القرآنية سندا واقعيا لما جاءت به وثائق التاريخ .. "نحن نقص عليك نبأهم بالحق الكهف 13"..

لم يبدأ الانسان يفكر تفكيراً منطقياً منظماً يصاحبه العزم والتنفيذ الا بعد ان اجتاز مرحلة الغابة والاشارة او التمتمة وانتقل الى عصر التعاون والتآزر في مواجهة الطبيعة والحياة الصعبة التي عايشها منذ القدم بعد ان أصبح عقلهُ يربط ظواهر الحياة والطبيعة، فبدأ بمعرفة عمل البيت والطرق وجسور الخشب ودرىء خطرالفيضانات ومقاومة الحيوانات الضارية حفاظا على حياته وحياة الاخرين. اي بداية ظهور المهارات الفكرية التي ساقته نحو الحركة التاريخية.. من هنا قال العلماء ان العقل نفسه أول مخترعات الأنسان..والذي به خطا الخطوة الاولى في بناء الحضارة.

وحين اصبحت الجماعات تتعايش مع بعضها البعض تشكلت القيادات الجماعية، وبدأ التحول السياسي الحقيقي في تكوين الدولة او الامة بعاداتها وتقاليدها وقيمها الروحية، لكن الوثائق المكتشفة لم تخبرنا عن الزمن بالتحديد .. من هنا نلاحظ ظهور التفكير المنظم والادراك العميق لمسئولية القيادة الجماعية، أو قل تنازل الافراد عن بعض حقوقهم مقابل قيادة تحكمهم وترعى شئونهم، أي ان الحاكم ليس مطلقا في حكمه للجماعة.. فبدأ العرف والقانون غير المكتوب يصبح قاعدة لهم، وبالتدريج ظهرت كل المفاهيم الاخرى التي بنيت على المثل العليا في اتباع مكارم الاخلاق حين وضعت الجماعة بمستوى المسئولية المطلوبة لخدمة الفرد والجماعة معا.من هنا ابتكرت الأديان كمنظم للحق والعدل ليس الا؟ ومن يتبع حركة ظهور الدول يجد ذلك واضحا منذ قيام حركة الوعي الفكري وظهور الجماعات المتعاونة فيما بينها.. وبالتدريج ظهر القانون والدستور الذي به ارتفعت حركة الحقوق التاريخية الى مستوى الاحكام حتى سارت الشعوب في ضوئها لانجاز الحقوق.

بعد هذه المرحلة المهمة من تاريخ البشر قررت الجماعات المتضامنة الانتقال الى بيئة اخرى بعد ان كونت القيادة الجماعية التي عرفت التفكير المنظم والعزم والتنفيذ، وهذا الذي ساقها الى تكوين النظم والدول فاستمرت وتقدمت، بوعي قيادتها الفكرية تماما حتى اصبح لها حقوق وواجبات ومن معها وحولها.الدول منذ القديم بدأت في غالبيتها بهذ الاتجاه من دعوة الى تنظيم الى التزام بحقوقها وواجبات منتسبيها وظلت تتقدم في معارج الرقي حتى انتقلت من جماعة الى امة، ومن أمة الى دولة بالمعنى القانوني المعروف .لكن بعضها على قوتها وثباتها اهتزت جذورها عندما خرجت على القانون والدستور وسخرت امكانياتها لصالح قادتها لا لشعوبها منذ القدم كما ذكرتها الاساطير والقصص القرآنية في قصص ابراهيم وهود وعاد وثمود وكيف انحرفت فجرفها الزمن.. ولنا في عهدي الامويين والعباسيين مثلاً بعد ذلك وكيف انتهت الى السقوط والزوال .. فماذا يفكر من يحكمون في الأمة اليوم بلا قانون ولادستور.. ولا حتى أديان؟ فهل من فكرٍ ووعيٍ يحرك الشعور..؟

ان المفهوم الحركي للتاريخ ليس واضحاً في موسوعاتنا الفكرية لعشوائية الرأي السليم .. ولعدم مصاحبة هذا المفهون العمق الفلسفي والنفسي للمؤرخ حين بدأ يكتب وينقل للاجيال مفاهيم التغيير الجديد بتمثيل النص للعقلانية الفكرية والابتعاد عن الطوبائية التي سادت مجتمع ما قبل الاسلام.. وأحلال آيديولوجية جديدة قائمة على الحق والعدل التي جاءت متناقضة لآيدولوجية القديم .. حصل هذامباشرة بعد رحيل صاحب الدعوة الذي اراد بشروطه الحقة ايجاد التوازن بين الناس دون أفضلية لهذا او ذاك. لكن نظرية منا أمير ومنكم أمير جعلت المؤرخ يؤكد ان ما سُل سيف في الاسلام مثلما سُل على الخلافة.. وهنا كانت بداية النهاية للتغيير على رغم قوته وتكوين الدولة فيمابعد.. لأن الاساس ظل قائما على الهشاشة والعداوة فضربت وحدة الامة.

كل الجماعات التي تحضرت وكونت الدول، ركزت عل عاملين أثنين هما: الامن والقانون وفصل سلطات الدولة عن حقوق الناس.. وحول فكرة الارتباط بين التشريعات التي يضعها الأنسان والقوانين الحتمية التي تحكم حركة الطبيعة .. فحين ثبتت الحرية بالقوانين نهض الاقتصاد بسيادة الامن في التطبيق .. لذا عكف الفلاسفة على التاريخ يدرسونه ويستخرجون منه الأحكام والنظريات من تجارب الأمم والشعوب التي سبقتهم كاليونا ن والرومان، وحضارات العراقيين والمصريين التي منها استقوا بصيص نور هداية للقوانين .. حتى استطاع العلماء ان ينشئوا فكراً جديداً واسع المدى قياسا على الأسس الضعيفة التي بها كانوا يحكمون.. نعم هكذا كانت بداية التحرك هو ظهور العلم والعلماء وأحتضانهم وكتابة الدستور والقانون بروح الانفتاحية بعيدا عن التزمت في النص والعادة والتقليد.. لا عزلهم وقتلهم كما نحن اليوم.. ففتحوا أبواب عصر جديد.. هنا اصبح الخلاص من القيادة المتخلفة والمستبدة امرا محتما حتى انتهت بسقوط اليونان والرومان والعثمانيين والامويين والعباسيين وكل من اتخذ نظرية الاستبداد والدين المطلق عقيدة في حكم الجماهير.. وبذلك نشأت قاعدة جديدة للتفكير الواقعي المنطقي المنظم.. ومن بعدها ظهرت نظريات الحقوق والحريات التي تمتع بها الانسان فبدأ الأنفتاح لعصر جديد . .أنه منهج مدرسي منظم منذ القديم..

وبظهور نظريات التوافق بين المواهب والقدرات الانسانية مع القوانين التي ضمنت الحقوق والمساواة نجحوا في الانتقال الى مرحلة الدولة الحديثة التي يحكمها القانون.. ولم يبقَ للمستبد بالحق والقانون من مكانة مع الفكر القائم على العقل في التطبيق.. لذا يُخطأ من الاسلاميين الحاكمين من يعتقد ان الدين فرضَ عليهم فرض الالتزام القسري على الناس.. كلا بل فرض الاستقامة والعدل وحقوق الجماهير.. فالدين لايعترف برجال الدين ولا يخولهم حق الفتوى على الناس ولا يميزهم بلباس معين .. حتى اصبح النص الديني مراقب وحسيب على تطبيق الميزان الاخلاقي والقانوني بين الناس لا اراء المتخلفين منهم بشريعة هم استنبطوها بعيدة عن حكم العدل والحق في الدين.. و بعد ان اخترعوا المذاهب والملل ليسودوا على العالمين .. هنا كان موتهم وكراهية الناس لهم..حين حرم الدين الخيانة والاعتداء والتزوير والفساد بآيات حدية لا تقبل النقاش.ضماناً لحقوق الناس.. فهل قرأتها مؤسسة الدين او ما نسميا بالمرجعية صاحبة الرأي الأخير .. ومن يحكمون وطن العراقيين اليوم ..؟ حتى اصبح الشرف يعني التعفف والتسامي بألتزامات لابد من الألتزام بها ليتعففوا ويتساموا في الحقوق.. وهي من عادات وتقاليد الآولين.. من هنا جاءت سورة الاعراف القرآنية تطبيقا لقيم الحق والعدل في الدين.

ومن هنا جاءت ايضاً نظرية الحكم الصالح وكيفية التحقيق.. بعد ان تخلص العراقيون من حكم الدولة العثمانية البغيض فجاء استقلال العراق عام 1921، بعد تضحيات العراقيين المخلصين، والعراقيون ادرى بشعابهم، كما وصفه المرحوم جلالة الملك فيصل الاول (ت1933 م) بمذكرته المشهورة بعد تتويجه ملكا على العراق حيث قال رحمه الله جزافاً: (بلد تنقصه الوحدة الفكرية والملية والدينية، مبعثر القوى، فيه المتعصبون من الُسُنة والشيعة والاكراد والاقليات الاخرى من مسيحيين وغيرهم) لكن بفضل الله وهمة الشعب توحد كل العراقيين في ثورة العشرين، فماذا كان عليهم ان يفعلوا غير : حكم منضبط، وعدالة متناهية، وحكام مدبرين في السياسة خبرة وتجربة وكفاءة بعيدين عن الطائفية والعنصرية والاغراض الشخصية، على جانب كبير من الامانه والاخلاص واحترام شعور الاخرين.هذا هو تاريخكم لمَ لم تقرؤوه؟وحين اهملوه سقطوا مثل السابقين؟.. فهل من تفضلونهم اليوم على العراقيين من الغرباء في الحقوق سيقفون معكم عند الشدة..؟ هذا مستحيل..

ويبقى الدين الذي جاء عامل وحدة بين الناس .. صاغوه وحولوه الى عامل فرقة بين المواطنين.. بظهور مصطلحات السثة والشيعة والمالكية والشافعية والحنبلية وغيرها كثر,,بعد ان غرزوا في اذهان الناس نظريات الحلال والحرام وهي غير موجودة في القرآن بل الموجود منها هي نظريات الأحكام والنواهي بأيات حدية لا تقبل التاويل.. وبوجب النص ... لا فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى، فالوطن وطن الجميع .. وكلهم من المسلمين بفارق الرسالات والزمن الطويل من النبي ابراهيم حتى الرسول محمد (ص) والمسلم هو الذي اطاع عقيدة الاستقامة في الدين وليس من صلى وصام كذبا ورياءً امام العالمين .. ألم يوصي القرآن عيسى (ع) بضرورة تعلم "الكتاب والحكمة والتوراة والأنجيل آل عمران 48"ويقصد بالحكمة السُنن الآلهية لاسعاد البشر .. وكتب الرسالات الابراهيمية الاخرى وأستيفاء المعرفة منها وهم كلهم من المسلمين "الأحزاب 35 .. " أم نبقى نهرول خلف أختلافات فقهاء الدين.. لا ادري من خولهم التفريق؟ كنا نأمل منهم القدوة كما كانوا يقولون.. فصدقناهم لكنهم همُ من تزعم التفريق.. دعوهم هُم والقدر يتصارعون.. فليقرأوا النصوص الدينية قراءة رأسية ليتفكروا الصحيح.. أذن لماذا صيغت قوانين الدولة بأختلاف الاجناس وبقي الدين مثبتا في الهوية ألم يكن من أجل عدالة السماء في الانسان.. أم جاءعلامة تفرقة بين الأنسان والأنسان.لا ادري كيف يفكرون .. "آخذناها وبعد ما ننطيها "وبهذا النفوذ المتعجرف المتزايد المرعب يحكمون..؟ومن فشل الى فشل يحققون والغالبية من الشعب اصبحت من المتذمرين، فهل سنبقى من الساكتين املا بالزمن والمغيرين؟ فأذا كنا كذلك دون همة واقتدار سيكون املنا مستحيل..

هذه السياسة المبنية على التعالي القبلي والديني والمذهبي خطئاً ألحقَت الضرر بالوطن والمواطنين معا وبهم ايضاً، لكن المعتدين لا يشعرون، لهذا قال الحق :"ان الله لا يحب المعتدين"..، كفاية متى تشبعون مالا ورياشا وجنساً في متعكم وانتم عند الأخرين أذلاء مهانون.. ابناؤكم في الخارج في القصور والاموال يرتعون.. وابناء الوطن على الأرصفة في المنطقة الخضراء نائمون .. الا.. ترونهم عندما كل يوم تمرون بحماياتكم التي لا تستحقونها تنظرون ..؟ لا حل امام العراقيين الا بفصل الدين عن السياسة لتحديد حقوق الناس عن سلطة الدولة كما فعلت الدول المتقدمة وأنتخاب من ترونه عدلاً ولا غير.. وندعوالله ان لا يبقي للكافرين ديارا...

واليوم بفضل ثوار تشرين الابطال الميامين .. صحى المارد العراقي من نومه ليرى كل شيء يجب ان يتغير لصالح المواطنين، كما قلنا ونبهنا وكتبنا الكثير ومادروا ان العودة للماضي مستحيل... لكن الذين كان في آذانهم وقرُو حين عَتم عليهم المستشارون الذين نصبوا انفسهم نيابة عن الشعب حكاماً ومسئولين لا يسمعون .. وماهم ومستشاريهم الا نكرات اتيحت لهم فرصة اللا معقول من امريكا التي اليوم يحاربون، واليوم ليثور المخلص على السكوت وان كان بعد فوات الاوان لكن الهمة دوما احسن من الفتور.وها ترى الرئاسة للدولة والرئاسة للوزراء ونواب الصدفة تتراشق التهم كل من جانبه يدعي الدستور والقانون، وهم عنه بعيدون، كأننا أنشئنا نظرية جديدة اسمها نظرية اللغوة تتزعمها فضائيات التخريب والا هل رأيتم مثل هؤلاء يصبحون رؤوساء القوم الذين يحكمون.. لا ابداً يا تاريخ لا تظلم عراق العراقيين.. ويوم قلناها قبل سنة عدونا من الحاقدين المتجاوزين، لا والله لو ملكونا الدنيا لن نخون.. واليوم هم يريدون لملمة اطراف الرداء الممزق فلا يستطيعون.. ولا ندري غدا بعد ان يخرج المحتل الذي به يطالبون، ماذا يفعلون؟ ..

ليبقى الحاقد الشرقي اللئيم عليه يتكئون.. لكن نقولها بملىء الفم لن يربح منكم الا المخلصون الذين مع الشعب يقفون وللانتهازية والباطل يرفضون، ولا ندري ما تخبأه الاقدار للمتخاصمين، أهُم في قلعة مماليك محمد علي الكبيرفي قاهرة المُعز سيختفون .. ام في قاعة الخلد سينتهون .فهل سيعود التاريخ مرة اخرى ليكتب مصير المهملون الذين الا على مصالحهم ساهرون .. فالتاريخ لا يرحم المقصرون.. ولا يعيد نفسه لكن الاحداث تاتي متشابه في الزمن المختلف على المجرمين.. الا.. يشعرون..؟

أضاعوك ياعراق يا وطني العزيز، بمحاصصة طائفية بغيضة حكموك، وبفدرالية شخصية قسموك، وببنوك بيعت فيها الدنانير الورقية بالعملة الصعبة وبأسمهم أفرغوك، وبشركات الحماية المجرمة قتلوك، وبلجان الاغبياء الذين تنازلوا عن ارضك ومياهك أوقعوك، والجيران يستنزفوك مالا ونفطا وارضا، وحكامك في الجنوب والشمال يهملوك، وسفاراتك لا ندري من فيها يحكمون.. اهي لبعضهم ام لكل العراقيين يخدمون، وفيها بيعت اثارك ومخطوطاتك ممن حكموها ولازالوا فيها كالملوك .. من يسائل من في دولة ليس فيه من رقيب او حسيب .وعلماء الاجناس يقولون حتى الطفل بلا رقابة يَخرب في بطن امه دون رقيب من طبيب.

لم يتغير شيء في العراق الا ذهاب صدام واصحاب البِدل الزيتوني و الاخرين، فحل محلهم الخونة القادمين اصحاب العمائم الملونة وأربطة الأرجنس وشراويل حميده أم اللبن وصاحبة نظرية الكيكة المقسمة و 7*7 .. والقادة الخائنون وغيرهم كثير .. والاستيلاء على السلطة والمنصب والوزارة والسفارة ونحن اصبحنا بنظرهم من المخالفين (كش ملك)، لماذا؟ لاننا قلنا لاعوانهم وممثليهم الخائنين قولوا لاسيادكم السياسيين، انكم اصبحتم من الناكثين.ولم تحققوا ما وعدتم به للحاضرين.هاهم أمامكم الأخرون يحاسبون الامير والرئيس والوزير والنائب وكل الاخرين، ولم يقولوا لهم انتم من المتأمرين او الخائنين، لا بل هم احرار من الوطنيين.. ولم يقتلوهم في ساحة التحرير .. فمتى تتعلمون ..؟

ونحن نقول لهم ولممثليهم ولكل الاخرين، ان محمدا(ص) وأهل بيته والصحابة الذين بهم تدعون كذباً وزوراً لم ينجحوا الا بالعدل والوفاء بحق الناس وليس بشخوصهم والمجاهدين، والدولة الاسلامية على اتساعها وقوتها لم تسقط الا حينما تخلت عن الحق وحقوق الناس في عهدي الامويين والعباسيين بعد ان احتلوا بلدان الاخرين وقسوا على شعوبها بدون وجه حق وبلا قيم الدين ونسوا "لكم دينكم ولي دين ".. وسموها فتوحات اسلامية وادخلوها منهج الدراسة لتصبح حقيقة في رؤوس القارئين لكنهم كانوا كاذبين ..واليوم نرى ان كل الوعود اصبحت لهم وللمستشارين والذين بعهد الله كانوا من الناكثين ولمصالحهم من الساهرين، ولقصورهم وارصدتهم البنكية من المكثرين، وليس لنا من حقٍ او من نصيب رغم المعاناة والتهجير والحمل الثقيل حتى حقوقنا لم نحصل عليها مثل الأخرين لأننا ... رفضنا خيانة الخائنين..

لعل أخطر ما عاناه العراقيون بعد التغيير في 2003 هو التزوير الذي تبناه اشخاص اختلفت ميولهم ونزعاتهم في طريقة النظر الى المضمون الوطني في التطبيق .. حتى اخذ التزوير طرقا متعددة تارة من القياديين، وتارة من أمعات السياسيين وأخرين من مضللي التاريخ وسارقيه وممن تزعموا فيه أدارة .. حتى أختلط الحابل بالنابل، فقامت حرب عشوائية بين المنتفعين والوطنيين لم تبقِ ولم تذر .. ولم يلمس الشعب العراقي منهم غير النزعات الملتوية التي اشاعت عملية التحريف والتزوير والاعتداء على حقوق الأخرين .. غير متورعين ولا وجلين من أحكامهم هذه وضلالاتهم تلك.. فوقع الكل في خطأ التقدير..

ان العراق بلد حضاري أصيل ينبع من عين صافية لا عشوة فيها ولا ظلام .. ظل الشعب متماسكاً رغم كل ما عملوه من تخريب وتزييف وتزوير.. حتى اشاعوا من اجل هذا التبرير كل ما عملوه من اخطاء، ان الشعب مِليات مختلفة كما يقولون لا تملك الجديد ولا الأبتكار في الصحيح.. وهذا الخطأ وقعت فيه الدولة العراقية منذ1921 في عهد الملك فيصل الاول.. وهو أمر بحاجة الى تصحيح بعد ان تجاهلوا حضاراته الاربعة التي سبقت الامم الاخرى دماء التجديد .. فعلى المؤرخين ان يقولوا الحقيقة أوبعضها.. للتاريخ.. فالحقيقةلا يقف أمامها مستحيل..

نقول للحاكمين في العراق اليوم :ان الوقوع في الخطأ دون أدراك لا يُلام عليه المُخطأ.. فالحياة تطور مستمروتغير دائم .. لكن ان يحني الخاطىء راسه ويتكيف لأراء اعداء الوطن ويطبق ما يريدون لهو الخطأ بعينه .. فلسنا نقره ولا نرضاه.. فالوطن وطن الجميع وما الحاكم الا فرد فيه فكرامته من كرامة مواطنيه .. فالمبررات التي اعتدنا على سماعها منكم عبر مسيرة التغيير.. غير مقبولة ولا احد يؤيدها الا الراضين بتدمير الوطن.. ومذلة الأخرين..

وأخيراً نقول لهم: اربعة لا ينصرهم الله ابدا.. وهم..

المعتدون.. ان الله لا يحب المعتدين.. البقرة 190.

المزورون: اجتنبوا الرجس من الاوثان وأجتنبوا قول الزور.. الحج30

الخائنون: ان الله لايحب الخائنين .. الانفال 58

الفاسدون: والله لا يحب المفسدين .. المائدة 64

أفلا.. تعقلون..؟

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

محمد سعد عبداللطيفهل تشجع الصين وروسيا الغلام كيم على تحدي ترامب والنظام العالمي؟ بعد جائحة فيروس كورونا في ظل تكهنات بولادة نظام عالمي جديد  من رحم الوباء العالمي؟ إذا كانت هاتان الدولتان تفعلان ذلك، فهما تلعبان بالنار النووية. فقد تضطران إلى الدفاع عن كيم، إذا استغنى ترامب عن مدينة بحجم شيكاغو. أو هوليوود. في مقابل تدمير كوريا الشمالية. أين العرب في هذه اللعبة الخطيرة؟  وأين فِتْيَةٌ أل ملوك ومشايخ  العرب من تهديد ترامب للخليج بدفع الأموال مقابل الحماية.وأين فِتْيَةٌ في قرار الضم  أجزاء من الضفة الغربية وأعلان القدس عاصمة لاسرائيل  وضم الجولان .وأين فِتْيَةٌ في مصير شعب مصر والسودان . من تهديد الأمن الغذائي والقومي من سد النهضة  للاسف لا هم في العير. ولا هم في النفير. هم أشبه بالأيتام على مائدة اللئام. نظام عالمي يولد من رحم كورونا ومازال العرب يبحثون عن موعد اعلان وفاة العرب .في خطوة ثانية بعد أعلان القدس عاصمة للكيان وضم الجولان في خضم الحرب المشتعلة في سوريا .كانت التغريدة عن ضم كل الاردن في ساعات .أن النظام الدولي سيكون مجاملاً لإسرائيل، الذي صنعه. وفرضه على العالم. وما الفوضى الدولية الراهنة إلا تعبير عن فرص للكيان فلايستطيع شعب تم تهجيرة قسرا وأحتلال أرضة أن يتمرد على هذا النظام الذي كان مجحفاً بحقوقه ومصالحه، بقدر ما كان مجاملاً لأصحابه المستعمرين.لقد وقف المستعمر القديم ضد إرادة دول

بحقهم في الوحدة القومية. فكان العرب الأمة الكبيرة الوحيدة في العالم التي لم تتمكن من تحقيق وحدتها. ومن أسباب هذا العجز ترسخ الخصوصيات المحلية في المجتمعات العربية المنفصلة عن بعضها بحواجز السيادة والحدود. ووصلت الخصوصية المحلية السورية إلى ضرب وإسقاط الوحدة الثنائية مع مصر! في أوائل ستينيات القرن المنصرم إن النظام العالمي لا يتحدث عن أمة عربية ووطن عربي. إنما عن «شرق أوسط» و«شمال أفريقيا». ويحاريه الإعلام، بترداد ببغاوي للتوصيفات الجغرافية، متجاهلاً التوصيفات العربية. وهكذا أيضاً وأيضاً يخضع العرب لتناقضات النظام العالمي، في موافقته في السبعينيات على أسلمة النظام العربي والمجتمعات العربية، متجاوزاً الوحدة القومية. في عام 1958 م كذلك الخروج علي النظام العالمي من الزعيم (جمال عبد الناصر) بتأميم القناة .واجلاء الانجليز لكن اعتبر  ذلك خارجاً على النظام العالمي، بتأميمه شركة قناة السويس الأنجلو - فرنسية. هنا تدخلت أميركا ، لإحباط المؤامرة الثلاثية (بريطانيا. فرنسا. إسرائيل) للقضاء على نظامه. وإجبار إسرائيل على الانسحاب من القناة وسيناء.ولكن لم تفعل امريكا هذا حبا في عبدالناصر ولكن لخروج فرنسا وبريطانيا من نفوذهم في الشرق

أستطيع الحديث عن نظام عالمي جديد من صنع أميركا، بعد انتصارها على أوروبا في الحربين العالميتين. فقد دعا الرئيس (وودرو ولسون) بعد الحرب العالمية الأولى، أوروبا إلى تصفية نظامها العالمي الاستعماري. غير أن أميركا لم تستطع فرض نظامها، إلا بعد الحرب العالمية الثانية.لقد تطلعت أمريكا مبكرا في عشرينيات القرن الماضي أن تبني جسور علاقات استراتيجية مع السعودية .من بداية فتوي الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالاستعانة بالكفار لمساعدتهم في استخراج  البترول وعدم مهاجمتهم .وكانت بداية العلاقات مع ال عبد العزيز والتطلع الي طرد النفوذ البريطاني في السعودية .

أما الاتفاق الاستراتيجي بين أميركا والسعودية فقد تعرض في السنوات الأخيرة إلى انكسارات. والأسباب كثيرة، منها تباين المصالح النفطية أثناء وباء فيروس كورونا .وحرب الاسعار بين السعودية وروسيا والتهديدات الأمريكية بفرض حظر وتعويضات عن الاضرار نتيجة تخفيض سعر النفط . وتقاعس أميركا عن إنقاذ سوريا من التدخل الإيراني والتركي ، الأمر الذي سمح لروسيا بفرض نظامها العالمي في المشرق العربي الذي ساعد إيران على إنقاذ النظام السوري  من الانهيار.كذلك نجحت إيران بتوسيع نفوذها الجيوسياسي خارج حدودها الجغرافية بعد نجاح الثورة عام 79 تحت زريعة ثقافة المقاومة والممانعة

أثناء الحرب الأهلية اللبنانية في أنشاء «حزب الله» اللبناني لمواجهة إسرائيل. رغم صعود نجم حزب الله في حرب عام 2006  م ضد إسرائيل  فإذا بها تورطه في حرب أهلية في سوريا وأتهامة بارتكاب مجازر دموية في سوريا.  كذلك الحرب اليمنية .التي انهكت الأقتصاد السعودي .وموقف الامريكان السلبي من النظرة السعودية .ومع صعود الأسلام السياسي في تركيا وتداعيات الربيع العربي ظهر لاعبيين دوليين في الشرق الاوسط من الأتراك في الصراع الاقليمي في شمال العراق وفي شمال سوريا وفي ليبيا وفي المياة الاقتصادية شرق المتوسط في غياب تام للدور العربي .وتحالفات جديدة للصراعات في المنطقة كانت كلها تصب في صالح إسرائيل من حالة التشرزم العربي . ومع نظام الألفية الجديدة وأحداث 11من سبتمبر وحرب الخليج وظهور نظام أحادي القضب .عاش العرب بين نظام عالمي يهدد مصالحة وبين تهديد داخلي من صعود جماعات رداكالية من تنظيمات

القاعدة .وجماعات داعشية رغم القضاء علي بعضها بواسطة الغرب .مازالت تمثل تهديد مباشر علي الدول العربية .مع مولد الألفية الميلادية الثالثة، تعرض النظام الدولي إلى انشقاق خطير. فالاتحاد الأوروبي نشأ وفق المعايير الديمقراطية. والثقافية التعددية غير الرافضة للمهاجرين، بحيث استوعبت ألمانيا أكثر من مليون لاجئ سوري... هذا الاتحاد يتعرض من داخله، إلى تمرد الشعبوية في أوروبا الشرقية التي تستفيد من تمويل الاتحاد لها. وترفض ثقافته الإنسانية، وذلك بتأييد مذهل من شعبوية نظام ترامب الأميركي الذي يدعو إلى التقليل من استقبال المهاجرين. والعودة إلى الإيمان بالوطن أولاً.وقد كشف فيروس كورونا هشاشة الاتحاد الاوروبي في بلدان مثل ايطاليا  واسبانيا . والأنانية .في تعرض ايطاليا للوباء من اغلاق الحدود وترك ايطاليا لمصيرها .وأخيرا -

هل النظام الدولي ضروري لهذا العالم المرهق بالقيود؟ الواقع أنه كان هناك دائماً نظام دولي منذ أن عُرف التاريخ. ولعل المصريين القدماء كانوا أصحاب أول نظام دولي - إقليمي، تعاملوا به مع أقوام الشرق الأدنى المحيطة بمصر. وعاصره أو تلاه النظام المماثل الذي فرضته دول حوض الفرات ودجلة. وقوضت بموجبه دولتي إسرائيل. وسبت اليهود، بذريعة أنهم ألحقوا الأذى بسلام المنطقة.

ثم فرضت الإمبراطورية الفارسية نظامها الدولي. فأنهت سبي اليهود. وساعدتهم في إعادة بناء هيكلهم. وأعادتهم إلى حوض نهر الأردن.هذة الزريعة تحدث بها الاسرائيليون هذا الأسبوع عن ضم أجزاء من الضفة بحجة أن النبي (يعقوب) ذكرها من المناطق المباركةوبها تم حفظ الالواح من التوراة  . لكن النظام الذي فرضته الإمبراطورية الرومانية ما لبث أن هدم الهيكل مرة أخرى. من أجل التعايش السلمي بين الإمبراطورية الأوروبية والدولة العباسية في الشرق حاولت اوروبا فرض سيطرتها بنظام من الحروب الصليبية التي روّعت مصر والمشرق العربي. ثم انحسرت، لتحل محلها الإمبراطورية (العثمانية) ونظامها الدولي الذي طرق أبواب النمسا وروما. وفرض ثقافتها المتخلفة على العرب أربعة قرون.

عادت أوروبا بنظام عالمي جديد مشبع بثقافة الاستشراق، لاستعمار المشرق العربي. هذه الثقافة أَعْلَتْ من شأن الأقليات الدينية. والطائفية. والعرقية. وجرى تقويض مملكة فيصل السورية. وتقسيمها إلى ثلاث دويلات (سنيّة). وما لبثت دولة الانتداب أن عادت إلى توحيدها، بفضل نضال السوريين الوطني والقومي. لكنها أبقت على دولتي العلويين والدروز إلى نهاية ثلاثينيات القرن العشرين. هل النظام الجديد سوف يخلق دويلات في بلاد الشام طائفية وعرقية .هل صدق مقولة تشرشل: «التاريخ سيكون مجاملاً لي، لأني أعتزم كتابته». ويقصد أن النظام الدولي سيكون مجاملاً للغرب، الذي صنعه. وفرضه على العالم. هذا ما سوف تكشفة لنا الأيام بعد الجائحة من ولادة نظام من رحم الوباء ...

 

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري  وباحث في الجغرافيا السياسية

 

مهدي الصافيالمصالح المتبادلة.. صفقة القرن.. المقاومة

عند ذهاب ياسرعرفات الى اوسلوا لابرام اتفاقية السلام بينه وبين اسرائيل1993 (اقامة سلطة الحكم الذاتي الانتقالية، مرحلة اولى لبداية طرح مشروع حل الدولتين)، انزعج حافظ الاسد من هذه الخطوة الفردية، معتبرا انها تساهم بأضعاف العرب كما حصل بعد اتفاقية كامب ديفيد مع السادات1978 (رحمهم الله جميعا)، ونجح الفلسطينيون من انتزاع الضفة الغربية وغزة وبعض المناطق، لكن حلم الدولة الفلسطينية بقي معلقا....

استمرالخط العسكري مفتوحا بين سوريا ولبنان، وكذلك عملية تطوير حزب الله من قبل ايران، حتى جاءت خطوة الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان2000، ومن ثم خروج الجيش السوري من هناك ايضا2005، بأحداث متتابعة لايبدوا انها جاءت صدفة....

بقيت ثلاث محاور مفتوحة للمقاومة (حزب الله لبنان، الفصائل الفلسطينية الاسلامية، سوريا) المدعومة بقوة من ايران، بعدها اندلعت كارثة المواجهة الدموية المباشرة بين اسرائيل ولبنان (حزب الله) 2006، هذه الازمات او الكوارث جاءت بعد اعلان نهاية الحرب الباردة عام1990، ومافعله الاحمق صدام من كارثة احتلال الكويت، وصعود بوش الابن بعدها، الذي اطلق مشروع الشرق الاوسط الجديد بعد اسقاط نظام طالبان في افغانستان، وصدام في العراق2001- 2003، واستخدمت عبارة اما مع امريكا او مع محور الشر، فأندلعت ثورات الربيع العربي، وانخرطت دول الخليج في اخطر لعبة في تأريخها الحديث اسقاط القذافي وحرب اليمن وبشار الاسد الخ....

السياسة فن الممكن ولكنها ناجحة بلغة واساليب العقلاء،

والمصالح المتبادلة اساليب ونهج الحكماء،

والمقاومة سلاح ذو حدين...

تجربة حزب الله لبنان او الحرس الثوري الايراني، او حتى المقاومة الفلسطينية في مقارعة عدوا واحدا في المنطقة اسرائيل، تجربة ناجحة نسبيا، الا ان فلسفة جعلها امر واقع، او بديلا لدولة المؤسسات، لن تجلب الا مزيدا من العزلة الدولية، والضجر والانزعاج والنفور الشعبي الداخلي من هذه الشعارات الجهادية المتأرجحة بين الحرب والسلم المؤقت، فضلا عن الحصار الاقتصادي، والاتهامات والقرارات الدولية القاسية بحقهم (اتهام المجتمع الدولي الرسمي لجهات وافراد بالارهاب، وتجميد الارصدة، الخ.)، اذ لم يكن بالحسبان ان يكسر الهلال الشيعي في سوريا بهذه الطريقة الدموية الاستنزافية الطويلة

 (القريبة من حرب الاستنزاف للاتحاد السوفيتي السابق في افغانستان)، مع حالة الفشل العام للتجربة الديمقراطية في العراق، وتمزيق اليمن بالحرب العبثية العشوائية الخليجية، ثم اقرار قانون قيصر، وانهيار الاقتصاد وتدهور سعر العملة في ايران ولبنان وسوريا (مع انهيار اسعار النفط بسبب الاغلاق العالمي امام جائحة كورونا) ...

المقاومة حق مشروع، اسرائيل دول محتلة لاراض عربية مقدسة اسلاميا، ولكن كيف ومتى يفهم المقاوم لغة الخضوع لسياسة الامر الواقع، عندما يقتنع ان مايراه بوضوح من غياب او ضعف في قوة عناصر وعوامل واسس واهداف هذه المقاومة، وانها لم تعد موجودة تقريبا، ولايمكن الترويج مجددا للشعارات والافكار الحماسية الثورية، او حمل رايات الحرب المقدسة، لشحذ الهمم، ومحاولة اعادة رفع المعنويات وضخها في المجتمع مع البطون الخاوية والجيوب الفارغة، ومظاهرانهيار الدولة الفاشلة، هذا ان كان لايؤمن بفكرة المعاجز....

كان على حزب الله ان لايتورط في الثورة الشعبية السورية التي نادت بالديمقراطية (قبل ان يتدخل الارهاب ليصادر جهود الثورة السلمية من اهلها)، وان يشترط على النظام السوري ان لايحارب الشعب، وان لايرفض فكرة التعديلات الدستورية، واجراء الانتخابات الرئاسية الديمقراطية تحت اشراف الامم المتحدة،

صحيح ان نظام الاسد يمثل معه محور الممانعة، ولكن من جهة اخرى هناك حق شعبي وطني مهم، بضرورة نيل الحقوق الكاملة، وبالحصول على ابرز مقومات الدولة الديمقراطية الحقيقية، رفضا لاسلوب التوريث في الحكم (الطائفي من وجهة نظرهم)، بغض النظر من ان الظروف مؤاتية لهذا التغيير ام لا، وفق الاعتبارات الداخلية المتغيرة والمتصاعدة من قبل الشعب السوري، الحرية والانعتاق من الانظمة الشمولية الفاشلة، اهم عندهم من قضية فلسطين والجولان المركونة جانبا والمؤجلة اصلا الى اجل غير مسمى....

وكان عليه ايضا ان يساهم ببناء جيش لبنان المهني الكفوء، بدمج غالبية عناصر حزب الله بالمؤسسة العسكرية والامنية الرسمية، والتحول رسميا الى حزب سياسي مدني، بدلا من ان يبقى شماعة تعلق عليها امريكا والاتحاد الاوربي واسرائيل (وبعض دول الخليج) اسباب فشل محادثات السلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين، واعتبارها ذراع ايراني ضارب وطارد للمصالح الامريكية الاستراتيجية في المنطقة، وتهديد مباشر لدولة اسرائيل (هم يطالبون علنا بزوالها)،

هذا الامر تكرر مع الفصائل الشيعية المسلحة في العراق، التي تسير بنفس النهج والاسلوب وطريقة العمل المقاوم الشيعي القديم المدعوم ايرانيا...

ايران وتركيا لاتؤمن بنظرية المصالح المتبادلة مع الدول العربية، لعدة اسباب وامنيات وفرضيات مريضة وحسابات خاطئة، ومنها اطماع تأريخية، وبعضها متعلق بسياسة المحاور، والابتزاز الاقتصادي والتجاري، ولديها ممارسات فعلية وحقيقية بفرض ارادتها وهيمنتها على المنطقة (من الخليج الى المحيط، ومن البحر المتوسط الى البحر الاحمر)، بل لم تقدم الى الان اية مبادرات استراتيجية لفتح افاق التعاون المتبادل بين الدول العربية وبينها،

مع ان الحق يقال ان ايران لم تكن بمستوى التدخلات التركية المباشرة في شؤون الدول العربية، وبالاخص بعد ثورات الربيع العربي (ودعمها لحركات اخوان المسلمين والجماعات الارهابية المتطرفة)، وذلك عائد لعدم وجود تلك الارضية الرخوة، المبنية على اساس الترابط المذهبي او طائفي

 (كما في العلاقة مع شيعة العراق ولبنان، والعلويين في سوريا والحوثيين اي الزيدية في اليمن)، التي استغلها اردوغان مع بروز قوة الاسلام السياسي في المنطقة،

ولكن هذه الامم وفقا لبنيتها الحضارية، وفلسفتها التاريخية في بناء دولها ومؤسساتها وعلاقتها بدول المنطقة، انها تؤمن بسياسة الامر الواقع

 (عكس اغلب الدول العربية التي تعتبر تنوع خيوط الارتباط والتشابك الدولي يمكن ان تحميها وتجنبها المشاكل واساليب الابتزاز الدولية، تارة مع امريكا واوربا من جهة، وتارة اخرى مع روسيا والصين على الطريقة البدوية القديمة)،

اي عندما تكون دول المنطقة قوية تتعامل معها وفق نظرية المصالح المتبادلة، وعندما تجد ضعفا وانهيارا داخليا، تدخل بقوة في شؤون الدول المجاورة الداخلية، مستحضرة العديد من القصص والاحداث والاسباب التاريخية (استعمارها القديم لدول المنطقة) ....

صفقة القرن مع ترامب هي لم تأتي بجديد، انما تعاملت ايضا مع الواقع العربي المفكك والمنهك بالمشاكل والاضطرابات والحروب الداخلية، فتمادت مع اسرائيل بعبور اتفاقية اوسلوا، وذهبت الى الاعتراف بالهيمنة الاسرائيلية الكاملة على القدس

 (نقل سفارتها الى القدس)، وتشتيت ملف اللاجئين، مع ان هذه الصفقة والاوضاع او الترتيبات الجديدة في المنطقة، سببها ياسر عرفات الذي رفض التوقيع مع ايهود باراك على صيغة الحل النهائي ابان ادارة او ولاية كلنتون الثانية للبيت الابيض...

دخول عودة ملف التطبيع وعلاقة بعض دول الخليج مع اسرائيل، او ظهورها بشكل علني، والبدء بالترويج لها سياسيا واعلاميا وحتى دراميا (على غرار محاضرات يوسف زيدان الذي دحض وشكك فيها بقدسية المسجد الاقصى، واعطى رأيا حول تنازل صلاح الدين الايوبي عنها للصليبيين، مع ان الارض اي الوطن يبقى مقدسا بوجود هيكل مقدس او بدونه، الخ.)،

على خط المفاوضات المتوقفة بين الاطراف المعنية، وتسريب الاجندات والمخططات والمشاريع المستقبلية المفترضة، قبل وبعد التوقيع على هذه الصفقة المجحفة بحق الفلسطينيين (توطين اللاجئين في سيناء مصر او الانبار العراق، ولبنان الخ.)،

من جهة اخرى كانت ايران قبل ذلك قد تركت ملف فلسطين والمقاومة مؤقتا، وركنته جانبا (قبل مجيء ترامب للبيت الابيض)، وذهبت لابرام اتفاق دولي مع الاتحاد الاوربي وامريكا حول ملفها النووي المثير للجدل، مع انها نجحت في انتزاع هذا الاتفاق لفترة وجيزة بعد سلسلة طويلة من الجولات واللقاءات والحوارات الدبلوماسية،

الا انها عادت الى المربع الاول، بعد ان رفض ترامب تلك الصفقة الفاشلة، التي تسمح لايران بالمضي قدما بتطوير برامجها النووية وصناعتها الصاروخية البعيدة المدى، وهي تمثل تهديدا حقيقيا لجميع دول المنطقة، وتحديدا الدول العربية،

هي تنظر للعرب كما نظر ابو جعفر المنصور لابو مسلم الخراساني،

وستبقى كذلك الى يوم يبعثون، فالعادات والتقاليد والموروثات الحضارية لايمكن محوها من التراث الشعبي، اوتجريد العقل الجمعي العام عنه، في مثل هذه الدول الغارقة في التاريخ واساطير الاولين،

لهذا لابد ان يتعلم الجميع لغة اخرى غير اساليب الهيمنة والاستعلاء واستعراضات القوة، والبدء جديا بالتفكير بضرورة بناء شراكات وتعاملات واتصالات وعلاقات تجارية واقتصادية وثقافية متينة، على اساس المصالح المتبادلة كما تفعل الصين في طريق الحرير الجديد....

المقاومة لايمكنها ان تجلب الامن والاستقرار للمنطقة، انما هي هدية مقدمة على طبق من ذهب للقوى الامبريالية الرأسمالية العظمى، التي تبحث عن مسوغات التدخل عبر طرح مفهوم الدفاع عن المصالح الاستراتيجية والامن القومي لدولها، وهو يعد جزء من مبادئها صناعة العدو الوهمي، حتى تتمكن من اقناع الرأي العام في بلدانهم اولا، وفي العالم ثانيا، بمبدأ الحرب الاستبقاقية والوقائية، ولعل العالم اجمع اليوم بات يعرف اسباب اتساع رقعة الصراع الدولي، الذي شمل الصين وروسيا وبعض دول الاتحاد الاوربي (انسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوربي، اعلان ترامب سحب جنوده من المانيا، التوترات والتصريحات الانفعالية الاوربية الاخرى)، هذه مقدمات وترتيبات مايطلق عليه عالم مابعد جائحة كورونا..

ان الاوضاع العربية البائسة الحالية، لايجعلها في موضع المفاوض المتمكن، القادرة على فرض او وضع اية شروط واقعية على المجتمع الدولي، منها من يفكر بأمن نظام الحكم (كما في دول الخليج، والانقسام الخليجي مع دولة قطر، او ظهور التسريبات الخاصة بالعبث بأمن الخليج على يد بعض المتواطئين مع القذافي قبل انهيار ليبيا)،

والبقية تكافح من اجل الامن والاستقرار وابعاد احتمالات الفشل والتقسيم او الحرب الاهلية، كيف يمكن ان يرفع بعدها شعار الجهاد والمقاومة، والشباب والعوائل العربية تبحث عن منافذ الهجرة الى اوربا،

وكأنهم افارقة هاربين من جحيم الفقر والجفاف، افواج بالالاف كانت تبحر شهريا او يوميا الى المصير المجهول (مع تواطئ تركيا مع مافيات التهريب لابتزاز دول الاتحاد الاوربي للحصول على مزيد من الاموال والدعم لطموحاته التوسعية في المنطقة العربية)، هربا من من الدول او الجماعات التي لازالت تفكر او تعتقد ان المقاومة (علما ان الاستعمار الامبريالي القديم قد تغير كثير، واصبح اسعتمار رأسمالي جشع، ولهذا هو ليس بحاجة الى مقاومة عسكرية، انما دول وقوة اقتصادية ناجحة) هي الحل الوحيد لشعوبها (الهجرة من سوريا والعراق ولبنان واليمن، وحتى من ايران)، ولو فتحت الابواب للشعوب العربية لما بقي فيها غير الطبقة الحاكمة واتباعهم والمستفيدين منهم اوالمغرر بهم (عدا اصحاب المبادئ الوطنية وهم قلة قليلة لايمثلون نسبة مؤثرة)، لعدة اسباب منها، توارث الاساليب القديمة في الحكم والادارة والثقافة الرسمية العامة، الخوف او الحذر من التجديد السياسي والاجتماعي، تعمد ابقاء الدولة بعيدة عن مهنية المؤسسات الدستورية المستقلة، وعدم طرح مشاريع فكرية او بحثية تتعلق بتفكيك مفهوم الدولة الحديثة، وفصلها عن بقية المفاهيم الموروثة، كالدين او الطائفة، او بقية الهويات الاثنية...

 (تجربة محمد ابن سلمان في السعودية رؤية 2030-جاءت مشوهة اذ اريد لها ان تتم بطريقة انتقالية سريعة، من الفكر الوهابي المتشدد، ورقابة شرطة او هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكراو مايعرف بالمطاوعة، وعلى اساس الحكم القبلي السعودي، وليس كما اراد بعض الاصلاحيين هناك من الانتقال الى الملكية الدستورية الديمقراطية) ..

تجربة ايران الاسلامية بين عام 1979-2020، وصلت الى مرحلة الاشباع الثوري (نظرية تصدير الثورة او دعم المقاومة)، وبات الشعب لايطيق سماع فكرة او نظرية ولاية الفقيه، او ضرورة وجود حرس للثورة بعد اربعة عقود تقريبا من سقوط النظام الملكي، او تقديم مزيد من الدعم المادي والعسكري او اللوجستي لفصائل المقاومة الشيعية في لبنان والعراق واليمن، او لفصائل المقاومة الفلسطينية، او النظام في سوريا، امام الحصار الاقتصادي الخانق، وانهيار قيمة التومان، وتأكل ثقافة السلطة الدينية الابوية المقدسة، وهو شعب متحضر منفتح نفسيا على الحضارة الغربية العلمية العلمانية....

اصبح منظر رجل الدين وهو يدعوا بحماسة عالية الشباب الى الجهاد والمقاومة باهتا، لايملك ادوات التأثير الفعلية، وكأنه يتحدث الى نفسه اوالى القلة من اتباعه فقط، بعد فشل الاسلام السياسي (السني والشيعي) في تقديم نموذج الخلافة الراشدة في الحكم (الحاكمية)، وهي التي تعد بمثابة جوهر فكرة انشاء او تأسيس الدولة الاسلامية العادلة (او الفاضلة) على يد هذه الحركات الاسلاموية، حيث ظهر الفساد والفشل والمحسوبية، واشاعة الفوضى، واستخدام قواعد واجتهادات فقهية خاطئة، لتبرير نهب المال العام او مبايعة الدول الاجنبية (الاخوان مبايعة تركيا، والشيعة مبايعة ايران) ابان حكمهم، متجاهلين حاجة المجتمع المعنوية للضرورات الغائبة عنه منذ عقود، المتعطش للحرية والامن والازدهار والرفاهية، فقد فشل العراق وعاد الى مربع العصبيات القبلية والنزاعات الطائفية والعرقية، وكذلك عادت سوريا واليمن وليبيا ولبنان الخ.

ليست المقاومة عيبا، هي اساس ضمير الامة العربية ووجدانها الحي، وهي شريان متشابك ممتد الى عمق جذور الارض المقدسة، ولكنها ليست قبعة درويش، او راية بيضاء للفتوحات الاسلامية الجديدة، هي من المفترض انها ردة فعل دفاعية، تنتهي بذهاب اسباب ظهورها، اما ان تبقى مقاوم الى يوم القيامة (او حتى ظهور الغائب او المسيح المخلص او المسيح الدجال)، فهذا يدخل تحت ابواب او اعتبارات المصالح والحسابات الشخصية او الفئوية او العقائد والتصورات المشوشة او المنحرفة (كعبادة الاوثان، او ثقافة تقديم القرابين والتضحيات، وممارسة الطقوس والعشائر، وشراء صكوك الغفران، الخ.) ...

نعتقد ان الدول العربية امامها ثلاث طرق مهمة ومعقدة في نفس الوقت، يمكن توحيدها بالفكر والحكمة والعقلية السياسية المسؤولة، بالبحث عن المصالح المتبادلة ووضعها امام بقية الطرق (صفقة القرن والمقاومة)، اما ان تذهب في طريق صفقة القرن عاريا، فتخسر كل شيء، وتسلم راية الاستسلام لاسرائيل، وبهذا تضيف الى هيمنة وقوة تركيا وايران، قوة غاشمة جديدة (ليس كما تعتقد بعض دول الخليج ان الذهاب بعيدا في علاقتها مع اسرائيل، يجعلها قوة متكاملة في مواجهة المد التركي الايراني)، او تختار طريق المقاومة الطويل، الذي لايمكنه ان يعزز من قدرات الدول العربية، او يدعم مكانتها بين القوى الاقليمية، انما يساهم في انهاكها اكثر، ويعطل من مسيرة التنمية والتطور الحضاري المطلوب لنهضتها، ويصيب اجيالها بألاحباط واليأس امام شعارات الثورة والمقاومة المستمرة، ويستنزف مواردها في سباق التسلح وعسكرة المجتمع...

الفلاح او العامل الذي بدء يتصل بزوجته من الحقل او في طريقة الى ورشة العمل عبر جهاز الموبايل، ليس نفسه ذاك الذي سار خلف الشعارات اليسارية كالاعمى، معتقدا ان ايام الاقطاع، وليال الظلام القابع على صدره سيزول بالعصا الشيوعية السحرية، ولم يبقى امعة كبقية العوام الاميين التي تتعلم الدين كما يتعلمه الاطفال ايام الكتاتيب، انما يبحث عن الرفاهية والاستقرار النفسي الامني والمعاشي، وهو يرى كيف يقدم بعض شباب وشابات الوطن العربي على المجازفة بحايتهم من اجل تلك الطموحات المشروعة، طلبا للحياة الحرة المدنية الكريمة  (وما اكثر حالات الالحاد والانتحار بعد ثورات الربيع العربي في بلادنا)، ويعيش في دول لم تترسخ فيها بعد قيم المساواة بين الرجل والمرأة، والعدالة الاجتماعية، وسلطة القانون واحترام النظام، ويلاحظ فشل الانظمة التربوية والتعليمية والخدمية، مع غياب منظومة القيم والمبادئ الانسانية والديمقراطية الفعالة الخ.

المصالح المتبادلة تعني لكل مجال قانون ونظام وتحالف واهداف واتفاقات استراتيجية واضحة، لايوجد فيها غالب او مغلوب، او سياسة لي الاذرع، او اتباع اساليب المراوغة والخداع والتأمر، واعطاء تلك المهام الى اصحاب الاختصاصات العلمية او البحثية الاكاديمية، وكذلك مراكز الدراسات والبحوث الاستراتيجية، وابعاد اهل السياسة عنها، الا بما تحتاجه تلك المؤسسات المستقلة من دعم ومتابعة ومراقبة بيئة العمل الصالحة للانجاز والابداع والتطوير...

صحيح انهم يحاصرون العرب لتجفيف منابع الحياة (سد اليسو في تركيا، وسد النهضة في اثيوبيا)، وان النيات المبيتة من قبل هذه الدول غير مشجعة، الا ان السياسة التكاملية العربية، ووضع خطط وبرامج علمية عملية، لبناء اسس التنمية والنهضة المشتركة الشاملة الطويلة الامد، يمكنها ان تصنع التوازن العربي الاقليمي المقبول...

فهذه الامة العظيمة كتب لها ان تبقى خير امة اخرجت للناس، وهي اخر الامم التي تفنى من على هذه الارض قبل يوم المعاد

 

مهدي الصافي

 

 

عبد الحسين شعبانأعادتني الضجة التي أثارها الإعلان عن موعد صدور كتاب "الغرفة التي شهدت الأحداث The room where it happened " لجون بولتون المستشار  السابق للأمن القومي الأمريكي إلى الفيلم الملحمي الفرنسي - الجزائري " Z" الذي تصدّر شاشات السينما في العام 1969 والمأخوذ عن رواية بنفس الاسم لمؤلفها فاسيليس فاسيليكوس ، والذي يتحدث فيها شهود رئيسيون عن أوضاع حكومية وظروف غامضة ومريبة، مثلما أعربت بعض الأوساط الأمريكية والدولية عن استغرابها ودهشتها إزاء تسريب أسرار ومعلومات وخفايا تتعلق بإدارة الرئيس دونالد ترامب .

جدير بالذكر، أن جون بولتون هو أحد طباخي "السياسة الأمريكية" ، ومقرب من الرئيس ترامب، ولذلك فإن نشر الأسرار والمعلومات على الملأ أزعجته وأثارت غضبه فأطلق طائفة من الاتهامات والعبارات النابية بحقه، بل إنه طلب منع نشره بزعم مساسه بالأمن القومي وإفشاء الأسرار، لكن القضاء الأمريكي رفض هذا الطلب .

لعلّها ليست المرّة الأولى أن يعمد أحد كبار الموظفين السابقين في البيت الأبيض على نشر مذكراته عن الفترة التي قضاها بالقرب من الرئيس ومن صناعة القرار، ولكن ذلك عادة ما يحدث بعد انقضاء ولاية الرئيس وبدء رئاسة جديدة، غير أن ما حدث هو أن بولتون حاول نشر "الغسيل الوسخ"  كما يقال والرئيس ترامب ذاته ما يزال متربعاً على دست الحكم في البيت الأبيض، وتلك سابقة خطيرة، لاسيّما بنشر أسرار ما تزال طي الكتمان أو تسريب معلومات يفترض أن تبقى في الأدراج أو فضح قضايا لم يتم حسم الموقف بشأنها ، والأمر لا يتعلق ببعض الأمور الشخصية، بل إنها تصب في صميم مهمات الرئيس ومسؤولياته وخططه وبرامجه وعلاقاته وصفقاته واتفاقاته، ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب وخطورته.

وبولتون مثل غيره من مستشاري الأمن القومي جاء من "مجمّع العقول" أو "تروست" الأدمغة مثل كيسنجر وبريجنسكي وأولبرايت  وستيفن هادلي وكونداليزا رايس، وهؤلاء عادة من المتفوقين الذين تأخذهم الإدارة الأمريكية للاستفادة من إمكاناتهم ، وقد عيّن سفيراً لبلاده في الأمم المتحدة في العام 2005 بعد أن برز كأحد صقور الحزب الجمهوري ومن المحافظين الجدد New Conservative  ، وترأس في الفترة من 2013 - 2018 معهد جيستون وهو معهد معادي للإسلام، وقد التحق بإدارة الرئيس ترامب كمستشار للأمن القومي خلفاً لـ هربرت ماكماستر وكان إعلان ترشيحه لهذا المنصب يعني أن إدارة ترامب تتجه إلى التشدد في سياستها الخارجية لما هو معروف من التوجهات المتصلبة لبولتون وقناعته باللجوء إلى القوة في العلاقات الدولية كحل لفرض هيمنة واشنطن.

لقد وقف بولتون إلى جانب ترامب حين شنّ الديمقراطيون ضدّه حملة شعواء لعزله، ولكن الأخير كافأه بالعزل بعد ذلك، كجزء من مزاجه المتقلب، وقد يكون الإسراع في إصدار مذكراته رغبة في قطع الطريق على الرئيس ترامب من الحصول على ولاية ثانية ، لاسيّما بنشر ما لديه من معلومات وأسرار لا تصب في صالحه، بل تنتقص من إدارته غير المنظمة والتي يتحكم فيها صهره كوشنير وابنته إيفانكا.

وأبرز بولتون الجانب العصابي في شخصية ترامب ونرجسيته وانتهاكاته لمعيار الوطنية الأمريكية، ليس فيما يتعلق بالعلاقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وما أشيع عن دعمه في الانتخابات، بل تدخله لدى الصين لفتح تحقيق مع ابن جون بايدن منافسه الديمقراطي في الانتخابات القادمة، إضافة إلى تخبطاته على المستوى الدولي، فهو غير معني بالقيم الديمقراطية الليبرالية أو الجوانب الإنسانية والحقوقية والقانونية الدولية، وإلّا كيف تنسحب واشنطن من اتفاقية المناخ ومن منظمة الصحة العالمية ، ويصرّ ترامب على رفع ميزانية حلف الناتو إلى 2%، إضافة إلى وقف مساعداته لوكالة غوث اللاجئين وإعلانه عن الرغبة في التخلي عن عضوية لجنة حقوق الإنسان الدولية ، ويتعامل مع العالم العربي والقضية الفلسطينية من موقع تجاري، بل ويخضع كل شيء للتجارة والقوة الاقتصادية.

وبالعكس من ذلك ، يرى بولتون أن القوة العسكرية هي الأساس الذي ينبغي التعامل به مع عدد من القضايا والملفات مثل الملف النووي الإيراني والملف النووي الكوري الشمالي، مثلما كان مع تدمير المفاعل النووي السوري الذي قصفته إسرائيل العام 2007 ويتهم كوريا ببيع أسلحة نووية لسوريا وبتمويل من إيران. وقد وقف ضد مجموعة خان الباكستانية التي تعاونت مع إيران وكوريا الشمالية في مجال الأسلحة النووية، وخصوصاً تخصيب اليورانيوم  التي  سرقها خان من أوروبا ، حسب ادعاء بولتون.

عرف جون بولتون كل ما كان يجري في غرفة الرئيس، لذلك أراد أن يفتح أبوابها ونوافذها ويظهر خباياها وخفاياها للجميع بحيث يبان الرئيس عارياً ومجرداً من كل ما يستره،لذلك سارع لقطع الطريق على ولايته الثانية بالتوقيع على عقد  نشر كتاب الغرفة التي شهدت الأحداث مقابل مبلغ مليوني دولار، ولعلّ ذلك جزء من القوة الناعمة التي استخدمها بولتون بوجه ترامب الذي يقود حروباً ناعمة ضد العديد من الدول والشعوب.

 

عبد الحسين شعبان

باحث ومفكر عربي

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثتا عن الذكري السابعة لثورة 30 يونيه، وهنا نقول : لم تكن الولايات المتحدة تتوقع مثل هذا على الاطلاق ، فاعتبرت أن هذا انقلابا، فقطعت المعونة الأمريكية ، وهنا خرج الفريق ” عبد الفتاح السيسي” وزير الدفاع ، في لقاء له مع صحيفة واشنطن بوست في أغسطس 2013 ، مبينا للعالم أجمع بأن :” الجيش المصري لم يقم بانقلاب.. لقد قاد الإخوان البلاد بطريقة تخدم الأيديولوجية التي يمثلونها، وهذا ما لم يجعل محمد مرسي رئيساً لكل المصريين… كان الجيش حريصاً جداً على نجاح مرسي، ولو كنا نعارض أو لا نريد السماح للإخوان أن يحكموا مصر لكنا تلاعبنا في عملية الانتخابات … لقد اختار مرسي أن يصطدم مع جميع مؤسسات الدولة: القضاء، الأزهر، الكنيسة، الإعلام، القوى السياسية، وحتى مع الرأي العام . وعندما يصطدم رئيس مع كل مؤسسات الدولة؛ فإن فرصة نجاحه تكون ضئيلة .

ومن ناحية أخرى ، كان (مرسي) يحاول استدعاء وحشد أنصار ذو خلفيات دينية له من الداخل والخارج.. إن الفكرة التي جمعت تنظيمات الإخوان المسلمين في تنظيم دولي لا تقوم على القومية أو الوطنية وإنما على أيديولوجية ترتبط تماما بمفهوم التنظيم (لا ، الدولة…) خلال المراحل المختلفة أطلعنا مرسي على التطورات على أرض الواقع ، وقدمنا له المشورة وتوصيات مقترحة لكيفية التعامل معها وكان ممكنا عمل الكثير .

فعلى سبيل المثال كان من الممكن حل الأزمة من خلال حكومة ائتلافية دون المساس بمنصب الرئيس. لكن مرسي كان يستمع فقط دون أن يعمل بأي منها .وأعتقد أن اتخاذ القرارات والقيادة كانت في أيدي تنظيم الإخوان، وهذا أحد أسباب فشله الرئيسية …قبل 30 يوليو” أعطينا مهلة سبعة أيام لكل القوى السياسية في مصر للعمل على إنهاء الأزمة، تم تجديدها لمدة 48 ساعة إضافية كفرصة أخيرة (لمرسي) للتفاوض مع القوى السياسية والتوصل الى حل وسط. وأعلنت بشكل واضح أنه إن لم يتغير شيء مع نهاية المدة؛ فستعلن خارطة طريق من قبل العسكر والقوى السياسية …وحتى في يوم إعلان البيان (بيان إقالة مرسي من منصبه في 3 يوليو، 2012 ) دعوات لاجتماع ضم بابا الأقباط ، وشيخ الأزهر ، ومحمد البرادعي والممثل السياسي لحزب النور، وممثل عن المرأة المصرية ، وممثلين عن القضاء المصري ، وعن الشباب ، وتمرد ، ودُعي حزب الحرية والعدالة الى الاجتماع، لكن لم يأت منهم أحد. واتفق الحاضرون على خارطة طريق بتعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيسا مؤقتا للجمهورية وتشكيل حكومة تكنوقراط ، وتشكيل لجنة من الخبراء والقانونيين لعمل التعديلات الدستورية.

وطرح الدستور للاستفتاء العام .وبمجرد الموافقة عليه سنجري الانتخابات البرلمانية والرئاسية في غضون تسعة أشهر …وفي نفس اليوم الذي أعلن فيه البيان وجُهت رسالة الى الرئيس السابق طالبته بالمبادرة لحل الأزمة بأن يطرح نفسه لاستفتاء شعبي ومعرفة ما إذا كان الشعب ما زال يريده رئيسا، لكنه قال :لا ليس بعد … ولو لم نتدخل لكانت هناك حرب أهلية… وكنت كذلك قبل رحيل مرسي بأربعة أشهر قد أوضحت له أن نهجه وجماعته في الحكم يخلق صراعاً بين مؤيديه والمعارضة… وأخبرته أن الجيش لن يكون قادراً على فعل شيء في حال اقتتلت جماعته مع الشعب المصري.

علاوة علي أن ثورة 30 يونيو بينت للعالم كله أنها ثورة شعبية عبرت بامتياز عن الغالبية العظمى من الشعب المصري، عدا من ينتمون إلى تيار الاسلام السياسي والقلة القليلة المتعاطفة معهم، والتي تآكلت بعد عام واحد من حكم الجماعة المتهافت على السلطة والذي كاد يودي بالبلاد والعباد. وإذا كنا نتحدث في ثورة 25 ينايـر عــن " الديمقراطية على شبكة الإنترنت " Online Democracy , والتي مكنت الشباب من المشاركة السياسية والدعوة إلى ثورة يناير بعيدًا عن الأدوات الإعلامية للدولة.

إن ثورة 30 يونيو استطاعت أن تستدعي ما يمكن أن نُطلق عليه " الديمقراطية المباشرة " Direct Democracy التي كانت تُمارس في روما القديمة، حيث كان الشعب يعبر عن رأيه بشكل مباشر في كثير من شئون الدولة قبل ظهور صناديق الانتخابات بعد ذلك بقرون كآلية بديلة عن الديمقراطية المباشرة،  فالديمقراطية المباشرة إذن هي الأصل، ولعل المُنصف يرى أن من خرجوا ضد مرسي وجماعته في 30 يونيو يزيدون على ضعف من أعطوه صوتهم في جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية، إلا أن جماعة الإخوان المسلمين اختزلوا الديمقراطية في الصندوق الذي تصوروا أنهم يحتفظون فيه بأصوات الناخبين التي لا تتغير وفقا لسياساتهم الخرقاء، ولم يدركوا أن هذه الأصوات تركت الصندوق وتجسدت أمامهم لحمًا ودمًا وثورةً تطالب بسقوطهم.

وحول سيناريو ما بعد الرئيس محمد مرسي وجدنا أن جماعة الإخوان المسلمين سعدت بكل ما أوتي من قوة في نشر الحرب الأهلية داخل مصر من خلال الميليشيات الإلكترونية والتي كانت تتلقى التمويل والتدريب والتعليمات من جماعة الإخوان، وذلك على النحو الذي كشفه مصطفى زكريا صحفي صحيفة "الصباح" الذي أجرى تحقيقا استقصائيًا مميزًا اخترق به ميليشيات الإخوان الإلكترونية.

وكان العاملون بهذه "اللجان الإلكترونية" يخضعون لعدد من الدورات المتقدمة في «الفوتوشوب» وخصوصا "تركيب الصور" وبعبارة أدق "التزوير"، وأيضًا دورة على كيفية اختراق حسابات المعارضين "الهاكرز"، على صفحات التواصل الاجتماعي، وذلك في إطار الحرب بين الكفر والإيمان، وأن الجماعة تحارب القوم الضالين بسلاحهم. وفيما يتعلق بالصفحات التي تهاجم الإخوان، فإذا كانت تنشر معلومات مغلوطة، فهجوم "الهاكرز" كفيلٌ بالقضاء عليها، أما في حال كانت على الصفحة مستندات حقيقية تمس الجماعة، فلا بد من البحث عن "الأدمن" ومن ثم تهديده ليتوقف عن النشر. وفي حال تقرر استخدام أسلوب "القرصنة الإلكترونية" للقضاء على صفحة ما، يتم الاتصال بكل اللجان الإلكترونية داخل وخارج مصر، بما يضمن نجاح المهمة بأسرع وقت ممكن، وبعد الانتهاء من العملية، كثيرًا ما يبدأ أحد أعضاء الإخوان في التكبير، ومن ورائه يردد الآخرون.

وكان يتم توزيع العاملين داخل اللجان الإلكترونية لجماعة الاخوان على ثلاث فئات، تؤدي كل منها مهامَ محددة:

المجموعة الأولى: لجان الطلبة، وأعضاؤها طلبة جامعيون، مهمتهم نقل أخبار الجامعة، ونشرها على شبكة الإنترنت، فإن كان عميد الكلية إخوانيًا، امتدحوه لخلق رأي عام مؤيدٍ له، وإن لم يكن ينتمي للجماعة، شنوا عليه الهجوم وشوّهوه بقسوة.

المجموعة الثانية: لجان العاملين، وأعضاؤها موظفون، ولا تصدر لهم تكليفات محددة، ونشاطاتهم اجتهادات فردية، وما ينشرونه يتعلق بالشأن العام ومهاجمة المعارضة.

المجموعة الثالثة: لجان شباب الجماعة، وتضم الأعضاء العاملين بالمؤسسات الإعلامية لجماعة الإخوان، وتحديدًا "شبكة رصد"، وقناة "مصر 25" وجريدة "الحرية والعدالة"، وتتلقى تكليفات مباشرة ودائمة من مكتب الإرشاد، وكان المسئولون عن هذه المجموعة يتباهون بأنهم على صلات وثيقة بالمهندس خيرت الشاطر، نائب مرشد الجماعة والرجل القوي فيها, ونظرًا لحساسية هذه المجموعة، فإن معظم "الأدمن" على صفحاتها، أبناءٌ لقيادات الجماعة، من الصف الأول إلى الثالث.

أما بالنسبة للإنفاق على اللجان الإلكترونية وأشكالها، فتختلف باختلاف العاملين بها، فهناك لجان ينفق أعضاؤها من مالهم الخاص، وهم من القيادات الشبابية داخل الجماعة، ويعملون تحت قيادات الجماعة بشكل مباشر. وهناك لجان أخرى لا يوجد سقف لنفقاتها، وهي اللجان التى يعمل بها الطلبة، وأشكال الإنفاق تتمثل في دفع إيجار المقر، ودفع المصروفات الدراسية للعاملين، وتوفير سكنٍ أفضل من السكن الجامعي، وتوفير أشخاص لخدمتهم داخل السكن وتوفير أجهزة "لاب توب" حتى يمارسوا عملهم من قلب الأحداث، وتوفير الخدمات الطبية على أعلى مستوى لهم ولذويهم، ويستمر أعضاء هذه اللجان في العمل حتى خلال الإجازات الدراسية، لضمان التواصل مع الأعضاء المشتركين داخل الصفحة، ويتم الإنفاق عليها عبر ميزانية تجمع بينها وبين ميزانية المواقع الإخبارية المعروفة بتبعيتها للجماعة.

وكان الإنفاق على هذه اللجان يأتي ضمن برنامج "الإعلام البديل" الذي كان يتبناه الإخوان، للتصدي لمعارضيهم فى الإعلام، فمهمة اللجان الإلكترونية أكبر من الهجوم على وسائل الإعلام والمعارضة، فالهدف منها أن تصبح صفحات الإخوان النافذة الإعلامية الوحيدة لمستخدمى الإنترنت، ويتم ذلك على مراحل أولها عمل خلل في الثقة بين الإعلاميين والمتلقين، عن طريق جمع معلومات في غاية الدقة، حول حياة مقدم البرنامج او الصحفي، لتشويه صورته أمام الأعضاء المشتركين بالصفحة، والإكثار من مقاطع الفيديو التي تم تصويرها بمعاونة وحدات التصوير الخارجي، حتى يتم الاستغناء عن الإعلام المرئي "الكافر".

ولا شك أن افتضاح أمر هذه الميليشيات التي تديرها جماعة الإخوان أوضح بما لا يدع مجالًا للشك أن هذه الجماعة تفتقر إلى الخُلُق وإلى كل ما يتعلق بالمُثُل العليا التي حثت عليها الأديان، ثم هي تشير أيضًا إلى أن البعض ممن يمارسون العمل بها بدأوا يشعرون بوخز الضمير، وأن الخيّرين منهم قد يثورون على هذا الوضع ويتركون تلك المهمة غير الأخلاقية التى يتم تنفيذها باسم الدين.

كل هذه الأمور فشلت تماما في إفشال ثورة 30 يونيو ، بل بالعكس لقد نجحت تلك الثورة بعد ذلك توطيد العلاقات الدولية؛ وخصوصا دول الاتحاد الأوروبي والفوز بالمقعد غير الدائم لمجلس الأمن وكذلك فى لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وغيرها من العلاقات الدولية وعلى الصعيد الداخلى تمت بالفعل مشروعات عملاقة من البنية التحتية من طرق ومحطات مياه وصرف صحى غير مسبوقة في تاريخ مصر بالإضافة لمشاريع كبرى؛ مثل قناة السويس الجديدة، وكذلك المليون فدان ومشروعات شرق التفريعة ببورسعيد وبداية زراعة مليون ونصف فدان وغيرها من المشروعات الضخمة وبخاصة مشروعات تنمية الصعيد وتعمير سيناء.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

.....................

المراجع :

1- د. على الدين هلال وآخرون: عودة الدولة تطور النظام السياسي في مصر بعد 30 يونيو، الدار المصرية اللبنانية، 2015.

2- بادية فواز ياسين الحاج حسين: : "ثورة 25 يناير" المصرية السياسة الأميركية تجاه صعود وسقوط حكم الإخوان المسلمين، رسالة الماجستير غير منشورة في الدارسات الدولية من كلية، الدارسات العليا في جامعة بيرزيت ، فلسطين،2015،

3- عمرو‌ عمار،‌‌: الاحتلال ‌المدني أسرار‌ 25 يناير‌ والمارينز ‌الأمريكي، سما ‌للنشر ‌والتوزيع ،‌‌ القاهرة ‌،2012.

 

 

صادق السامرائينعيش الذكرى المئوية لثورة العشرين التي إنطلقت في مدينة الرميثة العراقية، الأصيلة الكفاح والنضال والإصرار على العزة والكرامة الإنسانية والوطنية.

وقصة الثورة معروفة وكُتبَ عنها الكثير من الكتب والمقالات، ومجّدتها القصائد والإبداعات العراقية الأخرى، وسأقترب منها من زاوية مغايرة، فلهذه الثورة تداعياتها ونتائجها التي قبضت على مصير القرن العشرين، ولا تزال فاعلة في واقع المنطقة منذ ذلك الحين.

فالثورة تسببت بخسائر فادحة للقوات البريطانية وكلفت ميزانيتها ما لا تستطيعه من الأموال، فتصدى للموقف الصعب وزير المستعمرات البريطاني آنذاك ووستن تشرتشل، فاستدعى قادة الإنتداب البريطاني في المنطقة لحضور مؤتمر القاهرة، في فندق سميراميس، وإستمر لمدة إسبوعين متواصلين بالنشاط (12\3 – 23\3\1921)، لتدارس موقف المستعمرات البريطانية والوصول إلى آليات أقل كلفة وخسارة من الإحتلال المباشر، وقد شارك في مؤتمر القاهرة من العراق جعفر العسكري وحسقيل ساسون.

وبسبب المناداة بإنهاء الإنتداب الذي عَصفت في الواقع الإعلامي البريطاني آنذاك، لخسائر ثورة العشرين الفادحة، تقرر التفاعل بأساليب أخرى تضمن مصالح الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى.

فبقيت سوريا ولبنان تحت الإدارة الفرنسية، وتواصل الإنتداب البريطاني على فلسطين، وأصبح فيصل الأول ملكا على العراق، والحسين شريف مكة بقيَ ملكا على الحجاز، وتولى عبدالعزيز بن سعود حكم نجد. وأعطيت إمارة شرقي الأردن لعبداللة بن الحسين. وخُوِّلَ السير برسي كوكس بإتخاذ ما يراه مناسبا بشأن العراق.

وبموجب مقررات هذا المؤتمر تشكّل المجلس التأسيسي لمملكة العراق بعضوية نوري السعيد، رشيد عالي الكيلاني، جعفر العسكري، ياسين الهاشمي وعبد الوهاب النعيمي، وانتخب السيد عبد الرحمن النقيب رئيسا للوزراء، والذي نادى بالأمير فيصل الأول ملكا على عرش العراق في (11\7\1921)، وتم تتويجه في 23\8\1923.

فوضعَ الدستور وأنشأ مجلس الأمة، ونظّم العلاقة بين العراق وبريطانيا وفقا لمعاهدات، وقام بإصلاحات ومشروعات عديدة.

فمؤتمر القاهرة في جوهر فكرته الإجابة على سؤال كيف ندير مستعمراتنا بأقل الخسائر، والجواب الواضح أن ننصب عليها حكومات منها تعمل لصالحنا، وكانت هذه الفكرة جذابة ومغرية وقليلة التكاليف، بل مربحة وتساهم في تنمية الإقتصاد وتعافيه من الأزمات.

ومنذ ذلك الحين تأسست حكومات في المنطقة تخدم مصالح القوى الطامعة فيها، ولا يجوز لحكومة أن تعمل لصالح البلد ومواطنيه، وأي قائد يبرز معبّرا عن الإرادة الوطنية يتم الفتك به ومحاصرته إعلاميا والنيل منه وتسفيه أحلامه.

وعلى هذا المنوال تجري الألاعيب السياسية، بناءً على ما تمخضت عنه ثورة العشرين من دروس ومعطيات تحققَ توظيفها لصالح الدول المستعمرة للمنطقة، والتي لا تزال تحسبها مستعمراتها، ولكن بتقنيات وآليات معاصرة توهم الآخرين بأنها غير ذلك.

وأوضح مثال ما جرى في العراق منذ تأسيس مملكته وحتى اليوم، فهل وجدتم حكومة عملت لصالح الوطن والمواطنين، ولم تتعرض للنكبات والنكسات والتورط بالعدوان على ذاتها وموضوعها؟

إنها لعبة عمرها مئة سنة وستتواصل لمئة أخرى، مادام في المنطقة مَن تسوّغ لهم أنفسهم تأدية وظيفة الدمية والمَطية لإرادة الآخرين!!

وهل تصدقون أن تشرتشل لا يزال فاعلا فينا؟!!

ومَن لديه دليل على أن الدول العربية ذات سيادة تامة عليه أن يأتي به؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

 

 

كاظم الموسويصحيح ما يقال بان الأرقام شهادة اثبات ولا تخطا كثيرا في إعطاء الصورة، وتؤشر للحصاد بعد البحث والدرس والاستقراء والاستنتاج، الا ان ما حصل مع الأمراض والأوبئة والجائحات التي مرت في التاريخ القريب والبعيد يظهر حقيقة المؤسسات والسلطات المسؤولة بصدد مصداقيتها وحرصها وادائها العلمي والموضوعي والرصين، وتلك هي المسالة المهمة في معرفة الإجراءات والخطوات التي واجهت الجائحة أو الأحداث ومن ثم الحصاد منها على جميع الاصعدة، ولا سيما الحصاد البشري، الضحية الكبرى.

أظهر إحصاء لوكالة رويترز للاخبار، في صباح يوم الأحد06/28  /2020 بلوغ عدد الإصابات بفايروس كورونا  "كوفيد-19" في أنحاء العالم نحو 10 ملايين حالة، فيما يعد علامة فارقة جديدة في مسيرة انتشار المرض الذي يصيب الجهاز التنفسي. وقد أودى بعد أن روّع العالم منذ أواخر كانون الاول/ ديسمبر الماضي حتى الآن، بحياة زهاء نصف مليون شخص على مدار 6 أشهر.

يأتي ذلك في الوقت الذي بدأ فيه العديد من الدول المتضررة بشدة من الجائحة في تخفيف إجراءات العزل، والاغلاق الكامل وغيره، وتنفيذ تعديلات موسعة في نظم العمل والحياة الاجتماعية قد تستمر لعام أو أكثر، حتى ظهور لقاح، او علاج يتأكد منه في الخلاص من الأخطار والأضرار. وتبذل كل الدول المبتلية بما تستطيع للوصول إلى اكتشاف العلاج وتوفيره.

تشهد بعض الدول طفرات جديدة في انتشار عدوى كورونا دفعت السلطات لإعادة فرض قيود العزل العام جزئيا، في وضع وصفه خبراء بأنه قد يكون نمطا متكررا في الشهور المقبلة وحتى 2021. وتمثل الإصابات في أميركا الشمالية وأميركا اللاتينية وأوروبا نحو 75 بالمئة من إجمالي المصابين، وذلك بنسب متساوية تقريبا بين المناطق الثلاث. بينما تسجل آسيا و"الشرق الأوسط" زهاء 11 و9  في المئة على الترتيب، وفقا للإحصاء الذي اعتمد على تقارير حكومية. ووصل عدد الوفيات بالفيروس حتى الآن إلى أكثر من 497 ألف شخص، وهو تقريبا نفس عدد الوفيات الناجمة عن الإنفلونزا سنويا، بحسب ما نشرته "رويترز". ولكن هناك من يشكك في هذه الارقام، وله الحق في ذلك لما توارد من دروس وعبر. فذهب باحثون إلى أن عدد من توفوا في أنحاء المعمورة إثر إصابتهم بفايروس كورونا أكبر مما أعلن رسميا. والسبب أن حالات وفيات كثيرة لم تدخل ضمن الإحصاءات، وأن بعضا ممن يداهمهم الموت في بيوتهم أو في مآوي العجزة لا يتم فحصهم لتبيان إصابتهم بكورونا من عدمه. وذهب باحثون، الذين يحللون نسبة الوفيات بالإنفلونزا وغيرها من أمراض الجهاز التنفسي، إلى أن جزء ممن يموتون بأمراض تشبه أعراضها أعراض كورونا يدخل في الإحصاءات. هذا يعني أن الأرقام المنشورة بحاجة إلى تدقيق واستفهام وحسابات موضوعية لوضع الأمور في محلها والإنتباه من الدروس والعبر المعروفة. فضلا عن معرفة ما قد يختفي تحت الطاولات والصفقات في المجتمعات الرأسمالية.

لاسيما أن الأرقام المعلن عنها للوفيات من جوائح سابقة في وقت حدوثها مضللة في غالبها. مثلا في عام 2009 أحصت منظمة الصحة العالمية عدد الموتى بإنفلونزا الخنازير بـ 18631، بينما اعلن فريق من الباحثين الأميركيين في "مركز مكافحة الأمراض" الحكوميCDC  أن الارقام الحقيقية كانت أكثر بـ 15 ضعفاً. وهذا ما حصل ويحصل الان، فلا أحد يعلم بعد إلى ماذا ستؤول الأمور في الشهور المقبلة؟، ولا تزال دول متقدمة ومتطورة على الصعيد الطبي، تتعامل بطريقة التخمين مع الأدوية أو اللقاحات الواجب استعمالها، كما مع طريقة انتشار الوباء، إذ تطالعنا وسائل الإعلام يوميا بأخبار ومعلومات ثم تعود وتنفي صحتها. كما تذيع احصائيات غير مؤكدة أو دقيقة ومطابقة لواقع الحال.

مازالت دول عظمى كالولايات المتحدة والصين وبريطانيا وفرنسا تتقاذف التهم والإشاعات حول صحة أرقام المصابين وأعداد الوفيات، وهي لا تزال تعيش فوضى وعشوائية بطريقة التعامل مع الفايروس، علما أنها سارعت الى تشكيل خلايا وأجهزة رقابة متخصصة مؤلفة من أطباء وعلماء، لكن بدا وكأن الفايروس يتحايل عليها بسرعة انتشاره، وتوزيع اصابته، فلم يسلم منه حاكم أو محكوم، ومن كل الأعمار والأجناس والقارات.

 لكل هذا، عقدت السبت، 2020/06/27 قمة عالمية شاركت 40 حكومة فيها، وجمعت 6.15 مليارات يورو من الولايات المتحدة والمفوضية الأوروبية والعديد من البلدان لمحاربة فيروس كورونا، مع تشديد الكثير من المشاركين على ضرورة توفير اللقاح، عند التوصل إليه، لكل من يحتاجه. وسيتم استخدام الأموال في اختبارات الكشف عن كورونا والعلاجات واللقاحات ذات الصلة، ومساعدة المتضررين الاكثر من الجائحة.

تشهد الولايات المتحدة التي تتصدر دول العالم في أعداد الإصابات والوفيات جدلا بعد الارتفاع القياسي للإصابات بفايروس كورونا بالتزامن مع رفع الحظر في عدد من الولايات. وتخطت الولايات المتحدة عتبة الـ2,5 مليون إصابة بفيروس كورونا، بحسب بيانات نشرتها جامعة جونز هوبكنز. وبحسب عداد جائحة كوفيد-19 فقد بلغ عدد المصابين بالفيروس في الولايات المتحدة 2,500,419 مصابا، بزيادة 44602 حالة عن الإحصاء السابق، مضيفة أن عدد الوفيات ارتفع 651 ليصل الإجمالي إلى 124967. وسجلت ولاية فلوريدا وحدها نحو 10 آلاف إصابة جديدة بكوفيد-19 خلال 24 ساعة، وهو رقم قياسي جديد في الولاية الأميركية التي تشهد انتشارا متسارعا للفيروس خصوصا في صفوف الشباب.

تجاوزت الهند التي تضم 1,3 مليار نسمة، عتبة 500 ألف إصابة وبلغ عدد الوفيات فيها 15 ألفا و685، بحسب السلطات. ويرى علماء الأوبئة أن الجائحة لم تبلغ بعد ذروتها المنتظرة خلال أسابيع. وينتشر الفايروس بشكل مقلق في المدن الأكثر اكتظاظا في هذا البلد الذي بدأ رفع الإغلاق.

في أوروبا، سجلت جمهورية تشيكيا نحو 300 إصابة جديدة بكوفيد-19 خلال 48 ساعة، ما يمثل أعلى زيادة منذ بداية نيسان/أبريل، وذلك بسبب ظهور عدة بؤر عدوى أبرزها في منجم شرق البلاد. بذلك، وصل العدد الإجمالي للإصابات في البلد العضو في الاتحاد الأوروبي والبالغ عدد سكانه 10,7 ملايين نسمة إلى 11164 إصابة، خلال نهاية الأسبوع الأخير من حزيران/ يونيو، بينها 349 وفاة. وهو نموذج لباقي أعضاء الاتحاد رغم الإجراءات العديدة التي تتسابق عليها دول الاتحاد وخارجه.

واخيرا هذا بعض ما حصدته جائحة الكورونا من البشر، ارقامه كبيرة ومؤلمة، ولكنها تقارب أو تشابه ارقام ضحايا الحروب والعدوان التي ترتكبها القوى الإمبريالية ومتخادميها في اركان المعمورة، فهل يدق هذا الحصاد اجراس الانذار ويدفع لاتجاهات وقف الحروب والعدوان والاهتمام في معالجة الأوبئة والجوائح والفقر والجوع وكوارث الطبيعة الاخرى؟!.

 

كاظم الموسوي

 

علاء اللاميوإزالته من الوجود في سوريا والعراق!

إن السؤال الأهم والوجودي في ملف مأساة الرافدين هو: مع تناقص المياه الواردة الى سوريا إلى أقل من الربع هذه الأيام، وإلى ما دون ذلك إلى العراق، لماذا لم يقرر العراق وسوريا تدويل قضية مئات السدود التركية طوال العقود الماضية كما فعلت مصر قبل أيام قليلة؟ لنلق نظرة على الأداء المصري الجدير بالاحترام خلال أزمة سد النهضة الأثيوبي:

بعد مفاوضات تسويفية دامت عدة سنوات مع أثيوبيا، ورغم أن هذه الدولة، وعلى العكس من تركيا، أبدت تجاوبا ملحوظا مع مصر والسودان في التنسيق المسبق والتشاور قبل وإثناء التنفيذ، قررت مصر تدويل قضية السد الأثيوبي الوحيد على النيل "سد النهضة"، بعد فشل الجولات الأخيرة من المفاوضات، وطالبت أثيوبيا بالتوقيع على اتفاقية دولية ملزمة لتقاسم مياه نهر النيل وتحمل مسؤولية الأضرار عما سيلحق بها في سنوات الشحة المائية بسبب السد. وبعد ساعات من قرار التدويل المصري تراجعت أثيوبيا وقررت تأجيل ملء السد من طرف واحد، والعودة إلى التفاوض مع الدولتين المتشاطئتين معها!

*لقد اعتبرت مصر سد النهضة الأثيوبي تهديدا وجوديا لها، وهي محقة فعلا فمصر هي "هبة النيل" كما قال هيرودوت، وأعلنت أنها تحتفظ بحق الدفاع عن النفس إذا ملأت أثيوبيا السد عنوة ودون تنسيق مشترك مع الدول المتشاطئة معها خلال فترة الملء، على أن يستمر التنسيق والتشاور مستقبلا في سنوات الشحة المائية. وحين سارعت القاهرة إلى تدويل القضية، وحتى قبل أن يحدد مجلس الأمن موعد جلسته لمناقشة الموضوع - ستعقد اليوم الثلاثاء - تراجعت أثيوبيا عن موقفها وعادت الى التفاوض... هذا منطق الدولة التي تدافع عن مصالح شعبها بمواجهة سد أثيوبي واحد. أما منطق اللادولة أو دولة العصابة في العراق منذ السبعينات حيث بدأت تركيا بإنشاء المئات من سدودها دون تنسيق أو تشاور مع الدول المتشاطئة معها فالأمر مختلف.

*أضف إلى ذلك أن مناطق السدود التركية هي منطقة نشاط زلزالي قديم، وإذا انهار سد تركي أو أكثر من سد عملاق من السدود التركيا سيؤدي إلى دمار شامل لشرق سوريا وغرب العراق ويصل الجدار المائي الطوفاني كما يسميه الخبراء إلى الخليج العربي جارفا معه مدنا وقرى كاملة، لأن سد أتاتورك فقط يخزن قرابة 50 مليار متر مكعب من المياه وهذا يعادل الإيرادات المائية لدجلة والفرات حاليا لمدة عام كامل.. ولكي نتخيل حجم الكارثة إذا انهار سد تركي واحد عملاق بسبب زلزال أو عمل تخريبي في منطقة حروب في داخل تركيا وخارجها، لنتصور أننا جمعنا مياه النهرين لمدة عام كامل ثم أطلقناها في يوم واحد فماذا يحدث؟

*الحقيقة المأساوية التي يجهلها غالبية العراقيين والسوريين هي (أن تركيا تمكنت حتى عام2006 ، من تشييد 759 سداً، منها 208 سدود كبيرة، كما وأنَّ هناك210 سدود تحت الإنشاء والتخطيط والدراسة.- انتهت من إنجازها الان وأضافت لها سد أليصو العملاق على نهر دجلة في السنتين الأخيريتين، وإن الطاقة التخزينية للسدود الكبيرة البالغ عددها 208 سد - قبل إنشاء سد أليصو - تبلغ 157 كم3 م، والطاقة التخزينية لجميع السدود تبلغ 651 كم /كما ورد في كتاب "الموازنة المائية في العراق وأزمة المياه في العالم- ص154 للباحث فؤاد قاسم الأمير.

*إن الخطر الزلزالي - إضافة الى خطر الحرب الداخلية القومية في تركيا بين الدولة والمسلحين الكرد - كما قال أحد الخبراء، كان كافيا لرفع شكوى ضد تركيا وإلزامها بعقد اتفاقية لتقاسم المياه وتحمل مسؤولية أية كارثة قد تحدث، ولكن الحكومات العراقية والسورية رفضت طوال العقود الماضية أن تدول الموضوع حتى الآن. في العراق خصوصا، فالدولة - دولة عصابة القتلة قبل الاحتلال ودولة عصابات اللصوص والقتلة بعده - لا تدافع عن الرافدين وبلاد الرافدين وشعب الرافدين بل هي مشغولة بشن حروب عبثية قبل الاحتلال وبالدفاع عن الحصص الطائفية من الغنائم والواجب الجديد الذي أنيط بحكومة العمالة المكشوفة برئاسة الكاظمي فهو واجب حماية السفارة والقواعد الأميركية ممن يرفضونها من العراقيين وهي التي جاءت كما يزعمون لحماية العراق! تصحير العراق وزوال الرافدين جريمة ستكون وصمة عار في جبين حكام العراق اليوم وإلى الأبد.

 

علاء اللامي

.............................

يمكنكم تحميل نسخة رقمية بي دي أف من كتابي (القيامة العراقية الآن.. كي لا تكون بلاد الرافدين بلا رافدين...خفايا وأسرار العدوان التركي والإيراني على أنهار العراق لتصحيره) الصادر عن دار الغد - بغداد - سنة 2012:

https://www.4shared.com/office/0xcgpFAdca/_________.html

 

باسم عثمانلموقع يديعوت احرنوت الالكتروني الثلاثاء 30 / 6 / 2020م توقع غانتس الشريك الأساسي في الحكومة الإسرائيلية، انه لن يتم بدء تنفيذ إجراءات الضم غدا الأربعاء وقال:"...الشمس ستشرق من الشرق وتغيب في الغرب.."،واكد غانتس تأييده لمخطط الضم:" اعتقد ان خطة ترامب هي الاطار السياسي – الأمني الصحيح الذي يتعين على دولة إسرائيل دفعها قدما... واحضار اكبر عدد ممكن من الشركاء الى هذا النقاش من دول المنطقة وبدعم دولي"، وحول اقوال نتنياهو ان تنفيذ المخطط ليس منوطا بغانتس، اعتبر الأخير انه:" اذا قررت الحكومة صباح غد فرض السيادة وان الاتفاق "الائتلافي" يسمح بذلك، فإنني سأضطر الى احترام الاتفاق"، هذا في الوقت الذي حدد فيه نتنياهو الأول من تموز/يوليو موعد البدء في تنفيذ إجراءات مخطط الضم.

يبدو أن نتنياهو تسلق شجرة عالية ولا يعرف كيف ينزل عنها، خصوصا بعد اتساع المعارضة على خطته- فلسطينياً وعربياً ودولياً وحتى داخل كيان الاحتلال وحكومته (ليس على المبدأ وانما على توقيته)- في ضم الأغوار وشمال البحر الميت، حيث ما زال الغموض يكتنف عملية الضم وإجراءاتها بانتظار ما ستقرره الإدارة الامريكية، اذ ليس من الواضح بعد إذا ما كانت حكومة نتنياهو وغانتس ستبدأ في تنفيذ مخطط الضم في الأول من تموز/يوليو الحالي، أم أنها ستتراجع أمام تداعياته واستحقاقاته ،حيث ان أمريكا تخشى من ان تمس فكرة الضم بعلاقات "إسرائيل" مع العرب التي تربطها بها اتفاقيات معلنة، في الوقت الذي لن تتخلى فيه أمريكا عن فكرة الاجماع داخل الحكومة الإسرائيلية، بين نتنياهو وغانتس، حول خطوات الضم ان كانت كلية او جزئية او رمزية.

ووفق التقديرات فان السيناريو الذي سيتحقّق: هو الشروع في ضمّ جزء من الضفة الفلسطينية المحتلة 30 % طبقاً لـ " رؤية ترامب" ، أو الامتناع عن أي خطوة حاليا وتأجيلها لتوقيتها الى ما بعد الانتخابات الامريكية، او اجراء ضم رمزي لمستوطنات او كتل استيطانية، تساعد نتنياهو على النزول من اعلى الشجرة وايفائه بوعوده الانتخابية، وما بينهما من سيناريوهات وسط معارضة فلسطينية وعربية وأممية الرافضة لخطة الضم الإسرائيلية بكل "سيناريوهات اجتهاد نتنياهو" لترسيمها، بالتزامن مع الخلاف القائم بين أمريكا وإسرائيل حول مساحة الضم ومناطقه وأيضا توقيته، حيث أعرب نتنياهو عن انزعاجه من الاشتراطات الامريكية على "الإجماع الإسرائيلي" داخل الحكومة الراهنة، للأقدام على أي سيناريو محتمل لخطة الضم الإسرائيلية.

في هذا الإطار ينتهج نتنياهو تكتيك التلويح بانتخابات جديدة للضغط على شريكه غانتس في الائتلاف الحكومي، وإذا نجح في تمرير خطته في الضمّ ولو جزئيا، يكون قد أسَّس لمسار يُعزِّز به موقعه السياسي والانتخابي والدعاوي في حال نفذ وعيده بانتخابات مبكرة على خلفية الموقف الداخلي الاسرائيلي من خطة الضم، ويكون ايضا قد حدَّد عنوان الانتخابات المقبلة ومحور التنافس فيها، لاستقطاب جمهور اليمين واليمين المتطرف حوله لتحقيق ما يطمح اليه.

ولكن في ظل الخلافات القائمة: بين نتنياهو وغانتس من جهة، وبين الاشتراطات الامريكية ونتنياهو من جهة اخرى، وما يدور من خلاف بين كوشنر وفريدمان داخل أروقة الإدارة الامريكية حول الخطوة القادمة للضم، وكيفية اتخاذها: بالتوافق مع أطراف عربية ودولية أو من دونها، حيث يرى كوشنر تأجيل الضم القانوني والاكتفاء بالضم والاستيطان الزاحف على الأرض، والتركيز على فوز ترامب في الانتخابات الامريكية القادمة،بينما يتحمس فريدمان للضم واغتنام الفرصة التاريخية بوجود ترامب حيث من المحتمل عدم فوزه في الانتخابات القادمة، ذلك كله يجعل من سيناريو التأجيل حاضراً على أجندة حكومة نتنياهو، وهو ما تناولته الصحف الإسرائيلية ونوهت اليه.

وهنا، تبقى الكلمة الفصل للشعب الفلسطيني الذي أعربت عنه كل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من تخوفها من ردة فعله، وحذَّرت من أن يشكل الضم الشرارة لاشتعال الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ مما يؤدي إلى تغيير المشهد الداخلي والإقليمي والدولي.

سيناريوهات الضم على أجندة "الحكومة الإسرائيلية":

- تأجيل الضم "الكلي أو الجزئي" لفترة مؤقتة:

يقوم هذا السيناريو على تأجيل الضم الى ما بعد الانتخابات الأميركية القادمة، وفي حال فاز ترامب سيتم دعوة الفلسطينيين للمفاوضات على أساس "رؤية ترامب" من جديد، وهذا سيكون بمثابة البلسم الشافي وقارب النجاة لسياسات الرسمية الفلسطينية وتكتيكاتها ورهاناتها العقيمة على خيار المفاوضات في انتكاساتها المتتالية وطريقها المسدود،في الوقت الذي سيتم استثمار ذلك دعاويا واعلاميا من قبل اعلام السلطة و"انجازاتها" في "فرملة" خطة نتنياهو في الضم ومبررا لاستئناف خيار المفاوضات من جديد!!.

ولان "التطبيل والتزمير" الدعاوي والتضليلي للجمهور الفلسطيني من سمات الخطاب الرسمي للسلطة الفلسطينية، متجاهلين عمدا ان اية مفاوضات قادمة "ان كانت بضم او عدمه"، سيكون سقفها الفلسطيني التفاوضي "رؤية ترامب": أي المناورة بين الضم "القانوني" للأراضي الفلسطينية والضم الاستيطاني الزاحف من خلال الكتل الاستيطانية وتهويد الارض.

- السيناريو الثاني: ضم جزئي او رمزي:

يقوم هذا السيناريو على إقدام الحكومة الإسرائيلية على ضم "جزئي او رمزي" لبعض المستوطنات او لكتل استيطانية او مساحات جزئية من المنطقة (ج) من أراضي الضفة الفلسطينية، للتأكيد على مصداقية الوعود الانتخابية لليمين المتطرف، و"لملمة" ما تبقى من جمهور اليمين الإسرائيلي وجمهرته حول شعار الدورة الانتخابية القادمة للكنيست الإسرائيلي، في مواجهة بيني غانتس الشريك الأساسي في الحكومة الحالية، ومن ثم دعوة الفلسطينيين لمفاوضات جديدة ماراثونية وعقيمة.

هذا السيناريو سيضع حجر الأساس للضم الكلي و"القانوني" في السياسات الإسرائيلية اللاحقة، ان فاز نتنياهو او غانتس او أي شريك اخر، بغطاء عربي ودولي او بدونهما.

السيناريو الثالث: فشل الحكومة الإسرائيلية في الاجماع على اليات الضم:

إذا فشل نتنياهو وغانتس على اجراءات الضم، هذا يعني الذهاب الى انتخابات مبكرة وجديدة للكنيست، وهنا ستكون حظوظ نتنياهو الاوفر حظا من غانتس حسب ما تشير اليه اخر الاستطلاعات الإسرائيلية، ولن يفوز فقط بأغلبية المقاعد النيابية للكنيست، وانما بالحصانة القضائية من محاكمته من تهم الفساد أيضا.

خيارات الفلسطينيين:

من مساوئ اتفاق أوسلو أنه أفرز نخب سياسية واقتصادية تتباهى في استعراض امتيازاتها ومصالحها الخاصة انسجاما مع انتكاسات الحالة الفلسطينية الداخلية وارتباط مصالحها بوجود الاحتلال، وهي تعي تماما أن استقرار وضعها المعيشي وأسلوب حياتها يرتبط بوجود مؤسسات السلطتين الفتحاوية والحمساوية (في الضفة والقطاع).هذا يوضّح أنّ قرار "التحلل" الذي اتخذته السلطة الفلسطينية من الاتفاقيات دون استراتيجية وطنية وسياسية واضحة ومتكاملة تقوم على مبدأ الشراكة والتوافق الوطني، ليس أكثر من ردة فعل، وهي بذلك تراهن على عودة "المياه الى مجاريها"، لأنها تدرك تماما ان الاحتلال لا يستغني عن خدماتها وخصوصا في التنسيق الأمني وتخفيض كلفة احتلاله للأراضي الفلسطينية، في الوقت الذي تتمنى فيه-نتيجة الخلافات الامريكية الإسرائيلية، والخلافات داخل الحكومة الإسرائيلية- ان يتم وقف "الضم القانوني" الكلي او الجزئي او تأجيلهما، ليتسنى لها العودة مجددا الى رهاناتها السابقة وسياستها الانتظارية في "احتلال المواقع الثابتة" وتبني مبدأ "ردة الفعل وليس الفعل نفسه"، والعودة مجددا الى انتاج "مسيرة السلام" بكل تبعاتها الكارثية على القضية الفلسطينية.

في ذات السياق تعيش بقية أطراف الحركة الوطنية الفلسطينية أزمات مركبة (بنيوية وبرنامجيه) ،لا تسعى الى احقاق البديل الوطني رغم ادراكها له، وتحتل موقعها الوسطي في تجاذبات طرفي السلطة الفلسطينية في (الضفة وغزة) وتجتهد في تبرير موقعها هذا على قاعدة اختلال ميزان القوى الداخلي الفلسطيني والإقليمي والدولي، وطبيعة المرحلة للمشروع الوطني الفلسطيني،وكمية القمع المزدوج الذي تتعرض له من الاحتلال والسلطة.

ان الرهان على السلطتين الفلسطينيتين في الضفة والقطاع ان تستبدل من خياراتها ورهاناتها وتحالفاتها وحتى امتيازاتها، وان تكون أقرب الى الخيار الوطني واستحقاقاته الميدانية، هو ضرب من الخيال وشكل من اشكال المراهقة السياسية، في الوقت الذي يقع على عاتق كل القوى الوطنية والديمقراطية والمجتمعية والمدنية الفلسطينية ان تمتلك زمام المبادرة في انتاج البديل الوطني وتفعيله دون الاكتفاء بالتلويح به حتى لو كان الثمن باهظا، لان ما تمر به القضية الفلسطينية يستدعي المواجهة بالفعل وليس التنديد لتكتيكات ردات الفعل للرسمية الفلسطينية.

ما العمل؟:

ان توفير مستلزمات الصمود للشعب الفلسطيني فوق ارضه المهددة باي شكل من اشكال الضم، هو من أولويات الدفاع الاستراتيجي عن المشروع الوطني الفلسطيني، وحجر الأساس في برنامج المواجهة للاحتلال ومشاريعه التصفوية، برنامج يقوم على التوافق والشراكة الوطنية لكل أطياف الحركة الوطنية الفلسطينية انطلاقا من رؤية الواقع والتعامل معه لتغييره، بكل الخيارات الوطنية الممكنة دون هيمنة او اقصاء، برنامج يراهن على الجماهير وامكاناتها ويوفر مستلزمات النهوض الوطني من خلال التحضير لانتفاضة شعبية عارمة في كل الأراضي الفلسطينية، وهي قادرة ان تنتج قيادتها الميدانية والوطنية والسياسية الامينة على أهدافها وطموحات الشعب الفلسطيني.

ان الشعب الفلسطيني بحاجه لاستراتيجية ورؤية وطنيه واقعية تتعامل مع الواقع لتغييره وتعيد للفلسطيني ثقته بنفسه، "أوسلو" أفرغ القضية الفلسطينية وحول السلطة لمشروع توظيف ومكاسب وامتيازات، لكن الشعب والوطنية الفلسطينية تمتلك دوما البديل الوطني وخياراته.

على القيادة الفلسطينية أن تعتمد مقاربات وخيارات جديدة، أو تتنحى جانبا وتفسح المجال لقيادة ميدانية جديدة.

 

د. باسم عثمان

الكاتب والباحث السياسي

 

 

قصي الصافيلم تكن الاحتجاجات الاخيرة ضد الأساليب القمعية للشرطة الامريكيه بالحدث الجديد، ولكن مالم يكن مسبوقاً هو اتساعها لتشمل عدداً من بلدان العالم، وباشتراك جميع الاعراق من الملونين والبيض وخاصة فئة الشباب. هناك منْ يرى أن التضامن العالمي غير المسبوق هذه المرة، انما هو تعبير عن غضب جماعي وشعور بالتهميش السياسي والاقتصادي في ظل نظام عالمي تستأثر فيه فئه قليلة بالسلطة والنفوذ والمال، واعلان صريح لرفض مخرجات هذا النظام الجائر، وإن حادثة فلويد لم تكن سوى القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقال.

بعد كل حركة احتجاج يستعيد الحزبان الجمهوري والديمقراطي جدلا مكروراً عن إصلاح مؤسسة الشرطة، و في أحسن الاحوال تشرّع بعض الضوابط والمحددات، أو تعقد لجنة لدراسة الخلل في هيكلية النظام البوليسي وتقديم الاقتراحات لأصلاحه، ويستمر الحال كما هو بانتظار فيديوهات جديدة تكشف عن انتهاكات جديده لحقوق الانسان ومخالفات للقانون من قبل حماته. فهل يمكن لأجراءات فوقية ان تصلح مؤسسة مثقلة بأرث مئتي عام من ثقافة التمييز العنصري والطبقي؟.

  لقد كانت اولى تشكيلات الشرطة في ولايات الجنوب تعود الى ما يسمى خفر العبيد slave patrol والتي كانت مهمتهم تنفيذ القوانين التي تتضمن بشكل رئيسي تأديب العبيد اذا ما تمردوا على أسيادهم، ومعاقبة من لا يروق للسيد انتاجه في حقول القطن، والقيام بدوريات للقبض على العبيد الهاربين من ملّاكهم. وكان مالكو العبيد يوظفون الخفر من أشرس مقاتلي المليشيات التي تقوم هي الأخرى بترهيب العبيد. وبعد ان هُزم الجنوب في الحرب الأهلية وتم الغاء العبودية (قانونياً)، وسنّت قوانين ما يسمى باعادة الاعمار Reconstruction والتي نصت على تعويض العبيد المحررين قطع اراضي و بعض المساعدات، اشتدت كراهية البيض المتطرفين للسود وبدأت الكوكلس كلان kkk مع الخفر في قتل وحرق مزارعهم وكنائسهم وممارسة شتى أنواع العنف لأجبارهم على العودة للعمل كعبيد تحت امرة اسيادهم السابقين، وكان ذلك يجري بتواطؤ الحكام المحليين وهم من ملاك العبيد انفسهم، والرئيس جونسون الذي كان معروفاً بعنصريته آنذاك. أما في الولايات الشمالية والتي لم تكن فيها العبودية مشروعة قانوناً، فلم يكن احتقار وكراهة السود والمهاجرين الجدد وخاصة الايطاليين والايرلنديين أقل وطأة، وكان المفكر دي توكفيل قد عبّر في كتاباته عن دهشته لما شهده من عدوانيه و اذلال للسود فيها.

 كان أول جهاز بالمعنى الحديث للشرطة قد تأسس عام 1838 في بوسطن، الولاية التي شهدت نهضة صناعية كبيرة وتشكلت فيها طبقة عمالية كبيرة، وكانت المهام الرئيسية للشرطة كسر اضرابات العمال واعتقال القادة النقابيين وحماية رجال الاعمال وأصحاب المصانع، وقمع اي حركة احتجاجية ينظمها السود أو العمال الايرلنديين أو الايطاليين أو الألمان أو الكاثوليك أو الآسيويين. توالت أقسام الشرطة بذات المهام في الولايات الأخرى تباعاً حتى اكتمل بناء المؤسسة في جميع الولايات عام 1888، وقد بلغ قمع الشرطة للحركات العمالية وقادتها أشدّه بعد كومونة باريس عام 1871، حيث دبّ الرعب في نفوس السياسيين ورجال الصناعة والمال، وشاع الاعتقاد ان للمهاجرين الجدد من تلك الجنسيات مخططاً للقيام بثورة شيوعية.

ثمة منْ سيقول أن تلك الفترة قد ولّت، وأن مؤسسة الشرطة اليوم ملزمة بتنفيذ القوانين وإحترام الحقوق، الحقيقة أن التمييز العنصري و الطبقي قد تواصل بصيغته العلنية وبدون مواربة حتى عام 1965 لكونه مشرّعاً حسب قانون جيم كرو الذي يحرّم إختلاط السود مع البيض في الحدائق العامة ومرافقها وفي المدارس والمكتبات العامة ووسائط النقل والمطاعم، و تحريم الزواج بين السود و البيض، وقد أصرّ وودرو ولسون عام 1913 على تطبيق سياسة العزل العنصري حتى في أماكن العمل مما يقوّض فرص عمل السود، فنادراً ما كانت هناك آنذاك مصانع أو اعمال يديرها أو يملكها السود، وكان دور الشرطة لفترة 85 عاماً معاقبة من يخالف تلك القوانين من السود والتنكيل بهم، ورغم فرض بعض القيود القانونية بعد انتهاء فترة الفصل العنصري عام 1965 (بفضل كفاح حركات الحقوق المدنية)، لم تنته الممارسات العنصرية تماماً بل اتخذت أساليب ملتوية في التبرير و محاولات الأفلات من محدّدات القانون، ومازال التمييز عرقياً أو طبقياً منبثّاً في بعض القوانين والتشريعات التي سنّت تحت غطاء مكافحة الجريمه والمخدرات و خصخصة السجون وغيرها، وقد صيغت بعقلية تفوق الرجل الابيض وبهدف حماية ودعم رأس المال.

قد أكون بحاجة الى صفحات لتفكيك ومناقشة تلك القوانين، ولكن اقصرالطرق للكشف عن أهدافها الحقيقية هو ما صرّح به مهندسو تلك السياسات، ففي تسجيل صوتي مسرّب لمستشار الرئيس نيكسون (جون إيرلكمان) يقول: أن الهدف الحقيقي لحملتنا ضد المخدرات هو التخلص من عدوّين لنا وزجّهم في السجون، السود و اليساريين المناهضين لحرب الفيتنام. أما مستشار ريغان (لي آتووتر) فقد قال ما معناه: لم يعد قانونياً بعد 1965 ان تدعو الاسود بالألقاب العنصريه، عندها تلجأ الى التجريد واللغة الرمزية، فحين تدعو الى الحرب ضد المخدرات أو تخفيض الضرائب أو تحجيم دور الدولة، فانت تبدو وكأنك تتحدث عن القانون والاقتصاد، ولكنك تعلم جيداً ان مخرجات ذلك ستكون مؤذية للسود تحديداً. والرئيس بيل كلينتون اعتذر لمرات عديدة اثناء حملة زوجته للرئاسة عن النتائج الكارثية لما يسمى بقانون مكافحة الجريمه والذي صاغه جو بايدن عام 1994، وكان من نتائج ذلك القانون تغوّل جهاز الشرطة عدّة وعدداً، وامتلاء السجون بالسود وخاصة من فئه المراهقين والشباب.

لفهم الظلال الثقيلة للماضي على الحاضر، و البصمات العنصرية والطبقية التي لم تزل ملازمة للقوانين الجارية اليوم، لنعد الى  التعديل الدستوري رقم 13 الذي ينص على تحريم العبودية فرضاً أو طوعاً، [ولكنه يستثني المحكومين بجرائم]، والاستثناء الذي ضمّنته بين قوسين قد شكّل نافذة لاستعادة نظام العبودية بصيغ جديدة، فقد اصدرت معظم الولايات الجنوبية لائحة قوانين خاصة بالسود Blacks Code، يحكم الاسود طبقاً لها بالجرم اذا كان عاطلاً عن العمل، او التشكيك بعد مقدرته على إعالة أهل بيته، أو لوحظ وهو يدور بالشوارع لمجرد التنزه (قانون التسكّع)، أو عند تجمّع السود خارج البيت في لقاء اجتماعي، وغير ذلك من الاحكام المصمّمة لاعتقال أكبر عدد من السود . تقوم الشرطة طبعاً بتنفيذ تلك القوانين وإيداع السود في السجون، ثم تقوم الولاية ببيع السجناء الى مالكي العبيد السابقين، على أن يتكفّل المالك بملبس ومأكل السجين، وهناك أساليب اخرى كأجبار السود على توقيع عقود عمل سنوية مقابل المأكل والمشرب كأجور، وهكذا يصبح امتلاك العبد قانونياً، وقد استمر ذلك لعقود حتى رئاسة تيدي روزفلت الذي شكّل لجنة تحقيقية صعقته نتائجها واتساع ظاهرة التحايل لقوننة العبودية من جديد. تلك الثغرة القانونية هي ما أتاحت لادارات السجون الحكومية والخاصة في القرن الحادي والعشرين للتعاقد مع 4100 شركة في مختلف الصناعات (حسب NPR) لاستغلال عمل السجناء ومعظمهم من السود بانتاج مختلف البضائع من داخل السجن، حتى ان بعض الشركات قد فتحت أقساماً انتاجية داخل السجون، ويدفع للسجين سنتات في الساعة (ما يعادل علبة دخان مقابل عمل ثلاثة ايام ثمان ساعات يومياً، ولاخيار للسجين برفض أو قبول العمل)، اذا لم تكن تلك هي العبودية الحديثة فما هي اذن؟.

وجّه كيفن مانكس مسؤول الحزب الجمهوري في أوريغون دعوة لشركة نايكي للأحذية كي تنقل أعمالها من الدول النامية حيث العمل الرخيص الى سجون الولاية كي تحقق أرباحاً اكبروتدعم ميزانية الولاية بقسط منها!!، تلك أحدى الصور الناطقه والتي لا تستدعي تعليقاً، ليس في دعم النظام للرأسماليين باستغلال الفقراء من الملونين فقط، بل الترادف الذي عبّر عنه مانكس صراحة في طبيعة العلاقة بين الدول الصناعيه والدول النامية من جهة، وعلاقتها بالفقراء الملونين من مواطنيها من جهة أخرى.

 قد ينبري أحدهم قائلًا: ولكن هؤلاء مجرمون يستحقون العقوبة!، و للاجابة على ذلك يجب ان ندرك اولاً: ان المجرم يقضي عقوبته بالسجن كما أمر الحاكم في قضيته ولا يحق لأحد استعباده كعقوبة اضافية، وثانياً: هناك أكثر من نصف مليون سجين في السجون الامريكية من المتهمين غير محكومين، ولكن لايطلق سراحهم إلا بدفع كفالة نقدية، عادة ما تكون عالية جداً بحيث يستحيل توفرها لدى الفقراء، كما أن هناك من يلقى خلف القضبان لمخالفات قانونية بسيطة، بسبب قسوة ما يسمى بقوانين مكافحة الجريمه أو الحرب على المخدرات.

لمعالجة التمييز ضد الملونين والفقراء؛ الولايات المتحدة بحاجه الى المزيد من الحلول الاجتماعيه والقليل من الحلول الأمنية، تبدأ بمراجعة شاملة لقوانين العدالة وخاصة ما يسمى بمكافحة الجريمة والمخدرات ونظام الكفالة، فقد أثبتت أكثر من دراسة بان السجون الامريكيه هي مدارس لصناعة المجرمين وليس الإصلاح، وإن السود يسجنون وفق تلك القوانين العنصريه بمعدل 4 مرات اكثرمن البيض بتهمه تعاطي المخدرات، علماً بأن عدد البيض والسود يتعاطونها بنفس النسبة تقول الاحصاءات. كما أن السبب الرئيسي لانتشار المخدرات يعود إلى ترويج كبريات شركات الادوية للعقاقير المخدرة، وأيضاً سوء الاوضاع المعيشية والحرمان وفقر المدارس المريع والسكن والبطالة وانعدام برامج الاصلاح والعلاج النفسي في مناطق السود، مما يستدعي الانفاق لمعالجة تلك الآفات الاجتماعية بدلاً من انفاق 100مليار دولار سنوياً على الشرطة و 80مليار على السجون، (علماً ان 82% من مهمات الشرطة لا تتضمن مكافحة الجريمة بل مخالفات مرورية وغيرها من المخالفات التي لا يتخللها العنف حسب تقرير احصاءات مكتب العدل لسنة 2015). من الضروري أيضاً اعادة هيكلة أجهزة الشرطة ومراجعة اشتراطات وضوابط تعيين رجل الأمن، وتدريب رجال الأمن على اكتساب مهارات للتهدئة بدل التصعيد بحيث يكون استخدام العنف آخر الحلول لا أولها، تحميل الشرطة كامل المسؤولية بالغاء قانون الحصانة الذي أصبح قارب نجاة للقتل المجاني، وتنقية الاجهزة من العناصر المنغمسه في سياسات اليمين العنصري.

 

قصي الصافي

 

عامر صالحمن المفارقات الحادة في المشهد السياسي في العراق ما بعد 2003 هو النفاق السياسي وغياب المشروع الوطني لبناء الدولة العراقية لدى معظم القوى السياسية، فقد تراوحت مواقف القوى السياسية بين مرحب ومبارك ومصاحب للأحتلال الامريكي، وبين رافض له  بخجل وحياء مبتذل، وقد تهافتت اغلب القوى السياسية والاسلاموية السياسية والأثنية على تقاسم كعكة العراق ووضعه على طريق الضعف والتفكك المتواصل والانهيار لمؤسسات الدولة ثم اغراقه في الفساد الاداري والمالي الذي أفلس الدولة العراقية اليوم مما سيدفعها للأقتراض الخارجي والداخلي. ثم لاحقا ممارسة النفاق بمطالبة القوات الامريكية والاجنبية بالخروج من العراق دون قيد او شرط ودون ادنى مسؤولية تقع على عاتق المحتل الذي ساهم الى جانب القوى السياسة بألحاق الأذى والخراب في حاضر العراق ومستقبله، وهذه المطالبات والتي هي مشروعة لمن يدعي بها من القوى الوطنية المخلصة، وليست من يطالب بها تحت ضغوطات واجندة اقليمية واستجابة لمزاج متهور وانفعالات الساعة والتي قد تؤدي بالعراق الى ما لا يحمد عقباه في ظل ضعفه الحالي والتهديدات الاقليمية والارهاب العالمي المتمثل بداعش واخواتها.

ولعل ابرز ملامح الشخصية المنافقة هو: القدرة على المراوغة والتحايل والتقلب في المواقف، التشبث في الخطاب الديني أو السياسي أو الاجتماعي لإسناد تصرفاته المختلفة، الكذب المتواصل في الحديث وفي العلاقات الاجتماعية، خيانة الأمانة، الإخلاف في المواعيد، التحكم في الانفعالات وإظهار نقيضها بما يبعد عنه تهمة النفاق، يحاول المنافق الاهتمام بالمظهر الخارجي كجزء من سيكولوجيا الظهور لاختراق الوسط الاجتماعي الذي يتواجد فيه مقرونا بحلاوة اللسان وإجادة لغة الجسد كتعبيرات الوجه وحركات اليدين وغيرها من الصفات والصفات المضادة ذات الطابع التمويهي . وهناك الكثير من الإدانة للمنافق في الموروث الثقافي الشعبي وتأكيد خطورته، فعلى مستوى الإدانة، عندما تسأل شخصا، ما هو الفرق بين الكلب والمنافق فأن الجواب يكون : أن ذيل الكلب في أعلى " مؤخرته "، وذيل المنافق في أعلى مقدمته "لسانه "، أما على مستوى خطورة المنافق فيقال: أن أفعى لسعت " منافقا " فتسممت...وماتت.

وهذا النوع من النفاق هو نفاق "المؤمن الفاسد"، ولا نعني به حصرا فقط على المؤمن الذي يعتنق إحدى الديانات السماوية أو غير السماوية ويبتعد عنها في الممارسة العملية، بل تشمل أيضا كل ما يعتنقه الفرد من أفكار ومعتقدات وإيديولوجيات سياسية ذات طبيعة أخلاقية واجتماعية واقتصادية ايجابية إلى حد ما استنادا إلى معاييرها المعلنة في الخطاب النظري، ولكنه في الممارسة العملية والحياتية يتصرف ويصوغ سلوكياته الفردية وحتى السياسية بالضد من هذا الخطاب، فيتحول هذا الفرد إلى " مؤمن فاسد " يعث في الأرض فسادا وظلما وجورا، متسلحا بتفسيرات ذاتية ومصلحيه للخطاب المعلن لإشباع رغباته الشخصية بما فيها القتل وفساد الأخلاق وحرمان الآخرين من حقوقهم، مستندا إلى سلطة ما " دينية، أو سياسية، أو اجتماعية أو مالية وغيرها " كغطاء تسمح له بذلك، ولذلك فأن المؤمن الفاسد ليست فقط من خرج عن دينه، وان كان الخروج عن الدين هو الفساد الأعظم كما هو شائع شعبيا، وبهذا قد يكون المؤمن الفاسد هو من المتدينين بلباس الدين وطوائفه، أو من دعاة القومية أو الوطنية وغيرها من الانتماءات.

وينخرط " المؤمن الفاسد " في منظومة الفساد المجتمعية: الاقتصادية، والإدارية والمالية، والاجتماعية، والأخلاقية، والثقافية وحتى الدينية وغيرها من منظومات الفساد المختلفة، عبر مختلف أعراض ومظاهر الفساد وأساليبه وألوانه المختلفة، من محسوبية ومنسوبيه، وبيروقراطية إدارية، واستغلال المنصب العام، والغش والتزوير، والنصب والتحايل وسرقة المال العام، والفساد الأخلاقي والقيمي وتغير معالم الثقافة الوطنية ورموزها والتجاوز على الرموز الدينية والإخلال بسمعتها.

أما دولة "المؤمن الفاسد" إن كانت بلباس ديني أو قومي أو "وطني" عام، فهي دولة المعتقلات والسجون والاستبداد ومصادرة الحريات الشخصية والعامة على طريق استعباد مواطنيها وتحطيم نفسيا تهم وإذلالهم، وتجري هذه الممارسات بواجهات مختلفة ومبررات وهمية، منها على سبيل المثال، إن هناك خطر خارجي قادم يهدد الأمن القومي والوطني مما يستدعي "تعبئة الجهود ومصادرة الحريات" لأنها عائق أمام ذلك، أو أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية والحفاظ على اتجاهاتها لا يحتمل تعدد الآراء والتنوع السياسي وبالتالي فأن القمع والحد من المعارضة السياسية هو من مؤشرات نجاح التنمية وملازم لها وضمانتها الأكيدة.

ودولة المؤمن الفاسد في العراق ليست لها " مناطق عفة محصنة " فهي تضرب كل القطاعات دون رحمة، وهي أشبه بفيروس في جسد بلا مناعة، وهذا الفيروس يتسلل إلى نواة الخلية (نظام الحكم ومؤسساته وقطاعاته بدون استثناء) فيصيغ برامجها طبقا لاحتياجاته ثم يتسلل إلى المجتمع فينشر المرض وتتغير البرامج كلها طبقا للبرنامج الفيروسي. أن فيروس دولة " المؤمن الفاسد " يفسد عملية التقدم والتطور الاجتماعي المخطط ، حيث يفتت المؤسسات اللازمة لذلك ويحولها إلى مؤسسات فئوية ترعى فئة معينة من المجتمع كما هو الحال في نظام المحاصصات الطائفية والعرقية ويعيق تشكيل مؤسسات بحثية وعلمية مستقلة خاصة بذلك؛ كما أن هذا الفيروس يعطل العملية السياسية ويعيق جهود التنمية والأعمار من خلال تعطيله لدور المعارضة الحقيقية باعتبارها تلعب دور الرقيب على الحكومة في الدول الديمقراطية المستقرة، إلا إن هذا الفيروس الذي يتكئ على خلفية نظام المحاصصة الطائفية أو التوافقية يلغي دور المعارضة الحقيقية، لأن هذه " المعارضة " لها يدا في الحكومة تحجم عن دورها الرقابي، وبالتالي يكون الصراع من اجل إفشال الحكومة وليست تقويم عملها، ويسعى الطرف الحاكم أيضا إلى التمادي وتعطيل العملية السياسية وعدم السماح للتداول السلس والسلمي للسلطة، ويدعي كل طرف هو الأفضل على خلفية التعصب والتعنت الديني والطائفي والعرقي.

أن دولة " المؤمن الفاسد " تشكل بيئة مواتية لفيروس الفساد بألوانه المختلفة وللمحسوبية والمنسوبية والولاء الحزبي الضيق، ففي دولة المحاصصة الطائفية والتوافقية كالعراق حيث يقف عالميا في قائمة الدول التي تعاني من الفساد الإداري والمالي، فأن هذا النظام هو أفضل وسيلة لترعرع ونمو الفساد، وان كان في ظاهره يبدو وكأنه ينصر أبناء طائفته ولكنه في الواقع يبقي أبناء الطائفة في فقر مدقع وتبقي الامتيازات حكرا على زعماء الطائفة وأبنائهم أو رؤساء أحزابها.

أن نظام المحاصصة الطائفية والتوافقية باعتباره نموذجا لدولة " المؤمن الفاسد " يشكل عوامل طرد لاستبعاد الكفاءات العلمية والوطنية، حيث يستند في شكلياته إلى الطائفة كمعيار للانتقاء والولاء وليست معايير النزاهة والكفاءة العلمية بعيدا عن الانتماءات الضيقة، وبهذا يحرم المجتمع من الانتفاع بمواهب أفراده المختلفة والتي لا صلة لها بالانتماء الطائفي.كما يخل نظام المحاصصة بالسلم الأهلي والاجتماعي، ويخل بمبدأ المساواة بين المواطنين في الوظائف العامة ويضعف ثقة المواطن بمؤسسات الدولة من خلال تخندقه الطائفي في أطره الجغرافية، كما يضعف سياسة الدولة ووحدتها في الخارج كما يتعارض هذا النظام مع حقوق الإنسان وصيانتها والمنصوص عليها في المواثيق الدولية.

 يعيش العراق حالة من الترقب بعد أن أعتقل جهاز مكافحة الإرهاب العراقي عناصر تابعة لمليشيات في العاصمة بغداد، فيما صار يعرف بـ"حادثة الدورة" نسبة إلى المنطقة التي جرى فيها الاعتقال. وكانت قيادة العمليات المشتركة أعلنت في بيان الجمعة الماضي أن جهاز مكافحة الإرهاب ألقى القبض على "14 متهما" باستهداف مواقع عسكرية ومدنية بالصواريخ. ومباشرة بعد تسريب خبر عملية الاعتقال، انتشر المئات من عناصر ميليشيا كتائب حزب الله في شوارع بغداد وجابوا بأسلحتهم الخفيفة والمتوسطة الأحياء القريبة من المنطقة الخضراء وفقا لوسائل الأعلام المختلفة. وانتشرت مقاطع فيديو تظهر عناصر حزب الله بعجلات مختلفة يتجولون في العاصمة ويرددون هتافات منددة برئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي ومتوعدة بالانتقام منه. كما تمكن بعض عناصر هذه المجموعة من الدخول للمنطقة الخضراء "بعجلات حكومية وبدون موافقات رسمية متجهة نحو مقرات حكومية من داخل المنطقة الخضراء وخارجها وتقربت من أحد مقار جهاز مكافحة الارهاب داخل المنطقة الخضراء" في بغداد، كما أفاد البيان العسكري العراقي.

وقد سبقت هذه الاحداث خطاب للسيد مصطفى الكاظمي متوعدا  بحصر السلاح بيد الدولة وعدم السماح للمليشيات المنفلتة لفرض اجندتها على الشارع والسياسة العراقية، وعدم السماح بالمساس بهيبة الدولة وأمنها، الى جانب تطوير القطاع الأمني واصلاحه، ومكافحة الفساد، والتصدي للأزمة الصحية المتمثلة  في جائحة كورونا (كوفيد ـ 19)، العمل على اجراء انتخابات برلمانية مبكرة، صون السيادة العراقية، الارتقاء بالمسائلة والعدالة، واطلاق حوار وطني، تعزيز عودة النازحين الى مناطقهم الأصلية وتعزيز الاقتصاد.

لقد كان الهجوم على هذه المجموعة المسلحة بموجب مذكرة قضائية وفقا لقانون الارهاب هو عملية جس نبض قام بها الكاظمي لأستتقراء ردود الافعال لدى القوى السياسية ومدى صدق مواقفها في مطالبتها بتكريس دولة القانون والقضاء والحد من الاستهتار المسلح، وهذه هي بمثابة عينة سلوكية مصغرة اقدمت الحكومة العراقية على فحصها كي ترى ماذا يحصل لو اقدم الكاظمي على ملفات اكبر واعظم من الهجوم على مخابئ صاروخية.

وكانت ردود الافعال مختلفة، ففي الوقت الذي فرح فيه الشارع العراقي وقطاعات واسعة من الشعب العراقي معلنين تأييدهم لخطوة رئيس الوزراء في البدء بخطوات جدية لأن الشعب أذاق الأمريين من السلاح المنفلت وقد دفع ضحيته اكثر من 700 متظاهر في احتجاجات اكتوبر وآلاف الجرحى والمعوقين، جاءت ردود افعال اغلب السياسيين والكتل السياسية البرلمانية والاحزاب انطلاقا من طيبعتها الازدواجية المنافقة بعدم قناعتها بالعملية العسكرية التي قام بها جهاز مكافحة الارهاب، بل شككوا بالتوقيت وربطوها اشتراطا بملفات اخرى.

فالأحزاب غير المسلحة صمتت خوفا من دولة المليشيات العميقة، والاحزاب الاخرى المسلحة وذات المليشيات اعلنت رفضها العملية وتوعدت بمصطفى الكاظمي سوء، كما ان الكتل الأسلاموية الكبيرة والتي تدعو شكليا الى هيبة الدولة ونزع سلاح المجاميع السائبة سكتت دون تأييد للعملية العسكرية ولأنها متحابة في الخفاء مع المليشيات وحاضنة لها، والبعض الآخر لجأ الى تسفيه العمليه واعتبارها صراع تصفية حساب بين جهاز مكافحة الارهاب والحشد، ويتخوف البعض من تصاعد شعبية مصطفى الكاظمي على خلفية الخطوات التي يقوم بها وبالتالي فأن تعزيز هيبة الدولة يشكل تهديدا للقوى التي لايمكنها العيش في ظل نظام وسلطة القانون، وقد اعتقد البعض ان خطوة الكاظمي هذه هي استعراضية ومادة للأستهلاك الأعلامي، فأذا ما اراد الكاظمي الأقدام على معالجة كافة الملفات فعليه اولا الأخذ بأجماع برلماني يشكل الأسلام السياسي الشيعي اساسه، وهذا امر صعب لأن هناك كتل غالبة فيه متهمة بالفساد والسلاح والانفلات المجتمعي. ونقول هنا للحق أن كتل سياسية صغيره دعمت واعلنت عن وقوفها الى جانب خطوات الكاظمي.

خطوة الكاظمي الأستباقية هذه هي مؤشر لمدى صعوبة اقدامه على خطوات اخرى بما فيها مكافحة الفساد طبعا وستكشر الكثير من القوى السياسية عن انيابها في وقوفها علنية ضد محاربة الفساد ورموزه وضد نزع سلاح المليشيات السائبة وضد سلطة الدولة وهيبتها، فالقوى السياسية او الكتل البرلمانية والتي تتمتع بشرعية شعبية تقل عن 20% من الشعب لا يمكن لها ان تمثل طموحات الشعب في برنامجه للأصلاح والتقدم الاجتماعي وبناء دولة المواطنة، وبالتالي نرى ان الاصلاح الجذري للعملية السياسية عبر انتخابات مبكرة واقرار قانون انتخابات جديد وتشكيل مفوضية انتخابات نزيهه تشكل المدخل اللازم والضروري للبدأ في الأصلاح، واعتقد ان السيد الكاظمي يحتاج الى تكاتف من الشعب والمنتفضين معه ولو مرحليا لحين البدأ بأنجاز مهمته الصعبة جدا.

 

د. عامر صالح

 

 

 

 

عدنان ابوزيدليس وباء كورونا، السباّق الى إعادة صياغة العالم، والعلاقات بين الدول، وفتْح منافذ دبلوماسية بين الشعوب، فقبْله الكثير من الأزمات والمصائب، والظروف الخاصة التي اتاحت فرص فتْح ملفات سياسية واقتصادية حساسة، حتى باتت الفرصة للدبلوماسية في أوقات الشدائد يُعوّل عليها لفكّ عقد مستحكمة، ومعضلات تاريخية.

سخّن تسونامي، العلاقات الباردة بين الدول في منطقة المحيط الهادئ، وأبرقت موسكو الى طوكيو، بإصدار الأوامر

لفرق متخصصة في البحث والإنقاذ، حتى في جزر الكوريل المتنازع عليها بين البلدين.

 ضَرَب الزلزال تركيا، في تسعينيات القرن الماضي، فانبرت اليونان، تسابق الزمن لمساعدتها على رغم الخصومة التاريخية، وقد فَتَح ذلك باب الحوار المغلق لسنوات طوال.

ودفعت الازمة الاقتصادية التي ضربت الصين ابان حكم ماوتسي تونغ، الولايات المتحدة الى عرض المساعدات، الأمر الذي فتح نافذة استشراف مستقبل العلاقة بين البلدين في خضم حرب باردة، جعلت من بكين، ثاني أخطر عدو لواشنطن بعد موسكو، كما استثمرت الدبلوماسية الامريكية في مشروع تقويم الاقتصاد الصيني، لتعزيز التعاون، الذي أثمر في النهاية عن اتفاقية لخفض الأسلحة النووية.

واستدرجت "دبلوماسية التعازي" بموت زعماء، الحميمية بين الدول، حيث الزعماء يتحدّثون تحت سقف واحد يخيّم عليه الحزن، ويذكّرهم بالفناء، ما يخفّف كثيرا من جدل الخلافات.

أزمات الفقر في كشمير، اتاحت تخفيف الشدّ المتصاعد بين الهند وباكستان، بعد حملات مشتركة بين البلدين لمساعدة الناس. 

كورونا، يفعل اليوم ما عجزت عنه المفاوضات الماراثونية، في ابتكار نوافذ جديدة في التجارة العالمية لم تكن معهودة من قبل، سيما بين الدول التي تتصدى للحصار مثل كوريا الشمالية وإيران.

صحيفة "نيويورك تايمز" تعتبر في معالجة تحليلية، ان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فشل في استغلال ازمة كورونا، لإذابة جليد العلاقة مع ايران، وكان يمكن له استثمارها بطريقة افضل ممّا فعل، عبر الاستعداد الجدي لفك الحصار عنها.

أزمات النفط، لها دورها في ترتيب العلاقات بين الدول، فما انْ تتصاعد، حتى تسارع الدول الى الحوار والتفاهمات، من اجل دراسة أسواق النفط، وقد أثّر ذلك كثيرا، على سبيل المثال، في تحسين العلاقات الباردة بين موسكو والرياض.

وتسبّبت أزمة الفقر في افريقيا، في أزمة دبلوماسية بين ايطاليا وفرنسا، بعد انْ اتّهمت روما، باريس، بتعمّد إشاعة الفقر في افريقيا، الأمر الذي تسبّب في الآلاف من المهاجرين بأعداد كبيرة إلى أوروبا.

عودة الى الفيروسات التاجية الصينية، بحسب وصف الرئيس الأمريكي ترامب، وهو وصْف اثار غضب بكين، واعتُبر إهانة أمريكية لها، فانّ لا مفرّ أمام حقيقة، ان الوباء يعزّز تبادل الخبرات والمعدات مع الدول حتى المتصارعة على النفوذ الاقتصادي والسياسي.

تدرك الصين كيف أثّر الوباء على صِيتها كدولة واقتصاد، ويقول الفريد وو، الأستاذ المساعد في مدرسة Lee Kuan Yew ان الصين تعيد صياغة نسختها التي تضرّرت من تفشي المرض بعناية، وكان الأمر على وشك انْ يتحول الى أزمة دولية بسبب الدعاية الإعلامية التي اتّهمتها بعدم التعامل المبكر مع الفيروس، وهو اتهام لا يخلو من الغرض السياسي.

تميّز الصين ذلك، لتردّ على الولايات المتحدة بانها تتقصّد نشر الفزع بشأن الفيروس، لتحريف صورة الصين، التي سارعت الى معالجات حاسمة لانتشار الوباء، وانتقلت الى خارج البلاد لمساعدة الدول الأخرى، الأمر الذي أعاد الثقة بالقيادات الصينية.

وفي خطوة لا تخلو من الغمز من قناة أمريكا، أرسلت الصين فريقا طبيا إلى إيران مع مئات الالاف من الأقنعة وأجهزة الوقاية، كُتب عليها بيت شعر للشاعر الفارسي سعدي شيرازي: "أطفال آدم هم أطراف جسد واحد، يشتركون في أصل واحد في الخلق".

بل وتحولت الصين من الدفاع الى الهجوم باستثمار الازمة في إبراز الحاجة الى "طريق حرير للرعاية الصحية" الذي يُنظر إليه بعين الشك في واشنطن.

 

عدنان أبوزيد

 

 

 

 

 

ومع ارتشاف فنجان قهوة صباحيّ تأمل به أن تبدأ نهارا يقظا عطاء، وطموحا، تحقّق فيه بعض المُبتغيات على الأقل، يصفعك الخبر المنكّه، فيقلب مزاجك رأسا على عقب!

كيف لا يكون كذلك، وقد وصلك كما رتّب له مسوّقه تماما؟!

تستسلم بعد أن شهرت لسانك، وقذفت ما قرأت ببعض السّباب، حين تتذكّر أنها الحرب التي في كل يوم ستسفر سراديبها عن ويلات كثيرة.

وبتسارع تنهمر عليك أخبار، وثرثرات، ومشاهد تتكاثف لتضخّ أمامك ما ظننت أنّ ذاكرتك العجوز المثقلة بالأخبار والمشاهد كانت طوته، وانتهى أمره، ولحظتئذٍ تتأكّد أيها المحظوظ أنك تمتلك ذاكرة شابّة على الدوام، ذاكرة تتشفّى بالتّصدق عليك في مثل تلك اللحظات اللطيفة بأخبار محزنة، وكريهة!

تعاود القول إنها الحرب، وهل تراها ستحمل لك الفرح والاستبشار إلا إن كنت غير إنسان؟! نعم، اصرخ عاليا: إنك المعدوم الإنسانية، حين تستبشر بنصرٍ فيه يُسحق الآلاف، ويشتّت من الأسر من يشتّت، ترطّب نفسك قائلا: إنه العدو، عدوّك، يجب أن يرضيك ذلك، فيأتيك الرد مسرعا من أعماق نفسك: ولكن من الذي  نعتهُ بعدوّك، ومن ذاك الذي وضع مقاييس وأحكاما على أساسها يغدو شبيهك البشريّ خصما عليك أن تسحقه، وفوق جسده تقرع أنخاب السعادة منتشيا بأنهار دمه، ومن، ومتى سيُنفخ في الصّور ليُعلَن أنه آن أوان السلام، والتمازج، والتناغم معه، وأن ذاك الذي انتشيت باجتراع دمه ليس إلا الجنين سليل أبوين إليهما نُسّبت يوما؟!.

أنت تقهقه الآن.. أيها الغبي، فإن لم يكن في الدنيا حرب، وصراعات، وقتل وهمجية، فما طعم الدنيا، إنها نشوة الغالب ذابحا ذبيحه المتمرّغ قبالته بجُرم تجرّئه أن يكون نّدا لك في شرق غنائم تضنّ بها الأمجاد إلا على المتصارعين، والمتناحرين.

إنها الحرب، ساحة لأعضاء بشرية تباع وتشترى، ولنساء يغتصبن باسم الدين، ولأطفال تدمّر عقولهم فيصحبون مغيبين إلا عن فكر الخليفة الراغب باحتياز العروش، حرائر يُعرضن معرّيات في أسواق النخاسة، يُرقّمن بأسعار تلذّ للعارض، لعاب الشارين يسيل، فروجهنّ مباحة لتجار الحروب، ثم في إثرها تلقى فوق قمامات اللحى، وعصائب العميان، أو تجيّر  لمن يصنّفون في المراحل الدّنيا من التّبعية.

إنها الحرب، حرب الرجال ضدّ الرجال، ضحاياها النساء اللواتي بتهشيمهنّ يُذلّ الرجال، وتدفن أنوفهم في الوحول، هراء هذا الحديث، فقد تبلّدت القيم، وانحدرت المفاهيم، واضطرب كل شيء، لكن الغريزة تظل الغريزة. إنها الحيوان الذي لا يهدأ في البعض، ولا يستكين.

إنه "الإخصاء برضاك"، خبر مستجدّ يملأ الصفحات. أن تتقدم لتُخصى، لتنقذ نفسك ومن تحب، وإن لفترة، الأدوار تتسلسل، فالرجل موقد الحرب، أو رافضها، سيان في الأمر، سيكون الأضحية على مذبح الحاجة والفقر، تقيّم مواهبه التّكاثرية في الأسواق نفسها التي اكتريت فيها النساء من قبل، إنها الحرب، تلبّي النداءات على مرّ التاريخ، فتساوي بين الذكر والأنثى في الألم والاضطهاد أيضا، إنها الحرب، لا تُبرّر، إنه الجوع، لا تبرّر، إنه القهر، لا تبرّر، فلكل شيء ثمنه صعودا، وانحدارا.

كِلى تباع صافيا بما يتراوح بين عشرة آلاف، وخمسة عشر ألفا من الدولارات بعد اقتطاع المسوّقين، والوسطاء، والأطباء أتعابهم، أمر عرفناه حتى بدون الحرب، ففي الهند تكثر هذه البضاعة منذ زمن طويل، إنه الفقر يدفع لوهب أغلى ما تملك، حتى إن حُذّرت من الخطر. في بلادنا عرفنا الوهب نفسه مستترا يسوّقه الأطباء لمرضاهم، في وقت يترحّم فيه المدّعون بعزّ البلاد على السّلم والاكتفاء الذاتي اللذين فُقدا بالثورة ضد المفسدين، والظلّام، ولكنها الحرب أيضا، هي المؤجّج لمسيرة الأحداث، ولكن أن يضطرّ الرجل إلى بيع كنز خصيتيه عنوة تحت تهديد الفقر، والتّهجير، والتّشرد، فهنا المطوّل من الوقفات، ولا سيما أن الرجل العربي يعرف بتباهيه برجولته التي يربط جلّها بمقدرته الجنسية، ضمن مفاهيم متوارثة لم تخفّف منها ثقافة أو رقي حضور إلا عند الندرة، ها هي مهانة الاحتياج، توصله في العراق، وفي "أربيل" بالذات كما يأتي في الخبر إلى بيع نطاف استودعه الله إياها لخيره وابتهاجه، والمحظيّ من امتلكها وفيرة وسليمة، إذ لا بد من خضوع القربان إلى فحوصات طبّية يجريها مختصون من تجار الحروب وسماسرة الإنسان.

مرعبة تلك العدوى التي ستستشري في ساحات الصراع العربي الذي تغلي فيه مراجل العوز، والفاقة، والحرمان بلا توقف.

ولكن، ما الجدوى من النطاف، والتلاقح، وإنجاب الأطفال في ظل تلك الأزمات والاحتلالات التي تتنوع أمريكية، وصهيونية، وصديقة، ألكي تبتلعهم تلك الساحات أيضا مشوهين مبتوري الأطراف، والعقول، أم  لينتهوا في أسواق النخاسة أيضا؟!

ستون، أو ثمانون ألفا من الدولارات الأمريكية، هو مبلغ عظيم، لرجل مقهور يعجز عن تقديم أي شيء لنفسه، أو لعائلته، فكيف سيقاومه الهارب من بطش داعش، والاحتلال الأمريكي والإيراني، ومن أخيه ابن الوطن الجشع الغادر المتعاون مع كل من سبق. كل ما في الأمر أن الرجل الذي يبيع يُطمأن أن لا شيء سيعيق استمرار حياته الإنسانية مع الشريكة، فيغضي طرفا وهو الواثق أنه ليس إلا وهما.

غابرييل غارثيا ماركيز قال "عندما تقع المجاعة، لن يكون هناك خبز سيّئ"!

إنهما جوعان، ترى من منهما ستفرد له ساحة الانتصار؟! أما الدين، فهنا الطامة الكبرى.. ومن ذا الذي يحاصره الجوع، والاستلاب، والإذلال، ويلتفت إلى ما يتلوه المشرّع، ويتداوله ذوو الفتاوى ببطون أتخمت بالشبع الذي رتّق ما رتّق من حفر بُقرت بها العقول؟!

شتان بينهما، رجل يتلذّذ بوهب نطافه في دولة متحضرة كأستراليا، ومثيلاتها من دول العالم المتحضر، ولديه مطلق الحرية في التبرع بها لتحقيق حلم كبير للمجهضة أحلامهم، يقوم بفحوصات طبية سنوية، حرصا منه على ما يعطي، ويتابع أبناءه الذين يتضاعف عددهم، يزورهم، يعانقهم، يستقرئ سير حياتهم، ويسعد برؤية أمهاتهم مشبعات بالأمومة، وقد أغدق عليهن نعمة لا تضاهى تقديرا، ومالا، يفعل ذلك مجانا، ويجاهر سعيدا بما اقتنع أنه عمل إنساني رفيع في بلاد تؤمن بحرية تربط القول بالفعل، بلاد تفرّ الحروب من ساحاتها فاردة للحب أن يرتع هنيّا مباركًا متصافيًا، بلاد تزخرف لمواطنيها الجدران حول السكك الحديدية بالألوان والحروف، كي لا يصابوا بالسّأم، وهم يستقلّون قطارات نحيلة مثل أفاعٍ، بلاد أدركت بعد تنقيب، وتجريب أن القيمة الأثمن للإنسان، وأن الاحتفاء بالعقل أعظم السبل لخلاص البشرية مما يراكمه عليها المجرمون من قذارة الاستعباد.

 

أمان السيد

كاتبة سورية أسترالية

 

 

محمود محمد عليسبع سنوات مرت على ثورة 30 يونيو المجيدة، والتي أنهت جميع المخططات التي تم تجهيزها في الداخل والخارج لإشعال الحرب الأهلية داخل الوطن المصرى .. ثورة كانت نموذجا لإرادة شعب يحميه جيشه.. ثورة  جعلت العالم يعترف أن ما جرى داخل مصر تحرك ديمقراطي وشعبي.. ثورة استطاعت تحقيق الاستقرار والأمن للبلاد، فضلا عن تنفيذ مشروعات الشبكة القومية للطرق في عدد كبير من محافظات الجمهورية والعمل على إصلاحها.. ثورة أسقطت حكم جماعة الإخوان الذي كان يسعى للهيمنة على مصر لصالح الجماعة.

فعقب ثورة 25 يناير 2011 راهنت الولايات المتحدة الأمريكية على أن تطلق يد الإخوان على مصر من خلال فكرة أخونة الدولة، وكانت الولايات المتحدة تدرك أن هذه الفكرة سوف تعجل بفشل الدولة المصرية، الأمر الذي يؤدي الي التدخل الخارجي، وهنا يحدث التقسيم والتفتيت. ومن مؤشرات هذا الفشل في الدولة المصرية، أن الإخوان سوف يواجهون تحديات عميقة في إدارة شئون البلاد وهذه التحديات تتمثل في أن الدولة المصرية أضحت تمثل دولة هشة بسبب الثورات والاعتصامات والتظاهرات التي لا تنتهي، وبالتالي فالإخوان حين يتولون حكم مصر سوف يرثون تركة خربة في كل المجالات والميادين ؛ في التعليم والصحة والإسكان والنقل والمواصلات والزراعة والصناعة والطاقة ..الخ ناهيك عن مشكلة البطالة وتدني الأجور والارتفاع الجنوني في الأسعار، علاوة على هروب الاستثمارات، وضرب السياحة، وتناقص الاحتياط النقدي، وعدم وجود سيولة نقدية لتشغيل الصناعة .. هذا فضلا عن التجريف السياسي الذي حدث، وتخريب العقل المصري الذي تم، إضافة إلى تهميش دور مصر المحوري والاستراتيجي على المستويين الاقليمي والدولي.

بيد أن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن، فقد خرجت جموع الشعب المصري في 30 يونيو 2013م والذي تمثل في تدفق ما لا يقل عن 20 مليوناً من المصريين إلى الميادين والشوارع، لإسقاط حكم «الإخوان»، في حدث تاريخي نادر ليس له سابقة في التاريخ المصري الحديث، بل إنه – كما عبر عديد من المراقبين الغربيين – ليس له سابقة في تاريخ العالم ؛ فقد خرجت الملايين بعد أن تم توقيع أفرادها الموثق على استمارة حركة «تمرد»، والهدف كان محدداً، وهو إسقاط حكم «الإخوان المسلمين» المستبد الذي عصف بالحريات السياسية، ومارس القمع المنظم للأحزاب السياسية المعارضة، ودخل في عداء مع مؤسسات الدولة الأساسية، وفي مقدمها القوات المسلحة، والقضاء، والإعلام، والرموز الثقافية، والفنية. وقد بادرت القوات المسلحة المصرية لدعم الإرادة الشعبية بعد أن كانت أصدرت تحذيراً للدكتور “محمد مرسي” بأن عليه أن يحاول التوافق السياسي خلال أسبوع مع قوى المعارضة، وتحذير آخر مدته ثماني وأربعون ساعة، ولم يتحرك إلى أن وقعت الواقعة في 30 يونيو.

في 30 يونيو أطلق الشعب ثورة جديدة لتصحيح مسار 25 يناير، ودوّت في جميع ميادين القاهرة والمحافظات هتافات موحدة لملايين المتظاهرين تطالب بإسقاط نظام محمد مرسي وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة؛ ففي ميدان التحرير "أيقونة الثورة المصرية"، كان المشهد منذ ساعات الصباح الأولى ليوم 30 يونيو حاشدًا ومهيبًا، إذ اكتظت جنباته بالمتظاهرين الذين لم تمنعهم حرارة الشمس الحارقة أو الزحام الخانق عن البقاء ثابتين في أماكنهم لترديد هتافات : "الشعب يريد إسقاط النظام" و"ارحل" و"يسقط يسقط حكم المرشد". الميادين الكبرى بالقاهرة والجيزة كانت بمثابة رحم لثورة العاصمة، حيث خرجت منها مسيرات تقدمها ناشطون وسياسيون بارزون، لكنها سرعان ما ذابت بين أبناء الشعب، وكذلك رجال الشرطة الذين انضموا لهم واحتضنوا هتافاتهم، لتشهد ثورة 30 يونيو شعارًا جديدًا وهو "الشعب والشرطة إيد واحدة".

ومع نزول ملايين وتتحول المسيرات إلى كتلة بشرية هائلة مثل كرة الثلج التي يزداد حجمها كلما تدحرجت من فوق الجبل، ثم صبت بشكل حضاري - دون عنف أو ابتذال- مخزونها الثوري في ميدان التحرير ثم قصر الاتحادية. وفي المحافظات، لم يكن المشهد بعيدًا عن حالة الغليان الثوري، إذ لم تقتصر على المظاهرات الحاشدة المنددة بالنظام والمطالبة بإسقاطه، بل تخطى الأمر إلى حد فرض العصيان المدني، حيث تمكن المتظاهرون في الدقهلية وكفر الشيخ والمنوفية والشرقية والقليوبية من حصار مباني المحافظات والمباني الحكومية وإغلاقها بالجنازير وطرد محافظي الإخوان حتى يسقط النظام. واللافت للنظر أكثر في المشهد الثوري خارج العاصمة هو؛ رفض كثير من محافظات الصعيد – التي لم تشارك في ثورة يناير- تهديدات حلفاء مرسي وخرجوا إلى الشوارع والميادين للمطالبة بإسقاط النظام.

وفي الأول من يوليو، وجهت القيادة العامة للقوات المسلحة بياناً ثانياً أمهلت فيه القوي السياسية مدة 48 ساعة للوصول إلي حل للأزمة، وأنه إذ لم تتحقق المطالب الشعبية خلال هذه الفترة، فإن الجيش المصري سوف يقوم بتنفيذ “خارطة مستقبل” يشرف على تنفيذها ويشارك فيها جميع الأطياف والاتجاهات بما فيها الشباب دون اقصاء أو استبعاد لأحد.

وبعد انتهاء المهلة الثانية التي منحتها القوات المسلحة للرئيس محمد مرسي، انحازت القوات المسلحة إلى الشعب، وأعلن الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة مساء الثالث من يوليو خارطة المستقبل التي تم الاتفاق عليها مع عدد من الرموز الدينية والوطنية والشبابية، والتي تضمنت تعطيل العمل بالدستور وتولي رئيس المحكمة الدستورية العليا إدارة المرحلة الانتقالية، وتشكيل حكومة كفاءات وطنية وكذلك لجنة للتعديلات الدستورية وأخرى للمصالحة الوطنية.

وكنتيجة لرفض الرئيس مرسي الاستجابة لمطلب الدعوة بادرت القوات المسلحة في مواجهة الانهيار السياسي للنظام إلى إصدار قرار بعزل رئيس الجمهورية، وإعلان خريطة طريق تهدف إلى إجراء انتخابات مبكرة اتفقت القوي السياسية على ضرورة وضع نهاية لحكمه، وأعلنت عن ذلك الاتفاق في اجتماعها بتاريخ 3 يوليو، وشملت تلك القوي : الجيش، والأحزاب المدنية الرئيسية، مثل الوفد، والتجمع الناصري، والدستور، والمصريين الأحرار، والكرامة، والتيار الشعبي، وحزب النور السلفي، وحركة تمرد، إضافة إلي شيخ الأزهر، وبابا الكنيسة الكاثوليكية.

وفي هذا الاجتماع المشار إليه، تم الإعلان عن مرحلة انتقالية جديدة، وخارطة مستقبل تضمنت تولي رئيس المحكمة الدستورية العليا منصب الرئيس، وتجميد العمل بدستور 2012، وإصدار إعلان دستور مؤقت لحين تعديل الدستور، وبالفعل أخذت خارطة المستقبل طريقها للتنفيذ، فتولي المستشار عدلي منصور منصب رئيس الجمهورية، وتم الانتهاء من إعداد الدستور في 3 ديسمبر وموافقة المواطنين عليه في استفتاء يومي 14 و 15 يناير 2014 وانتخب رئيس جديد للبلاد في يونيو، وبدأت إجراءات الدعوة لعقد انتخابات مجلي النواب في 18 يوليو.

وعقب انتهاء بيان القوات المسلحة، الذي تلاه الفريق أول عبد الفتاح السيسي – كلمة السر في نجاح ثورة المصريين على الإخوان – عمّت فرحة عارمة في ميادين مصر كلها وهتف المتظاهرون للسيسي والقوات المسلحة التي انحازت لثورة الشعب المصري، والتي طالما أكدت – من خلال مواقفها - أنها جيش الشعب وقوته الضاربة ضد أعدائه في الداخل والخارج.

لم تكن الولايات المتحدة تتوقع مثل هذا على الاطلاق، فاعتبرت أن هذا انقلابا، فقطعت المعونة الأمريكية، وهنا خرج الفريق ” عبد الفتاح السيسي” وزير الدفاع، في لقاء له مع صحيفة واشنطن بوست في أغسطس 2013، مبينا للعالم أجمع بأن :” الجيش المصري لم يقم بانقلاب … لقد قاد الإخوان البلاد بطريقة تخدم الأيديولوجية التي يمثلونها، وهذا ما لم يجعل محمد مرسي رئيسا لكل المصريين… كان الجيش حريصاً جداً على نجاح مرسي، ولو كنا نعارض أو لا نريد السماح للإخوان أن يحكموا مصر لكنا تلاعبنا في عملية الانتخابات … لقد اختار مرسي أن يصطدم مع جميع مؤسسات الدولة: القضاء، الأزهر، الكنيسة، الإعلام، القوى السياسية، وحتى مع الرأي العام . وعندما يصطدم رئيس مع كل مؤسسات الدولة؛ فإن فرصة نجاحه تكون ضئيلة .

ومن ناحية أخرى، كان (مرسي) يحاول استدعاء وحشد أنصار ذو خلفيات دينية له من الداخل والخارج … إن الفكرة التي جمعت تنظيمات الإخوان المسلمين في تنظيم دولي لا تقوم على القومية أو الوطنية وإنما على أيديولوجية ترتبط تماما بمفهوم التنظيم (لا، الدولة…) خلال المراحل المختلفة أطلعنا مرسي على التطورات على أرض الواقع، وقدمنا له المشورة وتوصيات مقترحة لكيفية التعامل معها وكان ممكنا عمل الكثير .

فعلى سبيل المثال كان من الممكن حل الأزمة من خلال حكومة ائتلافية دون المساس بمنصب الرئيس. لكن مرسي كان يستمع فقط دون أن يعمل بأي منها .وأعتقد أن اتخاذ القرارات والقيادة كانت في أيدي تنظيم الإخوان، وهذا أحد أسباب فشله الرئيسية …قبل 30 يوليو” أعطينا مهلة سبعة أيام لكل القوى السياسية في مصر للعمل على إنهاء الأزمة، تم تجديدها لمدة 48 ساعة إضافية كفرصة أخيرة (لمرسي) للتفاوض مع القوى السياسية والتوصل الى حل وسط. وأعلنت بشكل واضح أنه إن لم يتغير شيء مع نهاية المدة؛ فستعلن خارطة طريق من قبل العسكر والقوى السياسية …وحتى في يوم إعلان البيان (بيان إقالة مرسي من منصبه في 3 يوليو، 2012) دعوت لاجتماع ضم بابا الأقباط، وشيخ الأزهر، ومحمد البرادعي والممثل السياسي لحزب النور، وممثل عن المرأة المصرية، وممثلين عن القضاء المصري، وعن الشباب، وتمرد، ودُعي حزب الحرية والعدالة إلى الاجتماع، لكن لم يأت منهم أحد. واتفق الحاضرون على خارطة طريق بتعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيسا مؤقتا للجمهورية وتشكيل حكومة تكنوقراط، وتشكيل لجنة من الخبراء والقانونيين لعمل التعديلات الدستورية … وطرح الدستور للاستفتاء العام .وبمجرد الموافقة عليه سنجري الانتخابات البرلمانية والرئاسية في غضون تسعة أشهر …وفي نفس اليوم الذي أعلن فيه البيان وجُهت رسالة الى الرئيس السابق طالبته بالمبادرة لحل الأزمة بأن يطرح نفسه لاستفتاء شعبي ومعرفة ما إذا كان الشعب ما زال يريده رئيسا، لكنه قال :لا ليس بعد …ولو لم نتدخل لكانت هناك حرب أهلية… وكنت كذلك قبل رحيل مرسي بأربعة أشهر قد أوضحت له أن نهجه وجماعته في الحكم يخلق صراعاً بين مؤيديه والمعارضة… وأخبرته أن الجيش لن يكون قادرا على فعل شيء في حال اقتتلت جماعته مع الشعب المصري.

وأخيراً وليس آخر أقول بأن عظمة المصريين، ومن خلفهم القوات المسلحة، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح السيسي، تكمن في تعطيل مخطط الشرق الأوسط الجديد للصهيو أمريكية أمام صخرة الإدارة المصرية، الأمر الذي سيؤدي حتما إلى إجهاض هذا المخطط الشيطاني في المنطقة بأسرها فيما بعد، ذلك المخطط الذي تم وضع ملامحه الأولية منذ سبعينيات القرن العشرين، وبدأ التحضير له منذ الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003م، لبدء التنفيذ مع وصول الإخوان المسلمون لمقاعد مجلس الشعب في العام 2005، لتوصيل التيار الراديكالي الإسلامي إلى سدة الحكم في المنطقة، بعد أن أعادوا توصيفه إلى تيار إسلامي معتدل كنقطة انطلاقة لتقسيم المنطقة بالكامل.. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

......................

المراجع :

عصمت سعد : ذكرى ثورة 30 يونيو ..انجازات وتحديات (مقال).

د.شريف درويش اللبّان: ملامح تاريخية: في ذكرى ثورة 30 يونيو(مقال).

السيد ياسين :  حكم «الإخوان» في مصر: فشل سياسي وسقوط تاريخي!، الاهرام، الأثنين 5 اغسطس 2013.