صائب خليلقبل أيام مرت ذكرى مذبحة المطلاع للجيش العراقي المنسحب من الكويت، فهل كانت مجزرة تلك الليلة الرهيبة للجنود المنسحبين، من أجل اسقاط صدام وإنقاذ الشعب العراقي منه؟ إن الاحداث التي تلت تلك المجزرة لا تؤكد ذلك. فقد قامت الولايات المتحدة بإنقاذ صدام في خيمة صفوان، وباتفاقية تآمرية بينه وبين الأمريكان لسحق العراق تماما، وتحويل صدام إلى الشكل الذي يناسب دوره في ذلك السيناريو للمشهد الجديد. فالمذبحة اختتمت مرحلة من مراحل التآمر الأمريكي الإسرائيلي الطويل الذي بدأ بإدخال العراق في الحرب ضد ايران لتحطيمه اقتصاديا واجتماعيا، ثم ادخاله في الكويت لتحطيم الروابط العربية، واخيراً القضاء المبرم على جيشه، استعداداً كما يبدو لاحتلال البلد عسكرياً بعد سنوات، كما حصل. وفي اثناء ذلك، لم يكن دور صدام  الحفاظ على الدمار العراقي وحجة اميركا في الاستمرار بتجويعه وصولاً إلى النتيجة المرجوة، بل أيضاً تحويله الى "خراعة خضرة" للمساعدة على ابتزاز دول الخليج، وصولا إلى ما انتهينا اليه اليوم.

إننا في المرحلة الأخيرة من مخطط إسرائيلي بتنفيذ امريكي لتحطيم العراق تماما، كجزء مهم من تحطيم العالم العربي والإسلامي. إن أي تصور آخر يفشل في تفسير جميع الأحداث التي مر بها العراق والمنطقة. فحجة التخلص من صدام سقطت حين رفض الاحتلال مساعدة الناس في اسقاطه، بل دعمه لإسقاط انتفاضتهم. وحجة الديمقراطية الواهية اساساً تحطمت على سلسلة من الإجراءات البعيدة عنها، وفكرة مساعدة الشعب العراقي وبناء جيشه واستقلاله تحطمت على حقائق ادخال الامريكان لداعش ودعمهم وانقاذهم في المواقف الحرجة والإصرار الشديد وغير الطبيعي على حل الحشد الشعبي وكأنه المشكلة الأساسية في العراق.

هكذا سقطت كل التفسيرات ولم يبق إلا تفسير واحد: التحطيم التام للبلد والشعب، ورغم ذلك مازالت بعض الغربان تنعق بالدعم الأمريكي، ومازال كتاب من أمثال عبد الخالق حسين، وساسة من أمثال الزرفي ووزير الخارجية ورئيس الحكومة وعمار الحكيم يدفعون البلد نحو الاستمرار في التحطم، ومازال اخرون كان البلد يعتمد عليهم، يكتفون بالصمت أو التصريحات النصفية المضللة أو بعض القنابل الصوتية التي تخدع الناس بأن هناك إجراءات لإنقاذهم وانقاذ البلد من المصير المخطط.

الكثير من الذين مازالوا يجرؤون على الدفاع عن الأمريكان، يلجأون الى القاء اللوم على صدام حسين. ونلاحظ تكاثراً غريباً في التركيز الإعلامي هذه الأيام على جرائم صدام حسين وكأنها تكتشف لأول مرة، وظني انها مكلفة بسحب الأضواء بعيداً عن الأمريكان وهم ينفذون آخر مراحل التدمير بمساعدة عميلهم القديم الذي نصبوه على رئاسة الحكومة بعيدا عن الدستور.

لا بأس ان نكرر هنا للتذكير، اهم الحقائق التي برهنت ان صدام لم يكن سوى احمق يتم نقله من دور إلى آخر في هذه المسرحية الدموية الإسرائيلية التخطيط والأمريكية الاشراف والتنفيذ. وفي اعتقادي أن أوضح الحقائق كانت، إضافة إلى اتفاق خيمة صفوان الذي نص بشكل واضح على اطلاق يد صدام في استخدام المروحيات لقصف الانتفاضة، وفي تجهيزها بالوقود، كانت حقيقة ما جرى بين صدام والسفيرة الامريكية غلاسبي قبيل دخول صدام الكويت.

خدعة ادخال صدام الى الكويت نفذت بالضغط عليه اقتصاديا بزيادة الإنتاج ليهبط سعر البرميل هبوطا مذهلا، ثم اغرائه بدخول الكويت من قبل سفيرة اميركا في العراق أبريل غلاسبي، وقد نشرت عن تلك الحقائق عدة مرات مقالة اقتطف منها ما يلي (مع رابط للمقالة في الأسفل)(1):

"حسب ما نشر في الصحف وقتها عن مقابلة السفيرة الامريكية ابريل غلاسبي مع صدام حسين انها بادرته بالقول:

"لدي تعليمات مباشرة من الرئيس بوش لتحسين العلاقات مع العراق، ونحن نتفهم رغبتكم في رفع اسعار النفط، والذي تسبب في مصادمتكم مع الكويت... وانك قد نشرت قوات كبيرة في الجنوب... لهذا تسلمت تعليمات بسؤالكم، بروح الصداقة وليس المعاكسة ان تخبرونا عن نواياكم. لماذا حشدتم قواتكم بهذا القرب من الحدود الكويتية؟

فشرح صدام لها موضوع الخلاف ومحاولات حله، ثم اضاف: "لكن ان لم نتمكن من الحصول على حل، فمن الطبيعي اننا لن نقبل الموت".

وعن الحل المناسب برأيه اجابها صدام:

- لو اننا تمكنا من الاحتفاظ بكل شط العرب، موضوع حربنا مع ايران، لأمكننا ان نتفاهم مع الكويت. لكن ان كان علينا ان نختار بين الاحتفاظ بنصف شط العرب او العراق كاملاً، فسنضحي بكل شط العرب للدفاع عن حقنا في الكويت، لنحتفظ بالعراق كاملاً كما نرغب به. ما رأي الولايات المتحدة في هذا؟

- ليس لنا رأي في صراعاتكم العربية – العربية، مثل خلافكم مع الكويت، وان الوزير (الخارجية) بيكر وجهني الى توكيد التعليمات التي قدمت الى العراق عام 1960, بأن اميركا ليست مهتمة بمشكلة الكويت"

- (صدام يبتسم)

في اليوم التالي (26 تموز 1990) سأل الصحفيون الناطق الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية : "هل ارسلت الولايات المتحدة اي نوع من الرسائل الدبلوماسية الى العراقيين حول وضعهم لـ 30000 مقاتل على الحدود الكويتية؟ هل كان هناك اي نوع من الاحتجاج تم ايصاله من قبل حكومة الولايات المتحدة؟" فكان جواب مارغريت تاتوايلر:

"ليس لدي اي علم بمثل هذا الاحتجاج".

وقبل يومين من الاجتياح العراقي، اي في 31 تموز 1990, شهد جون كيلي، مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، امام الكونغرس بأن "الولايات المتحدة ليست مرتبطة بأية التزامات بالدفاع عن الكويت، وانها ليست لديها اية نية للدفاع عن الكويت في حالة مهاجمة العراق لها."

وهكذا سقط صدام في الفخ الذي نصبته غلاسبي له بالتعاون مع مارغريت تاتوايلر وكيلي. وفي الثاني من آب، اي بعد ثمانية ايام من مقابلة غلاسبي، دخل صدام الكويت.

بعد شهر من ذلك تمكن صحفيون بريطانيون من الحصول على شريط ووثائق المقابلة بين غلاسبي وصدام، وقبل مغادرة غلاسبي للسفارة حاولوا مواجهتها بالمعلومات التي حصلوا عليها للتأكد من صحتها:

الصحفي الأول (حاملاً الوثائق بيده): هل هذه الوثائق صحيحة، ايتها السيدة السفيرة؟

(السفيرة غلاسبي لا تجيب)

الصحفي الثاني: " لقد كنت تعلمين ان صدام سيجتاح (الكويت)، ولكنك لم تحذريه ألا يفعل ذلك. لم تقولي له ان اميركا ستدافع عن الكويت. قلت له العكس – بأن اميركا لا علاقة لها بالكويت"...

.....

الصحفي الأول: "لقد شجعت العدوان إذن، ماذا كنت تفكرين وقتها؟"

السفيرة غلاسبي: "من الواضح انني لم افكر، ولم يفكر احد اخر ايضاً، بأن العراقيين سيأخذون الكويت كلها".

الصحفي الأول: "هل تصورت انه سيأخذ "بعضاً منها" إذن؟ كيف يمكنك ان تفعلي ذلك؟؟ صدام قال لك انه ان فشلت المفاوضات فأنه سيتنازل لإيران عن هدفه (شط العرب)، لأجل الحصول على "كل العراق، بالشكل الذي نريده عليه"، وانت تعلمين ان ذلك يعني ان ذلك يشمل الكويت، والذي طالما اعتبره العراقيون جزء تأريخي من بلادهم"!

السفيرة غلاسبي: لا تجيب بشيء وتندفع مبعدة الصحفيين عن طريقها لتغادر...

- "لقد اعطت اميركا الضوء الأخضر للاجتياح إذن. على الأقل فأنت تعترفين انك أعطيت الإشارة الى صدام بأن بعض العدوان امر مقبول – بأن اميركا لن تعارض احتلاله لحقل الرميلة النفطي والشريط الحدودي المتنازع عليه وجزر الخليج (بضمنها جزيرة بوبيان) – مناطق ادعى العراق ملكيتها"؟

لا تجيب السفيرة غلاسبي وتغادر في سيارة ليموزين كانت تنتظرها."

.....

وتبقى صور المطلاع شاهداً على اشد المراحل دموية في تلك المسرحية الوحشية. مازال كل يمثل دوره في مشاهدها، وما زلنا نطيع تعليمات مخرجها، ومازال البلد يتجه إلى خاتمتها التي وضعها "المؤلف". 

724 المطلاع

صائب خليل

.......................

(1) أبريل غلاسبي كذابة

http://al-nnas.com/ARTICLE/SKHalil/25april.htm

 

 

 

عبد الجبار نوريأن ما ورد في لوائح حقوق الأنسان أن "مصدر السلطة هو الشعب" الملاحظ بأستغراب أن جميع الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق لم تتجاهل أي مظاهرة حين كان الشارع العراقي ملك الحراك الشعبي في حقبة العهد الملكي في تغيير الحكومات، عكس حكومات ما بعد 2003 أنها تتجاهل صوت الشعب في مطالبه المشروعة، وهم والحال كما قال أحمد شوقي (ورُب مستمعٍ والقلبُ في صممِ)، المتظاهرون في بدأ حراكهم الشعبي منذ 2011 بشعارات وطنية وبمطالب عدة، منها ألغاء مجالس المحافظات، هي مطالب جاءت نتيجة فشل هذه المجالس تحقيق الأهداف المرجوة منها بموجب قانون رقم 21 / 2008 وأصل هذا القانون يرجع ألى القانون رقم 71 /لسنة 2004 الصادر من سلطة الأئتلاف المؤقتة ومرورا بالدستور لسنة 2005 ظهر قانون مجالس المحافظات الغير منتظمة بأقليم المشار أليه أعلاه، وعلى ما أرى في الخارطة السياسية أن هناك توجهاً لجعل مجالس المحافظات "أبدية" في أشارة إلى تأجيل الأنتخابات المحلية لتجديد تلك المجالس .

وبسبب المركزية المفرطة لحكومات ما قبل 2003 وما نتج عن هذه المركزية من أشكالات متعددة دفعت القوى السياسية بأغلب أنتماءاتها أن تأخذ بمبدأ اللامركزية بيد آن القوى السياسية لم تجيد اللعبة حيث العشوائية والتخبط النفعي أتجهت إلى الفيدرالية والتي رحب بها الأكراد وحسب واقع الحال أصبحت كردستان "أصغر من دولة وأكبر من أقليم"

عند تقببم تجربة مجالس المحافظات الغير منتظمة بأقليم أجزم فشلها الذريع في تقديم الخدمات الأساسية والتنمية الشاملة للمجتمع المحلي الذي أنتخبها ضمن تطبيقها للنظام اللأمركزي في السياسة والأدارة، والسبب لهذا النكوص ربما يرجع ألى حداثة التجربة الأدارية في البلاد التي لم تكن موجودة بهذا الشكل الديمقراطي الجديد، وأيضاً لكثرة الأزمات السياسية والأمنية التي يمر بها العراق منذ 2003 ولمرور 15 عاما، وحسب متابعتي لأبجديات سير الأحداث السياسية أرى خيبة هذه المجالس لذا أطرح على المستوى الشخصي : أفضل ألغاء مجالس المحافظات والأكتفاء بمنح الصلاحيات للمحافظ ونوابهُ على أن يكونوا تحت أشراف مجلس النواب الأتحادي ومراقبته ولآن في مجلس النواب أتجاه عام بألغاء عمل المجالس المحلية والأكتفاء بحكومة تنفيذية مع رقابة البرلمان الأتحادي عليها، لذا أصبحت موجة الألغاء في الشارع وعلى مستوى الأعلام العراقي لعوامل النكوص التالية:

-هذه المجالس تابعة أصىلا وفصلا لذات الأحزاب الحاكمة في الحكومة الأتحادية، وتلك المجالس عكست أمراضها في التبعية لأجندات خارجية متعكزة على المذهبية الضيقة والمحاصصة اللئيمة والشوفينية المقيتة وحتى المناطقية المتطرفة والتي أنحدرت لقاع الطائفية الدينية والحزبية الضيقة والعشائرية الجاهلة، وقد ساهمت تلك المجالس بتأخير المحافظات عقوداً من الزمن نتيجة كسل وخيبة أعضائها، مع عدم قدرتها على أنجاز التنمية المنتظرة في شتى المجالات لتعارض صلاحياتها مع السلطات الأتحادية، ومن أحدى مظاهر الخيبة لهذه المجالس المتردية والنطيحة ما شاهدناه في مجلس محافظة بغداد من أحتدام وصراع على المنصب بين الفرقاء من البيت الشيعي، وضع مأساوي وكأن بغداد تنتظر صراع الأخوة الأعداء في معركة لا تنفصل عن كونها معركة شخصية غير سياسية أوسع نطاقا وأبعد مدى لاعبها الرئيسي معسكر الأحزاب والميليشيات الموالية لأجندات أقليمية .

- أن وجودها القانوني قد أنتهى في ديسمبر(كانون الأول) الحالي في تحديد مفوضية الأنتخابات ورئاسة الوزراء موعد الأنتخابات في 22 ديسمبر الماضي وهذا يعني وجودها غير قانوني .

- أن هذه المجالس باتت موطيء قدم للفساد والصفقات السياسية المشبوهة، أن معظم المشاريع في المحافظات وزعت كغنائم بين تلك المجالس وبين الحكومات التنفيذية المحلية التي تمثل المراقبة والتشريع، وبالتأكيد أن العيوب والمساويء التي تعاني منها الحكومة المركزية تجدها جلية وبقوة في مجالس المحافظات لا بل نسبة الفساد في الحكومات المحلية أعلى منه في الحكومة المركزية .

- رواتب ومخصصات 447 عضو في مجالس المحافظات والتي تصل إلى الملياري دينارفي ظل الوضع الأقتصادي المتأزم والعجز في الميزانية وتراكمات الديون الخارجية بوضع لا يحسد عليه البلد نجد أن أعضاء المجالس والبالغين 447 عضو يستلمون شهرياً ثلاثة ملايين لكل عضو حيث أن المجموع الكلي يصل إلى مليار ونصف شهريا، وخُصص لهم نصف مليون للضيافة (شاي وماء)، ونصف مليون آخر لوقود السيارتين المخصصة لكل عضو، فضلا عن وضع 20 جندي للحماية رواتبهم تصل إلى 20 مليون دينار شهريا، وأن رواتب المتقاعدين منهم ولثلاث دورات يستلمون مليونين و800 ألف دينار شهريا، علما أنها لا زالت مستمرة، ان المجموع الكلي يصل إلي ملياري دينار، وهذه الأرقام الخيالية ما هي ألا تحذير للحكومة المركزية من مغبة تعرض العراق إلى أفلاس وشيك وسط دعوات لأستثمار قطاعي الزراعة والصناعة ومشاريع أنمائية التي قد تعالج العجز الكبير في ميزانية المدفوعات (سكاي بريس / تقرير)، وبتأريخ 21 -12 -2018 ورد تقريرلمركز الدراسات الدولية والأستراتيجية الأمريكية عن العراق : العراق مفلس تقريبا، يواجه أزمات أقتصادية خانقة ولديه حكومة من أكثر الحكومات فسادا في العالم، ويخطيء من يعتقد أن بالأمكان أنقاذ العراق مما يعانيه بمشاريع فجة ساذجة شخصية نفعية.. وهنا يقصد بالأشارة إلى أصحاب المشاريع الساذجة والمتهافتة الأصلاحية وتوفيقية مثل مشروع الشيخ جمال الضاري (مشروعه الوطني) والدكتور أياد علاوي (المصالحة الوطنية) والسيد عمار الحكيم (التسوية السياسية) وخميس الخنجر( المشروع العربي) والصدر (سائرون) والدكتور حيدر العبادي (الأصلاح) وهادي العامري (البناء)، وبالتالي هي معركة حول منصب المحافظ ي واقع الحال يفرض علينا أن نؤمن بأن ليس لدينا دولة عميقة وحتى شبه دولة بل طلاب سلطة حولوا العراق لجسدٍ مصاب بالشيخوخة والتكلس الحزبي، وكما قال المهاتما غاندي: (كثيرون حول السلطة قليلون حول الوطن) .

 

عبد الجبار نوري

كاتب ومحلل سياسي عراقي مقيم في السويد

 

ابراهيم أبراشفي إطار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الممتد عبر التاريخ والمفتوح على المستقبل تشن إسرائيل ومعها الصهيونية العالمية حربا مفتوحة على الفلسطينيين، وإن كانت المواجهات والحروب العسكرية الأكثر إثارة وجذبا للاهتمام بحيث لا يمر يوم إلا ونسمع عن مواجهة عسكرية هنا أو حربا هناك من غزة إلى الضفة والجبهة الشمالية وحتى في العمق العربي، وإسرائيل معنية بتوجيه الأنظار إلى هذا البعد العسكري من الصراع، إلا أن مواجهة وحربا لا تقل خطورة تخوضها إسرائيل وأطراف أخرى ضد الفلسطينيين بأساليب خبيثة وأدوات ناعمة وأحيانا عنيفة قليلا ما يتم الحديث عنها، ونقصد هنا الصراع على الثقافة والهوية والرواية التاريخية .

إسرائيل والصهيونية العالمية ومن يحالفهما ويتبنى رؤيتهما يدركون أن هزيمة الفلسطينيين عسكريا لا يعني نهاية الصراع، لأن موازين القوى غير ثابتة والانتصار العسكري لا ينهي الصراع ما دام الشعب الفلسطيني متمسكا بحقوقه السياسية الوطنية وما دامت غالبية دول وشعوب العالم تؤمن بعدالة القضية الفلسطينية وبالرواية الفلسطينية، لذلك فإن إسرائيل تسعى لهزيمة الرواية الفلسطينية والتشكيك بهوية الشعب الفلسطيني وانتمائه لأرض فلسطين، وتعمل على تكريس روايتها الكاذبة بأنه لا يوجد ولم يوجد عبر التاريخ شعب يسمى الشعب الفلسطيني وأن الفلسطينيين عائلات وقبائل جاءت مهاجرة من بلاد أخرى واستوطنت (أرض إسرائيل) .

استطاعت الحركة الصهيونية من خلال توظيفها للمال والأيديولوجية الدينية استقطاب بعض المستشرقين لتأكيد مزاعمها وهذا غير مستغرب إذا أخذنا بعين الاعتبار الأصول الكولونيالية للاستشراق في بداياته ومكانة التوراة عند بعض الطوائف المسيحية ونفوذ اليهود المالي والعلاقات الاستراتيجية مع الحركة الاستعمارية عبر التاريخ . وقد كشف المفكر إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق الصادر عام 1978 المنحى المنحرف لمستشرقي المرحلة الكولونيالية وكيف وجهوا نتائج كتاباتهم وأبحاثهم لخدمة السياسات الاستعمارية والرواية الصهيونية التوراتية بالنسبة لتاريخ فلسطين والشرق بشكل عام، وقد سبق ادوارد سعيد ولحقه كثير من المستشرقين والباحثين الغربيين الذين عملوا على إعادة رواية تاريخ الشرق وخصوصا الشرق الأوسط والإسلام بموضوعية مفندين الرواية الصهيونية ومزاعم المستشرقين الكولونياليين .

لم يسلم المُفندون للرواية الصهيونية بالاستناد على الوثائق وعلم الأثار من أذى الحركة الصهيونية التي اتهمتهم بمعاداة السامية، ونذكر من هؤلاء : البروفيسور الفرنسي توماس تومسون في كتابه (التاريخ المبكر لشعب إسرائيل من المصادر الآركيولوجية المدونة) ( 1992)، والبريطاني كيث وايتلام أستاذ الدراسات الدينية في جامعة ستيرلينغ في سكوتلاندا في كتابه (اختلاق إسرائيل القديمة: إسكات التاريخ الفلسطيني) (1996)، والفرنسي روجي جارودي في كتابه الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، والإسرائيلي شلومو ساند في كتابه (اختراع الشعب اليهودي) (2008)، والكاتب اليهودي البريطاني جون روز في كتابه (أساطير الصِّهيونية) وآخرون .

للأسف وفي زمن الردة الانحطاط العربي وصعود الإسلاموية السياسية فإن أطرافا عربية وإسلامية وفلسطينية تساند الإسرائيليين في حربهم للتشكيك بالرواية الفلسطينية ودعم الرواية الصهيونية، بوعي وأحيانا بدون وعي، وذلك في السياقات التالية :

1- بعض المطبعين العرب اليوم وخصوصا من الكُتاب وبعض السياسيين يتساوقون مع الرواية الإسرائيلية ويروجونها في سياق محاولاتهم لشيطنة الفلسطينيين عند الشعوب العربية حتى يمكنهم تمرير التطبيع مع إسرائيل دون ردود فعل شعبية كبيرة .

2- بعض جماعات الإسلام السياسي وخصوصا في الدول العربية، وفي سياق الترويج للمشروع الإسلاموي الذي يزعمون، يناصبون القومية والوطنية العداء، وفي السياق الفلسطيني حاربوا المشروع الوطني الفلسطيني والرواية الوطنية الفلسطينية وكل ما يرمز للثقافة والهوية الوطنية، بل إن بعظهم أعلن أنه لا يوجد شعب فلسطيني وأن الفلسطينيين لمم جاؤوا من الجزيرة العربية ومصر وأماكن أخرى !!!!.

3-  بعض الفلسطينيين يعززون الرواية الصهيونية بدون قصد من خلال المباهاة بأصولهم غير الفلسطينية، فتجد بعضهم وخصوصا من العائلات الكبيرة يتفاخرون بأن أصل العائلة من تركيا وآخرون يتفاخرون بأصولهم المصرية أو السعودية أو المغربية أو الأردنية وكأن الأصل الفلسطيني يُعيبهم، وهم في هذا الأمر وكأنهم يقولون بأن الشعب الفلسطيني لمم أو شعب لقيط وليس أصيلا في وجوده على أرضه. ولا أدري لماذا يفترضون أن تشابه أسماء العائلات يعني أن أصلهم من خارج فلسطين وليس العكس ؟ .

أكد المؤرخون والعلماء الموضوعيون المُشار إليهم أعلاه بعدم صحة الرواية التي روج لها المستشرقون اليهود الأوائل والتي تزعم أن الفلسطينيين ليسوا سكان فلسطين الأصليين وأنهم قبائل الببلست جاؤوا من البحر (جزيرة كريت) حوالي عام 1188 ق.م واختلطوا مع قبائل الكنعانيين وعاشوا على الساحل وسُميت فلسطين بهذا الاسم نسبة لهذه القبائل، وأكد هؤلاء بأن الشعب الفلسطيني شعب أصيل تضرب جذوره لآلاف السنين ووجوده سابق لظهور بني إسرائيل . وحتى مع افتراض صحة رواية المستشرقين التوراتيين فإن شعبا يستقر على أرض تسمى باسمه فلسطين وبشكل متواصل منذ عام 1188 قبل الميلاد حتى اليوم هو شعب عريق واصيل بل من اعرق شعوب الأرض، وليس كالدولة المصطنعة التي تسمى إسرائيل والتي لم يكن لها وجود أو يسمع بها أحد إلا خلال السبع عقود الماضية -منذ 1948-.

بالإضافة إلى ما سبق، يزعم بعض الجهلة ومنهم بعض العرب والفلسطينيين بأن فلسطين لم تظهر للوجود إلا مع اتفاقية سايكس - بيكو 1916 وهذه مغالطة كبيرة وما يؤكد ذلك أنه عندما انعقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل في سويسرا عام 1897 أي قبل سايكس - بيكو بسنوات أعلن المؤتمرون أن هدفهم إقامة وطن قومي لليهود في (فلسطين)، وهذا يعني أن هذه البلاد لم تعرف لها مسمى إلا فلسطين، وتواصل الأمر بعد ذلك حيث نجد آرثر بلفور في إعلانه المسمى باسمه عام 1917 وعد اليهود بإقامة وطن قومي لهم في (فلسطين)، وعصبة الأمم أعلنت عام 1922 أن تكون بريطانيا منتدبَة على (فلسطين)، وقرار التقسيم عام 1947 نص على تقسيم (فلسطين)، واليوم فإن حوالي 150 دولة في الأمم المتحدة تعترف بدولة فلسطين وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وهذ يؤكد بأن فلسطين والفلسطينيين هم الأصل أما إسرائيل والإسرائيليون فأمر طارئ فرضته توازنات وحسابات دولية استعمارية في مرحلة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية .

 

أ. د. إبراهيم أبراش

 

 

سامان سورانيلقد عانی العلاقات الدولية في دول الشرق الأوسط من سمة عدم التوازن وقلة الاستقلالية لأنها لا زالت متأثرة بالسياسة الخارجية للدول العظمى. ومن المؤكد هناك عوامل تاریخیة مهمة ساهمت في ترسیم نمط العلاقات الدولية لدول الشرق الأوسط، لا مجال لذکرها هنا، لکن عندما تفشل الدولة في القیام بوظائفها الأساسیة، منها السیطرة وتطبیق أسس الحکم علی كافة أراضیها وإستغلال الموارد الطبیعیة والبشریة والمادیة بشكل یحمي مصلحتها القومیة ومنها عدم إتاحة الفرصة للدول الأخری من السیطرة علیها ونهب خیراتها ومواردها والتحكم في شؤونها الداخلیة والخارجیة، یطبق علیها مصطلح الدولة الفاشلة(Failed State).

هذا المصطلح جدید الی حد ما، حیث تم أستخدمە للمرة الأولى في عهد الرئيس الاميركي، بيل كلينتون، حیث نُعت به الدول التي فشلت في القيام بوظائفها الأساسية، مما جعلها تشكل خطراً على الأمن والسلام العالميين، مثل أفغانستان في عهد طالبان.

هناك في الشرق الأوسط تحولات مهمة تدخل مفاهیم ونظریات جدیدة علی مستوی التحلیل وتهيء أرضیة بروز فواعل وظواهر سیاسیة جدیدة علی مستوی الممارسة، لکنها لا تستطیع أن تؤثر  في البنية الهيكلية للنظام الدولي.

من المعلوم بأن الدولة الفعالة تنفتح علی الخارج، بقدر ما تنفتح في الداخل علی المجتمع والكيانات المختلفة

یقول أستاذ العلوم السیاسیة الأمریکي صاحب مصطلحي القوة الناعمة والقوة الذكية، جوزيف صموئيل ناي، "إن انتقال القوة من دولة مهيمنة إلى دولة أخرى هو واقعة تاريخية مألوفة، ولكن انتشار القوة هو عملية أكثر جدة. وتتمثل مشكلة الدول كافة فى عصر المعلومات العولمي الحاضر في أن أكثر الأشياء تحدث خارج نطاق سيطرة الدول حتى أقواها."

ففي زمن ثورة المعلومات والعصر الرقمي نری بأن الدولة الفاشلة لایرهن علی تصالح الحكومة مع الشعب من خلال بناء دولة القانون والمؤسسات والشفافية والتنمية، وإقامة قواعد إنتاجية حقيقية وإستخدام الموارد لصالح جمیع طبقات المجتمع، عبر خطط تنمویة وبرامج عدالة إجتماعية يستفيد منها كل فرد، ولا یسعی بشكل جاد في التمسك بمقومات الهویة الجامعة، من لغة ودين وتاريخ وحضارة ولا یستخدم القوة الكامنة في كل هذه المقومات الناعمة لتقوية المجتمع ومؤسساتها وسياساتها.

بدلاً عن هذا تنظر الدولة الفاشلة دوماً الی الکیانات الداخلیة والإقلیمیة ودول الجوار كأعداء ومنافسین لا کأشقاء وحلفاء طبیعیین وهذا یؤدي بدوره الی دفع حرکات أو قوی وطنیة للعمل علی هدم بنیانها لغرض تولي موقع المسؤولیة وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

من صفات الدولة الفاشلة، أنها لاتستطیع لوحدها السیطرة علی حدودها، بل تعتمد على المساعدات التي تأتيها من المجموعة الدولية ولسبب ضعفها تتحول أرضها الی ملاذات آمنة للجماعات الإرهابية والعوامل اللادولتیة الأخری التي تضر بالسیادة.

التطورات والسیناریوهات في الشرق الأوسط لها تأثیرات كبیرة في العالم وفي البیئة السیاسیة والإقتصادیة والأمنیة العالمیة. وقد تستمر الفوضی واللاإستقرار إذا ما لم تسعی القوى الدولية في العمل على التغلُّب على صراعاتها مع دول المنطقة وعلى الصراعات بين هذه الدول وبعضها البعض، وعلى الصراعات داخل هذه الدول.

بالطبع لایمکن الوصول الی مصالحات وطنية حقيقية بناءة وشاملة إذا ما لم یتم التوافق حول صيغ تشمل جميع أطراف الصراع السياسي لإیقاف الإعتداءات والتدمیر المتبادل ونزع فتیل الحرب والتشدد في مواقف الأطراف المتنازعة وبناء الثقة بینهم وإعطاء المصالحة طابعاً مجتمعياً يمهد الطريق أمام إجراءات المصالحة التقليدية، عبر عملية تفاوض وتوافق حول عناصر العدالة، وإجراء إصلاحات مؤسساتیة والعمل علی تطوير علاقات أكثر تجانساً وإعداد بيئة حاضنة للمراجعة الدقیقة والتفكير الخلاق في صياغة علاقة إيجابية أبعد.

القوة هي القدرة على تحقيق النتائج التى نريدها وأن عدم القدرة على تجاوز سلبيات الماضي وعدم الإتفاق حول المصالح الوطنیة العلیا تجعل من التعايش بين الأطراف المتنازعة حالة هدنة مؤقتة غير قابلة للصمود. أما إذا کانت للنزاعات الداخلیة إمتدادات خارجیة فستبقی مسألة التعایش بین الأطراف دوماً محل تهدید. لذا یجب أن تکون لقضیة المصالحة ظهیر أو قناعة مجتمعیة وشعبیة یضمن تطبیق قضیة المصالحة ویحفظ دیمومتها. 

لا تنفع الدولة الفاشلة إستخدام النماذج السياسية المستهلكة والبعيدة عن الشعور الإنساني العميق، المدرك لحكم المأساة وطبيعة الحياة وثقافة الحوار والتعددية والتعايش وقبول الآخر المختلف ولا تنفعها النماذج القائمة علی فلسفة الاقصاء والتهميش وحرب الآخر والداعمة لهواجس وحسابات الربح والخسارة.

إن الذين يتصدرون واجهة الدفاع عن طوائفهم ومذاهبهم ومعسكراتهم بالأفكار السائدة والأنظمة المتحكمة والشعارات الخاوية والمقولات المستهلكة لا يستطيعون القيام بمهام قضية العيش المشترك وبناء الدولة الناجحة والحکم الرشید.

منطق الكشف العلمي يثبت لنا بأن حل المشكلات يخلق مشكلات جديدة ومعالجة الأزمات تولد المزيد من التعقيد والتأزم، لذا نقول للعقول السياسية في الدولة الفاشلة، من أراد النجاح للديمقراطية وتجربة العیش المشترك، عليه أن لا يتعامل مع الحقائق والوقائع علی سبيل التبسيط والتهوين أو التهويل والتضليل أو التلفيق والتزييف وعلیه نبذ الشعارات الخاوية والدعوات المستحيلة والاستراتيجيات القاتلة وعليه أيضاً إستخدام أطر وأدوات في النظر والعمل البعيدة عن مذهب القصر والإستهلاك والعقم وهنا يكمن سر النجاح. 

الطرف الذي ينهض بالعیش المشترك هو من يخلع عباءته الأيديولوجية المقدسة بثوراتها ومقاوماتها وإنقلاباتها وأحزابها وهو من يحسن الإشتغال علی خصوصيته وتحويل هويته للإنخراط في بناء عالم مشترك يتيح التعايش والتواصل، علی نحو سلمي تبادلي في أطر وطنية أو اقليمية أو عالمية، ولنا في إقليم كوردستان وحكومته اليانعة نموذج إيجابي نشيط في بناء مجتمع ديمقراطي سلمي التوجه مزدهر بإنجازاته العمرانية والحضارية.

وختاماً يقول الفيلسوف الإنكليزي النمساوي المولد كارل بوبر (1902-1994): "نحن نعرف بأنه لا يمكن أن يكون لحجة منطقية تأثيرٌ منطقيٌّ على من لا يريد أن يتبنى أسلوباّ منطقياً."

 

الدکتور سامان سوراني

 

بكر السباتيناختراقات متبادلة بين البلدين وإسقاط طائرتين هنديتين داخل الأراضي الباكستانية..

يبدو أن الأوضاع بين الهند وباكستان تسير مرشحة إلى ما هو أسوا في كل الأصعدة على خلفية الهجوم الذي استهدف إقليم كشمير قبل عدة أيام، حيث انتقلت المعركة من مربع المواجهة الكلامية إلى المستوى العسكري، على خلفية الاتهامات الهندية للحكومة الباكستانية بالتورط في الهجوم على حافلة الجنود الهندية ما استلزم منها الرد من خلال هجمات شنها الجيش الهندي على أراض خاضعة للسيطرة الباكستانية.

وعليه فقد أكد مسئولون عسكريون باكستانيون على أن طائرات عسكرية هندية دخلت الأراضي الباكستانية في منطقة كشمير المتنازع عليها وأفرغت شحنة من المتفجرات على أماكن عشوائية حيث سقطت بالقرب من بالاكوت أثناء هروبها من ساحة المواجهة الجوية بعدما دفعت باكستان بطائراتها صوبها، ولا توجد خسائر بشرية أو مادية.

هذا ما صرح به المتحدث باسم الجيش الباكستاني الميجر جنرال آصف غفور على تويتر يوم أمس الثلاثاء مؤكداً على أن الهجوم الهندي واجه رداً فعالاً في الوقت المناسب من جانب القوات الجوية الباكستانية.. حيث لاذت الطائرات الهندية إلى الفرار، واليوم الأربعاء تتجدد الاختراقات الجوية بين البلدين، والباكستانيون يسقطون طائرتين هنديتين كما صرح الجيش الباكستاني.

ويبدو أن المواجهة بين الجارين النوويين مرشح للتصعيد لعدة اعتبارات موضوعية، يمكن تبنيدها على النحو التالي:

أولاً: اتهام الهند الباكستان في أنها الحاضنة لجيش محمد الذي تبنى التفجير الانتحاري الأخير في حافلة الجنود الهندية بإقليم كشمير المتنازع عليه بين البلدين. ما أدى إلى مقتل أربعين جندياً هندياً، وتذرع الهنود في هجومهم بوجود قواعد لهذا الجيش "الإرهابي" على الأراضي الباكستانية.. وهو ما ترفضه الباكستان تماماً.

ثانياً: صحيح أنه حدثت عدة مواجهات بالمدفعية من خلال القصف المتبادل عبر خط المراقبة فى كشمير خلال السنوات القليلة الماضية أثناء تأجج التوترات بين البلدين، لكن انتهاك المجال الجوي نادر الحدوث. لذا تعتبر الباكستان الغارات الهندية على أراضيها انتهاكاً سافراً لسيادة الباكستان ما يستوجب الرد في الوقت والمكان المناسبين وهذا ما تعتبره الهند من جهتها تصعيداً استفزازياُ مؤكدة على أنها ستواصل قصف قواعد جيش محمد في إطار حربها على الإرهاب في كل زمان ومكان.

لذلك دعا رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان إلى عقد "اجتماع طارئ"، من أجل بحث مستجدات الوضع على خلفية "اختراق" القوات الجوية الهندية لخط المراقبة في إقليم كشمير المُتنازع عليه بين الهند وباكستان والذي يعد عملياً خط الحدود.

 وجاء الرد الباكستاني عسكرياً اليوم الأربعاء، وقالت وزارة الخارجية الباكستانية في بيان لها: "نفذت القوات الجوية الباكستانية ضربات اليوم عبر خط المراقبة من المجال الجوي الباكستاني".

وقال الجيش الباكستاني إن طائرات هندية دخلت باكستان رداً على الضربات مضيفاً أنه تم إسقاط طائرتين وأسر طيار.

في هذه الأثناء، قال مسؤول هندي إن طائرات تابعة للقوات الجوية الهندية  اعترضت ما لا يقل عن ثلاث طائرات حربية باكستانية بعد دخولها الجانب الهندي من منطقة كشمير اليوم الاربعاء وأجبرتها على العودة.

ويتصاعد التوتر بين باكستان والهند، بعد الغارة الجوية الهندية التي استهدفت معسكرا للمتشددين داخل باكستان يوم الثلاثاء في بلدة بالاكوت الواقعة في إقليم خيبر بختون خوا في باكستان على بعد خمسين كيلومترا تقريباً من خط المراقبة الذي يعد الحدود الفعلية بين البلدين اللذين خاضا ثلاثة حروب منذ استقلالهما عن بريطانيا في العام 1947. وفي سياق ذلك قالت وزارة الدفاع الهندية يوم أمس إنها ليست لديها أية معلومات عمّا ذكرته باكستان في محاولة هندية لتفريغ محتوى الاتهامات الباكستانية من المسوغات القانونية الدولية ولكن هل فات الأوان بعد تأزم مجريات الأزمة هذا اليوم.

ثالثاً: تداعيات المشهد السياسي في الهند في إطار حمّى الانتخابات الرئاسية المقبلة منتصف هذا العام والتعامل مع الأزمة كورقة  انتخابية، والتي ستأخذ المنطقة إلى كارثة المواجهة المحتملة وانعكاس ذلك عل الجارين الذين يجمعهما تاريخ من الحروب والصراعات على إقليم كشمير منذ عام 1947. ففي سياق ذلك قال رئيس وزراء الهند الحالي ناريندرا مودي العضوٌ في حزب بهاراتيا جاناتا:" بأن الهند في أيادٍ أمينة ولن يسمح لأحدٍ بالمساس به.

 وأخيراً، نحن لا نتمنى انجرار البلدين إلى كارثة حرب لا تبقي ولا تذر، وقد تدمر البلدين الجارين النوويين إذا ما دقت طبولها.. بـل نطالب أطراف النزاع بإعمال العقل، وسحب البساط من تحت أقدام شيطان الحرب الذي يعربد في مناطق النزاع في العالم من أجل الخراب الذي يجلب الغربان. الرهانات على الحرب تتصاعد ولكن ثمة رهانات أخرى على إحكام العقل في تفاصيل المشهد المتأزم بين الهند والباكستان.

 

بقلم بكر السباتين

 

انطلقت في مدينة جنيف السويسرية الإثنين 25  فبراير أعمال الدورة الأربعين لمجلس حقوق الإنسان التابع لهيئة الأمم المتحدة وتتواصل حتى 22  من شهر مارس المقبل وبحضور ممثلي الدول الأعضاء في المنظمة الدولية وبمشاركة عشرات المنظمات الحقوقية المعنية برصد انتهاكات حقوق الإنسان في مختلف دول العالم.

 وتتولى المنظمات الحقوقية سرد الإنتهاكات التي ترتكبها الحكومات ضد المواطنين والمقيمين، عبر المداخلات الشفهية خلال جلسات الحوار اليومية التي تناقش الإنتهاكات المندرجة تحت البند الخاص بها من ضمن 10  بنود ومنها البند السادس الذي يناقش آلية الإستعراض الدولي الشامل لسجل الدول التي يتم استعراض سجلها الحقوقي.

كما وتشكل هذه الدورات فرصة للمنظمات الحقوقية التي تتتمتع بالصفة الإستشارية التي يمنحها المجلس الاقتصادي والإجتماعي التابع لهيئة الأمم المتحدة، تشكل فرصة لعقد الندوات الموازية التي تتناول أوضاع حقوق الإنسان في الدول المعنية بها. ويجري ممثلوا المنظمات الحقوقية لقاءات مع ممثلي بعض الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان والبالغة 47 دولة  بهدف تعريف تلك الدول بأوضاع حقوق الإنسان في ظل الأنظمة القمعية.

 ولذا فإن دورات مجلس حقوق الإنسان التي تنعقد ثلاث مرات كل عام، تشكل فرصة ذهبية للمنظمات الحقوقية القطرية والدولية لتوجيه أنظار المجتمع الدولي نحو الإنتهاكات الجسيمة للحقوق الجارية في عدد كبير من الدول في انحاء المعمورة وخاصة في منطقة الشرق الأوسط ووضع المجتمع الدولي امام مسؤولياته لمعالجة تلك الإنتهاكات ومعاقبة مرتكبيها. وتتولى المفوضية الأممية السامية لحقوق الإنسان تنسيق الجهود مع المجلس لمراقبة الأوضاع وتعزيز حقوق الإنسان.

وعلى جانب آخر فإن التدهور المتسارع لأوضاع حقوق الإنسان في العديد من الدول استدعى تطلّع  المنظمات الحقوقية  نحو ممارسة مجلس حقوق الإنسان لدور أكبر للتصدي لهذا التراجع الكبير الذي لم يشهده العالم منذ تسعينات القرن الماضي. وتبدو تداعيات الحرب على اليمن اكبر تحد يواجه المجتمع الدولي بعد ان وضعت تلك الحرب اليمن على حافة المجاعة  مع انتشار الأوبئة وتدمير البنى التحتية مع قرب دخول الحرب على اليمن عامها الرابع.

لكن الرياح جرت على عكس ما تشتهي سفن الضحايا والمنظمات الحقوقية القطرية والدولية منذ أن أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية إنسحابها من عضوية المجلس في العام الماضي وبعد ان أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدم إعطاءها أولوية لموضوع حقوق الإنسان، بل إعطاء الأولوية للمصالح الاقتصادية وكما حصل بشكل جلي خلال قضية تصفية الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول في شهر اوكتوبر الماضي.

ومع إفتتاح هذه الدورة التي شارك في جلستها الإفتتاحية الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش ورئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعدد من مسوؤلي الدول ومن بينهم وزير خارجية النروج ووزير خارجية قطر، فقد ظهر جليا بان المجتمع الدولي قد دخل في مرحلة جديدة يبدو وللأسف ان اهم معالمها هو تراجع الاهتمام بالملفات الحقوقية. وقد ظهرت ملامح ذلك في الكلمة الإفتتاحية التي القتها المفوضة الأممية السامية لحقوق الإنسان ميشيلا باشليه والتي خلت من ذكر إنتهاكات حقوق الإنسان في بعض الدول وكما جرت عليه العادة سابقا، لكن باشليه ألقت كلمة تنظيرية وكأن المجتمع الدولي لازال في مرحلة التنظير لحقوق الإنسان بالرغم من مرور سبعة عقود على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

فيما ولّدت الإجراءات الجديدة للمجلس والخاصة بنشاط المنظمات الحقوقية صدمة لتلك المنظمات، إذ تم تقليص عدد المداخلات التي تشارك فيها كل منظمة تتمتع بالصفة الإستشارية الى 5 مداخلات  بعد ان كانت 12  وعدد الندوات الموازية الى إثنين بعد ان كانت أربع.  وقد أثارت هذه الإجراءات غضب المنظمات الحقوقية التي كانت تأمل في مضاعفة النشاط الحقوقي وليس تقليصه في ظل حالة التردي الجسيم في أوضاع حقوق الإنسان في العالم.

 إن هذا المنحى الجديد للمجلس  يعتبره حقوقيون تشجيعا للحكومات القمعية لإرتكاب المزيد من الإنتهاكات، فالمجلس وبالرغم من أن  قرارته ليس لها  صفة الإلزامية  بل إنها استشارية ولاتخرج عن إطار التوصيات، فإنه بصدد تقليص دوره حتى على صعيد كونه منبرا لايصال  صوات المنتهكة حقوق في شتى أرجاء المعمورة.

إلا ان المجتمع الدولي يبدو أنه لم يعد يطيق سماع آهات المعذبين في السجون أو أولئك الذين يخشون التعبير عن آراءهم أو انتقاد سياسات حكوماتهم أو النسوة اللائي يطالبن بحقوقهن أو العمال المنتهكة حقوقهم أو الأحزاب المعارضة المحظور عملها او المدافعون عن حقوق الإنسان الممنوعون من ممارسة مهاهم او المسقطة جنسياتهم والقائمة تطول.

 فهذا المجتمع بات يرقص اليوم طربا لعقود بيع الأسلحة والإتفاقيات الاقتصادية والنفوذ السياسي والعسكري ولا بأس ان تداس حقوق الإنسان الأساسية بإنتظار تشييع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الى مثواه الأخير في أروقة الأمم المتحدة.

 

 ساهر عريبي

 

 

 

حسن العاصينزعة السيطرة على العالم، والاعتقاد أنهم وحدهم المهيئين لقيادة العالم، كانت وما زالت في العقيدة الأمريكية منذ الاستقلال. ظهرت هذه النزعة بوضوح بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها الولايات المتحدة منتصرة، فيما بقية الأطراف إما مهزومة أو منهكة اقتصاديا وعسكرياً واجتماعيا وسياسياً.

هذا الاعتقاد تدعمه القوة، فالولايات المتحدة أول من صنع أسلحة الدمار الشامل، وأول من استخدم السلاح النووي ضد اليابان، وأكثر دولة تمتلك انتشاراً للأساطيل الحربية في البحار والمحيطات، والقواعد العسكرية الثابتة في أرجاء المعمورة. أمريكا تمكنت من إنشاء صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية. وأصبح دولارها العملة العالمية، وسيطرت أمريكا على الاقتصاد العالمي. أنشأت الأمم المتحدة مع الحلفاء، وأصبحت المنظمة أداة لتنفيذ السياسات الأمريكية بغطاء قانوني دولي. تغولت أمريكا أكثر بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وزوال القطبية الثنائية. أظهرت الولايات المتحدة أنيابها وتصرفت بغطرسة منفرة مع دول العالم. وحاولت أن تفرض على الجميع ثقافتها وأسلوبها. حيث بدأت مرحلة جديدة، انقسم العالم فيها بين رافض للنظام العالمي الجديد وبين مرحب به، ومنهم حاول الاستفادة من آليات العولمة وتقنياتها الحديثة بما تتضمنه من وسائل اتصال ومعلوماتية دون القبول بمضامين العولمة، لكنهم سقطوا في التبعية.

من رفض النظام الجديد رأوا في العولمة استغلالاً اقتصادياً من أمريكا والغرب، كما اعتبروا أنها عولمة علمانية تتنكر للأديان وتهدد الهوية الثقافية للشعوب المستضعفة، وهي أيضاً بمثابة غزو قومي ثقافي اقتصادي. ومن قبل بالعولمة كان من النخب الثقافية التي تأثرت بالأفكار الليبرالية ونمط الحياة الغربي.

لكن كيف تمكنت الولايات المتحدة من فرض رؤيتها على هذا العالم الشاسع؟ ربما علينا أن نعلم ماهي مصادر القوة التي تمتلكها هذه الإمبراطورية، وتمكنها من قيادة الدول الأخرى، والهيمنة على العالم.

قوة أمريكا الاقتصادية

سوف تظل الولايات المتحدة الأمريكية القوة الأعظم التي تقود العالم خلال الفترة المنظورة القادمة دون منازع. فقد بلغ الناتج المحلي الأمريكي وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2018 نحو 20,4 تريليون دولار، وتجاوز حجم اقتصادها 25,1 في المئة من حجم الاقتصاد العالمي. فيما بلغ الناتج المحلي الصيني نحو 14 تريليون دولار، وبلغت مشاركتها في الاقتصاد العالمي ما نسبته 16,4 في المئة. وجاءت اليابان في المرتبة الثالثة بناتج محلي إجمالي بلغ 5,1 تريليون دولار. ألمانيا في المركز الرابع بناتج محلي بلغ 4,2 تريليون دولار. فيما احتلت بريطانيا الترتيب الخامس بناتج محلي إجمالي بلغ 2,94 تريليون دولار. سادساً حلت فرنسا بناتج بلغ 2,93 تريليون دولار. سابعاً الهند بقيمة 2,85 تريليون دولار. إيطاليا حلت ثامناً بقيمة 2,18 تريليون دولار. البرازيل تاسعاً بقيمة 2,14 تريليون دولار. وعاشراً حلت كندا بقيمة 1,8 تريليون دولار.

تبلغ قيمة إجمالي الاقتصاد العالمي حوالي 79,98 تريليون دولار. تمتلك الولايات المتحدة نحو25,1 في المئة منه، فيما تمتلك الصين نسبة 16,4 في المئة. أي أن أمريكا والصين تمتلكان حوالي 42 في المئة من الاقتصاد العالمي. ويبلغ حجم اقتصاد أكبر عشر دول 73 في المئة من الاقتصاد العالمي، أي حوالي 58,54 تريليون دولار. وأكثر من 150 دولة يبلغ حجم اقتصادها ما نسبته فقط 26,8 في المئة، أي ما قيمته 21,4 تريليون دولار.

بحسب تقارير هيئة الإحصاء الأمريكية فقد بلغ متوسط دخل الفرد في الولايات المتحدة في العام 2018 حوالي 59 ألف دولار سنوياً. بينما ذكر المكتب الوطني للإحصاء في الصين أن دخل الفرد بلغ 4033 دولار سنوياً في العام 2018. وحتى لو أجرينا تعديلاً على القوة الشرائية بين البلدين، ومراعاة التضخم الاقتصادي يظل المتوسط السنوي للأمريكي أعلى من نظيره الصيني بفارق كبير. وتتربع الولايات المتحدة على العرش العالمي بثروة مقدارها 72 تريليون دولار. بينما تمتلك الصين 22 تريليون دولار.

ثم أن الاقتصاد الأمريكي قائم على ريادة الأعمال والابتكار والخلق، وليس اقتصاداً قائماً على الاستنساخ والنقل مثل الاقتصاد الصيني، بينما نلاحظ ابتكارية أقل في الاقتصاد الياباني والأوروبي. وما زالت أمريكا تفرض هيمنتها على ست قطاعات اقتصادية مهمة وهي " الأسلحة، التكنولوجيا، الطاقة، الدواء، الغذاء، النقل". إضافة إلى امتلاكها لعدة علامات تجارية رائدة والمنتشرة حول العالم مثل "كوكاكولا، ما كدونالدز، مايكروسوفت، فيسبوك، غوغل، آبل، جنرال موتورز، شركة بوينغ" وسواها التي تدر عشرات المليارات سنوياً على الاقتصاد الأمريكي. ولا ننسى كون الدولار العملة الأساسية للتجارة العالمية، والعملة الاحتياطية لعدد كبير من الدول.

الهيمنة السياسية

تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية شبكة معقدة جداً ومتشابكة من العلاقات تجعلها ذات هيمنة ونفوذ سياسي في العديد من دول العالم، وهذا السطوة لا تعتمد فقط على القوة العسكرية للولايات المتحدة، بل على مصادر أخرى للقوة مثل وسائل الإعلام التي تمتلكها المؤسسات الأمريكية من صحف وتلفزيون وسينما وانترنت وكتب، وامتلاكها لأشهر الصحف والمجلات العالمية، وألمع الصحفيين والممثلين وأشهر البرامج التلفزيونية والتي يتابعها مئات الملايين في العالم. وتبلغ قيمة صناعة نشر الكتاب في أمريكا حوالي 31 مليار دولار سنوياً، وهي ميزانية دولة بحالها.

للولايات المتحدة نفوذاً مهماً داخل المؤسسات الاقتصادية والسياسية الدولية التي تتحكم بها، ومنها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهما يشكلان أبرز معالم السياسة الاقتصادية العالمية. ثم أن الولايات المتحدة أحد الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، وأهم عضو في حلف الناتو. وتمتلك الأسطول الحربي الأضخم الذي يجول في المحيطات ويصول. كما أنها تمتلك مقدرة عجيبة لخلق تحالفات وتفاهمات سياسية واقتصادية بالترغيب أو الترهيب، ولديها إمكانية النفاذ إلى ميزانيات بعض الدول، من خلال المساعدات المالية، وترتبط بشبكة العديد من منظمات المجتمع المدني المنشرة في العالم. يكفي أن تدخلها في مناطق كثيرة في العالم يواجه بالصمت من قبل الكثير من الدول، واعتراض خجول من قليل الدول، وهذا بحد ذاته مؤشر بليغ على النفوذ الأمريكي.

هذا لا يعني أن الولايات المتحدة تمتلك مقدرة وقوة خرافية لا يمكن مقاومتها، ذلك أن أمريكا تواجه بعض الممانعات والتحديات من قبل الصين وروسيا وبعض الدول في أمريكا اللاتينية، لكنها إشكاليات يمكن لأمريكا السيطرة عليها بأقل قدر من الأضرار.

ثم التفوق الأمريكي الظاهر في التعليم العالي، فهي تمتلك حوالي 30 جامعة من ضمن أفضل 100 جامعة في العالم، وتمتلك 6 جامعات من بين أفضل 10 جامعات عالمية. وتتصدر القائمة في الإنفاق على الأبحاث والتطوير بالنسبة للدخل القومي حيث بلغت النسبة 2.82 في العام 2018 حسب شركة "فيسول كابيتال ليست" بملغ مقداره 563 مليار دولار سنوياً. فيما الصين بالمرتبة الثانية حيث تنفق ما مجموعه 377 مليار دولار سنوياً، وينفق الاتحاد الأوروبي 346 مليار دولار، واليابان 155 مليار دولار، ثم كوريا الجنوبية 74 مليار دولار.

ولا أظن أن على الولايات المتحدة القلق- لغاية الآن- من محاولات الصين المتواصلة الفكاك عن هذه السطوة الأمريكية، على الأقل في قارة آسيا مرحلياً، بهدف تحدي الاقتصاد الأمريكي في المستقبل. لكن من الآن ولفترة غير قصيرة من الزمن ستظل الولايات المتحدة في موقعها كأكبر قوة عسكرية واقتصادية مهيمنة على العالم، رغم صعود قوى أخرى مثل الصين والاتحاد الأوروبي، وتصاعد نفوذ إقليمي لروسيا بسبب امتلاكها موارد الطاقة.

أمركة العالم

رغم مرور أكثر من مائة عام على خطاب الرئيس الأمريكي "ودرو ويلسون" الذي ألقاه في العام 1916 بمناسبة بداية ولايته الرئاسية الثانية، حيث ينسب إليه مقولة "أن عَلَمَ أمريكا ليس علَمهَا وحدها، بل هو عَلَم الإنسانية جمعاء" إلا أن هذه النبوءة لم تتحقق، ولم يصبح علم الولايات المتحدة علماً للإنسانية، بل أصبح علماً للشر وقتل الشعوب والغطرسة ونهب خيرات الدول. صار وجهاً قبيحاً للعنصرية والتمييز لم تنجح أفلام هوليود في تجميله.

العولمة التي حاولت الولايات المتحدة من خلالها أمركة العالم، هي مشروع استعماري تحدثت أدواته مع تطور الرأسمالية وتركز رأس المال المالي، ترافق مع القفزات الهائلة التي حققها العلم في مجال التقنيات ووسائل الاتصال والتواصل التي تسببت في ثورة المعلوماتية. حاولت الولايات المتحدة نشر وتعميم نظامها وثقافتها وأسلوبها على بقية الدول. لكن هل تمتلك أمريكا حقاً نموذجاً مثالياً يقتدى به لبقية الشعوب؟ الجواب قطعاً لا، على الرغم من قوة أمريكا الاقتصادية والعسكرية. فالولايات المتحدة لم تتمكن للآن من تحقيق الوحدة والاندماج بين مكوناتها الداخلية، وتفتقد إلى جبهة داخلية متماسكة حتى لو ظهر للآخرين أن الأمر غير ذلك. فما تزال العنصرية والتمييز ضد السود والأعراق الأخرى تطل برأسها من قبة المواطن الأبيض. وغالبية المواطنين الأمريكيين يريدون انتخاب الرئيس مباشرة من الشعب بدون المجمع الانتخابي. ثم إن خروج تظاهرات تطالب باستقلال ولاية كاليفورنيا، الولاية الأغنى والأكبر في أمريكا، هو من الأمور التي تعتبر خطوة متقدمة للأطراف التي تطالب بالإصلاح الأمريكي وستنعكس حتماً على النظام السياسي في البلاد. وهناك انقسامات أيديولوجية في الخطاب السياسي الأمريكي حتى داخل الحزب الواحد.

 شكل انتخاب "ترامب" صدمة للعديدين الذين ينظرون له على أنه الرئيس الأمريكي العنصري والمعادي للأديان والأجانب والكاره للنساء، ليضاعف من الإشكاليات الأمريكية الداخلية. وتعتبر مسألة حرية امتلاك المواطنين الأسلحة واحدة من أكثر القضايا التي يختلف حولها الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة الأمريكية الجمهوريين والديمقراطيين، وتستخدم هذه القضية في المزايدات الانتخابية. وبحسب بيانات موقع هيئة الإذاعة البريطانية فقد وقعت في العام 2016 ما مجموعه 14249 جريمة قتل في الولايات المتحدة، من بينها 9675 بواسطة الأسلحة النارية. ناهيك عن مشاكل القطاع الصحي والتعليمي والضريبي.

هيمنة الولايات المتحدة على العالم ما هي إلا فورة في المسار التاريخي للبشرية، فرضتها القوة العسكرية والاقتصادية والإعلامية لأمريكا، لكن من الواضح أن التاريخ لم ينتهي كما توقع "فوكوياما" ومازال لديه ما يقوله. كما أن الرأسمالية الجديدة بمسميات العولمة وسواها لا تبدو أنها نماذج مؤهلة ليعتنقها الآخرون. إن ممانعة نظام العولمة ورفضه حدث ليس فقط من جانب دول الجنوب الفقير، بل من معظم الدول الغربية الذين أدركوا أن جوهر سياسة العولمة هو تحقيق المصالح الأمريكية، حتى لو تم ذلك على حساب مصالح وحياة مئات الملايين من الشعوب في الشرق والجنوب.

نظام عالمي للأغنياء

العولمة باعتبارها مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية، قد ساهم فيها الألمان واليابانيون بمدخراتهم المالية الهائلة، وشاركت فيها الشركات العملاقة متعددة الجنسية، وإن بدا مركز القرار في الولايات المتحدة.

إن المجتمع الأمريكي قائم على الانتقاء والاختيار ولا يستند على تاريخ وذاكرة حضارية، فالولايات المتحدة مكونة من مهاجرين اختاروا قصدياً أن تكون أمريكا مكاناً للعيش. هذا الوضع الفريد يعبر عن خصوصية أمريكا الذي لا يشعر المواطن فيها بأي تناقض بين الوطنية والقومية ونظام العولمة. بينما العولمة شكلت صدمة حضارية للمجتمعات البشرية التي لها تاريخ وذاكرة يشكلان عناصر مهمة في تكوينها الاجتماعي وهويتها الثقافية. فيما الشعوب الأخرى تشعر أن العولمة تسلبها هويتها، يشعر الأمريكيون أن هويتهم الحضارية تكمن في العولمة وليس في الهوية القومية، باعتبارهم كيانات سياسية مجزأة.

إن مقتل العولمة يكمن تماماً في نقطة قوتها، التي ترتكز على مبدأ إلغاء الحدود وحرية التجارة، وفي سعيها إلى إلغاء الهويات الثقافية للشعوب التي تمتلك تاريخياً ثقافيا حضارياً. فلن تقبل هذه الأمم المفهوم الجديد للهوية التي تحاول العولمة فرضه وتعميمه قسراً.

هذه العولمة بدت للكثيرين كارثة لا تبقي ولا تذر، حتى بالنسبة للغرب الذي رأى فيها هيمنة من جانب واحد، تجد من يتبناها. إن المدافعون عن نظام العولمة غالباً ما يخلطون بين التطورات العلمية في مجال تقنيات الاتصال والتواصل والثورة المعلوماتية وتطور وسائل الإعلام، وبين العولمة بأبعادها وأهدافها.

عندما حاولت دول الجنوب طرح مشروع النظام الإعلامي الجديد في منظمة اليونسكو، بهدف كسر احتكار دول الشمال لوسائل الإعلام، رفض الغرب المشروع، وانسحبت أمريكا من المنظمة ورفضت دفع حصتها المالية السنوية.

فشلت العولمة في ردم الفجوة الاقتصادية والثقافية بين دول الشمال والجنوب، والنتيجة استمرار الهيمنة الغربية وتعرض الهوية القومية للشعوب الأخرى لخطر التذويب.

في الوقت الذي تمتلك فيه الدول الغربية آليات انتشار العولمة فإنها تستثمرها لتحقيق أقصى الأرباح، فيما الدول النامية التي لا تنتمي لعصر التكنولوجيا فإنها تعيش داخل قلاع من الفقر والأمية والجوع والمرض والعنف والتخلف.

هذا الواقع الراهن باعتباره امتداداً لماضي الرأسمالية البغيضة، يدلل على مقدار الشقاء الذي تعيش وسطه البشرية في ظل العولمة الدكتاتورية والهيمنة الأمريكية. عولمة تتيح للشركات العملاقة عابرة القارات وللقوى المهيمنة على هذا العالم، أن تدوس على جماجم الفقراء، وتعبرهم عبئاً سكانياً ثقيلاً. إن الخلل القائم حالياً في التوازن الاقتصادي والاجتماعي والحياتي بين دول الشمال ودول الجنوب والشرق، وبحسب التقارير السنوية الصادرة عن هيئات الأمم المتحدة، ومنظمات غير حكومية، يشير تماماً وبوضوح إلى حجم البؤس الإنساني.

 

ماذا عن العرب

في واقع راهن بائس، وصورة شقية عن المستقبل، وبضوء استمرار السطوة الأمريكية عبر العولمة وسواها، والتي تعني ببساطة أمركة وبسط الحلم الأمريكي على العالم، يظهر أن كافة المبررات الأخلاقية التي تسوقها أمريكا والغرب عن حقوق الإنسان والحريات العامة ومبادئ العدالة، ما هي سوى أطماع بثروات الدول الناهضة تختفي بثوب أخلاقي.

ضمن هذا المشهد ماذا بمقدور العرب أن يفعلوا؟ هل يملك العرب أن يرفضوا نظاماً جديداً للعالم يهيمن فيه قطب واحد تدور في فلكه الدول الغربية، ويحققون مصالحهم على حساب الأمم الأخرى؟ وهل تستطيع الدول العربية التملص من سطوة الشركات الضخمة متعددة الجنسيات التي تسعى نحو مراكمة أرباحها من جيوب فقراء الدول النامية؟ وماذا يفعل العرب في نظام يقبل القوي والثري ويقتل الفقير والضعيف؟ وماهي خطط العرب تجاه نظام يستخدم ببراعة فائقة وسائل الاتصال والإعلام والتقنيات الحديثة والبيانات، لشطب الهوية الثقافية والقومية للشعوب، وفرض ثقافة واحدة عليهم؟

من حق العرب الاستفادة من الإنتاج العلمي والحضاري لبقية الأمم والشعوب، كما سبق وأن استفادت أمم أخرى من إنجاز الحضارة العربية سابقاً، وهذا أمر لا جدال فيه. فجميع التقنيات الحديثة هي إنتاج الجهد الإنساني ومن حق البشرية أن تنتفع بها، بما يضمن رفاه واستقرار وأمن المجتمعات.

أن ترتبط بعلاقة مع آليات وأدوات نظام العولمة وتتعامل معها شيء، وأن تقبل مضامين العولمة كأنها قدراً عليك التسليم به شيء آخر تماماً -بظني-. لأن الأول إنتاج فكري وعلمي يسهم في تطور البشرية. أما الثاني هو يقوم على الإلغاء والإقصاء والهيمنة. إنه بمثابة غزو واعتداء امبريالي بوجه معاصر.

ومما لا شك فيه أن الأمة العربية مستهدفة في هويتها واقتصادها وأمنها وتاريخها من قبل النظام الحديث، شأنها في ذلك بقية الأمم النامية. حيث تشير التجربة الاستعمارية التاريخية إلى النتائج الكارثية التي يخلفها إخضاع دول فقيرة من قبل دول عظمى.

هذا النموذج البائس الذي يحاول الغرب فرضه علينا فشل في معالجة مشكلة البطالة وانتشار المخدرات والتلوث البيئي وغيرها في معقل العولمة. نموذج يفرض شمولية كونية وقبعة موحدة، ويحاول توحيد المظهر العالمي، إلا أنه نموذج بائس حضارياً لأنه يعتمد هيمنة القوي على الضعيف، ويلغي الحوار والتواصل الإنساني. ويقدم عالماً ينقسم إلى قسمين، ثري جداً وفقير جداً. يلغي خصوصية الدول والأمم الوطنية والقومية، وتعطيل هوياتها الثقافية، ويحاول أن تسود اللغة الإنجليزية وتتهمش اللغات القومية.

 

القومية والإنسانية

المفكر البريطاني الأمريكي الذي توفي في العام 2018 عن 102 عاماً "برنارد لويس" وارتبط اسمه بالمصائب التي حلت بعالمنا العربي من الاحتلال الأمريكي للعراق مروراً بالحراك الشعبي العربي الذي ابتدأ ياسميناً وجنح حنظلاً، قال عن الشعوب العربية في كتابه "الإيمان والسلطة" الذي صدر في العام 2012 "إما أن نأتي لهم بالحرية، أو نتركهم يدمروننا" وإليه نسبت الخرائط التي كشفت عنها قبل بضعة أعوام وسائل إعلام غربية تظهر فيها دول كبرى في الشرق الأوسط بما في ذلك دولاً عربية، وقد أصبحت ثلاثين جزءًا.

انحاز لويس لإسرائيل والغرب بحكم تنشئته اليهودية، ودعا دوماً للتدخل الغربي لفرض الحرية والديمقراطية على الشعوب العربية والإسلامية. وكانت أفكاره سنداً نظرياً لتيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة. وتعتبر نظرية الفوضى الخلاقة لكوندوليزا رايس وزيرة الخارجية السابقة أحد تجليات هذا الفكر.

 لويس هذا أول من اشتق مصطلح "الأصولية الإسلامية" وأول من ذكر فكرة "صراع الحضارات" عام 1957 قبل "صامويل هنتنغتون". كما روّج هذا المفكر لانتهاء عصر القوميات، فوضع اللبنة الأساسية في المخطط الغربي لغزو المنطقة العربية وسرقة خيراتها ونهب ثرواتها، ثم تقسيمها إلى دويلات طائفية، باسم الديمقراطية تارة، ومحاربة الإرهاب تارة أخرى.

لكنني أعتقد أن القوميات باقية، وسوف تظل ذات شخصية حية ومكونات واضحة لا تزول. إن الافراد ينتمون لقومياتهم طواعية ومستعدون للتضحية من أجلها. ولا يصح وضع القومية في مواجهة الإنسانية التي وجدت قبل وجود القومية، فالإنسانية تخلص القومية من تعصبها وانعزالها. من المهم لأنصار القومية عدم رفض النظام الجديد بالمطلق، وأظن أن على عاتقهم تهيئة المناخات الفكرية لإطلاق حوارات نظرية وإجراء مقاربات فكرية مع دعاة العولمة في الغرب. إن رفض بعض التيارات السياسية والفكرية للتعامل مع آليات وأدوات النظام الجديد بشكل تام، خاصة من قبل القوى الدينية المتشددة التي تدعي دفاعها عن الخصوصية العربية، لا يمكن إلا أن يؤدي إلى مزيد من تدهور الوضع العربي، بينما خصوصية الثقافة العربية تعتمد التراث والحداثة، وترفض الانكفاء والتقوقع، كما ترفض الانصهار في بوتقة الحداثة والعولمة.

نحتاج عربياً إلى ثقافة متنورة لا ترفض الحوار والتواصل مع الآخر، ولا تنعزل عن المشهد الفكري ومواجهة الآراء والمواقف المختلفة بحجة التمسك بالهوية. لا يجب نكران أهمية التواصل الحضاري والتفاعل الثقافي مع الغرب. والخشية من استلاب هويتنا لضعف شخصيتنا القومية، لا ينبغي أن يقودنا إلى رفض وإنكار الآخر، بل على العكس يجب أن يحرض مقدراتنا ويجعلنا ندفع لتشكيل تيار يسعى لإعادة رسم استراتيجيات عربية وفق معايير العصر الحديث، لتكون قادرة على مواجهة تغول رأس المال المالي الغربي، وحتى نتمكن من توظيف التقنيات الحديثة في خدمة الإنسان العربي وتطور مجتمعه، وليس العكس.

تقتات بضعف الآخر

الإمبراطورية العظيمة في العصر الحديث، كيف امتلكت كل هذه القوة؟ بالطبع على حساب قوت الشعوب النامية وسرقة ثروتها. تتمحور العقيدة الأمريكية في أحد جوانبها حول أن تكون أمريكا مملكة كونية، مثل كائن حي ينمو باستمرار ولا يموت. يتغذى اقتصادها على اقتصاديات دول العالم النامي وثرواته، ويقوم بالقضاء على أي اقتصاد يعرض المصالح الأمريكية للخطر. مملكة تعتمد الأساليب المخابراتية الأمنية لإرغام الآخرين على فعل ما تريد، تؤمن بالعنف وتغتال الديمقراطية وإرادة الشعوب، تغتال رموز النهضة والتنمية في أي بلد ناهض. تثير النزعات العرقية والدينية والمذهبية والطائفية، تقوم بتدمير الدول التي تحاول بناء اقتصاد قوي بعيد عنها، وتجند وسائل الإعلام لتجميل افعالها الشنيعة وتبريرها. ترعى الانقلابات العسكرية وتؤسس جيوش المرتزقة لإسقاط حكومات.

لعل نظرة سريعة على الدراسات العديدة التي تجريها دورياً مراكز أبحاث غربية حول الحريات وحقوق الإنسان والاستبداد، تؤكد دون أي ريب أننا نعيش في عالم قميء ومرعب، لم تستطيع كافة القفزات العلمية والاكتشافات المهمة والتكنولوجيا الحديثة أن تجمل وجهه الدميم. بل يبدو أن العالم متجه نحو الانقسام إلى طرفين، أحدهما ثري، قوي، معافى، ديمقراطي، ينعم بالعلم والمعرفة. والآخر فقير، معدوم، ضعيف، مريض، مستبد، يغرق بالجهل.

لقد أجرت مؤسسة "بيرتيلسمان" الألمانية دراسة شارك إعدادها 250 خبيراً من جامعات ومراكز بحثية في جميع أنحا العالم. تمت دراسة حالة الديمقراطية والوضع الاقتصادي وأداء مؤسسات الدولة وأجهزتها في 129 دولة نامية في العالم بين الفترة الممتدة من بداية العام 2015 لغاية نهاية العام 2017. أهم ما فيها أن هناك 69 دولة غير ديمقراطية في العالم، ووجود 50 دولة تقيد الحريات السياسية، منهم 49 دولة استبدادية. وكشفت تقرير مجلة "الإيكونوميست" عن مؤشرها السنوي للديمقراطية والاستبداد لعام 2018، ويأتي ترتيب الدول العربية في تصنيف الدول أكثر استبداد رغم ما تردده الأنظمة بأنها تطبق الديمقراطية وأنها دول ترعي حقوق الإنسان وتتبع النظام المؤسسي حيث جاء ترتيب الدول العربية متذيل القائمة العالمية.

وفيما يتعلق بمؤشرات الاستعباد العالمي فإن التقرير المنشور في موقعهم على الانترنت لعام 2017 فإن من بين أكثر 10 دول استعباداً للبشر، توجد 4 دول عربية. وفي تقرير عن مؤشر الديمقراطية في العالم أنجزته مؤسسة "فريدوم هاوس" الأمريكية، فإن من بين أكثر 10 دول قمعاً للحريات في العالم يوجد 5 دول عربية.

خلال الثلاثين عاماً الأخيرة، تغير وجه العالم كما لم يتغير في ثلاثة قرون. في هذا العالم المتغير المتحول المتغول، متى تفهم رؤوس الأنظمة العربية القائمة أن عليها أن تبدل من أدواتها قبل أن تبتلعهم الموجة الرابعة من الرأسمالية.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

علاء اللاميتصلح مقالة الباحث الأميركي في معهد واشنطن مايكل نايتس المعنونة "الانخراط الدولي في العراق مرتبط بالوجود العسكري في البلاد" لتكون مقطعا عرضيا نموذجيا لتشريح فن النفاق والإرهاب الفكري الذي يمارسه الباحثون المشتغلون في معاهد وجامعات الغرب وأميركا ضد شعوب العالم! هذا الباحث المُعَرَّفُ عنه (بالزميل الأقدم في معهد واشنطن والباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية للعراق وإيران ودول الخليج) حاول جاهدا ان يجعل إخراج القوات الأميركية والأجنبية مقاربا في نتائجه لحدوث سلسلة زلازل رهيبة، حتى أن بعض المواقع العراقية المشبوهة كموقع " شفق نيوز " نشرت فقرات من المقالة بعنوان (خسائر "فادحة" تنتظر العراق بإخراج القوات الامريكية). 

وبعد ان تنتهي من قراءة مقالة نايتس لا تجد أية خسائر محتملة ملموسة ومباشرة أو حتى غير مباشرة سوى عبارة فضفاضة يلوكها الكاتب باستمرار وهي أن العراق سيخسر الدعم الدولي غير المسبوق التي حشدته له واشنطن خلال حربه ضد داعش.

ولكشف تفاهات وتناقضات هذا "المقطع العرضي" من التفكير العدواني لأغلب الباحثين المشتغلين في مؤسسات ومعاهد الولايات المتحدة سأحاول هنا أن أقتبس بعض الفقرات التي كتبها نايتس وأعلق عليها:

* الفقرة 1: (من المحتمل جدّاً أن يناقش مجلس النواب العراقي قريباً مشروع قانون يتعلق بتنظيم القوات العسكرية الأجنبية في العراق. وهذا شأنٌ عراقي، يندرج تماماً ضمن الحقوق السيادية للبلاد... والأمر الذي هو ذو أهمية قصوى أن العراق يفهم بوضوح ما هي الآثار التي يمكن أن تترتب عن أقواله وأفعاله على التحالف، وما هي المنافع غير العسكرية التي قد يخسرها العراق، إلى جانب انهيار شراكاته العسكرية).

* التعليق1: واضح جدا أن نايتس يستعمل تكتيك العصا والجزرة ببلادة، فهو يعتبر مناقشة موضوع القوات الأجنبية من قبل البرلمان العراقي شأن سيادي عراقي، ويدعو الى احترامه، ولكنه - أيضا وفي الوقت نفسه- يدعو إلى إفهام العراق (وكأن العراق أصيب فجأة بحالة "عصلجة دماغية" فما عاد يريد أن يفهم شيئا)، إفهام العراق ما سوف يترتب على قراره السيادي. وهذا إرهاب محض وتهديد سخيف بل هو يتجاوز التهديد إلى إهانة العراق كشعب وكدولة - منقوصة السيادة أصلاً- حين يقول مثلا (لم يتمتع العراق أبداً على مر التاريخ بمستويات الانتباه والدعم الدولييْن اللذين يحظى بهما منذ اجتياح تنظيم «الدولة الإسلامية» لبعض أراضي البلاد في حزيران/يونيو 2014) ثم يخلص مستنتجا بعنصرية فجة فيقول (من كان يهمّه العراق، قبل عام 2014 وبعده؟)

* الفقرة 2 (أمّن العراق ترتيباً احتياطيّاً قيمته 5.38 مليار دولار من "صندوق النقد الدولي" وتم التعهد بمبلغ 30 مليار دولار في "مؤتمر إعادة إعمار العراق" الذي نظّمه أعضاء التحالف في الكويت في شباط/فبراير 2018).

* التعليق 2: يلمح نايتس أن هذه المبالغ ستكون من ضمن خسائر العراق إذا قرر إخراج القوات الأجنبية من أراضيه. والكذبة هنا شنيعة وبائسة، فمبلغ الخمسة مليارات دولار سجلت كديون لصندوق النقد الدولي، والعراق ملزم بتسديدها سواء بقيت القوات الأميركية أو انسحبت. أما مبلغ 30 مليار دولار من مؤتمر الكويت فهو مجرد أرقام افتراضية وتعهدات لم يستلم العراق منها أكثر من 5% من مجمل المبلغ كما قال خبراء عراقيون وأجانب!

 * الفقرة 3 (بالنسبة إلى قادة الغرب، تشكّل زيارة العراق (مثل الزيارة الأخيرة لملك إسبانيا) استثماراً كبيراً للوقت والجهد والنفقات والتخطيط الأمني. لذلك، تدل هذه الزيارات على الالتزام بمستقبل العراق. ويُظهر الرسم البياني أدناه الاتجاه الرئيسي، وهو الارتباط القوي بين الاهتمام الدولي بالعراق وعلاقته بتواجد "قوة المهام المشتركة")

* التعليق 3: خسارة العراق بتوقف زيارات قادة أوروبا ومنهم ملك دستوري لا يحل ولا يربط، لن تؤثر على العراق أكثر من تأثير زخات أمطار موسمية في منخفض جوي قد يدوم ليومين! ولكن المهم في الأمر بالنسبة للسيد نايتس هو استمرار وجود "قوة المهام الخاصة" التي جاءت للعراقيين بالنصر على داعش كما يريد أن يفهمنا. فماذا بخصوص هذه القوة ؟

* الفقرة 4 ("قوة المهام المشتركة - عملية العزم الصلب" هي الشريك العسكري الأساسي للعراق في الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، وهي قوة مهام عسكرية بقيادة الولايات المتحدة تشمل ستة عشر بلداً ...فلم يأبه تقريباً أيٌّ من الشركاء الحاليين في "قوة المهام المشتركة" بالعراق على الإطلاق في الفترة بين 2003 و2011، عندما واجهت البلاد محنةً رهيبةً مماثلة. وما أدّى إلى هذا التزايد الهائل في الالتزام العالمي هو الانتشار الفعلي على أرض العراق للقوات العسكرية التابعة لمجموعةٍ من الدول الأوروبية ودول "الناتو" بموجب "قوة المهام المشتركة - عملية العزم الصلب".)

* التعليق 4: ماذا يريد نايتس أن يقول هنا؟ هل يريد القول، إن من واجب العراق أن يبقى على هذه القوات ولا يطالب بسحبها بعد أن تحقق الهدف من وجودها لئلا يخسر جزءا من قوته الدفاعية؟ وإذا كان نايتس يعترف بأن اهتمام الدول الغربية في هذا التحالف كان بسبب وجود قواتها على الأرض العراقية وليس لأية أهداف إنسانية - معاذ الله والديموقراطية الغربية - فلماذا لا يريد نايتس ومن معه ان تُحَلُ المشكلة فتسحب هذه الدول قواتها فترتاح وتريح؟

* الفقرة 5 (العراق بحاجة إلى الدعم المستمر من "قوة المهام المشتركة". أصبح الجيش العراقي الآن أفضل بكثير مما كان عليه عند سقوط الموصل في حزيران/يونيو 2014، بوجود كادر قيادي غير مسيّس. ومع ذلك، تبقى القوات العسكرية العراقية و«قوات الحشد الشعبي» غير مهيأة بشكلٍ مؤسف وتفتقر إلى الموارد البشرية والتدريبات والمعدات المناسبة للتخلص من التمرد الجديد لـ تنظيم «الدولة الإسلامية» في نينوى وكركوك وديالى)

* التعليق 5: عن أي تمرد جديد يتحدث نايتس؟ أيقصد العمليات المتفرقة التي تنسب الى فلول داعش وخلاياها النائمة والتي ليس من المستبعد أن مَن يقومون بها يتلقون الأوامر من القيادة العسكرية والاستخباراتية الأميركية؟ أم عن تمرد داعشي جديد يعرف هو والراسخون معه في العلم تفاصيله؟ في جميع الأحوال، فإنَّ  كلام نايتس  المتناقض هنا يكشف كل شيء: فهو من جهة يسجل (أصبح الجيش العراقي الآن أفضل بكثير مما كان عليه عند سقوط الموصل، بوجود كادر قيادي غير مسيّس)، ولكنه يستدرك ناسفا هذا التقييم بقوله (ومع ذلك، تبقى القوات العسكرية العراقية و«قوات الحشد الشعبي» غير مهيأة بشكلٍ مؤسف وتفتقر إلى الموارد البشرية والتدريبات والمعدات المناسبة)!

فهل يعاني العراق من مشكلة في الموارد البشرية؟ قطعا لا، فالمجتمع العراقي مجيَّش ومسلح –عشائريا ومليشياويا -  بشكل شديد الخطورة ويفوق التصور. أم أنَّ هناك نقصا في التدريبات والمعدات وهذه يمكن معالجتها كما تعالجها جميع الدول من روسيا الى جزر القمر بشراء المعدات واستقدام مدربين من دول كثيرة أخرى غير تلك الدول ذات الماضي العبودي والاستعماري والحاضر المضمخ بدماء الشعوب!

هل هذا الشخص باحث وخبير فعلا أم هو نصاب وخبير في فن الإرهاب والتلفيق الفكري؟

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

..................................

رابط النص الكامل لمقالة مايكل نايتس :

https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/international-engagement-in-iraq-is-tied-to-military-presence

 

رائد عبيسكثيرا ما نسمع منذ زمن طويل عن ساسة العراق ورؤساء احزابه، لغة تهديد بكشف المستور، كاختراق الدستور، والتلاعب بمقدرات البلد وهدر خيراته، والاستيلاء عليها، وتأسيس الدولة العميقة، دولة الفساد وتقاسم الكعكعة، والاتفاق على النفاق، وتغيير بوصلة السلطة من سلطة الشعب إلى التسلط عليه، ومن مشروع تأسيس الديمقراطية وتحقق المدنية الى تأسيس المليشيات وعسكرة المجتمع، عبر فيالق من الاتباع والمليشيات بوصاية دينية مرة وعشائرية مرة أخرى وسياسية ثالثة، لا حزب مستقل عن هذه الأمور؛ لان التنافس السلطوي، وصل إلى شطر العائلة، والعشيرة،والمجتمع على نفسه إلى جزيئات مختلفة ومتنوعة ومتلونة، وهذا ظهر في تجربة الانتخابات الأخيرة، ولعبة الاحتواء بلا حياء من قِبلَهم تجاه قضيتهم الانتخابية والتي خُتمت بمحرقة الصناديق وتبديد فكرة التصديق التي كسبها المجتمع وهو ينخدع بهم من جديد، تحت مسميات جديدة ومظهر جديد.

وإذا سألنا، هل المواطن يبحث عن فحوى التغيير والبحث عن المصير عبر هذه القشور التي لُمعت قبل التصويت لهم؟

الفطرية السياسية (السذاجة) مع النفعية، مع الأمل بها، ولد عند المواطن العراقي رغبة بالتحولات الانتمائية من تحقيق ما يصبو إليه بكل لا مبدئية واضحة. وحتى لا نبتعد عن موضوع القضية، نرجع الى مسألة " فتنة الاسرار" التي يدعي كل سياسي مدعي أن لديه اسرار على طرف ما، وان أظهرها سوف تكون فتنة كبيرة وربما ينقسم الشارع العراقي بسببها،لأن مريدي كل سياسي سيتحركون ايضا لكشف مفاسد واسرار الطرف المدعي، وهكذا سوف يكون التوتر له طابع إعلامي وسياسي ينعكس على مزاج المجتمع .

نعم المجتمع وأن أنقسم في تأييد بعضكم على بعض، وبدأت الاصطفافات التأييدية أكبر من حجم البلد بكم،بات من المؤكد أن " فتنة الاسرار" تلعب دور كبير في تغير الأقدار؛ لان المجتمع بات مدجج بالسلاح فضلا عن الطاعة العمياء والحب والولاء والارتزاق الذي زاد الأمر نفاق،وجعل الأمر يدعوا الى الكتمان والمجتمع بقي بالحرمان ؛ لان الكل ساكت عن الكل، والكل يعلم بأسرار الكل، دون جراءة على كشف المستور؛ لأنه يؤدي إلى القبور!.

ومنذ عهد المالكي كان يلوح بكشف ملفات تطيح حتى برجال دين وعوائل دينية متورطة في القضية، ومع ذلك تستر الرجل عن ذلك، بدون معرفة الأسباب هل هو ابتزاز؟ ام أنه تهديد؟ ام أنه تلويح ؟ام أنه تخويف؟!

لا نعلم ذلك، وكل هذا على حساب الوطن، والدستور، والقانون، والأمانة، والمسؤولية، هل هو فعلا خوف من الفتنة ام خوف على المنصب ؟! بعد سقوط الموصل اتضح أنه خوفاً على المنصب وطموحة في الحصول على الولاية الثالثة بل وحتى الحفاظ على الولاية الثانية ؛ لأنه كان في القوت نفسه يلوح بملفات فساد واسرار صفقات ضد شخصيات سنية وكردية، ولكن سكت ايضا للسبب ذاته ! وليس المالكي وحده، بل كل من اقترب من الدائرة السياسية وصولا إلى مركزها أو بلغ منتصفها، امتلك أدلة على كل عناصر الطبقة السياسية، بملفات فساد واسرار الصفقات، والسكوت عن هدر خيرات البلد، والعمولات وغيرها، وما كشفه مشعان الجبوري في تصريحاته ما هي إلا اعتياد أمر قبله الجميع وسكت عنه، بل واتفقوا على مبدأ يحميهم جميعا هو " تجنب فتنة الاسرار" فما نطق به الجبوري مشعان إدانة لكل منهم ولكن سرعان ما أحتويت القضية؛ لأنها في الأصل ليس قضية بل نوع من الابتزاز، (ان لم تعطني من غنائمك سأفضحك)،دعوات للمشاركة في الخيرات!، ومع كل الوثائق المتاحة والموجودة، وبالدلائل الدامغة، لم يتحرك ساكن حول أي قضية، بل لم يدينون الرجل وهو المدين لنفسه !

فما بالك بالساكت تحت ذريعة الخوف، والخجل، والقتل، والخطف، فما بالك بالساكت بحجة أن الله يحب الساترين! فما بالك بالساكت بحجة الحفاظ على وحدة المجتمع ! فما بالك بالساكت بحجة عدم الطعن برموز العراق سواء من كان منهم بخلفية دينية، أو جهادية، أو سبق بالتجربة السياسية، كل هذه المعايير تكفي للحفاظ على عدم وقوع   " فتنة الاسرار " بين الكبار، بالأمس القريب مثلا : كان العبادي يلوح أيضا بنفس ما لوح به المالكي وأنه سوف يكشف بالأيام القادمة ما مسكوت عنه، من حقوق مهدورة للمواطن العراق، وكيف يُلعَب بمقدرات بلده وكيف تضيع، وأنه أعلن أنه سيكون مسؤول امام الله والشعب والوطن، بكشف ما يضر بمصلحته ومصلحة شعبه!

ولكنه سكت ايضا وودع المنصب بسكوته، والمالكي والعبادي كانا كلاهما بموضع قوة ولم يتحدثوا بذلك !!!

اذا كيف يتحدث وهو في موضع ضعف !! وقد كان قد لوح بذلك ايضا البارزاني بكشف حقيقة ما اسماه قيادات بغداد وفسادها وتواطؤها مع من سرق البلد، وايضا لم يفعل ! وهناك من النواب ايضا هددوا بكشف ما عرفوه من سرقات، وصفقات فساد، وخيانة للمسؤولية، وعمولات وغيرها وايضا كثيرا منهم لم يفعلوا ! وان فعل البعض واخلى ذمته، قد سوفوها غيره واضاعوا بذلك كل فرص الامساك بقضية المال العام ومنفعته.

وقالوا أيضا رؤساء هيئة النزاهة جميعهم ومن تولاها ولوحوا بذلك ايضا ولكنهم انصدموا كما هو واضح بصد منيع من حصون الفساد كحصون قاصات سرقاتهم، ولم يفعلوا شيء وبقيت الجهود حبرا على ورق!!

الفساد دولة لها رجالها، نظامها جمهوري وحكمها دكتاتوري صارم، الكل ملتزمة به ومطيع له،لان هناك فضيلة للمطيع ومصلحة متحققة من تلك الطاعة! نعم إن قوة هذه الدولة بكونها دولة ظل لدولة ديمقراطية، باتت تهدد ضعف تجربة دولة الديمقراطية،بل مسختها واضاعتها كفرصة بناء دولة وطن ومواطن،وهذا ما تعمق اعتقاده عند الشعب العراقي، وفقدوا به أمل العودة إلى الأسس الحقيقية لبناء البلد بغطاء واحد، فالدولة العراقية فقدت هويتها وغطاءها الواضح، فلا يمكن أن نسميها مدنية والعمق العشائري يلعب دور بالقرار السياسي، ولا يمكن أن نسميها ديمقراطية والدكتاتورية الفاسدة متحكمة،ولا يمكن أن نسميها اسلامية وهم يحكمون اي الإسلاميون أنفسهم بمنطق المنفعة والغاية تبرر الوسيلة، ولا يمكن أن نسميها دولة علمانية وهي رهينة لقوى دينية،ولا يمكن أن نسميها دولة اشتراكية وهي تؤمن بمنطق التجارة الحرة والاقتصاد الرأسمالي، ولا يمكن أن نسميها دولة بحكم عرفي وفيها قانون مدني مكتوب بلغة التحضر،لا تنسجم الوان كل هذا الواقع مع البحث عن اللون الحقيقي للدولة، بلد بلا طعم ولا لون ولا رائحة،هكذا هي الأحاسيس، من يتذوقك يا بلدي غير سارقيك ؟! من يكتشف بك حلاوة العيش الا ناهبيك؟! من يكتشف الامان بك غير قاتليك؟! من يكشف لك الحقيقة واسرار سارقيك فتنة تقتلك و ابناءك ؟ لكل هذه الأسباب والعلل تبقى الاسرار فتنة والكتمان يعني الحرمان في هذا الزمان، بل بقت سياسة عدم الشفافية حاضرة منذ دعواتها على يد قاتلها ابراهيم الجعفري، لا شفافية بعدم المكاشفة ولا راحة بلا صراحة ولا استقرار بلا قرار، اذ أن قرار غياب العدالة، وضياع الحقوق، والتستر على الفساد وأهله، والسكوت عن السارق وحزبه، وتقسيم موارد العراق على أطراف حكمه، جعل من سياسة التسقيط سياسة يتبعها من يريد أن يكشف حقيقة الأمر، بالأمس تعالت الاتهامات بين احمد ملة طلال وتيار الحكمة وتهديد بعضهم بكشف ما لديهم من وثائق ضد البعض،فضلا عن ألاعيب الابتزاز والتناغم المنفعي بيهم.

الى متى يبقى العراق بلا رفاق حق، مازال البلد يعيش غربته بين أهله، ومازال أهله يعيش غربته، هذا بفعل من أراد وخطط، ونفذ أساليب مسخ الروح الوطنية من أجساد العراقيين، والإبقاء عليهم صرعى في ساحة الصراع والتنافس بين الأحزاب، فمنهم شهيد استجاب لزيف تجنيدهم له، ومنهم من قتل لأنه منتمي لهم،ومنهم قتل لأنه ينتقدهم، ومنهم من افتقر بسبب عدم أنصافه ومغالبته على حقوقه وخيراته .

إذ ان انعدام مكاشفة الشعب، وممارسة الكذب السياسي، والخداع المستمر بالحقانية ومدعياتها، ومحاولة السيطرة على العراق من خلال امساك كل حزب بمحافظة، اذا ما تم تقاسم خيراتها بين أحزابها، هي التي ساعدت على تنامي طفيليات الفساد، هكذا تنامت أحزاب وشخصيات على حساب المرضى، والفقراء، والمساكين، والمجتمع التي تنامت مشاكله بسبب فسادهم وضياعهم للبلد.

الصمت والسكوت أصبح سياسة واقع حال،اذ لا احوال بدون القبول بذلك،وهذا ما تم التسليم به مجتمعياً والانخراط به، فالناقد للمجتمع يجد في كثير من الأحيان الشعب هو من يسهم في تعميق ذلك في كيان الدولة والمجتمع على السواء،وعند التفحص بذلا الأمر نجد أن هذا الشعب هو جمهور الأحزاب المتفقة على الخراب! ما الحل إذا ونحن نعاني المحن ؟ بفعل سلوك من لا سلوك وطني له .

لماذا كل من يملك سرا يتجه هاربا إلى دولة أخرى، ويبقى يلوح بها عبر وسائل الإعلام ؟ ومنهم من يتكلم به بصراحة، ومنهم يلوح بذلك . الى متى اكتشاف اسرار السرقات يعتبر جريمة ؟ شرعت الدولة قوانين تحاول أن تضبط الحالة، فمرة شرعت المساءلة والعدالة، ومرة أخرى هيئة النزاهة، ومرة أخرى قانون الكسب أو محاولة تشريع قانون من اين لك هذا ؟ أو مؤخرا محاولة عادل عبد المهدي بتأسيس المجلس الأعلى لمكافحة الفساد،كل هذه المحاولات، هي تجارب لاختراق اسرار المنظومة الفاسدة، ولكن لا جدوى من ذلك ! ولا حلول يمكن أن ننتهي إليها بهذه الطريقة من السكوت، والتكتم على أسرار الفاسدين، وان كانت مخاوف الفتنة هي الحاضرة على الدوام من تمزق المجتمع، فهذا هو المجتمع يتمزق بسبب السكوت أيضا، أي حل يا قادة بلا قيادة! واي حل يرتجى من الساكت على الفساد والشاهد على عصره و أسراره؟! واي امل من كل هذا السكوت؟! انه خذلان للوطن وأهله

يامن لا وطن لهم سوى موطن فسادهم!!

 

دكتور رائد عبيس

 

بكر السباتينلا يختلف اثنان على أن ما يجري في مصر من إعدامات يعد وصمة عار في جبين القضاء المصري وفق ما ذهبت إليه الآراء عالمياً في كافة الصعد والمستويات.. إنها عمليات تصفية حسابات واغتيالات في قلب المحكمة وعلى رؤوس الأشهاد ساهم في صنعها المستشار حسن فريد.. وهو من أشد المؤيدين لنظام الحكم في مصر، الذي تم تعيينه رئيسا لإحدى دوائر الإرهاب السبعة التي تشكلت عقب انقلاب يوليو 2013 بحجة تحقيق العدالة الناجزة. إذْ يعتبر من أبرز "القضاة الجزارين" كما يصفه نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي، ممن اعتمد عليهم نظام السيسي في مصر خلال الفترة الماضية للنظر في قضايا العنف والإرهاب المتهم فيها معارضو النظام من السياسيين وقيادات جماعة الإخوان.

حسن فريد هو رئيس الدائرة رقم 28 بمحكمة جنايات القاهرة، الذي أصدر السبت الماضي أحكاما قاسية وغير مسبوقة في القضاء المصري بالإعدام والسجن المؤبد والمشدد على المعتقلين في قضية مذبحة فض اعتصام رابعة العدوية والذين يصل عددهم إلى 739 متهما.

وليس مستبعداً ما ذكره أسامه فوزي من تفاصيل في قناته على يوتيوب (ح 1242) بأن هذا القاضي كان قد طرد مسبقاً من الإمارات على خلفية جنحة فساد لتحرشه بإحدى المواطنات ولم يتخلص من تبعاتها إلا بتدخل بعض أبناء الجالية المصرية حينذاك مستشهداً بأسماء بعضهم.

لذلك من الطبيعي أن يحكم هذا القاضي على درة شباب مصر من خريجي الجامعات المتميزين في مجال الهندسة بالإعدام شنقاً، كأنه قطاف الخيبة والحنظل، حصاد الخوف بالترهيب من قبل قيادة ترتعد خوفاً من المجهول الذي يخبئ في أشداقه عواقب ما تفعل بالشعب غير الآمن في زمن الرياء الذي تتحول فيه المحاكم إلى حلبات ملاكمة.. فيُعْدَمُ هؤلاء الأبرياء دون أدلة، فقط لغلق ملف أُثْقِلَتْ حشوتُه بالأكاذيب والتلفيقات للأبرياء، الذين أرغموا على الاعتراف تحت التعذيب بالكهرباء وفق ما صرح به المتهم محمود الأحمدي، مضيفاً وهو يخاطب القاضي بهدوء بأن ما تعرض له من كهرباء تكفي لإضاءة هذه الصالة لعدة أيام.

وأخيراً تم تنفيذ حكم الإعدام شنقا وفق ما أفادت به مصادر قانونية، في تسعة متهمين مدانين باغتيال النائب العام المستشار هشام بركات، في يونيو 2015 أثناء خروجه من منزله في منطقة مصر الجديدة بمحافظة القاهرة، وذلك بعد انتهاء جميع درجات "التقاضي".

ويأتي تنفيذ هذه الإعدامات عقب غضب مصري وعربي وغربي ومطالبات حثيثة بوقفه، وتأكيدات تفيد بأن محاكمة هؤلاء المعارضين المصريين والحكم الصادر عليهم تمّا في ظروف جائرة.

والمتهمون هم: "أحمد طه، أبو القاسم أحمد، أحمد جمال حجازي، محمود الأحمدي، أبوبكر السيد، عبد الرحمن سليمان، أحمد محمد، أحمد محروس سيد، إسلام محمد".

ورداً على هذه الأحكام التي وصفت بالجائرة، دعت "جماعة الإخوان المسلمين" إلى "انتفاضة شاملة" في مصر.

من جهة أخرى تصاعدت احتجاجات منظمات دولية وحقوقية معنية بحقوق الإنسان ضد هذه الإعدامات حيث وصفت في بيانات مستقلة لها، عقوبة الإعدام التي نفذتها السلطات المصرية، الأربعاء الماضي 20 فبراير 2019 بحق تسعة مواطنين، بأنها "عار بحق الإنسانية".

وفي سياق ذلك أكدت منظمة العفو الدولية على أن عمليات الإعدام "عار بحق حياة الإنسان، وتعكس حالة الظلم التي تشهدها الدولة المصرية".

من جانبها صرحت "هيومن رايتس ووتش" و"العفو الدولية"، أن الإعدامات ستؤدي إلى توسيع الشرخ في المجتمع المصري، وأنها لن تحقق للمصريين السلامة والعدالة.

وقالت مديرة حملة المنظمة في شمال أفريقيا، نجية بونعيم:

"شكلت خطوة مصر بإعدام هؤلاء التسعة عاراً بما يخص حق الحياة الإنسان".

وأضافت بونعيم:

"يجب محاسبة أولئك المسؤولين عن قتل النائب العام المصري السابق، لكن إعدام أشخاص تعرضوا لمحاكمة شوهتها ادعاءات تحت التعذيب ليس عدلاً؛ إنما تأتي انعكاساً لحجم الظلم الذي تشهده هذه الدولة".. وناشدت المجتمع الدولي إلى التدخل في هذه القضية واتخاذ مواقف حازمة، وعدم الصمت أمام الإعدامات التي توصف بالجائرة.

إلى ذلك، كتبت ابنة النائب العام الراحل، مروة هشام بركات (بما معناه)، عبر حساب منسوب لها على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، في الساعات الأولى من صباح يوم الأرباء بعد النطق بالحكم، قائلة بأن المتهمين شباب أبرياء ويجب ملاحقة المتهمين الحقيقيين وهذه شهادة حق أمام الله

وهذا في طبيعة الحال مطلب مشروع لِلَجْمِ شهية قضاة النظام المصري وعلى رأسهم المستشار حسن فريد الذي يلقبه النشطاء بالجزار الموالي لنظام لا يهادن ولا يرحم.

 

بقلم بكر السباتين

 

علجية عيشتشريح سياسي لوضع الجزائر قبل الإنتخابات

لماذا يصر الأفلان والأرنديو الأحزاب التي تسير في فلكهما على إعادة ترشيح بوتفليقة؟ ولماذا فشلت المعارضة في تقديم مرشحها التوافقي؟ أو البديل إن صح القول تنافس به مرشح السلطة؟ وماذا عن الجيش؟ هل سيقف إلى جانب الرئيس المقعد أم أنه يسير في فلك الجنرال علي الغديري؟ كل هذه الأسئلة يمكن أن نلخصها في سؤال واحد هو: هل الجزائر لا تملك رجلا يقود هذه البلاد التي تريد أطرافا لها أن تعيش الربيع العربي؟ حاكم يملك كل الصفات الكاريزماتية، ويتميز عن غيره ويتمتع بالحكمة والرزانة، وتكون له القدرة البدنية والعقلية الكافية على قيادة البلاد، أي لا يعاني من أيّ مرض كان؟، مهما كان توجهه السياسي، طبعا هي أسئلة صعب الإجابة عنها في ظل الظروف التي تعيشها البلاد، طالما الأمر يتعلق برئيس الجزائريين، عندما ننظر إلى نخبتنا الفكرية، والذين يمثلون الطبقة السياسية، وحتى القادة في المؤسسة العسكرية، نرى أن الجزائر تملك رجالا يعتمد عليهم في كل شيئ، نعم الجزائر لها من الكوادر والرّجال ما يكفي لقيادة البلاد، وفيخا من يحمل سِمَاتُ الحَاكِمِ، ولن أذكر أسماءهم طبعا حتى لا يقال أنني أميل لتيار دون آخر.

 إنني أتكلم هنا كمواطنة جزائرية لا تحمل قبعة حزبية ولا قبعة إعلامية، لها حق التعبير عن رأيها بكل شفافية وبدون أي خلفية سياسية، وفق المادة السابعة من الدستور التي تنص على أن على السعبمصدر كل سبطة، وأن السيادة الوطنية ملك للشعب وحده، والحقيقة أنه يوجد في كل حزب من الأحزاب السياسية في الجزائر رجل قد يكون هو القاضي الأول في البلاد، و في وزن رئيس جمهورية، سواء كانت الأحزاب الموالية للسلطة أو المعارضة لها، الأحزاب التي تريد التغيير في البلاد وبعث فيها الروح من جديد، لكن كل من الموالاة والمعارضة لم تحدد موقفها الحقيقي من المترشح الذي يمكن تقديمه للشعب، فإصرار الأفلان على ترشيح الرئيس بوتفليقة لعهدة جديدة (خامسة) يطرح عدة تساؤلات أيضا، ألهذه الدرجة وعاء الحزب فارغ ولا يوجد من أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية من يكون البديل عن المرشح الحالي؟، وما هي دوافع تمسك الأفلان بالرئيسعبد العزيز بوتفليقة وحالته الصحية تزداد سوءًا يوما بعد يومٍ؟ أم أن إصراره عن بقاء بوتفليقة في الحكم لغاية في نفس يعقوب؟، إذا قلنا أن ترشح بوتفليقة لولاية جديدة يعتبر خرقا للدستور الجزائري، لاسيما المادة 101 منه التي تنص على أنه يستحيل على الرئيس أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير ومزمن، ومن حق البرلمان أيضا أن يثبت المانع بأغلبية ثلثي 2/3 أعضائه، لكن لا أحد من أعضاء البرلمان يمكنه أن يطبق هذه المادة لأن الأغلبية موالون للسلطة، خاصة بالنسبة لحزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي.

 السؤال الموجه لزعيمي الأفلان والأرندي أو حتى عمار غول رئيس حزب تاج وساحلي، والمحيطين به من الشخصيات الوطنية، هل فعلا يحبون الرئيس؟، وإذا كانوا كذلك لماذا لا يشفقون عليه ويدعونه يرتاح، أمّا مقولة أن الرئيس يريد أن يتوفي وهو رئيسا وأراد البعض أن يحقق له رغبته هي تبريرات لا يقبلها منطق، ولو أن هذه الرغبة بإمكان الجميع تحقيقها لكن بإبقاء بوتفليقة رئيسا شرفيا للجزائر، وينتخب خليفته تسيير شؤون البلاد والإسامرارية، أما الأحزاب التي شكلت كتلة مُعَارِضَة، وتطالب بعدم ترشح الرئيس الحالي لعهدة جديدة، فهي تتشكل من أحزاب تختلف في الرؤى والتوجهات ولا تملك برنامج الدولة واستراتيجية لها ابعاد وطنية ودولية، (التيار الإسلامي، الديمقراطي، اللائكي، والوطني) وكل رئيس حزب من هذه الأحزاب يطمح في الترشح، ومن المستحيل أن يتنازل واحد منهم للأخر ليكون هو مرشح التوافق، فعلي بن فليس مثلا لا يمكن أن يقبل بأن يكون تابعا سياسيا لأحزاب يرى أنها مجهرية وهو الذي خرج من رحم حزب جبهة التحرير الوطني، القوة السياسية الأولى في البلاد، وكان أمينه العام ، وكانت له الجرأة في أن يقف ندا للند أمام رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة في انتخابات 2004 بعدما زكاه الحزب مرشحا له، وشهد الأفلان انقسامات بين من سمّوا بـ: "البنفليسيين"، و التصحيحيين الذين ساروا في اتجاه بوتفليقة، ولما آلت الكفة لصالح التصحيحيين، قرّر بن فليس الإنسحاب وأن ينزع عنه برنوس الأفلان ليؤسس حزبا جديدا سمّاه حزب طلائع الجزائريين، وسارت معه الأغلبية التي كانت في الأفلان، فمن الصعب إذن أن يتنازل بن فليس وهو "الشّاوي" (خشين الرّاس باللاتينية tettu) عن حلمه، الغريب أن رجل مثل الشيخ عبد الله جاب الله الذي وصف بـ: العنيد، أنه يتخلى ببساطة عن حلم حياته في أن يصبح رئيسا للجزائريين، ويحقق مشروعه الإسلامي المتمثل في تطبيق الشريعة الإسلامية، وهو بذلك سيعمل على تضييق الحريات وهذا ما لا ترضاه الأحزاب الأخرى من جهة وحتى الشعب الذي حفظ الدرس جيدا في مرحلة التسعينيات، وأصبح لا يؤمن بالإسلاميين.

 من جهة أخرى الشيئ الذي جعل جاب الله يفقد توازنه هو انضمام أحزاب إسلامية أخرى للسلطة وإعلان ترشيحها عبد العزيز بوتفليقة ومنها حركة الإصلاح الوطني، هذا الموقف دفع بجاب الله إلى الإنسحاب من الترشح لإنتخابات 2019، ودعا قوى المعارضة السياسية إلى تقديم مرشح باسمها لتجنب تشتت أصوات الناخبين، ومنع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من البقاء في الحكم، بحكم حالته الصحية، كذلك هو الشأن بالنسبة للجنرال المتقاعد علي غديري، فبحكم انتمائه للمؤسسة العسكرية فتنازله عن الترشح ومنح الفرصة لشخص آخر مستبعد جدا، وهذا يعني أن المعارضة لن تتفق على مرشح توافقي كما تدّعي، يبقى الشباب الذي خرج في مسيرات سلمية مطالبا بالتغيير والتشبيب، وهو حق شرعي لإبراز مكانته في البلاد، بحكم أن الدستور الجزائر أعطاه هذا الحق لاسيما المادة 37 (جديدة) التي تؤكد أن الشباب قوة حية في بناء الوطن، ألا يصلح أن يكون رئيس الجمهورية الجزائرية شابٌّ، كما نراه في الدول الأخرى، إذا قلنا أن معظم الشباب يعلق آماله على عبد العزيز بلعيد رئيس حزب جبهة المستقبل، وهو ابن الأفلان وخريج مدرسة الشبيبة الجزائرية التي أسسها الرئيس الراحل هواري بومدين في منتصف السبعينات، هي رسالة أراد الشباب أن يبلغها للسلطة بأن الشعب مصدر السلطة ولا سيادة تعلو فوق سيادة الشعب.

 الأمور تبدو غامضة ومقلقة، بعد ذهاب الرئيس إلى سويسرا لإجراء الفحوصات الطبية، ولا أحد يجزم ماذا سيحدث غدا أو بعد شهر، لا يختلف إثنان طبعا أنه في حالة شغور منصب الرئيس لا قدر اللهقبل تنظيم الإنتخابات الرئاسية، فالجزائر لا محالة ستعرف منعرجا خطيرا لا أحد يعرف ما تكون نتيجته، وستعرف أزمة جديدة بعد توقيف الإنتخابات، فهل وضعت الحكومة خطة معينة لإحتواء الأزمة و السيطرة على الوضع في المرحلة القادمة؟ أم أن الأمر سينفلت من يدها وتدخل الجزائر في مرحلة انتقالية حتى لا نقول ستدخل في طريق مسدود، أما إذا حدث العكس فالنتيجة ستكون لصالح الرئيس لأن الإنتخابات ستتم بالطريقة نفسها التي تمت بها في الإنتخابات السابقة، والذين ثبتوا الرئيس لأربع عهدات كاملة سيثبتونه للعهدة خامسة وسادسة وبنفس الطريقة، وهذا يعني أن جمع استمارات ترشيح بوتفليقة لعهدة خامسة والتوقيع عليها من طرف مواطنين ومناضلين هي شكلية، لأن الذين وقعوا داخل الأحزاب وبخاصة الأفلان كانوا في ظرف خاص، وأمام الصندوق قد يغيرون أصواتهم ويمنحونها للأصلح، المشكل هنا هو هل سيخرج مرشح السلطة للشعب ويقوم بحملة انتخابية يخاطب فيها الشعب مباشرة؟ أم أن لقاءه بالشعب سيكون من وراء حجاب ؟ العيون حاليا متجهة نحو المؤسسة العسكرية التي لم تبين موقفها بعد، خاصة وقد اعتاد الجهاز العسكري على المفاجآت مثلما حدث مع الرئيس الشاذلي بن جديد وقرار تعيينه من قبل قاصدي مرباح، وهي الوحيدة التي ستوقف النزاع القائم بين السلطة والمعارضة.

 

علجية عيش

 

فرات المحسنفي الغالب ومع الوضع العراقي المأزوم، دائما ما تكون الرؤية مشوشة ومربكة، لا تفصح عن مكنوناتها إلا بعد مرور فترة زمنية ليست بالقصيرة، وربما بعد فلترتها بدهاليز اللعب السياسية التي تشارك فيها العديد من الجهات الداخلية والخارجية على حد سواء.ولذا تحضرني هنا أسئلة كثيرة دائما ما دارت بخلدي منذ أكثر من أربعة أشهر، وبالتحديد منذ اليوم الأول الذي ظهر فيه اسم السيد عادل عبد المهدي كمرشح لرئاسة الوزراء.

ــ ما موضع السيد عادل عبد المهدي في لجة الصراع الأمريكي الإيراني ؟!

ــ وما طبيعة سياسته ولمن ومع من تتطابق رؤيته ؟؟

ــ ما هو مستقبل العلاقة مع الجانب الإيراني؟

ــ هل الإدارة الأمريكية تبحث فعلا عن مشروع لإنجاح التجربة السياسية في العراق؟

نشر في مايو عام 2017 تقرير مجموعة عمل مستقبل العراق التي أدارها رايان كروكر كرئيس، وضمت المجموعة ما يقارب 20 عضوا و 41 مستشارا بينهم العديد من العراقيين. السيد رايان كروكر أستاذ تنفيذي بجامعة تكساس وسفير سابق في العديد من الدول منها العراق وأفغانستان وسوريا. المدير التنفيذي للمجموعة كان الدكتورة نسيبة يونس كبيرة الباحثين في مركز الحريري والمجلس الأطلنطي وهي من أب عراقي موصلي وأم باكستانية . وتقرير المجموعة أعد وفق سياسة المجلس الأطلنطي بشأن الملكية الفردية المستقلة في النرويج.

 جاء في التمهيد الذي قدمه السيد كروكر للتقرير، تأكيد أولوية ضمان مصالح الأمن القومي الأمريكي على المدى الطويل في العراق، وأشار للكيفية التي تتم فيها حماية أمريكا لتلك المصالح على أفضل وجه. ويضيف كروكر، بأن مستقبل العراق مهم ، ليس فقط للعراقيين بل للمنطقة والمجتمع الدولي بأكمله، وما تقوم به الولايات المتحدة أو لا تقوم به سيكون له تأثير كبير على مستقبل المنطقة.

رؤية كروكر شملت خلاصة لتقرير المجموعة واتجاهاتها في إعداد خارطة طريق مستقبلية لعمل ليس فقط السلطة في العراق، وإنما للمؤسسات الحكومية في الولايات المتحدة ، ومعها باقي التوابع، حيث تضع الخارطة دوائر تتعشق بعضها بالبعض، لتدور في خطط تكاملية مترابطة، تشكل في مجملها الحراك العام لضمان مصالح الأمن القومي الأمريكي، وكذلك أداء ومسيرة السلطة في العراق.

التقرير يشير في مقدمته وبنقاط موجزة لاتجاهات وطبيعة المشروع، لذا يحدد أوليات بعينها لبنية وحركة السلطة العراقية وتركيبتها، والتي تكفل تشكيل ائتلاف واسع يعمل على ضمان المصالح الوطنية للجميع، وهذا الآمر حسب التقرير، يقدم للمشروع تسهيلات جمة بعد أن يطمأن للاستقرار المجتمعي والسياسي عبر شراكة الأضداد، وهذا لوحده يكون شرط رسوخ عملية المحاصصة في تقاسم السلطة.على أن يكون الهدف مقرون بتعزيز المصالح الأمريكية ليصبح له الأثر الايجابي في مسيرة توطين العملية التي أعدت كخارطة طريق لمستقبل العراق. لذا حددت للعملية اتجاهات ذات طابع تكاملي سياسيا واقتصاديا، لا يشمل تأثيرها الجانب العراقي فقط ، وإنما معني بعموم الإقليم. فدعم الولايات المتحدة للحكومة العراقية يقلل في نهاية المطاف من تعرض العراق لضغوط النفوذ الإقليمي لاسيما الإيراني منه، وهذه النقطة لوحدها باتت تأخذ حيزا كبيرا من سياسة الولايات المتحدة، حيث تشعر أمريكا بأن دورها قد ضعف بعد انسحاب قواتها من العراق في 15 ديسمبر من عام 2011 وإن عودة جنودها وبناء قواعدها في بعض المدن العراقية، وكذلك تواجد قواتها عبر ما سمي بالتحالف الدولي لمحاربة داعش، ما عاد يكفي لثلم امتداد المصالح والأذرع الإيرانية التي تغولت وتوغلت في عمق الحياة العراقية السياسية والاقتصادية وكذلك العسكرية ، وأصبحت الولايات المتحدة تبحث من بين الساسة العراقيين عمن يقف ليقدم لها العون في لي ذراع الجانب الإيراني ، ولهذا نراها في صراع يومي لكسب النقاط من أجل تحجيم تأثيره.

فالجانب الإيراني من المنظور والرؤية الأمريكية وحلفاؤها في المنطقة بات مصدرا للقلق والتوتر. فقدراته الصاروخية وتجاربه النووية تشكل عامل إرهاب وتهديد خطرين، ليس فقط للجانب الأمريكي وإنما وهذا هو المهم، لدولة إسرائيل والحلفاء في الخليج العربي، لذا فسياسة تضييق الخناق على إيران يجب أن يكون للعراق فيها دورا فعالا، وبالذات في مهام قطع شرايين الاقتصاد الإيراني وتشديد العقوبات عليها، وتجريد الفصائل المسلحة التابعة لها من قدراتها العسكرية، وهنا نجد الولايات المتحدة وفي بعض المواقف عاجزة في محاولاتها تلك، وليس بقادرة مباشرة على قطع حبال العلاقة التكافلية التكاملية بين العراق وإيران.وهنا تتناسى الإدارة الأمريكية إن عدم الاستقرار السياسي في العراق والذي جاء بعضة من جراء سياستها، قد سبب أضرارا كبيرة في البنى التحتية لعموم مناح الحياة، وبدا أكثر تأثيرا في قطاع الكهرباء، لذا لا تجد الحكومة العراقية أمامها غير شراء الطاقة من إيران، وفي هذا المجال نجد أن سياسة الإدارة الأمريكية تضع السلطة العراقية في موقف حرج، فهي تريد من العراق الامتناع عن شراء الطاقة من إيران في الوقت الذي هو بأمس الحاجة للكهرباء لحل معضلة دائما ما أثارت ولازالت الاحتجاجات الواسعة.وفي هذا الجانب فالمطلع يسجل قصورا كبيرا في سياسة الإدارة الأمريكية، فقد امتنعت وخلال السنوات الطويلة الماضية عن المشاركة في تحديث شبكة الكهرباء العراقية، لا بل هناك ما يؤشر لفعلها في وضع العراقيل والتابوات أمام الشركات الكبرى التي ترغب العمل في حقل الكهرباء، مثلما حدث مع عقد الحكومة العراقية مع شركة سيمنيس الألمانية.أيضا فأن وجود ما يقارب 80 شركة إيرانية أو فروعها داخل العراق، مع ارتفاع ظاهر لحجم التبادل التجاري لصالح إيران بما يقارب 12 مليارات دولار، كل ذلك يضع أمام الجانب الأمريكي الكثير من المتاريس والعقبات التي لا تستطيع معها الحصول على تأييد كامل وموافقات لمجمل مشاريعها الخاصة بالحرب أو الحصار للاقتصاد الإيراني.

الحرب في العراق التي كلفت أمريكا أكثر من 4500 عسكري وما يقارب 815 مليار دولار،جعلت الإدارة الأمريكية وعلى مدى السنوات منذ احتلال العراق لحين فوز الرئيس ترامب في أرباك وتخبط ،ومع مجيء الرئيس ترامب نجدها قد غيرت كثيرا من طرق تعاملها، فسياسة ترامب ليست بذات الطابع الاستراتيجي الذي انتهجه وسار عليه الرئيس أوباما، فالرئيس ترامب رجل اقتصاد وتاجر لا يخفي طموحاته ونواياه، ودائما يعلنها دون مواربة أو حذر، وحساباته تختلف كليا عمن سبقه من رؤساء الولايات المتحدة وهو يضع في مقدمتها مقدار المنافع التي تحصل عليها بلاده عبر استجابة حلفاءه لطلبات يشعر أنه متفضل في تقديمها وليس مدين.ودائما ما يبدو وكأنه يحاول التفرد بالقرار السياسي بعيدا عن المؤسسات التي تدير السلطة في الولايات المتحدة.

بعد انقضاء كل تلك السنوات منذ خروج العسكر الأمريكان عام 2011 ثم إعادة تواجدهم وفق طريقة جديدة سميت بقوة التحالف الدولي للحرب ضد الإرهاب، وترافق مع هذا الوجود بناء ما يقارب العشر قواعد عسكرية على أرض العراق، وانتشار عسكري تحت مسمى تدريب الجيش العراقي. السبب في هذه العودة القوية للجيوش بعد أن أدركت الولايات المتحدة ومن ثم درست الوقائع على الأرض وبعد انتهاء مرحلة داعش، بأن الأوضاع في العراق تحتاج العودة إلى مشروع يعزز وجودها هناك ويعطي انطباعا أخر لطبيعة بقائها وضرورته للحفاظ على مصالحها المباشرة، وعليها العمل لصناعة أطر جديدة للعلاقة مع العراق، لذا قامت الإدارة الأمريكية بالعودة لقراءة الحدث العراقي من خلال البرنامج الذي أعدته مجموعة كروكر عام 2017 وبمحتوى تقرير مجموعة عمل مستقبل العراق، وهنا ذهبت لإمساك ما تستطيع أمساكه داخل العملية السياسية الجارية في العراق. وجاء صعود السيد عادل عبد المهدي لقيادة العملية السياسية ليكون دافعا جديدا وقويا وجدت فيه أمريكا ما كانت تنتظره لحسم خيار الأخذ بما اقترحته مجموعة كروركر.

 في مجال العلاقات الاقتصادية وفي الشأن العراقي بالتحديد، ترى مجموعة كروكر إن سهولة وانسيابية تصدير النفط العراقي يقع في أولوية والولايات المتحدة وبرامجها وأنشطتها الدولية، وليبقى أحد أهم العوامل المحركة للنمو الاقتصادي الإقليمي والعالمي. ومن أولويات هذا التوجه السعي لجعل موارد النفط العراقي تضمن حصص جميع المشاركين بالسلطة ومنهم الطرف الكردي، لذا سعى برنامج كروكر لوضع خارطة ترضي وفي جميع الأحوال الحليف الكردي المؤتمن، وتمنحه خصوصية تفضيلية في مسألة أنتاج وعائدات النفط. وكانت هذه النقطة خط الشروع الذي ابتدأ بها السيد عادل عبد المهدي عمل وزارته، حيث منح الطرف الكردي كامل حقوقه في الميزانية العامة للدولة يضاف أليها تراكمات رواتب البيشمركه والموظفين في كردستان بأثر رجعي، دون خضوع أعدادهم للرقابة وللتدقيق، وهذا ما حصل مع كميات النفط التي تصدر من قبل الإقليم بعيدا عن علم ورقابة وزارة النفط العراقية، وبكميات تصدر خارج نطاق مؤسسة تسويق النفط الحكومية سومو.أما في جانب المناطق المتخاصم عليها فيبدو أن هناك طبخة أمريكية - مهدية تسعى لعودة قوات البيشمركه الكردية لتلك المناطق، ولكن الإدارة الأمريكية تدرك حساسية الموضوع في هذه المرحلة، والحاجة للصبر والأناة في التنفيذ، بسبب تقاطعات سياسية وإقليمية لا تود الإدارة الأمريكية إثارتها في الوقت الراهن، ولكن من الممكن البدء في وضع خطط أولية لتسويات داخلية وإقليمية، تضمن مستقبلا عودة هذه المناطق للجانب الكردي.

من الجائز القول أن خطوة شروع السيد عبد المهدي بعقد معاهدة طويلة الأمد وبمحتوى يتخذ الطابع الاقتصادي كمضمار لحركة العلاقة وروح تنفيذها مع الجانب الأردني.تأتي متطابقة جدا ومستوفية لبنود وشروط مشروع كروكر، وهي تعزيز الاقتصاد الأردني المتهالك، وهذا الأمر يعد جد ضروري وحيوي لاستقرار الأردن كبلد يعد في مقدمة حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ودائما ما أعتبر خط الصد للحفاظ على أمن إسرائيل من الجبهة الشرقية، والمشارك الفعال في تمرير ما سمي بمستقبل الشرق الأوسط الجديد وإنهاء الخصومة مع إسرائيل لصالح مشروع صفقة القرن. ومشروع كروكر أوضح دون مواربة، إن استقرار هذا الحليف المعرض للخطر الدائم، لا يمكن له أن يكون متماسكا وقويا دون ارتباطه بصادرات النفط العراقي، وكذلك إيجاد سوق مفتوح لتصدير منتجاته، والعراق يعد سوقا واعدا ومفتوحا على مصراعيه، لذا وضمن هذا التوجه التقى رئيس الوزراء العراقي السيد عبد المهدي بنظيره الأردني عمر الرزاز عند الحدود العراقية الأردنية لتوقيع بنود أتفاق التعاون الاقتصادي وتبادل المصالح وافتتاح المنطقة الصناعية المشتركة، الذي عد مكسبا كبيرا ومثاليا للجانب الأردني مع تخلف القطاع الصناعي والزراعي العراقي.

ووافق الجانب العراقي على تزويد الأردن بما مقداره 10 آلاف برميل يوميا من نفط كركوك بكلف نقل واختلاف مواصفات، تحتسب بأسعار تفضيلية بعيدا عن سعر السوق العالمية، ليربح الجانب الأردني في ذلك بما معدله 17 مليار دولار سنويا، ووافقت الحكومة العراقية على تمديد إعفاء 370 سلعة أردنية من الرسوم الكمركية .مقابل تسهيل رسوم الدخول للبضائع العراقية عبر منفذ العقبة الأردني.

وكمقدمة حسن نوايا وتأكيدا للعلاقة الإستراتيجية القادمة قدم الجانب الأردني للرئيس عبد المهدي 1370 قطعة آثار سبق أن سرقت من المتاحف العراقية والمواقع الأثرية وهربت عبر الحدود العراقية الأردنية، كذلك تم بصيغ توافق، تسوية المبالغ العالقة بين الطرفين وبالذات منها ما هو لصالح الجانب الأردني على أن يساعد الأردن العراق بالتزود بالكهرباء الذي هو بأمس الحاجة أليها.

تدرك الولايات المتحدة أن خططها في العراق لن تؤتي أكلها دون دعم واسع من أوساط حكومية عراقية وقطاعات شعبية، وهي في ذلك تحتاج لتعزيز دبلوماسيتها وقوتها الإعلامية لتصبح شريكا مباشرا لتوجهات السلطة العراقية، بدلا من الاعتماد فقط على الوجود العسكري والمبعوث الخاص الذي يقدم للسياسيين العراقيين التوجيهات والنصائح والتحذيرات المبطنة وأيضا العمل على مراقبة مشاريع إيران والفصائل المسلحة التابعة لها. وهنا على الولايات المتحدة إن شعرت بضرورة الأخذ ببرنامج مجموعة مستقبل العراق، فعليها دراسة وإدراك مثل هذا الوضع الهش في العلاقة ومعالجته بشراكة حقيقية وواسعة تخدم قبل أي شيء ترسيخ الديمقراطية الحقيقية وتسريع وتيرة البناء وتقديم الخدمات ومكافحة الفساد وهذا لوحده (ربما) يقدم تصورا عقلانيا لخيار العلاقة الإستراتيجية الثابتة والعالية المستوى التي لم يعن للشعب العراقي تلمسها والحصول عليها من القوة التي حررته من سطوة وتسلط دكتاتورية حزب البعث الغاشمة.

بالرغم مما أقدمت عليه سلطة السيد عادل عبد المهدي والذي مثل لحد الآن تناغما حيويا مع خطة كروكر وما جاء بتقرير مجموعة عمل مستقبل العراق، فإن العراق لازال يواجه معضلات جمة ليس من الممكن حلها على المدى القريب دون تقديم تضحيات على المستوى الشخصي والعام، وهذا يجعله يحتاج إلى شريك فعال ومتعاون وقوي، ولحد الآن فالجانب العراقي يجد إن إيران لازالت تمثل وعلى أرض الواقع الشريك الأقرب اقتصاديا وسياسيا، وليست للعراق القدرة على فك الارتباط بهذا الشريك دون أن يواجه تبعات كبرى لا طائل منها. أيضا فالمشروع الأمريكي يجد أمامه عقبات كأداء تبعد حسم الأمور لصالحه، ربما أولها يتمثل بهشاشة سلطة الحكومة العراقية و ترددها وقصورها أمام سلطة الأحزاب والكتل السياسية، أيضا الوجود الخطر لحشود الفصائل المسلحة، يضاف لذلك انتشار واسع للفساد بجسد السلطة العراقية وبألوان عديدة ومرعبة أنعكس بدوره على شرائح واسعة من المجتمع العراقي.

ولكن الغريب وهذا هو المهم، إن جميع العقبات الظاهرة والمخفية التي تعترض تنفيذ ليس فقط ما جاء بتقرير كروكر وإنما تعمل على زعزعة الوجود السياسي والعسكري للولايات المتحدة، كل ذلك يبدو وكأنه لا يحظى باهتمام كبير عند القيادة الأمريكية، ولا ترى فيه على المدى القريب وضعا مقلقا، بقدر ما يترسخ أمامها هدف واحد هو اليوم محور أغلب اهتمامها السياسي والعسكري وتكرس له الكثير من قدراتها، وتجد من الضروري بذل جهود مضاعفة لخنق هذا الخصم العنيد الذي دائما ما يحاول أثارتها وتهديدها وتحدي سياستها ومصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة. فإيران باتت الهاجس المقلق للولايات المتحدة وتطور الأحداث معها يؤشر لقرب لحظة اندلاع الحرب. والتصعيد الكلامي بين الطرفين أصبح مصدر إخافة وهاجس مقلق لعموم المنطقة، في نفس الوقت تدرك الولايات المتحدة إن خصمها ليس بذات الطبيعة والقدرة التي كان عليها صدام، بل الخصم قوي وقادر أن يوجع أعداءه إن حدثت الواقعة. كذلك لو اندلع هذا الصراع فليس للحكومة العراقية القدرة على تفادي تأثير أحداثه وتداعياته كونها ستكون في قلب عاصفته الهوجاء، وعندها لا مناص من التغير الذي سيطال عموم المنطقة.

 

فرات المحسن

 

 

علاء اللاميكمواطن عراقي يجهل الكثير من التفاصيل الصغيرة وحتى الكثير من الرئيسة عن الوضع في فنزويلا، لا أستطيع أن أمنع نفسي من طرح الأسئلة التالية، من موقع التضامن مع الشعب الفنزويلي وقيادته التقدمية المعادية للإمبريالية والصهيونية لفهم حقيقة ما حدث ويحدث في ضوء ما طرحة الباحث الاقتصادي الأميركي مايكل هادسن والذي تجون رابط اللقاء معه في نهاية المقالة :

* لماذا تساهلت القيادات البوليفارية الى هذا الحد مع الطبقة الأوليغارشية "الطغمة المالية" وتركتها تهرب برؤوس أموالها الى الخارج؟

* لماذا خضعت لواقع حظر قيام صناعة نفطية وطنية في داخل فنزويلا والذي كان مفروضا في عهد النظام التابع للولايات المتحدة، ولم تكسر هذا الاحتكار ببناء مصاف نفط في البلاد؟

* لماذا استمرت الحكومة البوليفارية بإرسال الذهب المستخرج في فنزيلا الى البنوك البريطانية وهي تعلم أنها غير قادرة على استعادته أو التصرف فيه أو أن هناك شكوكا في إمكانيتها القيام بذلك؟ هل حاولت القيادة البوليفارية خوض تجربة اشتراكية في بلد ناقص السيادة ومرتهن لأعتى إمبريالية دموية في التاريخ هي الإمبريالية الأميركية؟ لو وضعنا جانبا الإنجازات الشعبية المهمة التي قامت بها الدولة الفنزويلية البوليفارية وهي كثيرة على المستوى المحلي فهل قامت الدولة بما يجب القيام به للخروج من واقع التبعية الاقتصادية وخصوصا النفطية؟ هل يمكن لبلد ناقص السيادة وتابع اقتصاديا أن يخوض تجربة اشتراكية بنجاح مهما كانت الإنجازات التي يقوم بها لمصلحة الطبقات الشعبية فيه؟ الأسئلة كثيرة ويبدو أن وقتا طويلا – قرابة العشرين عاما - قد مرَّ دون ان تنجز القيادة البوليفارية المهمات الأرأس وهي تحقيق الاستقلال الاقتصادي أو على الأقل القيام بخطوات مهمة على طريقه.

ومقارنة بالعراق، كيف وبماذا يمكن أن نصف ما يحدث في العراق منذ سنة 2003 وحتى؟

* لماذا تصر حكومات المحاصصة الطائفية التي تقودها الأحزاب الإسلامية الشيعية على الاقتراض الكثيف وغير المبرر من دول وبنوك دولية فاق عددها العشرين - وبمبالغ كبيرة وصغيرة وبعضها أشبه بقروض الشحاذين ؟

* لماذا تم تدمير الأغلبية الساحقة من مفردات ومكونات الصناعة العراقية وإهمالها؟

* لماذا تم تدمير أو سرقة معدات بعض مصافي النفط كمصفى بيجي بعد تحريره؟

* لماذا لم تتم إعادة تأهيل المصافي النفطية القديمة والعناية بها؟

* أين نضع المحاولة الفاشلة لعصابة الثلاثة عبد المهدي وبحر العلوم والجنابي تمرير قانون شركة النفط الوطنية المشبوه والذي كان سيضع الثروة النفطية والغازية العراقية تحت التهديد الدائم بالمصادرة والوضع تحت الوصاية من قبل اميركا وغيرها؟

*لماذا تتلكأ الحكومة في استثمار الغاز الطبيعي حتى الآن وتتركه يحترق في الجو ولم تستثمر منه إلا نسبة صغيرة ولا تكاد تذكر وتستمر في استيراد الغاز من دول الجوار؟

* لماذا لم تفكر الحكومات المتعاقبة منذ سنة 2005 وحتى الآن باسترجاع السيادة العراقية على الأموال العراقية وخصوصا عائدات النفط التي تصب في حسابات البنوك الأميركية؟

* لماذا لم تفكر هذه الحكومات أو تبادر الى استعادة السيادة العراقية على الأجواء العراقية حتى الآن وبعد مرور 15 عاما على الاحتلال؟

* لماذا لم تبادر هذه الحكومات العراقية الى تدويل ملف الحصار المائي وتدهور الرافدين " دجلة الفرات" وارتهان مياههما بالسدود التركية العملاقة والمشاريع الإيرانية وانخفاض الوارد المائي إلى العراق إلى أقل من النصف؟

* لماذا فُرضت استقلالية عجيبة على البنك المركزي العراقي منذ عهد بريمر وأصبح هذا البنك أشبه بدولة داخل الدولة نظريا، ولكنه في الوقت نفسه تهيمن عليه قوى النفوذ الحزبية؟

* لماذا يصر عبد المهدي على رفع الحماية الكمركية وإعفاء الكثير من بضائع دول الجوار الرديئة وغير الصحية بل والمسرطنة من التعرفة الكمركية؟

* لماذا يصر عبد المهدي على مشاريع عبثية وخطيرة كأنبوب النفط البصرة العقبة الذي ليس له أية جدوى اقتصادية على الإطلاق في وقت توجد انابيب وخطوط بديل كالخط السوري والسعودي والتركي؟

* لماذا يعرقل إنجاز ميناء الفاو الكبير في وقت يتقدم إنجاز ميناء مبارك الكويتي من الاكتمال قريبا؟ ولماذا رفع التحفظ على الربط السككي مع الكويت وهناك مشاريع لمنحها الربط مع القناة العراقية الجافة بما يقضي على ميناء الفاو الكبير حتى لو تم إنجازه؟

* أليس كل هذه التجارب والأمثلة والإجراءات والخطط دليلا واضحا وأكيدا على أن حكومات المحاصصة في العراق تنفذ برنامجا عدوانيا لتحويل العراق الى دولة رهينة بيد الولايات المتحدة وتابعة كما هي حال فنزويلا؟

* أي مستقبل ينتظر العراق غير هذا إذا استمر نظام حكم المحاصصة الطائفية قائما؟

* أليست القضية حياة أو موت بالنسبة للعراق شعبا ووطنا؟

كيف تكون حرب الإبادة إذن؟

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

......................

رابط اللقاء مع الباحث الاقتصادي الأميركي مايكل هادسن:

http://www.albadeeliraq.com/ar/node/1825

 

 

علي المؤمنفي الضلع الثالث لمثلث الصعود الشيعي المستهدَف؛ يبرز شيعة لبنان، بانجازاتهم الكبيرة على مختلف المستويات، ولا سيما تكريس حالة التحدي لكبرياء الكيان الإسرائيلي؛ الذي ظل طيلة سبعين عاماً يكبد أنظمة المنطقة وجيوشها أقسى الهزائم، ويذيقها يومياً مرارة الإذلال والتركيع. فضلاً عن تمكّن شيعة لبنان من تجاوز مئات السنين من حالات القمع والتهميش والإقصاء السياسي والاجتماعي والثقافي والإقتصادي، وتحولوا الى شريك حقيقي في إدارة الدولة اللبنانية ونظامها السياسي. وبذلك كان الصعود الشيعي اللبناني يرتكز على ثلاث قواعد رئيسة:

1- التنمية البشرية الهائلة التي تبلورت منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي. فبات المجتمع الشيعي مليئاً بالسياسيين الناضجين، والإعلاميين المحترفين، وأصحال رؤوس الأموال، وحملة الشهادات العليا، الى جانب مئات المؤسسات السياسية والفكرية والدينية والتعليمية والإقتصادية والخدمية والإعلامية والفنية. وهو واقع لم يسبق لشيعة لبنان أن تمتعوا به خلال الألف عام الماضية.

2- تحقيق حالة توازن الرعب مع الكيان الصهيوني، على المستوى التكتيكي والستراتيجي، بما في ذلك التوازن البشري والتسليحي والمخابراتي والإعلامي،  والانتصارات الميدانية المتفردة، ولا سيما في العامين 2000 و2006. وهو ما لم تستطيع جيوش الدول العربية تحقيقه مجتمعة. ولم يكن هذا التفوق مفارقاً لحقيقة الإنتماء الايديولوجي لشيعة لبنان، والذي عبّر عنه الزعيم الشيعي اللبناني السيد حسن نصر الله بقوله مخاطباً قادة إسرائيل في العام 2006: (( أنتم لاتعرفون من تقاتلون .. أنتم تقاتلون أبناء علي والحسين))، وهو بذلك يريد لفت الانتباه الى الفارق بين قتال العدو تحت راية الشعارات الوطنية والقومية والإشتراكية، والقتال تحت راية علي بن أبي طالب والحسين بن علي.

3- تحقيق حالة الشراكة الحقيقية في الدولة والحكومة، فبعد أن كان الشيعي موضع تهكم في الوسط السياسي الإجتماعي اللبناني، بأنه مجرد شوفير (سائق تكسي) وناطور (حارس) أو شرطي في أحسن الأحوال، فإنه بات شريكاً حقيقياً في قرار الحكومة والدولة اللبنانية، شأنه شأن المسيحي والسني. ولم تتحقق هذه الشراكة من خلال آلية ديمقراطية تلقائية، وإن كان هذا هو ظاهر القضية، ولكنها تحققت عبر فرض الشيعة واقعهم الجديد. صحيح أن شيعة لبنان لم يحققوا بعد حضورهم السياسي المطلوب في مفاصل الحكومة والدولة، بما يتناسب ونسبتهم العددية ( نسبتهم السكانية 45 بالمائة من نفوس الشعب اللبناني، ويحظون بـ 25 بالمائة فقط من مناصب الدولة)، إلّا أن ماحققوه حتى الآن يعد إنجازاً إعجازياً.

وليس خافياً على أحد أن هذه الإنجازات لم تكن تتحقق لولا الدعم الإيراني المباشر لشيعة لبنان على كل المستويات، وهو دعم يجده شيعة لبنان مصيرياً، ومن شأنه موازنة الاستهداف الإسرائيلي للشيعة، والدعم السعودي الخليجي لسنة لبنان، والدعم الفرنسي الأمريكي للمسيحيين.

ولن يكشف المسؤولون الإسرائيليون والأمريكان سراً حين يقولون بأن المحور الإيراني، ظل يمنع سقوط القضية الفلسطينية في شباك التسويات والصفقات المحلية والإسرائيلية والإقليمية والدولية، وأن الحائل الإيراني المعبأ بالحراك السياسي والدبلوماسي والمخابراتي والمالي والتسليحي والإعلامي منذ العام 1979، كبح جماح إسرائيل، وسلبها حلم التمدد، وابتلاع باقي فلسطين، وكامل لبنان، وجزء من سوريا والأردن، والهيمنة على القرار الأمني في الشرق الأوسط، والنفوذ بقوة في المنطقة العربية. وقد كان هذا هو ملخص الخطة الستراتيجية الإسرائيلية التي وضعتها اللوبي الصهيوني العالمي بعد العام 1973.

وبرغم أن الصبغة المذهبية للقضية الفلسطينية ليست شيعية، إلّا أن نجاح محور المقاومة في مشاغلة إسرائيل، ودفعها للإنكفاء، وحصر الصراع ـ غالباً ـ في الداخل الإسرائيلي، ظل يشكل حماية أساسية لأمن المنطقة العربية عموماً، وأمن سوريا وشيعة لبنان خصوصاً.

كما مثّل نجاح المحور الإيراني في منع سقوط سوريا بيد قوى التطرف و التكفير، عاملاً أساسياً ومركزياً في القضاء على أبرز تهديد يستهدف الواقع الشيعي في العراق وسوريا؛ فقد كان من شأن سقوط سوريا، تدمير كثير مما حققه شيعة العراق ولبنان بعد العام 2003، ويتحول الى تهديد مستمر ومتفاقم لهم، بل لعله التهديد الستراتيجي المباشر الثاني للواقع الشيعي بعد الحرب الصدامية في الثمانينات. وهذا هو الدافع الحقيقي لرمي إيران بكل ثقلها لمنع سقوط نظام بشار الأسد، وليس دفاعاً عن المنظومة الحزبية والمخابراتية الحاكمة في سوريا. وبذلك، يعد نجاح المحور الشيعي المقاوم في سوريا، الإنجاز الشيعي التاريخي الرابع الأكبر خلال الأربعين عاماً الماضية، بعد إنجاز العام 1979 في إيران، وإنجاز العام 1982 في لبنان، وإنجاز العام 2003 في العراق. وإذا ما أضفنا الصعود اليمني بعد العام 2014، فإن عصر الشيعة يكون قد وقف على خمس قواعد (كونكريتية) صلبة، يصعب زحزحتها.

لقد بات الإنجاز الإيراني ـ العراقي ـ اللبناني ـ السوري ـ اليمني المتراكم والمتنامي، يكرس عقدة التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي ـ السعودي، والمتمثلة في شل قدرة هذا التحالف على ضرب ذلك الإنجاز وإيقاف تصاعده، برغم تشديد كل أنواع الحصار، والتآمر السياسي، وضخ المال المعادي، والأعمال العسكرية، والتشويه الإعلامي، ومحاربة الانسان الشيعي في سبل عيشه (وسنوضح في القسم القادم تفاصيل محاولات العزل والتفرد والحصار).

 

د. علي المؤمن

 

ابراهيم أبراشفشل السلطة أو انهيارها لأي سبب كان هو فشل لمشروع التسوية السياسية ولنهج أوسلو وربما يُحسب كفشل للنخب السياسية التي راهنت على السلطة، ولكنه لا يعني فشل أو نهاية المشروع الوطني التحرري أو منظمة التحرير الفلسطينية، ربما أثر عليهما وأضعفهما ولكنه لا يعطي المبرر لمن يريد أن يطلق رصاصة الرحمة على المشروع الوطني والمنظمة مستغلا ضعف السلطة أو انهيارها أو حتى سوء ممارساتها .

السلطة الفلسطينية ليست المشروع الوطني ولا منظمة التحرير بل إحدى أدوات العمل السياسي لهما فرضتها ظروف قاهرة، وفشل الأداة لا يعني فشل الأصل أو مَن يستعمل هذه الاداة ما دام باستطاعته البحث عن أدوات أخرى .

وهكذا وبجهل من البعض وبنية مبيتة خبيثة ومشبوهة من آخرين يتم الخلط ما بين السلطة الوطنية الفلسطينية من جانب والمشروع الوطني ومنظمة التحرير من جانب آخر، وهو خلط يترتب عليه مخرجات خطيرة من وجهة نظر هؤلاء أهمها أن حل السلطة الوطنية بقرار من القيادة الفلسطينية أو فشلها وانهيارها نتيجة الممارسات الإسرائيلية والأمريكية معناه فشل المشروع الوطني الفلسطيني ومنظمة التحرير وعليه المطلوب البحث عن بديل للسلطة ومنظمة التحرير، مما هو قائم من تشكيلات سياسية أو صناعة كيان جديد وإلباسه لباس المشروع الوطني .

وللأسف تتقاطع واشنطن وتل أبيب مع حركة حماس وفصائل فلسطينية في الترويج لهذا الخلط وموقفهم المعادي للسلطة وللمشروع الوطني الذي تمثله منظمة التحرير حتى وإن اختلفوا في الأهداف النهائية والبديل المرغوب من كل طرف .

في الفترة أو الأشهر الأخيرة وعلى أرضية الخلط ما بين السلطة والمشروع الوطني يتبلور حلف غير رسمي من أعداء المشروع الوطني التحرري وأعداء الشعب الفلسطيني يتشكل من إسرائيل وواشنطن وبعض الدول الغربية والعربية، وللأسف فإن هذه الدول توظف المواقف الفلسطينية المعارضة للسلطة وللقيادة الفلسطينية وبعضها من فصائل منظمة التحرير لتبرر مواقفها وسياساتها المعادية للمشروع الوطني التحرري .

لا شك أن منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية ليستا منزهتان عن الخطأ بل نقول إن كثيرا من الأخطاء والخلل صاحبت مسيرتهما سواء تعلق الأمر بإدارة الأمور الداخلية في مناطق السلطة ومع مكونات النظام السياسي أو في كيفية إدارة ملف المفاوضات والتعامل مع إسرائيل، ولكن ما آل إليه حال السلطة ومنظمة التحرير لا يعود للأخطاء الداخلية فقط بل يمكن القول بأن هذه الأخطاء كانت ثانوية إذا ما قارناها بتأثير المخطط الإسرائيلي والأمريكي للقضاء على منظمة التحرير وإفشال الدور الوطني للسلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى ممارسات قوى المعارضة الفلسطينية .

نعم، إن ما آل إليه حال منظمة التحرير والسلطة الوطنية لا يسر أحدا بل يثير استياء غالبية الشعب الفلسطيني، ولكن نُعيد التأكيد بأن السلطة ليست المشروع الوطني بل هي مشروع تسوية ونتاج لاتفاقية أوسلو وفشلها يعني فشل التسوية السياسية التي هي أصلا مشروع تسوية أمريكي ثم توسعت أطرافها ليضم أربعة أطراف دولية (الرباعية الدولية) مع خطة خارطة الطريق 2002، فلماذا الآن نقول بأن منظمة التحرير أو السلطة فشلت ولا نقول بأن الرباعية وكل من تعامل وشارك في السلطة الفلسطينية يتحمل مسؤولية الفشل؟ .

نؤكد بأن فشل السلطة ونهج التسوية السياسية الأوسلوي لا يعني فشل المشروع الوطني ومن يقول بذلك إنما يفتأت على المشروع الوطني، لكن منظمة التحرير تتحمل درجة من المسؤولية نتيجة فشل رهانها على التسوية السياسية التي عنوانها اتفاقية اوسلو وسلطة الحكم الذاتي.

فمنذ تأسيس السلطة ومراهنتان متعارضتان تتصارعان على السلطة:

1- المراهنة الأولى طرفاها الأساسيان إسرائيل والولايات المتحدة حيث كانت مراهنتهما أن تكون السلطة أداة لتحقيق أمن إسرائيل وكبديل مطيع لهما لتحل محل منظمة التحرير والمشروع الوطني .

2- المراهنة الثانية فلسطينية ووطنية كانت تأمل أن تشكل السلطة قاعدة ومنطلقا للدولة الفلسطينية المنشودة من خلال عملية انتقال تدريجي من الاحتلال إلى سلطة حكم ذاتي ومنها للدولة .

 لكن لم تجري الأمور بما تشتهي المراهنة الوطنية المنشودة حيث وظفت إسرائيل وجود سلطة فلسطينية لتقوم بتكريس الاستيطان ومواصلته مع مناصبة السلطة العداء وخصوصا بعد أن رفض الراحل أبو عمار في قمة كامب ديفيد 2 عام 2000 الخضوع للابتزاز الأمريكي ومن بعده الرئيس أبو مازن مع رفضه لآلية المفاوضة والمساومة على القدس وأساس التسوية السياسية القائم على الأرض مقابل السلام وحل الدولتين وأخيرا رفضه التساوق مع صفقة القرن الأمريكية .

ومع واشنطن وتل أبيب عملت حركة حماس وفصائل فلسطينية أخرى على إفشال السلطة حيث أن حماس وطوال سنوات تأسيسها وهي تعمل كل ما من شأنه إعاقة عمل السلطة وتشويهها وتشويه منظمة التحرير والمشروع الوطني في مراهنة أن تحل محل السلطة ومنظمة التحرير، دون أن نتجاهل أخطاء السلطة نفسها سواء في الإدارة الداخلية أو في إدارة ملف المفاوضات .

منذ سنوات ونحن نحذر من حل السلطة أو انهائها لأي سبب كان قبل تهيئة البديل الوطني سواء كان منظمة التحرير بعد استنهاضها واستيعابها للكل الوطني أو الدولة الفلسطينية كواقع وليس مجرد مشروع أو فكرة، واليوم فإن إسرائيل وواشنطن وأطراف أخرى بما فيها فلسطينية تقوض السلطة الفلسطينية دون وجود بديل وطني محل إجماع وطني .

ما هو موجود اليوم هي منظمة التحرير الفلسطينية والتي بالرغم من حالة الضعف التي تنتابها وفشل محاولات تطويرها واستيعابها للكل الوطني إلا أنها تمثل رسميا الشعب الفلسطيني ومحل اعتراف غالبية دول العالم بأنها عنوان للشعب الفلسطيني كما أن لها سفراء في غالبية دول العالم، فهل من صالح الشعب الفلسطيني التشويه والتشكيك بهذا العنوان والكيان المعنوي للشعب ؟ و أليس غريبا أن تلتقي المواقف الإسرائيلية والأمريكية من المنظمة والمشروع الوطني مع موقف أحزاب وفصائل فلسطينية !! .

كان من الممكن تَفَهم موقف المعارضين والمشككين بالمنظمة والمشروع الوطني لو كان عندهم البديل أو كان مشروعهم يحقق انجازات وانتصارات، ولكن والكل يلمس مأزق بل وفشل مشاريع كل من ناصب المنظمة والمشروع الوطني العداء أو طرحوا أنفسهم بديلا عنهما، فإن موقف المطالبين بتجاوز المنظمة والمشككين بالمشروع الوطني لن يخدم إلا دولة الاحتلال ولن يصب إلا لصالح الانفصال ومشروع دولة غزة، ولو استوعب معارضو المنظمة والسلطة بأن إسرائيل التي حاربت منظمة التحرير والسلطة وأفشلتهما في تحقيق الهدف الوطني هي نفسها التي تحاربهم و أفشلت مشروعهم وإسرائيل وواشنطن لن تقبلا التعامل معهم بل مجرد وجودهم إلا بثمن أفدح مما قدمته المنظمة والسلطة، لو تفهموا ذلك لأعادوا النظر في مواقفهم من المنظمة والقيادة والمشروع الوطني لو كانت نواياهم وطنية صادقة .

 

أ. د. إبراهيم ابراش

 

 

عبد الحسين شعبانفي 24 فبراير/ شباط الجاري سيتم التصويت في استفتاء شعبي على الدستور الكوبي الجديد، وذلك بعد أن صوّت البرلمان بنوابه البالغ عددهم 560 نائباً بالإجماع على المشروع بعد مناقشته بحضور راوول كاسترو الأمين العام للحزب الشيوعي. وافتتح باب النقاش على الدستور الذي ساهمت فيه نقابات واتحادات وجمعيات وهيئات مدنية متنوّعة، إضافة إلى جمهور واسع، لسماع آرائهم ومقترحاتهم طيلة ثلاثة أشهر من 15 أغسطس/ آب لغاية 15 نوفمبر /تشرين الثاني قبل عرضه على البرلمان (ديسمبر/ كانون الأول/2018).

ووصل عدد الاقتراحات إلى 783 ألفاً و174 اقتراحاً لتعديلات أو إضافات أو حذف أو إلغاء. وقامت لجنة مختصة بتصحيح 60% من النص الأصلي، وشارك في النقاش الغالبية الساحقة من الذين يحق لهم التصويت من سكان كوبا البالغ عددهم 11 مليون نسمة.

وكان من أهم التعديلات إلغاء فقرة تتعلق ببناء المجتمع الشيوعي، وهي التي كانت من أبرز ما تصدّر دستور العام 1976. وقد أثارت تلك النقطة ردود فعل متباينة، منها أن كوبا تخلّت عن نظامها الشيوعي، خصوصاً بانفتاحها على اقتصاد السوق، حيث يعمل الآن 591 ألف كوبي في القطاع الخاص، وهو ما لم يكن مسموحاً به قبل سياسات الانفتاح وتخفيف وطأة تدخل الدولة التي كانت سائدة طيلة نصف القرن الماضي.

لكن الاتجاه الآخر يعتبر مثل ذلك التطور مجرد قراءة جديدة للحظة التاريخية التي تستوجب التعاطي مع مستجدات العصر والانفتاح أكثر على الملكية الخاصة والاستثمار الأجنبي، مع حفاظ الدولة على مكتسباتها الاشتراكية وعدم التخلي عن مقاليد السلطة. واعتبر منسق لجنة صياغة الدستور أوميرو أكوستا أن هذا الدستور هو «تعبير صادق عن الطابع الديمقراطي والتشاركي لشعبنا لأنه انبثق منه ويعبّر عن روحيته».

وأكّد الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل الذي تولّى السلطة في 19 إبريل/نيسان 2018 خلفاً لراوول كاسترو الذي حكم من 2008 ولغاية 2018، بعد أن تولى شقيقه فيديل كاسترو زعيم الثورة فعلياً قيادة البلاد من العام 1959 ولغاية العام 2008، أن الدستور الجديد ينص على إعادة صلاحيات رئيس الجمهورية ونائب الرئيس ورئيس الحكومة وهو يحدد سقف الترشّح عند تولّي السلطة للمرّة الأولى ب 60 عاماً، كما يحدد مدّة الرئاسة ب 5 سنوات قابلة للتجديد لمرّة واحدة.

وقد أثار موضوع «زواج المثليين» نقاشات حادة وردود فعل كبيرة بسبب الصيغة الملتبسة التي احتواها الدستور بتعريفه الزواج بأنه «اتحاد بين شخصين» وليس بين رجل وامرأة، كما هي حال دستور العام 1976، وكانت غالبية المشاركات والمشاركين قد عبّرت عن رأيها برفض هذه الصيغة التي تم العدول عنها، والإبقاء على الصيغة القديمة التي تغلق الباب أمام زواج المثليين.

ويحتوي مشروع الدستور الجديد على ديباجة و224 مادة، وسيقوم بنسخ دستور العام 1976، الذي جاء في ظروف الصراع الأيديولوجي الحاد وثقافة الحرب الباردة، فهل سيشكل الدستور الجديد قطيعة مع الثورة، لاسيّما لأجيال ما بعد الثورة؟ أم أن الدولة أصبحت من القوة بمكان فأخذت تجري مراجعة للتجربة بإيجابياتها وسلبياتها، متوسمة إحداث إصلاحات هيكلية وضرورية في بنية النظام؟

ولعلّ دواعي الإصلاح كان قد مهّد لها راوول كاسترو الذي قام بتشجيع السياحة الأجنبية التي ارتفعت من 400 ألف إلى 4 ملايين سائح والسماح ببيع وشراء المنازل والممتلكات وإدخال مقتنيات التكنولوجيا والعولمة مثل الأنترنت والكومبيوتر والهواتف النقالة وتخفيض العمالة الحكومية والقيود المفروضة على الكوبيين للسفر وتوزيع الأراضي على الفلاحين وتشجيع الاستثمارات الأجنبية.

وكان مثل هذا التطور والانفتاح يحتاج إلى قاعدة تشريعية ودستورية شرعية لمواجهة التحديات المجتمعية، تلك المرتبطة أساساً بالتنمية والحريّات، ناهيك عن التحديات الإقليمية والدولية، لاسيّما بعد الزيارة التاريخية لباراك أوباما إلى هافانا ( 20 مارس /آذار 2016).

«حروب سبعة، آخرها الحرية والحداثة» كان هذا عنوان فقرة ختامية في كتابي الموسوم «كوبا- الحلم الغامض»، (دار الفارابي، بيروت، 2010) والحروب الخمسة اجتازتها كوبا بنجاح خلال القرن ونصف القرن الماضي، ورغم ما تحقق، فإن حقل الحريات وحقوق الإنسان بحاجة إلى إعادة نظر، وإقرار بالتعددية وحرّية التعبير وحق الاجتماع والاعتقاد والتنظيم والمشاركة، فقد أدى التضييق على هذه الحقوق إلى استثمار الثورة المضادة لهذه الثغرات والمثالب، الأمر الذي كان يحتاج إلى مراجعة جادة ومعالجة إيجابية لإدراجها في الدستور.

وسيبقى مصير كوبا ومستقبلها رهناً بمواجهة التحدي الخاص بقدرتها على الاستثمار بالعلم والتكنولوجيا لمواكبة التطور العالمي، والتي ظلّت محرومة منها بسبب الحصار الأمريكي الجائر عليها منذ ما يزيد على نصف قرن، إضافة إلى شحّ الإمكانات والعزلة ونقص الموارد.

ويأتي الدستور بمثابة الجرعة الأولى للانتقال الديمقراطي بمبادرة من داخل منظومة النظام لاعتبارات براغماتية ولكسر حالة الجمود السياسي والركود المجتمعي والحراك الشعبي ولتطوير الاقتصاد وفكّ العزلة، ولكن المطلوب اليوم وفي المستقبل هندسة جديدة تربط الاشتراكية بالديمقراطية، وتضفي عليها «وجهاً أكثر إنسانية»، وذلك هو الضمان لتحقيق مجتمع أكثر عدالة.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

لا يُعرف بالضبط نسبة المغتربين العرب، الذين يعيشون في بلدان المهجر، كما لا يُعرف كم من بينهم هي نسبة النساء والشباب والشيوخ، الذين يعانون الكثير من التحديات منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما تلاها من أحداث وصراعات سياسية واجتماعية سيما بعد إنتهاء الحرب الباردة وسقوط المعسكر الإشتراكي ونتيجة لما يُعرف بـ "الفوضى الخلاقة" التي أدت إلى إنهيار الإستقرار في منطقتنا العربية. أيضاً الأحوال الإجتماعية والقوانين المشددة التي تتعارض مع حقوق الإنسان وكرامته في العديد من البلدان العربية، بالإضافة إلى سوء الأوضاع الإقتصادية وإرتفاع نسبة البطالة والحد من تحقيق طموحات الشباب وحرمانهم من كامل حقوقهم. كلها أدت إلى إتساع فك إرتباط الانسان العربي بموطنه الأصلي وترك آلاف المواطنين مسقط رأسهم والتوجه سبيل الهجرة والرحيل مغامرين بحياتهم لاجل الحرية في بلدان شتى وبشكل خاص الدول الصناعية.      

وعلى قدر أهمية توحيد جهود مؤسسات المجتمع المدني العربية لتيسير شؤون الجالية والدفاع عن مصالحها، إذ لم نقل المصالح الوطنية والقومية على أقل تقدير. فقد باءت جميع المحاولات الفردية بهذا الإتجاه بالفشل سابقاً، بسبب التناقضات العامة وغياب الظروف الموضوعية.. فالفكرة من ناحية المبدأ لا بأس بها، انما واقع التجربة في هذا المجال كما يعلم الكثيرون، كان ولا يزال مريراً وشاقاً للغاية، على الرغم من وجود منظمات مجتمع عربية لا تعد ولا تحصى، ومن كل قطر كذا تجمع، يتنافس داخلها كل من موقعه، على منصب قيادي محسوباً بـ "المثقال". قطعاً جميعها، سواء على مستوى الجمعيات أو "الكومونات" أو الأفراد، لم تستطع تحقيق مشروع كهذا ولا أبسط منه بسبب الولاءات السياسية والحزبية الضيقة والانتماء العرقي والعقائدي ومحاربة البعض للبعض الآخر. وإن وقع في قمقام من الأمر، كما يقال، وإنتقلنا من المحسوس الى المعقول بعيداً عن التمنيات والعواطف، سيبقى "الهدف" بؤرة للتوتر وسيكون عرضة للانتهاك والتمرد لأجل السيطرة والاستحواذ كما جرت العادة داخل الكثير من التجمعات. ويشتد الصراع وميل طرف لهذا الصوب وآخر إلى ذاك. ويتخندق أصحاب المحسوبيات بإتجاه البعثات الدبلوماسية "العربية" ومكافأتها بالتعاون. ويعرف القاصي والداني أن هذه البعثات لم تقدم شيئاً يذكر لمواطنيها، وهي من ساهم بسبب إهمالهم على تراخي مفهوم الانتماء للوطن لدى العديد من أبناء الجاليات المغتربة. وان رمزية هذه البعثات بالمجمل تتلخص بخدمة أنظمة متسلطة فاسدة، هي سبب مغادرة العديد من المواطنين أوطانهم بما في ذلك العقول العلمية والثقافية وأصحاب الخبرة.. نعتقد بأن المعرفة تقود إلى الحقيقة التي يبلغ فيها منسوب المنطق مستواه للفصل بين المتناقضات وكشف المستور دون مجاملة على حساب المبدأ.

ففي ظاهرة جديدة غير مطمئنة يحيطها الكثير من الكتمان وملاباسات واوهام، يجري على "الواتساب" مؤخراً تبادل رسائل حول فكرة تأسيس مركز للجالية، يحلم البعض أن يكون نواة "لوبي عربي" في برلين. تحت مسميات مختلفة، تفتقر للعديد من المباديء والأسس والشروط. ولا يسمح بإبداء الرأي والنقد أو المساءلة كما هو متعارف عليه في البلدان المتحضرة وتكفله النظم السائدة قانونياً. وما لا يجوز عرفاً، ما يقوم به القائمون على الترويج من نشر أرقام هواتف ممن تكرموا بالكتابة من باب الفضول دون إذن منهم، ويحظر من تتعارض أراؤه وتصعب الاجابة على تساؤلاته على أهميتها. مما إضطر الكثيرين إلى إيقاف التواصل دون التمكن تقنياً من حذف أرقام هواتفهم الشخصية.. السؤال: إن كان ثمة اعتقاد بأن هناك حقاً رغبة جامعة بإتجاه هكذا مشروع خيالي.. فكيف لنا أن نتعاطى معه بهذه الطريقة ومنشأ الاستحواذ بات واضحاَ، يشكل الفصل الأول من مسرحية غير مكشوفة معالمها الحقيقية والنوايا التي تقف وراءها؟.

وإن كان البحث عن إطار جديد يتناسب مع حل مشكلة تشتت أبناء الجالية العربية مجتمعياً، هدفاً بحد ذاته. فيقتضي ذلك أولا، إدراك أهمية الحفاظ على التنوع الحضاري، ووضع خطط إنمائية للتجانس بين الثقافة والفكر لنقل المغترب إلى موقع أفضل تجاه مشروع كهذا. إذ أن "الكومونة المجتمعية العربية" من وجهة نظري لا تجد نفسها معنية بما يدور حولها قطعاً، سيما فيما يتعلق بـ "الاندماج الثقافي ـ الاجتماعي" الذي يفهم في أغلب الأحيان بشكل خاطيء. كما أنها منفصلة تماماً عن جوهر قضاياها الموضوعية، المجتمعية والوطنية. وثمة حقيقة تم إغفالها: أن المجتمعات العربية بما في ذلك الوسط الثقافي في المهجر، منفصلة عن بعضها البعض، وكل يبحث عن أبناء ملته منفرداً، بعيداً عن أي مشاركة في الشأن العام كنصرة شعب فلسطين واليمن مثلاً. ومن لا يعلم، أن أي دعوة لفعالية ثقافية أو وطنية متميّزة لا تحظى بإهتمام كبير من قبل أبناء الجالية العربية، فيما يتقاتلون لشراء بطاقة باهظة الثمن لحفل تافه.

ومن المؤسف لم يستوعب الوافدون الجدد من أبناء الجاليات العربية أهمية المفاهيم المتأصلة بعالم غير العالم الذي عاشوا واعتادوا عليه، كالإندماج ومد جسور التبادل المعرفي والثقافي والتفاعل المجتمعي، التي من شأنها إن تكون مصدراً مكتسباً، للتقارب ومد الجسور بين الحضارات والمجتمعات المختلفة الثقافات، لمواجهة التحديات والتكيّف مع الواقع الجديد والدفع به نحو منظومتنا الثقافية والاجتماعية بأساليب إبداعية خلاقة. وهي في واقع الحال آفاق إعتبارية قيمة تتفاعل مع مرور الزمن بشكل طبيعي عند الأجيال، سيكولوجياً ووجدانياً، تنمي ذائقة المغترب نحو جمالية التنوع ومعنى الثقة بنفسه وقدرته على التكيف وجودياً ومجتمعياً وسياسياً، الأمر الذي ييسر عملية تغيير البنية الجماعية بشكل مميّز.  

كما إن طبيعة العلاقة بين مؤسسات المجتمع العربية من جهة، وبينها وبين أبناء الجاليات العربية ومنهم المهاجرون الجدد الى بلاد الإغتراب، لم تنضج. ولا يزال ما كان يتطلب عمله، تأسيس "مجلس تنسيق بين الجمعيات" بعيداً، ودور الجاليات على المستوى العام لم يُفعل. ولم يفكر أحد قطعاً بأهمية صناعة التواصل "المتبادل" بين الأجيال، سيما في المجال الثقافي والاجتماعي والسياسي. أيضاً "التكامل المجتمعي" داخل المنظومة العربية، الذي سيقوّم إرادتها ويؤثر إيجاباً على المسلك السياسي لها في العلاقات الثقافية والعامة داخل المجتمع الجديد. أن ما تقدم من ملاحظات وآراء، هي لسان حال تجارب وعينات بينية امتدت لسنوات طويلة على الصعيد السياسي والاجتماعي والثقافي والطلابي والنقابي، وعلاقات غير قصيرة بين أوساط الجالية العربية والمجتمع الألماني. أصبح تشخيص الخلل والتحريض لمواجهته، مسألة جدلية، تجعل تحريك الكفاءات العربية على المستوى الثقافي والسياسي، أمراً مطلوباً. كما يشكل مصدر قوة للبحث عن حلول أفضل وبطريقة عقلانية، بعيداً عن أهواء إرتجالية مبنية على تصورات ساذجة لا تمتلك من المواصفات والنضج.

أتساءل: هل بإستطاعة "فلسفة الرغبة" غير محسوبة النتائج أن تغيّر الواقع وتحقق ما يطمح إليه حقاً أبناء الجالية وفي مقدمها الدفاع عن مصالحهم في بلاد المهجر، ومواجهة الحدث الذي ينال من مصالح الوطن العربي وحقوق شعوبه في اي محفل على الساحة؟. وهل حقاً، "المصالح العامة والوطنية" لها قداستها وموضع إهتمام المغترب العربي؟. الحقيقة بالمطلق لا !!.

إنني أشك بأن هناك قوى فاعلة تمتلك مقومات موضوعية، مؤسسات مجتمع مدني أو كومونات جماعية معنية بموضوع كهذا؟. لكن السؤال المهم، ما الهدف أصلاً من وراء ذلك وفي هذا الظرف تحديداً؟. إذ ليس من المعلوم مَن مِن "النشامى" يقف وراء هكذا مشروع عديم الفائدة، يفتقر للعنصر البشري ويلاقى الاستهجان الواسع. بيد أن هناك بالملموس "لوبيات أجنبية" استطاعت أن تحقق ما تطمح، أثر علاقات سياسية وثقافية ومادية متراكمة، ووجود جهد إعلامي وبحثي ومجتمعي يدعمها، إلى جانب ـ وهو المهم ـ إلتزام أبنائها بمبدأ التكامل الاجتماعي والتمسك بقيم التضامن والانتماء. في الوقت الذي تفتقر الجالية ومؤسسات المجتمع العربية إلى هذه الإمكانيات، ولم تتمكن على قدر تنوعها وتعددها الكمي تحقيق ما تطمح إليه على مدى أجيال، قضى منهم ولم يحصد شيئاً لا هنا ولا هناك على الطرف الآخر من ضفاف الوطن.

إن الإرتباط بالأوطان قضية حساسة، تشكل للجيل الأول من المهاجرين العرب الذين يسميهم أفنان القاسم "بالغرباء" في سياق وصف دراماتيكي دقيق، إلتزاماً أخلاقياً ووطنياً لا جدال فيه:[مقاه شاحبة منعزلة عفنة، يتلاقى فيها غرباء مسافرون أو منفيون فيما بينهم، إنهم ليسوا مشردين ولا مهاجرين بل هم مستلبون ميتافيزيقيون، صاروا غرباء عن أنفسهم من فرط ما انتظروا اللحظة غير المحتملة التي يمكنهم فيها العودة إلى بلدهم]. وصف القاسم تحريض للإنتقال من التقوقع والجمود للوصول إلى صيّغ جديدة من الأنماط في حياة الجالية العربية. وهذا التحدي بالذات يقترن بأي جيل نتحدث عنه بالنسبة لأبناء المهاجرين من الجيل الأول. وعلينا أن نعترف، إن الهجرة والتهجير قسراً نحو الخارج هي مسألة سياسية بإمتياز، ولم يكن الإختيار طواعية، بل نتيجة الصراع الطبقي وقهر الإنسان اقتصادياً وإجتماعياً وملاحقته سياسياً. أيضاً الحروب والاحتلال وفقدان الأمن وإنتزاع الهوية وإقتلاع الشعور بالإنتماء للوطن والتربة من جذورها، اضطرت الكثيرين للهجرة إلى عوالم ومجتمعات بديلة، تحملوا المشاق إلى أن استقر بهم الأمر أو كاد.   

لقد لعب الفكر المعاصر في الغرب، دوراً فلسفياً إيجابياً في مجال التقارب الثقافي والفكري بين الحضارات، لكنه أخفق في أغلب الأحيان إذا ما تناول ذلك من زاوية سياسية بحتة، حيث يغلب طابع الإنحياز حداً مفصلياً على حساب مبدأ الحوار بين الثقافات والتعايش المجتمعي. وإذا كان دور المستشرقين والمستغربين "العلمي لا الأيديولوجي" من حيث النشأة، هاماً ومتنامياً في مجال توأمة التبادل الحضاري ـ الثقافي لا السياسي، إذا جاز القول، فالصورة عندما نتحدث عن مسائل الإندماج والإنتماء أو الهجرة والإغتراب، لاتزال ملتبسة في عقولنا شكلاً ومضموناً حد بتر الشرق عن الغرب حضارياً وتاريخياً. ولا نستطيع على ما يبدو أن نضعها في سياقها المادي والمعنوي، فيما يؤثر على ترسيخ إرادتنا في مجتمعات جديدة علينا. نستوعبها كما نستعد لمواجهة تحدياتها، وليس الهرولة وراء من دأب على المغالاة في الإندماج الكامل دون الربط بين كينونيتنا وتراثنا الحضاري والثقافي كأي شعب وأمة.  

لكنني أرى من حيث إتساع ظاهرة الولاءات الطائفية والعرقية والسياسية والإنحياز الأعمى للتعصب الديني وغياب الوعي عن مواجهته، ومن حيث تحوّل التباين الفكري إلى صراع أيديولوجي من أجل المصالح الخاصة والفئوية. أيضاً، التباين الجنسي بين الذكور والإناث وعبودية الرجل للمرأة داخل منظومتنا الاجتماعية وإنتقالها من الداخل إلى المهجر. ويؤسفني التأكيد على أن هذه الظاهرة قد أصبحت مورثاً في غاية من الإحاطة والكتمان داخل العديد من المجتمعات العربية في بلاد الإغتراب، وتقف حائلاً أمام الإندماج المجتمعي بين أبناء الوطن الواحد والمنظومة المجتمعية العربية أيضاً. أقول علينا تقع مسؤولية كبيرة لمواجهة هذه التحديات وتأثيرها مستقبلاً على الأجيال القادمة. وعلى الأطراف المعنية إن رغبت في تغيير هذا الواقع المرير، عليها أن تتجه بعناية فائقة من خلال حوار موضوعي مشترك، إلى إيجاد آليات متكافئة قابلة للتحقيق دون كلفة باهظة لا تستطيع تحملها، مادياً وتقنياً وبشرياً.. كما يتطلب حسب تقديري التدرج في البناء، أفقياً وعامودياً، وفق معايير واقعية أساسية تتوفر فيها الضمانات اللازمة وأهمها الصدق والمسؤولية والكفاءة والخبرة والتنوع الفكري والبشري. إذ هي المدخل الأساس الذي نستطيع على أساسها رسم المحاور التي ينبغي أن نركن لمعالجتها على أرض الواقع، ننسج ونبني طبيعة العلاقة فيما بيننا دون شروط وإملاءات لنرتقي بمستوى صناعة الحدث الذي نعتقد بأنه جوهر القضية التي يدور في فلكها كل الجماعات والمنظمات.

ما يعنيني موضوعياً في هذا المضمار البحث عن صياغات جديدة تساعد على إيقاظ الأصالة ومبدأ المسؤولية لدى أبناء الجالية في المهجر وجعلهم أشد تعلقاً بإنتمائهم الوطني وأكثر إنجذاباً إلى المنشأ والتأريخ والثقافة واللغة والأعراف والمعتقدات والتقاليد، إذ كلها تشكل موروثاً حضارياً نعتز به ونسعى إلى مغازلته الموروث الحضاري الذي إقتربنا منه حديثاً في مجتمعات جديدة علينا بشكل جذاب. لا البحث عن مجالس وهمية كي نزيد رقماً لما هو قائم من تجمعات فيها من الإشكاليات التي اعتاد عليها أبناء الجالية العربية على كافة الأصعدة والمجالات.  

 

عصام الياسري

 

عبد الجبار الجبوريعسكرياً هُزمتْ اليوم، مايسمّى الدولة الاسلامية في العراق والشام (دولة الخرافة)، تنظيم داعش الإجرامي، في كل من سوريا والعراق الى الأبد، وبقيّتْ عصاباتُها تقاتل من أنفاق في عمق الصحراء الغربية بالعراق، وتهاجم ليلاً هذه القرية أوتلك، إذن داعش إنتهتْ كتنظيم يهدّد المدن المحرّرة، بعد أن إنشّلت قدرته العسكرية، وفَقَد حاضنته الى الأبد، اليوم بدأتْ معركة أخرى، ولكنّها ليست عسكرية، وإنما معركة سياسية، أقسى وأمرّ من المعركة مع داعش، التي ستفضي بالتأكيد الى معارك داخلية، تمهّد لعودة داعش بصورة وأخرى، وهي الأقسى من داعش وجرائمه، هذه المعركة، هي معركة تقسيم العراق، في مرحلة ما بعد داعش، وهناك عدة سيناريوهات طافت على السطح السياسي، الاوّل هو الدعوة لإقامة إقليم نينوى، وهو مشروع يجري الإعداد له من خارج المدينة من مدينة دهوك، وقيادته من اهل الموصل أي لم يعيشوا معاناة وكارثة ما حلَّ بأهل الموصل، وتدعمه جهات لها مصلحة في إقامة هذا الاقليم، بالرغم من النوايا الصادقة لمن يقود دعوة الاقليم، ولكنّه مشروع تدميري لنينوى، لأن الصراع السياسي للأحزاب، القومي والطوائفي والديني والمذهبي هو من سيقوّض نوايا من يقود المشروع، إضافة أن نينوى، ليست نينوى، هي مختطفة لدى جهات دولية وإقليمية، وأحزاب سياسية وطائفية تسيّطر على المدينة بالقوّة، معتمدة على الدعم العسكري الخارجي، كما يعرف الجميع، ولاتسمح بإنجاح تنفيذ أقامة الاقليم الاداري، وهناك السيناريو الثاني، ألا وهو إعلان مدينتي سنجار وتلعفر كمحافظتين واحدة للإخوة الإيزيدية، يدعمها حزب العمال الكردستاني وبعض الاطراف في الاحزاب الكردستانية، هي سنجار، والثانية دينية تدعمها الأحزاب الطائفية الحاكمة، هي تلعفر، وهناك سيناريو ثالث ظهر بعد الزيارة المشبوهة للسفيرالايراني لمدينة سامراء، ودعوته لحكومة عادل عبد المهدي، لجعل مدينة سامراء محافظة منفصلة، عن محافظة صلاح الدين، وربّما يسلّم مسئولية المحافظة لإشراف إيران عليها، والتحكّم بها من خلف الستار بغطاء ديني وهدف سياسي، أما السيناريو الرابع وهو إعادة الدعوة لإقامة أقليم البصرة، وهو مشروع تقسيمي مدعوم إيرانياً وبقوّة، بعد أن فشلت الدعوة من قبل، وحصل مروجو الإقليم على نسبة خجولة، وهزيمة ساحقة من أهل البصرة الفيحاء الاصلاء 16%، إضافة الى سيناريهات اخرى غير ظاهرة منها إقليم الانبار، السؤال لماذا في هذا الوقت، خرجتْ الاصوات النشاز، للمطالبة بإنشاء أقاليم ومحافظات منفصلة، عن الحكومة المركزية أو من سلطّتها، ولكي نجيب على هكذا أسئلة ملحّة، تشغل الشارع العراقي، بل وترعبه وتقلقُه، لأنها مشاريع تهدّد وحدته الجيوسياسية والاجتماعية، وتنذر بحرب أهلية وطائفيّة، نقول إن معركة التقسّيم إنطلقت الآن، لأسباب داخلية وخارجية، الداخلية، هو الفشل الحكومي المتواصل، في تشكيّل حكومة ناجحة ومتوازنة، تمثّل كل أطياف المجتمع، إضافة الى الفساد المستشري في كل مفاصلها، بسبب هيمنة الأحزاب الطائفية التي تدعمها إيران، وتهميش وإقصاء مكونّات المجتمع العراقي، وإستحواذ جميع المناصب السيادية والامنية والاستخبارية والمخابراتية لها، وهيمنة إيران لتنفيذ أجندتها ومشروعها في المنطقة، والذي يدعونه بال (البدر الشيعي)، وإقامة (دولة العدل الالهية)، برعاية ولي الفقيه المرشد الخامنئي، وأسباب خارجية، وهو الصراع الامريكي – الايراني، للتحكم بموارد وثروات العراق، وموقعه الاستراتيجي الجيوسياسي، إذن تفكيك العراق وتقسيمه هو مشروع امريكي – ايراني، كل من مصلحته وتحقيق مشروعه، فيما ترفض تركيا ودول الخليج العربي في دعم إقامة مثل هكذا مشاريع، ليس حباً بالعراق، وإنما حفاظاً على أنظمتها من التفكك والتفتيت والتقسيم، بل تدعم إعادة التوازن وإنهاء الإقصاء والتهمّيش، الذي تعاني منه طوائف وقوميات ومكونات عراقية، كالسُّنة والتركمان والإيزيدية والمسيحيين وغيرهم، إذن معركة التقسيم في العراق، ماضية في ظلِّ صراع سياسي بين الأحزاب نفسها، وصراع دولي بين امريكا وايران، وصراع اقليمي بين إيران التي تسيطر على العراق، وبين دول الخليج العربي والسعودية وتركيا، فهل تنجح عمليات التقسّيم وزرع بذور الفتنة الطائفية، بإستحداث محافظات على أسس طائفية وقومية ومذهبية وعرقية، كما تريدها إيران وأحزابها، وهل تكفي النوايا الصادقة، لإقامة أقاليم إدارية، للخلاص من هيمنة إيران وأحزابها المتسلطة في بغداد، وتحكّمها في مصير العراقيين، في ظلِّ وجود مدينة منكوبة ومدمّرة، ونصف سكانها خارج المدينة، والنصف الآخر يعيش ظروفاً قاسية جدا، بعد معركة وهزيمة داعش، النوايا الحسنة والصادقة لاتكفي، لقيام هكذا أقاليم، تفتقد الى مقومات الاقليم الادارية والنفسية والسياسية والمجتمعية، لأننا شعب لم نتعود ولم نعش في ظل حكم الاقاليم، منذ تأسيس الدولة العراقية ولحد الآن، ولانشبه أن نستطيع أن نتشبه لدول اوروربا وامريكا الفدرالية، لهذا سيفشل حتماً دعاة الإقليم في نينوى والبصرة لهذه الأسباب، إضافة الى الصراع الطائفي السياسي والوضع الامني الكارثي المتعدد الرؤوس وتسلط جهات خارجية مسلحة لانعرف من وراءها نينوى، تتحكم في وضعها الامني، إذن معركة التقسيم التي ظهرت مؤخراً لها اهداف سياسية أولا وطائفية ثانياً، تدخل البلاد في أتون حرب اهلية طاحنة قد تطول أو بلا نهاية حتى، ولهذا نعتقد، ألأصرارعلى تنفيذ مثل هكذا مشاريع تقسيمية، هو نوع من اعلان الحرب، وإدخال العراق بحرب ونفق الحروب التي عانينا منها في اعوام مابعد الاحتلال حتى ظهور تنظيم داعش الارهابي، الذي كان نتيجية حتمية لحرب طائفية سببتها السياسة الطائفية ومنهج الاقصاء والتهميش، والاجتثاث وحل الجيش السابق واصدارقرارات الثأر والانتقام من مكون بعينه، نقول اليوم وبكل صدق، أن ظهور داعش مرة أخرى في مدن الغربية، هو إحتمال لاتريده هذه المدن، وإن أُجبرت عليه في السابق، بسبب سياسة المالكي الإنتقامية، التي سلّمت المدن لتنظيم داعش الارهابي، وجرى ما جرى، فإذا كانت الحكومة والأحزاب المتنفّذة، جادة في عدم السماح لداعش بالعودة، وهي الوحيدة التي بيدها الأمر، وليس بيد أهل المدن المحرّرة من داعش، لأن السلطة هي من يتحكّم بها، فلتعالج أسباب عودة داعش، وأولى الأسباب هو القضاء على الفساد، الذي تمارسه أحزاب السلطة ورموزها وميليشياتها، بدعم ايراني واضح، وتعالج عملية الإقصاء والتهميش، وإطلاق مبادرة المصالحة الوطنية الحقيقية، وتطبيق شعار المصارحة قبل المصالحة وطي صفحة الماضي الأليم الأسود، بعيداً عن الإملاءات الإيرانية ونواياها المسّبقة الانتقامية والثأرية وأحقاد وأمراض التاريخ وأحقاده العالقة في سياستها، والتي لاتريد أن يستقر العراق، ويعود النازحون الى ديارهم، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين وغيرهم، ممّن لم تلوّث أياديّه في دماء العراقيين، كائناً من كان، وتخرج من عباءة وهيمنة المؤثرات الايرانية والامريكية، وإلاّ فإنشاء محافظات جديدة على أسس إدارية، لاغبار عليه بل نطالب به، ويفضّل أن تؤّجل الى وقت آخر، لأنّ إنشاءها في هذا الوقت بالذات، يعني ايقاظ الفتنة الطائفية النائمة، على العموم، هذه السيناريوهات تطرق أبواب الحرب بين العراقيين، في وقت حَرج جدا، هو خروجه من حرب طاحنة تدميرية مع داعش، وفي ظل وجود ملايين العراقيين، بين مهّجر ونازح ومتغرب ومغترب خارج العراق، ووضع أمني سيء تتحكّم به أكثر من جهة اقليميّة ودولية، وتأزم العلاقة بين الإدارة الامريكية وإيران، والتي قد تصل حد أعلان المواجهة العسكرية بين الطرفين، حتى تظهر علامات التقسيم مجسّدة بتوقيت خاطيء، بدعم دولي وإقليمي، بكل تأكيد وبثقة لأيشوبها الشك، أن مسألة تقسيم العراق، الى أقاليم إدارية في ظاهرها وطائفية وقومية في باطنها، وإنشاء محافظات كقنابل موقوتة، هو محض اللعب بالنارومحض سراب، لأن طريق التقسّيم، سيكون مسدوداً أمام هكذا نوايا لانقول عليها شريرة، وإنما تحملُ بصماتها، التقسيم الذي يريده أهل التقسيم سيفشل حتماً، وتتحطّم نواياه الشريرة على صخرة الوعي العراقي، ذي التاريخ الحضاري، ولهم في اقليم البصرة إسوة سيئة، العراق لاُيقسّم إلاّ على نفسه، ولتذهب مشاريع الفدرلة والتقسّيم، وإنشاء محافظات طائفية، وعرقيّة وإثنية ومذهبية الى الجحيم ...

 

عبد الجبار الجبوري

 

هل العراق ما بعد الإحتلال الأمريكي للبلاد، يحمل سمة الدولة؟ هل هناك معالجة حقيقيّة للملّفات التي لازالت دون حلول جوهريّة من خلال إصلاح الوضع السياسي بالبلاد؟ هل هناك إمكانيّة لإصلاح الوضع السياسي بالبلاد، دون وجود مشروع سياسي؟ وهل من الممكن بناء دولة عصريّة ترعى مصالح المواطنين بشكل متساو، دون عمليّة سياسيّة؟ هذا الأسئلة علينا الإجابة عليها بشكل دقيق، قبل أن نتفق على وجود عمليّة سياسيّة بالبلاد أصلا، وعندما نقول عمليّة سياسيّة فإننا نعني بها هنا عملية تستطيع تنفيذ بناء الدولة التي توفر المناخ المناسب لإيجاد بنية إجتماعيّة متماسكة وبيئة آمنة ومستقرة لمجموع شعبها، من خلال مشروع سياسي يعالج الأزمات التي ترافق " العمليّة السياسية" منذ الإحتلال لليوم. فالعراق اليوم وهو يتخبط في لا عقلانيّة من يمسك بزمام أموره، ليس  بحاجة الى إصلاح سياسي ، ليس لأنّ الإصلاح السياسي لا تتوفر شروط إجراءه لغياب نظام ديموقراطي حقيقي، وليس لأنّ الغالبيّة العظمى من القوى السياسيّة العراقيّة لا تريد إصلاح واقع فاسد ساهمت وتساهم في ترسيخه، وليس لعدم وجود قوى قادرة فعلا على تنفيذ الإصلاح. بل كون العراق بحاجة الى بناء عملية سياسيّة تهدم كل ما خلّفته قوى المحاصصة منذ وصولها الى السلطة لليوم، لأن ما يقال عن إصلاح لما تسمّى بـ " العملية السياسيّة" لا يمكن حدوثه ونحن نفتقر الى قوى سياسيّة مساهمة في " العملية السياسية" منذ إنطلاقها أو من خارجها، ولها تأثير كبير على الشارع السياسي علاوة على إيمانها بمشروع الدولة بمعناها الحقيقي. فالحقيقة التي علينا قبولها ونحن نراقب ما يجري في وطننا، والتي علينا أن نراها بعيون مفتوحة. هي أنّ ما تسمّى بـ "العمليّة السياسية"، تمتاز بقبح لا ينفع معها كل عمليات التجميل، ناهيك عن الماكياج الذي يراد له أن يجمّلها. والأنكى من الأثنين هو: أنّها تمتاز برائحة طائفية كريهة، وتعيش في مستنقع طائفي فاسد يعتاش على سرقة ثروات وطننا وشعبنا.

أنّ الدولة بمفهومها غير المحدّد بتعريفات ثابتة  وفق القاموس السياسي أمام أسئلة كبيرة عن مشروعيتها بالعراق، فالعراق كــ "دولة" اليوم لا يعيش صراعا طبقيّا بالشكل المتعارف عليه، رغم إتّساع رقعة الفقر بين نسبة كبيرة من عدد سكّانه، فـ "الدولة" اليوم تعمل كأداة لطائفة ضد طائفة، وهذا بحد ذاته يلغي مفهوم الدولة بالكامل، وكون " الدولة" تراجعت عن تمثيل كافّة أبناء الشعب بشكل متساو، ولم تنجح في توزيع الثروات بشكل متساو وعادل، لذا فمفهوم الدولة من الناحية النظرية على الأقّل أمام تساؤلات مفتوحة عن شرعيتها، إن لم نقل وجودها.

الدولة اليوم بالعراق لا تأتي كونها صراع بين طبقات بل كونها صراع بين طوائف دينية، وهنا تحديدا تكون هي المسؤولة وإن إمتازت بمواصفات وتعريفات الدولة، عاملا على إنهيارها. فالدولة وإن كانت شخصيّة معنوية، تحوّلت  اليوم بالعراق الى سلطة تجيد فنون الصراع الطائفي وليس الصراع الإجتماعي، سلطة بعيدة عن تعريفات الدولة بالمطلق تقريبا.

يقول لينين في تعريفه للدولة من أنّها: "هيئة لسيادة وهيمنة طبقة على أخرى بقوة القانون كتعبير عن حالة الصراع بين الطبقات الاجتماعية". وتعريف لينين هنا يؤكّد عدم وجود دولة بالعراق لأسباب منها، غياب القانون

والذي إن وُجد فأنّه لا يمثل الّا مصالح رجالات السلطة الفاسدة، علاوة على عدم قوّته أصلا، فنراه متراجعا بجبن أمام قانون العشائر وقانون الميليشيات، ومنحنيا بذل أمام فتاوى المؤسسة الدينية التي هي أقوى من القانون! كما وأنّ الصراع مثلما ذكرنا قبل قليل هو صراع طائفي وليس صراع إجتماعي أو طبقي.

في تفسيره لوظيفة الدولة تجاه سكّانها وتأثرها بالعقل الجمعي، يرى الفيلسوف وعالم الإجتماع الفرنسي ( أميل دوركايم)، " أنّ من أهم واجبات الدولة هو تحكمّها وسيطرتها على العقل الجمعي للسكّان للحيلولة دون إنزلاق الخلاف الذي قد يحصل بين طوائفها وقومياتها المختلفة الى حرب أهليّة". ولو عدنا الى المثال العراقي اليوم، سنرى أنّ السلطة قد نسفت مفهوم الدولة ووظيفتها من خلال، مساهمتها الفعّالة في نشوب حرب أهليّة طائفيّة دفع شعبنا ولليوم أثمانها غالية جدا. كما شاركت أيضا بصدامات قوميّة ساهمت بتمزيق النسيج الإجتماعي، ووضع الدولة كمفهوم وكيان في خطر كبير. ووفقا والتفسير لازال لـ  (دوركايم) " فأنّ الدولة القويّة هي من تضع مشاكل شعبها على طاولة وتُشارك الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وأبناء شعبها في إيجاد الحلول المنطقية لها بما يعزز السلم المجتمعي، كما على الدولة أن تبتعد عن جميع مكونات شعبها بمسافة واحدة، والا فلا داع لإستمرارها".

لا يُمكن إصلاح أي شيء دون أن يكون ذلك الشيء موجودا، فلا يُمكن إصلاح سيّارة عاطلة مثلا دون أن تكون السيّارة موجودة، ولا يُمكن إصلاح بناء آيل للسقوط إن لم يكن هناك بناء أصلا، كما وأنّ الإصلاح وليكون إصلاحا حقيقيا فهو بحاجة الى عمّال ومهندسين ذوخبرة في مجال عملهما ويمتازون بالمهنية والحرفيّة، والّا فأن عملية الإصلاح وإن تمّت فأنها ستفشل وبذلك ستُهدر أموال وجهود ووقت. وإصلاح المؤسسات لايختلف بشيء عن الإصلاح الذي تطرقنا إليه قبل قليل، فإصلاح المؤسسة التعليمية بحاجة الى وجود عملية تعليميّة بالأساس، ولإصلاح العمليّة هذه سنكون بحاجة لبناء مدارس وجامعات ومختبرات، كما ونكون بحاجة الى بناء كادر تدريسي مسلّح بآخر تقنيات التعليم الحديث، ونفس الأمر ينطبق على المؤسسات الصحية والتربوية وغيرها. الا أن الإشكال الأكبر يكون عندما نتناول مفهوم إصلاح ما يطلق عليه " العملية السياسيّة". كوننا هنا بحاجة الى وجود عمليّة سياسيّة أساسا، ومن ثم التفكير والعمل على إصلاحها أو محاولة تزيين وجهها القبيح.

أي عمليّة سياسيّة بحاجة الى مشروع سياسي، تتفّق عليه أحزاب ومنظمات سياسية مختلفة أيديولوجيا، هدفها هو الوصول بالدولة للقيام بوظائفها تجاه مواطنيها والمقيمين فيها. ولو عدنا اليوم الى المثال العراقي، فهل هناك ما يشير الى قيام " الدولة" بوظائفها تجاه مواطنيها ونحن على أعتاب العام السادس عشر للإحتلال من خلال مشروع سياسي وعمليّة سياسية؟ الإجابة عن هذا السؤال تفضي الى سؤال آخر وهو الأهم: إن لم تكن هناك دولة بالشكل الحقيقي للدولة، والذي نتج وينتج لعدم وجود مشروع سياسي بالبلد، والذي يعني عدم وجود عملية سياسيّة، فهل الحديث عن إصلاح هذه العمليّة السياسية له مبرراته، وما هي هذه المبررات؟

أنّ إصلاح العمليّة السياسيّة بالعراق بحاجة الى ساسة يحترفون الوطنيّة ورجال دولة حقيقيين وأحزاب قادرة على بلورة حاجات الناس التي تتفاقم أحوالهم بشكل دراماتيكي ويومي الى حركات إحتجاجيّة، وليس الى رجال عصابات ومافيات لا تعرف الا السرقة والنهب والإنصياع الى إملاءات الدول الأجنبية والإقليميّة. وبالتالي فأنّ العراق لا يحتاج الى إصلاح العملية السياسية فيه نتيجة عدم وجود مشروع سياسي وطني، بل بحاجة الى تغيير شامل للسلطات الفاسدة الثلاث التي تتقاسم ثروات البلد سوية مع المؤسسات الدينيّة، أي تغيير شكل الحكم.

أنّ " الديموقراطيّة" بالعراق هي ديموقراطية الطوائف والقوميات، وهذا الشكل من الديموقراطية لا يبني الا وطنا للطوائف والقوميات. وهنا تحديدا تكون الدولة إن وجدت ملكا لأمراء الحرب والفاسدين. ويبقى السؤال الذي تصعب الإجابة عليه هو: هل سنرى تيارا سياسيا ينأى بنفسه عن سيرك " العمليّة السياسيّة" ليكون في مأمن من محاسبة التأريخ، والقوى الدينية القوميّة تقود البلاد نحو الكارثة. أنّ ما تسمّى بالعمليّة السياسيّة بالبلاد منذ الإحتلال الأمريكي لبلدنا ولليوم، ليست سوى عملية سرقة لتأريخ وثروات وحاضر ومستقبل شعبنا ووطننا، عملية سرقة تقودها نخب إسلاميّة وقومية وميليشياوية علينا فضحها والعمل ضدّها، لا العمل معها لبناء دولة على مقاساتها وأهدافها.

ما بين الأقواس، جاء بتصرف من مقالة تحت عنوان "مفهوم الدولة عند إميل دوركايم" للكاتب ، أحمد أغبال.

 

زكي رضا - الدنمارك

 

عبد الجبار الجبوريأمس إنتهى مؤتمر وارسو ضد الارهاب، الذي شاركت فيه أكثر ثمانين دولة، وهذه هي المرة الأولى في التاريخ، أن يجتمع هذا العدد الكبيرمن المسئولين الكبار من جميع دول العالم وترعاه الولايات المتحدة الامريكية بوفد كبير من نائب الرئيس ووزير خارجيته، لبحث قضية واحدة إتفق عليه الجميع، وإستشعروا خطورتها على العالم، ألا وهي خطرالارهاب الإيراني، وضرورة إزالة نظامه ولو بالقوة العسكرية، لأنه يمثل حسب التوصيف الامريكي (الراعي الأول للإرهاب في العالم)، وأنْ ( لاسلام في الشرق الاوسط دون مواجهة إيران)، إذن الهدف الأول من عقد مؤتمر عالمي، هو تحجّيم وإنهاء الدوّر الإيراني التخريّبي المزّعزّع لأمن وإستقرار الشرق الاوسط، الذي يأخذ أشكالاً متعددّة في الإرهاب، ويتمدّد في عواصم إستراتيجية عربية، تؤهلها للسيطرة على الشرق الاوسط جيوسياسياً، وهي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، مع تأسيس ميليشيات مسلحة مليونية تأتّمر بأوامر الولي الفقيه الايراني مباشرة (فقط في العراق أكثر من مئة ميليشيا)، ومهمة هذه الميليشيات والأحزاب هي إقامة الإمبراطورية الفارسية وعاصمتها بغداد، وإقامة (دولة العدل الالهية المزعومة لها)، وهي هدف إيران ومشروعها الإستراتيجي الديني الكوّني التوسّعي، الذي يسمّونه (الهلال الشيعي)، والذي أصبح (بدراً شيعياً كما يصرّح أتباعه)، وكانت جلسة مؤتمر ميونيخ لوزراء الدفاع والأمن خاتمة المؤتمر، والذي أفصح بشكل واضح وجَّلي، وبإتفاق الجميع، أن خطر الارهاب الإيراني أخذ يطرق أبواب الجميع، خاصة بعد الإعلان عن القضاء على تنظيم داعش في سوريا والعراق، وظهور فصائل مسلّحة متطرّفة جداً، أشدُّ وأقسى من داعش تسّمى –حرّاس الدين – تحمل بصماتها أصابع إيرانية واضحة، من خلال تنفيذ عملياتها، وطريقة التنفيذ ومكان التنفيذ وأدوات التنفيذ، مؤتمر ميونيخ وضع ستراتيجية مواجهة طهران عسكرياً، وخطوات وساعة التنفيذ، إذا ما فشل الحصار الإقتصادي والجوي والنفطي واللوجستي على ايران، وقد بدأت الادارة الامريكية أولى خطواتها بهذا الاتجاه، بإنتشارها السريع والواسع في الاراضي العراقية، وإمتلات القواعد والمعسكرات في جميع المدن العراقية، بالجيش الأمريكي المنسحب من سوريا، وتشكيّل ما يسمى – جيش السنة – لمواجهة الميليشيات، وطردها من المدن المحرّرة المتواجدة فيها، وعلى الطرف الآخر تحاول الأحزاب وقادة الميليشيات إستمالة – المدن السنية – وشخصياتها ورؤساء عشائرها، بالترغّيب والترهّيب الانضمام الى ميليشياتها أو الى الألوية التي تشكلّها حديثاً لقتال الأمريكان في العراق، وعرقلة تقدّمهم لإسقاط النظام الايراني، وشاهدنا عمليات إغتيالات لقادة الميليشيات، وإعتقالات للآخرين، وهناك وحسب المعلومات والتسريبات، صفحات لانهاء وتصفيّة آخرين، تمهيداً لتفكيّك وحلّ الحشد الشعبي والميليشيات بصورة كاملة، وحصر السلاح بيد الدولة فقط، وهذا قرار أمريكي له الأولوية في العراق، والتي أخذت تنادي به بعض المراجع في النجف، وقد اخذت تنفذ الميليشيات عمليات لتضليل الرأي العراقي والامريكي وهي عمليات غلق مقرات حشود وميليشيات تسمّيها ( وهميّة وخارجة عن القانون)، ونحن نعرف أنها كانت تقاتل الإرهاب مع الجيش والحشد الشعبي، فلماذا تفطنّت عليهم الآن الميليشيات، واخذت تصفيّهم وتجعلهم كبش فداء لها، كما فعلتْ مع أوس الخفاجي آمر لواء أبو فضل العباس وغيره، إذن المشهد العراقي الحكومي والميليشياوي والحشداوي لايحسدون عليه، لانهم أستشعروا خطر زوالهم أمريكياً، وهناك خياران لهم، أما مواجهة أمريكا عسكرياً، أو الإستسلام وتنفيذ ما يطلبه منهم الأمريكان من شروط قاسية جدا، تفقدهم سيطرتهم وقوّتهم على المدن والمحافظات والسلطة معاً، وهذا ما تصرّ عليه أمريكا، لأنها تدرك أن الميليشيات الايرانية التي تنفذ أجندة ولي الفقيه، هي سبب فشل المشروع الأمريكي في العراق والمنطقة، ويصبُّ في صالح المشروع الإيراني وبنجاح، فعليهم الإسراع بإنهاء دور وسطوّة وسيطرة الميليشيات ومن يتبّعها، السؤال الإفتراضي هل ستقاتل الميليشيات الأمريكان في العراق، بعد أن تخلّت عنهم، سيدّتهم وسيدّهم في طهران، حيث صرّح الرئيس الإيراني، قبل أيام بأن إيران ( غير مسئولة عن عمليات الميليشيات خارج ايران ولا تدعمها)، فهل هناك أبلغ من هذا الكلام والصراحة، نحن نرى ونعتقد جازمين، أن أياً من قادة الميليشيات، لن يجرؤ على إطلاق رصاصة واحدة، على جندي أمريكي واحد في عرض العراق وطوله، وهذه الجنود والقادة الامريكان يتجولون في شوارع وأسواق المدن، ولايجرؤ احدٌ على إعتراضها، وما تصريحات وتهديدات قادة هذه الميليشيات، إلاّ إستعراض للقوّة الوهمّية ووهم القوّة، لرفع معنويات الأتباع لاأكثر، وهذا يجري كله، والأحداث على الارض، تؤكد أن أمريكا، تحضّرلعمل عسكري واسع ومعركة طويلة مع الارهاب، الذي تمّثل رأسه وترعّاه وتموّله وتسلّحه إيران، فبعد إعلان إنتهاء العمليات مع داعش، في آخر معاقله في الباغوز بسوريا، ستنتقل المعركة للعراق، ومؤتمر وارسو يعبتر أكبر تحالف دولي عسكري ضد ايران، وهذا كماأشرّنا يحدث لأول مرة التاريخ، لأنه وَحّد العالم، وخاصة أوربا ضد دولة ترعى الارهاب العالمي هي إيران، وتقوده أمريكا بكلّ ثقلها العسكري والسياسي، والاعلامي والتكنولوجي الفائق القوة والتفوّق، ويعتبر المؤتمر إعلان حرب بمعنى الكلمة، والدليل تهّجم الرئيس الايراني روحاني عليه، ووصْفه بأنه مؤتمراً فاشلاً، ووصفه وزير الخاراجية ظريف، بأنه مؤتمر ضعيف ومسيّس، إذن إيران أدركت بعد إنعقاد مؤتمر وارسو أنها الهدف الثاني بعد داعش، وأنها الآن في عين عاصفة الحرب، في ظل ظروف إقتصادية منهارة تعيشها وبالغة القسوة داخلياً، بعد تجمّيد الأرصدة والبنوك والتعاملات المصرفية عربياً وعالمياً معها، وفي ظل إستحضارات عسكرية أمريكية وإسرائيلية وأوربية وعربية غير مسبوقة، آخرها فتح جميع المطارات، والقواعد ونصب الصواريخ، وإرسال ألوية وكوماندوس خاصة للعراق والمنطقة، والقبة الحديدية التي وصلت للقواعد العسكرية، ووصول حاملات الطائرات النووية واالبوارج الحربية لموانيء الخليج العربي والبحر الابيض، وتوجيّه صواريخ توما هوك الذكية وغيرها، كلُّ هذا يجري على مرآى ومسمع من العالم، يقابل هذا كله توافقات أمريكية – روسية وتوافقات أمريكية – تركية، حول مستقبل سوريا والعراق والشرق الأوسط كله، هذه التفاهمات عزلت وطوّقت نظام ملالي طهران سياسياً وعسكرياً، نعم تم تطويق ايران عسكرياً بالقواعد الأمريكية العسكرية، التي تنتظر إشارة البدء بعمل عسكري، سريع وخاطف لإسقاط النظام، ولهذا رأينا التهديّدات الايرانية، ضد السعودية ودول الخليج العربي وباكستان، بحجّة دعمها للإرهاب، وتحميّلها مسئولية التفجيرات، التي إستهدّفت الحرس الثوري في الاراضي الايرانية، نعم أقولها بثقة ويقين، أن مؤتمر وارسو وضع العالم كله في صورة تغيير النظام الايراني، وإقامة تحالف عالمي لذلك، وأنه أي المؤتمر، سيكون فاصلة بين عصرين، عصر قبل النظام الايراني، وعصر بعد النظام الايراني، أما الإستراتيجية الامريكية لمن لا يرى في جدّية أمريكا إسقاط نظام طهران، وإنهما ( حبايب من تحت العباءة وخلف الكواليس)، فأنه يخطيء هذه المرّة، لإن أمريكا تحالفت مع ملالي طهران لإسقاط نظام صدام حسين، وكانت مصالحهما تتوافق، وألآن تقاطعت المصالح جذرياً، بل أصبح نظام طهران يُشكّل تهديداً حقيقياً لمشروع أمريكا الإستراتيجي، في إقامة الشرق الاوسط الكبير، بل معرّقل له إنْ لم يكنْ ندّاً له، وعندما تتقاطع المصالح يصبح خيار الحرب أقرب من السلام وهو ما يحصل بين أمريكا وإيران في الشرق الأوسط، ألم يكنْ شعارأمريكا عبر التاريخ، لاتوجد صدقات دائمة بل توجد مصالح دائمة، وهو ما نراه الآن، مؤتمر وارسو سيضع الشرق الاوسط في عَين العاصفة، وسيغيّر خارطة المنطقة كلها، وأولّها تغيّر النظام الإيراني ...

 

عبد الجبار الجبوري